وربما كان ما ذكره أيضًا هو الذي جعل «كارل بروكلمان» يتردد في تحديد مكان ولادة العراقي، فيذكر أنه ولد في رازيان بالقرب من إربل، ورحل صغيرًا إلى القاهرة، أو في منشأة المهراني بالقاهرة (١).
لكنه عاد في ملحق كتابه الذي استدرك فيه ما تبينه من أخطاء، فاقتصر على تحديد مكان الولادة بمنشأة المهراني بجوار القاهرة كما هو الصواب (٢) فليتنبه لذلك من يعتمد على «أعلام» الزركلي أو «تاريخ آداب اللغة العربية» لـ «بروكلمان»، أو غيرهما من المصادر التي تسرب إليها الوهم المذكور، والكمال لله وحده.
أما تاريخ ميلاد العراقي الذي ذكرته، فيتفق فيه القدماء والمحدثون، من الشرقيين والمستشرقين، على الشهر وهو: جمادى الأولى وعلى السنة وهي: سنة ٧٢٥ للهجرة النبوية، والموافق لشهر إبريل سنة ١٣٢٥ لميلاد المسيح ﵇.
كما يتفق معظمهم على تاريخ اليوم، وهو ٢١ من شهر جمادى الأولى، عدا محمد ابن الجزري، تلميذ العراقي، ومحمد عبد الحي الكتاني رحمهما الله، فيذكر الأول تاريخ اليوم حادي عشر جمادى الأولى (٣)، ولا يبعد أن يكون سقط من الناسخ أو الطابع حرف «الياء» المثناة من آخر كلمة (عشر) فيكون الأصل (حادي عشري) أي (٢١) (بحذف النون لإضافة العدد للشهر بعده، وبذلك يلتقي مع ما عليه الجمهور في تاريخ اليوم).
стр. 142
ومع ذلك فإن بعض من ترجم للعراقي حديثا، مشي على تأريخ المولد بـ ١١ جمادى الأولى (١)، أما الشيخ الكتاني فذكر تاريخ اليوم التاسع من جمادى الأولى (٢) وهذا وهم لا وجه له، فهو مخالف كلية للمعتمد عند الجمهور، وهو ٢١ من الشهر المذكور، فليتنبه لذلك، والله الموفق.
نسب العراقي وتصحيح سلسلته وتحقيق أصله
مر بنا أن العراقي يسمى «عبد الرحيم» وأن والده يسمى «الحسين» ولكن لابد من تعريفنا بسلسلة نسبه إلى أبعد حد ممكن؛ لأن ذلك مما يميز الأشخاص عن بعضهم، ولهذا اعتنى به المحدثون في تاريخ الرواة والحفاظ، لتمييز مروياتهم ومؤلفاتهم، كما عني به المؤرخون للأعلام بصفة عامة.
وقد ذكر لنا العراقي نسبه بنفسه في ترجمته لابنه أحمد حيث قال: هو أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم (٣) وهكذا ساق أحمد نسبه في توقيعه (٤) وساق أيضا نسب جده «الحسين» مرتين، ذكر فيهما أنه «الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم» (٥) وعليه يقال إن العراقي: هو عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي
стр. 143
بكر بن إبراهيم.
لكني وجدت في ترجمته في «معجم شيوخ الحافظ ابن حجر» وفي ترجمة ولده أحمد في كتاب «رفع الإصر عن قضاة مصر» لابن حجر أيضًا زيادة اسم «إبراهيم» بين «عبد الرحمن» وبين «أبي بكر».
فقيل: هو عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن أبي بكر ابن إبراهيم (١) مع أن هذا الاسم غير موجود كلية في ترجمة ابن حجر له في بقية مؤلفاته كـ «ذيل الدرر الكامنة» الذي وقفت عليه بخطه (٢) و كـ «إنباء الغمر» له أيضًا (٣) فلعل زيادة هذا الاسم في كتاب «المجمع» و «رفع الإصر» سبق قلم من ابن حجر أو من الناسخ، ومع ذلك فإن بعض من ترجم للعراقي بعد ابن حجر مشي على زيادة الاسم، مثل ابن تغري بردي المؤرخ المعروف (٤).
ولكن الصواب حذفه طبقا لما وجدته بخط ابن حجر نفسه، ولما أثبته العراقي وولده غير مرة كما بينا.
أما أصل العراقي فإن أكثر المترجمين له يذكرون أنه كردي (٥) وقد قدمنا أن
стр. 144
موطنه الأصلي بالعراق، معظم سكانه أكراد، واستعربوا بعد الفتح الإسلامي.
ويضيف المناوي بعد نسبته للأكراد، نقلا عن جده شرف الدين يحيى المناوي، أن نسب العراقي يتصل بسيدنا عمر بن الخطاب ﵁، وأن العراقي لم يكن يذكر ذلك تورعا (١) وقد انفرد المناوي عن جمهور المترجمين للعراقي بذكر هذه النقطة، والمعروف أن جده شرف الدين الذي نقل عنه ذلك، كان زوجا لابنة العراقي، كما أن ولي الدين ابن العراقي تزوج أخته، وتتلمذ له شرف الدين، وكانا صديقين (٢) فلعل هذا كله مكنه من معرفة بعض دخائل الأسرة، التي لم تكن تشيعها لغيره.
وقد تبع المناوي بعض من ترجم العراقي بعده، كعبد المجيد بن كيران فقال بعد سياق نسب العراقي: الكردي العمري، نسبة لسيدنا عمر الفاروق، ولكن الشيخ كان لا يذكر ذلك تورعا (٣) وبناء على ذلك يكون العراقي أصله عربيا قرشيا، مع انتسابه للأكراد. وهذا يتأتى على اعتبارين:
стр. 145
أحدهما:
رجوع الأكراد لأصل عربي، وممن قال بذلك تقي الدين المقريزي، صاحب كتاب «الخطط» وغيره، ولكن من الباحثين من خطأه في هذا، وقال: «إن ذلك لا يصمد أمام النقد التاريخي» (١).
الثاني:
أن تكون نسبة العراقي للأكراد، نظرًا لإقامة أسلافه من العرب القرشيين بينهم، خاصة وأن أكراد المنطقة قد استعربوا بعد الفتح الإسلامي للعراق كما قدمنا، ويرجح هذا، جَمْعُ المناوي ومن تبعه بين النسبتين كما ذكرنا.
وليس في بحثنا لأصل العراقي إشاعة للعصبية العنصرية أو الشعوبية الممقوتتين، وإنما هو قصد لتسجيل الحقيقة المجردة، على أن ولي الدين ابن العراقي ذكر أن جده الحسين كان يكتفي بنسبة نفسه للعراق، فيما يكتبه بخطه (٢).
وتبعه هو على ذلك (٣) كذلك نجد العراقي يذكر ذلك في توقيعاته كما سيأتي.
في حين أن كلا من العراقي وولده ولي الدين في مؤلفاتهما في التراجم، يعنيان ببيان من ثبت لهم مثل هذه النسبة أو انتحلوها (٤)، حتى إن العراقي
стр. 146
في ترجمة شيخه الإسنوي، ساق سلسلة نسبه إلى سيدنا إسماعيل ﵇، واستطرد فيها بذكر أبواب فيما جاء في فضل قريش، والأمر بالتعلم منهم (١).
كما أن له كتابًا خاصًا في أصل العرب وفضلهم ومشروعية محبتهم وتعلم لغتهم، وقرر فيه أن حبهم إيمان، وبغضهم نفاق، وأطول أبوابه «باب فضل قريش».
فلعل هذا يرجح كونه عربيًا قرشيًا، وأنه فعلًا لم يكن يذكر ذلك لورعه، حيث إن هذا مما يفتخر به، خاصة في عصره، بالإضافة إلى أن المنطقة حينذاك كانت كما أسلفنا تعج بأجناس وطوائف متعددة، من العرب والعجم على مستوى العالم، وكان الحكم لغير العرب، وهم المماليك، وكان التعصب قائمًا للجنس العربي، ولغيره وللطوائف والفرق، من شيعة علوية، ورافضة، وأشراف، وغيرهم، وما كان يهدأ النزاع إلا ليثور بالفتن والمهالك.
فكان للعراقي مندوحة في عدم إظهار نسبة نفسه الجنس معين، تورعًا عن الفخر وعن الفتن معا، وإن كان ذلك لم يمنعه من إظهار الفضل والمكانة المشروعة للعرب، بمقتضى ما منحهم الله من خصائص، وهو يؤتي فضله من يشاء، كما سيظهر لنا من تحليل كتابه المشار إليه في شأن العرب في موضعه إن شاء الله.
стр. 147
كنية العراقي ولقبه
من تمام التعريف بالشخص وتمييزه عن غيره بيان كنيته ولقبه، حتى إن علماء السنة جعلوا من علومها معرفة الكنى والألقاب للرواة والحفاظ؛ لتمييز مروياتهم ومؤلفاتهم، وألفوا في ذلك مؤلفات عديدة، وقد يشتهر الشخص ويتميز بكنيته أو لقبه أكثر من شهرته وتمييزه باسمه، وفي عصر العراقي كثرت الألقاب والكنى للشخص الواحد، حتى إن الباحث كثيرًا ما يجد صعوبة في استخراج سلسلة نسب الشخص المترجم من بين الكنى والألقاب المذكورة لأفرادها.
لهذا كله لزمنا بعد بيان اسم العراقي ونسبه وأصله، أن نُبَيِّن كنيته ولقبه كما سيأتي، خاصة وأنهما مما يميزانه عن غيره ممن شاركه في النسبة للبلد، أو الفن، وقد كُنِّي العراقي بأبي الفضل (١) وكثيرًا ما يذكره تلميذه الحافظ ابن حجر فيقول: «شيخنا أبو الفضل (٢)» وأشار لها في قصيدته التي رثاه بها بعد وفاته فقال:
فروض العلم بعد الزهو ذاو … وروح الفضل قد بلغ التراقي (٣)
стр. 148
على أن من المتقدمين من كني بأبي الفضل، وقيل له «العراقي» اسما أو نسبة، فذكر في كتب التراجم بأبي الفضل العراقي، وقد فرق الإسنوي بينهم وبين العراقي موضع بحثنا بالزمن، فهم متقدمون وهو متأخر (١).
ومعروف أن الكنية قد تكون حقيقية، وذلك حين يكنى الشخص بابنه أو ابنته، مثل الإمام «أبي حنيفة النعمان» فقد كان له بنت اسمها «حنيفة» فكني بها، وقد لا تكون الكنية كذلك، كما في كنية العراقي هذه، فلم يعرف أحد من ذريته باسم «الفضل».
أما اللقب: فإن للعراقي عدة ألقاب لعدة اعتبارات، فمنها اللقب العادي لمجرد المدح، ومنها اللقب العلمي الدال على مكانته العلمية، ومنها الوظيفي الملقب به باعتبار الوظائف التي تقلدها.
والذي يعنينا هنا هو اللقب العادي أما الباقي فسيأتي في موضعه بمشيئة الله.
ولقب العراقي العادي: هو «زين الدين» (٢) وقد ذكره به تلميذه ابن حجر في رثائه له هو وقرينه سراج الدين البلقيني فقال:
والشمس وهو سراج الدين يتبعه بدر الدياجي زين الدين في الأثر (٣)
стр. 149
وكثيرا ما يتصرف فيه بالحذف فيقال «الزين العراقي» (١) أو بالإضافة فيقال: زين الملة والدين.
تعدد نسبة العراقي واشتباهه في بعضها بغيره واثره، وما يميز به
بعد أن بينا اسم العراقي ونسبه وأصله وكنيته ولقبه يلزمنا أيضا أن نبين نسبته؛ لأنها من عناصر التعريف بالشخص، وكثيرًا ما يعرف بها أكثر من سواها، وكثيرًا أيضًا ما يشترك غير واحد في نسبة معينة، فيقع اللبس بينهم والإشتباه على الباحث. والأمر كذلك فيما يتعلق بالعراقي، فقد تعددت نسبته بتعدد الاعتبارات، واشتهر ببعض النسب، أكثر من شهرته باسمه، وشاركه فيها بعض المتقدمين عليه والمعاصرين له، وترتب على ذلك خلط بعض الباحثين الشرقيين والمستشرقين بين بعض مؤلفاته ومؤلفات غيره، فاقتضى ذلك الإيضاح والتصويب.
وقد تعددت نسبة العراقي على النحو التالي:
١ - وأول ما نبدأ به النسبة التي ارتضاها العراقي لنفسه وهي نسبته إلى علم السنة الذي شغف بحبه، وقضى أغلب عمره عاملا في حقله، فقد عرف نفسه في أول ألفيته في المصطلح فقال:
يقول راجي ربه المقتدر … عبد الرحيم بن الحسين الأثري
وقال في شرحها: «الأثري: بفتح الهمزة والثاء المثلثة، نسبة إلى الأثر،
стр. 150
وهو الحديث»، ثم ذكر أنه اشتهر بها آخرون غيره، كالحسين بن عبد الملك الخلال الأثري (١) من المتقدمين، كما أشار إلى أن نسبة الشخص المفضلة ما أثبتها لنفسه (٢).
وقال السخاوي عن هذه النسبة للأثر: «وحسن الإنتساب إليه ممن يصنف في فنونه» (٣)، وقد قام العراقي بذلك خير قيام كما سيأتي، فحسنت نسبته إليه. ورغم حسن نسبته للأثر بناء على مطابقتها لشأنه، ولاختصاصه العلمي وارتضائه الشخصي لهذه النسبة كما ترى، فإنه لم يشتهر بها، وقل من ذكرها له من المترجمين (٤)، ولا عجب، فالشهرة شيء، والتحقيق العلمي شيء آخر، ولا تلازم بينهما.
٢ - نسبته باعتبار الأصل إلى الأكراد وإلى سيدنا عمر بن الخطاب ﵁، فقيل له: «الكردي العمري» كما قدمنا بيانه.
٣ - نسبته إلى عدة بلاد:
أ - فقيل له «الرازياني» نسبة إلى بلدة (رازيان) التي كانت إقامة أسلافه بها، ومنها هاجر عماه ثم أبوه كما تقدم (٥).
стр. 151
ولذلك يقيده بعض المترجمين فيقول: «الرازياني الأصل» (١) وقد بينا من قبل، خطأ القول بولادته في «رازيان» هذه، وإنما أصل أبيه منها.
ب - ونُسب أيضًا «لإربل» التي تتبعها رازيان كما قدمنا فقيل له «الإربلي» (٢).
جـ - أما النسبة التي طغت على الجميع فهي نسبته للعراق، حيثُ قيل له «العراقي» وتلك أظهر نسبة عُرِف بها (٣)، ولذلك مشينا في بحثنا عموما على ذكره بها، بدلا من ذكره باسمه، مع أنه عند التأمل يظهر أنها أبعد النسب ارتباطًا به، فهو مصري المولد كما ذكرنا، ومصري الإقامة والوفاة والمدفن، ولم يقدر له حتى دخول العراق ضمن رحلاته العلمية، بعد عزمه على ذلك كما سنفصله.
وقد مر بنا أنه عندما نسب نفسه، أعرض كلية عن الإنتساب لأي بلد، كأنما كان ﵀، يعتبر العالم الإسلامي كله وطنه، لا يؤثر نفسه ببلد، منه دون آخر، ولا يقصرها على الإرتباط بقطر واحد من أقطاره، فإن كان ولابد من النسبة، فلتكن إلى العلم الذي عُرِف به ووهب حياته له، وهو علم السنة أو الأثر، فنسب نفسه إليه صراحة كما مر، وهي نسبة لا تدانيها نسبة أخرى، في شرفها وقيامها به، على أن ذلك لا يطعن في ولائه لوطن أبيه.
стр. 152
الأصلي وهو العراق، فقد رأيناه يعزم على الرحلة إليه للعلم، ولا يمنعه إلا خوف الطريق كما سيأتي، ولا في ولائه لموطنه وهو مصر، فقد نظم بعض أبيات تقطر حنينا إليها كما سيأتي.
وقال في نسبة تلميذه ابن حجر «العسقلاني الأصل، المصري الدار» (١) وفي توقيع العراقي بخطه كتب أنه «عبد الرحيم بن الحسين ابن العراقي» أو «عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن ابن العراقي» (٢) وبذلك جعل النسبة للعراق راجعة لوالده الحسين.
أما هو «فابن العراقي» كما ترى. وهذا هو الأقرب للواقع، فالنسبة للعراق قائمة بوالده فعلا، إذ ولد برازيان أحد بلاد العراق، وقضى بها نحو عشر سنوات من عمره على ما تقدم «كما كان بعكس ولده عبد الرحيم، حريصا على كتابة تلك النسبة لنفسه بخطه» (٣).
وتبعه على ذلك حفيده ولي الدين أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين، عندما ترجمه فقال: «جدي أبو عبد الله الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم العراقي» (٤).
وقال ولي الدين أيضًا: إنها نسبة لعراق العرب، وهو القطر الأعم.
стр. 153
المعروف (١)، ويقابله عراق العجم كما أسلفنا.
ومع ارتباط تلك النسبة هكذا بوالده وتمسكه بها، فإنها سرت منه لولده عبد الرحيم، موضوع بحثنا، وصار هو المعروف في الوسط العلمي بالعراقي وإن لم يرتض ذلك شخصيا كما أوضحنا، وانتقال النسبة أو اللقب من الأصول إلى الفروع، أمر معروف وأمثلته كثيرة في عامة كتب التراجم (٢)، بل لم يقف سريان النسبة عند الإبن (عبد الرحيم) وإنما تعداها إلى الحفيد، وهو «أحمد بن عبد الرحيم» الملقب بولي الدين كما في ذكرنا له مرارا، فقد قيل له هو الآخر «العراقي» (٣).
وعلى ذلك يمكننا التفريق بينهما بالكنية أو اللقب، فإذا قيل «أبو الفضل» أو «زين الدين» أو «الزين العراقي» كان المراد الحافظ عبد الرحيم، موضوع هذا البحث، وإذا قيل: «أبو زرعة» أو «ولي الدين» أو «الولي العراقي» كان المراد ولده أحمد، وسيأتي التعريف به في تلاميذ والده بمشيئة الله، وفرق بينهما الشيخ عبد الحي الكتاني بالوصف الزمني فأطلق على عبد الرحيم
стр. 154
«العراقي الكبير» (١) وعلى ولده أحمد «العراقي الصغير» (٢).
ومع هذا فإن من الباحثين من خلط بينهما، فنسب بعض مؤلفات كل منهما للآخر. فـ «ألفية» عبد الرحيم العراقي في غريب القرآن، نسبت في فهرس «مكتبة تيمور» لولده أبي زرعة أحمد بن عبد الرحيم، مع أن النسخة المفهرسة نفسها منسوبة في أولها لعبد الرحيم كما هو الصواب، ثم طبعت الألفية ونُسبت في الطبعة، لأبي زرعة أيضًا كما سنوضحه في محله، وفي كتاب «هدية العارفين» للبغدادي نسب مؤلفه كتابين من مؤلفات عبد الرحيم، لولده أبي زرعة كذلك.
أما كارل بروكلمان ومفهرسو بعض مكتبات تركيا، ودار الكتب المصرية ومكتبة الأزهر، فعكسوا، إذ نسبوا بعض مؤلفات أحمد لوالده عبد الرحيم، كما سنوضحه في موضعه إن شاء الله.
وهناك أيضًا من عُرف بالعراقي غير الحافظ عبد الرحيم، موضوع البحث وابنه أحمد، واشتبه على بعض الباحثين بالحافظ عبد الرحيم، رغم تقدم المشتبه الزمني عنه، وذلك هو: عبد الكريم بن علي بن عمر الأنصاري الشافعي، العلم العراقي المتوفى سنة ٧٠٤ هـ (٣).
فقد عد بروكلمان من مؤلفاته كتاب «الانتصاف من الكشاف» في التفسير (٤)
стр. 155
ثم عده بعد ذلك ضمن مؤلفات الحافظ عبد الرحيم العراقي، ونبه بالهامش على نسبة نفس الكتاب لعبد الكريم العراقي أيضًا (١).
وبذلك يكون مترددًا في نسبة الكتاب لأيهما، والصواب أنه ليس لأي منهما ولكن لابن المنير، أحمد بن محمد المتوفى سنة ٦٨٣ هـ.
والذي نقوله هنا: إنه كما فرقنا بين عبد الرحيم وابنه، يمكن التفرقة بين عبد الكريم هذا وبين عبد الرحيم موضوع بحثنا، باللقب، فعبد الرحيم يلقب بزين الدين ويقال له: زين الدين العراقي أو «الزين العراقي» كما مر. وعبد الكريم، يلقب بعلم الدين، ويقال له «علم الدين العراقي» أو «العلم العراقي».
وجدير بالذكر أن زين الدين العراقي قد ترجم لعلم الدين العراقي هذا في «ذيله على وفيات الأعيان» لابن خلكان، ونسبه للعراق كما ترى في ترجمته التي ذكرتها آنفًا، حيث نقلتها منه نصا، كذلك يمكن التفرقة بينهما بتاريخ الميلاد أو الوفاة إن وجد ذلك.
وبالبحث والدراسة يتبين لي أنه إذا ذكر «العراقي» مقترنا بلقب «الحافظ» فقيل «الحافظ العراقي» كما في عنوان رسالتنا هذه، كان المراد به في الأغلب - إن لم يكن كلية - «عبد الرحيم العراقي» موضوع هذا البحث (٢) وإذا ذكر «العراقي» مجردًا، أمكن الإستعانة في تحديد المقصود به بجهة التخصص.
стр. 156
فالعراقي موضوع بحثنا معروف بتخصصه في علوم السنة رواية ودراية كما بيناها، وولده ولي الدين أبو زرعة أحمد، معروف بتخصصه في الفقه وأصوله.
وعلم الدين عبد الكريم، معروف في مجال التفسير والتصوف والنحو.
فإذا ذكر «العراقي» مجردًا أمكن تمييز المراد به منهم عن طريق صلة السياق الوارد فيه بتخصصه، وهذا أمر أغلبي، وأكثر من يتمكن من التمييز بين الأعلام المشتبهة عمومًا، من عني بتاريخهم وبنتاجهم العلمي، وتلك أحد ثمار إفراد الشخصيات العلمية البارزة الأثر، ببحوث متخصصة، تميز الشخصية وآثارها العلمية، كما في بحثنا هذا، عن الحافظ عبد الرحيم العراقي.
على أنه كان لتوقيعه بخطه أنه «ابن العراقي» كما قدمنا، أثر في تردد بعض من ترجمه في ذكر ما يعرف به، فقال تلميذه تقي الدين الفاسي في ترجمته له «المعروف بابن العراقي» (١).
وقال في ترجمة ابنه ولي الدين أحمد «المعروف والده بالعراقي» (٢).
ثم وجدنا ابنه ولي الدين يوقع بخطه أيضًا هكذا «أحمد بن عبد الرحيم ابن الحسين ابن العراقي» (٣). فكان هذا مما جعل الحافظ ابن حجر يقول في ترجمته «المعروف بابن العراقي» (٤).
ومع هذا نجده يذكر والده كثيرًا في كلامه «بابن العراقي» (٥) حتى قال في
стр. 157
رثائه له:
فيا أهل الشام ومصر فابكوا … على عبد الرحيم ابن العراقي (١).
وقال السخاوي في ترجمة العراقي: «يعرف بالعراقي» (٢) ثم قال في ترجمة ولده أحمد: «ويعرف كأبيه بـ «ابن العراقي»» (٣).
ثم ذكرهما في شيوخ ابن حجر بنسبة «العراقي» (٤) ولكن المشهور في كلامهما وكلام غيرهما إطلاق «العراقي» مجردا على «الحافظ عبد الرحيم» وإطلاق «ابن العراقي» على ولده أحمد «ولي الدين».
وهذا ما نجري عليه في بحثنا هذا تبعا للمشهور.
د - نسب العراقي كذلك إلى «مصر» فقيل له «المصري» (٥) وهي نسبة إلى القطر العام لا إلى مدينة «مصر» المجاورة للقاهرة كما أوضحنا من قبل، وإن كان قد دخل مدينة مصر أيضا لطلب العلم كما سيأتي، بل قال عن نفسه: إنه بات ليلة سبع وعشرين من شهر رجب بجامع عمرو بن العاص (٦)، لكنها
стр. 158
إقامات قصيرة لا تخول نسبته إليها.
أما النسبة إلى القطر العام ففي محلها؛ لأنه نشق أول أنفاسه على شاطئ نيله المبارك، وتوطن به هو وذريته، ولم يغادره إلا راحلا للحج أو المجاورة، أو العمل بالحرمين، أو لطلب العلم، وقد توفي بالقطر المصري، وضم ترابه رفاته، وما زال حفيظا على مثواه للآن، كما سنوضحه، وقد ذكره السيوطي ضمن حفاظ الحديث بمصر عموما (١).
وذكر السخاوي أنه معدود في المصريين، وأن المقريزي قال عنه: «كان للدنيا بهجة، ولمصر به فخر» (٢)، ووصفه غير واحد من معاصريه بـ «حافظ الديار المصرية، ومحدثها وشيخه» ا (٣).
هـ - ونسب أيضا إلى مسقط رأسه «منشأة المهراني» السابق ذكرها، فقيل له «المهراني» (٤) وقيدها بعضهم فقال «المهراني المولد» (٥)، وهي كما ترى نسبة للجزء الثاني من اسم المنشأة المذكورة القريبة من القاهرة، ولكن بعض المحققين غفل عن هذا فقال: «إنها نسبة إلى «مهران»
стр. 159
بالكسر ثم السكون اسم نهر السند» (١).
وهذا تفسير خاطئ، إذ يقتضي أن مولد العراقي عند نهر السند المعروف، والصواب ما قدمته، فَلْيُتَنَبَّه لذلك. ويظهر أن العراقي قد أقام في منشاة المهراني هذه، بعد ولادته، فترة طويلة من عمره كما سنوضحه.
و - نسب العراقي كذلك إلى القاهرة فقيل له «القاهري» (٢) وهي نسبة صالحة من وجهين:
أولهما: أن المنشاة السابق ذكر نسبته إليها، من ضواحي القاهرة، ونسبة الشخص إلى الناحية التابع لها محل ميلاده، جائزة في علم الرجال (٣)
وثانيهما: أنه انتقل من المنشأة إلى الإقامة بظاهر القاهرة مدة، ثم سكن القاهرة نفسها، وتوفي ودفن بها كما سيأتي، ولذا يقول بعضهم بدل «القاهري» «نزيل القاهرة» (٤).
٤ - نسبته إلى مذهب الإمام الشافعي:
ومن النسب الهامة أيضًا لتمييز الشخص عن غيره ممن يشاركه في اسمه أو نسبه أو كنيته أو لقبه، نسبته لأحد المذاهب الفقهية، وخاصة المذاهب الأربعة المعروفة؛ لأن ذلك يساعد الباحث على معرفة مصادر ترجمة الشخص، حيث عني علماء كل مذهب بالتأريخ لعلمائهم، ابتداء من إمام المذهب فما
стр. 160
بعده، فنجد طبقات للشافعية، وأخرى للمالكية، والحنفية، والحنابلة، والزيدية، وغيرهم، كما أن نسبة الشخص لمذهبه لها دخل كبير في تقييم آرائه ومعرفة منازعها.
ثم إننا قدمنا أنه كان في عصر العراقي، لابد من الانتساب لأحد المذاهب الأربعة، بحكم الحاكم، وأن أشهر المذاهب حينذاك وأوسعها نفوذا في موطنه، كان مذهب الشافعي (١)، وكان والده شافعيا، فانتسب هو الآخر لمذهب الشافعي (٢)، ودرسه حتى صار أحد فقهائه وقضاته كما سيأتي، وقد ترجمه في طبقات الشافعية كل من: تقي الدين أحمد بن قاضي شهبة، ومحمد بن أحمد الغزي، كما ترى في إحالاتي المتعددة على كتابيهما، كما أشار له في حياته - تاج الدين السبكي في ﴿طبقات الشافعية الكبرى﴾ بقوله ﴿بعض أصحابنا﴾، وذكره أيضا - في حياته - شيخه الإسنوي، باسمه ملقبا له بالحافظ، وذلك في كتابه ﴿طبقات الشافعية﴾ كما سيأتي توضيحه.
أما المذهب الاعتقادي فلم يعن أحد بنسبته إليه، وإن كان قد ظهر لنا أنه على مذهب أهل السنة والجماعة، كما سيأتي بيانه.
стр. 161
تعقيب:
ولعلي في تلك الفقرات قد وفقت لجمع أطراف الجوانب العامة الكاشفة عن شخصية الحافظ العراقي وتمييزه عن غيره، حسبما ظهر لي بالبحث والاستنتاج والدليل، بحيث يخرج القارئ الكريم من تلك المشخصات بتصور عام، مميز لشخصية العراقي، حتى يتسنى له على ضوء ذلك الدخول معي في أعماق شخصيته، وإدراك جوانبها التفصيلية المتكاملة، كما تتجلى بعون الله في القسم التالي وما بعده.
١ - نشأة العراقي ومؤثراتها، وتصحيح خطا القول بأنه نشأ يتيما
نشأ العراقي نشأة مُتسقة، توفّر له فيها أهم العوامل التي قرر الباحثون قديما وحديثًا أثرها الفعال في تكوين الشخصية السوية المتكاملة الرائدة، سواء البيئة الطبيعية، أو الوراثة، أو البيئة الأسرية، أو الاجتماعية، أو العلمية، أو الميول والمواهب الشخصية.
فالبيئة الطبيعية الحسنة توفرت له؛ حيث ولد كما تقدم في ضاحية جميلة على شاطئ النيل، حيث الهواء الطلق، والماء العذب، والخضرة والبساتين الجميلة اليانعة التي تسر النظر وتبهج النفس، وتفيض بخيراتها على الجميع، وحيث العمران الجديد المنتظم.
كما كانت مصر كلها عند ولادته ونشأته، في أحسن أحوالها، رخاء واستقرارًا، فكان لذلك كله أثره الفعال في تكوينه ونشأته صحيح الجسم معتدل الطبع سليم العقل والحواس، رغم تعميره فوق واحد وثمانين عاما، ومما يدل على تأثره بتلك الطبيعية الجميلة ومن فيها، حنينه لها حين ابتعد عنها في بعض أسفاره، فانطلقت شاعريته - وهو عالم السنة - بقوله:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة … بمصر ففيها من أُحِبُّ نُزُول
وهل أردن يوما موارد نيلها … وهل يبدون لي روضة ونخيل (١)
стр. 164
ومن ناحية عامل الوراثة، فقد قدمنا أنه ينحدر من أسرة عريقة في الصلاح والتقوى والعلم، كما كانت البيئة الأسرية التي تربى فيها، والمكونة من والديه على نفس النمط، فوالديه كما ذكرنا كانا متوافقين، ووالده جمع بين العلم والعمل الصالح حتى كان قدوة تحتذى، بحسب عصره، ووالدته كانت صالحة عابدة صابرة قانعة كثيرة التقرب إلى الله بعمل الخير.
ومن ناحية البيئة الاجتماعية فقد كانت على نفس منوال والديه، فحياة والده كما سلف انحصرت بين خيرة الناس من أهل العلم مع عدم المخالطة لغيرهم إلا لضرورة، وقد كان يصطحب معه ولده عبد الرحيم منذ صغره في مسرح حياته هذا، فكان يحضره كثيرا عند الشيخ تقي الدين القنائي حيث يعمل بخدمته فكان الشيخ يلاطفه ويكرمه، وعادت بركته عليه كما كان جلساؤه من أهل العلم والتقوى (١) كما ذكر العراقي عن نفسه حضوره مجالس الوعظ وهو في الثانية عشرة من عمره تقريبا (٢).
ومن يتأمل عامة جوانب شخصية العراقي واتجاهاته وآثاره يجد أنه كان لتلك العوامل الوراثية والبيئية أثرها الطيب في تشكيل شخصيته فكان نموذجا صالحا لوطنه ولأسرته ووالديه ومجتمعه وتأهل بذلك للريادة والتأثير.
أما البيئة العلمية: فقد بينا في حالة العصر أن مسرح حياة العراقي وهو مصر والشام والحجاز كان بوتقة العلوم الإسلامية خاصة علوم السنة حتى كان النهوض بها يكاد ينحصر في تلك المراكز الثلاثة، وقد سجل العراقي نفسه
стр. 165
ذلك في بعض مؤلفاته (١)، وتوفر لطالب العلم فيها المؤونة وأماكن الدراسة والأساتذة والمراجع مجانًا. فتهيأ للعراقي بذلك وسائل العلم وتوفرت مصادره لينهل منها ما يشاء.
على أن تلك العوامل كلها لا يتحقق تأثيرها ولا تؤتي ثمارها، ما لم يكن الشخص المحاط بها لديه الميل النفسي إلى التأثر بها والاستفادة منها في بناء شخصيته، وما لم يتمتع بالإستعدادات والمواهب التي تمكنه من استيعاب ما حوله من إمكانيات ومؤثرات، والتفاعل معها أخذا وعطاءً.
وقد منح الله العراقي من الطاقة البدنية والميل النفسي والمواهب العقلية ما مكنه من ذلك كما سيتضح ذلك في الفقرات التالية بعون الله.
وقد نشأ العراقي في هذا الجو الطبيعي والوسط العائلي والاجتماعي والعلمي، على الخلق الفاضل والصلاح والعبادة والاجتهاد في طلب العلم، وتربى في كنف والده ورعايته، حتى شبَّ وتعلم وصار رجلاً عالماً.
وينفرد ابن فهد من بين أوائل المترجمين للعراقي بقوله: إن والده توفي وهو في الثالثة من عمره (٢) وتبعه على ذلك غير واحد حتى عصرنا الحاضر، وقرروا: أن العراقي قد نشأ يتيما، وقد تبين لي أن ما ذكره ابن فهد خطأ صريح، وتوفر لدي على خطئه عدة أدلة، من بينها الآتي: أولا: أن الحافظ العراقي في تكملته لشرح الترمذي حكى حكاية طويلة قالها له والده قبل وفاته، فقال: وأخبرني والدي ﵀ قال: أمرني السيد
стр. 166
الشريف تقي الدين محمد بن الضياء جعفر بن محمد بن عبد الرحيم القنائي ﵁ أن أشتري له أضحية، فذهبت إلى الجيزة فاشتريت له بقرة، فلما جئت بها إليه إذا هي تصيح ونحن نسأل عن سبب ذلك، فقيل له: إنه كان لها ولد ففرق بينه وبينها، فشق عليه ذلك، وأمرني أن أذهب فأشتري ولدها، فذهبت إلى الجيزة فسألت عن الذي باعها فجئت إليه فإذا هو قد باع ولدها ببلد آخر، فذهبت إلى تلك البلد واشتريت ولدها، فجئت به فلما رأته أمه ورآها حصل لهما بالاجتماع ما نشاهد في البهائم من الحنو والشفقة، فحصلت للشيخ عَبْرَة وَرِقَة، ولم يختر التضحية بها، وأمرني فاشتريت أضحية أخرى بغير ولد فذبحت له وتركت البقرة وولدها عنده حتى كبر، وكانت عنده رقة شديدة ورحمة لسائر خلق الله (١).
وفي هذه الحكاية كما ترى طول وتفصيل وتحديد أماكن وأوقات وأصناف وقد ذكر أن والده أخبره بها، والكتاب الذي أوردها فيه، ألفه بعد سنة ٧٦٣ هـ كما سيجيء.
وكون والده كما يقول ابن فهد قد توفي وهو في الثالثة من عمره، أي سنة ٧٢٨ هـ لأن العراقي ولد سنة ٧٢٥ هـ كما عرفنا، يقتضي هذا أن العراقي سمع الحكاية من والده وهو طفل قليل الاستيعاب، ثم مضى على سماعه لها أكثر من ثلاثين عامًا حتى سجلها في الكتاب، وليس من المعقول أن يستوعب طفل في الثالثة تلك القصة، ثم تظل عالقة بذهنه بطولها وتفاصيلها الدقيقة التي أوردها ثلاثين عاما.
стр. 167
ثانيا: أن ولي الدين ابن العراقي قد ترجم ابن عم له فقال: ومات بالقاهرة في رجب سنة ٧٢٢ هـ ابن عمي برهان الدين أبو إسحاق إبراهيم ابن محمد بن الحسين بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن إبراهيم ابن العراقي، مولده في العشر الأخير من شهر رمضان سنة ٧٤٩ هـ ومات أبوه وهو طفل ورباه جده ووالدي (١).
ومن ذلك يظهر أن الجد وهو والد العراقي كان موجودًا بعد سنة ٧٤٩ هـ التي ولد فيها برهان الدين المذكور، وعاش حتى شارك ولده العراقي في تربية برهان الدين، وكان العراقي حينئذ في الرابعة والعشرين من عمره تقريبا.
فكيف يكون والده توفي وهو في الثالثة من عمره؟
ثالثا: أن ولي الدين قد ترجم أيضا جده وحدد وفاته بعاشر صفر سنة ٧٦٣ هـ وقرر أن ولده عبد الرحيم سمع عنه الحديث (٢) وهذا معناه أن العراقي حين وفاة والده كان رجلًا في نحو الثامنة والثلاثين من عمره لا طفلا في الثالثة، كما ذكر ابن فهد، ويتضح منه أن العراقي لم ينشأ يتيما بل نشأ وتربى في حياة والده، وأن والده لم يكتف بتوجيهه للعلم؛ بل أسهم بنفسه في إسماعه الحديث بسنده، وعاش حتى رأى ولده عبد الرحيم قد تزوج وولد له وتخرج في علوم السنة وألف فيها كما سيأتي، وصار رجلًا تقر به العين. ولعل هذه الأدلة تقطع بخطأ قول ابن فهد المتقدم، وما ترتب عليه كلية، ثم إنه أتبع هذا الخطأ مباشرة بخطأ آخر، حيث ذكر أن العراقي كان كثير
стр. 168
الكون، أي التواجد بعد وفاة والده عند الشيخ تقي الدين القنائي (١) بينما الشيخ تقي الدين توفي قبل والد العراقي بنحو ٣٥ عاما، فقد ذكرنا أن والد العراقي توفي سنة ٧٦٣ هـ في حين أن الشيخ تقي الدين توفي في ١٤ جمادى الأولى سنة ٧٢٠ هـ على الراجح كما قدمنا، فيكون والد العراقي هو الذي عاش بعده تلك الفترة المتطاولة وربى ولده عبد الرحيم وغيره كما أوضحنا.
ويظهر أن ابن فهد لم يطلع على ما قدمته من الأدلة على هذين الخطأين، مع أنه عاصر أواخر أيام العراقي، واستجازه رواية الحديث من مكة، فكتب له العراقي بذلك من مصر (٢) ثم تتلمذ لولده ولي الدين أبي زرعة ورفيقه نور الدين الهيثمي (٣) وهما أعرف الناس بتفاصيل حياته.
وتعتبر ترجمة ابن فهد للعراقي من أوفى وأوسع تراجمه، وقد استفدت منها ما لم أستفده من غيرها، لكن لكل عالم هفوة أو هفوات، لا ينبغي أن تذهب بمحاسنه وجهوده.
وقد تابع ابن فهد على هذين الخطأين بعض المحققين والناشرين لمؤلفات العراقي في مقدماتهم مما أدى لانتشارهما (٤) فليتنبه لذلك.
ويعتبر بحثي هذا فيما أعلم، أول مصدر يثبت هذين الخطأين ويدلل عليهما.
стр. 169
بالأدلة القاطعة مع بيان الصواب، وذلك توفيق الله وحده، ودليل على جدوى بحث المتأخرين وضرورته، رغم جهود المتقدمين التي لا تنكر.
حياة العراقي الزوجية والأسرية وأثرها في السنة
من المعروف أن الجانب العلمي في حياة العراقي هو المطلوب الأساسي في بحثنا، لكن من المعروف أيضًا أن جوانب حياة الشخص تتشابك ويتصل بعضها ببعض بحيث تبدو الشخصية مستورة أو غامضة إذا تركت بعض جوانبها بعيدة عن الضوء ولو بصفة موجزة.
ومن جهة أخرى فإن الجانب الأسري من حياة العراقي له نصيب في أثره في علوم السنة فقد وجدناه ينشئ أسرته على محبة السنة وسماعها حتى كان من ذريته ثلاثة من تلاميذه فيها، وقاموا بإسماعها وتعليمها كما سنوضحه، وذلك بلا شك من خير آثاره في نشر السنة وعلومها.
لذا كان تناول هذا الجانب من حياة العراقي له أهميته ودخله في موضوعنا. وقد تبين لي أن انهماك العراقي في تحصيل العلم كان مما شغله عن التبكير بالزواج، ذلك أن البحث الدائب أوقفنا على أن أكبر أولاده هو ولي الدين أبو زرعة أحمد، وقد أرّخ العراقي بنفسه مولده في ثالث ذي الحجة بعد صلاة الصبح سنة ٧٦٢ هـ (١)، ثم ذكر أحمد في ترجمة أمه أنها مكثت في صحبة والده أكثر من ٢٥ سنة، ثم توفيت بظاهر القاهرة يوم الجمعة ٢١ صفر سنة ٧٨٣ هـ وهي شابة، جاوزت الثلاثين بيسير (٢).
стр. 170
فإذا طرحنا العشرين سنة من تاريخ وفاتها ومن عمرها الكلي الذي يزيد يسيرًا عن ٣٠ عامًا كما يقول ولدها، ظهر لنا أن العراقي تزوجها قبل سنة ٧٦٢ هـ بفترة يسيرة، وسنة ٧٦٢ هـ هذه هي التي ولدت في نهايتها وَلَدَها «أحمد»، وتلك الفترة اليسيرة يمكن حصرها بين سنتي ٧٦٠ هـ، ٧٦١ هـ تقريبا، حتى تكون في أقل سن مناسب للزواج، ثم الحمل والولادة لابنها أحمد آخر سنة ٧٦٢ هـ كما ذكر، ويقوي هذا قول ابنها أحمد أيضًا: إن والدها توفي عنها وهي صغيرة فتزوجها والدي يتيمة (١).
وعلى ضوء ذلك التقدير التقريبي لزمن زواج العراقي، يظهر لنا أن والده قد أدرك زواجه وميلاد ولده أحمد لتأخرهما عن تاريخ وفاته كما تقدم.
كما يظهر لنا أن العراقي قد تزوج في نحو السادسة والثلاثين من عمره، بينما كانت الزوجة فوق العاشرة بيسير، ويعتبر علماء الاجتماع في عصرنا، هذا الزواج غير متكافئ من جهة التفاوت الكبير بين سن الزوج والزوجة، بينما نجحت زيجة العراقي واستمرت في وئام حتى وفاة الزوجة كما سلف، ولعل ما سنذكره من حسن أخلاق الطرفين كان عاملا مهما في ذلك.
ويظهر لنا من تاريخ زواج العراقي أيضًا أنه قد تخرج قبله في علوم السنة وألف فيها بعض مؤلفاته؛ لأن شيخه الذي تخرج به في علوم السنة قد توفي سنة ٧٥٠ هـ وفرغ هو من تسويد التخريج الكبير لأحاديث إحياء علوم الدين للغزالي سنة ٧٥١ هـ كما سيأتي.
وخير من يعرفنا بزوجة العراقي ابنها ولي الدين أحمد، حيث قال بعد ذكر
стр. 171
تاريخ ومكان وفاتها المتقدمين: «والدتي أم أحمد عائشة بنت طغاي العلائي تغمدها الله برحمته، ماتت مطعونة حاملاً، فحصلت لها الشهادة من وجهين (١) ولقنها والدي ﵀ سيد الاستغفار، فقالته ثم ماتت ودفنت قبل صلاة الجمعة، وراء الخانقاة الدوادارية، وكانت سليمة الصدر حسنة العشرة والأخلاق، كثيرة الإحسان».
وَذَهَبَتْ مع والدي إلى الشام في رحلته الأخيرة إليها سنة ٧٦٥ هـ وسمعت الحديث بدمشق، ولم تُحدّث، وحجت أربع حجات وجاورت بالحرمين غير مرة، وكان أبوها من أجناد «أرغون النائب» (٢) وتوفي عنها وهي صغيرة، فتزوجها والدي يتيمة (٣).
ومن هذا التعريف نعلم أن زوجة العراقي هذه ليست مصرية الأصل، وإنما هي ابنة أحد الجنود المماليك، ونعلم أنها توفيت بسبب وباء الطاعون الذي اجتاح مصر في ذلك الأوان، ونعلم كذلك أنها كانت زوجة صالحة حسنة الأخلاق وحسنة العشرة لزوجها، رغم تفاوت السن الكبير بينهما كما أوضحنا.
كما نعلم أنها رافقت زوجها في رحلاته للحج، وطلب العلم وأنه عني بتعليمها، وخاصة علم الحديث الذي هو مجال تخصصه، وإن لم يتح لها أن تنشر ما تعلمته، ثم كانت محل اهتمامه ووفائه، حيث ظل بجانبها وهي في النزع الأخير يلقنها الاستغفار، حرصا على حسن ختام حياتها، كما حرص
стр. 172
من قبل على تعليمها وتثقيفها بالثقافة الإسلامية الصحيحة، وهكذا فليكن الرجال المؤمنون، والعلماء العاملون مع زوجاتهم، حتى تتكون الأسر الناجحة، وتستقر على أساس العلم والدين والأخلاق، فتخرج لنا أجيالا نافعة يباهي بها في الدنيا والآخرة.
ويظهر لنا من اختيار العراقي لزوجته ابنة الجندي عادي، مع كونها يتيمة وعكوفه على تربيتها، قناعة نفسه وتقديره للمعاني الإنسانية، ولو أنه تطلع للزواج كوسيلة للجاه أو المآرب الدنيوية؛ لما ارتبط بمثل تلك الزوجة بأي حال، وقد اتفقت المراجع على أن العراقي كان ضيق العيش (١).
ومع ذلك وصف لنا أحمد أمه هذه بأنها كانت كثيرة الإحسان، وفي هذا دلالة على أن قلة إمكانيات العراقي المادية، لم تكن تحمله على التضييق عليها أو منعها عن الإحسان بما تستطيع، كما أن في ذلك أيضا دلالة على قناعتها وكرم نفسيهما؛ حيث يؤثران الإحسان على مطالب النفس.
وقد عرفنا من ذرية العراقي غير ولده أحمد أبي زرعة المتقدم، ولدا آخر يسمى (محمدا)، ويكنى أبا حاتم ولد سنة ٧٧٠ هـ، حيث أثبت على نسخة من كتاب «المحدث الفاصل» للرامهرمزي إسماعه للكتاب وهو في الرابعة من عمره على بعض شيوخ والده وتاريخ ذلك سنة ٧٧٤ هـ (٢).
وعرفنا أيضا كبرى بناته التي تزوجها رفيقه نور الدين الهيثمي كما سيأتي
стр. 173
وتُدعى «خديجة» (١)
كما عرفنا ابنتين أخريين: إحداهما تُسمَّى (زينب) والأخرى تُسمى «جويرية» (٢) وهي أصغر من أحمد ومحمد وخديجة.
ومن تاريخ ميلاد محمد وجويرية ظهر لي أنهما من امرأة أخرى تزوجها العراقي بعد وفاة امرأته السابقة أم أحمد، وذلك أن جويرية كما يقول السخاوي ولدت قبل سنة ٧٨٨ هـ تقريبا (٣).
بينما يقطع السيوطي بأنها ولدت آخر سنة ٧٩٢ هـ (٤) وزينب ولدت كما حدد السخاوي قبيل الصبح ليلة ١٢ ذي الحجة سنة ٧٩١ (٥) وحدد السيوطي بذي الحجة سنة ٧٩٢ هـ (٦) وكل التواريخ المذكورة كما نرى متأخرة عدة سنوات عن تاريخ وفاة زوجة العراقي الأولى كما قدمناه، ولم يوقفني البحث على معلومات عن تلك الزوجة الثانية، بل لم يتعرض من ترجموا للعراقي لبيان تعدد زواجه هذا، وإنما هو استنتاج من جانبي بدليله المتقدم.
وقد ترجم العراقي نفسه لولده أحمد كما ترجمه غيره، وترجم السخاوي والسيوطي ابنتيه المتقدمتين، ولما كان الثلاثة من تلاميذ والدهم فسنرجي التعريف بهم إلى موضعه، ونكتفي هنا بالقول: بأن العراقي كما عني بزوجته.
стр. 174
السابقة، تربية وتعليمًا، فقد عني بأولاده كذلك، واشتدت عنايته بأحمد حتى تخرج في الحديث على يديه وصار خلفًا له في حمل راية السنة، وامتدادًا كبيرًا لأثره فيها، أما محمد الذي أسمعه في صغره أيضًا، فيظهر أنه توفي مبكرًا حيث لم يظهر له ذكر كأخيه أحمد.
كما أَسْمَع كُلًّا من زينب وجويرية الحديث منه ومن غيره، وقد حدثتا، كما سنوضحه. ولا شك أنه بذلك قد قام نحو أسرته بواجب الأب ورب الأسرة المسلم، فضلا عن العالم، على الوجه الذي يجعله قدوة صالحة ونموذجًا ينبغي أن يحتذيه من بعده. ونسأل الله توفيقنا لذلك.
توثيق العراقي من خلال أوصافه الظاهرية ومواهبه العقلية وعقيدته وأخلاقه
أ - أوصافه الظاهرية:
يَعُدُّ الباحثون أوصاف الشخص البدنية الظاهرة، من عناصر تكامل شخصيته وطبعه (١) ولا شك أن لها دخلا في نشاط الإنسان وجهوده في الحياة، ولذا عني المؤرخون للأعلام، وخاصة في العصر الحديث ببيان ما تيسر لهم من أوصاف الشخص المدروس وآثارها.
على أن علماء رجال السنة كانت لهم الريادة في هذا، فقد عنوا منذ فجر الإسلام بتدوين كثير من تلك الأوصاف بدقة، حتى صفة الملبس والمأكل، لدخولها في توثيق الرواة وتجريحهم (٢)، وبالتالي قبول مروياتهم أو ردها، أو المفاضلة بينها، لهذا كله، اهتممنا ببيان ما وصل إلينا من أوصاف العراقي.
стр. 175
الظاهرية، لدلالتها على تكامل شخصيته وتوثيقه، وقد كانت أوصافه تلك مما لفت انتباه تلاميذه، فسجلوها ضمن جوانب شخصيته، وعنهم أخذ من ترجمه بعدهم، مع العزو أو بدونه.
فقال ابن تغري بردي: أخبرني غير واحد من تلامذته أنه كان معتدل القامة، للطول أقرب، مليح الوجه، منور الشيبة، كث اللحية (١)، وذكر نحو ذلك غير واحد ممن عاصره أو لقي بعض تلاميذه، كابن قاضي شهبه (٢) وكعلي بن خطيب الناصرية، وفي عبارته: أن العراقي ﵀ كان منور الوجه حسن الشيبة (٣) وذكر نحوها شهاب الدين ابن حجي شيخ الشام في عصره (٤) وشهاب الدين الغزي من بعده (٥).
وقال ابن حجر تلميذ العراقي الملازم له: وكان الشيخ منور الشيبة جميل الصورة (٦).
وقال سبط ابن العجمي تلميذ العراقي الملازم له أيضًا: إنه كان حسن الشكل ظاهر الوضاءة كأن وجهه مصباح (٧).
أما أحمد بن العراقي فيعطينا تقريرًا عن الصحة العامة لوالده، حيث يذكر أنه
стр. 176
سمع والده غير مرة يحكي أنه في شبابه أصابته حمى، فذهب إلى النيل وانغمس فيه وهو مستقبل جَرْيَةَ الماء، عملا بحديث «إذا أصاب أحدكم الحمى … فليستنقع في ماء جار، وليستقبل جريته» الحديث (١).
فأقلعت عنه الحمى ولم تعد له بعد ذلك. قال أحمد: وقد توفي والدي ﵀ ولي من العمر أكثر من ثلاث وأربعين سنة، ولم أفارقه إلا مدة إقامته بالمدينة الشريفة وهي ثلاث سنين، ومدة رحلتي إلى الشام، وهي دون ثلاثة أشهر، فلم أره حُم قط، حتى ولا في مرض موته، إنما كان يشكو انحطاط قواه، وكان قد جاوز إحدى وثمانين سنة، وذلك بحسن مقصده وامتثاله أمر النبي ﷺ بجد وتصديق وحسن نية (٢). ومن هذا نعلم أن العراقي تمتع في عموم حياته بالصحة والمناعة ضد الحمى وغيرها من الأوبئة التي تعدد انتشارها في مصر والشام والحجاز كما أوضحنا في حالة العصر. وكما رأينا في وفاة زوجته الأولى بين يديه بوباء الطاعون الذي اجتاح مصر سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة للهجرة، ومن قبلها سنة تسع وأربعين وسبعمائة هجرية كما أرخه العراقي بنفسه فيما سيأتي من مؤلفاته، وكان الموتى لا يحصون كثرة ولم تكن أمصال التطعيم المعروفة حاليًا موجودة حينذاك، واحتمل أيضا ما تكرر من مجاعات حتى في سنة وفاته، وخرج من كل ذلك سليما معافى بفضل ما منحه الله من بنية صحيحة قوية، تحملت الجوع وقاومت الأمراض العاتية والأوبئة المتعددة، فظل ناعما بصحته وحواسه، خاليا من العلل المزمنة.
стр. 177
إلى آخر حياته بحيث لم يشك إلا عوارض الشيخوخة المعتادة من انحطاط القوى؛ لمجاورته الثمانين كما تقدم.
على أن ذلك لا يعني سلامته المطلقة من الوعكات العارضة، كما يفهم من قول تلميذه ابن فهد أنه كان شديد الاحتراز في الطهارة بحيث يناله بسببها مشقة شديدة لا يصده عن ذلك مرض ولا غيره ..
وله في ذلك أحوال عجيبة لا يخل بها في حضر ولا سفر ولا في صحة ولا مرض (١). لكن لم يذكر هو ولا غيره إصابة العراقي بمرض عضوي معين أو علة مزمنة.
ومن مجموع ما تقدم يظهر لنا تمتعه بجمال واعتدال الهيئة، وبالطول وتناسق الأعضاء، وسلامة البنية والحواس، خاصة السمع وطلاقة اللسان، كما ستأتي في مواهبه.
فكان هذا مما مكنه من النهوض برسالته الحياتية والعلمية الشاقة على خير وجه؛ من التعلم والتعليم والرحلات المتعددة في ذلك، عبر الصحاري والبحار بوسائل عصره البدائية (٢)، ورعايته لأسرته وقيامه بمشاق الاطلاع والتدريس والتصنيف والقضاء وغير ذلك مما سيأتي.
كما أن ما عُلِم من سلامة سمعه ونطقه يُعدُّ من صفات توثيقه في جهة تخصصه باعتباره راويًا للحديث ومؤديًا له، ويعد ضد ذلك: من ثقل السمع وعيوب النطق المؤثرة، ضمن صفات التجريح للراوي والمحدث، لما يترتب.
стр. 178
عليهما من خطأ تحمل المرويات وأدائها (١).
وقد حرص العراقي نفسه على إثبات ذلك لبعض من ترجمهم من شيوخه وغيرهم في مؤلفاته الآتية في محلها بمشيئة الله، ومثله فعل ابن حجر بالنسبة لغير شيخه العراقي ممن ترجمهم في مؤلفاته في علم الرجال.
ب - مواهبه العقلية:
كما تمتع العراقي بجمال الصورة وسلامة الجسم والحواس، تمتع أيضًا بالقوى والمواهب العقلية النادرة، فانطبق عليه القول: بأن العقل السليم في الجسم السليم.
وقد أدرك ذلك أوائل شيوخه وأبرزهم، وسجلوا إعجابهم وتقديرهم، قبل أن يسجل ذلك تلاميذه، ولا شك أنهم جميعًا ألصق من تعامل معه فكريًا من بدء حياته إلى نهايتها، بحيث يعد حكمهم أصدق مقياس لعقلية العراقي وقواه الذهنية، وخير توثيق له.
فقد قال شيخه عبد العزيز بن جماعة عند توجيهه للتخصص في علوم السنة: «أنت متوقد الذهن (٢)، أو أراك متوقد الذهن، جيد القريحة فاصرف نفسك للحديث» (٣).
أما شيخه في الفقه والأصول عبد الرحيم الإسنوي فكان يصغى لمباحثه في الأصول ويقول: «إن ذهنه صحيح لا يقبل الخطأ،
стр. 179
ويثني على فهمه ويمدحه» (١)
ووصفه شيخه في الحديث: تقي الدين السبكي، بالفهم (٢). وشيخه العلائي بالفهم والحفظ (٣).
أما تلاميذه، فمنهم ابن حجر العسقلاني المعروف بنقد شيوخه، وقد قال عن شيخه العراقي: وكان مع ذكائه سريع الحفظ جدا.
ومما مَثَّلَ به لحفظه في بداية حياته العلمية ما ذكره له شيخه العراقي عن نفسه أنه حفظ من كتاب الإلمام (٤٠٠) سطر في يوم واحد (٤).
ومما مثل به لحفظه في أواخر حياته قوله عن أماليه: (وكان الشيخ يمليها من حفظه متقنة محررة مهذبة) (٥).
وهذا يدل على تمتعه بذاكرة جيدة، خالية من الاختلاط والغفلة، خلال حياته العلمية حتى أواخرها، ولم يكتف ابن حجر بوصف شيخه بالذكاء العادي. بل قال: «وكان مفرط الذكاء» (٦).
وقال سبط ابن العجمي تلميذ العراقي أيضًا: (إنه كان ذهنه في غاية الصحة) (٧).
стр. 180
ثم قال ابن حجر في رثائه له:
وذهن كاشتعال النار لكن … أمنا مع نداه من احتراق (١)
ويتضح لنا أهمية ذلك حين نعلم أنه أثبت لغير واحد من شيوخه ضد ما تقدم، وخاصة في كتابه «الجمع المؤسس».
وقال تلميذ العراقي أيضا ابن فهد: «وكان له ذكاء مفرط وسرعة حافظة» (٢) كما سيأتي عن غير واحد من شيوخه وتلاميذه تلقيبه بحافظ عصره عموما، ويتجاوز الأمر الشيوخ والتلاميذ على تنوع اختصاصهم وسعة آفاقهم، فيقول الإمام المناوي: «وكان مفرط الذكاء جدا، بحيث يضرب به المثل في ذلك» (٣).
ومن مجموع ذلك يتضح لنا: أن الله تعالى قد وهبه عقلية واستعدادات متكاملة، قوامها حدة الذكاء، وجودة القريحة، وصحة الذهن، وقوة الذاكرة والفهم، وهذا من السمات الدالة على تكامل شخصية العراقي، كما يقرر علماء النفس (٤)، ومن عناصر توثيقه باعتباره حافظا للسنة وراويا لها كما يقرر علماؤها (٥)، وبواسطة تلك المواهب والقوى أتيح له بناء نفسه بناء سليما، ووصوله لمكان الريادة في رسالته العلمية، وخاصة حفظ السنة ونشر علومها، حتى حازت كفاءته إعجاب أساتذته وطلابه معا ثم من تلاهم.