أحال عليه ابن الصلاح، ولا شك أنه عمل بالغ الأهمية، لا في الإيضاح للمبهمات فحسب، بل وفي توثيق كتاب ابن الصلاح، بتحديد مصادره، وتأصيل محتواه العلمي، كما أن له دلالة قوية على جهد العراقي المبذول في بحث نصوص الكتاب، وإرجاعها لمصادرها العديدة، كما هو المنهج العلمي المعتمد لتحقيق النصوص، حتى عصرنا هذا، ولذلك أيضًا دلالة قوية على سعة اطلاع العراقي، وتمكنه العلمي كما قدمت إيضاحه، وإليك بعض الأمثلة:
فمن ذلك: أن ابن الصلاح قال عن الحديث الطويل الموضوع في فضائل القرآن سورة فسورة: «بحث باحث عن مَخْرَجِه حتى انتهى إلى من اعترف بأنه وجماعة وضعوه» (١). فقال العراقي في «النكت»: «أبهم المصنف ذكر هذا الباحث الذي بحث عن هذا الحديث، وهو مؤمل بن إسماعيل»، ثم نقل النص المثبت لذلك فقال: «فروينا عن مؤمل أنه قال: حدثني شيخ بهذا الحديث، فقلت للشيخ من حدثك؟ فقال: حدثني رجل بالمدائن وهو حي، فسرت إليه، فقلت: من حدثك؟ فقال: حدثني شيخ بواسط، وهو حي، فصرت إليه فقال: حدثني شيخ بالبصرة فصِرْتُ إليه، فقال: حدثني شيخ بعبادان فصرتُ إليه، فأخذ بيدي فأدخلني بيتا فإذا فيه قوم من المتصوفة، ومعهم شيخ، فقال: هذا الشيخ حدثني، فقلت: يا شيخ من حدثك؟ فقال: لم يحدثني أحد، ولكنا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن، فوضعنا لهم هذا الحديث، ليصرفوا قلوبهم إلى القرآن» (٢).
стр. 982
ولم يعلق ابن الملقن (١) ولا البلقيني (٢) على إبهام ابن الصلاح المذكور بشيء، وقد أقر العلماء من بعد العراقي ما ذكره (٣).
وقال ابن الصلاح أيضًا: قال بعض أئمتنا: «المستور من يكون عدلا في الظاهر ولا تعرف عدالة باطنه» (٤).
فقال العراقي: «وهذا الذي أبهمه المصنف بقوله: «بعض أئمتنا» هو أبو محمد البغوي، صاحب «التهذيب»، فهذا لفظه بحروفه فيه، ويوافقه كلام الرافعي في الصوم، فإنه قال فيه: «إن العدالة الباطنة هي التي يرجع فيها إلى أقوال المزكين»» (٥).
وبذلك حدد مصدرين: أولهما بالنص، والثاني بالمعنى.
وتحديده لمصدر النص بحروفه، كما قال، يدل على أنه رجع إليه، وقابله تفصيلا، بما ذكره ابن الصلاح، وقد شارك العراقي في بيان هذا المبهم ابن الملقن (٦).
ومما جمع فيه العراقي بين تحديد المصدر، ورفع التضعيف: أن ابن الصلاح، ذكر من متشابه الرواة موسى بن علي بن رباح اللخمي المصري، وذكر أنه عرف بضم العين في اسم أبيه، قال: «وقد روينا عنه تجريحه ممن يقوله بالضم».
стр. 983
ثم قال: «ويقال: إن أهل مصر كانوا يقولونه بالفتح، لذلك، وأهل العراق كانوا يقولونه بالضم، وكان بعض الحفاظ يجعله بالفتح اسما له، وبالضم لقبا» (١).
فقال العراقي في «النكت» تعليقا على قوله: «ويقال أن أهل مصر» إلخ أبهم المصنف قائل ذلك وأتى بصيغة التمريض، والذي قال ذلك: محمد بن سعد، قاله في «الطبقات»، بلفظ: «أهل مصر يفتحون، وأهل العراق يضمون» وبنقله لنص ابن سعد، أوضح أن تضعيف هذا الرأي، هو من جانب ابن الصلاح، وليس من المصدر الأصلي الذي اعتمد عليه، وقد ذكر السخاوي: أن القول بفتح العين مشهور، وفتحها هو الصحيح (٢).
ثم علق العراقي على قول ابن الصلاح أيضا: «وكان بعض الحفاظ يجعله إسما له»، إلخ.
فقال: «أبهم المصنف تسمية الحافظ القائل ذلك، وهو الدارقطني» (٣) ولم يتعرض لأي من ذلك البلقيني (٤) ولا ابن الملقن (٥)، وقد أيد السيوطي العراقي في تحديد ما أبهمه ابن الصلاح (٦).
وربما حدّد العراقي ما أبهمه ابن الصلاح بطريق الاستنتاج، حسبما يظهر له.
стр. 984
مثال ذلك: أن ابن الصلاح قال عن سعيد بن المسيب: «وقد قال بعضهم: لا تصح له رواية عن أحد من العشرة (١)، إلا سعد بن أبي وقاص» (٢).
فقال العراقي: «قلت: هكذا أبهم المصنف قائل ذلك، والظاهر أنه أخذ ذلك من قول قتادة، الذي رواه مسلم في مقدمة «صحيحه»، من رواية همام قال: دخل أبو داود الأعمى على قتادة، فلما قام قالوا: إن هذا يزعم أنه لقي ثمانية عشر بدريًا، فقال قتادة: هذا كان سائلا قبل الجارف، لا يعرض في شيء من هذا، ولا يتكلم فيه، فوالله ما حدثنا الحسن عن بدري مشافهة ولا حدثنا سعيد بن المسيب عن بدري مشافهة، إلا عن سعد بن مالك» (٣)، ولم يتعرض البلقيني (٤)، ولا ابن الملقن (٥)، لذلك، ولكن قد أقر العراقي من بعده على ما استظهره، في تحديد ما أبهمه ابن الصلاح (٦)، ونقله عنه السيوطي (٧).
وقد ينبه على أنه لم يجد مصدرا لما قرره ابن الصلاح.
مثال ذلك: أن ابن الصلاح ذكر ممن يكنى أبا عبد الله من الرواة: عمارة بن حزم (٨) فقال العراقي: «يُنْظَرُ فإني لم أر من كنّاه بذلك، ولم يذكروا له كنية
стр. 985
فيما وقفت عليه، كالبخاري في «التاريخ الكبير»، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل»، والنسائي، وأبي أحمد الحاكم، وابن حبان، وابن منده، وابن عبد البر (١)، ولم يعلق البلقيني (٢)، ولا ابن الملقن (٣)، على ما ذكره ابن الصلاح بشيء، ولكن السيوطي تبع العراقي في التوقف في ذلك» (٤).
ثالثا: توضيحه للمشكل، والمجمل:
فمن المشكل أن ابن الصلاح ذكر عن الحافظ أبي نصر السجزي: أن قول الراوي: «بلغني» يسميه أصحاب الحديث «معضلا»، ومثل له بقول مالك: «بلغني عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: للمملوك طعامه وكسوته» الحديث (٥). فقال العراقي: «قد استشكل كون هذا الحديث معضلا، لجواز أن يكون الساقط بين مالك وأبي هريرة واحدا، فقد سمع مالك من جماعة من أصحاب أبي هريرة: كسعيد المقبري، ونعيم ابن المجمر، ومحمد بن المنكدر، فَلِمَ جعله معضلا؟»، ثم تصدى للجواب فقال: «والجواب: أن مالكًا قد وصل هذا الحديث خارج «الموطأ»، فرواه عن محمد بن عجلان، عن أبيه عن أبي هريرة» (٦).
فقد عرفنا سقوط اثنين منه، فلذلك سموه معضلا والله أعلم (٧). وبالمقارنة
стр. 986
نجد أن البلقيني (١)، وابن الملقن (٢)، قد اكتفيا ببيان وصل الإمام مالك للحديث، كما ذكر العراقي، دون إشارة إلى أن التمثيل به مشكل، ثم دَفْعُه. وقد اعتمد العلماء من بعد العراقي ما قرره من الإشكال ودفعه (٣).
ومن شرحه للمجمل الذي لم يشرحه سابقوه حتى عصر ابن الصلاح، أن ابن الصلاح قال في بيان ألفاظ التجريح والتعديل: «ومما لم يشرحه ابن أبي حاتم وغيره من الألفاظ المستعملة في هذا الباب، قولهم: فلان روى الناس عنه، فلان وسط». وذكر تكملة اثنتي عشرة لفظة، كما سيأتي، ثم قال: «وما من لفظة منها، ومن أشباهها، إلا ولها نظير شرحناه، أو أصل أصلناه، ننبه إن شاء الله تعالى به عليها» (٤)، لكنه كما ترى لم يلحق كل لفظ بنظيره أو أصله، كما لم أجد من فعل ذلك ممن اختصر الكتاب أو علق عليه (٥). أما العراقي فقال في «النكت»: «إن المصنف، أي ابن الصلاح، ذكر هنا ألفاظا للتوثيق وألفاظا للتجريح، ولم يميز بينها».
وقال: «إن ابن أبي حاتم وغيره لم يشرحوها»، قال: «وأراد بكونهم لم يشرحوها، أنهم لم يبينوا ألفاظ التوثيق من أي مرتبة هي؟ من الثانية، أو الثالثة، مثلاً، وكذلك ألفاظ التجريح لم يبينوا من أي منزلة هي؟، وليس
стр. 987
المراد أنهم لم يبينوا هل هي من ألفاظ التوثيق أو التجريح؟! فإن هذا لا يخفى على أهل الحديث»، ثم تصدى العراقي للشرح فقال: «وإذا كان كذلك، فقد رأيت أن أذكر كل لفظة منها، من أي مرتبة هي؟! لتعرف منزلة الراوي به»!
فأقول: «الألفاظ التي هي للتوثيق من هذه الألفاظ التي جمع المصنف بينها أربعة ألفاظ، وهي: قولهم فلان روى عنه الناس، وفلان وسط، وفلان مقارب الحديث، وفلان ما أعلم به بأسا» قال: «وهذه الألفاظ الأربعة من الرتبة الرابعة، وهي الأخيرة من ألفاظ التوثيق» ثم قال: «وأما بقية الألفاظ التي ذكرها هنا، فإنها من ألفاظ الجرح، وهي سبعة ألفاظ»، وبين مراتبها فقال: «فمن المرتبة الأولى وهي ألين ألفاظ الجرح، قولهم: فلان ليس بذاك وفلان ليس بذاك القوي، وفلان ضعيف، وفلان في حديثه ضعف، ومن الدرجة الثانية، وهي أشد في الجرح من التي قبلها: قولهم: «فلان لا يحتج به، فلان مضطرب الحديث»، ومن الدرجة الثالثة: وهي أشد من اللتين قبلها، قولهم: فلان لا شيء. ثم عقب قائلا: «فهذا ما ذكره المصنف هنا مهملا من مراتبه»، قال: «وذكر فيها أيضا: فلان مجهول».
وقال: «وقد تقدم ذكر المجهول في الموضع الذي ذكره المصنف فيه، وذكر أنه على ثلاثة أقسام، فأغنى ذلك عن ذكره هنا»» (١).
وقد تبع العلماء - حتى الآن - العراقي على هذا الشرح والترتيب لتلك الألفاظ في الجرح والتعديل، مع زيادة بعضهم لما وقف عليه من إضافات (٢).
стр. 988
الاعتراضات الموجهة إلى ابن الصلاح ومواقف العراقي منها، وأثرها:
جعل العراقي من هدفه كما قدمت، الجواب عن الاعتراضات غير الصحيحة التي وجهت إلى ابن الصلاح ممن اختصر كتابه، أو علق عليه، ولكني عندما فحصت نكت العراقي من أولها إلى آخرها، وجدته ذكر بجانب الاعتراضات غير الصحيحة وجوابه عنها، اعتراضات أخرى صحيحة وجهها العلماء أيضا لابن الصلاح، فذكرها العراقي وأقرها، كما وجدته افترض اعتراضات ثالثة، وأجاب عنها، ثم وجه هو انتقادات واعتراضات من جانبه إلى ابن الصلاح، وبهذا أصبحت الاعتراضات التي تناولها العراقي في نكته، على أربعة أنواع، وإن كان لم يصرح في مقدمة الكتاب إلا بالنوع الأول فقط، ولعل ذلك لأنه أكثرها، وسأقدم نماذج تفصيلية للأنواع الأربعة على النحو التالي:
أولا: الاعتراضات غير الصحيحة، واصطلاح العراقي فيها، وجوابه عنها:
تعتبر الاعتراضات غير الصحيحة، أكثر ما عنى العراقي به من الاعتراضات، حيث جعلها كما أشرت، هدفا أساسيا من أهداف تأليفه كتابه، وعنصرا أساسيا من منهجه فيه، وحتى لا يظن بالعراقي، أنه كان يميل إلى الشغب العلمي، أو التقليل من جهد غيره، أو الظهور عليه، خاصة وأن ممن رد عليهم بعض شيوخه كما سيأتي، من أجل ذلك نبه على غرضه من دفع تلك الاعتراضات، فقال: «فرأيت أن أذكرها، وأبين تصويب كلام الشيخ - أي ابن الصلاح - وترجيحه، لئلا يتعلق بها من لا يعرف مصطلحات القوم أي
стр. 989
المحدثين - وينفق من مُزْجَي البضاعات ما لا يصلح للسوم (١).
فهذا يشير إلى أن من يعرف مصطلحات المحدثين جيدا، يشارك العراقي الرأي، في دفع الاعتراضات التي ردها، كما يبين لنا أنه قصد بردها، حماية غير العارفين المتخصصين، من التعلق بها وترويجها، مع خطئها أو ضعفها.
وقد ظهر لي بالمقارنة والبحث ما يؤيد هذا، حيث وجدت قريني العراقي البلقيني وابن الملقن في تعليقهما على كتاب ابن الصلاح، قد أقرا بعض تلك الاعتراضات، ولم يتعرضا كلية لأكثر ما رده العراقي منها، كما وجدت أن ما شاركاه في تناوله، لم يتعمقا فيه تعمقه، مع قلة ما انفردا به، أو أحدهما عنه.
وقد أحصيت الاعتراضات غير الصحيحة التي أجاب العراقي عنها في جميع الكتاب، فبلغت قرابة ستين اعتراضًا، وفي بعضها يكون الاعتراض على أكثر من نقطة في الموضوع الواحد، فيقول العراقي مثلاً: «اعترض عليه بأمرين، ويجيب عنهما بجوابين، وأغلب تلك الاعتراضات وجدته موجها إلى ابن الصلاح ممن اختصر كتابه أو علق عليه، حتى عصر العراقي، مثل: تقي الدين بن دقيق العيد المتوفى سنة ٧٠٢ هـ، والحافظين: مغلطاي وابن كثير، شيخي العراقي، وبدر الدين الزركشي المتوفى سنة ٧٩٤ هـ وبعضها موجه إليه من غيرهم، كالحافظ محمد بن عمر الأندلسي المعروف بابن رشيد المتوفى سنة ٧٢٢ هـ، وكالحافظ أبو الفتح بن سيد الناس اليعمري المتوفى سنة ٧٣٤ هـ، وكالحافظ أبو الحجاج المزي المتوفي سنة ٧٤٢ هـ، وبعضها معترض عليه قبل ذكر ابن الصلاح له في كتابه، فسرى الاعتراض عليه.
стр. 990
ثم إن العراقي ذكر في «مقدمة النكت» اصطلاحا لذكر هذا النوع من الاعتراضات، يفيد عدم حرصه على التشهير بأحد، إذ يقول: «فحيث كان الاعتراض عليه - أي ابن الصلاح - غير صحيح، ولا مقبول، ذكرته بصيغة: «واعترض عليه» على البناء للمفعول (١)، لكني وجدته قد خالف هذا الاصطلاح في بعض الاعتراضات التي من هذا النوع، فصرح بذكر المعترض» (٢).
فكان التزامه به أغلبي، كما أنه قد وفق فيما أجاب به عن غالب تلك الاعتراضات، وأخذ العلماء من بعده بإجاباته وآرائه، وتناقلوها عنه في مؤلفاتهم في علوم السنة، على سبيل الاحتجاج بها، وإليك بعض النماذج:
بعض اعتراضات ابن دقيق العيد، وجواب العراقي عنه:
قال ابن الصلاح في تعريف الحديث الصحيح: «هو الحديث المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه، ولا يكون شاذا ولا معللا» (٣).
فقال العراقي في «النكت»: «اعترض عليه بأن من يقبل المرسل، لا يشترط أن يكون الحديث مسندا، وأيضا اشتراطه سلامته من الشذوذ والعلة، إنما زادها أهل الحديث»، كما قاله ابن دقيق العيد في «الاقتراح» حيث قال: «وفي هذين الشرطين نظر على مقتضى نظر الفقهاء، فإن كثيرا من العلل التي
стр. 991
يعلل بها المحدثون، لا تجري على أصول الفقهاء»، قال: «ومن شرط الحد أن يكون جامعا مانعا.
ثم تصدى العراقي للرد فقال: «والجواب: أن من يصنف في علم الحديث إنما يذكر الحد عند أهله، لا من عند غيرهم من أهل علم آخر». وبين موقف المحدثين من حجية المرسل فقال: «وفي مقدمة مسلم: أن المرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار، ليس بحجة» وعليه يكون إخراجه من الحد عند المحدثين ليس مسلما».
أما شرطا عدم الشذوذ والعلة، فأجاب عنهما بقوله: «وكون الفقهاء والأصوليين لا يشترطون في الصحيح هذين الشرطين، لا يفسد الحد عند من يشترطهما»، وتنزل في الرد أكثر فقال: «على أن المصنف قد احترز عن خلافهم، وقال بعد أن فرغ من الحد وما يحترز به عنه: فهذا هو الحديث الذي يحكم له بالصحة بلا خلاف بين أهل الحديث، وقد يختلفون في صحة بعض الأحاديث، لاختلافهم في وجود هذه الأوصاف فيه، أو لاختلافهم في اشتراط بعض هذه الأوصاف كما في المرسل». قال العراقي: فقد احترز المصنف عما اعترض به عليه، فلم يبق للإعتراض وجه، والله أعلم (١).
وعند المقارنة نجد أن البلقيني ذكر في «محاسنه» الاعتراضين السابقين وأقرهما (٢)، وذكر ابن الملقن ثانيهما فقط، وأقره كذلك (٣)
стр. 992
وقال الزركشي: «إن اشتراط نفي الشذوذ ليس متفقا عليه» (١).
ولكن العلماء من بعدهم حتى الآن، قد أخذوا بما قرره العراقي في جوابه المتقدم، من اشتراط اتصال السند، وعدم الشذوذ، وعدم العلة في حد الصحيح، مع إضافة ما بدا لهم (٢)، وتناقل بعضهم عنه جوابه السابق نصا أو معنى (٣).
مما اعترض به المزي وأجاب عنه العراقي:
نقل ابن الصلاح عن الخطيب البغدادي أن الهزهاز بن ميزن، لا راوي عنه غير الشعبي، ثم استدرك عليه، بأنه قد روى عن الهزهاز: سفيان الثوري أيضًا (٤) فتعقب ابن الملقن ابن الصلاح فقال: «قلت: هذا سهو، فإن الثوري لم يرو عن الشعبي، فكيف يروي عن شيخه؟، ثم قال: «نبه عليه الحافظ جمال الدين المزي (٥) فبين أن مصدره هو الحافظ المزي، أما البلقيني فلم يذكر هذا الاعتراض كلية» (٦)، لكن العراقي ذكر الاعتراض وأجاب عنه فقال:
стр. 993
«اعترض على المصنف في قوله: «إن الثوري روى عن الهزهاز، بأن الثوري لم يرو عن الشعبي نفسه، فكيف يروي عن شيوخه؟، ثم أجاب بقوله: وقد يقال: لا يلزم من عدم روايته عن الشعبي، عدم روايته عن الهزهاز، ولعل الهزهاز تأخر بعد الشعبي» قال: «ويقوي ذلك: أن ابن أبي حاتم ذكر في كتاب «الجرح والتعديل»: أنه روى عن الهزهاز هذا، «الجراح ابن مليح» والجراح أصغر من الثوري، وتأخر بعده عدة سنين، والله أعلم (١)، وقد نقل البقاعي هذا الاعتراض وجوابه نصا، عن نكت العراقي، وأقره» (٢).
مما اعترض به الحافظ مغلطاي، شيخ العراقي، وجوابه عنه:
ذكر ابن الصلاح: أن الحديث المعلق: هو الذي حذف من مبتدأ إسناده واحد أو أكثر، وذكر أن التعليق يكون بصيغة تفيد الجزم بنسبة الحديث إلى المعلق عنه، مثل: قال كذا، ورَوَى كذا، ويكون بصيغة تفيد التمريض والضعف مثل: روي بضم الراء، عن الرسول ﷺ ، أو عن فلان من الرواة كذا، ثم قال: «إن ما علقه البخاري بلفظ فيه جزم، وحكم منه على من علقه عنه، فقد حكم بصحته عنه، وأما ما لم يكن في لفظه جزم وحكم، فليس في شيء منه حكم بصحته عمن ذكره عنه؛ لأن مثل هذه العبارات تستعمل في الحديث الضعيف أيضا» (٣)
وقد قال العراقي في «النكت»: «إنه اعترض على المصنف فيما قاله» من
стр. 994
أن ما كان مجزوما به فقد حكم (البخاري) بصحته عمن علقه عنه، وما لم يكن مجزوما به، فليس فيه حكم بصحته.
قال ابن الصلاح: «وذلك لأن البخاري يورد الشيء بصيغة التمريض، ثم يخرجه في صحيحه مسندا، ويجزم بالشيء، وقد يكون لا يصح» قال العراقي: «ثم استدل المعترض لذلك، بأن البخاري قال في كتاب الصلاة: «ويذكر عن أبي موسى: كنا نتناوب النبي ﷺ عند صلاة العشاء، ثم أسنده في باب فضل العشاء»».
وقال في كتاب الطب: «ويذكر عن ابن عباس عن النبي ﷺ في الرقى بفاتحة الكتاب»، وهو مذكور عنده هكذا: «قال: حدثنا سيدان بن مضارب حدثنا أبو معشر البراء، حدثني عبد الله بن الأخنس، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس به» وذكر مثالين آخرين، ثم انتقل إلى النوع الثاني، وهو ما جزم به البخاري وهو لا يصح، فذكر أن المعترض استدل على هذا بأن البخاري قال في كتاب التوحيد، في باب: وكان عرشه على الماء، إثر حديث أبي سعيد «الناس يصعقون يوم القيامة فإذا أنا بموسى» قال: «وقال الماجشون، وعن عبد الله بن الفضل، عن أبي سلمة عن أبي هريرة». قال: المعترض: ورد البخاري بنفسه على نفسه (١)، فذكر في «أحاديث الأنبياء» حديث الماجشون هذا عن عبد الله بن الفضل، عن الأعرج عن أبي هريرة، وكذا رواه مسلم والنسائي، ثم قال: «قال أبو مسعود - (أي الدمشقي) -
стр. 995
إنما يعرف أي الحديث السابق، عن الماجشون عن ابن الفضل عن الأعرج».
قال العراقي: «انتهى ما اعترض به عليه» (١). ولم يصرح العراقي بصاحب هذا الاعتراض بناء على اصطلاحه السابق ذكره، ولكن تلميذه ابن حجر ذكر أن المعترض بهذا على ابن الصلاح، هو الحافظ مغلطاوي (٢)، وهو شيخ العراقي كما تقدم، وقد ذكر ابن الملقن هذا الاعتراض، كاستدراك من جانبه هو على ابن الصلاح، وأقره (٣)، وذكر نحوه البلقيني أيضًا بدون عزو لأحد، ثم أجاب بأن البخاري حافظ لا يعترض عليه بمجرد أنا لم نجد الحديث المعلق في قوله: وقال: (الماجشون إلخ ما تقدم) مثلما ذكره، ثم قال: «إن قول ابن الصلاح: إن ما ليس فيه جزم، لا يكون حكمًا بصحته، لا يلزم منه أن يكون حكمًا بالضعف، بل المراد، لا دلالة فيه على الصحة بمجرد هذا اللفظ، وقد يكون صحيحًا» (٤).
أما العراقي فإنه بعد أن ذكر الاعتراض بأمثلته كما أشرت، قام بإجابة تفصيلية وعملية، إذ يقول: «والجواب: أن ابن الصلاح لم يقل: إن صيغة التمريض لا تستعمل إلا في الضعيف، بل في كلامه أنها تستعمل في الصحيح أيضًا»، قال العراقي: «ألا ترى قوله: لأن مثل هذه العبارات تستعمل في الحديث الضعيف أيضًا؟» فقوله: «أيضًا»، دال على أنها تستعمل في الصحيح أيضًا، فاستعمال البخاري لها في موضع الصحيح ليس
стр. 996
مخالفا لكلام ابن الصلاح، وإنما ذكر المصنف: أنا إذا وجدنا عنده حديثا مذكورًا بصيغة التمريض، ولم يذكره في موقع آخر من كتابه مسندًا أو تعليقا مجزوما به، لم يحكم عليه بالصحة، وهو كلام صحيح، ثم قال العراقي: ونحن لم نحكم على الأمثلة التي اعترض بها المعترض، إلا بوجودها في كتابه أي البخاري مسندة فلو لم نجدها في كتابه إلا في مواضع التمريض، لم نحكم بصحتها.
ثم قال العراقي: «على أن هذه الأمثلة الثلاثة التي اعترض بها، يمكن الجواب عنها بما ستراه».
وأضاف قائلا: «والبخاري ﵀، حيث علق ما هو صحيح، إنما يأتي به بصيغة الجزم، وقد يأتي به بغير صيغة الجزم لغرض آخر، غير الضعف وهو: إذا اختصر الحديث، وأتى به بالمعنى، عبّر بصيغة التمريض، لوجود الخلاف المشهور في جواز الرواية بالمعنى، والخلاف أيضًا في جواز اختصار الحديث».
ثم أحال العراقي القارئ على واقع صحيح البخاري نفسه، فقال: «وإن رأيت أن يتضح لك ذلك، فقابل بين موضع التعليق، وبين موضع الإسناد، تجد ذلك واضحا».
وانتقل إلى الجواب التفصيلي عن الأمثلة المعترض بها فقال:
فأما المثال الأول: فقال البخاري في باب ذكر العشاء والعتمة:
ويُذكر عن أبي موسى: «كنا نتناوب النبي ﷺ عند صلاة العشاء، فأعتم بها»، ثم قال في باب فضل العشاء: حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة عن يزيد عن أبي بردة عن أبي موسى قال: «كنت أنا وأصحابي الذين
стр. 997
قدموا معي في السفينة نزولاً في بقيع بطحان، والنبي ﷺ بالمدينة، فكان يتناوب النبي ﷺ عند صلاة العشاء كل ليلة، نفر منهم، فوافقنا النبي ﷺ وله بعض الشغل، في بعض أمره، فأعتم بالصلاة حتى أبهار الليل» الحديث.
وعقب العراقي بقوله: «فانظر كيف اختصره هناك، وذكره بالمعنى، فلهذا عدل عن الجزم؛ لوجود الخلاف في جواز ذلك، والله أعلم».
وهكذا أجاب العراقي عن باقي الأمثلة واحدا واحدا (١).
وقد تابع العراقي على جوابه المفصل عن هذا الاعتراض العلماء من بعده، فقد قال البخاري بشأن النفاق: «ويذكر عن الحسن ما خافه إلا مؤمن، ولا أمنه إلا منافق»، فقال ابن حجر في شرحه: «وقد يُسْتَشْكل ترك البخاري الجزم به مع صحته عنه، أي عن الحسن» ثم أجاب بقوله: «وذلك محمول على قاعدة ذكرها لي شيخنا أبو الفضل بن الحسين الحافظ ﵀، يعني العراقي «وهي: أن البخاري لا يخص صيغة التمريض بضعف الإسناد، بل إذا ذكر المتن بالمعنى، أو اختصره، أتى بها أيضًا، لما علم من الخلاف في ذلك»، فههنا كذلك» (٢).
ونلاحظ أن هذه القاعدة التي صرح ابن حجر بتلقيها عن شيخه العراقي، هي بعض جوابه عن الاعتراض المذكور، كما نقل أيضًا خلاصة هذا الجواب مرة أخرى، محتجا به (٣)، ثم نقل عنه في بيان وصل المعلقات التي ذكرت في
стр. 998
الاعتراض كما تقدم، وإن كان تعقبه في بعضها، مع إضافات أخرى (١)، ونقل عنه أيضًا بعض ما تقدم كل من البقاعي (٢) والسيوطي (٣).
من الاعتراضات الصحيحة على ابن الصلاح، وإقرار العراقي لها:
فمن ذلك أن ابن الصلاح قال عن تصحيح الحاكم للأحاديث إنه واسع الخطو في شرط الصحيح، متساهل في القضاء به، فالأولى أن نتوسط في أمره، فنقول: «ما حكم بصحته، ولم نجد ذلك فيه لغيره من الأئمة، إن لم يكن من قبيل الصحيح، فهو من قبيل الحسن، يحتج به، ويعمل به، إلا أن تظهر علة توجب ضعفه» (٤).
فقال العراقي في «النكت»: «وقد تعقبه بعض من اختصر كلامه، وهو مولانا قاضي القضاة بدر الدين بن جماعة، فقال إنه - أي ما صححه الحاكم منفردا به عن غيره، يتتبع ويحكم عليه بما يليق بحاله، من الحسن أو الصحة أو الضعف» قال العراقي: «وهذا هو الصواب» (٥). وبهذا صوّب اعتراض ابن جماعة المذكور، الموجه إلى ابن الصلاح، وقد شاركه في هذا الزركشي في نكته أيضًا (٦).
ومن ذلك أن ابن الصلاح قال: «وروينا عن مسروق قال: وجدتُ علم
стр. 999
أصحاب النبي ﷺ انتهى إلى ستة: عمر، وعلي، وأبي، وزيد، وأبي الدرداء، وعبد الله بن مسعود، ثم انتهى علم هؤلاء الستة إلى اثنين: علي، وعبد الله، قال ابن الصلاح: «وروينا نحوه عن المطرف عن الشعبي عن مسروق، ولكن ذكر أبا موسى الأشعري، بدل أبي الدرداء» (١)
فقال العراقي في «النكت»: «وقد يستشكل قول مسروق: «إن علم الستة المذكورين انتهى إلى علي وعبد الله، من حيث إن عليا وابن مسعود، ماتا قبل زيد بن ثابت وأبي موسى الأشعري، بلا خلاف، فكيف ينتهى علم من تأخرت وفاته، إلى من مات قبله، وما وجه ذلك؟»». ثم قال: «وقد يقال في الجواب عن ذلك: إن المراد يكون علم المذكورين انتهى إلى علي وعبد الله أنهما ضما علم المذكورين إلى علمهما، في حياة المذكورين، وإن تأخرت وفاة بعض المذكورين عنهما، والله أعلم» (٢). ولم يتعرض البلقيني، ولا ابن الملقن، كلية لفرض هذا الاعتراض، والجواب عنه.
من اعتراضات العراقي على ابن الصلاح:
من ذلك أن ابن الصلاح قال: «إن الحاكم أودع في كتابه «المستدرك على الصحيحين» ما ليس في واحد من الصحيحين» (٣)
فقال العراقي في «النكت»: «إن قوله: أودع فيه ما ليس في واحد من الصحيحين، ليس كذلك، فقد أودعه أحاديث مخرجة في الصحيح، وهما
стр. 1000
منه في ذلك، وهي أحاديث كثيرة منها: حديث أبي سعيد الخدري مرفوعًا: «لا تكتبوا عني شيئًا سوى القرآن» الحديث، رواه الحاكم في مناقب أبي سعيد الخدري، وقد أخرجه مسلم في صحيحه».
ثم ذكر العراقي مصدرًا جامعًا لكثير من تلك الأحاديث فقال: «وقد بين الحافظ أبو عبد الله الذهبي في «مختصر المستدرك» كثيرًا من الأحاديث التي أخرجها في «المستدرك» وهي في الصحيح (١)، وقد شارك البلقيني العراقي في هذا الانتقاد» (٢).
مناقشة العراقي، ومن يوافقه، في انتقاده لابن الصلاح في حكم تصحيح المتأخرين للأحاديث:
ومن الانتقادات التي وجهها العراقي إلى ابن الصلاح: حكم تصحيح المتأخرين للأحاديث التي لم يسبقوا إلى تصحيحها، فقد قال ابن الصلاح - في مبحث الصحيح -: «إذا وجدنا فيما يروى من أجزاء الحديث وغيرها، حديثا صحيح الإسناد، ولم نجده في أحد الصحيحين، ولا منصوصًا على صحته في شيء من مصنفات أئمة الحديث المعتمدة المشهورة، فإنا لا نتجاسر على جزم الحكم بصحته، فقد تعذر في هذه الأعصار، الاستقلال بإدراك الصحيح بمجرد اعتبار الأسانيد؛ لأنه ما من إسناد من ذلك، إلا ونجد في رجاله من اعتمد في روايته على ما في كتابه، عريا عما يشترط في الصحيح من الحفظ، والضبط، والإتقان، فآل الأمر إذن في معرفة الصحيح والحسن
стр. 1001
إلى الاعتماد على ما نص عليه أئمة الحديث في تصانيفهم المعتمدة المشهورة، التي يؤمن فيها - لشهرتها - من التغيير والتحريف (١).
وقد تعقب العراقي ابن الصلاح، فذكر في «النكت»: «أنه قد خالفه في ذلك، الشيخ محيي الدين النووي فقال: «والأظهر عندي جوازه، لمن تمكن، وقويت معرفته»» إهـ.
وأتبع العراقي كلام النووي بقوله: «وما رجحه النووي هو الذي عليه عمل أهل الحديث، فقد صحح جماعة من المتأخرين أحاديث لم نجد لمن تقدمهم فيها تصحيحا … »، وضرب أمثلة ببعض الأحاديث التي صححها العلماء منذ عصر ابن الصلاح، حتى عصر العراقي.
ثم قال: «ولم يزل ذلك دأب من بلغ أهلية ذاك منهم، إلا أن منهم من لا يقبل ذاك منهم، وكذا كان المتقدمون، ربما صحح بعضهم شيئًا، فأنكر عليه تصحيحه، والله أعلم» (٢)، وهذا الانتقاد وافق العراقي فيه غير واحد ممن قبله كالإمام النووي، وممن بعده، كتلميذه ابن حجر، ولكني وقفت على رسالة خطية للسيوطي سماها «التنقيح في مسألة التصحيح» ودفع فيها هذا الاعتراض على ابن الصلاح، دفعا أراه وجيهًا، إذ يقول: «ذكر الشيخ تقي الدين بن الصلاح: أن باب التصحيح انْسَدَّ في هذه الأزمان، وخالفه النووي ومن جاء بعده من الحفاظ، إلى الحافظ ابن حجر، فاعترضوا على ابن الصلاح في مقالته، وجوزوا التصحيح، وأنه لا ينقطع ذلك، ولا يمتنع، ممن
стр. 1002
له أهلية ذلك .. ».
ثم قال: «وأطال الحافظ العراقي، والحافظ ابن حجر، في نكتهما، المناقشة مع ابن الصلاح في ذلك، والتحقيق عندي: أنه لا اعتراض على ابن الصلاح، ولا مخالفة بينه وبين من صحح في عصره أو بعده»، وتقرير ذلك: أن الصحيح قسمان:
صحيح لذاته، وصحيح لغيره. كما هو مقرر في كتاب ابن الصلاح وغيره، والذي منعه ابن الصلاح، إنما هو القسم الأول، دون الثاني كما تعطيه عبارته، وذلك أن يوجد في جزء من الأجزاء حديث يسند من طريق واحد، لم تتعدد طرقه، ويكون ظاهر ذلك الإسناد الصحة، لاتصاله، وثقة رجاله، فيريد الإنسان أن يحكم على هذا الحديث بالصحة لذاته، بمجرد هذا الظاهر، ولم يوجد لأحد من أئمة الحديث الحكم عليه بالصحة، فهذا ممنوع قطعا؛ لأن مجرد ذلك لا يُكْتَفَى به في الحكم بالصحة، بل لابد من فقد الشذوذ والعلة، والوقوف على ذلك الآن متعسر، بل متعذر؛ لأن الاطلاع على العلل الخفية، إنما كان للأئمة المتقدمين، لقرب أعصارهم من عصر النبي ﷺ ، فكان الواحد منهم يكون شيوخه التابعين، أو أتباع التابعين، أو الطبقة الرابعة فكان الوقوف على العلل إذ ذاك متيسرا للحافظ العارف، وأما الأزمان المتأخرة، فقد طالت فيها الأسانيد، وتعذر الوقوف على العلل، إلا بالنقل من الكتب المصنفة في العلل، فإذا وجد الإنسان في جزء من الأجزاء حديثًا بسند واحد ظاهره الصحة، لاتصاله وثقة رجاله، لم يمكنه الحكم بالصحة لذاته، لاحتمال أن تكون له علة خفية، لم يطلع عليها، لتعذر الإحاطة بالعلل في هذه الأزمان، ثم قال السيوطي: «وأما القسم الثاني - أي الصحيح لغيره -
стр. 1003
فهذا لا يمنعه ابن الصلاح، ولا غيره، وعليه يحمل صنيع من كان في عصره، ومن جاء بعده»، وأيد السيوطي ذلك بالإستقراء العملي من جانبه هو، إذ يقول: (فإني استقريت ما صححه هؤلاء، يعني المتأخرين، فوجدته من قسم الصحيح لغيره لا لذاته)، قال: «وقد أعطى أئمة الحديث المتقدمون قاعدة وهي: أنه إذا وجد للحسن طريق آخر يشبهه، حُكم بصحته، ويكون صحيحًا لغيره لا لذاته، فعمل هؤلاء المصححون بهذه القاعدة، فصححوا الأحاديث التي صححوها لتعدد طرقها، عملا بالقاعدة المذكورة، فهم في ذلك تابعون للأئمة فيما أصلوه، وعاملون بما رأوا صوابه، فلا ينسب إليهم منافاة ولا مخالفة».
قال السيوطي: «وبهذا انحلت المسألة، وعلم أنه لا مخالفة بين قول ابن الصلاح، وبين فعل أهل عصره، ومن بعده، وأن الفريقين لم يتواردا على محل واحد، بل ابن الصلاح مانع من التصحيح لذاته، وهؤلاء مجوزون التصحيح لغيره، وابن الصلاح لا يمنع ذلك» (١).
والذي يبدو لي أن العراقي، والسيوطي، ومن وافقهما، لا يُسلم لهم ما قرروه بشأن رأي ابن الصلاح في هذه المسألة، وذلك لأمور: -
أولها: أنهم قرروا رأي ابن الصلاح بناء على كلامه في موضع واحد من كتابه، وهو النوع الأول: «معرفة الصحيح»، في حين نجد أن ابن الصلاح، في مبحث متأخر، وهو النوع الثالث عشر: «معرفة الشاذ» يصرح بإمكان حكم المتأخرين أمثاله، بالصحة، أو الحسن، أو الشذوذ والرد لما انفرد به أحد الرواة
стр. 1004
الب الثالث: اثر العراقي مولفاته وارائة في مصطلح على السنة وعلومه حالها المستحق حديثهم لذلك، بحسب مرتبة الراوي النقدية، ولم يشترط وجود حكم بالتصحيح، أو التحسين، أو التضعيف، من أحد المتقدمين على حديث هذا الراوي المنفرد، ومقتضى ذلك، أنه يقر إمكان التصحيح الذاتي، أو التحسين الذاتي، أو التضعيف الذاتي، وإدراك الشذوذ والعلة ممن يتأهل لإدراك ذلك من المتأخرين وبيان ذلك: أنه في مبحث «الحديث الشاذ» يقول عن الراوي المنفرد بالحديث: «إذا انفرد الراوي بشيء نُظر فيه، فإن كان ما انفرد به مخالفا لما رواه مَنْ هو أولى منه بالحفظ لذلك وأضبط، كان ما انفرد به شاذا مردودا، وإن لم تكن فيه مخالفة لما رواه غيره، وإنما هو أمر رواه هو، ولم يروه غيره، فَيُنظر في هذا الراوي المنفرد: فإن كان عدلاً حافظًا، موثوقا بإتقانه وضبطه، قبل ما انفرد به، ولم يقدح الانفراد فيه … ، وإن لم يكن ممن يوثق بحفظه وإتقانه لذلك الذي انفرد به، كان انفراده خارما له، مزحزحا له عن حيز الصحيح».
ثم هو بعد ذلك دائر بين مراتب متفاوتة، بحسب الحال: -
فإن كان المنفرد به غير بعيد من درجة الحافظ الضابط، المقبول تفرده، اسْتَحْسَنَّا حديثه ذلك، ولم نحطه إلى قبيل الحديث الضعيف.
وإن كان بعيدا من ذلك رَدَدْنا ما انفرد به، وكان من قبيل الشاذ المنكر (١) وبذلك يكون كلام ابن الصلاح هذا في النوع المتأخر وهو السادس عشر، فيه مخالفة لما سبق تقريره له في النوع الأول، فيمكن اعتبار التأخر المكاني لكلامه الذي في «معرفة الشاذ» قرينة ظاهرة على تغير رأيه، وأن كلامه في نوع
стр. 1005
الشاذ هو قوله الأخير في الموضوع، كما هي القاعدة في تعدد الأقوال، لا سيما وقد عُرف أن ابن الصلاح قد أملى كتابه هذا شيئا بعد شيء (١)، وقد تعقبه العراقي نفسه في أكثر من موضع غير هذا قد اختلف رأيه فيه في الموضع المتقدم، عما ذكره في الموضع المتأخر، وصوب العراقي قوله المتأخر (٢).
وعليه يكون المعتمد من رأي ابن الصلاح هو ما يستفاد من كلامه في الموضع المتأخر وهو نوع (معرفة الشاذ) حيث أفاد أن المتأخرين أمثاله، المتأهلين للحكم والنظر، بإمكانهم الحكم على الأحاديث بالصحة الذاتية، أو الحسن الذاتي، أو التضعيف والرد، وإدراك الشذوذ، أو غيره من العلل القادحة، بناء على نظر كل منهم في حال الراوي والمروي، ومراعاة القواعد المعتبرة في ذلك، ولو لم يوجد للمتقدمين حكم على تلك الأحاديث، ولا بيان لعلة المعلول منها.
كما أنه لم يفرق في ذلك بين الأسانيد الطويلة المتأخرة، وبين القصيرة المتقدمة، ولا بين الموجود في مصادر مشهورة وبين الموجود في أجزاء الحديث غير المشهورة، ولا بين الراوي الذي يعتمد على ما في كتابه، وبين الذي يعتمد على حفظه وإتقانه في صدره.
الأمر الثاني: ما ذكره السيوطي ﵀ أنه استقرأ ما صححه الأئمة المتأخرون فوجده من قسم الصحيح لغيره، لا لذاته، يخالف الواقع الذي
стр. 1006
البالثالث: اثر العراقي والمائة والمالية في مصطلح على السنة وعلى حالها كان متوافرا لديه، وما زال متوافرا لدينا بعده، من مؤلفات المتأخرين مثل: «كتاب الأحاديث المختارة، مما ليس في الصحيحين» للضياء المقدسي، و «تفسير القرآن العظيم» و «البداية والنهاية» كلاهما للحافظ ابن كثير، و «المغني عن حمل الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار»، «تكملة شرح الترمذي» كلاهما للحافظ العراقي، و «فتح الباري، بشرح صحيح البخاري» و «نتائج الأفكار، في تخريج أحاديث الأذكار» كلاهما للحافظ ابن حجر العسقلاني، فمن يراجع تلك المؤلفات يجد فيها ما صححه أو حسنه مؤلفوها لذاته؛ حيث يقيدون الصحة أو الحسن بسند معين للحديث، أو بطريق راو معين، ويجد فيها أيضا ما صححوه أو حسنوه لغيره، حيث يقيدون الصحة أو الحسن بمراعاة شاهد أو متابع.
الأمر الثالث: القاعدة التي نسبها السيوطي للمتقدمين، قد أشار إليها الحافظ ابن حجر العسقلاني في النكت له (١/ ٤٢٠، ٤٢١) وأشار إليها غيره (شرح شرح النخبة لعلي قاري/ ٧٢) لكن كنا نحتاج أن يعزو السيوطي أو من بعده هذه القاعدة لواحد معين أو أكثر، أو حتى مصدر معين من مؤلفات المتقدمين، حتى يمكن مراجعتها وتأصيلها.
الأمر الرابع: هناك نقطة كان ينبغي للعراقي والسيوطي تعقب الإمام ابن الصلاح فيها، وهي تعليله تعذر استقلال المتأخرين بالتصحيح، فإن فيما ذكره مبالغة، ومخالفة للقواعد، حيث يقول: «لأنه ما من إسناد من ذلك إلا وتجد في رجاله من اعتمد في روايته على ما في كتابه، عريا عما يشترط في الصحيح من الحفظ والضبط والإتقان» / المقدمة مع النكت للعراقي/ ص ١٢ ط حلب/
стр. 1007
فقوله: «ما من إسناد من ذلك إلا وتجد في رجاله من اعتمد في روايته على ما في كتابه … » تعميم واسع، يقتضي إحاطة ابن الصلاح بكل الأسانيد المتأخرة الواقعة في غير الكتب المشهورة، وهو أمر فيه بعد، وتعذر ظاهر.
كما أن قوله: «عريا عما يشترط في الصحيح من الحفظ والضبط والإتقان» مخالف لما قرره هو وغيره: من أن الضبط أو الحفظ المشترط في راوي الصحيح، إما ضبط وحفظ صدري، وإما ضبط وحفظ كتابي، وأن ما يوجد منهما يكفي في تحقيق شرط الصحة (١).
وبالتالي فإننا لو سلمنا جدلاً أن كل الأسانيد التي في غير المصنفات المشهورة، لا تخلو ممن يعتمد على ضبط كتابه فقط، لم يكن ذلك بمفرده مانعا من الحكم بالصحة.
بحوث العراقي المفردة التي ألحقها بموضوعات النكت:
جعل العراقي من منهجه في النكت ذكر بحوث مفردة، ألحقها بالموضوعات المتصلة بها وصرح - غير مرة - بالفائدة العلمية التي قصدها بتلك البحوث، حتى لا ينتقد بالإستطراد بدون داع، أو بالخروج عن الموضوعية.
وقد أحصيت هذه البحوث فبلغت قرابة الثلاثين بحثًا، مع تفاوت أحجامها: من صفحة إلى صفحات، وبعضها ذكر جانبًا منه في شرح الألفية السابق، ثم ذكره مستوفى في «النكت»، كما أني لاحظت عدم تعرض قرينيه البلقيني، وابن الملقن، لأكثرها، واختلافهما معه في بعضها، كما وجدت العلماء من بعده قد استمدوا من تلك البحوث في مؤلفاتهم في علوم السنة.
стр. 1008
وإليك بعض النماذج لذلك:
فمن ذلك أن ابن الصلاح ذكر أن حديث «الأعمال بالنيات» لا يصلح مثالا للمتواتر؛ لأن التواتر طرأ عليه في وسط إسناده، ولم يوجد في أوائله (١)؟ فذكر العراقي في «النكت» أنه قد اعترض على ابن الصلاح بأن حديث الأعمال المذكور، ذكر ابن مندة أن جماعة من الصحابة رووه فبلغوا العشرين، ثم قام العراقي بالرد على ذلك فقال: «قلت لم يبلغ بهم ابن مندة هذا العدد، وإنما بلغ بهم ثمانية عشر فقط، فذكر مجرد أسمائهم من غير رواية لشيء منها، ولا عزو لمن رواه» أي الحديث، وساق العراقي كلام ابن مندة، ثم قال: «وبلغني أن الحافظ المزي سئل عن كلام ابن مندة هذا فأنكره واستبعده»، وعقب العراقي على استبعاد المزي وإنكاره، يبحث من جانبه هو، يوضح جلية الأمر، فقال: «وقد تتبعت أحاديث المذكورين، أي في كلام ابن مندة، فوجدت أكثرها في مطلق النية، لا بلفظ: «إنما الأعمال بالنيات»، وفيها ما هو بهذا اللفظ، ثم قال: وقد رأيت عزوها لمن خرجها ليستفاد: فحديث علي بن أبي طالب، رواه ابن الأشعث في «سننه»، والحافظ أبو بكر محمد بن ياسر الجياني في «الأربعين العلوية»، من طريق أهل البيت، بلفظ: «الأعمال بالنية»، وفي إسناده من لا يعرف، ثم ذكر بعد ذلك على نفس النمط، رواية ثلاثة وعشرين صحابيا آخرين، عشرة ممن ذكرهم ابن مندة، والباقين زادهم العراقي، واستغرق في ذلك صفحتين (٢). وبهذا البحث في جمع روايات الصحابة لهذا الحديث، حقق العراقي ما لم يحققه ابن مندة، وقرب
стр. 1009
وعرف ما استبعده وأنكره المزي، وقد أخذ كل من الحافظ ابن حجر، والشوكاني من بعده، عن العراقي خلاصة بحثه هذا وأقره (١).
ومن تلك البحوث أيضًا: «أن ابن الصلاح ذكر أن المخضرمين من التابعين: هم الذين أدركوا الجاهلية، وحياة رسول الله ﷺ وأسلموا، ولا صحبة لهم، واحدهم مُخَضْرَم بفتح الراء، كأنه خُضْرِمَ، أي قطع عن نظرائه الذين أدركوا الصحبة، ثم ذكر ابن الصلاح أن الإمام مسلما ذكر المخضرمين، فبلغ بهم عشرين نفسًا، وسرد منهم ٦، ثم أضاف من جانبه هو اثنين» (٢).
وقد أفاض العراقي في ««النكت» في تعريف المخضرم من التابعين، وفي بيان اشتقاقه، مستدركًا في ذلك على ابن الصلاح، فقرر أن المخضرم على ما رجحه العسكري، ليس مأخوذا من القطع، كما قال ابن الصلاح؛ بل من الشيء المتردد بين أمرين، هل هو من هذا أو من هذا؟»
وقال: «فالمخضرم على هذا متردد بين الصحابة؛ لإدراكه زمن الجاهلية والإسلام، وبين التابعين؛ لعدم رؤية النبي ﷺ »، قال: «ويحتمل أنه من النقص؛ لكونه ناقص الرتبة عن الصحابة؛ لعدم الرؤية مع إمكانها»، ثم ذكر أنه لا يشترط في حد المخضرم - من حيث الاصطلاح - أن يكون إسلامه في حياة النبي ﷺ ، وذكر أيضًا أنه لا يشترط في المخضرم في اصطلاح أهل الحديث أن يكون نصف عمره في الجاهلية، ونصفه في الإسلام، ثم ذكر أن المراد بإدراك الجاهلية في الظاهر، إدراك الشخص قومه أو غيرهم، على الكفر.
стр. 1010
قبل فتح مكة، فإن العرب بادروا إلى الإسلام بعد فتح مكة، وزال أمر الجاهلية» ثم قال: «وقد اقتصر المصنف - أي ابن الصلاح - على ذكر ستة ممن ذكرهم مسلم، وذكر من عنده اثنين آخرين» يشير بذلك إلى أن مسلما أهمل بعضهم، قال العراقي: «فنذكر أولا بقية العشرين الذين ذكرهم مسلم، ثم نذكر زيادة عليه، وعلى المصنف»، وسرد ٣٤ مخضرما، منهم ١٤ تكملة للعشرين التي ذكرها الإمام مسلم، وعشرين زادها هو ببحثه الخاص، وتجميعه من كتب الرجال، وكتب الحديث، فقال: «وممن لم يذكره مسلم، ولا المصنف: أسلم مولى عمر، وأويس بن عامر القرني، وأوسط البجلي … إلخ، وبعد سردهم، ذكر أن بعضهم اختلف في صحبته، ولكن الصحيح أنه لا صحبة لمن ذكرناه ثم قال: «فهؤلاء عشرون نفرًا من المخضرمين لم يذكرهم مسلم، ولا المصنف، أي ابن الصلاح»» (١).
ويجدر بالذكر أن العراقي قد ذكر في شرحه للألفية العشرين الذين ذكرهم الإمام مسلم، والاثنين اللذين ذكرهما ابن الصلاح، وزاد على ذلك ثلاثة فقط (٢)، أما في «النكت» فقد استكمل ما زاده عشرين، كما تقدم.
وقد كان لهذا البحث أثره في التأليف في المخضرمين من بعده، حيث ألف سبط ابن العجمي، تلميذ العراقي كتابًا يسمى «تذكرة الطالب المعلم بمن يقال إنه مخضرم».
وصرح باعتماده فيه على ما ذكره شيخه في هذا البحث، سواء فيما يتعلق
стр. 1011
بتعريف المخضرم، أو فيمن جمعهم منهم، فقال في مقدمة الكتاب: «وبعد، فهذا كتاب مختصر فيمن هو مخضرم، أو قيل إنه مخضرم، لم أسبق إلى إفراده فيما علمت، وقد ذكرهم أبو الحسين مسلم بن الحجاج فَبَلَّغهم ٢٠ شخصا، وزاد عليه الحافظ أبو عمرو بن الصلاح في علومه اثنين، ثم زاد عليهما شيخنا، الحافظ، الجهبذ، زين الدين أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين ابن العراقي، في (شرح الألفية) له، ثلاثة، وزاد في «النكت» على كتاب ابن الصلاح، على مسلم وابن الصلاح، عشرين شخصا، فتم عددهم فيما ذكره الحفاظ الثلاثة، ٤٢ رجلًا (١)، ثم قال السبط: «وقد كُنْتُ كتبتهم قديما (٢) وزدت عليهم جماعة، والآن (٣) أفردتهم باختصار التراجم جدا» ثم عرف المخضرم كما عرفه العراقي في «النكت»، مع تصرف من جانبه، ثم قال: وإذا قلنا بما قاله شيخنا، وهو الظاهر، تجتمع من المخضرمين جماعة كثيرة، وقال: «وقد ذكرت أنا بعضهم، وما أمكنني استيفاؤهم، لكثرتهم» ثم قال: «وقد أعلمت على ما ذكره مسلم (م)، وعلى من ذكره ابن الصلاح» (ص)، وعلى من ذكره شيخنا العراقي (عق)، وتركت من زدته بلا علامة، وترك العلامة لهم علامة (٤)، وبهذا صار بحث العراقي المذكور في المخضرمين، عنصرًا أساسيا في كتاب تلميذه هذا، وهو الآن مطبوع طبعة
стр. 1012
محققة في ٢٧ صفحة (١)، ولم يصادفني بعد البحث الموسع، مؤلف غيره عن المخضرمين بخصوصهم، مما يدل على تفرده في بابه.
ك - الأنواع التي لم يعلق عليها العراقي من كتاب ابن الصلاح:
لم يصرح العراقي في مقدمة النكت بأنه ترك بعض الأنواع من كتاب ابن الصلاح بدون تعليق عليها، ولعل مرجع هذا، أنه كتب المقدمة قبل تمام «النكت» كما قدمت، فلهذا لم يصرح بذلك، وإن كان قد قال: إنه سيعلق على مواضع فقط من الكتاب، كما قدمت، وهذا يشير إلى أنه لن يتناول كل أنواع الكتاب، وهذا من الفروق المعروفة بين «النكت» و «الشرح»، فالشرح يستوعب، والنكت تخص بعض المواضع بالتعليق حسب وجهة نظر المؤلف لها. وبهذا لا ينتقد العراقي بترك الأنواع الآتي ذكرها بلا تعليق؛ لأن هذا مقتضى منهج النكت الذي اختاره، وقد أحصيت هذه الأنواع فبلغت تسعة عشر نوعا هي: النوع الخامس: معرفة الحديث المتصل (٢)، والنوع السادس: معرفة الحديث المرفوع (٣)، والنوع السابع: معرفة الحديث الموقوف (٤)، والنوع العاشر: معرفة الحديث المنقطع (٥)، والنوع السابع عشر: معرفة الأحاديث الأفراد (٦)، والنوع الثاني والعشرون: معرفة الحديث
стр. 1013
المقلوب (١)، والنوع الثامن والعشرون: معرفة آداب طالب الحديث (٢)، والنوع الثاني والثلاثون: معرفة غريب الحديث (٣)، والنوع الخامس والثلاثون: معرفة المصحف من الأسانيد والمتون (٤)، والنوع السابع والثلاثون: معرفة المزيد في متصل الأسانيد (٥)، والنوع الثامن والثلاثون: معرفة المراسيل الخفي إرسالها (٦)، والنوع الثامن والأربعون: من ذكر بأسماء مختلفة، أو نعوت متعددة (٧)، والنوع الثاني والخمسون: معرفة ألقاب المحدثين (٨)، والنوع السادس والخمسون: معرفة الرواة المتشابهين في الاسم والنسب، المتمايزين بالتقديم والتأخير في الابن والأب (٩)، والنوع الثامن والخمسون معرفة النسب التي على: خلاف الظاهر منها (١٠)، والنوع التاسع والخمسون: معرفة المبهمات المذكورة في المتون والأسانيد من الرجال والنساء (١١)، والنوع الحادي والستون: معرفة الثقاة والضعفاء من رواة الحديث (١٢)، والنوع الثالث والستون: معرفة طبقات
стр. 1014
الرواة والعلماء (١)، والنوع الخامس والستون: وهو معرفة أوطان الرواة وبلدانهم (٢)، وهو النوع الأخير في كتاب ابن الصلاح.
ويظهر لي أن العراقي لم يجد في تلك الأنواع من الإشكالات، أو الاعتراضات ما يحتاج في نظره إلى التعليق، ويؤكد هذا أني وجدت قرينيه: البلقيني، وابن الملقن، اللذين علقا في عصره على كتاب ابن الصلاح، قد اتفقا معه في ترك عدد من تلك الأنواع السابق ذكرها بدون تعليق، وما علقا عليه منها، كان تعليقهما طفيفا، بين عبارة واحدة، وعدة سطور، ولا تمس صلب الموضوع (٣). كما أني وجدتهما تركا التعليق على بعض الأنواع التي علق هو عليها باستفاضة (٤)، ولكل وجهته.
وعموما فإن تلك الأنواع التي ترك العراقي التعليق عليها في «النكت»، قد تناولها جميعًا في شرحه السابق للألفية، فيمكن الرجوع إليها فيه. والله أعلم.
٥ - نظم العراقي لكتاب الإقتراح لابن دقيق العيد
أ - نسبة الكتاب للعراقي وتاريخ تأليفه:
عد المترجمون للعراقي من تلاميذه وغيرهم، من ضمن مؤلفاته: نظمه لكتاب «الاقتراح» لابن دقيق العيد، الآتي التعريف به وبمؤلفاته، ولكن لم
стр. 1015
يذكروا لهذا النظم اسمًا، ولا تاريخا للتأليف (١)، ولكن النسخة الخطية الوحيدة التي أتيح لي العثور عليها، جاء بآخرها: أن العراقي فرغ من تأليف هذا النظم في ٢٤ شعبان سنة ٧٩٣ هـ، وهذا يفيد أنه نظمه كان بعد مؤلفاته السابقة، في المصطلح عمومًا، وبعد نظم الألفية السابقة بأزيد من خمسة وعشرين عاما؛ لأنه فرغ من الألفية كما تقدم سنة ٧٦٨ هـ، وبذلك يكون نظمه للإقتراح هذا، جاء في قمة نضجه العلمي، وعند استقراره بالقاهرة متوليًا مشيخة الحديث، وعاكفا على التصنيف والتدريس، ولهذا تميز النظم المذكور عن الألفية وغيرها من مؤلفاته، كما سيأتي.
ب - نسخة الكتاب الخطية وعدد أبياته:
لقد مكثت سنين أبحث في فهارس المكتبات المصرية والعالمية عن نسخة لهذا النظم، كما بحثت في مصادر عديدة، عن نقول معزوة إليه، أو معرفة به، دون جدوى، وأخيرًا وقفت على نسخة مذكورة بفهرس مكتبة (لاله لي) باستانبول برقم (٣٩٢) أصول الحديث، وذُكر بالفهرس أنها تقع في مجلد في حجم الثمن، وذُكِرَ أن المؤلف فرغ من الكتاب في ٢٤ شعبان سنة ٧٩٣ هـ (٢) لكن أنى لي الحصول على تلك النسخة أو بعضها من تركيا؟
стр. 1016
فدون ذلك عقبات كأداء، يعلمها من كابد الإشتغال بالتراث.
«وَلَشدَّ مَا سُرِرتُ عندما هيأ الله لي أستاذة جامعية فاضلة، ذَهَبَتْ إلى استنبول، ونقلت - مشكورة - صفحتين من أول النسخة، وبعضا من آخرها، وعناوين عدة أبواب من أثنائها، فكان ذلك فضلا من الله ونعمة أتيح به لهذا البحث، إلقاء الضوء على إنتاج علمي للعراقي، يحول دون الوقوف عليه جم المصاعب، وهو في نفس الوقت يمثل جانبًا من نضج العراقي العلمي، فالشكر الجزيل لله تعالى ثم لتلك الأستاذة الفاضلة على ذلك، وفي حدود ما وصلني من هذه النسخة، وعنها، أُعَرِّفُ بها، لندرتها، فأقول: «أن عدد أوراقها ٨ ورقات متوسطة الحجم، وعنوانها «نظم كتاب الاقتراح لابن دقيق العيد» للحافظ زين الدين عبد الرحيم بن العراقي، تغمده الله برحمته»، ومن هذا الترحم نفهم أنها منسوخة بعد وفاة العراقي، أما خطها فعادي، ولم يُذْكَرُ اسم ناسخها، ولا تاريخ النشخ، ولا وجود توثيقات عليها بالسماع، أو المقابلة ونحوهما، ثم إنه قد كتب بصفحة العنوان بها، نقلا عن ولي الدين ابن العراقي: أن عدد أبيات الكتاب ٤٢٧ بيتًا وهذا يعتبر عددًا موثقا؛ لأنه من أقرب الناس إلى العراقي، فهو ولده، ومن كبار تلاميذه، ودارسي هذا الكتاب عليه، وقد تبعه على ما ذكره ابن فهد أيضًا» (١).
وعلى هذا يكون نظم الاقتراح هذا، مقاربا لنصف الألفية.
الداعي لتأليف الكتاب:
يعتبر كتاب «الاقتراح» الذي نظمه العراقي من أهم «مختصرات كتاب ابن
стр. 1017
الصلاح» (١)، حيث إن مؤلفه تقي الدين بن دقيق العيد المتوفى سنة ٧٠٢ هـ كان مجدد عصره، ومع أن نسخه الخطية حاليًا في حكم المفقودة، إلا أنه يبدو من النصوص المنقولة عنه، أن المؤلف خالف في تبويبه تبويب ابن الصلاح، سواء بفصل بعض الموضوعات عن بعضها، أو إدماجها في بعضها، بناء على وجهة نظره الخاصة، كما أدخل أيضًا بعض التعديلات بالحذف والإضافة والاستدراك على ابن الصلاح (٢).
ومن هنا كان الكتاب محل دراسة المشتغلين بالسنة منذ عصر مؤلفه، ولهذا اتجهت همة العراقي لنظمه، كما فعل في الكتاب أصله وهو «مقدمة ابن الصلاح» من قبله، وقد قال في مقدمته:
«يقول بعد حمده لربه … مصليًا على النبي وصحبه:
عبد الرحيم بن الحسين الآمل … نظم كتاب الاقتراح ليسهل» (٣)
وبهذا أشار إلى أنه قصد بنظمه تسهيل الإحاطة به على دارسيه، سواء من ناحية تسهيل حفظه على المبتدئين، كما كانت عادة العصر حينذاك في التعليم، وذلك لأن موسيقى الأوزان الشعرية تساعد على الحفظ أكثر من
стр. 1018
الكلام المنثور، أو من ناحية تمكين غير المبتدئين من الإلمام بمحتوى الكتاب واستحضاره بأيسر من حالة الكلام المنثور أيضًا.
وكلا الأمرين كانا من دواعي التأليف المعتبرة في عصر العراقي، هذا بجانب ما أدخله على الكتاب من تعديلات وإضافات كما سأوضح في منهج العراقي فيه، وفي دراسة بعض النصوص التي أُتيحت لي منه.
وليس نظم هذا الكتاب وتقديمه للدارسين مع وجود ألفية العراقي المتقدمة مما يغض من قيمتها العلمية، أو يفيد الإنصراف عنها، حتى اضطر العراقي لتقديم بديل جديد، فقد قدمنا من دلائل الإقبال عليها والعناية بها والاستفادة منها، ما يدفع ذلك كلية، وإنما المسألة ترجع إلى رعاية الحاجة العلمية، وتلبيتها على كل مستوى بحسبه، خاصة وأن العراقي حينئذ كان كما قدمت رائد مدرسة السنة داخل مصر وخارجها، فيعد مسئولاً علميًا عن ذلك، فجعل الألفية ككتاب عام، يفيد منه المبتدئ في دراسة هذا الفن، والمتبحر فيه، على السواء كما تقدم، فمن لم يتوافر له الاستعداد الكافي لحفظ الألفية واستيعابها فإن العراقي لا يهمله بل يقدم له نظما آخر جامعًا أهم مسائل الفن، مهذبة، مرتبة في أقل من نصف حجم الألفية، فإذا حصله ساعده على الإنتقال لما هو أوسع، وهو الألفية وغيرها من مؤلفاته، ومؤلفات سواه، وعلماء التربية والتعليم حتى اليوم، يقرون أهمية هذا المسلك الوجيه الذي سلكه العراقي، بمراعاته المستوى الإدراكي لطالب العلم في مراحله المختلفة، وتقديم ما يناسبه من المؤلفات في كل مرحلة، حتى يستوعبها بسهولة، ويفيد منها، وينطلق إلى ما فوقها، ولا يعكر على هذا أنه بدأ بالأكبر، وهو نظم الألفية، وثنى بالأصغر، وهو نظم «الإقتراح»؛ لأن ذلك يرجع لعوامل أخرى مؤثرة، منها
стр. 1019
اشتهار كتاب عن آخر في زمن معين، ومنها ما سجله التاريخ عموماً من تناقص همم اللاحق عن السابق، في الإقبال على هذا العلم (١).
وقد تأخر نظم (الاقتراح) عن الألفية بأزيد من ربع قرن كما قدمت وتأثير هذه المدة في انخفاض المستوى لا ينكر، فكان على العراقي أن يراعي متطلبات العصر والتأليف، حسب المستويات المختلفة، لتسهيل سبل هذا الفن أمام طلابه، كما صرح بذلك في مقدمة النظم.
منهج العراقي في الكتاب وموازنته بمنهجه في الألفية:
بعد أن أشار العراقي لما دعاه لنظم «الاقتراح» كما أوضحنا، انتقل لبيان منهجه فيه، وهو يتكون من عناصر ثلاثة:
أولها: استعمال اصطلاح خاص، طلباً للاختصار:
وأشار إليه بقوله:
«فإن يجيء ضمير أو فعل ولم يذكر له اسم نحو «عنه» و «جزم» أو أطلق «الشيخ» فما مقصودي في الكل إلا ابن دقيق العيد» (٢) فبين في البيتين ما جرى عليه في هذا النظم من أنه قد يورد ضمير المفرد مثلما في قوله «عنه» ولا يذاكر مرجعاً له، ويذكر الفعل المسند للواحد أيضاً مثل قوله: «جزم بكذا» ولا يذكر فاعله، ويذكر كذلك لقب «الشيخ» بدون تحديد اسمه، وفي هذه الأحوال الثلاثة يكون صاحب الضمير، وفاعل الفعل والمقصود بلقب «الشيخ» هو ابن دقيق العيد، صاحب كتاب «الاقتراح»
стр. 1020
المتضمن في النظم، ونلاحظ أن هذا الجانب الاصطلاحي من المنهج يوافق ما جرى عليه في نظم مقدمة ابن الصلاح في الألفية، ونبه عليه أيضًا في مقدمتها كما مر بك.
وقد بين في شرح الألفية كما سلف، أنه وضع هذه الاصطلاحات للاختصار (١) حتى لا يتضخم حجم الكتاب بذكر مرجع كل ضمير، وفاعل كل فعل، وقرنَ لقب «الشيخ» باسمه كلما تكرر جميع ذلك، فيكون خلاف الداعي الأول للنظم، وهو تسهيل حفظ الكتاب واستحضاره، وقد بينا من قبل، إصابة العراقي في التنبيه على اصطلاحه الخاص الذي ينتهجه في تأليفه، لكنك عندما تقارن بيانه لاصطلاحه هنا في نظم «الاقتراح»، ببيانه لاصطلاحه في نظم «مقدمة ابن الصلاح»، تجد بيانه هنا أكمل؛ لأنه مثل في نفس النظم للاختصارات الثلاثة التي اصطلح عليها فقال: نحو «عنه» و «جزم» وأطلق لفظ «الشيخ» إلخ، أما في الألفية فذكر فقط مثال الفعل، ولفظ الشيخ، ولم يذكر مثالا للضمير في النظم، ولذا تلافاه في «شرح الألفية» فمثل له (٢).
ثانيها: تغيير ترتيب بعض الموضوعات عما هي عليه في «الاقتراح»:
وقد أشار إليه بقوله: «وربما قدمت للمناسبة» فبين بهذا أنه قدم بعض الموضوعات في النظم، عن محلها في كتاب «الاقتراح»، وبالتالي أخر بعضها عن محله فيه، وبذلك أصبح ترتيب الأبواب والموضوعات في النظم