بل شاركهم الكثير من العلماء والتجار (١) وذوي النفوس الخيرة من عامة رجال الشعب (٢) ونسائه (٣)، وقد بلغ هذا التضافر ذروته في عصر الناصر محمد بن قلاوون، الذي ولد فيه العراقي، ونشأ، حتى صوره المقريزي بقوله: «وكأنما نودي في الناس: أن لا يبقى أحد حتى يَعْمُر، وذلك أن الناس على دين ملكهم» (٤) وبهذا زخرت القاهرة وما يُسمى حاليًا بمصر القديمة وضواحيها، بمؤسسات التعليم، حتى أصبحت متجاورة أو متلاصقة (٥) ولو كان الباني لها شخصا واحدا (٦)، ولعل هذا ما جعل القلقشندي معاصر العراقي أيضًا، يصف شوارع القاهرة حينئذ بأنها شُحنت بالمدارس (٧).
ولم تقتصر همة المماليك والشعب على مصر، بل سرت في باقي أرجاء الدولة، ففي الشام تكاثرت المنشآت العلمية بأنواعها (٨) تعويضًا عما تخرب منها خلال القرن السابع وأوائل الثامن، تارة من جهة الصليبيين وأخرى بسبب نزاع الأيوبيين فيما بينهم في آخر دولتهم، ثم هجمات التتار التي توالت عليها
стр. 107
بعد سقوط بغداد (١)، وقد بلغت مدارس دمشق وحدها في عصر العراقي ثلاثمائة واثنين وعشرين مدرسة، عدا دور الحديث السابق ذكرها، وبقية المنشآت الجامعة بين العلم والعبادة من مساجد وخوانق وربط ورزوايا (٢)، هذا بالإضافة لما أنشئ في بقية مدن الشام التي أعيد تعميرها أيضًا بعد تطهيرها من الصليبيين، كالقدس وطرابلس وعكا، وغيرهم مما رحل العراقي إليه لطلب الحديث كما سيجيء.
أما مكة والمدينة حيث الحرمين الشريفين، فهما متعلق قلوب المسلمين وجامعتهم الكبرى، وما من حاكم مسلم إلا تمنى الإتصاف بأنه حامي الحرمين، ولذا اهتم المماليك وخاصة الناصر محمد بن قلاوون (٣) وكذا أفراد المسلمين، بإقامة المنشآت العلمية والخيرية في رحاب الحرمين، فضلا عن الأوقاف الكثيرة بمصر والشام على ذمتهما، وقد رحل العراقي لمكة والمدينة وجاور بها، دارسًا ومدرسًا وقاضيا للمدينة كما سيجيء. لكن رغم هذه النهضة الشاملة لكل الدولة، فإن مصر كانت في المركز الأول، ويليها الشام ثم الحجاز، ومرجع ذلك تحول أنظار العالم كله إليها حينئذ بعد أن أصبحت عاصمة دولة المماليك، وحامية الإسلام، ومقر الخلافة العباسية التي ظلت قلوب العالم الإسلامي متعلقة بها كرمز للعلم والدين والوحدة والجماعة، رغم الانفصال السياسي عنها (٤)، ويذكر السيوطي أنه
стр. 108
منذ إحياء الخلافة بمصر، غدت محل سكن العلماء ومحط رجال الفضلاء (١).
وقد اتسعت هجرة العلماء إلى مصر جماعات وأفرادا، من أقصى الأندلس غربا وفارس والعراق شرقا، فرارًا بدينهم وعلمهم تحت وطأة الصليبيين والتتار (٢). ومن مدارس مصر حينئذ ما سُمّي بالأندلسية (٣)، كما هاجر إليها طلبا للعلم كثيرون من أنحاء أفريقيا، كغانا ومالي (٤) وزيلع، بل هاجر إليها كثير من العلماء والطلاب من داخل الدولة، كالشام (٥)، وقد ارتبطت حياة العراقي ووجوده بمصر بتلك الهجرات، فأسرته ممن هاجر لمصر من العراق، ثم كان رفيقه في علم تخريج الحديث هو جمال الدين الزيلعي، وعاصر أيضًا أبا حيان الأندلسي، وكان له منه موقف كما سيجيء، وكما كانت مصر مقاما لمهاجري العلماء، كذلك خرج منها علماء ينشرون العلم من جديد بين ربوع البلاد الإسلامية شرقا وغربا (٦)، وقد قدر الحكام والمحكومون في مصر حق التقدير تلك المكانة التي تبوأتها كبديلة عن بغداد وفارس وقرطبة وإشبيلية والقيروان، وغيرهم من الحواضر التي طوي بساط علوم الإسلام فيها حينئذ، فإلى جانب القاهرة التي شحنت شوارعها بالمدارس على حد تعبير القلقشندي شاهد العيان، اتسعت ربوع مصر من الإسكندرية حتى أسوان، لكل من وفد عليها ليعيش بين أبنائها،
стр. 109
ناشرا للعلم، أو طالبا له، وأقيم في مدن الوجه البحري والصعيد من دور العلم ما قرر الرحالة المغربي ابن بطوطة، حين زار مصر في سنة مولد العراقي ٧٢٥ هـ أنها تفوق الحصر مع تعديده لكثير منها (١).
أما الرحالة البلوي المغربي أيضًا، فلم يسعه عند زيارة مصر سنة ٧٣٧ هـ إلا أن يقول: إن مصر منبع العلم (٢)، وفي سنة ٧٤٩ هـ كان بجامع عمرو بن العاص وحده بضع وأربعون حلقة علمية لا تكاد تنفض (٣)، وذلك لأن همة المماليك والشعب لم تقتصر على إنشاء دور العلم فقط، وإنما وفروا لتلك المنشآت جميع الإمكانيات اللازمة لقيامها بنشاطها العلمي على الوجه الكامل، فأوقفوا عليها آلاف الأفدنة، من الأرض الزراعية، والعقارات (٤)، واختاروا لها أكفأ المهارات العلمية للتدريس والإدارة، حتى ينتظم الأساتذة والطلاب (٥)، وخصصت لكل من العالم والمتعلم كافة المطالب من مأكل وملبس ومسكن، ورواتب شهرية، بحيث يتفرغ الجميع للعلم والتحصيل والتأليف (٦)، كما ألحقت بمعظم المنشآت التعليمية مكتبات مزودة بالنساخين، لعدم وجود الطباعة حينئذ، وبالأمناء وغيرهم، لتوفير المراجع للطلاب والأساتذة (٧).
стр. 110
وأقيمت أسواق للكتب المختلفة، وحرص على اقتنائها العلماء والأمراء.
ولا شك أن ذلك كله خير ما يكفل النهضة العلمية إلى أبعد الحدود، مما جعل العلماء يقبلون على التعليم يشاركهم في ذلك النساء (١)، كما أقبل على التعلم أيضا الطلاب والطالبات، ولم يكن هناك تقيد بسن معين، ولا فرض تخصص معين.
وقد سجل ابن خلدون معاصر العراقي هذه النهضة بقوله: «فكثرت الأوقاف لذلك، وعظمت الغلات والعوائد، وكثر طالب العلم ومعلمه، بكثرة جرايتهم منها، وارتحل إليها (مصر) الناس في طلب العلم من العراق والمغرب، ونفقت بها أسواق العلوم، وزخرت بحارها (٢).
وجدير بالذكر أنه قد شارك بعض السلاطين والأمراء مشاركة رمزية في تعلم بعض العلوم الإسلامية وتعليمها (٣) والتأليف فيها، كما سيجيء».
ولم تكن العناية الكبرى بالنهضة العلمية في عاصمة الدولة ومقر الخلافة، تحول دون العناية بدور العلم السابق ذكرها بالشام والحجاز؛ بل كانت تنال نفس النمط من العناية (٤)، مع التفاوت بطبيعة الحال، تبعا لشدة الإقبال على العاصمة كما أشرنا، وقد عمرت الشام والحجاز في عصر العراقي بمشاهير العلماء كالذهبي والعلائي وغيرهم (٥)، ممن أخذ عنهم العراقي في رحلاته، أو
стр. 111
عاصرهم كما سيأتي:
أما العلوم التي كانت تدرس حينئذ فإنا نجدها من خلال تراجم علماء العصر (١) تشمل مختلف العلوم الإسلامية وغيرها كالحساب والهندسة والطب والموسيقى! وكان لكل دارس الحرية في أن يلم بما شاء منها ثم يتخصص في علم معين فيعرف به ويعد من رجاله، فإذا قام بنتاج علمي في فن آخر بجانبه يعد مشاركا فيه، وتكون آراؤه وتأليفه فيه، في الدرجة الثانية بعد المتخصصين (٢).
وقد كانت العناية بتلك العلوم متفاوتة، بحيث نجد أن الفقه وأصوله في المقدمة، ويليه علوم القرآن من تفسير وقراءات وغيرها، ثم يليه الحديث وعلومه، ثم التاريخ والسيرة النبوية، ثم علوم اللغة والأدب، ثم بقية العلوم الأخرى (٣).
ونلاحظ من هذا الترتيب أن العناية كانت مركزة على العلوم الشرعية المتضمنة لأصول الدين وفروعه، ومرجع هذا ما قدمناه في الفقرات السابقة من الاضطهاد الديني الذي أطبق على العالم الإسلامي من الغرب والشرق حتى، قلص ظله وتراثه، وطوي بساط الشرع ورواية الحديث من معظم.
стр. 112
عواصم الإسلام في الماضي شرقا وغربا كما قدمناه (١) وضيق الخناق على صلحاء الصوفية والعلماء، حتى هاجرت جماعاتهم من أوطانهم كما بينا وتكدس غالبهم في بقعة واحدة هي مصر (٢).
فكان عليهم بعد أن لاذوا بالأمان، وتوفر لهم العيش الكريم، والإمكانيات العلمية أن يجعلوا تلك العلوم في المحل الأول، ليثبتوا روح التحدي والبقاء لأصول الدين وفروعه رغم أنف أعدائها (٣)، وأن يعيدوا صياغتها من جديد، وتنميتها، تعويضا لما أعدم أو تبدد، حتى يتأكد لأعدائهم أن حرص المسلمين على استنقاذ تراثهم لا يقل عن حرصهم على استنقاذ أرضهم، وقد كان لهذا الوضع أثره العميق في منهج التعليم والتأليف.
فبالنسبة للتعليم جعل أساسه الحفظ لكثير من الكتب عن ظهر قلب، وأخذها عن الشيوخ بالسند، وفي مقدمتها القرآن الكريم وكتب السنة النبوية وفنون العلوم الشرعية والعربية، كما سنفصله في تعلم العراقي.
وبالنسبة للتأليف اهتم العلماء بجانب تأليف الكتب الموضوعية في كل علم بالمؤلفات الجامعة التي تشبه الموسوعات المعاصرة، بحيث يجمع المؤلف أقصى ما يمكنه من المعلومات في موضوعات متعددة، أو يجمع بين أكثر من كتاب في مؤلف واحد (٤)، حتى يخيل إليك عند مطالعة هذه الموسوعات إحساس.
стр. 113
مؤلفها بأن العلوم قد نسيت، ونصوصها تبددت، وأن عليه أن يتوفر على جمعها وتبويبها وعرضها من جديد (٢).
وفي كل ذلك كان يحرص العلماء على نقل أكبر قدر يحصلون عليه من نصوص وأقوال الأئمة السابقين، أكثر من حرصهم على إبداء رأيهم الشخصي تأثرا منهم بحالة الإبادة التي حلت بالتراث في معاقله بالشرق والغرب، فأصبح ما تبقى لديهم من نصوص أسلاف العلماء عزيزا عليهم وأهم من آرائهم، فحرصوا على تسجيله وجمعه حتى ينتشر من جديد، ويحفظ فلا يضيع كما ضاع كثير غيره، ولم تبق إلا أسماؤه في تراجم أصحابه ثم إن معظم العلوم الإسلامية إن لم يكن جميعها، كانت قبل نكبتها هذه، قد بلغت على يد السابقين درجة عالية من الاكتمال والنضج والخصوبة، فأصبح الابتكار مرهونا بوجود قضايا لم تطرق من قبل على نحو ما رأى السابقون، ولم توضع بشأنها قاعدة بواسطة أولئك الرواد الأوائل يرتضيها من جاء بعدهم، وقد أكثر الأوائل من طرق المسائل ووضع القواعد لمعظم العلوم، ثم كان إحساس المتأخرين بفساد الزمن وضعف الهمم عاملا قويا في جعلهم يفضلون آراء المتقدمين، الذين توسموا فيهم الصلاح والتحقيق العلمي، هذا بالإضافة إلى أن طبيعة العلوم النقلية، أن يعتمد المتأخر فيها على المتقدم، حتى الأوائل كالشافعي والبخاري والحاكم، وأمثالهم، قد فعلوا ذلك، فما بالنا بالمتأخرين، وما بالنا إذا كانت تلك العلوم أصل العقيدة والشريعة؟!
لكن كثيرا من الباحثين المحدثين يعرضون عن هذه الاعتبارات ويسرعون
стр. 114
بالحكم على العلم والعلماء في عصر المماليك بصفة عامة بالجمود، وتعليل ذلك بأنهم أكثروا النقل عمن تقدمهم وترديد آراء غيرهم (١).
ولو أنهم نظروا إلى العصر بمنظاره، ولاحظوا تلك الظروف والعوامل التي واجهت الحركة العلمية فيه تعليما وتعلما وتأليفا، لرأوا أنه كان عصرا مجددا لحضارة الإسلام بعد التدمير، لا جامدا، وأن علماءه بهذا الاعتبار مجددون عصريون؛ حيث لبوا مطالب عصرهم الملحة، وهي حفظ التراث الذي هو مخ العلوم أولا من عوامل الضياع المتسلطة عليه والمتربصة به من كل جانب، فأكبوا على تعويض ما قذفه الغزاة في بطن دجلة والفرات، وما أشعلوا حرائقه في ربوع الشام، وما مزقته سنابك الخيل حيثما حلت، فكانوا بلا مبالغة بناة لحضارة الإسلام بعد تعرضها لحملات المحو والطمس الضاريتين، وكان في حرصهم على النص زاد لمن بعدهم، وإن من يتصفح مراحل التدوين العام لأصلي العلوم الإسلامية من النصوص، وهما الكتاب والسنة يجدها تمت في ظروف مشابهة لظروف المسلمين في الحروب الصليبية والتترية وما تلاها، فكان جمع القرآن في عهد أبي بكر لما استحر القتل بحفاظه في حروب الردة، وجمع السنة في عهد عمر بن عبد العزيز لما رأى حفاظها يتناقصون بالموت، ثم تركزت الهمم بعد ذلك للتحليل والاستنباط.
وإذا كنا مع انتقاد علماء تلك المرحلة بالإكثار من النقل والجمود عليه كما يقال، ما نزال نجد البون شاسعا بين مؤلفات المتقدمين الواردة في تراجمهم، وبين الموجود لدينا حاليا منها، فماذا كان سيصبح عليه حال التراث العلمي لو
стр. 115
لم ينشطوا لجمعه، ويوفروا جهودهم على تحقيق النصوص ونشرها؟ من المؤكد أننا كنا سنعاني الإفلاس كغيرنا ممن أهمل أسلافهم فيما جد فيه أسلافنا، فجزاهم الله خيرا، على أن كثيرا منهم كان يعمد إلى تعقب ما ينقله من الآراء والنقول برأيه الخاص، فيستحسن ويرجح ويختار وينتقد مع قرن ذلك بالحجة والبرهان، كما سنراه في الإنتاج العلمي للحافظ العراقي وأقرانه.
هذا ما يتعلق بالوضع العام الذي سيطر على الروح العلمية لهذا العصر ووجهها وجهة الاهتمام بالعلوم الشرعية بالدرجة الأولى، وجعل منهج التعليم يقوم على الحفظ، ومنهج التأليف يقوم على النقل والجمع والترتيب مع إبداء الرأي في أحيان كثيرة، وإلى جانب هذا الوضع العام، وجدت عوامل خاصة أثرت في درجة الاهتمام بكل علم وما يتعلق به، فبالنسبة للفقه، كان على رأس القائمة، لأنه وسيلة بيان العبادات والمعاملات، ومادة القضاء في جميع الأحكام كما قدمنا.
ومن جهة أخرى فإن الدولة ربطت عموم الوظائف بالإنتساب لأحد المذاهب الأربعة، كطريق لمناهضة الشيعة، فلم يكتف الظاهر بيبرس بقصر القضاء والإمارة على مقلدي المذاهب الأربعة كما بينا، بل كان قراره «أن لا يول قاض ولا تقبل شهادة أحد، ولا يرشح لإحدى وظائف الخطابة أو الإمامة أو التدريس، ما لم يكن مقلدا لأحد المذاهب الأربعة» (١).
وقد استمر هذا القرار معمولاً به طيلة عصر المماليك، وكان له أثر معاكس لما قصد به من النفع، حيث أشاع روح التقليد في العلوم الفقهية وتعداها
стр. 116
لغيرها، وكان يميل للتقليد حتى من توفرت له شروط الاجتهاد، بُعدا عن الفتن وبطش الحكام، حتى إن الشيخ عز الدين بن جماعة شيخ العراقي رمى معاصريه من الفقهاء بالجبن حين قالوا: إن المجتهد المطلق في هذا الزمن معدوم فقال: (إحالة أهل زماننا وجود المجتهد يَفْتُرُ عن جبن ما، وإلا فكثيرا ما يكون القائلون لذلك من المجتهدين) (١).
أما ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية، فشناها حربا على الحكام والعلماء القائلين بالتقليد المحض، وأبديا بالفعل، بعض الأقوال الاجتهادية، وقد تبع العراقي مذهب الشافعي واجتهد من خلاله في الإفتاء والقضاء، وفي بحثه لفقه السنة كما سيأتي.
أما بالنسبة لعلوم السنة، فقد تقدم أنه توارد على رفع رايتها الأيوبيون ثم المماليك، وكانت عدتهم في مساندة الفقه السني ومناهضة التشيع.
ولا شك أن توفر دولتين كبيرتين على العناية بعلوم الرواية والدراية لأكثر من قرنين من الزمان، حتى وفاة العراقي، كفيل بأن يصل بها إلى ذروة النهوض والإتساع، خاصة مع تضاعف الاهتمام بها من دولة لأخرى، نتيجة لتطور الأحداث، ذلك أن الأيوبيين كان عليهم إحياء السنة في مواجهة الشيعة في الداخل، فاكتفوا - كما مر - بإقامة دور عديدة اختصت بدراسة الحديث وتخريج المحدثين.
أما المماليك، فإن دولتهم إلى جانب مسئوليتها عن مناهضة بقايا الشيعة،
стр. 117
كان عليها القيام برسالة إحياء علوم السنة، كبديل عن بقية بلاد العالم الإسلامي شرقا وغربا، التي تلاشت بها تلك العلوم نتيجة لسقوط بغداد، وما اكتنفها من أحداث كما مر.
ولهذا فإنهم بجانب دور الحديث، خصصوا قسما له في بقية المدارس الأخرى، وفي جميع المنشآت التعليمية المشتركة الغرض، من مساجد وخوانق وربط وزوايا، سواء ما كان قائما أو ما أنشئ مجددا (١)، ومن تلك الأقسام ما عين له ثلاثون محدثا، لكل منهم راتب شهري، ويقبل عليه الطلاب والطالبات في أوقات معينة لكل منهما (٢).
فإذا أخذنا في الاعتبار، أن هذه المنشآت ودور الحديث كانت في عصر العراقي، تفوق الحصر على إمتداد الدولة من الحرمين حتى القاهرة كما بينا آنفا، أمكننا أن ندرك الكثرة البالغة التي توافرت على الاشتغال بالسنة، والإقبال الشديد على تعلمها وتعليمها، والتأليف فيها لكل المستويات العلمية، حتى وصفت كثير من الأسر بأنها بيت الحديث والرواية، رجالا ونساء (٣).
стр. 118
وخير دليل لذلك الحفاظ البارزون الذين أنجبهم هذا العصر، من طبقة شيوخ العراقي، كالمزي والذهبي والعلائي وعبد العزيز بن جماعة، وطبقة أقرانه، كالحافظ ابن كثير وكابن رجب الحنبلي، وابن الملقن، وطبقة تلاميذه كالهيثمي وابن حجر العسقلاني والبوصيري، وأمثال هؤلاء ممن طبقت شهرتهم وعلمهم الآفاق، وتردد اسمهم في مسامع التاريخ، وأعادوا للسنة مجدها الغابر، سواء في مجال تحملها وأدائها بالسند على طريقة المتقدمين منذ عصر الرسول ﷺ ، أو في مجال بحثها والتأليف فيها، بحيث صاروا عمدة لمعاصريهم، ومن جاء بعدهم حتى الآن، مباشرة أو بالواسطة، وقدمت مؤلفاتهم خير العوض والعزاء عما فقدناه من تراث المتقدمين، فعمرت بها أركان المكتبة الحديثية بعد خواء، وحفظوا لنا فيها أكبر قدر أتيح لهم من نتاج المتقدمين وآراء المعاصرين، وما تزال حتى اليوم في كل العالم مرجع الباحثين في السنة وعلومها والراغبين في الهداية والمعرفة.
وإليك بعض المظاهر التي تصور العناية بالسنة وعلومها حتى نهضت تلك النهضة في ذلك العصر الذي صارت فيه مصر - بحق - قاعدة لمنارة السنة في العالم، تؤازرها الشام والجزيرة العربية، فمن ذلك أن السلاطين والأمراء لم يقفوا عند توفير الإمكانيات المادية والكوادر العلمية السابقة، بل شاركوا بأنفسهم مشاركات رمزية في سماع الحديث وإسماعه لطلابه، حتى في بيوتهم الخاصة (١) وألفوا فيه بعض المؤلفات (٢).
стр. 119
وهذا فوق ما يعطيهم من المكانة في نفوس الشعب المتدين، فإن من شأنه أن يحفز الهمم للإقبال على تعلم السنة وتعليمها، فالناس غالبا على دين ملوكهم.
وحسبنا من تلك المساهمات أن الحافظ العراقي من أوائل شيوخه في الحديث: الأمير سنجر الجاولي المتوفى سنة ٧٤٥ هـ، وقد بلغ درجة الفتوى على مذهب الشافعي، وشرح مسند الإمام الشافعي شرحًا كبيرًا، كما أنه معروف بمنشآته العلمية والخيرية بالقاهرة وغزة والخليل (١).
كما حضر العراقي أيضًا مجلس السلطان الأشرف شعبان المتسلطن سنة ٣٦٥ هـ لقراءة صحيح البخاري بحضور عدد من العلماء، وكان السلطان يسألهم عن معاني بعض الأحاديث عند قراءتها ويُجيبونه (٢)، كما كان للأشرف هذا أيضًا وقف بالحرمين، يُعيّن فيه المحدثين، ويكثر الناس السماع عنهم (٣) وهناك أمراء آخرون شاركوا العراقي في سماع الحديث من شيوخه كما سيأتي.
وقد سجل السخاوي أن عناية الأمراء في عصر العراقي بالسنة اتخذت صفة العموم، فعين كل منهم محدثاً خاصا يُسمع الناس الحديث ويدعوهم للسماع، وكان العراقي ممن اختير لذلك كما سيجيء.
стр. 120
كذلك نشطت في ذلك العصر رواية كتب الحديث بالأسانيد العالية، وكان هناك طائفة معنية بذلك يسمون «المسندين»، فكان إذا عرف مسند عال إسناده، رحل إليه ذووا الهمم أو سعى الحكام والعلماء في استحضاره لمصر، والاحتفاء به ليبقى أطول فترة ممكنة لسماع الطلاب والشيوخ منه ليعلو إسنادهم (١)، وستأتي بعض مساعي العراقي في ذلك.
ومن وسائل العناية بالسنة أيضا في هذا العصر: أنه كان هناك إشراف علمي على دور الحديث وأقسامه، وشروط علمية لابد من توافرها فيمن يعمل بتلك الأقسام، ومن لم يثبت توفرها فيه يعزل، وكان يعين لكل دار حديث أو قسم شيخ يتولى عليها، يشارك في العمل بها، كما سيأتي بالنسبة للعراقي.
ولم يقتصر تعيين المحدثين على دور العلم السابق ذكرها بل عين بعضهم بمدافن السلاطين (٢) والأعيان (٣) وأكثر الناس السماع عنهم.
وعندما نرجع للتاريخ العلمي لهذا العصر نجد أن أبرز نشاط علمي للمرأة كان في مجال السنة تحملا وأداء، حتى رحلن في ذلك بين مصر والشام (٤) ونازعن الرجال في علو الإسناد، حتى اضطر ابن حجر العسقلاني أن يقول عن شيخه إبراهيم بن محمد الدمشقي المتوفى سنة ٨٠٦ هـ: إنه خاتمة
стр. 121
المسندين من الرجال (١) فقط.
وذكر أن شيخته عائشة بنت محمد بن عبد الهادي المتوفاه سنة ٨١٦ هـ انفردت في الدنيا، ببعض مسموعاتها حتى نزل الناس في جميع الآفاق بموتها درجة في السند، بالنسبة المسموعاتها تلك (٢).
وحرص في (معجمه) عمومًا على بيان ما تميزت به شيخاته الكثيرات عن شيوخه، ومنهن رقية بنت محمد بن علي بن محمد، الثعلبي الدمشقي، يعرف والدها بابن القاري، كان زوجها مُحَدِّثًا، وعمها مُسند القاهرة وهي من بيت الحديث والرواية، ولها إجازة من شيوخ العصر، بالحرمين والشام ومصر واستجازها المحدثون قديمًا وحديثا (٣).
ووصف ولي الدين ابن العراقي شيخته المسندة «أم أبيها» بأن المحدثين أكثروا السماع عليها (٤).
ومنهن من حدثت بصحيح البخاري في قلعة صلاح الدين بالقاهرة (٥)، لكنا لم نقف على مؤلفات للمرأة في أي من علوم السنة، ويكفيهن شرفًا تلك المساهمة الكبيرة في إحياء ونشر رواية السنة بإسنادها، تجديدا لرسالة الصحابيات الكرام ومن بعدهن في هذا.
وقد حاول بعض المستشرقين أن يثبت بذلك وجود الاختلاط السافر بين
стр. 122
رجال المسلمين ونسائهم منذ فجر الإسلام، وهذا خطأ سنرد عليه عند بيان تحمل العراقي للسنة عن بعض النساء.
وبلغ الحرص على إشاعة السنة في هذا العصر أن كان يعين قراء يقرأون الحديث على غرار قراء القرآن، ومن ذلك مجلس قراءة الحديث بالقلعة التي هي مقر الحكم والخلافة في القاهرة، وكان يتوافد على تلك المقرأة الحديثية العلماء من كل مكان، للقراءة والسماع والمباحثة (١).
ومن الأمراء من كان يعقد مقرأة في منزله سنويا لقراءة صحيح البخاري (٢)، كذلك كان العلماء يعقدون مجالس لقراءة الحديث وإملائه عند حلول الأخطار والأزمات الإقتصادية وغيرها، مما كان طابع هذا العصر من المحن.
ولا عجب، فإن مجالس الحديث هذه، كان يذكر فيها التضرع إلى الله، ويصلى على رسوله ﷺ ، وتذكر فيها أحاديث الترغيب والترهيب، وكل ذلك من أسباب نزول رحمة الله بمختلف صنوفها، فضلا عما يتضمنه المقروء من الأحاديث من معاني تثبت اليقين، وتطمئن الخائفين وتحيي الأمل في الله، وتشتمل على الأدعية الصحيحة.
ومن ذلك ما فعله سراج الدين البلقيني قرين العراقي عندما اكتسح «تيمورلنك» البلاد الإسلامية من الشرق سنة ٨٠٣ هـ كما أسلفنا حتى وصل إلى دمشق وأحرقها وهزم السلطان فرج على أبوابها، فانزعج سكان القاهرة وأحسوا أن
стр. 123
هجومه على القاهرة محقق، فهموا بالهجرة إلى الأقاليم، ولكن البلقيني طمأنهم، وطلب من بعض من حوله أن يقرأوا عليه صحيحي البخاري ومسلم، وفي ختامهما جاء الخبر بعودة تيمورلنك إلى بلاده (١).
كذلك عقد العراقي بعض مجالسه لإملاء الحديث في بعض الأزمات الاقتصادية، كالتي مرت بها مصر في حياته كما سنذكره بعد.
هذه هي بعض الملامح التي تدل على تضافر جهود الأمة كلها من أقصاها لأقصاها، حكامًا ومحكومين، ورجالاً ونساءً، في خدمة السنة النبوية رواية ودراية وتعلقهم بها بحثًا وتأليفًا وسماعًا وقراءة، في معاهدهم ومجامعهم وندواتهم وبيوتهم ومقابرهم، وسرّائهم وضرائهم، ولا غرابة فهي أصل الدين الثاني بعد القرآن الكريم، ودليل العقيدة الصحيحة والعمل الصالح للدنيا والآخرة، ولكل من قارئها وسامعها وكاتبها أحسن الثواب وغاية الفخار، وبذلك غالبت علوم السنة المحن، وازدهرت رغم النوائب.
أما عن مَنْهَجي تعليمها ومؤلفاتها في هذا العصر، فقد قدمنا في المبحث الأول أن علوم السنة قبل عصر العراقي قد استكملت أصولها ومقوماتها، ثم كان علماؤها وتراثها في مقدمة ما تعرض لحملات الإبادة والاضطهاد خارج المنطقة شرقًا وغربًا، وللطمس الشيعي في الداخل كما ذكرنا، ولهذا فإن نهضتها في هذا العصر انبثقت من الظروف التي حكمت العصر، سارت في إطار الطابع العلمي العام له كما سبق ذكره.
وقد قدمنا أن المنهج العام للتعليم في هذا العصر قام على أساس الحفظ.
стр. 124
وأخذ العلوم عن الشيوخ بالسند، كما قام المنهج العام للتأليف على العناية بجمع النصوص وعرضها بطرق مختلفة مع التعقيب أو بدونه، وهذا - أساسا - هو منهج تعليم السنة والتأليف فيها، منذ نشأتها، ثم سرى إلى بقية العلوم الإسلامية من فقه وتفسير وتاريخ ولغة وغير ذلك.
وبهذا يكون منهج تعليمها والتأليف فيها، قد جرى على هذا المنهج العام الذي شمل بقية العلوم الإسلامية معها كما بينا.
وفي تعريفنا لشخصية العراقي وتكوينها العلمي وبحثنا لنتاجه في علوم السنة رواية ودراية، سيتضح لنا تفصيل ذلك، حيث كان العراقي رجل عصره تأثرا وتأثيرا، والنموذج المحتذى لطالب السنة ومدرسها وحافظها والمؤلف فيها.
стр. 125
الباب الثاني: شخصية الحافظ العراقي
القسم الأول: مشخصات عامة
القسم الثاني: جوانب شخصية العراقي
القسم الثالث: اختص العراقي بعلوم السنة، وشيوخه وتلاميذه ومكانته
стр. 126
القسم الاول مُشَخّصَاتٌ عَامَّةٌ
стр. 127
قرار بعض أسرة العراقي من العراق إلى مصر وتوطنهم بها
ينحدر الحافظ العراقي من أسرة عراقية كبيرة كانت تقيم ببلدة تسمى «رازيان» بالياء المثناة بعد الزاي، وهي تابعة لمدينة «إربل» (١) وقريبة منها. و «إربل» تبعد ثمانين كيلو مترا جنوب شرق «الموصل» بالعراق، وكان يطلق عليها حينذاك عراق العرب، وعلى ما يقع شماله تجاه فارس: عراق العجم.
وتعتبر «إربل» هذه عاصمة لإقليم كبير حولها يُسمى باسمها، ويُمثل حاليا محافظة من محافظات القطر العراقي الشقيق، تسمى باسم عاصمتها «إربل» وينطقها العراقيون حاليا «أربيل» والإقليم عبارة عن هضبة فسيحة في أعلاها تل مرتفع، أقيمت عليه مدينة إربل، وتنتشر حولها بقية البلاد والقرى التابعة لها من «رازيان» وغيرها.
ولم يتعرض صاحب معجم البلدان لذكر رازيان هذه موطن أسرة العراقي، ولا لغيرها من بلاد الإقليم التابعة لإربل، رغم أنه زار الإقليم وعاصمته في أوج نهضته في أوائل القرن السابع الهجري، وإنما عمّم الكلام على إربل وما يتبعها، ومثل ذلك فعل مؤلفو دائرة المعارف الإسلامية (٢) واتفق الكل على أن سكان الإقليم عموما أكراد، وقد استعربوا بعد الفتح الإسلامي فخالطوا
стр. 128
الفاتحين وتعلموا العربية وعلومها.
وللإقليم شهرة تاريخية من قبل الإسلام ومن بعده، حتى كتب أحمد بن المستوفي الأديب ووزير إربل سنة ٦٢٨ هـ تاريخًا لها في أربعة مجلدات، وموقع هذا الإقليم هام؛ لكونه ملتقى طرق كثيرة تربطه ببغداد والموصل، ويقع بين نهري الزاب، المتفرعين من دجلة، وفي النصف الأول من القرن السابع الهجري كان في قمة ازدهاره بالعمران، وبالعلم مع شيوخ التصوف أيضًا فيه، حتى كان حاكمه «مظفر الدين كوكبوري» المتوفى سنة ٦٣٠ هـ يحتفي بالفقهاء والمحدثين والوعاظ، ويشارك الصوفية - للأسف - بدعهم، في حلقات الذكر، ويتمايل معهم على صوت المنشدين وطبولهم ومزاميرهم ويهديهم ثيابه! (١)
إلا أن الإقليم تعرض بحكم وضعه السياسي والجغرافي لبعض الهجمات الحربية، والقلاقل التي ألجأت كثيرًا من سكانه للفرار لمصر وغيرها، وذلك أنه كان أولًا تابعًا للموصل، ثم انفصل عنها وانضم للدولة الأيوبية في عهد صلاح الدين، ثم استقل عنها في أواخر الدولة، وصار إمارة مستقلة عاصمتها (إربل) وازدهر بالعمران والثقافة كما أشرنا، ومنذ ذلك الوقت صار مطمعًا للحكام الذين كان يتبع جهاتهم بالموصل ودمشق من جانب، وللتتار من جانب آخر (٢)، بحكم قوته وموقعه القريب من عاصمتهم (تبريز) وفي ملتقى الطرق كما أشرنا.
стр. 129
ففي زحفهم التخريبي السابق ذكره، واصلوا اكتساحهم لبلاد الإسلام من «أذربيجان» حتى وصلوا «إربل» في ذي الحجة سنة ٦٢٨ هـ، حيث كانت في أوج النهضة المشار إليها، فنهبوا المدينة وتفرقوا في بقية القرى، يقتلون من ظفروا به، مع سبي النساء، وغير ذلك من فظائعهم المعروفة في كل حروبهم وفي النهاية عادوا من حيث أتوا (١) ثم عاودوا هجومهم الشامل ثانية بزعامة «هولاكو» حيث أسقطوا بغداد وأقاموا دولتهم سنة ٦٥٣ هـ على ما استولوا عليه من بلاد الإسلام، في فارس والعراق كما تقدم.
وحكم تلك الدولة «هولاكو» ثم أولاده الذين غزى الإسلام قلوبهم بعد غزو أبيهم لأرضه، فتحولوا مع أقوامهم من الوثنية إلى الإسلام، وحكموا بشريعته.
لكن النزاع بين حكام المسلمين بعد انقسامهم، كان هو ظاهرة العصر، ومعول الهدم، لهذا رأينا ثاني من أسلم من أبناء «هولاكو» وهو «قازان خان» الذي تسمى بعد إسلامه سنة ٦٩٤ هـ «غازان محمود خان» وتولى حكم دولتهم سنة ٦٩٥ هـ، رأيناه يعرف بعدائه الشديد لبقية حكام المسلمين، وبكثرة حروبه لهم، حتى كرهه المسلمون والمسيحيون معا (٢).
وكانت أشرس هجماته تلك التي شنها على الشام سنة ٦٩٩ هـ لقتال الناصر محمد بن قلاوون سلطان دولة المماليك آنذاك (٣)، وكان إقليم إربل في طريقه، باعتباره مجمع الطرق كما أشرنا، فأزعج الجيش أهله وسكانه، وجعلهم
стр. 130
يلوذون بالفرار طلبا للنجاة والأمان من بطشه (١)، وكان خير ما يتوفر فيه ذلك حينئذ، هي مصر، بحيث كان الكل يحتمي بها كما أسلفنا، فاتجه إليها. جمع من الفارين، وكان من بينهم رجلان من أسرة العراقي، وهما عمان له، فلما استقرا بأرض مصر، واطمأن بهما المقام بين أهلها بالقاهرة، أرسلا في إحضار أخ ثالث لهما هو «أبو عبد الله بدر الدين الحسين»، وتم إحضاره فعلا إليهما في القاهرة، وكان حينئذ طفلا في العاشرة من عمره تقريبا.
وهذا الأخ الأصغر هو والد الحافظ العراقي، وقد انفرد المناوي من بين من ترجموا للعراقي، ببيان سبب مجيء هذا الفرع من أسرة العراقي المكونة من عميه ووالده إلى مصر وكيفية مجيئهم على نحو ما ذكرت (٢).
أما السخاوي فاكتفى بالقول: «إن والد العراقي قد تحول إلى مصر وهو صغير مع بعض أقربائه (٣)، فلعل حضوره إلى أخويه كان بصحبة قريب آخر من الأسرة».
ويتفق السخاوي والمناوي أيضا على أن أسرة العراقي التي خرج منها عماه ثم والده، أسرة كبيرة عريقة في العلم مع اشتغال بالتصوف، ولهم في بلدهم «رازيان» مناقب ومآثر مشهورة، وكرامات مأثورة، ومنهم جماعات من العلماء وجماعات من الصلحاء (٤)، وهذا يتلاءم مع ما سبق ذكره عن نهضة إمارة «إربل» الثقافية، إبان غزوها، إلا أنهما لم يعينا لنا أحدا من علماء.
стр. 131
الأسرة أو صلحائها هناك، كما أنهما لم يبينا لنا اسمي عمي العراقي اللذين سعيا في إحضار والده لمصر، ولا من أحضر معه، ولم يقدما شيئًا عن مجرى حياتهم بعد استقرارهم بالقاهرة، كما أن مراجع عصرهم التي أكثرتُ من بحثها، لم أجد لهم ذكرًا فيها، لا في مجال العلم ولا التصوف اللذين عرفت بهما الأسرة.
ولعلهم بحكم الانتماء لأسرة صوفية نزلوا عند مجيئهم القاهرة ببعض بيوت التصوف السابق ذكرها، لأنه كان من مهماتها الأساسية إيواء الصوفية الوافدين (١)، فقضوا حياة عادية، قانعين بمخصصات تلك الدور من مأكل وملبس ومسكن وراتب، ويشير لهذا توجيههم لوالد العراقي عند حضوره، تلك الوجهة، واستمراره على ذلك حتى وفاته كما سنوضحه.
ولادة العراقي وتسميته وتحديد مكان الولادة حاليًا وتاريخها وتصحيح الخطأ في ذلك
أنجح الله مسعى عمي العراقي في إحضار أخيهما «الحسين» والد العراقي من بين الأخطار التي ألمت بموطنهم في العراق إلى القاهرة، حيث الأمان والعلم وإمكانيات العيش، وفرص الحياة المتاحة للغرباء الوافدين، مثل إخوانهم المصريين، بل ربما أُتيح للوافدين من المنصب والمكانة، ما لم يتح للمصريين كما سنرى بالنسبة للعراقي وولده.
ويذكر المؤرخون أن والد العراقي حين قدم مصر كان صغيرًا (٢)
стр. 132
أو طفلا (١)، ولكن إذا عرفنا أنه ولد في حدود سنة ٦٩٠ هـ (٢)، وأن هجوم «غازان» المذكور حدث سنة ٦٩٩ هـ، وأن حضوره كان خلال الهجوم أو عقبه بقليل، فإنه يمكننا القول بأنه كان عند حضوره للقاهرة، في العاشرة من عمره تقريبا. ويذكر المؤرخون أيضًا أنه عند مجيئه التحق بخدمة الصوفية (٣).
وقد استقر به المقام في أحد الضواحي الواقعة جنوب غرب القاهرة حينئذ، وحتى نحددها نقول: «إن القاهرة في ذلك الوقت، كانت تشمل المناطق المحيطة بالجامع الأزهر وما يليه جنوبًا حتى قلعة صلاح الدين الأيوبي المعروفة، ثم تمتد غربا حتى باب اللوق الحالي، وكان النيل يمر من غرب «باب اللوق» متجها نحو مكان «ميدان رمسيس» الآن» (٤).
ثم يوازي القاهرة من الجنوب، حيث مسجد عمرو بن العاص وما حوله، مدينة أطلق عليها حينذاك «مصر»، وتقع فيما نسميه الآن «مصر القديمة» أو «العتيقة»، كما أطلقت «مصر» أيضًا على القطر كله، من الإسكندرية حتى أقصى الصعيد، ويفرق بينهما في المراجع التاريخية أو غيرها، بسياق الكلام، مع إشتباه الأمر أحيانا.
ولكن إذا قيل «مدينة مصر» أو جمعت مع القاهرة فقيل «مصر والقاهرة»، يكون المراد: المدينة المجاورة للقاهرة فحسب، مثلما في تسمية
стр. 133
السيوطي لكتابه «حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة» وعلى ذلك نجري في هذا البحث.
وقد كان يفصل بين المدينتين أراض فضاء، وبساتين، كما كان النيل ينحسر أيضا عند الجفاف سنويا عن بعض المساحات غرب القاهرة، بينه وبين الخليج الناصري، التي فرّعها منه الناصر محمد بن قلاوون عند المكان المعروف حاليا بفم الخليج، وحيال الإقبال المتزايد على الإقامة بمصر في ذلك العصر، والهجرة من الشرق والغرب إليهما كما مرّ، أخذ الحكام والأعيان وعامة الناس، يعمرون تلك المناطق التي بين مصر والقاهرة.
حتى ذكر المقريزي أنه خلال عصر الناصر محمد بن قلاوون حيث ولد العراقي ونشأ، صار ساحل النيل، من خط (دير الطين) (١) قبلي مدينة مصر، إلى منية السيرج (٢) بحري القاهرة - تلك المسافة كلها - منتظمة بالمناظر العظيمة والمساكن الجليلة، والجوامع والمساجد والخوانك والحمامات، وغيرها من البساتين، لا نجد من بين ذلك خرابا البتة، وانتظمت العمارة من وراء الدور المطلة على النيل حتى أشرقت على الخليج، فبلغ هذا البر الغربي من ظواهر القاهرة مبلغا عظيما، من وفور العمارة وكثرة الناس (٣).
ومن ضمن ما عمر إبان عصر العراقي وأثنائه من هذه المناطق، منطقة جنوب غرب القاهرة، انحسر عنها النيل قديما بين مصر والقاهرة، وعرفت بمنشأة
стр. 134
المهراني، ومن وصف المقريزي وعلي مبارك - رحمهما الله - في خططهما (١) ومن بحث محمد رمزي بك (٢) ﵀.
ومن مشاهداتي الشخصية، الآن، يستفاد أن تلك المنشأة موقعها الحالي هو المنطقة الواقعة على النيل، بين مستشفى قصر العيني القديم، وميدان فم الخليج بالقاهرة، ويفصلها عن النيل، شارع «الكورنيش» ويحدها من الغرب سيالة جزيرة الروضة، ومن الجنوب ميدان ومنتزه فم الخليج اللذان أنشئا مكان فم الخليج المصري، الذي كان يعرف بالخليج الناصري، والحد الشرقي، بعضه مساكن أقيمت على مجرى الخليج بعد ردمه، وبعضه شارع الخليج المصري، والبحري شارع كوبري محمد علي، وشارع بستان الفاضل وما في امتداده إلى شارع الخليج المصري، وقد تغير اسمه حاليا فأطلق على امتداده من بعد ميدان السيدة زينب «﵂» بقليل، اسم شارع (بور سعيد).
وجدير بالذكر أنه يوجد غرب باب اللوق الحالي، قرب ميدان التحرير، شارع جانبي مواز الشارع التحرير من الجنوب، أطلق عليه «شارع منشأة المهراني».
وقد نبه محمد رمزي ﵀ على أن هذا الشارع بعيد عن الموقع الأصلي للمنشأة، وليس له بها أي علاقة، ولا يوصل إليها، كما تبين مما ذكرناه (٣).
стр. 135
وقد بدأت عمارة تلك المنشأة بجامعها الكبير، الذي أنشأه الظاهر بيبرس البُنْدُقْدَارِي في رمضان سنة ٦٧١ هـ (١)، ثم تلاه الأمير سيف الدين بلتان المهراني فأنشأ بها دارًا وسكنها، وبنى مسجدًا، فعرفت به، وقيل لها «منشأة المهراني»، لكونه أوّل من ابتنى فيها بعد بناء الجامع، وتتابع الناس في البناء وأكثروا من العمائر حتى يقال: إنه كان بها فوق الأربعين من أمراء الدولة، سوى الوزراء، وأماثل الكتاب، وأعيان القضاة، ووجوه الناس (٢).
ومن ذلك تعلم أن هذه المنطقة كانت حسنة الموقع والمنظر، راقية الوسط، وأكثرها كذلك حتى الآن.
وكانت من ضمن عمائر هذه المنشأة خانقاة للصوفية تعرف بخانقاة «أرسلان» نسبة إلى منشئها الأمير «أرسلان بن عبد الله» المتوفى سنة ٧١٧ هـ وكان دوادارا (٣) للسلطان الناصر محمد بن قلاوون بعد سنة ٧٠٩ هـ بقليل.
وعظم جاهه وثراؤه فبنى تلك الخانقاة على شاطئ النيل بالمنشأة المذكورة بين مصر والقاهرة، وكانت محل عنايته، ومن تاريخ إنشائها يظهر لنا أن والد العراقي عاصر أول افتتاحها، فالتحق بخدمة أول شيوخها، وهو الشيخ الشريف، تقي الدين محمد بن جعفر بن محمد بن عبد الرحيم القناوي الشافعي (٤) وعراقة الشيخ تقي الدين في العلم والتصوف معروفة، أبا عن جد،
стр. 136
باتفاق من ترجمه، ونلاحظ من سلسلة نسبه أن جده الثاني هو عبد الرحيم القناوي، الصوفي المعروف بصعيد مصر حتى الآن.
كما كان الشيخ تقي الدين من أهل الحديث ذوي الإسناد العالي، وقد حدث بالقاهرة، وسمع منه الكثيرون، ودرس بالمدرسة المسرورية بها، ثم انقطع بالخانقاة المذكورة لما تولى مشيختها، حتى توفي في ١٤ جمادى الأولى سنة ٧٢٨ هـ على الراجح (١) وباختصاص والد العراقي بخدمة الشيخ تقي الدين، استقر بجواره بالمنشأة المذكورة.
وأصبح واحدًا من المريدين السالكين لطريق التصوف على طريقته، مع حرصه على التزود بالعلم، فقد ذكر المناوي أنه نشأ منذ مجيئه لمصر على الاشتغال بالعلم والإقبال على شأنه، ووصفه بالشيخ الإمام العابد الزاهد القدوة المسلك (٢)، وقال ولي الدين ابن العراقي: إن جده سمع الحديث من زينب بنت شُكْر، وهي من أشهر مسندات الحديث في عصره، ومن غيرها.
وقال: إنه حدث، وسمع منه والدي، وحدثني عنه، ثم قال: وكان رجلا صالحاً متعبدا فاضلا، واشتغل على الشيخ قطب الدين الشنباطي، وحضر عند الشيخ زين الدين بن الكناني، وتنزل بالدروس، وكتب بخطه كثيرًا من التفسير والفقه والرقائق، وكان سليم الباطن، منجمعًا على نفسه (٣).
ومن مجموع ذلك نفهم أن والد العراقي قد جمع بين العلم والتصوف لكن
стр. 137
لم يبرز في أيهما، فاكتفى في العلم بتثقيف نفسه بعلوم الشريعة التي تُصَحِّحُ عبادته وتهذِّب نفسه وتعينه في سلوك التصوف على علم، وأهم أعماله العلمية هو سماع الحديث من مسندات ومسندي عصره وإسماعه لولده العراقي ولغيره.
أما التصوف فقد أصبح فيه كما ذكر المناوي: قدوة مسلكا، أي نموذجا يُقتدى به ومرشدا يوجه غيره، دون أن يجاوز تبعيته المخدومه وشيخه تقي الدين القنائي الذي كانت له الزعامة الصوفية ومشيخة الخانقاة، حسب تقاليدهم في ذلك.
وفي أثناء اختصاص والد العراقي بخدمة الشيخ تقي الدين، تزوج، ولا يحدد المؤرخون تأريخ زواجه، والذي يمكن استنتاجه، أنه تزوج بعد الثلاثين من عمره بقليل، فقد ولد كما تقدم سنة ٦٩٠ هـ وكانت ولادة ابنه موضوع بحثنا سنة ٧٢٥ هـ، وهو ابنه الأول فيما يظهر.
والفرق بين مولده ومولد ابنه ٣٥ عاما تقريبا كما نرى، ولا يُعْنَى المؤرخون أيضًا بذكر اسم زوجته أم الحافظ العراقي، ولا عمرها حينذاك.
ولكن السخاوي يصفها بأنها كانت صالحة عابدة صابرة قانعة، مجتهدة في أنواع القربات إلى الله (١)، وهذا يفيد أنها كانت من معدن الزوج ووسطه الصالح، فتوافقا بيئة ووسطا وميولا وسلوكًا، وهذه من أسس نجاح الحياة الزوجية واستقرار الأسرة، بحيث تصبح وسطًا صالحاً لتربية نشء صالح سوي.
وفي هذا الجو المشبع بالتوافق والاستقرار وتقوى الله، كان حمل أم العراقي
стр. 138
به، وتظهر دماثة خلق الأم أمام نوازع الشهوة:
فيذكر ابن فهد أنها أثناء الحمل ربما كانت تشتهي الشئ فتستحي من ذكره لزوجها، إلا أن الله تعالى كان يُسخّر لها من يكفيها ذلك؛ فيذكر ابن فهد أنها كانت عندما تستحي من ذكر ما تشتهيه لزوجها، لا يلبث أن يأمره الشيخ تقي الدين بشرائه له، فيتناول قليلاً منه، ويرسل به إليها (١).
وعلى هذا: قضت شهور الحمل بسلام، فلما جاءها المخاض واشتد بها الطلق أشفق عليها الزوج من آلام الوضع فهرع إلى شيخه تقي الدين وسأله الدعاء لها وإقامة خاطره معها (٢). فقال له الشيخ: لا بأس عليها، تلد عبد الرحيم، أو ولدت عبد الرحيم (٣) تيمنا باسم الجد الأعلا للشيخ تقي الدين وهو «عبد الرحيم القناوي» كما أشرت من قبل.
فاشتد الفرح بالزوج، وكرّ راجعًا إليها، ولعلهما كانا يقيمان بنفس الخانقاة أو قريبا منها، فلما وصل وجدها قد تخلصت فعلا، ووضعت ولدًا، فسماه «عبد الرحيم» بتسمية الشيخ. وكان ذلك في اليوم الحادي والعشرين من جمادى الأولى سنة ٧٢٥ هـ وفي نفس منشأة المهراني بين مصر والقاهرة على شاطئ النيل المبارك (٤)، ووضحنا من قبل مكانها حاليًا.
стр. 139
وهكذا صار «عبد الرحيم» الذي بشر به الشيخ تقي الدين، اسما على مسمى، وشهدت تلك الضاحية الجميلة من أرض الكنانة مولده، ثم كانت مرباه ليصبح علما من أعلام السنة وحفاظها، ومن خيرة أبناء مصر، الذين تفاخر بهم على الدوام، كما ذكر المقريزي (١).
وأكثر من عنوا بتحديد مكان ولادة العراقي متفقون على أنه المنشأة المذكورة (٢) حتى نسب إليها كما سيأتي، ومنهم من قال: ولد بالقاهرة بمنشأة المهراني على شاطئ النيل المبارك (٣)، فجعل المنشأة تابعة للقاهرة لاتصالها بها كما أوضحنا.
وفي «المجمع المؤسس» لابن حجر حدد المكان كما ذكرنا، ثم كتب بهامش النسخة: وقيل بالقاهرة (٤)، والجمع بينهما ممكن، بناء على إضافة المنشأة للقاهرة، كما تقدم.
لكن الشوكاني والمناوي يذكران، أنه ولد بمصر بعد تحول والده إليها كما مر (٥) وهذا لا يستقيم إلا على أن مرادهما بمصر، عموم القطر، ومن ضمنه القاهرة وضواحيها، وأما إرادة (مدينة مصر) التي كانت تجاور القاهرة كما أوضحنا، فلا يستقيم؛ لأن والد العراقي لم ينزل بها، بل نزل بالقاهرة، ثم
стр. 140
استقر بالمنشأة المذكورة، حتى ولد عبد الرحيم بها.
أما خير الدين الزركلي ﵀ فيرجّح أن ولادة عبد الرحيم كانت في (رازيان) من أعمال (إربل)، وأنه تحول صغيرًا مع أبيه إلى مصر (١) وهو بذلك يثبت أنه عراقي المولد، وهذا وهم منه ﵀، فلم يوافقه على ذلك عامة من ترجم العراقي قديمًا وحديثًا، بل إن نفس مصادره الأساسية التي أحال عليها في آخر الترجمة، لم يرد فيها ذلك، بل كلها مجمعة على أنه مصري المولد، على التفصيل الذي قدمناه، ولعله أدرك ذلك عند إعادة طبع كتابه، فأشار بالهامش إلى أن في (حسن المحاضرة) ولادة العراقي في منشاة المهراني، وهذا ليس في (حسن المحاضرة) وحده بل في (الضوء اللامع) و (ذيل طبقات الحفاظ) لابن فهد، وقد عدهما (الزركلي) من مراجعه أيضًا، لكنه مع ذلك أبقى كلامه في أصل الكتاب كما هو.
وبذلك تسرب هذا الوهم لبعض المراجع المنشورة من مؤلفات العراقي وغيرها، نتيجة لاعتماد القائمين بها، في ترجمة العراقي على كتاب (الأعلام) للزركلي (٢) دون تنبه لهامشه.
стр. 141
وربما كان ما ذكره أيضًا هو الذي جعل «كارل بروكلمان» يتردد في تحديد مكان ولادة العراقي، فيذكر أنه ولد في رازيان بالقرب من إربل، ورحل صغيرًا إلى القاهرة، أو في منشأة المهراني بالقاهرة (١).
لكنه عاد في ملحق كتابه الذي استدرك فيه ما تبينه من أخطاء، فاقتصر على تحديد مكان الولادة بمنشأة المهراني بجوار القاهرة كما هو الصواب (٢) فليتنبه لذلك من يعتمد على «أعلام» الزركلي أو «تاريخ آداب اللغة العربية» لـ «بروكلمان»، أو غيرهما من المصادر التي تسرب إليها الوهم المذكور، والكمال لله وحده.
أما تاريخ ميلاد العراقي الذي ذكرته، فيتفق فيه القدماء والمحدثون، من الشرقيين والمستشرقين، على الشهر وهو: جمادى الأولى وعلى السنة وهي: سنة ٧٢٥ للهجرة النبوية، والموافق لشهر إبريل سنة ١٣٢٥ لميلاد المسيح ﵇.
كما يتفق معظمهم على تاريخ اليوم، وهو ٢١ من شهر جمادى الأولى، عدا محمد ابن الجزري، تلميذ العراقي، ومحمد عبد الحي الكتاني رحمهما الله، فيذكر الأول تاريخ اليوم حادي عشر جمادى الأولى (٣)، ولا يبعد أن يكون سقط من الناسخ أو الطابع حرف «الياء» المثناة من آخر كلمة (عشر) فيكون الأصل (حادي عشري) أي (٢١) (بحذف النون لإضافة العدد للشهر بعده، وبذلك يلتقي مع ما عليه الجمهور في تاريخ اليوم).
стр. 142
ومع ذلك فإن بعض من ترجم للعراقي حديثا، مشي على تأريخ المولد بـ ١١ جمادى الأولى (١)، أما الشيخ الكتاني فذكر تاريخ اليوم التاسع من جمادى الأولى (٢) وهذا وهم لا وجه له، فهو مخالف كلية للمعتمد عند الجمهور، وهو ٢١ من الشهر المذكور، فليتنبه لذلك، والله الموفق.
نسب العراقي وتصحيح سلسلته وتحقيق أصله
مر بنا أن العراقي يسمى «عبد الرحيم» وأن والده يسمى «الحسين» ولكن لابد من تعريفنا بسلسلة نسبه إلى أبعد حد ممكن؛ لأن ذلك مما يميز الأشخاص عن بعضهم، ولهذا اعتنى به المحدثون في تاريخ الرواة والحفاظ، لتمييز مروياتهم ومؤلفاتهم، كما عني به المؤرخون للأعلام بصفة عامة.
وقد ذكر لنا العراقي نسبه بنفسه في ترجمته لابنه أحمد حيث قال: هو أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم (٣) وهكذا ساق أحمد نسبه في توقيعه (٤) وساق أيضا نسب جده «الحسين» مرتين، ذكر فيهما أنه «الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم» (٥) وعليه يقال إن العراقي: هو عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي
стр. 143
بكر بن إبراهيم.
لكني وجدت في ترجمته في «معجم شيوخ الحافظ ابن حجر» وفي ترجمة ولده أحمد في كتاب «رفع الإصر عن قضاة مصر» لابن حجر أيضًا زيادة اسم «إبراهيم» بين «عبد الرحمن» وبين «أبي بكر».
فقيل: هو عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن أبي بكر ابن إبراهيم (١) مع أن هذا الاسم غير موجود كلية في ترجمة ابن حجر له في بقية مؤلفاته كـ «ذيل الدرر الكامنة» الذي وقفت عليه بخطه (٢) و كـ «إنباء الغمر» له أيضًا (٣) فلعل زيادة هذا الاسم في كتاب «المجمع» و «رفع الإصر» سبق قلم من ابن حجر أو من الناسخ، ومع ذلك فإن بعض من ترجم للعراقي بعد ابن حجر مشي على زيادة الاسم، مثل ابن تغري بردي المؤرخ المعروف (٤).
ولكن الصواب حذفه طبقا لما وجدته بخط ابن حجر نفسه، ولما أثبته العراقي وولده غير مرة كما بينا.
أما أصل العراقي فإن أكثر المترجمين له يذكرون أنه كردي (٥) وقد قدمنا أن
стр. 144
موطنه الأصلي بالعراق، معظم سكانه أكراد، واستعربوا بعد الفتح الإسلامي.
ويضيف المناوي بعد نسبته للأكراد، نقلا عن جده شرف الدين يحيى المناوي، أن نسب العراقي يتصل بسيدنا عمر بن الخطاب ﵁، وأن العراقي لم يكن يذكر ذلك تورعا (١) وقد انفرد المناوي عن جمهور المترجمين للعراقي بذكر هذه النقطة، والمعروف أن جده شرف الدين الذي نقل عنه ذلك، كان زوجا لابنة العراقي، كما أن ولي الدين ابن العراقي تزوج أخته، وتتلمذ له شرف الدين، وكانا صديقين (٢) فلعل هذا كله مكنه من معرفة بعض دخائل الأسرة، التي لم تكن تشيعها لغيره.
وقد تبع المناوي بعض من ترجم العراقي بعده، كعبد المجيد بن كيران فقال بعد سياق نسب العراقي: الكردي العمري، نسبة لسيدنا عمر الفاروق، ولكن الشيخ كان لا يذكر ذلك تورعا (٣) وبناء على ذلك يكون العراقي أصله عربيا قرشيا، مع انتسابه للأكراد. وهذا يتأتى على اعتبارين:
стр. 145
أحدهما:
رجوع الأكراد لأصل عربي، وممن قال بذلك تقي الدين المقريزي، صاحب كتاب «الخطط» وغيره، ولكن من الباحثين من خطأه في هذا، وقال: «إن ذلك لا يصمد أمام النقد التاريخي» (١).
الثاني:
أن تكون نسبة العراقي للأكراد، نظرًا لإقامة أسلافه من العرب القرشيين بينهم، خاصة وأن أكراد المنطقة قد استعربوا بعد الفتح الإسلامي للعراق كما قدمنا، ويرجح هذا، جَمْعُ المناوي ومن تبعه بين النسبتين كما ذكرنا.
وليس في بحثنا لأصل العراقي إشاعة للعصبية العنصرية أو الشعوبية الممقوتتين، وإنما هو قصد لتسجيل الحقيقة المجردة، على أن ولي الدين ابن العراقي ذكر أن جده الحسين كان يكتفي بنسبة نفسه للعراق، فيما يكتبه بخطه (٢).
وتبعه هو على ذلك (٣) كذلك نجد العراقي يذكر ذلك في توقيعاته كما سيأتي.
في حين أن كلا من العراقي وولده ولي الدين في مؤلفاتهما في التراجم، يعنيان ببيان من ثبت لهم مثل هذه النسبة أو انتحلوها (٤)، حتى إن العراقي