وبذلك يثبت أن هذه النسخة من كتاب العلائي السابق ذكره، وليس من كتاب تلميذه العراقي، وتكون نسبته في فهرس المكتبة وفي كتاب الشيخ طاهر الجزائري إلى العراقي خاطئة، وغير مطابقة لواقع النسخة المفهرسة، ولعل الذي أوقع المفهرس في هذا الخطأ سبق بصره إلى ما ذكر في عنوان النسخة كما قدمت من أن العلائي شيخ الحافظ عبد الرحيم العراقي، ثم نقل الشيخ الجزائري بدوره من الفهرس، ولم يرجع إلى واقع النسخة فلينتبه لذلك من يطلع على الفهرس المذكور، وعلى منتخبات الجزائري، أو على من يعتمد عليهما.
وللأسف أن بحثي الدائب لم يوقفني على أي نسخة أخرى من كتاب العراقي هذا، كما لم أقف على شيء من النصوص المنقولة عنه.
أثر الكتاب فيمن بعده:
ورغم هذا، فإن ما تقدم من تصريح الحافظ ابن حجر بأنه قرأ هذا الكتاب على العراقي، يدل على استفادته بمضمونه، كما يستفاد من ذلك تداول الكتاب في حياة العراقي وبين تلاميذه على الأقل، وقيام العراقي بتدريسه وروايته لهم، ثم إني وقفت على ذكر كتاب منسوب لأبي زرعة بن العراقي بعنوان «تحفة التحصيل في ذكر رواة المراسيل» (١).
وقد أفادني الأخ الأستاذ «شكر الله قوجاني» محقق كتاب المراسيل لابن أبي حاتم، بوجود نسخة لهذا الكتاب بمكتبة «كوبريلي» باستانبول - تركيا - ضمن مجموع برقم [٣٨٦]، وأنه اطلع عليها بنفسه، فشكر الله له،
стр. 1087
حيث قوي بذلك عزمي على محاولة الحصول على مصورة لها، رغم ما هو معروف من صعوبة الحصول على صور مخطوطات تركيا، وبفضل الله تعالى، ثم معاونة كريمة من أحد أصدقائي من الأساتذة الأتراك، تيسر لي الحصول على نسخة «ميكروفيلمية» للكتاب، فله مني جزيل الشكر، من الله تعالى عظيم الجزاء.
وقد اطلعت على الكتاب اطلاعا تفصيليا، فلم أجد مؤلفه نص في المقدمة على كتاب والده هذا في المراسيل، ولكنه خلال بعض التراجم صرح بالنقل عن خط والده فيما يتعلق بإرسال بعض الرواة، ويفهم من بعض المواضع أن والده كان حيا حين نقله عنه، حيث قال في ترجمة «جرير بن حازم»: «قال والدي حفظه الله تعالى … ». وفي بعض المواضع يقول: «نقلته من خط والدي» ومرة يقول: «فيما وجدته بخط والدي» / تنظر ورقة ١٦٤/ أ، ب و ١٦٩/ أ/ فلعل نقله الذي في مثل هذه المواضع، من كتاب والده هذا وإن لم يصرح بذلك، ولعل مما يؤيد هذا أنه في بعض المواضع الأخرى قد نقل عن بعض مؤلفات والده فحددها، مثل ألفية المصطلح وشرحها، (في ورقة ١٦٥/ ب)، و «تكملة شرح الترمذي» كما في ورقة (١٦٨/ ب)، والله أعلم.
خامسا: (تأليفه وآراؤه في بعض رجال الصحيحين وغيرهما من كتب السنة وأثر ذلك)
من أنواع التأليف في علم الرجال تخصيص مؤلفات لبيان حال المروي عنهم في بعض كتب السنة «كالموطأ» و «الصحيحين» و «السنن الأربعة» و «مسند
стр. 1088
الإمام أحمد» وقد تركزت عناية العلماء حتى عصر العراقي على التأليف في رجال الكتب السالفة الذكر اجتماعا وانفرادا (١) فبجانب عناية العراقي بالتأليف في الصحابة وفي بقية أنواع الرجال عموما ونقدهم كما مر. وبجانب هذا اتجهت همته إلى مجال التأليف في رجال بعض كتب السنة، مراعيا ما لم ينل عناية كافية ممن قبله بالتأليف فيه، سواء بعض رجال الصحيحين أو غيرهما من كتب السنة، وكان لذلك أثره فيما بعده كما سأوضحه على النحو التالي:
أ - تأليفه في الوحدان من رجال الصحيحين ودفعه لجهالتهم
ذكر العراقي أنه قد جمع في جزء مفرد الرواة الذين خرج لهم البخاري ومسلم في صحيحيهما من غير الصحابة ولم يرو عن كل منهم إلا راو واحد (٢) ويعرف الذين لم يرو عنهم إلا راو واحد في مصطلح علوم السنة (بالوحدان) (٣) وقد ألفت فيهم عموما عدة مؤلفات قبل العراقي كما سيأتي إلا أنه لم يعرف من خص رجال الصحيحين منهم بالتأليف قبل العراقي، بل ولا بعده حتى الآن.
стр. 1089
وقد ذكر هذا الجزء للعراقي كل من البقاعي (١) والسخاوي (٢) والسيوطي (٣) ووصفه بـ «الجزء» يفيد صغر حجمه، بما لا يقل عن ست أوراق في المتوسط، حسب المعتاد في الأجزاء الحديثية، وعلى ضوء الأمثلة الآتية، يمكن اشتماله على عدد غير قليل من التراجم، ولكن البحث لم يُوقفني على شيء من نسخه، ولذا سأعتمد في بحثه على النماذج التي ذكرها العراقي وغيره المحتواه:
منهج الكتاب إجمالا، وجهد العراقي فيه:
بعد أن ذكر العراقي تأليفه لهذا الكتاب أعقبه بذكر خمسة من الرواة الذين جمعهم، فيه، ثلاثة ممن أخرج لهم البخاري واثنين ممن أخرج لهم مسلم وذكر السخاوي بعد ذكر الكتاب أيضًا راويًا سادسًا ممن أخرج له الشيخان معا، ثم أتبعه بالخمسة الذين ذكرهم العراقي، مع إضافة اثنين إليهم ممن أخرج لهم البخاري، فصار المجموع ثمانية.
وسياقهما هذه الأمثلة لما جمع في الكتاب عقب ذكره، يدل على أنه ألف على غرار ذلك، ولهذا فإننا نستطيع اعتمادًا على تلك الأمثلة، وطريقة إيرادها التعرف الإجمالي على منهج العراقي في الكتاب، وجهده العلمي فيه وتقويمه، وذلك على النحو التالي:
أولا: ذكر العراقي والسخاوي للكتاب وسياقهما الأمثلة: حيث قال العراقي: «فينبغي أن يمثل بمن خرج له البخاري ومسلم من غير الصحابة ولم
стр. 1090
يَروي عنه إلا راوٍ واحد، وقد جمعتهم في جزءٍ مفرد، فمنهم عند البخاري:
١ - جويرية بن قدامة، تفرد عنه أبو جمرة نصر بن عمران الضبعي.
٢ - وكذلك زيد (١) بن رباح المدني، تفرد عنه مالك.
٣ - وكذلك الوليد بن عبد الرحمن الجارودي، تفرد عنه ابنه المنذر بن الوليد.
ومن ذلك عند مسلم:
١ - جابر بن إسماعيل الحضرمي، تفرد عنه عبد الله بن وهب.
٢ - وكذلك خباب صاحب المقصورة تفرد عنه عامر بن سعد بن أبي وقاص (٢).
أما السخاوي فإنه بعد أن ذكر إفراد المؤلف لهؤلاء الرواة بالتأليف قال: «فمنهم ممن اتفقا عليه: حصين بن محمد الأنصاري المدني، وممن انفرد به البخاري: جويرية أو جارية بن قدامة، وزيد بن رباح المدني، وعبد الله بن وديعة الأنصاري، وعمر بن محمد بن جبير بن مطعم، والوليد بن عبد الرحمن الجارودي».
وممن انفرد به مسلم: جابر بن إسماعيل الحضرمي، وخباب المدني صاحب المقصورة ثم ذكر من تفرد عن كل منهم (٣).
стр. 1091
ثانيا: من هذه الأمثلة وسياق العراقي والسخاوي لها تدرك الآتي:
أ - أن الوحدان من رجال الصحيحين ثلاثة أقسام: قسم اتفق البخاري ومسلم على تخريج حديثه، وقسم انفرد البخاري عن مسلم بتخريج حديثه، وقسم انفرد مسلم عن البخاري بتخريج حديثه، وتلاحظ أن الأمثلة في كلام العراقي، مرتبة في الذكر على حروف المعجم، فلعله انتهج هذا المنهج في الجزء المذكور فقسمه إلى ثلاثة أقسام مع ترتيب الرواة في كل قسم على حروف المعجم وهو منهج جيد، يدل مباشرة على درجة الراوي، ويسهل الوقوف على من يحتاج للكشف عنه.
ب - قد ذكر العراقي كل راو بما يميزه من الاسم واسم الأب أو الجد أو النسبة كالجارودي، والأنصاري، أو اللقب كصاحب المقصورة وهذا كله من عناصر تعريف الراوي التي تشارك في دفع جهالة عينه وفي قبول روايته، كما أنها تمكن الباحث من الكشف عن الراوي بيشر في كتب الرجال لمعرفة حاله من التوثيق والتجريح وغيره، وكلما أكثر المؤلف من ذكر مميزات الراوي كانت الفائدة أعود، نظرًا لاشتباه الرواة الموثقين والمجروحين في كثير من الأسماء وأسماء الآباء والأجداد والألقاب والكنى، وتستطيع أن تدرك القيمة العلمية لعمل العراقي في هذا، من الرجوع لأول راو ذكره في الأمثلة وهو جويرية بن قدامة. فنجد أن هناك خلافا في اسم هذا الراوي هل هو: جارية، أو جويرية؟ ونشأ عنه خلاف في عده شخصا واحدًا أو اثنين؟ أو عده من الصحابة أو التابعين ويترتب على ذلك توثيقه إن كان من الصحابة فلا يبحث عن حاله أو البحث في حاله، إذا كان تابعيا حتى تقبل روايته أو ترد، وعندما تتعدد الآراء وتختلف الاعتبارات والنتائج تظهر شخصية الباحث في الترجيح.
стр. 1092
بين وجوه الخلاف، واعتماد رأي دون آخر، وينطبق ذلك على موقف العراقي من هذا الخلاف المتقدم فإنا نجده قد ذكر هذا الراوي ضمن من أخرج له البخاري من الوحدان غير الصحابة واقتصر على ذكره باسم جويرية فقط، فهذا ترجيح منه لكونه غير صحابي ولكون اسمه جويرية لا جارية (١) وهذا الترجيح يلتقي مع صنيع الإمام البخاري (التاريخ الكبير ٢/ ٢٤١) وابن حبان (الثقات ٧/ ١١٦) ويلتقي أيضا مع صنيع أبي حاتم الرازي والذهبي، فكل منهما ذكر أن «جارية بن قدامة» الذي يروي عنه الأحنف بن قيس، صحابي. (الجرح ٢/ ٥٢٠) و (تجريد أسماء الصحابة للذهبي ١/ ترجمة/ ٧٠٢)، ولما ذكرا «جويرية بن قدامة» لم يصرحا بكونه صحابيا، وصدر كل منهما كلامه بذكر الاسم الأول وهو «جويرية»، وثنى بذكر اسم «جارية» بصيغة التضعيف، فقال: «ويقال: جارية»، وذكرا أن الراوي عنه «أبو جمرة»، وأضاف الذهبي لفظة (فقط) تأكيدا لأنه من الوحدان (٢).
أما السخاوي، فقد حكى الخلاف بدون ترجيح فقال: «جويرية أو جارية ابن قدامة». ولم يتعرض لغير ذلك (٣).
وأما الحافظ ابن حجر فتعدد قوله: بين كون هذين الاسمين لشخص واحد أو لاثنين؟ وهل أحدهما صحابي أو لا؟ وانتهى إلى ترجيح أن المسمى شخص واحد، وأنه صحابي لا تابعي، وأن اسمه «جارية»، و «جويرية»
стр. 1093
لقب له، وقد ذكر من الأدلة والقرائن ما يقوي ذلك، وعليه يكون قد روى عنه: الأحنف بن قيس، والحسن البصري، وأبو حمزة الضبعي (١).
ومن ذلك يلاحظ أن ما رجحه الحافظ ابن حجر بالأدلة والقرائن بشأن «جويرية بن قدامة» هذا، يخالف ما رجحه شيخه العراقي، وإن وافق فيه ما قرره غير واحد من الأئمة السابقين عليه، كما قدمت. ولهذا ذكر السيوطي خلاصة رأي ابن حجر السابق، ضمن ما يتعقب به العراقي، كما سيأتي.
ج - حدد العراقي أيضًا من انفرد عن كل راو ممن ذكرهم وذكره بما يميزة مثلما فعل في الرواة، وهذا يمكن من بحث حال هذا المنفرد، للتأكد من عدالته التي هي شرط زوال جهالة عين وحال من روى عنه، وقبول مرويه كما سيأتي.
د - لم يبين العراقي آراء علماء الجرح والتعديل فيمن مثل بهم من وحدان رجال الصحيحين، ولا ندري هل بين ذلك في الجزء الذي جمع فيه الكل أم لا؟؛ لكن القضية التي ألف هذا الجزء في موضوعها، تقتضي أن يكون الوحدان الذين جمعهم حين أخرج الشيخان أو أحدهما لأي منهم، لم يكن معروفا عنه شيء يوضح حاله سوى رواية واحد عدل عنه.
وهذه قضية مختلف فيها، كما سيأتي توضيحه، وقد أدخل العراقي نفسه مع ابن الصلاح ضمن أطراف الخلاف، وكأنه قدم كتابه هذا تأييدا لما قرره.
стр. 1094
ابن الصلاح بشأن موقف صاحبي الصحيحين من تلك القضية، وبيان ذلك فيما يلي:
تعبير الكتاب عن اختيار العراقي فيما تزول به الجهالة عن الراوي:
عرف الخطيب البغدادي المجهول من الرواة عند المحدثين بأنه: كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه ولا عرفه العلماء به، ومن لم يُعرف حديثه إلا من جهة راو واحد (١).
ثم قال: وأقل ما ترتفع به الجهالة: أن يروي عن الرجل اثنان فصاعدا، من المشهورين بالعلم كذلك، إلا أنه لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما عنه، وقد زعم قوم أن عدالته تثبت بذلك، ونحن نذكر فساد قولهم … (٢).
وقد تعقب ابن الصلاح الخطيب في هذا فقال: قد خرج البخاري في صحيحه حديث جماعة ليس لهم غير راو واحد، منهم: مرداس الأسلمي، وكذلك خرج مسلم حديث قوم لا راوي لهم غير واحد، منهم: ربيعة بن كعب الأسلمي … ، ثم قال: وذلك مصير منهما - يعني البخاري ومسلما - إلى أن الراوي قد يخرج عن كونه مجهولاً مردودًا برواية واحد عنه، ثم أشار إلى تأييد هذا الرأي بقوله: والخلاف في ذلك متجه، نحو اتجاه الخلاف المعروف في الاكتفاء بواحد في التعديل (٣).
стр. 1095
وفي النوع السابع والأربعين من علوم الحديث، وهو نوع «من لم يرو عنه إلا راو واحد من الصحابة فمن بعدهم … » أعاد ابن الصلاح القضية مرة أخرى لتعلقها بهذا النوع، فذكر قول الحاكم في كتابه «المدخل إلى كتاب الإكليل»: إن البخاري ومسلما لم يخرجا لأحد من الصحابة ممن لم يرو عنه إلا واحد، وعقب على ذلك بأن قول الحاكم هذا نقض عليه بإخراج البخاري أو مسلم أو كليهما لعدد من الصحابة لم يرو عن كل منهم إلا واحد، وذكر عددا … منهم (مرداسا الأسلمي) الذي سبق ذكره له في الموضع الأول، ثم قال: وذلك دال على مصيرهما إلى أن الراوي قد يخرج عن كونه مجهولا مردودا برواية واحد عنه (١).
وعبارة ابن الصلاح هذه تفيد أنه يعتبر صنيع البخاري ومسلم هذا يدل على أن رواية واحد عدل عن الراوي، لا تدل على زوال جهالة عينه فقط؛ بل تدل في الوقت نفسه على زوال جهالة حاله أيضا، حيث صار مقبولا غير مردود عندهما.
أما الإمام النووي فقد صوب ما ذكره الخطيب آنفا من أن الجهالة لا ترتفع عن الراوي إلا برواية عدلين عنه، وأنه لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما، ثم تعقب ابن الصلاح في تمثيله ببعض الصحابة لمن زالت جهالته عند الشيخين أو أحدهما برواية واحد من العدول عنه، فذكر أن «مرداسا، وربيعة» اللذين مثل بهما صحابيان معروفان، والصحابة كلهم عدول، ولا تضر الجهالة بأعيانهم لو ثبتت (٢).
стр. 1096
وقد أخذ العراقي الخيط من بعد النووي، فقال: «إذا مشينا على ما ذكره النووي: إن هذا لا يؤثر في الصحابة، فينبغي أن يمثل بمن خرج له البخاري أو مسلم، من غير الصحابة، ولم يرو عنه إلا راو واحد، وقد جمعتهم في جزء مفرد … » (١).
فذكر العراقي تأليفه هذا الكتاب في معرض تأييده لهذا الرأي، بحيث يعتبر دليلا عمليا له هو وابن الصلاح في مواجهة المخالفين لهما، وكأنه يقول لكل من الخطيب والنووي، ومن يوافقهما: إذا كنتم قررتم أن أقل ما تزول به جهالة عين الراوي عموما، أو الراوي غير الصحابي، دون زوال جهالة حاله، هو رواية عدلين عنه، قولا واحدًا، فهناك دليل عملي من صاحبي أعلا مراتب الصحيح وهما البخاري ومسلم يعارض ذلك، فهذه طائقة غير قليلة من الرواة غير الصحابة - حسب شرطه السابق - لم يرو عن كل منهم إلا راو واحد، ومع ذلك خرج البخاري ومسلم أو أحدهما لكل منهم في صحيحه، ومقتضاه أنهما يريان ارتفاع جهالة عين الراوي وحاله برواية واحد عدل عنه، وخروجه بذلك عن كونه مجهولا مردودًا.
هذا ما يستفاد من صنيع وكلام كل من ابن الصلاح والعراقي. والواقع أن هذا أمر يحتاج إلى مناقشة وتعقب لكل من ابن الصلاح والعراقي، وذلك من جهة لم أجد من تعقبهما فيها، وهي أن كلا منهما جعل مطلق تخريج البخاري ومسلم أو أحدهما للراوي من هؤلاء، دليلا على قبوله.
стр. 1097
عندهما أو عند أحدهما، وهذا الإطلاق غير مسلم، حيث إنه يخالف ما جاء في موضع آخر عند ابن الصلاح والعراقي، وعند غيرهما من العلماء المعتبرين، من أن تخريج الشيخين أو أحدهما للراوي أمر عام، يشمل: التخريج للراوي على سبيل الاحتجاج بروايته بمفرده، والتخريج له على سبيل المتابعة لغيره، أو الاستشهاد برواية غيره له.
وأن الذي يمكن اعتباره دليلا على قبول الراوي، وبالتالي زوال جهالة عينه وحاله، عند الشيخين أو أحدهما هو التخريج للراوي احتجاجا به، وبعبارة أخرى التخريج له في أصل الباب من الصحيح، فيعتبر هذا تعديلا فعليا للراوي من صاحبي الصحيح أو أحدهما، سواء لم يرو عن الشخص إلا راو واحد، أو روى عنه أكثر من واحد.
أما التخريج للراوي على سبيل المتابعة أو الاستشهاد، فلا يدل على قبول الراوي بمفرده، وإنما يُخرج له في الصحيح اعتمادا على وجود المتابع أو الشاهد الصالح للاحتجاج في نظر صاحبي الصحيحين أو أحدهما (١)، وبالتالي لا يكون هذا النوع من التخريج في حد ذاته دليلا على زوال جهالة عين الراوي وحاله عند الشيخين أو أحدهما.
стр. 1098
نعم ذكر الحاكم وغيره: أن وجود المتابع للراوي على روايته مما يرتفع به جهالته (١)، لكن القضية التي نحن بصددها هي: ارتفاع الجهالة عينا وحالا عن الراوي غير الصحابي، برواية واحد عدل عنه، حتى لو لم يتابع، وعليه فقد كان على العراقي كما أقر تقييد النووي للراوي من الوحدان بكونه غير صحابي، أن يقيد من جانبه هو ما أطلقه ابن الصلاح من تخريج الشيخين أو أحدهما، بأن يكون تخريجهما أو تخريج أحدهما احتجاجا، وأن يبين في تراجم من مثل بهم، ومن جمعهم في جزئه المذكور كون الراوي مُخَرَّجا له احتجاجا، أو متابعة، أو استشهادًا، ولم أجد ممن جاء بعد العراقي من تعقبه في هذا الجانب، أو قام ببيانه من جانبه هو، بغير تخريج البخاري ومسلم أو أحدهما له (٢)؛ بل إني لاحظت بعد تخريج الروايات من الصحيحين لغير المختلف في صحبته ممن مثل بهم العراقي والسخاوي، أن أكثرهم ممن لم يخرج له الشيخان ولا أحدهما احتجاجا (٣)، وهذا يدل على عدم وضعهما
стр. 1099
هذا الجانب في الحسبان فيما جمعاه من الرواة.
نعم وجدت «عمر بن محمد بن جبير بن مطعم» ذكره السخاوي ضمن الوحدان الذين انفرد البخاري عن مسلم بالتخريج له، كما تقدم، فهذا الراوي يعتبر مثالا صحيحا لما قرره ابن الصلاح والعراقي بشأن تخريج الشيخين أو أحدهما لهذا النوع من الرواة.
فقد راجعت ترجمته في مصادرها المتعددة (١) فلم أجد من توقف في عدم صحبته، ولا من ذكر راويا عنه غير الزهري، وصرح غير واحد بأنه قد روى عنه الزهري فقط، وعبارة الذهبي: ما روى عنه - في علمي - سوى الزهري (٢) وذكر غير واحد ممن ترجم له أن البخاري أخرج له حديثا واحدا فقط.
وقد وجدت أن البخاري أخرج له هذا الحديث في موضعين، وذلك من رواية الزهري عنه عن أبيه عن جده جبير بن مطعم (٣) وفي الموضع الأول
стр. 1100
لتخريج البخاري للحديث علق عليه الحافظ ابن حجر، فذكر أن «عمر بن محمد بن جبير» هذا لم يرو عنه غير الزهري، وحكى توثيق النسائي له، ثم قال: وهذا مثال للرد على من زعم أن شرط البخاري: أن لا يروي الحديث الذي يخرجه أقل من اثنين، عن أقل من اثنين، فإن هذا الحديث ما رواه عن محمد بن جبير غير ولده عمر، ثم ما رواه عن عمر غير الزهري، هذا مع تفرد الزهري بالرواية عن عمر مطلقا (١).
وكما اعتبر الحافظ ابن حجر هذه الرواية مثالا للرد على من زعم أن شرط البخاري أن لا يروي الحديث الذي يخرجه أقل من اثنين عن أقل من اثنين، فإنه يعتبر أيضا مثالا للرد عليه هو فيما قرره في الهدي، حيث ذكر دعوى الحاكم في شرط البخاري ومسلم: أن يكون للصحابي راويان فصاعدا، ثم يكون للتابعي المشهور راويان ثقتان .. ، ثم قال: والشرط الذي ذكره الحاكم وإن كان منتقضا في حق بعض الصحابة الذين أُخرج لهم، فإنه معتبر في حق من بعدهم، فليس في الكتاب حديث أصل من رواية من ليس له إلا راو واحد قط (٢) وقد تبعه السخاوي في هذا (٣)، مع أنه هو الذي مثل بـ «عمر بن محمد» هذا.
وأيضا شيخه الحافظ ابن حجر، في نكته على ابن الصلاح ١/ ٣٦٨ قد ذكر «عمرًا» هذا ورواية البخاري له ردًا على الحاكم كذلك في قول له بأنه ليس في الصحيحين من رواية تابعي ليس له إلا راو واحد، بل أضاف الحافظ
стр. 1101
أن هناك أمثلة أخرى لذلك ولكنها قليلة.
وما ذُكر في مصادر ترجمة «عُمَر»، وحديثه عند البخاري كما تقدَّم، وكلام الحافظ ابن حجر نفسه عن تفرد رجال إسناده به، بما فيهم «عمر»، كل ذلك يدل على أن البخاري أخرج رواية «عمر» هذه احتجاجا بها بمفردها، دون رعاية متابعة له أو شاهد، فتكون روايته أصلا في بابها.
فلعل الحافظ ﵀ حين كتب كلامه السابق في مقدمة الفتح، ثم السخاوي حين نقل عن شيخه، لم يكن كل منهما قد راجع رواية «عمر بن محمد» هذه مع تكررها في موضعين من صحيح البخاري.
أما ما ذكره الحافظ من توثيق النسائي لـ «عمر بن محمد» كما قدمت فقد ذكره قبله كل من المزي والذهبي، وزاد المزي ذكر ابن حبان لعمر في كتاب الثقات (١) ولم أجد في مصادر ترجمته زيادة على هذا، وليس في توثيق النسائي لعمر، ولا لذكر ابن حبان له في كتاب الثقات ما يعكر على ما قرره ابن الصلاح والعراقي من أن تخريج البخاري لمثل «عمر» هذا يدل على أنه قد يرى زوال جهالة عين الراوي وحاله برواية واحد ثقة عنه.
وذلك لأن ابن حيان ذكر «عمر بن محمد» هذا في كتاب الثقات، ولم يذكر له راويا غير الزهري، ولم يتكلم عن حاله بشيء (٢) كما أن ابن حبان والنسائي كلاهما متأخران عن زمن إخراج البخاري لحديث «عمر» في الصحيح، ومقتضى هذا أن البخاري حين أخرج له هذا الحديث في صحيحه.
стр. 1102
محتجا به، كان من الوحدان المجهولين عند غيره، فيصدق عليه ما قرره ابن الصلاح والعراقي كما تقدم، ولم أجد من نبه على هذا، بعد البحث والتتبع، رغم حاجة تأييد ما قرره ابن الصلاح والعراقي إليه كما ترى.
أما جويرية ابن قدامة فقد تقدم ترجيح ابن حجر لكونه صحابيا، وتَعَدَّدَ الرواة عنه، وبذلك لا يتطابق مع مقصود ابن الصلاح والعراقي.
وأما «خباب المدني صاحب المقصورة» و «عبد الله بن وديعة الأنصاري» الذي أضافه السخاوي للأمثلة، فبالنسبة لحباب تعقب الحافظ ابن حجر ذكره في هذا النوع بأن جماعة عدوه في الصحابة (١) وقرر هو وغيره: أنه مختلف في صحبته (٢) كما أشار هو والبقاعي إلى أن من اختلف في صحبته فإنه ترتفع جهالته ويعتبر من الثقات (٣) وبذلك لا يدخل «خباب» في موضوع هذا الجزء.
و «عبد الله بن وديعة» كذلك ممن قيل له صحبة، وجزم الحافظ ابن حجر بأنه تابعي جليل غير مشهور، وذكر أن البخاري ممن عده من التابعين (٤) فلو مشينا على عد البخاري له تابعيا، فإنه يمكن تعقب عَدِّهِ في موضوع هذا الجزء، من جهة أن البخاري لم يخرج له احتجاجا، حيث ذكر له الحافظ
стр. 1103
متابعا على روايته بنحوها عند ابن خزيمة والنسائي (١) فيمكن حمل ارتفاع جهالة ابن وديعة هذا على وجود المتابع له، كما قدمت إشارة الحاكم وغيره إلى أن ذلك مما يرتفع به الجهالة.
وأما جابر بن إسماعيل، وزيد بن رباح المدني، والوليد بن عبد الرحمن، فقد تَعَقَّبَ ذِكْرَهُم في موضوع هذا الجزء كل من الحافظ ابن حجر وتلميذه البقاعي تبعا له، وذلك من جهة ذكرهما فيهم من التعديل الفعلي أو القولي ما يدفع الجهالة عنهم (٢).
وما ذكراه لا يصلح - في تقديري - التعقب به؛ لأن كل من نقلا عنهم متأخرون عن زمن تخريج البخاري أو مسلم لحديث هؤلاء الرواة الثلاثة، وبذلك لا يقال إنه عند تخريج الشيخين أو أحدهما عن هؤلاء كانت جهالتهم مرتفعة بما جاء عن النقاد المذكورين فيهم.
نعم يمكن تعقب ذكر هؤلاء الثلاثة من جهة أن البخاري أو مسلما لم يُخرج لكل منهم احتجاجا، ولكن متابعة، كما قدمت (٣) ومن ثم لا يُستدل بتخريج حديثهم على المطلوب.
أما حصين بن محمد الأنصاري فيتعقَّبُ ذكر السخاوي له بأمرين: أولهما: أن رواية الشيخين له متابعة، وقول الإمام الذهبي: إنه «محتج به
стр. 1104
في الصحيحين، ومع هذا فلا يكاد يُعرف (١)، فذلك خلاف الواقع، فروايته عندهما ليست احتجاجا كما أسلفت (٢).
الأمر الثاني: أن الواحد الذي روى عن حصين وهو الإمام الزهري، قد قرن روايته عنه في الصحيحين بقوله: (وهو أحد بني سالم، وهو من سراتهم) يعني (خيارهم أو ساداتهم) والزهري إمام ناقد، وقد رأى الرجل وروى عنه، فهذا بيان منه صريح لحاله ولشهرته وجلالته بين قومه، فبذلك كانت جهالته عينا وحالا مرتفعة عند الشيخين بهذه التزكية المصاحبة للرواية عنه، وقد أثبتاها مع روايتهما له في الصحيحين، وإن لم تكن احتجاجا، وأثبتها كذلك غيرهما ممن روى حديثه هذا (٣) أو ترجم له قبل الإمام الذهبي (٤) وبعده (٥).
وعلى هذا فلا يعتبر (حصين بن محمد) هذا من الوحدان الذين هم موضوع جزء العراقي، لأنه حين رواية الشيخين عنه كانت جهالته زائلة بغير
стр. 1105
رواية الواحد العدل عنه، كما أوضحته.
وعموما فإن رواية الشيخين أو أحدهما عن الوحدان من غير الصحابة، قليلة، وذلك مما يفيد أنهما كانا ينتقيان بعض رواياتهم لدواعي وقرائن تظهر لهما، ويمكن التماسها في كل موضع بحسبه، وقد ظهر من فحص روايات من مثل بهم العراقي والسخاوي أن رواية غالبهم ليست احتجاجا، كما تقدم لكن حتى لو لم يوجد إلا رواية البخاري عن «عمر بن محمد» احتجاجا به كما تقدم، فإنها تفيد ثبوت ما استنتجه ابن الصلاح من هذا الجزء المذكور في جمع ما تفرق من هذا النوع من الوحدان، ومن هنا كانت أهمية محتواه إجمالا.
مميزات كتاب العراقي عن غيره من كتب الوحدان:
١ - مع اعتبار أن هذا الكتاب كما بينا يعبر عن رأي العراقي وابن الصلاح في بعض مسائل الجرح والتعديل، فإنه في نفس الوقت يعد من المؤلفات في دفع شائبة الجرح بالجهالة عن بعض رجال الصحيحين، ويكمل جهد العراقي الآتي في الدفاع عن أحاديثهما المنتقدة، وهو من جهة ثالثة يعتبر من المؤلفات في الوحدان من رجال السنة عموما كما قدمنا، خاصة وأنه قد شارك الشيخين غيرهما في التخريج عن بعضهم كما سنبينه وقد عد علماء المصطلح هذا النوع علمًا من علوم السنة وعنونوه (بمعرفة من لم يرو عنه إلا راو واحد من الصحابة والتابعين فمن بعدهم) وذكروا أمثلة لكل منهم (١).
وقد ألف العلماء من قبل العراقي في هذا النوع من الرجال مثل كتاب الإمام.
стр. 1106
مسلم المسمى (بالمنفردات والوحدان) قال ابن الصلاح: «لم أره» (١) وقال العراقي: «وعندي منه نسخه بخط محمد بن طاهر المقدسي» (٢) وهذا يدل على ندرة الكتاب، واطلاع العراقي عليه واستفادته منه في تأليفه هذا الجزء محل البحث، وذكر السخاوي عن الحافظ مغلطاي أن له زوائد على كتاب مسلم (٣).
ويفهم من ذكر مغلطاي لزوائده على الكتاب أن الإمام مسلما لم يستوعب فيه كل الوحدان، بل جمع ما تيسر له، وقد صنّف فيه أيضًا الحسن بن سفيان وغيره (٤) كما أني وقفتُ على جزء في الرجال مروي عن النسائي في آخر كتابه «الضعفاء والمتروكين» وقد عنونه بقوله: تسمية من لم يرو عنه غير رجل واحد، وقد أحصيت من ذكرهم فيه فوجدتهم ٢٧ راويا بعضهم من الصحابة وأكثرهم من التابعين وأتباعهم (٥) وقد ذكر السيوطي أن فوائد دراية هذا النوع من الرواة معرفة المجهول منهم إذا لم يكن صحابيا فلا يقبل (٦)، وكتاب العراقي يعطي فائدة أخرى مقابلة لهذه وهي أن من الوحدان غير الصحابة من لا يعد مجهولاً مردودًا؛ بل ترتفع برواية عدل واحد عنه جهالة العين والحال ويعد مقبولا ويحتج بروايته كما في الصحيحين.
стр. 1107
وهذه الفائدة يتميز كتاب العراقي بتمحضه لها وإن كانت لم تتحقق في كثير ممن ذكرهم كما أوضحته فيما تقدم. بخلاف بقية المؤلفات في الوحدان عموما فإنها تضمنت المقبول كبعض من انتقاهم العراقي في جزئه وتضمنت بجانبه المردود بدون بيان لحاله حيث يكتفي فيها بذكر الراوي ومن تفرد عنه فقط مثلما نجده في جزء النسائي المتقدم مثلاً حيث يقول فيه: (أبو نهشل لا نعلم أحدا روى عنه غير المسعودي) (١) وبذلك يحتاج الباحث المراجعة كتب الرجال والجرح والتعديل لمعرفة الراوي ومن روى عنه، من حيث الاسم والنسب وغيره مما يميزهما عن غيرهما، بعكس جزء العراقي حيث نجد من مثل بهم للرواة المذكورين فيه، معرفين بما يميزهم عن غيرهم.
٢ - يلاحظ أن بعض من ذكر في كتب الوحدان أنه لم يرو عنه إلا واحد، يوجد في كتب الرجال الأخرى ما ينقضه، حيث يذكر بها شخص أو أكثر روى أيضًا عن الراوي المذكور مثلما جاء في جزء النسائي السابق حيث ذكر (عيسى بن جارية) وقال إنه لم يرو عنه غير يعقوب (٢) بينما يقول الذهبي في (الميزان): روى عنه يعقوب القمي وجماعة منهم عنبسة الرازي (٣).
أما كتاب العراقي فعلى ضوء الأمثلة الخمسة التي ذكرها، لم أجد في كتب الرجال الأخرى من عارض أن كلا منهم تفرد عنه الراوي الذي ذكره العراقي، ما عدا جويرية بن قدامة كما تقدم. وكذا أقره من بحث حال هؤلاء الرواة غيري.
стр. 1108
البالثالث: اثر العراقي والفاته وارانه في مصطلح على السنة وعلو حالها
كالبقاعي والسخاوي (١) فهذه ميزة للكتاب ودليل دقة العراقي في الإنتقاء والجمع وسعة إطلاعه على كتب الرجال.
٣ - نجد كذلك أن المؤلفات في هذا النوع قبل العراقي شاملة للوحدان من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، أما جزء العراقي فخصصة لغير الصحابة وإن ثُغُقّب في بعضهم كما أسلفت بيانه.
٤ - تضمنت المؤلفات السالفة أيضًا من روى لهم الشيخان وغيرهما ممن لم يلتزم الصحة ولم يشتهر كتابه، دون تمييز لهذا عن ذاك، أما جزء العراقي فقد خصصه لمن روى عنهم الشيخان أو أحدهما من الوحدان، وقد يشاركهما في الرواية عنهم بعض من التزم الصحة مثل جابر بن إسماعيل الحضرمي الذي ذكره العراقي في أمثلة كتابه ضمن من أخرج له مسلم، فإنه قد أخرج له أيضًا ابن خزيمة في «صحيحه» وصرح بأنه ممن يحتج بهم (٢)، أو يشاركهما بعض أصحاب السنن، مثل زيد بن رياح الذي ذكره العراقي ضمن من أخرج لهم البخاري، فقد روى له كذلك الترمذي وابن ماجه (٣) ومثل خباب صاحب المقصورة الذي ذكره العراقي ضمن من أخرج له مسلم، فقد أخرج له أيضًا أبو داود (٤).
هـ - يلاحظ أن من المؤلفات في الوحدان قبل العراقي ما لم يترتب فيه الرواة.
стр. 1109
على حروف المعجم مثل جزء النسائي المتقدم كما أن الرواة فيه ومن تفرد عنهم أكثرهم يذكر باسمه فقط أو كنيته أو لقبه وذلك يجعل تمييزهم والكشف عنهم في المصادر الأخرى عسرًا وموقعا في الاشتباه والخلط وذلك بعكس جزء العراقي فقد تضمنت أمثلته ذكر الرواة ومن تفرد عنهم كل منهم بما يميزه من الاسم واسم الأب أو اللقب أو الكنية بل ربما يكون توسع أكثر في التأليف عن حالة التمثيل.
كما دلت الأمثلة أيضًا على ترتيب الرواة في الجزء على حروف المعجم مما يسهل الكشف فيه عن جزء النسائي وما شابهه.
النتيجة العامة:
وبما تقدم من تصوير منهج العراقي في الكتاب والجهد العلمي الذي بذله فيه لدقة موضوعه رغم صغر حجمه، ومن مميزاته عن المؤلفات قبله في الوحدان يتقرر أنه مؤلف قيم متميز عن غيره بميزات هامة، وأن العراقي وإن كان قد اعتمد فيه على من سبقه، إلا أنه بذل فيه جهدًا علميا في الترجيح في المختلف فيه كما تقدم، وفي استخراج هذه الطائفة الخاصة وانتقائها من بين المؤلفات العامة في الوحدان وغيرها، ومراعاة الشرط الذي حدده في الجملة، وهو كون الراوي غير صحابي، وقد خرج له البخاري ومسلم معا أو منفردين فضلا عن غيرهما وجمع الكل في مؤلف مستقل لم يعرف مثله لغيره، ورتبه معجميا ليسهل الكشف فيه، ومن شرطه في جمعه ونصه فيه على تخريج الشيخين أو أحدهما للراوي يعلم المطلع عليه أن كل من هو وارد فيه فهو من رجال الصحيحين فيمكن الاكتفاء به عن الكشف في المصادر الأخرى.
стр. 1110
للوحدان خاصة النادر منها ككتاب مسلم المتقدم، فقد عز وجوده حتى في عصر العراقي، وبهذا يعد الكتاب رغم افتقاده الآن، من آثار العراقي العلمية في رجال السنة بوجه عام، وفي هذا النوع الذي كثر الخلاف فيه بوجه خاص وفي نماذجه التي أوردها عند ذكره ما يشرح فكرة الكتاب ويطبقها ويثبت للعراقي سبقه بالتأليف فيها، وأثره فيما بعده من المؤلفات كما يتضح في الآتي:
أثر الكتاب واتجاهه فيمن بعده:
كان كتاب العراقي هذا نواة لكتاب أعم منه ألفه ولده ولي الدين أحمد ويسمى (البيان والتوضيح لمن أخرج له في الصحيح وقد مس بضرب من التجريح) (١) قال في مقدمته: «فأردت أن أذكر في هذه الأوراق ما وقع لي ممن احتجا به أو أحدهما على التعيين، وقد تكلّم فيه ولو بأدنى تليين وبدأت بكلام الجارحين ثم أتبعته بكلام المعدلين ليتضح الحق ويستبين، … وكذلك من أخرجا له أو أحدهما ولم يرو عنه غير واحد في مبلغ علمي، وإن كان هو بالجرح غير مرمي، واقتصرت في التراجم على ذكر الجرح والتعديل واختصرت بقية الكلام والوفيات خشية التطويل (٢) وقد رتب ولي الدين الكتاب على حروف المعجم ويظهر لك في كلامه هذا أنه خصص كتابه للدفاع عمن رمي ببعض ضروب التجريح من رواة الشيخين أو أحدهما».
مبينا أنه قد وثّق كلا منهم من يترجح توثيقه على تجريح غيره، ومع أن هذا
стр. 1111
يعد أعم من موضوع كتاب والده المتقدم الذي خصصه لنوع واحد وهو من جرح بجهالة العين والحال تبعا لها ثم بين زوالهما إلا أن التقاء فكرة الكتابين في التوسط والإعتدال في الجرح والتعديل عموما مما يدل على ترسم ولي الدين خطى والده في هذا، كما تلاحظ اتفاقهما في دفع الجرح عمن رمي به من رجال الصحيحين وتلاحظ تصريح ولي الدين بتضمين كتابه من خصهم والده من قبله بالتأليف، وقد نص في المقدمة عليهم بالذات كما مر بك، كما أنه نقل في دفع جرح غيرهم عن والده كالمثال الآتي:
قال ولي الدين في كتابه المذكور «أحمد بن صالح أبو جعفر المصري أحد الأعلام الحفاظ الثقات وقال النسائي ليس بثقة ولا مأمون وقال أيضًا تركه محمد بن يحيى ورماه يحيى بن معين بالكذب وقال معاوية بن صالح عن ابن معين: أحمد بن صالح كذاب يتفلسف رأيته يخطب في جامع مصر» وعقب على ذلك بقوله: «قال والدي: ولعل ابن معين لا يدري ما الفلسفة: فإنه ليس من أهلها، وقال ابن عدي: كان النسائي سيء الرأى فيه … » إلخ (١) وكلام العراقي السابق الذي نقله عنه ولده ذكره في «شرح الألفية» نقدا للتحامل في الجرح (٢) وبهذا كان كتاب ولي الدين ابن العراقي الذي بقي لنا حتى الآن، واضح الدلالة على أثر والده في الإعتدال في الجرح وإحياء لكتابه السابق الذي لم نقف عليه، وتخليدا للاستفادة به، فكرة وتطبيقا في نفي الجرح عمن زمي به من رجال الصحيحين خصوصا، ومن شابههما عموما.
стр. 1112
ب - تأليفه في (رجال صحيح ابن حبان وأثره) وبعض نماذجه النادرة:
ذكر السخاوي من ألف في بيان حال الرجال المروي عنهم في بعض كتب معينة من كتب السنة حتى وصل إلى عصر العراقي فقال (وأفرد الزين العراقي رجال ابن حبان) (١)، أما ابن فهد فذكر أنه تناول في تأليفه هذا بعض رجال صحيح ابن حبان، وهم زوائده الذين لم يذكرهم الحافظ المزي في كتابه «تهذيب الكمال»، كما ذكر أنه بلغ في تأليفه إلى القدر الذي بلغه في مؤلفه في أطراف هذا الصحيح كما سيأتي، وهو أول النوع الستين من القسم الثالث منه، وذكر أيضًا أن العراقي لم يبيض هذا القدر بل تركه مسودة (٢).
وبذلك فصل ابن فهد ما أجمله السخاوي وهو أدرى من السخاوي بالعراقي في هذا، لأنه عاصره وأجيز منه، وتتلمذ لولده أحمد وغيره من تلاميذ العراقي، فما ذكره هو المعتمد.
ومع أني لم أقف في فهارس المكتاب المصرية وغيرها مما اطلعت عليه على شيء من تلك المسودة، أو مبيضة عنها، إلا أني وقفت على بعض نصوص منها، وعلى إثبات تداولها وأثرها الباقي فيمن بعد العراقي حتى الآن.
وذلك أني وجدت تلميذ العراقي الحافظ ابن حجر قد نقل في كتابه المتداول حتى الآن، وهو «لسان الميزان» عن خط شيخه العراقي في هذه المسودة، وذلك في ترجمة الحارث بن شريح النقال أحد الفقهاء حيث قال: «قال أبو الفتح الأزدي تكلموا فيه حسدًا» ثم قال: «وقرأت بخط شيخي -يعني
стр. 1113
العراقي- في ترجمة الحارث هذا من رجال ابن حبان له: (قوله): أنكر ابن الجوزي قول الأزدي فقال: «هذا قبيح من الأزدي لأن لو جوزنا أنهم يتكلمون بالهوى، لم يجز قبولهم في شيء» كذا قال، «ونقل شيخنا عن ابن ماكولا أنه قال: آخر من حدث عن الحارث هذا أحمد بن الحسن بن عبد الجبار الصوفي، وقال: وتعقبه ابن نقطة بأن أبا يعلى حدث عنه، ومات بعد الصوفي بسنة، وقال ابن حجر: وصوبه شيخنا، لكن اعتذر عن ابن ماكولا بأنه تبع الدارقطني» انتهى (١) وبهذا دلل ابن حجر على وقوفه على التأليف المذكور في رجال ابن حبان بخط شيخه العراقي، ونقل منه نصًا هذه الفقرة بما فيها من رد، وتصويب، واعتذار، ثم أقر شيخه عليها، ثم إني وجدت العراقي بين بعض رجال «صحيح ابن حبان» في أكثر من مؤلف له «كذيل ميزان الإعتدال» السابق ذكره (٢) وكشرحه المتوسط على الألفية السابق ذكره أيضًا (٣) على أنه يمكننا هنا التقييم لفكرة الكتاب نفسها التي أبرزت قدرًا منه إلى حيز الوجود، ودلالتها لعلماء الرجال من بعد العراقي على النواحي الجديرة بالتأليف، خدمة لأحد كتب الصحيح الهامة فإني لم أجد من سبق العراقي إلى العناية بتأليف كتاب خاص برجال «صحيح ابن حبان» هذا، وللأسف لم أقف على من نشطت عزيمته لإكمال جهده من بعده مع أهمية هذا الصحيح ومؤلفه، بل اكتفى ابن حجر كما رأينا مع عنايته بعلم الرجال بالاستمداد في تأليفه مما أنجزه شيخه.
стр. 1114
ج - (رجال سنن الدارقطني)
ذكر السخاوي كذلك أن العراقي أفرد رجال «سنن الدارقطني» بالتأليف ولم يفصل (١) وقد فصل ابن فهد أيضًا، فذكر أنه تناول في تأليفه هذا زوائد سنن الدارقطني، الذين لم يذكرهم الحافظ المزي في كتاب (تهذيب الكمال) فقط، وذكر أنه بلغ فيه … وترك مكان التحديد بياضًا بالأصل كما نبه على ذلك محقق كتاب ابن فهد، ثم ذكر أنه ترك هذا الكتاب كسابقه مسودة (٢) وهذه التفاصيل تدل على درايته بالكتاب، فيعتمد كلامه عنه.
ولئن كان لم يتيسر لي الوقوف على شيء من مسودة هذا الكتاب، ولا الحصول على نقول عنه، فإنه يمكننا تقييمه باعتباره فكرة ومنهجا ينفتح بهما الطريق للباحثين من بعده في مجال التطبيق وخدمة كتاب «سنن الدارقطني» هذا حيث لم أقف على تأليف سابق على العراقي، ولا لاحق له اختص برجال هذه السنن.
بعض نماذج من بيان العراقي لرجال «سنن الدارقطني»:
على أني وجدت العراقي تعرض في ذيله على «ميزان الإعتدال» لبعض رجال هذه السنن مثل: أسد بن سعيد أبو إسماعيل الكوفي حيث قال: إنه يروي عن صالح بن بيان، وعنه سعيد بن سليمان الحميري في «سنن الدارقطني» ثم بين حاله فقال: «قال ابن القطان لا يُعْرَف».
ومن هذا يظهر لك أنه عني يبحث رجال هذا الكتاب وبيان أحوالهم
стр. 1115
ومنهم أيضًا: «جعفر بن محمد الشيرازي حيث ذكره في الذيل وبين جهالة حاله نقلا عن ابن القطان فقال: «قال ابن القطان: لا يعرف حاله» ثم أعقب ذلك بقوله: «حديثه في سنن الدارقطني» (١).
وهناك عدد آخر تعرض له في الذيل المذكور (٢).
د - تأليف العراقي جزءا في رجال كتابه: «تقريب الأسانيد» وأثر ذلك.
١ - الداعي إلى تأليف هذا الجزء:
يرجع الداعي لتأليف هذا الجزء إلى تصدي العراقي لشرح كتابه المسمى «تقريب الأسانيد» في أصح أحاديث الأحكام وسمى الشرح «طرح التثريب في شرح التقريب» كما سيأتي في موضعه وقد كان من مناهج علماء عصره في شرح كتب السنة أن يترجم الشارح لرجال أسانيد أحاديث الكتاب الذي يشرحه ومن يرد لهم ذكر فيه، وتارة يورد التراجم في أثناء الشرح على أنها مبحث من مباحثه يخصص للتعريف برجال الحديث، وهكذا فعل ابن الملقن في شرحه لكل من «صحيح البخاري» و «عمدة الأحكام» للمقدسي (٣) وتارة يخصص الشارح جزءا مستقلا لتراجم رجال أحاديث الكتاب كله، ثم ينتقل إلى شرح المتون، وهكذا فعل العراقي في شرح كتابه المذكور، حيث خصص
стр. 1116
الجزء الأول من الشرح لتراجم رجال الكتاب وجعله كالمقدمة للشرح حيث قال في بدايته ورأيت أن أقدم قبل شرح مقصود الكتاب مقدمة في تراجم. رجال إسناده، ورأيت أن أضم إليهم من ذُكر اسمه في بقية الكتاب لرواية حديث أو كلام عليه، أو لذكره في أثناء حديث، لعموم الفائدة بذلك الكتاب (١).
٢ - نسخ الجزء وطبعاته:
لما كان هذا الجزء معتبرًا من شرح كتاب «تقريب الأسانيد»، فإنه وجد ضمن نسخ الشرح الخطية التي سنعرف بها فيما بعد، كما طبع ضمن الشرح طبعتين سيأتي التعريف بهما كذلك على أن «بروكلمان» قد ذكر جزءًا من نسخة «طرح التثريب»، وأطلق عليه اسم «الديباجة» دون أن يوضح مشتملاته فلعله هذا الجزء الخاص بتراجم رجال الكتاب حيث صرح العراقي كما قدمت بأنه جعله مقدمة للشرح و «الديباجة»، هي مقدمة الكتاب ولو طالت كمقدمة «فتح الباري» لابن حجر و «مقدمة ابن خلدون»، لتاريخه وهو معاصر للعراقي ثم إني وجدت العلاء بن خطيب الناصرية الذي ولد في عصر العراقي وأجيز منه، ثم تتلمذ على ولده، قد وقف على هذا الجزء بخط العراقي ونقل منه وأطلق عليه عند النقل اسم (الديباجة) كما سيأتي فلعل هذا الجزء نسخت منه بعض النسخ مستقلة عن باقي الشرح وعنونت بالديباجة لطرح التثريب وقد ذكر بروكلمان أن نسخة هذا الجزء المعنونة بالديباجة موجودة بمكتبة (جوته) بألمانيا تحت رقم (٢/ ١٠٢) ونسبها إلى العراقي (٢).
стр. 1117
٣ - عدد تراجم الجزء وأنواع المترجمين فيه وأهميته:
وقد قمت بإحصاء عدد التراجم التي أوردها العراقي في هذا الجزء فبلغت ٢٨٣ ترجمة سوى ما تكرر ذكره، مرة بحسب الاسم، وأخرى بحسب الكنية أو اللقب، أو النسبة، وقد صرح العراقي في (مقدمة الشرح) كما تقدم بأنه لم يكتف في هذا الجزء بترجمة رجال أسانيد الأحاديث الواردة في الكتاب فحسب؛ بل رأى أن يضم إليهم ترجمة من ذكر اسمه في بقية الكتاب لرواية حديث أو كلام عليه أو لذكره في أثناء حديث، قصدًا منه إلى: تعميم الفائدة بالكتاب.
كما إني وجدته التزم خلال الجزء بتمييز تلك التراجم عن تراجم رجال أسانيد الأحاديث، حيث ينبه في نهاية ترجمة الشخص منهم على أن له ذكرًا فقط في الباب الفلاني من أبواب الكتاب، وفي الحديث الفلاني (١).
ولما كانت أحاديث الكتاب مما رواه العراقي عن شيوخه بأسانيدهم المتصلة إلى الرسول ﷺ فإن جزء التراجم هذا قد اشتمل على عدد من كل طبقة من طبقات رجال السنة، منذ عصر الرسول ﷺ حتى عصر العراقي، فبعد ترجمة الرسول ﷺ التي صدر بها العراقي هذا الجزء، نجد فيه عددًا من
стр. 1118
تراجم كل من الصحابة والصحابيات والتابعين وأتباعهم، وأئمة الحديث من بعدهم من المحدثين، والمسندين، وإحدى المسندات، والحفاظ، حتى شيوخ العراقي وطبقتهم بل إنه ترجم فيه ولده أبا زرعة ولي الدين أحمد بن عبد الرحيم، وإن لم يدخله ضمن تراجم رجال الكتاب لصغر سنه عن الشيوخ (١)، كما أن هذا الجزء قد اشتمل أيضًا بجانب تراجم الثقات - وهم الغالبية فيه - على تراجم بعض المتكلم فيهم (٢)، وبعض المجروحين من الضعفاء (٣)، والمتروكين (٤)، والمختلطين من الثقات (٥)، والمدلسين (٦)، بل وأحد الكذابين الوضاعين، كما سيأتي في النماذج.
ولهذا التنوع الشامل في تراجم هذا الجزء كانت له أهمية كبيرة في بيان أثر العراقي في علم الرجال عمومًا، لاشتماله كما ترى على نماذج لما يتناوله ذلك العلم من مختلف الطبقات والأنواع، بحيث لو لم نجد للعراقي مؤلفًا آخر في هذا العلم، لأمكننا أخذ فكرة مجملة من هذا الجزء عن آراء العراقي في عامة رجال السنة، وعن تصوره لعناصر الترجمة لكل نوع منهم، وكيفية التعريف بهم ومن أهمية هذا الجزء أيضًا أنه الوحيد من بين مؤلفات العراقي في علم الرجال الذي بقي لنا حتى الآن بذاته كاملاً، ومتداولاً، ضمن نسخ «طرح
стр. 1119
التثريب» الخطية والمطبوعة كما أشرت، وبذلك يمكننا التعرف منه على نماذج تراجم العراقي وآرائه الخاصة بالنسبة لما هو مفتقد كلية من مؤلفاته في علم الرجال، كتأليفه في الصحابة، وفي المدلسين، كما تقدم وفي غيره كما سيأتي.
٤ - مصادر الجزء المذكور ونقد العراقي في كيفية الإحالة عليها:
لم يحدد العراقي في صدر هذا الجزء أو في نهايته مجمل المصادر التي اعتمد عليها فيه، كما يفعل غيره، ولكن بفحصي التفصيلي للجزء وجدته قد أشار إلى كثير من المصادر خلال التراجم، غير أنه غالبا يكتفي بذكر اسم المؤلف فقط، كابن حبان، وأبي جعفر الطحاوي، دون تحديد اسم الكتاب، وقد قدمت في بيان مصادره في شرحه المتوسط للألفيه أن هذه الطريقة في الإحالة على المصادر وإن جرى عليها كثيرون في عصره فضلاً عن السابقين اللاحقين، إلا أنها طريقة منتقدة بعدم التحديد، خاصة عند تعدد مؤلفات الشخص المحال عليه، وعدم وجود قرينة معينة.
كما وجدته أحيانًا يضيف الرأي إلى شخص وجماعة معه غير محددة كقوله: «قال ابن إسحق وجماعة» (١) وكقوله عن أحد الرواة وثقه ابن معين وجماعة (٢)، وهذا وإن دل على سعة إطلاعه، إلا أنه يعوزه التحديد أيضًا، ومع أن العراقي صرح في المقدمة بقلة المراجع التي تيسرت له حينئذ بسبب وجوده في مكة (٣)، فإننا نجده يحيل في بعض الجزئيات على عدة
стр. 1120
مصادر (١) وهذا يدل على أنه بذل غاية وسعه في الرجوع للمصادر التي توفرت له والإفادة منها، ثم إني وجدت أن أغلب مصادر العراقي في هذا الجزء هي أمهات كتب الرجال التي سبق ذكر اعتماده عليها في مؤلفاته السابقة، مثل ابن سعد في «طبقاته الكبرى»، والحافظ الذهبي في مؤلفاته المتعددة (كالعبر) و (ميزان الإعتدال)، ولذا فإني أكتفي هنا بذكر بعض المصادر التي لم يسبق ذكرها، وهي: السهيلي صاحب «الروض الأنف، في شرح السيرة النبوية» (٢) وابن العديم في كتاب «الملحة» (٣) وحمزة السهمي في «تاريخ جرجان» (٤) وأبو الفتح اليعمري في كتابه: عيون الأثر في المغازي والسير (٥) والإمام مسلم في كتابه «المخضرمين» (٦) وابن الصلاح في طبقات الفقهاء (٧)
٥ - منهج العراقي وآراؤه في هذا الجزء، تحليل نقدي مقارن.
أولا: ترتيب التراجم وتقسيمها:
لم يبين العراقي كما بين غيره منهجه في ترتيب وتقسيم التراجم ولكن ببحثي لجميعها في هذا الجزء، وجدته قد بدأ بترجمة من اسمه أحمد.
стр. 1121
وصدرهم بترجمة النبي ﷺ فقال: «أحمد ومحمد بن عبد الله … الخ» (١) فدل ذلك على أنه بدأ بالأحمدين تيمنا باسم النبي أحمد ﷺ ، وهو في هذا يختلف عن معاصره صلاح الدين الصفدي المتوفى سنة ٧٦٣ هـ حيث بدأ كتابه (الوافي بالوفيات) بمن اسمه محمد وصدرهم أيضا بترجمة النبي ﷺ . وقال في مقدمته: «على أني بدأت بذكر سيدنا محمد ﷺ إذ هو الذي أتى بهذا الدين القيم» (٢) ثم ترجم باقي المحمدين بعده، وعاد فرتب التراجم في باقي الكتاب على حروف المعجم، وتعد ترجمة العراقي للرسول ﷺ أوسع تراجم الجزء كله، وبعد فراغه من ترجمة الأحمدين عاد إلى ترتيب باقي التراجم على حروف المعجم، ونظرًا لسهولة الكشف عن صاحب الترجمة فيما هو مترتب على حروف المعجم عما هو مرتب على الطبقات أو مرتب على سنة الوفاة فقد شاع منهج الترتيب على الحروف في عصر العراقي، وفضله على الطريقتين المذكورتين كل من ابن خلكان في كتابه «وفيات الأعيان» (٣) وشيخ العراقي جمال الدين الإسنوي في كتابه «طبقات الشافعية» (٤) وقد التزم العراقي في ترتيبه مراعاة الحرف الأول فقط من اسم صاحب الترجمة دون مراعاة هذا بالنسبة للأب، ولذلك ذكر «شيبان بن عبد الرحمن» قبل «شهر بن حوشب» (٥) وهذا يشبه منهج ابن خلكان
стр. 1122
في كتابه السابق ذكره ولكن مراعاة الترتيب المعجمي بالنسبة لاسم الأب أيضًا أدق وأضبط في الكشف عن موضع ترجمة الشخص في الكتاب، ولهذا انتقد الباحثون ابن خلكان في عدم مراعاة ذلك (١) وبالتالي ينسحب هذا النقد على من شابهه في ذلك كالعراقي في هذا الجزء.
وبعد أن فرغ العراقي من ترجمة من عرف باسمه على الترتيب المذكور، عقد بابًا لمن عُرف بكنيته، ورتبهم أيضًا على حروف المعجم بحسب المضاف إليه في الكنية، بحيث قدم من كنيته (أبا جهم) على من كنيته (أبو حذيفة) (٢) وهكذا، وإذا كان صاحب الكنية قد تقدمت ترجمته ضمن من عُرف باسمه أشار إلى ذلك، كقوله: أبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس، تقدم في الأسماء وقوله: «ابن خزيمة اسمه محمد بن إسحق تقدم» (٣) وقد قسم العراقي هذا الباب إلى فصلين: أولهما فيمن كنيته أبو فلان، والثاني فيمن عرف بابن فلان، ثم أتبع ذلك بفصل خاص بمن اشتهر بنسبة كالإسماعيلي، والبخاري، ورتبهم أيضًا على حروف المعجم بحيث ذكر البخاري قبل البزار، وهكذا، ولما كان جميع من ذكرهم في هذا الفصل قد تقدمت تراجمهم فيمن عرف باسمه ومن عرف بكنيته، فإنه اكتفى بالإشارة إلى ذلك كقوله: «البيهقي أحمد بن الحسين تقدم» (٤) وقوله الكشي: «أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله تقدم في الكنى» (٥).
стр. 1123
وبعد هذا الفصل، عقد بابًا لتراجم النساء، ورتبهن أيضًا على حروف المعجم، مبتدئًا بمن عرفن بأسمائهن، ومختتمًا بمن عرفن بكنيتهن، وبذلك أنهى الجزء المذكور.
وبالمقارنة نجد أن هذا المنهج في الترتيب والتقسيم أولى وأدق من منهج ابن خلكان في كتابه السابق ذكره، حيث خلط تراجم الرجال بالنساء (١)، ومن اشتهر باسمه بمن اشتهر بكنيته أو نسبته، وقد جرى على منهج العراقي في الترتيب والتقسيم المذكور تلميذه ابن حجر في كتابه «تقريب التهذيب» (٢).
ثانيًا: عناصر الترجمة ومميزات أنواع التراجم في الجزء
هناك عناصر أساسية التزم العراقي بذكرها في غالب تراجم الجزء المذكور وهي: اسم صاحب الترجمة، وسلسلة نسبه، ونسبته إلى الأصل، كالأنصاري، أو إلى المكان، كالبغدادي، أو إلى المذهب، كالشافعي، وغير ذلك وبين أيضًا كنيته ولقبه، وخاصة اللقب الحديثي كأمير المؤمنين في الحديث، والحافظ، والمحدث، والمسند، وهناك قاعدة للمؤرخين معروفة قررها الصفدي والسيوطي من بعده وغيرهما وهي: «أنه في سياق العناصر السابقة يبتدأ بذكر لقب الشخص، ثم كنيته ثم اسمه ونسبه، ثم نسبته إلى البلد، ثم إلى الأصل، ثم إلى المذهب الفقهي، ثم إلى المذهب الاعتقادي، كالأشعري والشيعي، أما النسبة إلى العلم أو الصنعة، أو الوظيفة، كالخليفة والقاضي، فتقدم على جميع العناصر المتقدمة» فتقول: «المحدث، أو الخليفة،
стр. 1124
وتسرد بعد ذلك باقي العناصر على الترتيب السابق (١)، وقد لاحظت أن العراقي لم يلتزم بتلك القاعدة في سرد تلك العناصر (٢)، وإن كان قد التزم بها في غير هذا الكتاب من مؤلفاته في التراجم، التي لم يرتبها على حروف المعجم كما سيأتي.
كذلك من العناصر الأساسية التي التزمها العراقي في معظم التراجم ذكر تاريخ ومكان كل من وفاة الشخص وولادته، ومقدار عمره، وموطنه، ما أمكن وبيان أهم مروياته، وأهم من روى عنهم، ومن رووا عنه، وكيفية الرواية كالسماع، والحضور، والإجازة، وقد يذكر عدد تلاميذ الشخص، أو شيوخه عند كثرتهم، كما عنى ببيان آخر من روى عن الشخص، وآخر من روى عنه الشخص، وذلك إظهارًا لعلو الإسناد، وبين أيضا الوظائف العلمية، والعامة التي تقلدها الشخص، كتعليم السنن، والإفتاء، ومشيخة الحديث، والقضاء، والشرطة، والولاية، والخلافة.
ولما كانت تراجم الجزء متنوعة كما قدمنا، فإن العراقي أعطى لكل نوع طابعه المميز: فبالنسبة للصحابة عنى ببيان ثبوت الصحبة للصحابي، ومدى الخلاف فيمن هو مختلف في ثبوتها له (٣) وبين أيضًا من له منهم بجانب الصحبة رواية عن النبي ﷺ كقوله عن زينب بنت عبد الله بن معاوية بن عتاب: لها صحبة.
стр. 1125
ورواية عن النبي (١)، وبهذا نبه على أنه لا تلازم بين ثبوت الصحبة وبين الرواية عن الرسول ﷺ ، لأن الصحبة عند الجمهور تثبت بلقاء الشخص المسلم للرسول سواء سمع الشخص منه أم لم يسمع، كما بين أيضًا ما شهده الصحابي مع الرسول ﷺ من المشاهد الهامة والغزوات، وبعض مناقبه الأخرى.
أما بالنسبة لغير الصحابة من التابعين فمن بعدهم، فهناك عنصر تتميز به تراجمهم، وهو بيان التوثيق أو التجريح لكل منهم، بينما لا يوجد هذا العنصر في تراجم الصحابة، جريا من العراقي على الرأي الراجح القائل بثبوت عدالتهم جميعا ﵃، وقد جرى العراقي في عنصر التوثيق والتجريح هذا على منهجه المتسم بالإعتدال، كما تقدم في مبحث تذييله على «ميزان الإعتدال» وغيره، فإذا ترجح لديه جانب الجرح أو التعديل، اقتصر على ذكره وأقره، كما سيأتي في النماذج، وإذا اختلفت أقوال العلماء جرحًا وتعديلاً، ذكر أهم أقوال هؤلاء وهؤلاء، مع الترجيح غالبا لما يراه، والتصدي لرد تجريح الشخص، مع التدليل، وعناية العراقي بعنصر التعديل والتجريح على هذا النحو، تدل على رعايته لمنهج علماء الحديث في التراجم، وبذلك تميزت تراجمه عن تراجم المؤرخ العادي، كابن خلكان مثلا، حيث نجده يترجم في وفياته لعبد الله بن المبارك، فلا يعني ببيان توثيقه في الرواية (٢)، بينما عنى العراقي بذلك في ترجمته له (٣)، كما ترجم ابن خلكان أيضا لعبد