وصدرهم بترجمة النبي ﷺ فقال: «أحمد ومحمد بن عبد الله … الخ» (١) فدل ذلك على أنه بدأ بالأحمدين تيمنا باسم النبي أحمد ﷺ ، وهو في هذا يختلف عن معاصره صلاح الدين الصفدي المتوفى سنة ٧٦٣ هـ حيث بدأ كتابه (الوافي بالوفيات) بمن اسمه محمد وصدرهم أيضا بترجمة النبي ﷺ . وقال في مقدمته: «على أني بدأت بذكر سيدنا محمد ﷺ إذ هو الذي أتى بهذا الدين القيم» (٢) ثم ترجم باقي المحمدين بعده، وعاد فرتب التراجم في باقي الكتاب على حروف المعجم، وتعد ترجمة العراقي للرسول ﷺ أوسع تراجم الجزء كله، وبعد فراغه من ترجمة الأحمدين عاد إلى ترتيب باقي التراجم على حروف المعجم، ونظرًا لسهولة الكشف عن صاحب الترجمة فيما هو مترتب على حروف المعجم عما هو مرتب على الطبقات أو مرتب على سنة الوفاة فقد شاع منهج الترتيب على الحروف في عصر العراقي، وفضله على الطريقتين المذكورتين كل من ابن خلكان في كتابه «وفيات الأعيان» (٣) وشيخ العراقي جمال الدين الإسنوي في كتابه «طبقات الشافعية» (٤) وقد التزم العراقي في ترتيبه مراعاة الحرف الأول فقط من اسم صاحب الترجمة دون مراعاة هذا بالنسبة للأب، ولذلك ذكر «شيبان بن عبد الرحمن» قبل «شهر بن حوشب» (٥) وهذا يشبه منهج ابن خلكان
стр. 1122
في كتابه السابق ذكره ولكن مراعاة الترتيب المعجمي بالنسبة لاسم الأب أيضًا أدق وأضبط في الكشف عن موضع ترجمة الشخص في الكتاب، ولهذا انتقد الباحثون ابن خلكان في عدم مراعاة ذلك (١) وبالتالي ينسحب هذا النقد على من شابهه في ذلك كالعراقي في هذا الجزء.
وبعد أن فرغ العراقي من ترجمة من عرف باسمه على الترتيب المذكور، عقد بابًا لمن عُرف بكنيته، ورتبهم أيضًا على حروف المعجم بحسب المضاف إليه في الكنية، بحيث قدم من كنيته (أبا جهم) على من كنيته (أبو حذيفة) (٢) وهكذا، وإذا كان صاحب الكنية قد تقدمت ترجمته ضمن من عُرف باسمه أشار إلى ذلك، كقوله: أبو الزبير محمد بن مسلم بن تدرس، تقدم في الأسماء وقوله: «ابن خزيمة اسمه محمد بن إسحق تقدم» (٣) وقد قسم العراقي هذا الباب إلى فصلين: أولهما فيمن كنيته أبو فلان، والثاني فيمن عرف بابن فلان، ثم أتبع ذلك بفصل خاص بمن اشتهر بنسبة كالإسماعيلي، والبخاري، ورتبهم أيضًا على حروف المعجم بحيث ذكر البخاري قبل البزار، وهكذا، ولما كان جميع من ذكرهم في هذا الفصل قد تقدمت تراجمهم فيمن عرف باسمه ومن عرف بكنيته، فإنه اكتفى بالإشارة إلى ذلك كقوله: «البيهقي أحمد بن الحسين تقدم» (٤) وقوله الكشي: «أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله تقدم في الكنى» (٥).
стр. 1123
وبعد هذا الفصل، عقد بابًا لتراجم النساء، ورتبهن أيضًا على حروف المعجم، مبتدئًا بمن عرفن بأسمائهن، ومختتمًا بمن عرفن بكنيتهن، وبذلك أنهى الجزء المذكور.
وبالمقارنة نجد أن هذا المنهج في الترتيب والتقسيم أولى وأدق من منهج ابن خلكان في كتابه السابق ذكره، حيث خلط تراجم الرجال بالنساء (١)، ومن اشتهر باسمه بمن اشتهر بكنيته أو نسبته، وقد جرى على منهج العراقي في الترتيب والتقسيم المذكور تلميذه ابن حجر في كتابه «تقريب التهذيب» (٢).
ثانيًا: عناصر الترجمة ومميزات أنواع التراجم في الجزء
هناك عناصر أساسية التزم العراقي بذكرها في غالب تراجم الجزء المذكور وهي: اسم صاحب الترجمة، وسلسلة نسبه، ونسبته إلى الأصل، كالأنصاري، أو إلى المكان، كالبغدادي، أو إلى المذهب، كالشافعي، وغير ذلك وبين أيضًا كنيته ولقبه، وخاصة اللقب الحديثي كأمير المؤمنين في الحديث، والحافظ، والمحدث، والمسند، وهناك قاعدة للمؤرخين معروفة قررها الصفدي والسيوطي من بعده وغيرهما وهي: «أنه في سياق العناصر السابقة يبتدأ بذكر لقب الشخص، ثم كنيته ثم اسمه ونسبه، ثم نسبته إلى البلد، ثم إلى الأصل، ثم إلى المذهب الفقهي، ثم إلى المذهب الاعتقادي، كالأشعري والشيعي، أما النسبة إلى العلم أو الصنعة، أو الوظيفة، كالخليفة والقاضي، فتقدم على جميع العناصر المتقدمة» فتقول: «المحدث، أو الخليفة،
стр. 1124
وتسرد بعد ذلك باقي العناصر على الترتيب السابق (١)، وقد لاحظت أن العراقي لم يلتزم بتلك القاعدة في سرد تلك العناصر (٢)، وإن كان قد التزم بها في غير هذا الكتاب من مؤلفاته في التراجم، التي لم يرتبها على حروف المعجم كما سيأتي.
كذلك من العناصر الأساسية التي التزمها العراقي في معظم التراجم ذكر تاريخ ومكان كل من وفاة الشخص وولادته، ومقدار عمره، وموطنه، ما أمكن وبيان أهم مروياته، وأهم من روى عنهم، ومن رووا عنه، وكيفية الرواية كالسماع، والحضور، والإجازة، وقد يذكر عدد تلاميذ الشخص، أو شيوخه عند كثرتهم، كما عنى ببيان آخر من روى عن الشخص، وآخر من روى عنه الشخص، وذلك إظهارًا لعلو الإسناد، وبين أيضا الوظائف العلمية، والعامة التي تقلدها الشخص، كتعليم السنن، والإفتاء، ومشيخة الحديث، والقضاء، والشرطة، والولاية، والخلافة.
ولما كانت تراجم الجزء متنوعة كما قدمنا، فإن العراقي أعطى لكل نوع طابعه المميز: فبالنسبة للصحابة عنى ببيان ثبوت الصحبة للصحابي، ومدى الخلاف فيمن هو مختلف في ثبوتها له (٣) وبين أيضًا من له منهم بجانب الصحبة رواية عن النبي ﷺ كقوله عن زينب بنت عبد الله بن معاوية بن عتاب: لها صحبة.
стр. 1125
ورواية عن النبي (١)، وبهذا نبه على أنه لا تلازم بين ثبوت الصحبة وبين الرواية عن الرسول ﷺ ، لأن الصحبة عند الجمهور تثبت بلقاء الشخص المسلم للرسول سواء سمع الشخص منه أم لم يسمع، كما بين أيضًا ما شهده الصحابي مع الرسول ﷺ من المشاهد الهامة والغزوات، وبعض مناقبه الأخرى.
أما بالنسبة لغير الصحابة من التابعين فمن بعدهم، فهناك عنصر تتميز به تراجمهم، وهو بيان التوثيق أو التجريح لكل منهم، بينما لا يوجد هذا العنصر في تراجم الصحابة، جريا من العراقي على الرأي الراجح القائل بثبوت عدالتهم جميعا ﵃، وقد جرى العراقي في عنصر التوثيق والتجريح هذا على منهجه المتسم بالإعتدال، كما تقدم في مبحث تذييله على «ميزان الإعتدال» وغيره، فإذا ترجح لديه جانب الجرح أو التعديل، اقتصر على ذكره وأقره، كما سيأتي في النماذج، وإذا اختلفت أقوال العلماء جرحًا وتعديلاً، ذكر أهم أقوال هؤلاء وهؤلاء، مع الترجيح غالبا لما يراه، والتصدي لرد تجريح الشخص، مع التدليل، وعناية العراقي بعنصر التعديل والتجريح على هذا النحو، تدل على رعايته لمنهج علماء الحديث في التراجم، وبذلك تميزت تراجمه عن تراجم المؤرخ العادي، كابن خلكان مثلا، حيث نجده يترجم في وفياته لعبد الله بن المبارك، فلا يعني ببيان توثيقه في الرواية (٢)، بينما عنى العراقي بذلك في ترجمته له (٣)، كما ترجم ابن خلكان أيضا لعبد
стр. 1126
الرزاق الصنعاني واكتفى ببعض عبارات توثيقه (١)، أما العراقي فبين ما قيل فيه من جرح وتوثيق وأقر قول الإمام أحمد فيه «أن من سمع من عبد الرزاق بعدما ذهب بصره فهو ضعيف السماع، لأنه كان يلقن بعدما عمي» (٢)، أي كان إذا قيل له هذا الحديث أو الأحاديث من روايتك ونريد أن نرويها عنك أقر القائل، دون تحققه من أنها من مروياته فعلا أو لا.
وبالنسبة للحفاظ، والمحدثين، والمسندين، تميزت تراجمهم ببيان أهم مروياتهم من الكتب، والأجزاء، وبيان رحلاتهم لسماع الحديث، وإسماعه، ودراساتهم العامة والمتخصصة، وأهم مصنفاتهم، ويتجلى ذلك في ترجمته لكل من ابن حبان (٣)، وأبي عبد الله الحاكم صاحب «المستدرك على الصحيحين» (٤)، و «الدارقطني» (٥) والمزي (٦) والنووي (٧).
هذه هي أهم عناصر الترجمة ومميزات أنواع التراجم التي انتهجها العراقي في أغلب تراجم هذا الجزء، ونلاحظ من مجموعها خبرة العراقي بأنواع التراجم التي يشملها علم الرجال، ومراعاته في كل نوع ما يتطلبه من العناصر والمقومات التي تهم المحدث بالدرجة الأولى، وتعينه على تمييز أنواع الرواة والمرويات عنهم قبولاً أو ردا، وقد قدمت في مبحث تذييل العراقي على
стр. 1127
«ميزان الإعتدال» أهمية بيان غالب العناصر، والمميزات المذكورة (١).
ثالثا: آراء العراقي:
وقد عبر العراقي في الغالب عن آرائه خلال بيانه لعناصر التراجم ومميزاتها السالفة، وذلك بأنه قد يكتفي بذكر رأي واحد في أحد العناصر أو المميزات المختلف فيها وبذلك يعتبر جازما به دون غيره حسبما قدمت عنه في مبحث شرحه المتوسط للألفية من قواعد بيان الآراء.
مثال ذلك: أنه في ترجمة الإمام أحمد بن حنبل ساق نسبه فقال: «أحمد ابن محمد حنبل بن هلال بن أسد بن إدريس بن عبد الله بن حيان ابن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن بن شيبان بن ذهل ابن تعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أفصى بن دعمي ابن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان واقتصر على ذلك» (٢).
وقد ذكر ابن خلكان نسب الإمام أحمد كما ذكره العراقي ثم قال: «هذا هو الصحيح في نسبه، وقيل أنه من بني مازن بن ذهل بن شيبان بن ثعلبة بن عكابة، وهو غلط؛ لأنه من بني شيبان بن ذهل لا من بني ذهل بن شيبان وذهل بن ثعلبة المذكور هو عم ذهل بن شيبان، فليعلم ذلك» (٣)، وهكذا ذكر غير واحد من العلماء (٤)، ومن ذلك يظهر لنا أن سياق نسب الإمام أحمد
стр. 1128
مختلف فيه على رأيين: أحدهما صحيح، والآخر خطأ، ويظهر لنا أن السياق الذي اقتصر العراقي على ذكره هو الصحيح، وقد أفاد اقتصاره عليه أنه جازم بصحته دون الرأي الآخر، لكنه مع هذا قال في نسبة الإمام أحمد: الذهلي ثم الشيباني (١)، ومقتضى سياق النسب الذي جزم بصحته، وهو أنه من بني شيبان بن ذهل، لا من بني ذهل بن شيبان، أن يقول: الشيباني ثم الذهلي، وهكذا فعل الإمام البخاري ثم الذهبي (٢)، أما قول العراقي: الذهلي ثم الشيباني، فهو موافق للرأي الخاطئ في نسب الإمام أحمد، وبهذا يكون قد أصاب في سياقه للنسب على الرأي الصحيح، ووهم أو سبقه قمة في بيان نسبة الإمام أحمد فقدم وأخر.
وقد يورد العراقي أكثر من رأي في أحد العناصر مع بيان الخطأ (٣)، والبعيد (٤)، والشاذ (٥)، والضعيف (٦)، والمستحسن (٧)، والصواب (٨)، والصحيح (٩)،
стр. 1129
والأصح (١)، والمشهور (٢)، والأشهر (٣)، والمعروف (٤)، وما عليه الأكثرون (٥)، والجمهور (٦)، والراجح (٧). وذلك يدل بوضوح على شخصيته العلمية، وقدرته النقدية للآراء.
على أن هناك مواضع توقف عن ترجيح رأي فيها على غيره، مثل قوله في ترجمة «عويمر العجلاني» صاحب قصة اللعان: «اختلف في اسم أبيه فقال ابن عبد البر: «عويمر بن أبيض» وقال الطبري: «عويمر بن الجد بن زيد ابن حارثة بن الجد بن العجلان، وهو الذى رمى زوجته بشريك ابن السمحاء وكان قد قدم من سفر فوجدها حبلى». وقد قيل: أنه عويمر بن أشقر أحد من شهد بدرًا، فالله أعلم» (٨) فتعقيبه على هذه الآراء بقوله: فالله أعلم، يفيد أنه لم يترجح لديه رأي من الآراء التي ساقها.
وقد يورد العراقي أكثر من رأي في أحد العناصر دون تصريح ببيان درجه تلك الأراء في تقديره، ولكن تقديمه لأحدها يدل على ترجيحه له كما تقدم بيان ذلك في مبحث شرحه المتوسط للألفية، وأوسع ما بين العراقي آراء العلماء فيه مع تحديد أصحها، هو اسم أبي هريرة، واسم أبيه، حيث قال: «اختلف في
стр. 1130
اسمه واسم أبيه اختلافا كثيرًا، على نحو ثلاثين قولاً، أصحها عند الجمهور: عبد الرحمن بن صخر، وهو قول ابن إسحاق، ورجحه أبو أحمد الحاكم، قال ابن عبد البر: وعلى هذا اعتمدت طائفة ألفت في الأسماء والكنى، وصححه من الفقهاء: الرافعي، ثم النووي، وبه صدر المزي كلامه، ثم ساق العراقي واحدًا وعشرين قولاً آخر، كان آخرها قوله: وروى يونس بن بكير عن ابن إسحق قال: حدثني بعض أصحابنا عن أبي هريرة قال: كان اسمي في الجاهلية عبد شمس، فسميت في الإسلام عبد الرحمن وإنما كنيت بأبي هريرة، لأني وجدت هرة فحملتها في كمي، فقيل لي ما هذا؟ فقلت: هرة، قيل لي: فأنت أبو هريرة، وقيل إن النبي ﷺ هو الذي كناه بذلك، لذلك قال ابن عبد البر: وهو أشبه عندي (١).
وبهذا كله يظهر لنا بروز شخصية العراقي العلمية وآرائه بين من اعتمد عليهم من علماء الرجال المتقدمين والمتأخرين.
نماذج مقارنة من تراجم الكتاب:
وإليك بعض نماذج من تراجم العراقي في هذا الجزء، تطبيقا وتوضيحا لما قررته بشأن منهجه وآرائه فيه، مع مقارنة لبعضها بما يماثله في تأليف غير العراقي، من معاصرية وغيرهم.
ونبدأ بأول التراجم وأوسعها وأزكاها، وهي ترجمته للنبي ﷺ ونختار منها تحقيقه لتاريخ وفاة الرسول ﷺ حيث قال: وتوفي ليلة الاثنين ثالث عشر شهر ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة، هذا هو الصواب، وقد
стр. 1131
استشكل السهيلي قولهم: يوم الإثنين ثاني عشرة، لعدم إمكان كون الثاني عشر يتصور أن يكون يوم الإثنين، لاتفاقهم على أن حجة الوداع كانت الوقفة فيها بعرفة يوم جمعة، كما في الصحيحين وغيرهما، على هذا فلو فرضت الشهور نواقص، أو كوامل، أو مختلفة، لم يتصور ذلك، والجواب عنه: أن من قال لاثنتي عشرة ليلة خلت منه هو الصواب، وتكون وفاته في ليلة الثالث عشر يوم الإثنين، فبهذا يحصل الجمع، ويدل عليه أيضا ما في (صحيح مسلم) من حديث أنس: فألقى السجف، وتوفي من آخر ذلك اليوم، فهذا يدل على أنه آخر النهار، وأول الليل، ولكن يشكل على هذا، أن كلام أهل السير يقتضي نقصان الشهور لا كمالها، وأيضا فروي عن عائشة: أنه توفي في ارتفاع الضحى وانتصاف النهار، يوم الإثنين، رواه ابن عبد البر، والذي يترجح من حيث التاريخ قول من قال: «يوم الإثنين ثاني عشر ربيع الأول»، وهو قول سليمان التيمي، ومحمد بن قيس، ومحمد بن جرير الطبري (١).
وممن اختلف في إسلامه وصوب العراقي إسلامه «ورقة بن نوفل» فقد ترجمه قائلا: ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب القرشي الأسدي أدرك ابتداء الوحي، واستخبر النبي ﷺ عن ذلك فأخبره فقال ورقة: «هذا الناموس الذي أنزل على موسى»، ثم توفي ورقة قبل اشتهار النبوة، قال أبو عبد الله بن مندة: اختلفوا في إسلام ورقة، وقال السهيلي: هو أحد من آمن بالنبي ﷺ قبل المبعث، وما ذكره السهيلي هو الصواب، فقد روى الحاكم في «المستدرك» من رواية هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة.
стр. 1132
أن النبي ﷺ سمع رجلا يسب ورقة فقال: «أما علمت أني رأيت لورقة جنة أو جنتين»؟ قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وروى الترمذي من رواية عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي عن الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي ﷺ سئل عن ورقة فقالت له خديجة: (كان صدقك، ولكنه مات قبل أن تظهر، فقال رسول الله ﷺ : رأيت ورقة في المنام، وعليه ثياب بيض، ولو كان من أهل النار لكان عليه لباس غير ذلك)، قال الترمذي: هذا حديث غريب، وعثمان ليس بالقوي، قلت: وقد رواه معمر عن الزهري عن عروة مرسلا، ليس فيه عائشة وهو مرسل صحيح، رواه الزبير بن بكار هكذا، وروى ابن عساكر في «تاريخ دمشق» بإسناده إلى الشعبي عن جابر قال: «سئل النبي ﷺ عن ورقة فقال: أبصرته في بطنان الجنة، عليه السندس، فهذا مع حديث عائشة، مع مرسل عروة، يقوي بعضها بعضا، وهي تدل على إسلام ورقة، وهو الصواب إن شاء الله تعالى» (١).
ومن تراجمه للصحابة نذكر ترجمته لجابر بن عبد الله حيث يقول: «جابر ابن عبد الله بن عمرو بن حرام بن سلمة الأنصاري السلمي المدني وكنيته أبو عبد الله، وقيل أبو عبد الرحمن، وقيل أبو محمد، روى عن النبي ﷺ وأبي بكر، وعمر، وعلي، وآخرين، روى عنه أولاده: محمد وعقيل وعبد الرحمن، وعطاء بن أبي رباح، ومحمد بن المنكدر، وعمرو بن دينار، وخلائق غزى مع النبي ﷺ تسع عشرة غزوة، ولم يشهد بدرًا، ولا أحدًا، منعه أبوه، وقال النبي ﷺ لأهل الحديبية وهو منهم: ﴿أنتم خير أهل الأرض﴾، واستغفر له النبي ﷺ ليلة البعير خمسا وعشرين مرة، قال هشام بن عروة:
стр. 1133
رأيت له حلقة في المسجد تأخذ عنه، وتوفي بالمدينة على قول الجمهور، وقيل مات بمكة، قاله أبو بكر بن أبي داؤد، وقيل بقباء، والمشهور في وفاته أنها في سنة ٧٨ هـ، قاله عمرو بن علي الفلاس، وجماعة، وقال أبو نعيم: سنة ٧٩ هـ، وقيل: سنة ٧٧ هـ، وقيل: سنة ٧٤ هـ، وقيل: سنة ٧٣ هـ، وقيل: سنة وروى أحمد بن حنبل عن قتادة أنه آخر من مات بالمدينة من ٧٢ هـ، الصحابة، وكذلك قال أبو نعيم، وليس بجيد، فقد تأخر بعده بها: السائب ابن يزيد، وغيره (١).
وقد ترجم قرين العراقي ابن الملقن لجابر بن عبد الله هذا ضمن شرحه
لصحيح البخاري (٢) وشرحه لكتاب «عمدة الأحكام» للمقدسي (٣) وعندما قارنت ذلك بترجمة العراقي المتقدمة له وجدتهما متفقين في بعض العناصر ومختلفين في بعضها الآخر، فقد اتفقا في بيان المشاهد والغزوات التي حضرها، والتي تخلف عنها سيدنا جابر ﵁، كما اتفقا في باقي مناقبه التي تقدمت في ترجمة العراقي له، أما أهم ما اختلفا فيه فهو: ضبط المؤتلف والمختلف من الأسماء في نسب جابر ﵁، فقد قال ابن الملقن (حَرَام) بالحاء المهملة والراء و (سَلِمَة) بكسر اللام كما ضبط نسبته فقال: (السلمي) بفتح السين واللام، وحكى في لغة كسرها، ولم يضبط العراقي أيا من ذلك، وعنصر ضبط المشكل هذا، لم يعن به العراقي في عامة
стр. 1134
هذا الجزء مع أنه من مطالب المحدثين، ومن أنواع علم الرجال التي لم تكن خافية على العراقي.
كذلك نبه ابن الملقن على أن جابرًا هو أحد الصحابة الستة الذين أكثروا الرواية عن الرسول ﷺ وأنه روى عن الرسول ﷺ (١٥٤٠) حديثًا، خرج البخاري ومسلم منها ٢١٠، اتفقا منها على ٥٨، وانفرد البخاري بـ ٢٦، ومسلم بـ ١٢٦، ولم يذكر العراقي شيئًا من ذلك، ولعله ترك هذا اختصارًا، بدليل أنه في ألفيته في المصطلح، وفي شرحها المتوسط، ذكر جابرًا ضمن المكثرين للرواية عن الرسول ﷺ ، كما ذكر في الشرح المذكور عدد الأحاديث التي رواها جابر مثلما ذكره ابن الملقن (١)، ومما اختلفا فيه أيضًا أن ابن الملقن رجح كون جابر هذا آخر الصحابة موتًا بالمدينة المنورة، بينما رد العراقي ذلك بالدليل كما مر في الترجمة، كذلك صرح العراقي بأن الرأي المشهور في تاريخ وفاة جابر هو سنة ٧٨ هـ، وصدر به كلامه، إشارة إلى ترجيحه له، ثم أورد باقي الآراء بعده، أما ابن الملقن فاكتفى بتصدير كلامه بذكر التاريخ المشار إليه، ثم أورد بعده باقي الآراء، ولا شك أن تصريح العراقي أحسن، وأدل على بيان موقفه من تلك الآراء.
ومما اختلفا فيه أيضًا: أن ابن الملقن ذكر في ختام ترجمة جابر عدة فوائد بين فيها عدد من اسمه جابر، أو جابر بن عبد الله، من الصحابة، وغيرهم من الرواة، كما بيّن أن جابرًا يشتبه بجائر بالمثلثة بدل الموحدة، وبخاتر بخاء معجمة ثم ألف ثم مثناة فوق ثم راء، ثم عرف بكليهما في سطرين، أما العراقي فلم يذكر شيئًا من ذلك، ولا شك أن ذكر ما تقدم أفيد من تركه.
стр. 1135
كذلك بين ابن الملقن الهيئة الشكلية لسيدنا جابر، بينما أهمل العراقي ذكرها أيضًا، وبهذا تميزت ترجمة كل من ابن الملقن والعراقي لهذا الصحابي الجليل، فأورد كل منهما ما لم يورده الآخر، ورجح ابن الملقن ما رده العراقي بالدليل كما أسلفت.
ومن تراجم العراقي للصحابيات ترجمته لأم المؤمنين أم سلمة ﵂ حيث قال: «هند أم سلمة بنت أبي أمية، واسم أبي أمية: حذيفة، وقيل اسمه سهيل بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، المخزومية، أم المؤمنين وقيل اسمها رملة وغلط قائل ذلك، وكان أبوها أبو أمية أحد الأجواد، يلقب بزاد الراكب. وهاجرت أم سلمة إلى المدينة وحدها، كان معها رجل من المشركين قيل: هو عثمان بن طلحة قبل أن يسلم، فكان يرحل لها بعيرها وينتحي عنها، فلما رأى نخل المدينة قال لها: هذا الذي تريدين، وانصرف» قال ابن عبد البر: «يقال أنها أول ظعينة دخلت المدينة مهاجرة، وقيل: بل ليلى بنت أبي خيثمة. وشهدت أم سلمة فتح خيبر، وكانت تحت أبي سلمة ابن عبد الأسد، وهاجرت معه الهجرة الأولى إلى الحبشة، فلما توفي خلف عليها رسول الله ﷺ ، فتزوجها في سنة أربع، لليال بقين من شوال، فهذا هو الصحيح وقول ابن عبد البر: أنه تزوجها في سنة اثنتين غلط، وتبعه عليه المزي في «التهذيب»، وليس بشيء، لأنه إنما تزوجها بعد وفاة أبي سلمة بالاتفاق، وابن عبد البر قد ذكر في وفاة أبي سلمة، أنها في جمادى الآخرة سنة ثلاث فكيف يتفق تزويجها سنة اثنتين؟ على أن الصحيح في وفاة أبي سلمة: أنها في سنة أربع، لثمان خلون من جمادى الآخرة. روت أم سلمة عن النبي ﷺ علمًا كثيرًا، روى عنها ولداها: عمر، وزينب، ابنا أبي سلمة.
стр. 1136
ومولاها سفينة، وابن المسيب، وعروة، وعطاء، وخلق، واختلف في وفاتها:
فقال الواقدي سنة تسع وخمسين، وصلى عليها أبو هريرة، وغلط في ذلك لما ثبت في «صحيح مسلم» أن عبد الله بن صفوان دخل عليها في خلافة يزيد، وإنما ولي يزيد في سنة ستين، وقيل سنة ستين في خلافة يزيد ابن معاوية، قاله أبو بكر بن أبي خيثمة، وبه صدّر ابن عبد البر كلامه وصححه أبو الفتح اليعمري، وضعف أيضا، لما روى حماد بن سلمة عن عمار سمع أم سلمة تقول: «سمعت الجن تبكي على حسين، وتنوح عليه»، وروى الترمذي من حديث سلمى قالت: (دخلت على أم سلمة وهي تبكي وقالت: رأيت رسول الله ﷺ في المنام، وعلى رأسه ولحيته التراب فقلت مالك يا رسول الله؟ قال: شهدت قتل الحسين آنفًا) وروينا عنها من طرق، أنها كانت عند قتل الحسين باقية، وسمعت نوح الجن عليه وإنما قتل الحسين سنة إحدى وستين، وقيل أنها توفيت سنة إحدى وستين، رجحه الذهبي في «العبر» وقيل سنة ٦٢ هـ وأوهم من قال: صلى عليها سعيد بن زيد، فإن سعيد بن زيد توفي سنة ٥١ هـ، وسبب الوهم فيه ما روى أنها أوصت أن يصلي عليها، ولا يلزم من إيصائها بذلك أن يكون وقع ذلك؛ بل تكون الوصية بذلك على تقدير حياته، وكان قد مات والله أعلم (١).
ومن تراجم العراقي للحفاظ الثقات من المتقدمين، ترجمته للذهلي، أحد شيوخ البخاري وقد ترجم له فقال: محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس بن ذؤيب الذهلي، أبو عبد الله، النيسابوري، أحد الأعلام، الحفاظ
стр. 1137
روى عن عبد الرحمن بن مهدي، ويزيد بن هارون، وأبي داود الطيالسي وخلائق، وله رحلة واسعة، وروى عنه البخاري وأصحاب السنن الأربعة وأبو حاتم، وابن خزيمة، وأبو عوانة الأسفراييني، وخلائق.
قال أحمد: «ما رأيت خراسانيا أعلم بحديث الزهري منه، ولا أصح كتابًا منه».
وقال أبو حاتم: محمد بن يحيى إمام أهل زمانه ثقة، وقال النسائي: ثقة مأمون، وقال أبو بكر بن أبي داود: «هو أمير المؤمنين في الحديث»، وقال ابن خزيمة: محمد بن يحيى إمام أهل عصره، توفي يوم الإثنين لأربع بقين من شهر ربيع الأول سنة ثمان وخمسين ومائتين، عن ست وثمانين سنة (١).
وممن ترجم له من المختلطين من الثقات: جرير بن حازم، إذ يقول: «جرير ابن حازم أبو النضر الأزدي البصري أحد الأعلام، روى عن أبي الطفيل عامر ابن واثلة، فقيل: لم يسمع منه، وقد شهد جنازته، وعن الحسن، وابن سيرين، وعطاء، وخلق، وقرأ على أبي عمرو بن العلاء، فقال له أبو عمرو: أنت أفصح من معد. روى عنه ابنه وهب بن جرير، وعبد الرحمن بن مهدي وعبد الله ابن وهب، وهدبة بن خالد، وهو آخر من حدث عنه، وآخرون كثيرون، وثقه ابن معين، وأبو حاتم، وقال: تغيّر قبل موته بسنة، قلت: ولم يحدث بعد اختلاطه، منعه أولاده وحجبوه، فجزاهم الله خيرا، توفي سنة سبعين ومائة» (٢).
وقد ترجم كل من الذهبي وابن حجر لجرير هذا وبالمقارنة نجد بعد أن ترجمة
стр. 1138
العراقي له توافق ما ترجمه به الذهبي (١)، أما ابن حجر فاختلف عنهما في تاريخ وفاته، حيث نقل عن «تاريخ البخاري» أن جريرا توفي سنة ١٧٥ هـ (٢)، وهو خلاف ما جزم به كل من الذهبي والعراقي في وفاة جرير سنة ١٧٠ هـ.
وممن ترجم له من المجروحين متروكي الحديث: «إبراهيم الخوزي» حيث قال: «إبراهيم بن يزيد الخوزي: نزل شعب الخوز بمكة، روى عن عطاء وطاووس، وغيرهما، روى عنه وكيع وعبد الرزاق في جماعة آخرين. قال ابن معين: «ليس بثقة»، وقال أحمد «متروك»، وقال البخاري: «سكتوا عنه»، قال ابن سعد: «مات سنة إحدى وخمسين ومائة» (٣) وقد ترجم لإبراهيم هذا كل من ابن حبان في (المجروحين) (٤) وابن الجوزي في (الضعفاء والمتروكين) (٥) والذهبي في (الكاشف) (٦) وجميعهم متفقون مع العراقي فيما قرره في تلك الترجمة».
وممن ترجم له من الكذابين الوضاعين: لجميع بن عمير حيث قال: «جميع ابن عمير بن عفاف التيمي، الكوفي يكنى أبا الأسود روى عن عائشة وابن
стр. 1139
عمر وروى عنه الأعمش وأبو إسحاق الشيباني وغيرهما، قال أبو حاتم: من عتق الشيعة، صالح الحديث»، وقال البخاري: «فيه نظر»، وقال ابن نمير: «هو من أكذب الناس» وقال ابن عدي: «عامة ما يرويه لا يتابعه عليه أحد» وقال ابن حبان: «كان يضع الحديث» (١).
وقد ترجم (لجميع) هذا كل من البخاري في «التاريخ الكبير (٢)» وابن حبان في «المجروحين (٣)» وابن الجوزي في «الضعفاء والمتروكين (٤)» والذهبي في «الميزان (٥)» وفي «الكاشف (٦)» والكل متفقون مع العراقي فيما ذكره.
وممن ترجم له من المدلسين: قتادة السدوسي حيث قال: «قتادة بن دعامة ابن قتادة بن عزيز بن عمرو بن ربيعة بن عمر بن الحارث ابن سدوس وقيل غير ذلك، السدوسي البصري، يكنى أبا الخطاب أحد الأئمة الأعلام وكان أكمه، روى عن أنس وعبد الله بن سرجس وأبي الطفيل وسعيد بن المسيب وابن سيرين، في آخرين. روى عنه أيوب وحميد وشعبة والأوزاعي ومعمر وأم». قال ابن المسيب: «ما أتاني عراقي أفضل منه»، وقال ابن سيرين: «قتادة أحفظ الناس»، وقال بكر المزني: «ما رأيت أحفظ منه» وقال أبو حاتم «سمعت أحمد بن حنبل وذكر قتادة فأطنب في ذكره وجعل يقول: عالم بتفسير القرآن، وباختلاف العلماء، ووصفه بالحفظ والفقه وقال: قل ما تجد من
стр. 1140
تقدمه، أما المثل فلعل». وقال الأثرم عنه: «كان أحفظ أهل البصرة وكان قتادة يدلس ويرمى أيضًا بالقدر، ولد سنة ستين وتوفي سنة سبع عشرة أو ثماني عشرة ومائة» (١).
وقد ترجم ابن حجر لقتادة هذا في طبقات المدلسين ضمن أصحاب المرتبة الثالثة وهم المختلف في الإحتجاج بهم، وقال في ترجمته: «أنه مشهور بالتدليس» (٢).
وممن دافع عنه العراقي من الرواة المتكلم فيهم: (إسماعيل بن مرزوق) حيث ترجمه فقال: إسماعيل بن مرزوق بن يزيد أبو يزيد المرادي الكعبي، أحد بني الحارث ابن كعب بن عوف بن أنعم بن مراد المصري روى عن يحيى بن أيوب الغافقي ونافع بن يزيد. روى عنه ابنه محمد بن إسماعيل ومحمد بن عبد الله بن عبد الحكيم، ذكره ابن حبان في «الثقات»، وتكلم فيه «الطحاوي» بغير حجة لكونه روى في حديث السراية في العتق (ورق منه مارق) فقال: «إسماعيل ليس ممن يقطع بروايته، وهذا في الحقيقة لا يضر، لأن خبر الواحد لا يفيد القطع». نعم أفحش ابن حزم في «المحلى» عند ذكر هذه الزيادة فقال: «أنها موضوعة مكذوبة لا نعلم أحدًا رواها لا ثقة ولا ضعيفًا. وهذه مجازفة منه، فقد رواها ابن يونس في تاريخ مصر، والدارقطني والبيهقي في سننهما، ولا يظن بإسماعيل هذا وضعها، فإنها معروفة قبل إسماعيل، فقد ذكرها الشافعي، وقد عاش إسماعيل هذا بعد الشافعي بثلاثين
стр. 1141
سنة، فقد ذكر ابن يونس أنه توفي بمصر سنة أربع وثلاثين ومائتين (١).
ويلاحظ استعمال العراقي هنا للمنهج التاريخي في الدفاع عن اتهام «إسماعيل» هذا بالوضع، محققا بذلك سبقا رائدًا في تطبيق هذا المنهج النقدي السديد؛ حيث لم أجد من سبقه في تقرير هذا الدفاع عن الراوي المذكور، في مواجهة عالم مشهور كابن حزم.
وممن ترجم له من الحفاظ المتأخرين: (الحسن بن محمد بن محمد بن محمد بن عمرو بن التيمي البكري النيسابوري الحافظ يكنى أبا علي، ويلقب بصدر الدين، سمع بمكة من عمر الميانجي، وبدمشق من ابن طبرزد وطبقته وبأصبهان من أبي الفتوح ابن الجنيد، وبنيسابور من المؤيد الطوسي وطبقته وبخراسان من ابن روح وطبقته، روى عنه أبو الحسن علي بن أحمد ابن عبد الواحد بن البخاري، والحافظ عبد المؤمن بن خلف الدمياطي، والشريف عطوف محمد بن علي بن أبي طالب الحسيني، وأخوه موسى بن علي بن أبي طالب وأبو محمد صالح بن تامر الجعبري، ويوسف بن يعقوب المشهدي وعبد الله بن ريحان التقوي، وآخرون، آخرهم موتا: إبراهيم بن محمد الخيمي، وكان أحد من عنى بهذا الشأن، وكتب الكثير، ورحل، وقرأ، وأفاد وصنف، وجمع، تكلم فيه بعضهم، وقال الزكي البرزالي: «كان كثير للتخليط») وقال عمر بن الحاجب: «كان إمامًا عالما فصيحا، إلا أنه كثير البهت، كثير الدعاوى، وولي بدمشق مشيخة الشيوخ والحسبة، ثم تحوّل إلى القاهرة، ومات بها في حادي عشر ذي الحجة، سنة ست وخمسين
стр. 1142
وستمائة وكان مولدة في سنة أربع وسبعين وخمسمائة» (١).
ونختم هذه النماذج بترجمته لأحد شيوخه الذين صرح في مقدمة الشرح بتلقي «الموطأ» عنه بسنده، وذلك بقراءة العراقي عليه، وهو أبو الحرم القلانسي حيث ترجم له فقال: «محمد بن محمد بن أبي الحرم أبو الحرم القلانسي، الحنبلي شيخ مكثر ثقة، صحيح السماع، روى عن الشهاب محمد بن عبد المنعم بن الخيمي وعبد الرحمن بن يوسف بن يحيى ابن خطيب المزة، حضر عندهما، وعند عبد العزيز بن أبي الفتوح بن الحصري، وعبد الله بن غلام الله بن السمعة، وغازي بن أبي الفضل الحلاوي، ومحمد بن إبراهيم بن ترجم، والنجم أحمد بن حمدان بن شبيب الحراني الحنبلي والتاج إسماعيل بن إبراهيم بن قريش، ويوسف بن عبد المحسن الحمزي، وأحمد بن عبد الكريم بن غازي بن الاغلاقي، والضياء عيسى بن يحيى بن أحمد السبتي، والرضى أبي بكر بن عمر بن على القسطنطيني النحوي، والحافظ أبي العباس أحمد بن محمد الظاهري، ويعقوب بن أحمد بن فضائل الحلبي، وعبد الرحيم بن عبد المنعم بن خلف الدميري، وسيدة بنت موسى المارانية، ومؤنسة ابنة الملك العادل، في آخرين كثيرين. روى عنه أبو المعالي محمد بن رافع، وأبو المحاسن محمد بن علي بن حمزة الحسيني، وآخرون، وكان مولده سنة ثلاث وثمانين وستمائة وتوفي سنة أربع وستين وسبعمائة (٢). والله أعلم
стр. 1143
نقد العراقي، والإستدراك عليه في هذا الجزء:
رغم أن العراقي قد استوفى عناصر ومقومات أغلب التراجم في هذا الجزء كما أوضحت، إلا أني وجدته في إحدى التراجم، وهي ترجمة سليك بن هدبة الغطفاني قد اقتصر على ذكر اسمه ونسبه فقط (١) وترك باقي العناصر المطلوبة في الترجمة كما تقدم بيانها، ثم إنى أحصيت في هذا الجزء ثلاثين ترجمة لم يحدد العراقي تواريخ وفاة أصحابها، فضلًا عن عدم تحديد تواريخ ميلادهم (٢).
وهذا إخلال ببعض عناصر الترجمة التي لها أهميتها عند المحدثين في كشف اتصال سند الحديث من انقطاعه، ولعل عذر العراقي في هذا ما صرح به في مقدمة الشرح عن ظروف وملابسات تأليف الشرح، من قصر الزمان وقلة الأعوان، وخاصة المراجع العلمية الكافية، نظرًا لأنه ألف هذا الجزء وما تلاه من الشرح حال مجاورته بمكة المكرمة، بعيدًا عن القاهرة التي كانت بها مكتبته الخاصة الحافلة، كما قدمت إيضاحه، فضلًا عن المكتبات العامة التي كانت تعج بها القاهرة حينذاك، كما قدمت في حالة العصر، وعمومًا فإني لاحظت أن التراجم التي لم يُذكر بها تاريخي المولد والوفاة أغلبها إما تراجم للصحابة، ومراسيلهم مقبولة على الراجح، وإما تراجم لمن له ذكر فقط وليس له رواية في كتاب (التقريب) المشروح، ولعل هذا مما جعل العراقي يتغاضى عن هذا القصور في تلك التراجم.
стр. 1144
وقد فات العراقي الترجمة لأحد رجال أسانيد الكتاب، مع شهرته، وهو يحيى بن سعيد القطان، فلعله سهو منه، نظرًا لشهرة القطان، بحيث لا يخفى، وتوفر ترجمته في المصادر التي اعتمد العراقي عليها في نفس الجزء. فلما أكمل أبو زرعة ابن العراقي شرح كتاب (التقريب) بعد والده استدرك عليه في هذا الجزء، بإضافة ترجمة وافية ليحيى بن سعيد القطان هذا مع الإيجاز، حسب منهج والده في عامة تراجم الجزء، وقال في نهاية الترجمة: «فات الشيخ - يعني والده - هذه الترجمة فكتبتها من عندي مختصرة» (١).
أثر الجزء فيما بعده:
لقد انتفع العلماء ودارسي السنة من بعد العراقي بجزء التراجم المذكور تبعًا لانتفاعهم بما تلاه من شرحه لأحاديث الكتاب، وانتفاعهم به بمفرده على أنه مصدر من مصادر التراجم. وقد تعدى ذلك الانتفاع حدود مصر، حيث وجدتُ علاء الدين بن خطيب الناصرية المتوفى سنة ٧٤٣ هـ (٢) وهو من أعلام الشام وقد أجيز في صغره برواية الحديث من العراقي، ثم تتلمذ لولده أبي زرعة، وجدته نقل في مجموع له بخطه عن هذا الجزء، بعد الاطلاع عليه، ترجمة كاملة، وأطلق على الجزء اسم «الديباجة» كما قدمت، باعتبار أن العراقي جعله مقدمة لشرح كتابه (التقريب) في أحاديث الأحكام، ونص ما ذكره هكذا: «قرأت في شرح «الأحكام» للشيخ الحافظ زين الدين أبي الفضل العراقي
стр. 1145
ومن خطه نقلت من ديباجته:
سيدة بنت موسى بن عثمان بن درباس الماراني، تكنى أم محمد، سمعت بالموصل من مسمار بن العويس، وتفردت بالرواية عنه، وأجاز لها المؤيد بن محمد الطوسي، وآخرون. روى عنها الحفاظ: أبو محمد عبد الكريم بن عبد النور بن منير الحلبي، وأبو الفتح محمد بن محمد بن سيد الناس اليعمري وأبو القاسم عمر بن الحسن بن عمر بن حبيب الحلبي، وأبو محمد القاسم ابن محمد البرزالي، وأبو عبد الله محمد بن أبي القاسم بن إسماعيل الفارقي وأبو الحرم محمد بن محمد بن محمد بن أبي الحرم القلانسي، وهو آخر من حدث عنها بالسماع، وآخرون، وكان سماعها وإجازتها صحيحين، وتوفيت في سنة ٦٩٥ هـ بالقاهرة (١)، وهذه الترجمة موجودة بنصها في الجزء المذكور ونقل ابن خطيب الناصرية لها في مجموعه دليل على احتياجه إليها، حيث إن له كتابًا كبيرًا في التاريخ، فلعله استعان بتلك الترجمة في مادته العلمية.
وقد امتد أثر هذا الجزء حتى عصرنا الحاضر حيث وجدتُ الشيخ أحمد شاكر ﵀ قد عدّ هذا الجزء من المصادر التي يرجع إليها في التراجم المذكورة فيه، وأحال على عدة تراجم فيه، بجانب المراجع الأصيلة في علم الرجال لمن تقدم على العراقي (٢).
стр. 1146
سادسا: تذييل العراقي على بعض كتب تاريخ الرجال ووفياتهم، وأثر ذلك
أ - تذييله على كتاب «العبر» للذهبي، وأثره:
يعتبر الحافظ الذهبي ممن عاصر العراقي، وشاركه في التلمذة على بعض الشيوخ، لكنه توفي سنة ٧٤٨ هـ، وصارت مؤلفاته في تاريخ الرجال عمدة معاصريه ومن جاء بعده (١)، وكان أوسط مؤلفاته التاريخيه حجماً وكيفا هو كتابه المسمى «العبر في خبر من غبر»، ولهذا عنى العلماء بالتذييل عليه من بعده، ناسجين على منواله، وتابعهم من بعدهم بالتذييل عليهم (٢).
وقد كان كتاب «العبر» هذا في عصر العراقي، من أغلب الكتب استعمالا، وأكثرها تداولا (٣) فنهضت همته للتذييل عليه، بعد أن سبقه إلى مثل ذلك تلميذ الذهبي، المحدث شمس الدين محمد بن علي الحسيني المتوفى سنة ٧٦٥ هـ كما سيأتي.
وقد رتب الذهبي كتاب «العبر» على السنوات، ابتداء من السنة الأولى للهجرة، وقال في مقدمته: «هذا مختصر على السنوات، أذكر فيه أشهر الحوادث والوفيات، تعين الذكي على حفظه» (٤)، وقد ذكر في معظم السنوات أهم الحوادث التي وقعت فيها عبر البلاد الإسلامية، ثم أتبع ذلك
стр. 1147
بذكر أكابر من توفوا في تلك السنة من العلماء والرواة والأعيان، مرتبا لهم على حروف المعجم (١).
وقد اهتم بالترجمة لهؤلاء أكثر من اهتمامه بذكر الحوادث، لدرجة أني وجدته أخلى عددا من السنوات من ذكر الحوادث كلية، واقتصر على تراجم الوفيات، وبهذا صار الغالب على الكتاب هو ذكر الوفيات، كما قال ابن قاضي شهبة (٢)، وقد وصل الذهبي في الكتاب على هذا المنهج إلى سنة ٧٠٠ هـ، ثم عمل عليه ذيلا شمل الفترة من سنة ٧٠١ هـ إلى سنة ٧٤٠ هـ (٣) وبدأ العراقي ذيله كما سيأتي من سنة ٧٤١ هـ، فنجد من المؤرخين من يطلق على كتاب العراقي «الذيل على ذيل العبر» للذهبي (٤) رعاية للتسلسل التأليفي، وهو الأدق، ومنهم من يعتبر نهاية (العبر) هي نهاية الذيل عليه للذهبي، على أساس أن مؤلف الأصل هو نفسه مؤلف الذيل (٥)، ولهذا أطلق على كتاب العراقي أيضًا «الذيل على العبر» للذهبي (٦) أو (ذيل تاريخ الإسلام) للذهبي (٧) نظرا لأن الذهبي اختصر «العبر» من كتابه الكبير المسمى «تاريخ
стр. 1148
الإسلام» (١) ولم أجد لذيل العراقي هذا اسما خاصا مثل ذيل الحسيني مثلا، حيث سمي «عبر الأعصار وخبر الأمصار» (٢)، كما أني لم أجد تحديدا لزمن تأليف العراقي له، أما الفترة التي تناولها فتبلغ ٢٢ سنة هجرية تقريبا، حيث يبدأ من أول سنة ٧٤١ هـ وينتهى بآخر سنة ٧٦٣ هـ (٣)، وهذا يشير إلى أن فراغ العراقي من هذا الذيل كان بعد آخر سنة ٧٦٣ هـ بفترة تكفي لتمكينه من تسجيل أحداثها ووفياته.
نسخ الكتاب وتصحيح خطأ المفهرسين فيها:
لقد مكثت سنين أبحث في فهارس مكتبات عديدة في أنحاء العالم، عن نسخة لهذا الكتاب، دون جدوى، حتى إن «كارل بروكلمان» على سعة إطلاعه على فهارس أمهات المكتبات، ذكر ضمن مؤلفات العراقي «ذيل تاريخ الإسلام»، ولم يذكر من نسخه شيئا (٤).
ثم وقفت على فهرس مكتبة كوبر يلى محمد باشا، باستانبول، فإذا به كتاب بعنوان «ذيل تاريخ الذهبي» لعبد الرحيم بن حسين العراقي، تحت رقم (١٠٨١)(٥). ثم رجعت إلى فهرس منتخبات المخطوطات للشيخ طاهر الجزائري بخطه،
стр. 1149
فوجدته ذكر نفس نسخة الكتاب كما في فهرس المكتبة (١). لكني رجعت إلى فهرس مخطوطات التاريخ المصورة بمعهد المخطوطات العربية، فوجدت صورة لنفس النسخة تحت رقم (٢/ ٢٥٤) أو ٦٧٥ تاريخ، وقد فهرست بعنوان: «ذيل تاريخ الإسلام» للذهبي تأليف الحافظ أحمد بن زين الدين عبد الرحيم العراقي … ذيل به على كتاب أبيه الحافظ العراقي الذي جعله ذيلا على «تاريخ الإسلام» للذهبي (٢) وقد قمت بفحص صورة تلك النسخة من أولها إلى آخرها، وقابلتها بصورة نسخة أخرى موثقة، توجد بمكتبة فيض الله باستانبول برقم (١٤٥٢) ومصورتها بالمعهد تحت رقم (١/ ٢٥٤) تاريخ، وبهذا الفحص والمقارنة تبين لي أن نسخة مكتبة كوبريلي هي من كتاب ولي الدين ابن العراقي الذي ذيل به على كتاب والده، لا من كتاب والده، وعليه فإن نسبتها في فهرس المكتبة لوالده عبد الرحيم العراقي خطأ، وقد سرى هذا الخطأ إلى منتخبات الجزائري ﵀ لاعتماده على الفهرس، دون الرجوع لواقع النسخة، وهذا يوضح خطورة الخطأ في الفهارس، لما يترتب عليه من انتشار الخطأ الذي فيها إلى من يعتمد عليها دون الرجوع لنفس النسخ، فليتنبه الباحثون للخطأ المذكور في فهرس المكتبة وما تفرع عنه.
نسخة نادرة لمختارات من الكتاب:
بعد أن انتهى بي البحث والتتبع إلى تصحيح ذلك الخطأ المتوالي، واصلت التنقيب عن نسخة للكتاب، أو نصوص منقولة عنه، فوجدت مختارات من
стр. 1150
هذا الكتاب، وذلك ضمن مجموع ابن خطيب الناصرية الذي تقدم ذكره في مبحث كتاب رجال تقريب الأسانيد.
وقد حمدت الله تعالى على تحصيل هذه المختارات، حيث جَعَلْتُ لهذا البحث سابقة علمية في كشف النقاب عن مؤلف للعراقي عز وجوده، حتى في صورة هذا النص النادر المنتقى منه بأكمله، حيث إن نسخة المجموع المشتمل عليه توجد تحت رقم (٣١٦) تراجم، بمكتبة الخالدي بالقدس الشريف، فهي الآن حبيسة الاحتلال الصهيوني للقدس، ولا ندري إن كان العبث بالمقدسات قد نال منها أم لا.
بالإضافة إلى أن النسخة كما يظهر من صورتها التي اطلعت عليها بها أكل أرضة يحول دون قراءة عدة أوراق من أولها، قبل موضع المنتقى من «ذيل العراقي» بكثير.
وقد وفق الله تعالى معهد المخطوطات العربية في الحصول على صورة ميكروفيلمية للنسخة، وهي التي اطلعت عليها، وتوجد لدى المعهد تحت رقم (١١٩٨) تاريخ (١) وعدد أوراق المجموع ٣٥٠ ورقة تقريبا، وعدد سطور صفحاته مختلف، وقد صرح جامعه ابن خطيب الناصرية عدة مرات خلاله أنه هو كاتبه، وأرخ بعض النقول بقوله: «علقتها ولخصتها في شهور سنة ٨٠٠ هـ». أي في أواخر حياة العراقي، ويقع المنتقى من كتاب العراقي في ٩ صفحات، ولم أستطيع تحديدها بالأرقام، لأن تلك النسخة المصورة غير مرقمة الصفحات، ويعتبر هذا القدر قليلا بالنسبة إلى الكتاب الأصلي، لأنه
стр. 1151
كما قلت عبارة عن مختارات منه، ويؤيد هذا، القول الأخرى التي وقفت عليها غير هذه المختارات كما سأوضحه بعد.
وقد عنون ابن خطيب الناصرية مختاراته بقوله: «هذا منتقى من ذيل الحافظ العراقي على العبر» للذهبي، والعنوان صريح في أن ما ذكره عبارة عن مختارات من الكتاب، وبعد هذا المنتقى مباشرة ذكر منتقى من كتاب ولي الدين ابن العراقي، وعنونه بقوله «هذا منتقى من ذيل شيخنا الحافظ أبي زرعة بن الحافظ العراقي، على ذيل والده المنتقى منه ما تقدم.
وقد اطلعتُ على المنتقى من كتاب العراقي تفصيلاً، فوجدته بدأ من أوله فقال: «سنة ٧٤١ هـ» وذكر ترجمتين فقط لاثنين من العلماء توفيا فيها» ثم أتبعها ببقية السنوات، حتى انتهى إلى سنة ٧٦٣ هـ، وهي آخر الذيل كما تقدم.
وقد بلغ عدد التراجم الواردة في هذا المنتقى ٣٨ ترجمة، كما ذكر به سنتين بعبارة: «سنة كذا»، مع ترك بياض بعدهما، وهما: سنة ٧٥٨ هـ وسنة ٧٦٣ هـ، فلعل ابن خطيب الناصرية كان يعتزم الإنتقاء مما فيهما بالأصل، ولم يقدر له ذلك، أو لعله وجد الأصل الذي لخصه هكذا، لم يذكر فيه غير عنوان السنتين المذكورتين كما أهمل سنة ٧٤٦ هـ وسنة ٧٦١ هـ، فلم يذكرهما كلية، فلعله لم يكن بحاجة إلى نقل شيء منهما، أو لعل الأصل الذي لخص منه هكذا أيضًا، وإن كان لم يشر إلى ذلك: ويظهر أن صاحب المجموع لم يكن يتصرف في نقل ما ينتقيه من الأصل، فقد وقفت على نقل يبلغ عدة سطور أورده تلميذ العراقي بالإجازة ابن فهد، ونسبه إلى «ذيل العراقي» هذا، وقابلته بما في «منتقى ابن خطيب الناصرية»، فوجدتهما.
стр. 1152
متطابقين نصا (١) كما قابلت بعض تراجم في مواضع أخرى من هذا المجموع بأصلها غير كتاب العراقي فوجدتهما متطابقين، وهذا يجعلنا نطمئن إلى أن المنتقى من كتاب العراقي صورة قريبة من نص الأصل، بحيث يصح بحث الكتاب وتحليله على أساسها، خاصة وأن أصله في حكم المفقود حتى الآن، ثم إن نسخة هذا المجموع موثقة، فهي بخط جامعه كما صرح بذلك في غير موضع منه، كما أنه نقل من أصول جيدة، مع درايته بما ينقله حيث إنه من علماء التاريخ وصرح في كثير من النقول المتعلقة بالعراقي أو المأخوذة من مؤلفاته، أنه قرأها بخط شيخه أبي زرعة بن العراقي، أو نقلها من خط العراقي نفسه.
الاستنتاج:
ومن كل ما تقدم يستنتج الآتي:
١ - أن نسخ «ذيل العراقي على العبر» للذهبي تعد الآن في حكم المفقودة.
٢ - أن نسخة مكتبة كوبريلي، ليست من كتاب العراقي بل من كتاب ولده أبي زرعة المذيل عليه، فنسبتها في فهرس المكتبة، وفي «منتخبات الجزائري» تبعا له إلى عبد الرحيم العراقي، خطأ، لا يطابق واقع النسخة فلا يعوّل عليه، ويجب تصحيحه فيما يستجد من فهارس أو أبحاث، كما يجب إعداد فهارس صحيحة للتراث، وخاصة تراث السنة وعلومها، بواسطة ذوي التخصص والخبرة معا، لتلافي مثل تلك الأخطاء، ما أمكن.
٣ - أن النص النادر الذي عثرت عليه للمنتقى من كتاب العراقي يعد موثقا.
стр. 1153
ونصوصه مطابقة في جملتها لنصوص الأصل.
أهم مصادر العراقي في الذيل المذكور، ووهمه تبعا لبعضها، واعتماده على خبرته وسماعه:
لم أجد في (منتقى ابن خطيب الناصرية) من هذا الذيل أية إشارة للمصادر التاريخية التي اعتمد عليها العراقي، وإنما وجدت إشارتين لاعتماده على خبرته الشخصية وعلى ما سمعه بنفسه، ففي ترجمته للحافظ الذهبي، مؤلف كتاب «العبر» الذي ذيل عليه، قال: «وحدث عن جماعة بعضهم إلى الآن حي»، فأثبت بذلك بناء على خبرته، وجود بعض شيوخ الذهبي على قيد الحياة حين تأليفه هذا الذيل، بعد وفاة الذهبي نفسه (١) كما ترجم أيضًا لبعض شيوخه هو، الذين تتلمذ عليهم كما سيأتي ذكره.
وفي ترجمة الشيخ زين الدين عبد الرحمن بن عبد الحليم بن تيمية، قال العراقي: سمعت الشيخ أحمد الزرعي (٢) يحلف بالله أنه ما رأى أحدًا لا يريد إلا الله والدار الآخرة، إلا الشيخ تقي الدين بن تيمية، وأخاه عبد الرحمن «المذكور» وقد سجل العراقي معارضته للشيخ الزرعي بعد تسجيله هذا لما سمعه منه، كما سيأتي في آرائه، ويعتبر المؤرخون كلا من الخبرة الشخصية، والسماع المباشر من أهم مصادر الحقائق التاريخية، طالما كان مصدرهما ثقة، كالحافظ العراقي، الذي قدمت بيان توثيقه (٣)، وبهذا يعد تسجيل العراقي بعض خبراته ومسموعاته عن الشخص المترجم في هذا الذيل من مميزاته عن
стр. 1154
تذييل غيره، الذي لم يتضمن ما ذكره.
ثم إني وجدت ابن قاضي شهبة في كتابه «الأعلام» (١) ذكر: عبد الرحيم ابن إبراهيم بن كاميار - بكسر الميم وتخفيف التحتانية، وآخره راء مهملة - ضمن من توفوا سنة ٧٤٣ هـ، وذكر أنه دفن بسفح قاسيون (بدمشق) ثم قال: قال الحسيني (إنه توفي عن ٩٣ سنة)، واستدرك قائلا: لكنه وهم فكتبه في السنة الآتية، يعني سنة ٧٤٤ هـ، وتبعه على ذلك أبو الفضل العراقي وقال: «توفي بحلب» (٢).
والحسيني الذي نقل عنه ابن قاضي شهبة وبين وهمه، وذكر تبعية العراقي له فيه، هو شمس الدين محمد بن علي الحسيني، تلميذ الذهبي، وقد عاصر العراقي، وسبقه إلى تأليف ذيل على «العبر» كما قدمت، وهو ذيل مختصر يسمى «عبر الأعصار وخبر الأمصار» وتناول فيه نفس الفترة الزمنية التي تناولها العراقي، حيث بدأ من سنة ٧٤١ هـ وانتهى إلى شهر وفاته، وهو شهر شعبان من سنة ٧٦٥ هـ (٣) وقد ذكر العراقي في ذيله، ترجمة عبد الرحيم المذكور فعلا ضمن من توفوا سنة ٧٤٤ هـ وقال «إنه توفي في حلب عن ٩٣ سنة» (٤)، ومن ذلك نفهم أن العراقي اعتمد في ذيله على العبر، على ذيل الحسيني الذي سبقه في تناول نفس الفترة، كما نفهم أنه تبعه في بعض.
стр. 1155
أخطائه التاريخية، حيث عد هذا الرجل ضمن من توفوا سنة ٧٤٤ هـ كما فعل الحسيني، مع أن الحسيني وهم في ذلك، والصواب أن الرجل توفي سنة ٧٤٣ هـ، وهذا مما ننتقد العراقي فيه، حيث كان عليه أن يتحرى صواب من يتبعه، بمقارنته برأي غيره، كما مر بنا في مؤلفاته السابقة، وكما سيأتي في مؤلفاته الأخرى، وكما فعل ابن قاضي شهبة من بعده، ثم أيده في هذا تلميذ العراقي الحافظ ابن حجر فقال في ترجمة عبد الرحيم المذكور، أنه توفي في ١٣ صفر سنة ٧٤٣ هـ، ووهم من أرخه سنة ٧٤٤ هـ كالحسيني (١) غير أن هذا لا يعني أنه تبع الحسيني بصفة عامة، بدليل أنه خالفه في نفس ترجمة عبد الرحيم المذكور، وذلك في تحديد مكان وفاته ودفنه، فقد ذكر الحسيني أنه دفن بسفح قاسيون، وهو تابع لدمشق، بينما ذكر العراقي كما مر، أن الرجل توفي في حلب، وسيأتي في مقارنة ذيل العراقي بعض نماذج أخرى لمخالفته.
منهج العراقي في ذيله على العبر: تحليل ومقارنة ونقد:
رتب العراقي هذا الكتاب على السنوات، مثل ترتيب الذهبي لكتابه «العبر» المذيل عليه، كما قدمت ذكره، وقد لاحظت في بحثي لمنتقى ابن خطيب الناصرية، أن العراقي لم يذكر في عدد من السنوات شيئًا من حوادثها، بل اقتصر على تراجم ما تيسر له ممن توفوا فيها، رجالًا ونساء، وأكثرهم من العلماء والمشتغلين بالسنة، وهذا يشبه منهج الذهبي أيضًا في الأصل وهو «العبر»، كما إنه يجعل عدنا لهذا الذيل ضمن مؤلفات العراقي في علم الرجال، أمرًا في محله، باعتبار أن الغالب عليه هو تاريخ الرجال حتى إن
стр. 1156
بعض السنوات التي ذكر أهم حوادثها، لم يزد ما ذكره على سطر واحد، ثم انتقل إلى ذكر الوفيات (١)، ولهذا عد شهاب الدين ابن حجي هذا الذيل من ضمن كتب الوفيات، لغلبتها في محتواه (٢)، وأوسع ما ذكر من الحوادث في «منتقى ابن خطيب الناصرية» هو حوادث سنة ٧٤٢ هـ حيث قال العراقي: «فيها ثار قوصون ومن معه على الملك: المنصور أبي بكر وعزلوه، وأقاموا أخاه (كجك) وهو صغير، فأقام قليلًا، ثم قام عليه الأمراء والعوام، فأمسك، ونهبت داره شر نهبة، وذهب «الطنبغا» نائب دمشق، وطشتمر حمص أخضر، نائب حلب، وقطلوبغا الفخري، إلى الملك الناصر أحمد بن الناصر محمد، فأخذوه من الكرك وتوجهوا به إلى مصر، وبويع له بالمملكة، وناب عنه طشتمر حمص أخضر، فأقام مدة وأخذ ما في الخزائن من الأموال، وسافر إلى الكرك، ومعه طشتمر وقطلوبغا الفخرى، فقتلهما هناك، وجرد الأمراء التجاريد إلى الناصر أحمد، حتى قبضوا عليه، وسلطنوا بمصر أخاه الملك الصالح إسماعيل، وكان من خير الملوك» (٣).
وعندما نقارن هذا الذي ذكره العراقي من الحوادث في تلك السنة، بما ذكره مثيله الحسيني، نجد بينهما اختلافًا بالزيادة والنقص، واختلافًا فيما اتفقا في ذكره من الحوادث، فقد زاد الحسيني تحديد تاريخ أغلب الحوادث التي ذكرها، ومن ضمنها ما ذكره العراقي بدون تحديد تاريخ، كما مر ذكره، كما حدد مدة حكم كل من الملك المنصور أبي بكر، وأخيه كجك، بينما لم يحدد
стр. 1157
العراقي مدتيهما، والتحديد عموما أفضل، كذلك زاد الحسيني من الحوادث وقوع مبايعة الخليفة العباسي، والحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد بن المستكفي بالله، وقَبْضِ السلطان الملك المنصور أبي بكر على الأمير سيف الدين بشتك الناصري، ومصادرة أمواله، ووافقه في هذا ابن تغري بردي (١). أما العراقي فزاد ذكر تجريد التجاريد، أي إرسال الفرق الحربية، إلى الناصر أحمد بعد ذهابه إلى الكرك، والقبض عليه وعزله وتولية أخيه الملك الصالح إسماعيل بدله، بينما لم يذكر الحسيني ذلك، ولكني وجدت ابن تغري بردي ذكر هذه الحوادث ضمن حوادث سنة ٧٤٣، لا سنة ٧٤٢ هـ كما ذكر العراقي، وحدد ابن تغري بردي خلع الملك الناصر أحمد بـ ٢١ محرم سنة ٧٤٣ هـ وجلوس الملك الصالح إسماعيل على تخت الملك يوم ٢٢ محرم سنة ٧٤٣، أما القبض على الملك الناصر أحمد فحدده بـ ٢٢ صفر سنة ٧٤٥ هـ (٢) وعليه فإن ذكر العراقي لهذه الحوادث في سنة ٧٤٢ هـ خطأ أو استطراد، والصواب عدم ذكرها، كما فعل الحسيني، وهذا يفيد عدم اعتماد العراقي على الحسيني بصفة أساسية، وعدم متابعته له فى كل ما ذكره، وأيضا ذكر العراقي أن الملك الناصر أحمد عند سفره للكرك اصطحب معه طشتمر وقطلوبغا الفخري بينما ذكر الحسيني أنه اصطحب معه طشتمر فقط مقبوضًا عليه، ووافقه على هذا ابن تغري بردي، (٣) أما قطلوبغا الفخري، فكان قد ولاه نيابة دمشق، وخرج إليها قبل سفر الملك الناصر، فلما خرج الناصر
стр. 1158
أرسل إلى قطلوبغا من قبض عليه وهو في الطريق قبل أن يصل دمشق وأتى به إليه (١) هذا بالنسبة إلى الحوادث أما بالنسبة للتراجم فقد رتبها العراقي حسب أسبقية الوفاة بحيث يذكر من توفي في المحرم قبل من توفي في صفر، وهكذا، بخلاف الذهبي في الأصل وهو «العبر» حيث رتب التراجم على حروف المعجم ليسهل الكشف منه (٢) ولو أن العراقي فعل مثله لكان أجود لتسهيل الكشف عن الشخص، والمناسبة الأصل. ثم إن العراقي في معظم التراجم عنى بذكر العناصر المطلوبة، من اسم الشخص ونسبه ثلاثيا، في الغالب، ونسبته وكنيته ولقبه، وخصوصا العلمي، وقد لاحظت أنه التزم في سياق هذه العناصر بالترتيب المطابق لقاعدة المؤرخين السابق ذكرها في مبحث رجال تقريب الأسانيد، فيقول مثلا: «في ترجمة محمد بن علي بن أيتك: الشيخ المحدث المفيد شمس الدين محمد بن علي بن أيتك المغيثي الحنبلي (٣) وقد قدمت أنه لم يلتزم بهذه القاعدة في رجال تقريب الأسانيد ومما عنى به أيضا من عناصر الترجمة المطلوبة وخاصة عند المحدثين، بيان أهم شيوخ الشخص وتلاميذه، ومروياته، وخاصة ما انفرد به، لعلو السند، وإذا كان للشخص رحلات علمية، أو مصنفات، وأعمال علمية، أو وظيفية بين كل ذلك، تفصيلا كما سيأتي، أو إجمالاً كقوله: «فلان رحل وقرأ، وكتب وأفاد» (٤) وكقوله: «قرأ وكتب وخرج وأفاد وصنف وحدث» (٥) ومما عنى به في غالب
стр. 1159
التراجم أيضًا، عنصر «المكان» الذي يختلف المؤرخون فيه، وخاصة مكاني الولادة والوفاة، اللذين يهمان المحدث في معرفة إتصال الأسانيد، ومن بيانه لمكان الوفاة، ظهر أنه ترجم لبعض من توفي من المحدثين بكل من بلاد المغرب، ومصر، والشام، وخاصة دمشق وحلب، وبهذا تميز ذيل العراقي هذا عن ذيل آخر على «العبر» أيضًا ألفه الحافظ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن حجي، وركز اهتمامه فيه على وفيات أهل بلده دمشق غالبًا (١) وبالنسبة لتاريخي المولد والوفاة عنى العراقي بهما أيضًا، بل التزم بذكر تاريخ وفاة من ترجمهم، وتارة يحدده باليوم والشهر، بجانب تحديد السنة وتارة يحددها بالشهر والسنة، وتارة بالسنة فقط، وعنى أيضًا بما يهم المحدث، من التوثيق والتجريح، خاصة لمن خبرهم بنفسه وشاهدهم، كشيوخه الذين ترجمهم، فقد قال في ترجمة شيخه الميدومي: «وكان ثقة صدوقًا خيرًا … وافر العقل متين الديانة» (٢).
وفي ترجمة شيخه مغلطاي قال: «وادعى السماع من الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد، والدمياطي وابن الصواف في آخرين، ولم يُقبل ذلك منه وادعى أنه أجاز له الفخر بن البخاري، ولم يقبل أهل الحديث ذلك منه، ثم إنه ألف كتابًا كبيرًا، رد به على «تهذيب الكمال» للمزي وقال: «إن هذا الكتاب فيه تعصب كبير، وفيه فوائد أيضًا» (٣) ويلاحظ في هذا إنصافه حيث ذكر عمل شيخه بما له وما عليه».
стр. 1160
آراء العراقي في الكتاب:
ببحثي الكامل لمنتقى ابن خطيب الناصرية من ذيل العراقي هذا وللنقول الأخرى التي وقفت عليها عند غيره، وجدته يكتفي في الحوادث والتراجم بذكر رأي واحد مقرًا له، ومقتضى هذا كما قدمنا عن العراقي نفسه في بيانه للآراء (١)، أنه يعتبر جازمًا ومرتئيا لكل ما ذكره واقره في مواجهة ما يخالفه من الآراء، ولهذا انتقد ابن قاضي شهبة كما مر العراقي في إقراره للحسيني على وهمه في تاريخ وفاة بعض الأشخاص، كما أن أبا زرعة بن العراقي استدرك عليه في بعض ما قرره، مبينًا وجود رأي آخر معارض له، ففي حوادث سنة ٧٥٠ هـ قال العراقي: «فيها فتك الحي بغا العادل بأرغون شاه، نائب دمشق»، ومعنى ذلك أن «الحي بغا» قتل أرغون شاه، لكن أبا زرعة ابنه علق بخطه على قول والده «فتك» فقال: «لعله عزل» (٢).
ومعنى ذلك أنه يعارض ما أثبته والده جازمًا به، من قتل «الحي بغا» الأرغون، بأنه قد يكون الصواب غير ذلك وهو أن «الحي بغا» عزل من منصبه، وتولى بدله أرغون شاه.
كذلك قال العراقي في ترجمة قاضي حلب: «نجم الدين محمد بن عثمان بن أحمد الزرعي: «إنه حنبلي المذهب»، فعلّق أبو زرعة على ذلك بأن ابن حبيب (معاصر العراقي) ذكر أن القاضي المذكور (شافعي) وليس حنبليا، كما جزم به والده» (٣).