← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 30167

الحافظ العراقي وأثره في السنة

أحمد بن معبد عبد الكريم

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

بعض السنوات التي ذكر أهم حوادثها، لم يزد ما ذكره على سطر واحد، ثم انتقل إلى ذكر الوفيات (١)، ولهذا عد شهاب الدين ابن حجي هذا الذيل من ضمن كتب الوفيات، لغلبتها في محتواه (٢)، وأوسع ما ذكر من الحوادث في «منتقى ابن خطيب الناصرية» هو حوادث سنة ٧٤٢ هـ حيث قال العراقي: «فيها ثار قوصون ومن معه على الملك: المنصور أبي بكر وعزلوه، وأقاموا أخاه (كجك) وهو صغير، فأقام قليلًا، ثم قام عليه الأمراء والعوام، فأمسك، ونهبت داره شر نهبة، وذهب «الطنبغا» نائب دمشق، وطشتمر حمص أخضر، نائب حلب، وقطلوبغا الفخري، إلى الملك الناصر أحمد بن الناصر محمد، فأخذوه من الكرك وتوجهوا به إلى مصر، وبويع له بالمملكة، وناب عنه طشتمر حمص أخضر، فأقام مدة وأخذ ما في الخزائن من الأموال، وسافر إلى الكرك، ومعه طشتمر وقطلوبغا الفخرى، فقتلهما هناك، وجرد الأمراء التجاريد إلى الناصر أحمد، حتى قبضوا عليه، وسلطنوا بمصر أخاه الملك الصالح إسماعيل، وكان من خير الملوك» (٣). وعندما نقارن هذا الذي ذكره العراقي من الحوادث في تلك السنة، بما ذكره مثيله الحسيني، نجد بينهما اختلافًا بالزيادة والنقص، واختلافًا فيما اتفقا في ذكره من الحوادث، فقد زاد الحسيني تحديد تاريخ أغلب الحوادث التي ذكرها، ومن ضمنها ما ذكره العراقي بدون تحديد تاريخ، كما مر ذكره، كما حدد مدة حكم كل من الملك المنصور أبي بكر، وأخيه كجك، بينما لم يحدد

стр. 1157

العراقي مدتيهما، والتحديد عموما أفضل، كذلك زاد الحسيني من الحوادث وقوع مبايعة الخليفة العباسي، والحاكم بأمر الله أبي العباس أحمد بن المستكفي بالله، وقَبْضِ السلطان الملك المنصور أبي بكر على الأمير سيف الدين بشتك الناصري، ومصادرة أمواله، ووافقه في هذا ابن تغري بردي (١). أما العراقي فزاد ذكر تجريد التجاريد، أي إرسال الفرق الحربية، إلى الناصر أحمد بعد ذهابه إلى الكرك، والقبض عليه وعزله وتولية أخيه الملك الصالح إسماعيل بدله، بينما لم يذكر الحسيني ذلك، ولكني وجدت ابن تغري بردي ذكر هذه الحوادث ضمن حوادث سنة ٧٤٣، لا سنة ٧٤٢ هـ كما ذكر العراقي، وحدد ابن تغري بردي خلع الملك الناصر أحمد بـ ٢١ محرم سنة ٧٤٣ هـ وجلوس الملك الصالح إسماعيل على تخت الملك يوم ٢٢ محرم سنة ٧٤٣، أما القبض على الملك الناصر أحمد فحدده بـ ٢٢ صفر سنة ٧٤٥ هـ (٢) وعليه فإن ذكر العراقي لهذه الحوادث في سنة ٧٤٢ هـ خطأ أو استطراد، والصواب عدم ذكرها، كما فعل الحسيني، وهذا يفيد عدم اعتماد العراقي على الحسيني بصفة أساسية، وعدم متابعته له فى كل ما ذكره، وأيضا ذكر العراقي أن الملك الناصر أحمد عند سفره للكرك اصطحب معه طشتمر وقطلوبغا الفخري بينما ذكر الحسيني أنه اصطحب معه طشتمر فقط مقبوضًا عليه، ووافقه على هذا ابن تغري بردي، (٣) أما قطلوبغا الفخري، فكان قد ولاه نيابة دمشق، وخرج إليها قبل سفر الملك الناصر، فلما خرج الناصر

стр. 1158

أرسل إلى قطلوبغا من قبض عليه وهو في الطريق قبل أن يصل دمشق وأتى به إليه (١) هذا بالنسبة إلى الحوادث أما بالنسبة للتراجم فقد رتبها العراقي حسب أسبقية الوفاة بحيث يذكر من توفي في المحرم قبل من توفي في صفر، وهكذا، بخلاف الذهبي في الأصل وهو «العبر» حيث رتب التراجم على حروف المعجم ليسهل الكشف منه (٢) ولو أن العراقي فعل مثله لكان أجود لتسهيل الكشف عن الشخص، والمناسبة الأصل. ثم إن العراقي في معظم التراجم عنى بذكر العناصر المطلوبة، من اسم الشخص ونسبه ثلاثيا، في الغالب، ونسبته وكنيته ولقبه، وخصوصا العلمي، وقد لاحظت أنه التزم في سياق هذه العناصر بالترتيب المطابق لقاعدة المؤرخين السابق ذكرها في مبحث رجال تقريب الأسانيد، فيقول مثلا: «في ترجمة محمد بن علي بن أيتك: الشيخ المحدث المفيد شمس الدين محمد بن علي بن أيتك المغيثي الحنبلي (٣) وقد قدمت أنه لم يلتزم بهذه القاعدة في رجال تقريب الأسانيد ومما عنى به أيضا من عناصر الترجمة المطلوبة وخاصة عند المحدثين، بيان أهم شيوخ الشخص وتلاميذه، ومروياته، وخاصة ما انفرد به، لعلو السند، وإذا كان للشخص رحلات علمية، أو مصنفات، وأعمال علمية، أو وظيفية بين كل ذلك، تفصيلا كما سيأتي، أو إجمالاً كقوله: «فلان رحل وقرأ، وكتب وأفاد» (٤) وكقوله: «قرأ وكتب وخرج وأفاد وصنف وحدث» (٥) ومما عنى به في غالب

стр. 1159

التراجم أيضًا، عنصر «المكان» الذي يختلف المؤرخون فيه، وخاصة مكاني الولادة والوفاة، اللذين يهمان المحدث في معرفة إتصال الأسانيد، ومن بيانه لمكان الوفاة، ظهر أنه ترجم لبعض من توفي من المحدثين بكل من بلاد المغرب، ومصر، والشام، وخاصة دمشق وحلب، وبهذا تميز ذيل العراقي هذا عن ذيل آخر على «العبر» أيضًا ألفه الحافظ شهاب الدين أبو العباس أحمد بن حجي، وركز اهتمامه فيه على وفيات أهل بلده دمشق غالبًا (١) وبالنسبة لتاريخي المولد والوفاة عنى العراقي بهما أيضًا، بل التزم بذكر تاريخ وفاة من ترجمهم، وتارة يحدده باليوم والشهر، بجانب تحديد السنة وتارة يحددها بالشهر والسنة، وتارة بالسنة فقط، وعنى أيضًا بما يهم المحدث، من التوثيق والتجريح، خاصة لمن خبرهم بنفسه وشاهدهم، كشيوخه الذين ترجمهم، فقد قال في ترجمة شيخه الميدومي: «وكان ثقة صدوقًا خيرًا … وافر العقل متين الديانة» (٢). وفي ترجمة شيخه مغلطاي قال: «وادعى السماع من الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد، والدمياطي وابن الصواف في آخرين، ولم يُقبل ذلك منه وادعى أنه أجاز له الفخر بن البخاري، ولم يقبل أهل الحديث ذلك منه، ثم إنه ألف كتابًا كبيرًا، رد به على «تهذيب الكمال» للمزي وقال: «إن هذا الكتاب فيه تعصب كبير، وفيه فوائد أيضًا» (٣) ويلاحظ في هذا إنصافه حيث ذكر عمل شيخه بما له وما عليه».

стр. 1160

آراء العراقي في الكتاب: ببحثي الكامل لمنتقى ابن خطيب الناصرية من ذيل العراقي هذا وللنقول الأخرى التي وقفت عليها عند غيره، وجدته يكتفي في الحوادث والتراجم بذكر رأي واحد مقرًا له، ومقتضى هذا كما قدمنا عن العراقي نفسه في بيانه للآراء (١)، أنه يعتبر جازمًا ومرتئيا لكل ما ذكره واقره في مواجهة ما يخالفه من الآراء، ولهذا انتقد ابن قاضي شهبة كما مر العراقي في إقراره للحسيني على وهمه في تاريخ وفاة بعض الأشخاص، كما أن أبا زرعة بن العراقي استدرك عليه في بعض ما قرره، مبينًا وجود رأي آخر معارض له، ففي حوادث سنة ٧٥٠ هـ قال العراقي: «فيها فتك الحي بغا العادل بأرغون شاه، نائب دمشق»، ومعنى ذلك أن «الحي بغا» قتل أرغون شاه، لكن أبا زرعة ابنه علق بخطه على قول والده «فتك» فقال: «لعله عزل» (٢). ومعنى ذلك أنه يعارض ما أثبته والده جازمًا به، من قتل «الحي بغا» الأرغون، بأنه قد يكون الصواب غير ذلك وهو أن «الحي بغا» عزل من منصبه، وتولى بدله أرغون شاه. كذلك قال العراقي في ترجمة قاضي حلب: «نجم الدين محمد بن عثمان بن أحمد الزرعي: «إنه حنبلي المذهب»، فعلّق أبو زرعة على ذلك بأن ابن حبيب (معاصر العراقي) ذكر أن القاضي المذكور (شافعي) وليس حنبليا، كما جزم به والده» (٣).

стр. 1161

كذلك ذكر العراقي شيخه علاء الدين التركماني ضمن من توفي سنة ٧٤٩ هـ بينما حدّد تلميذه ابن حجر وفاة التركماني في عاشر المحرم سنة ٧٥٠ هـ (١) وقد اعتمد ابن فهد رأي شيخه العراقي (٢) وهو موافق لما قرره الإسنوي شيخ العراقي في «طبقات الشافعية (٣)» وهناك ترجمة واحدة في «منتقى ابن خطيب الناصرية»، وجدت العراقي تردد في تاريخ وفاة صاحبها دون قطع، وذلك في وفيات سنة ٧٥٩ هـ، حيث قال: «وتوفي فيها أو في التي بعدها، يعني سنة ٧٦٠ هـ، سليمان بن إبراهيم بن سليمان ابن المطوع الحلبي … » الخ، كما إني وجدته رد بعض الآراء التي لا يرتضيها، مع التدليل، وذلك أنه ذكر ما سمعه بنفسه من الشيخ أحمد الزرعي «أنه أقسم بالله أنه ما رأى أحدا لا يريد إلا الله والدار الآخرة، إلا الشيخ تقي الدين بن تيمية وأخاه عبد الرحمن»، ثم عقب عليه قائلا: «هذا إفراط وغلو، وإنما يقول هذا من اطلع على سرائر الخلق ونياتهم، والله المستأثر بما شاء من علمه وغيوبه (٤)». ومن آرائه النقدية المتسمة بالانصاف، رأيه فى كتاب شيخه مغلطاي الذي رد به على كتاب تهذيب الكمال للمزي حيث قال كما قدمت: إن فيه تعصبا كبيرا، وفيه فوائد أيضا. نماذج تطبيقية مقارنة من تراجم الكتاب: وإليك بعض النماذج من تراجم الكتاب تطبيقا لما قدمت، مع مقارنتها بما

стр. 1162

عند غير العراقي، فمن ذلك ترجمته للحافظ المزي، في وفيات سنة ٧٤٢ هـ حيث قال: «الحافظ جمال الدين أبو الحجاج يوسف بن أبي عبد الرحمن بن يوسف بن عبد الملك بن يوسف بن علي بن أبي الزهراء القضاعي، الكلبي، المزي، أحفظ أهل زمانه (توفي) في يوم الاثنين ١٨ صفر بدمشق، وكان مولده بظاهر حلب سنة ٦٥٤ هـ، روى عن أحمد ابن أبي الخير الحداد، ويحيى بن أبي منصور الحراني، ومؤمل بن محمد البالسي، والقاسم بن أبي بكر الإربلي، والمسلم بن محمد القيسي، وإبراهيم بن الدرجي، والمقداد بن هبة الله القيسي، وأبي الفرج عبد الرحمن بن أبي عمر، وعبد العزيز بن عبد المنعم الحراني، ومحمد بن عبد الخالق بن طرخان الأموي، وخلائق، بدمشق، وحلب، وبعلبك، ونابلس، والحرمين وبيت المقدس والقاهرة والإسكندرية، وصنف «تهذيب الكمال» وأطراف الستة، فأجاد فيهما وأتقن، ودرس لأهل الحديث، بدار الحديث الأشرفية، روى عنه الذهبي والسبكي والعلائي، وعز الدين بن جماعة والعماد بن كثير وخلائق، ولم يخلف بعده مثله، ولا رأى هو مثله في الحفظ والإتقان، ﵀». وقد ترجم العراقي للمزي مرة أخرى في «رجال تقريب الأسانيد» (١) وبمقارنة الترجمتين نجد بينهما اختلافا، يميز كل منهما عن الأخرى، ففي رجال التقريب جاءت الترجمة أوسع، بحيث تعد ضعف ما في «ذيل العبر» ومع ذلك ففي ترجمة ذيل العبر من آراء العراقي ما ليس في ترجمة رجال التقريب، وذلك أنه في ترجمة رجال التقريب ذكر أن المزي صنف كتابي «تهذيب

стр. 1163

الكمال» و «أطراف الكتب الستة»، ولم يذكر رأيه فيهما، أما في «ذيل العبر» فقال - كما مر ذكره - إن المزي أجاد في الكتابين وأتقن، وبذلك استفدنا من الترجمة التي في ذيل العبر على إيجازها، ما لم نستفده من نفس الترجمة في «رجال التقريب» رغم اتساعها، ثم إن العراقي لم يحدد في رجال التقريب مكان وفاة المزي، بينما حدده في ذيل العبر بأنه (دمشق) ويوافقه في هذا ابن تغري بردي من بعده (١). كما حدد في رجال التقريب تاريخ الوفاة بيوم السبت ١٢ صفر، وهذا يوافق تحديد الحسيني في ذيله، بينما حدد العراقي تاريخ الوفاة في ذيله بيوم الإثنين ١٨ صفر، وهذا يدل على عدم اعتماده في ذلك على الحسيني، كما أن ترجمة الحسيني للمزي تختلف عمومًا، زيادة ونقصًا، عن ترجمة العراقي له (٢). ويلاحظ أيضًا أن التاريخين لا يستقيم أحدهما مع الآخر، فإذا كان يوم ١٨ صفر يوافق يوم الإثنين، يكون يوم ١٢ موافقًا يوم الثلاثاء، لا يوم السبت، وإذا أخذنا بأن يوم ١٢ يوافق يوم السبت، يكون يوم ١٨ موافقًا يوم السبت أيضًا، وعليه فإن العراقي قد اعتمد في كل ترجمة على مرجع مختلف، ولم يقارن بينهما، مثل مقاراناته التي عهدناها في غير هذا الكتاب، وقد وافقه ابن تغري بردي على أن تاريخ وفاة المزي ١٢ من صفر، دون تحديد اسم اليوم (٣)، أما ابن قاضي شهبة، فذكر في ترجمته للمزي، ما لم يذكره العراقي في ترجمته له، حيث قال: «إن المزي لما عُين لمشيخة دار الحديث

стр. 1164

الأشرفية تُؤقِّفَ فيه، وثار عليه الأشاعرة من أجل أن شرط واقفها أن يكون (شيخها) أشعريا، ولم يكن الشيخ جمال الدين المزي كذلك، حيث كان على عقيدة أهل الحديث، ولم يمكن من مباشرة المشيخة، حتى أشهد عليه أنه على عقيدة ابن الزملكاني، فلامه صاحبه ابن تيمية، وقال له: يا شيخ، بعت دينك بدنياك (١)، وتلاحظ أن هذا يعتبر جرحًا في الحافظ المزي، فلعل العراقي لم يعتد بهذا فأعرض عن ذكره، أو لعله لم يقف عليه. ومن نماذج تراجم هذا الذيل، ترجمة الحافظ الذهبي، مؤلف كتاب «العبر» الذي ذيل عليه العراقي، ففي وفيات سنة ٧٤٨ هـ قال: وفي ليلة الإثنين ٣ ذي القعدة - يعني توفي - الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد عثمان الذهبي، سمع خلقًا بدمشق، وحلب، وحماة وطرابلس وحمص وبعلبك، والحرمين، وبيت المقدس والقاهرة، وغيرهما، وخرج له أربعين بلدانية، وشيوخه يزيدون على ألف ومائتين، يجمعهم معجمه الذي خرجه لنفسه، وصنف كتبًا كثيرة، منها: «تاريخ الإسلام» في ٢٠ مجلدًا، و «سير النبلاء» في ٦ مجلدات، و «ميزان الإعتدال» في ٤ مجلدات، و «تذكرة الحفاظ»، و «طبقات القراء»، وكتاب «العبر»، و «مشتبه النسبة»، و «اختصر تاريخ بغداد»، و «تاريخ دمشق»، و «تهذيب الكمال»، و «الأطراف» للمزي، وغير ذلك، وكان مولده سنة ٦٧٣ هـ، وكتب عن خلق من أقرانه ودونه، وحدث عن جماعة، بعضهم إلى الآن حي، وولي مشيخة دار الحديث الظاهرية، ودار الحديث النفيسية، ومشيخة تربة أم الصالح، وغير ذلك.

стр. 1165

وكان آخر بقية حفاظ الشام، سمع منه الحفاظ: السبكي والعلائي وقاضي القضاة عز الدين بن جماعة وقاضي القضاة برهان الدين ابن جماعة وابن رافع والحسيني وابن سند، وآخرون كثيرون (١). ومن المعروف أن الذهبي قد ترجمه غير واحد في عصر العراقي، ومن بعده، وعندما نقارن ترجمة العراقي هذه له، بترجمة غيره له، نجد أن ابن قاضي شهبة يتفق معه في تحديد تاريخ وفاة الذهبي (٢). أما تاج الدين بن السبكي معاصر العراقي فقد ذكر في طبقاته في ترجمة الذهبي أنه لما رشح لمشيخة دار الحديث الأشرفية بدمشق، اعترض عليه بأن شرط واقفها أن يكون شيخها أشعري العقيدة، والذهبي متكلم فيه، فاستبعد، ووليها بدله الشيخ تقي الدين السبكي (٣). ونلاحظ أن العراقي لم يذكر هذا القدح في الذهبي، واكتفى بذكر الأماكن التي تولى مشيخة الحديث فيها فعلا، فلعله لم يرتض هذا القدح فأعرض عنه مثلما فعل بالنسبة للمزي كما قدمت، كذلك ذكر العراقي أن شيوخ الذهبي يزيدون على ألف ومائتين، بينما نجد الكتاني في «فهرس الفهارس» يذكر في ترجمة الذهبي أن شيوخه يبلغون ألفًا وثلاثمائة شيخ بالتحديد، فلعله وقف على هذا في بعض المراجع التي لم تتيسر للعراقي. ومن التراجم التي وفاها العراقي مقوماتها الأساسية وقصر فيها الحسيني جدًا،

стр. 1166

ترجمة الحافظ ابن أيبك الدمياطي، فقد ترجمه العراقي فيمن توفي سنة ٧٤٩ هـ فقال: «والحافظ شهاب الدين أحمد بن أبيك الدمياطي، - يعني توفي - سمع الحديث على وزيرة، والحسن الكردي وأبي العباس الحجار، وخلائق، وخرج وأفاد وكتب ذيلا على وفيات الشريف عز الدين الحسيني، كتب فيه إلى آخر وفاته، وشرع في تخريج الأحاديث الواقعة في الرافعي، فلم يكمله (١)». أما الحسيني فقال في ترجمته في وفيات نفس السنة ما نصه: «والحافظ شهاب الدين أحمد بن أبيك الدمياطي (٢)» ولم يزد على ذلك. ومثال ترجمته لمن توفي من الحفاظ ببلاد المغرب قوله في وفيات سنة ٧٤٩ هـ: وممن توفي ببلاد المغرب الحافظ أبو عبد الله محمد بن جابر بن محمد القيسي، الوادي آشي، سمع من ابن الغماز وابن هارون وغيرهما، وحدث بمصر والشام والحجاز وبلاد المغرب، وكان قد انفرد بالديار المصرية بعلو «الموطأ» من طريق يحيى بن يحيى، ثم سافر إلى بلاد الغرب فمات بها كما قيل، في شهر ربيع الأول (٣). ويلاحظ أن العراقي لم يجزم بتحديد شهر وفاة الواداآشي، كما جزم بالنسبة لغيره، بل قال: «كما قيل» فلعل مصدره في هذا التحديد غير قاطع كما أن هذه الترجمة مما انفرد العراقي بذكره عن الحسيني، حيث لم أجدها في ذيله.

стр. 1167

ومن تراجمه للنساء المحدثات في وفيات سنة ٧٤٧ هـ حيث قال: «وفيها في ١٦ (من شوال) فاطمة بنت العز إبراهيم بن عبد الله بن أبي عمر، سمعت من إبراهيم بن خليل، وأحمد بن عبد الدايم، وتفردت بالسماع من ابن خليل، وتفردت أيضًا بإجازة محمد بن عبد الهادي وابن السروري، وابن عوة، وخطيب مرد، وكان مولدها سنة ٦٥٧ هـ (١). مناقشة ابن حجي في انتقاده للعراقي في هذا الكتاب: يعتبر شهاب الدين أحمد بن حجي المتوفى سنة ٧١٦ هـ مفتي الشام ومؤرخه في عصره (٢)، وقد ألف ذيلا على كتاب «العبر» للذهبي كما أشرت من قبل، ومن ضمنه نفس الفترة التي تناولها من قبله الحسيني ثم العراقي (٣)، وبحكم تأخره الزمني عنهما اطلع على ذيليهما وتكلم عنهما في مقدمة ذيله، ونقل عنه ذلك صاحب «كشف الظنون» فذكر عن ذيل العراقي: «أنه تساهل فيه، وأنه ليس على قدر علمه، وأن الأكثر منه مأخوذ من ذيل الحسيني» (٤). ويبدو من كلامه هذا أنه اطلع على الذيلين، وقابل بينهما تفصيليا، كما أنه نقل عنهما كثيرًا في ذيله، كما يبدو من كتاب «الأعلام» لابن قاضي شهبة.

стр. 1168

الذي استوعب فيه ذيل شيخه ابن حجي هذا (١). ومع ذلك فإني أرى أن نقد ابن حجي هذا ليس مسلما له على إطلاقه، بل ينبغي مناقشته فيه، فإن كان يقصد بتساهل العراقي في هذا الذيل: أنه أوجز في التراجم ومشى - غالبا - على إقرار رأي واحد، كما قدمت في بيان آرائه، فلم يعرض للآراء المختلفة أو يقارنها، ويبين الخطأ والصواب منها، والراجح والمرجوع كما فعل في غير هذا الكتاب، إن كان يقصد بالتساهل ما ذكرت، فهو مسلم له، وليس الكتاب بهذا الاعتبار على قدر علم العراقي، وما عرف عنه من سعة الاطلاع وعمق البحث والتحقيق، وإن كان ابن حجي يقصد بالتساهل غير هذا، فلا أسلمه له، بناء على بحث ومقارنة ما وقفت عليه من نصوص الكتاب. أما قوله: إن العراقي قد اعتمد في أكثر الذيل على ذيل الحسيني، فهذا أمر مبالغ فيه، حيث إني قد اطلعت على ذيل الحسيني تفصيلا، وقارنته بما وقفت عليه من نصوص ذيل العراقي، فوجدت تخالفا بينهما عموما، بالزيادة والنقصان، حتى في الحوادث والتراجم التي اتفقا في ذكرها كما مر في نماذج المقارنة بينهما، بل قد مر في المقارنة: أن ترجمة العراقي في هذا الذيل لبعض الأشخاص، قد اختلفت عن ترجمته له في مؤلف آخر له، وهذا كله يؤكد أن العراقي وإن كان قد تبع الحسيني في بعض النقاط كما هو الشأن في المتأخر بالنسبة للمتقدم، فإنه قد خالفه في نقاط أخرى متعددة، وانفرد عنه بذكر حوادث وتراجم كثيرة، ولهذا فإن من جاء بعد الحسيني والعراقي وتناول نفس الفترة التي تناولاها، لم يستغن بذيل الحسيني عن ذيل العراقي، وخاصة في التراجم، كما سيظهر في بيان أثر الكتاب فيما بعده.

стр. 1169

أثر الكتاب فيما بعده: من أظهر الأدلة على أثر هذا الكتاب فيما بعده، أنني رغم افتقادي لنسخه الخطية، استطعت استيفاء التعريف به وتفصيل منهج العراقي وآرائه فيه، وذلك من خلال النقول الكثيرة المأخوذة عنه نصا، والتي ما تزال حتى الآن مبثوثة فيما بين أيدينا من مؤلفات من بعد العراقي في تاريخ الرجال حيث اتخذوا هذا الكتاب عمدة لهم، ثروا وطعموا بمحتوياته مؤلفاتهم وفي مقدمة ذلك «منتقى ابن خطيب الناصرية» الذي أودعه في مجموعه كما تقدم، وشملت منتقياته نماذج نصية كاملة من أول الذيل إلى آخره. ثم ألف تقي الدين أحمد بن قاضي شهبة، فقيه الشام ومؤرخه أيضًا المتوفى سنة ٨٥١ هـ (١) كتابه المسمى «الأعلام» وتناول فيه على نفس منهج الذهبي في «العبر» الفترة من سنة ٧٤١ هـ إلى عصره، مع البسط والاستيعاب ما أمكن، حتى جاء في ٥ مجلدات خطية، وقد اعتمد فيه أساسا على ذيل شيخه ابن حجي المتقدم ذكره، وصرح بذلك في مقدمته (٢)، ولما كانت الفترة الزمنية التي تناولها العراقي في ذيله داخلة فيما تناوله ابن حجي، فإنه اعتمد عليه في كثير من التراجم، وتبعه ابن قاضي شهبة على ذلك، مثل وفيات سنة ٧٤١ هـ (٣) وسنة ٧٤٣ هـ (٤) وسنة ٧٤٤ هـ (٥) وسنة.

стр. 1170

٧٥٠ هـ (١) وسنة ٧٥٤ هـ (٢)، وقد أكثر من نقل نصوص مطولة عنه في وفيات سنة ٧٤٩ هـ التي كانت الوفيات فيها تعد بالآلاف يوميا بسبب الطاعون (٣)، وما يزال كتاب ابن قاضي شهبة هذا مرجع الباحثين، رغم كونه مخطوطا حتى الآن، وقد اطلعت عليه واستفدت منه، كما يظهر من إحالاتي عليه خلال البحث، وأيضا ابن فهد، مؤرخ الحجاز في عصره، قد نقل عدة مرات عن ذيل العراقي هذا، وبعض نقوله عبارة عن ترجمة الوادآشي بأكملها كما تقدمت في النماذج، وذلك النقل في ذيله على «تذكرة الحفاظ» للذهبي المسمى «لحظ الالحاظ» (٤) وهو مطبوع حاليا ومتداول ضمن «ذيول تذكرة الحفاظ». كما نقل أبو زرعة ابن العراقي عن هذا الذيل، في ذيله عليه، الذي بدأه من سنة ٧٦٢ هـ (٥) وما يزال هذا الذيل مخطوطا حتى الآن (سنة ١٤٩٩ هـ)، ولعلي بهذا قد وفقت في عرض الكتاب وتحليله ومقارنته وبيان أثره، رغم افتقاده، وتفرق نصوصه بين مؤلفات من بعد العراقي من أعلام مصر والشام والحجاز، والتي ما يزال أغلبها مخطوطا حتى الآن، وبالله التوفيق.

стр. 1171

ب - وتذييل العراقي على: «وفيات نقلة العلم وذوي الشأن للحافظ ابن أيبك الدمياطي، وأثر ذلك» مكانة الكتاب والداعي إلى تأليفه: من أنواع التأليف التي أسهم العراقي بها في علم الرجال، وظهر أثره فيما بعده، التأليف فيما يعرف بكتب الوفيات، وهي مؤلفات تناول فيها أصحابها تراجم العلماء والرواة وغيرهم من ذوي الشأن، كالحكام والوجهاء، مع العناية بالدرجة الأولى بتحديد زمن وفاة المترجمين ولو بالتقريب، كأن يقال: توفي فلان في عهد الحاكم الفلاني، أو قبل أو بعد فلان، ممن عرف تاريخ وفاته، ولهذا سميت كتب الوفيات، كما أن المؤلفين فيها اهتموا بتراجم رواة السنة، ونقلة العلم أكثر من غيرهم، ولهذا سمى بعضهم كتابه «جامع الوفيات» وبعضهم (وفيات النقلة) وتبعهم من بعدهم كما سيأتي (١) وقد ذكر العراقي وغيره أن الحكمة في عناية أهل الحديث بتاريخ وفاة الشخص كشف الكذب في الحديث، ومعرفة ما في السند من انقطاع، أو عضل، أو تدليس، أو إرسال ظاهر، أو خفي، وذلك لأنه يوقف به على أن الراوي من المتقدمين أو المتأخرين لم يعاصر من روى عنه (٢)، ومما مثل به ابن الصلاح والعراقي ومن بعدهم لذلك: «أن إسماعيل ابن عياش سأل رجلا، اختبارًا له: أي سنة كتبت عن خالد بن معدان؟ فقال: سنة ١٣ يعني ومائة، فقال: أنت

стр. 1172

تزعم أنك سمعت منه بعد موته بسبع سنين، قال إسماعيل: مات خالد ابن معدان سنة ١٠٦ هـ، وهناك أقوال أخرى في تاريخ وفاته، وكلها لا تتفق مع ما أجاب به الشخص المسئول (١). ونقل ابن الصلاح والعراقي وغيرهما، عن أبي عبد الله الحميدي الأندلسي صاحب «الجمع بين الصحيحين»، أن من علوم الحديث التي يجب تقديم التهمم بها، وفيات الشيوخ، وقال: «أنه ليس فيه كتاب»، فاستدركوا عليه بأنه كأنه أراد أنه ليس في الوفيات كتاب مختص بها، مستقص لجميعها؛ لأن تواريخ المحدثين السابقين عليه كالبخاري، مشتملة على كثير من الوفيات، كما أن هناك مؤلفات معنونة بالوفيات كذلك (٢) وقد ذكر العراقي أهم من ألف كتب الوفيات حتى عصره، وتبعه على هذا من بعده، مع إضافة تفصيلات أخرى، وخلاصة ذلك أنه ممن ألف في الوفيات أبو محمد وأبو سليمان (٣) عبد الله

стр. 1173

أحمد بن ربيعة بن زبر - بفتح الزاي وسكون الباء - البغدادي الدمشقي قاضي مصر المتوفى سنة ٣٢٩ هـ وقد بدأ كتابه من السنة الأولى للهجرة، ورتبه على السنوات، وانتهى فيه إلى سنة ٣٢٨ (١). قال العراقي: «وقد اتصلت الذيول على «ابن زبر» إلى زماننا هذا» إهـ. وتفصيل ذلك: «أنه قد ذيل على كتاب ابن زبر: الحافظ أبو محمد عبد العزيز ابن أحمد الكناني المتوفى سنة ٤٦٦ هـ ووصل في ذيله إلى قرب وفاته، ثم ذيل على الكناني تلميذه أبو محمد هبة الله بن أحمد الأكفاني ذيلا صغيرًا نحو عشرين سنة، إذ بدأ من حيث انتهى شيخه، وانتهى سنة ٤٨٥ هـ ويسمى «جامع الوفيات» ثم ذيل على ابن الاكفاني الحافظ أبو الحسن علي ابن المفضل المالكي المتوفى سنة ٦١١ هـ وسمى كتابه «وفيات النقلة» ووصل فيه إلى سنة ٥٨١ هـ ثم ذيل عليه تلميذه الحافظ أبو محمد عبد العظيم بن عبد القوي المنذري المتوفى سنة ٦٥٦ هـ، وبدأ تذييله من أول سنة ٥٨١ هـ ووصل إلى أثناء سنة ٦٤٢ هـ فجاء ذيلًا كبيرًا متقنا مفيدا ويسمى «التكملة لوفيات النقلة» وقد اطلعت عليه فوجدته مرتبا على السنوات، وفي داخل كل سنة على الشهور، بحيث يذكر من توفي في المحرم ثم من توفي في صفر، وهكذا، ثم ذيل على المنذري تلميذه الشريف عز الدين أحمد بن محمد بن عبد الرحمن الحسيني المتوفى سنة ٦٩٥ هـ وبدأ ذيله من سنة ٦٤١ هـ وانتهى إلى سنة ٦٧٤ هـ ويسمى «صلة التكملة لوفيات النقلة»، ويقع في مجلد، ثم ذيل على الحسيني المحدث الشهاب أبو الحسن أحمد بن أيبك الدمياطي المتوفى

стр. 1174

في رمضان سنة ٧٤٩ هـ ووصل فيه إلى الطاعون الواقع في أوائل سنة ٧٤٩ هـ، قال العراقي: (وذيلت على ابن أبيك)، وبذلك أثبت بنفسه أنه ألف في وفيات نقلة العلم وذوي الشأن ذيلا على كتاب سلفه الحافظ ابن أيبك الدمياطي، وحدّد بدايته بما انتهى إليه سلفه الدمياطي وهو سنة ٧٤٩ هـ، وقد أقره على ذلك تلميذه ابن حجر (١) ثم السخاوي (٢) وغيرهما (٣). وجدير بالذكر أن كتاب ابن زبر وذيوله المتوالية حتى عصر العراقي كانت موجودة، ومتداولة للدراسة والانتفاع في عصر العراقي (٤) وبهذا كان تتابع تأليف المتقدمين حافزا للعراقي إلى القيام بواجبه بالنسبة إلى عصره، باعتباره رائدا لمدرسة السنة فيه، فينبغي مواصلته للمسيرة من بعد سابقيه. زمن تأليف الكتاب، ومنهجه، والفترة الزمنية التي تناولها، وتصحيح خطأ السخاوي فيها: ذكر العراقي تأليفه للذيل المذكور في شرحه المتوسط للألفية الذي فرغ منه كما قدمنا في ٢٩ رمضان سنة ٧٧١ هـ، وعليه فإنه يكون قد فرغ منه قبل هذا التاريخ، وبالنسبة لمنهجه فيه فإن مقتضى تذييله على من قبله أن يكون تبع منهجهم السابق الإشارة إليه، وهو الترتيب على حسب السنوات، وعلى حسب الشهور في كل سنة، وقد صرح بذلك صاحب «الرسالة المستطرفة»،

стр. 1175

فبعد ذكره وفيات ابن زبر، والذيول التي عليه بما فيها ذيل العراقي، ذكر أن الجميع مرتب على حسب السنوات (١). أما الفترة الزمنية التي تناولها العراقي في هذا الذيل، فإنه قد حدد بدايتها كما تقدم بسنة ٧٤٩ هـ، وبذلك تكون بداية هذا الذيل متأخرة قرابة ثماني سنوات عن بداية ذيله السابق على «العبر»، ولكن العراقي لم يحدد نهاية الفترة التي تناولها في ذيل الوفيات هذا، وقد حددها السخاوي بسنة ٧٦٢ هـ (٢) ولكن الذي ظهر لي من واقع نصوص الكتاب المتعددة التي وقفت عليها، كما سيأتي في مبحث (أثر الكتاب): أن العراقي تجاوز فيه سنة ٧٦٢ هـ هذه بعدة سنين، حيث وجدت وفيات منقولة عنه في سنة ٧٦٥ هـ (٣) وفي سنة ٧٦٧ هـ (٤) وفي سنة ٧٦٨ هـ (٥) وعليه فإن تحديد السخاوي لنهاية كتاب الوفيات هذا بسنة ٧٦٢ هـ خطأ، لعدم مطابقته لواقع الكتاب، رغم أني وجدت السخاوي أحال عليه في إحدى التراجم كما سيأتي، ويلاحظ أني لم أجد من تنبه لهذا الخطأ وقام بتصحيحه من قبلي، فالحمد لله على توفيقي لذلك، ويجب على الباحثين من بعدي ملاحظة هذا التصحيح لأن السخاوي أورد الخطأ المذكور في عدة مؤلفات له مطبوعة ومتداولة في العالم شرقا وغربا (٦).

стр. 1176

نسخ الكتاب، وبعض النقول عنه: لقد بحثت كثيراً في عدة فهارس المكتبات العالم، حتى وجدت مفهرس مكتبة كوبريلي باستانبول، ذكر رسالة عنوانها (الوفيات العراقية) وهي ضمن مجموعة بهذه المكتبة تحت رقم (١٦٠٢)، ولم يذكر المفهرس أية تفصيلات أخرى عن تلك الرسالة، فلعلها نسخة من تلك الوفيات، وإن كان لم يتح لي الاطلاع عليها للتأكد من ذلك، لكني وقفت على نقول متعددة من تلك الوفيات في بعض مؤلفات أبرز تلاميذ العراقي، كما وقفت على إجازته بها لتلميذه ابن حجر العسقلاني، ووقفت أيضاً على بعض نقول منها، وتعريف بها في تأليف غير تلاميذ العراقي من معاصريهم وتلاميذهم، وهذا يدل على أن بعض النسخ من كتاب الوفيات هذا، كانت موجودة ومتداولة في الأوساط العلمية في عصر العراقي وبعده، كما سيتضح بعد في بيان أثر الكتاب. أثر الكتاب فيما بعده: رغم عدم حصولي على أية نسخة من هذا الكتاب كما أشرت، إلا أن النقول المتعددة منه التي توصلت إليها بالبحث الشاق بين تضاعيف مؤلفات علم الرجال لمن بعد العراقي من تلاميذه وغيرهم، تفيد عمق واتساع أثر الكتاب فيما بعده من كتب الرجال ومؤلفيها، باعتمادهم عليه وتطعيم مؤلفاتهم بمحتوياته، وخاصة في مواضع الاختلاف والترجيح، وتفصيل ذلك كالتالي: أثره في تأليف كل من ابن حجر العسقلاني، وأبي زرعة ابن العراقي: وفي مقدمة هؤلاء، تلميذ العراقي البارز ابن حجر، فقد ذكر في مقدمة

стр. 1177

كتابه «الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة» أن من المراجع التي استمد منها فيه: الوفيات للحافظ شمس الدين بن الحسن بن أيبك الدمياطي، والذيل عليه لشيخنا الحافظ أبي الفضل بن الحسين العراقي (١) وذكر الحافظ ابن حجر أيضًا أن شيخه العراقي قد أجازه بهذا الذيل (٢)، وبذلك تكون نقوله عنه متصلة السند، ويعتبر كتابه الدرر الكامنة الذي شكلت وفيات العراقي ركنا أساسيًا فيه، من كتب الوفيات، حتى قال السخاوي «إنه يسمى أيضًا «الوفيات الكامنة لأعلام المائة الثامنة» وقد رتبه ابن حجر على حروف المعجم، وهو مطبوع عدة طبعات، أحدثها في ٥ مجلدات، بتحقيق الشيخ محمد سيد جاد الحق، وهي التي رجعت إليها، أما أبو زرعة ابن العراقي، فإنه قد نقل عن وفيات والده مرات متعددة، وذلك في كتابه الذي ذيل به على ذيل والده على كتاب «العبر» وقد بدأه بسنة مولده، وهي سنة ٧٦٢ هـ، والموجود منه حتى الآن إلى سنة ٧٨٦ هـ، وهو ما يزال مخطوطًا، وقد قدمت ذكر نسختين خطيتين منه، وتوجد منه نسختان أخريان، إحداهما موجودة بمكتبة البلدية بالإسكندرية، وثانيتهما موجودة بدار الكتب المصرية تحت رقم (١٦١٥) تاريخ، ولقد قمت بتتبع نقول كل من ابن حجر وأبي زرعة عن ذيل الوفيات، خلال كتابيهما بأكملهما، فتبين لي الآتي: ١ - أن التراجم التي نقل فيها ابن حجر عن وفيات شيخة العراقي هذه، كثيرة، بحيث تشكل النقول مقوما أساسيًا في الكتاب، وهي مبثوثة فيه من

стр. 1178

أوله إلى آخره، نظرا لأنه مرتب على حروف المعجم (١)، وتارة يعزو النقول إلى وفيات شيخه، وتارة يعزوها إلى شيخه فقط، كما سيتضح من النماذج بعد. أما أبو زرعة فإن كتابه مرتب على السنوات، وقد نقل عن تلك الوفيات في تراجم من توفوا في سنوات ٧٦٢ هـ، ٧٦٤ هـ، ٧٦٥ هـ، ٧٦٦ هـ، ٧٦٧ هـ، ٧٦٨ هـ (٢) ويعبر غالبا عند النقل بقوله: «نقلت ذلك من خط والدي»، كما سيأتي في النماذج، وهذا يدل على أنه كان لديه نسخة من الوفيات، بخط والده، ثم إن ابن حجر وأبا زرعة قد نقلا في كتابيهما أيضا عن العراقي بعض ما شافههم به، وبعض المذكور في غير تلك الوفيات من مؤلفاته في الرجال، وفي المصطلح، دون تحديدهما للكتاب المنقول منه، ويمكن تمييز ذلك عن المنقول من الوفيات المذكورة عن طريق سياق الكلام وتحديد الفترة الزمنية التي تناول العراقي وفياتها كما قدمت، وكذلك عن طريق الرجوع لباقي مؤلفات العراقي، وللنقول المحددة عنها في غير كتابي ابن حجر وأبي زرعة، مثلما فعلت في نماذج النصوص التي سأذكرها هنا، وقد عانيت في مقابلتها وتمييزها مشقة يعلمها الله. ٢ - أن كلا من ابن حجر وأبا زرعة قد نقل عن تلك الوفيات فيما يتعلق بأحوال الشخص المترجم، ونشاطه العلمي، والحديثي خصوصا، وفيما يتعلق بتحديد تاريخ المولد والوفاة، ولكن أكثر النقول متعلقة بتحديد تاريخ الوفاة،

стр. 1179

وهو العنصر الذي استمدت منه كتب الوفيات اسمها كما مر. ٣ - أن كثيرا من الأشخاص المنقول عن العراقي في تراجمهم، هم من شيوخه الذين جالسهم بمصر أو الشام، وسمع منهم الحديث، بل توفي أحدهم عند العراقي بظاهر القاهرة، حيث كان يقيم كما سيأتي، وعليه، فإن ذكر العراقي لأحوالهم ونشاطهم العلمي، وتحديد وفاتهم، قد اعتمد إلى حد كبير على خبرته الشخصية، ومعاينته، ولهذا نجد ابن حجر يقول في ترجمة الواحد من هؤلاء: «سمع منه شيخنا العراقي، وأرخه، أو أرخ وفاته في كذا»، يعني حدد تاريخ وفاته بكذا (١) «أو قال شيخنا سمعت منه» (٢) «أو قرأت عليه» (٣) ويقول أبو زرعة: «سمع منه والدي ونقلت وفاته من خطه» (٤) أو سمع منه والدي، وقال «إنه توفي في كذا» (٥) ومن هنا اعتمد ابن حجر وأبو زرعة أكثر أقوال العراقي وصوباها في مواجهة من خالفه من شيوخه ومعاصريه، الذين شاركوه في الترجمة لنفس الأشخاص في مؤلفاتهم. مثال ذلك: «أن ابن حجر قال في ترجمة «علي بن الحسين بن علي» المعروف بابن قاضي العسكر: … ومات في النصف من جمادى الآخرة سنة

стр. 1180

٧٥٧ هـ، قاله ابن رافع، وقال شيخنا العراقي: «مات ليلة الإثنين ثالث عشرة أي ١٣ جمادى الآخرة»، وعقب على هذا بقوله: وهو المعتمد (١)، وابن رافع هذا الذي اعتمد ابن حجر رأي شيخه العراقي في مواجهته، يعتبر من شيوخ العراقي الشاميين، وقد توفي سنة ٧٧٤ هـ، وله كتاب في الوفيات من سنة ٧٣٧ هـ إلى سنة ٧٧٣ هـ، وهو مخطوط لم يطبع حتى الآن (٢)، كذلك ذكر أبو زرعة في ترجمة الشيخ المسند علاء الدين أبو الحسن علي بن أحمد المعروف بالمرضي، وهو من شيوخ العراقي بالقاهرة والإسكندرية، قال أبو زرعة: «إنه توفي في ٦ رمضان سنة ٧٦٤ هـ»، ثم قال: «وذكر ابن رافع في ٧ رمضان، وابن سند، في شوال، وما ذكرته هو الصواب، وهو الذي نقلته من خط والدي» (٣) وبذلك صوّب رأي والده في مواجهة كل من شيخه ابن رافع، وابن سند، وهو معاصر له، وله ذيل على كتاب «العبر» (٤) وفي ترجمة الشيخ المسند محمد بن إبراهيم البياني، من شيوخ أبي زرعة بن العراقي أيضاً، ذكر أبو زرعة أن وفاته كانت بظاهر القاهرة، ليلة الإثنين ٢٩ ذي القعدة سنة ٧٦٦ هـ، ثم قال: «وذكر ابن رافع أنه توفي ليلة ٢٨ ذي الحجة وهو وهم، وما ذكرته أولاً هو الصواب الذي ذكره والدي»، ثم ذكر دليلاً يؤكد ذلك فقال: «وكانت وفاته عندنا بالخانقاه الطشتمرية ظاهر القاهرة (٥)،

стр. 1181

ومعنى ذلك أن والده، كان شاهد عيان لذلك، فأثبت تاريخ وفاة البياني، بناء على معاينته، وهو ثقة، وبذلك يكون قوله هو الصواب، وما خالفه وهم وقد أقر ابن حجر أيضًا تاريخ وفاة البياني، كما أثبته شيخه العراقي، فاقتصر عليه (١)، كما أنه في ترجمة عمر بن أحمد بن عمر السكندري قال: «ذكره شيخنا في وفياته وقال: ناب في الحكم عن المراكشي، ومات بها، أي بالإسكندرية، في ثامن شهر ربيع الآخر سنة ٧٦٠ هـ، ثم قال: «وأرخه ابن عرام سنة ٧٥٩ هـ فوهم» (٢)، وابن عرام هذا من معاصري العراقي، وأحد شيوخ ابن حجر، وقد عد رأيه المخالف لرأي شيخه العراقي وهما». على أن هناك بعض تراجم قليلة رجح ابن حجر وأبو زرعة فيها الرأي المخالف لرأي العراقي في تلك الوفيات، ففي ترجمة إبراهيم بن محمود بن نصر الله، قال ابن حجر: «مات في شوال سنة ٧٥٣ هـ على المعتمد، وأرخه شيخنا سنة ٧٥٢ هـ، وهو ذهول» (٣). وفي ترجمة إبراهيم بن محمود بن سليمان ابن فهد الحلبي قال ابن حجر أيضًا: «مات يوم عرفة أو قبله، ليلة سابعه وأرخه شيخنا في شوال سنة ٧٦٠ هـ، والأول أقوى، لأنه قول الصفدي وهو أخبر به» (٤). ٣ - وفي ترجمة المسند عبد الرحمن بن رزق الله الدمشقي، ذكر أبو زرعة وفاته في ٣ جمادى الأولى سنة ٧٦٢ هـ، وقال: «سمع منه والدي، وقال:

стр. 1182

إنه توفي ليلة ثاني جمادى الأولى، والذي ذكرته من أنه توفي ليلة ثالثه، تبعت فيه ابن رافع، ولعله أثبت (١)، وقد رجعت إلى وفيات ابن رافع فوجدت به ما ذكره عنه أبو زرعة مخالفًا لما ذكره والده (٢)، ويفهم من الأمثلة السالفة لتصويب رأي العراقي، وتضعيفه، وتوهيمه، أن ابن حجر وأبا زرعة كانا يقومان بمقارنة آراء العراقي وأقواله في وفياته، بآراء وأقوال غيره في مؤلفاتهم المشار إليها. نقل السخاوي عن وفيات العراقي: ولم يقتصر أثر كتاب الوفيات المذكور، على مؤلفات تلاميذ العراقي، بل امتد إلى من بعدهم مثل المحدث المؤرخ محمد بن عبد الرحمن السخاوي، تلميذ ابن حجر البارز، كما أسلفت ذكره، ففي كتابه «الجواهر والدرر في ترجمة الحافظ ابن حجر وجدته نقل عن هذه الوفيات فقال: «إن من أسلاف ابن حجر زين الدين محمد بن عثمان بن محمد بن علي بن أحمد بن محمود الكناني المصري الشافعي، مات بالثغر (أي الإسكندرية) في ربيع الأول سنة ٧٥٢ هـ، أرخه الحافظ العراقي في وفياته» (٣)، وقد ترجم ابن حجر سلفه هذا في كتابه «الدرر الكامنة» واتفق مع السخاوي في عزو ما ذكر من ترجمته للعراقي» فقال: «مات في شهر ربيع الأول بالإسكندرية سنة ٧٥٢ هـ، أرخه شيخنا العراقي»، ثم أضاف قائلا: «قلت: هو ابن عم أبي، نور الدين علي … وكان زين الدين من فقهاء الشافعية بالثغر، ذكره العفيف المطري في

стр. 1183

«ذيل الطبقات (١)» والعفيف المطري هذا من شيوخ العراقي، ويفهم من نقل ابن حجر عن العراقي بجانب نقله عن كتاب ذيل الطبقات لشيخه أن كتاب شيخه مع تقدمه، لم يغن عن وفياته حتى في التراجم المتفقة فيهما. بعض مميزات هذا الكتاب عن غيره: ١ - لاحظت من خلال النقول عن هذه الوفيات، أن العراقي فيها أكثر تمحيصا للآراء والأقوال، وتحريا في قبولها، عما جرى عليه في ذيله على «العبر» كما تقدم، ففي ترجمة شيخه عبد الرحمن بن مكي بن إسماعيل (العوفي)، نقل ابن حجر قوله عنه: «كان أعجوبة الزمان، جاوز العشرين ومائة، أراني مولده بخط والده على صداق أمه، في سلخ ذي الحجة سنة ٧٣٥ هـ، لكننا لم نجد له سماعا، ولا إجازة، مع أنه كان من بيت علم وحديث .. » إلخ (٢). فتلاحظ أنه لم يجزم بطول عمر شيخه هذه المدة إلا بالاعتماد على وثيقة مكتوبة، اطلع عليها بنفسه، ورأى فيها تاريخ ميلاد الشيخ، ثم إنه قد عاصر وفاته، وبجانب ذلك، نفى وجود سماع أو إجازة للشيخ من أحد العلماء، وذلك لأنه لم يقف على إثبات كتابي بذلك، ولا على ما يقوم مقامه. وفي ترجمة يحيى بن علي بن أبي الحسن قال ابن حجر: «إن يحيى المذكور كان يذكر أن والده أحضره إلى النووي وهو أمرد، فاعتذر - أي عن إسماعه الحديث» وقال: «أنا أرى أن النظر إلى الأمرد حرام مطلقا، فاذهب به إلى الشيخ تاج الدين، وكان يذكر أنه رآه، أي رأى النووي بعد ذلك، وأنه

стр. 1184

سمع منه»، ثم عقب ابن حجر على أقوال يحيى هذه بقوله: «قال شيخنا العراقي: ولم أقف على ذلك (١)، ومعنى هذا أن العراقي لم يقبل هذه الأقوال من صاحبها في بيان شأنه مع الإمام النووي، ودعوى لقائه له وسماعه الحديث منه، وذلك لعدم تثبت العراقي مما ذكر، ومن أجل هذا التمحيص والتحري كانت أوهامه في وفياته هذه قليلة كما مرت بعض نماذجها». ٢ - لاحظت كذلك أن المادة العلمية التي أودعها العراقي في وفياته هذه خصبة، بحيث جاءت التراجم فيها عمومًا مستوفاة، وأكثر اتساعًا من تراجمه في «ذيل العبر» المتقدم، وفي «ذيل وفيات الأعيان» الآتي، ومن تراجم شيخه ابن رافع في وفياته، ويظهر هذا من النقول المطولة التي وجدت ابن حجر وأبا زرعة ابن العراقي قد اتفقا عليها أو انفرد أحدهما بسياقها عنه، فمن ذلك ما جاء في ترجمة أحد شيوخ العراقي في الأدب والحديث، وهو جمال الدين بن نباته، فقد قال أبو زرعة في ترجمته له: قال والدي: «وأخبرني - أي ابن نباته عن نفسه - أنه كان ينظم (الشعر) قبل سنة ٧٠٠ هـ، وكان جيد النظم من ذلك الوقت، وأخبرني والدي أيضًا أنه حكى له فقال: جئت مع والدي إلى الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في (المدرسة) الكاملية، وهو في بيت كتبه، فأرسل والدي في حاجة له، فأراد والدي أخذي معه، فقال له: خله هنا حتى تجيء، قال: فجلست عنده وأنا أنظر إلى الكتب، فصار يقلب الكتب بيده وهو يترنم، كأنه ينشد شيئًا من الشعر، ثم أخذ جزءًا من كتبه ودفعه إلي، قال: فأخذته فنظرت فيه فإذا هو في الأدب، وكان من «الذخيرة» لابن بسام، فنظرت فيه واستغرقت، فجاء والدي وأنا

стр. 1185

مستغرق في النظر في ذلك الكتاب، حتى إنى لم أشعر بمجيء والدي، فتعجب من إعطاء الشيخ لي كتبه، وصرت أتولع بنظم الشعر من ذلك الوقت (١). وقد ذكر ابن حجر نفس هذه الحكاية بطولها في ترجمة ابن نباته، وعزاها إلى العراقي فقال: «وذكر شيخنا أبو الفضل الحافظ أنه - أى ابن نياته - حكى له … إلخ وساقها مثريًا بها ترجمته لابن نباته (٢). ومن التراجم الكاملة ترجمة العراقي لشيخه ابن النابلسي، حيث قال أبو زرعة في وفيات سنة ٧٦٧ هـ: ومات فيها بالإسكندرية في العشر الأخير من المحرم، الشيخ المسند جمال الدين عبد الله بن أبي بكر بن عمر الإسكندري، الشهير بابن النابلسي، مولده في ٢٧ شوال سنة ٦٩١ هـ وسمع من الحافظ السيد تاج الدين علي بن أحمد بن عبد المحسن، جميع «فوائد الخلعي»، وسمع من جماعة من أصحاب ابن رواح، والسبط وحدث، سمع منه الرحالون والطلبة». قال أبو زرعة: «نقلت ذلك من خط والدي»، ثم أردف قائلا: «وقال: أي والده: قرأت عليه شيئًا من «الخلعيات» وبلغني أن سبب وفاته أنه طلع إلى المنارة ليؤذن، فشرع في الأذان فطلع إليه بعض الفرنج فرماه إلى أسفل المنارة، فمات ﵀» (٣) وقد ترجم ابن حجر لابن النابلسي المتقدم بملخص تلك الترجمة مع عزوه لشيخه العراقي (٤). ونلاحظ من هذين النموذجين، بجانب التوسع النشبي، صدق ما قدمته من

стр. 1186

أن العراقي قد سجّل جوانب كثير من تراجم تلك الوفيات بناءً على معاينته، واتصاله المباشر بصاحب الترجمة، وبهذا كان للمعلومات والحقائق التاريخية التي ذكرها عن الشخص أهميتها، واعتبارها عند من بعده، وبهذا تميّزت تراجمه لكثير من الأشخاص في تلك الوفيات، عن تراجم غيره ممّن شاركه في تناول وفيات نفس الفترة كشيخيه: ابن رافع والإسنوي وكمعاصريه: ابن عرام وابن سند، وقد تقدّمت نماذج المقارنة بينه وبينهم في العنصر الهام في الوفيات، وهو تحديد زمن وفاة الشخص. تلخيص شهاب الدين بن حجي لوفيات العراقي: قد تجاوز أثر كتاب وفيات العراقي حدود مصر إلى الشام، حيث إنّ شهاب الدين أحمد بن حجي المتوفّى سنة ٨١٦ هـ وأحد مؤرخي الشام في عصره كما تقدم، ذكر ذيل العراقي على العبر المتقدّم بحثه، وقال «إنه ينتهي إلى آخر سنة ٧٦٣ هـ»، ثم قال: «وقد وقفتُ على وفيات آخر للشيخ زين الدين (العراقي) بخطه، بعد تلك الوفيات ولخصت منه كراريس». هـ (١). فقوله «وفيات آخر بعد تلك الوفيات» يفيد أن ذيل العراقي على العبر كان يطلق عليه أيضًا اسم «الوفيات» لكون معظمه وفيات كما قدّمت، ويفيد أيضًا أن كتاب الوفيات هذا، يتجاوز مضمونه آخر سنة ٧٦٣ هـ التي ينتهي بها «ذيل العبر»، وهذا مطابق للنقول التي وقفت عليها من الوفيات كما تقدم، ومن جهة أخرى فإنه لم يعرف كتاب للعراقي في الرجال تجاوز سنة ٧٦٣ هـ غير كتاب الوفيات هذا، وبذلك يكون هو الذي وقف عليه ابن

стр. 1187

حجي ولخص منه كراريس، ثم إن قوله: لخصت منه كراريس، يفيد أنه لم يلخص الكتاب كله في تلك الكراريس، بل لخص ما كان يحتاجه منه وهذا يدل على أن حجم وفيات العراقي هذه كان كبيرا، لأن الكراس في المخطوط عادة عشر ورقات، وأقل الجمع ثلاثة، فيكون حجم هذه الكراريس الملخصة منه ثلاثين ورقة على الأقل، بينما بلغ «منتقى ابن خطيب الناصرية من «ذيل العبر» كله ٩ صفحات كما تقدم، أي أربع ورقات ونصف. وهذا يؤكد ما قدمته من خصوبة المادة العلمية التي أودعها العراقي في تلك الوفيات، وتوسعه فيها عن «ذيل العبر» وعن تذييله الآتي على «ذيل وفيات الأعيان»، وتلخيص ابن حجي لهذا القدر الكبير من تلك الوفيات، دليل على احتياجه له، حيث إن له مؤلفات تاريخية يدخل في نطاقها الفترة الزمنية التي تناول العراقي وفياتها في كتابه (١)، فلابد أن يكون استفاد فيها نصا وروحا، بما لخصه. جـ - «تذييل العراقي على ذيل الحافظ ابن أيبك الدمياطي على «وفيات الأعيان» لابن خلكان، وأثر ذلك». مكانة الكتاب وتمييزه عن الذيل السابق، وتصحيح وهم حاجي خليفة فيه: ألف شمس الدين أحمد بن محمد، المعروف بابن خلكان المتوفى سنة ٦٨١ هـ كتاب «وفيات الاعيان وأنباء أبناء الزمان» فتناول فيه ترجمة كل من وقف على خبره، ممن له شهرة بين الناس، منذ عصر الصحابة رضي الله

стр. 1188

عنهم، حتى عصره، مع العناية بذكر تاريخي المولد والوفاة ما أمكن ولكنه لم يذكر من الصحابة والتابعين إلا قليلا، اكتفاء بمصنفات غيره فيهم، وقد اختار ترتيب من ترجمهم على حروف المعجم تسهيلا على الباحث، وقال في مقدمته: (وكان ترتيبي له في شهور سنة ٦٥٤ هـ بالقاهرة). وقال صاحب «كشف الظنون»: (إنه أتم الكتاب في ٢٢ جمادى الآخرة سنة ٦٧٢ هـ بالقاهرة) (١) وقد كثر استعمال الناس له واشتهر (٢) في حين لاحظ العلماء من بعده أنه قد فات مؤلفه ترجمة كثير من الفضلاء والعلماء السابقين عليه، والمعاصرين له (٣). كما توفي من بعده من ينبغي ترجمته، فاتجهت هممهم للتذييل عليه بذكر ما فاته، أو جد بعده، مع اتباع منهجه في الترتيب على حروف المعجم (٤). وقد ذكر صاحب «كشف الظنون» ممن ذيل عليه أبو الحسين أحمد بن أيبك الدمياطي صاحب الذيل في «وفيات النقلة»، الذي تقدم تذييل العراقي عليه أيضًا، وقال بعد ذكر ذيل الدمياطي هذا: «والشيخ زين الدين العراقي المتوفى سنة ٨٠٦ هـ ذيل الذيل المتقدم في نحو ٣٠ ترجمة» (٥). ولم يذكر صاحب «كشف الظنون» ولا غيره أية تفصيلات عن ذيل ابن

стр. 1189

أيبك المذكور، كما أني لم أجد شيئًا من نسخه حتى أتعرف عليه، ولكن مقتضى التذييل أن يكون ما ذيله من التراجم قد رتبه على حروف المعجم مثل كتاب ابن خلكان المذيل عليه، وبذلك يتميز ذيله عليه، عن ذيله المتقدم على «وفيات النقلة» لعز الدين الحسيني، لأن وفيات الحسيني كما رأيتها (١) تراجمها مرتبة حسب زمن الوفاة، في السنوات وأجزائها، فيقتضي التذييل عليها إتباع منهجها بالترتيب على السنوات، لا على حروف المعجم، وبهذا يتميز أيضًا ذيل العراقي على وفيات ابن أبيك نفسه السابقة عن ذيله على وفياته هذه، فالأول مرتب ترتيبًا زمنيا على السنوات حسب منهج الكتاب المذيل عليه، وهذا مرتب ترتيبا معجميا حسب منهج الكتاب المذيل عليه أيضًا، ويوجد فرق آخر يميزهما عن بعضهما من ناحية المضمون، فهذا الذيل على «ذيل وفيات الأعيان» ينحصر من فيه فيمن توفي سنة ٦٩٠ هـ إلى سنة ٧٥٠ هـ، أما الذيل السابق فيبدأ بمن توفي سنة ٧٤١ هـ ويمتد إلى ما بعد سنة ٧٦٨ هـ كما تقدم، وبذلك يكون مشتملا على وفيات أكثر من ٢٠ سنة بعد نهاية هذا الذيل، فهما إذا متمايزان منهجا ومضمونا، رغم اتفاقهما في تناول موضوع واحد هو وفيات العلماء وذوي الشأن. وهناك فرق ثالث في زمن التأليف، فالذيل السابق لابد أن يكون متأخرا في تأليفه عن سنة ٧٦٨ على الأقل، لتضمنه وفيات منها، أما هذا الذيل فقد ترجم فيه العراقي لشيخه إبراهيم بن عبد الرحمن بن سعد الله بن جماعة وقال: «وهو حي الآن (٢)، وقد توفي شيخه هذا في ذي الحجة سنة

стр. 1190

٧٦٤ هـ» (١) ومعنى هذا أن العراقي قد ألف هذا الذيل قبل تاريخ وفاة شيخه المذكور، وبذلك يكون الفرق الزمني بين تأليف الذيلين عدة سنين كما ترى. وأما ما ذكره صاحب «كشف الظنون» من أن ذيل العراقي هذا يتضمن نحو ٣٠ ترجمة، فَيُعَدُّ قدرًا ضئيلا جدا بالنسبة لمحتوى نسخة الكتاب الموثقة التي وفقني الله لاكتشافها من بين مجهولات المخطوطات، وفحصتها جيدا من أولها لآخرها، ولعل صاحب «كشف الظنون» أو من نقل هو عنه لم يقع له إلا هذا القدر الضئيل من الكتاب، خاصة وأن غيره ممن ذكره ضمن مؤلفات العراقي لم يحدد محتواه هكذا كما نوضحه فيما يلي: نسبة الكتاب إلى العراقي وتعدد تسميته: وقد صرح بنسبة هذا الذيل إلى العراقي أكثر من واحد، قبل وبعد صاحب «كشف الظنون» مع تعدد تسميتهم له، فشهاب الدين الغزي يقول «إن العراقي عمل على» وفيات الأعيان، ذيلا على ذيل الحسين بن أيبك، وصاحب «هدية العارفين» من بعده يعد من مؤلفات العراقي ذيلا «لوفيات الأعيان» لابن خلكان (٢) وابن فهد تلميذ العراقي بالإجازة يقول إنه «معجم يشتمل على تراجم جماعة من أهل القرن الثامن (الهجري) غالبهم من شيوخ شيوخ العراقي، ومنهم من شيوخه (٣) وهذا الوصف ينطبق على واقع النسخة

стр. 1191

التي وقفت عليها من هذه الوفيات كما سيأتي توضيحه، وقد ذكره الكتاني بنفس عبارة ابن فهد السابقة دون عزوها (١)، وذكرها الزركلي أيضًا باختصار فقال: «ومعجم ترجم به جماعة من أهل القرن الثامن للهجرة» (٢). وأطلق عليه ابن خطيب الناصرية كما سيأتي، «تاريخ العراقي» وعنونت نسخته: الآتية (بوفيات عراقية) ويعتبر عدم تسمية العراقي للكتاب باسم معين سببًا في تعدد العبارات عنه هكذا، حيث صار كل واحد يطلق عليه ما يراه معبرا عنه، أو ما يرى غيره عبر به عنه، ولذا ميزته من جانبي، بالمنهج، وبالمضمون وزمن التأليف من واقع الاطلاع الفاحص على نسخته، وعلى المنتقى منه الآتيين: بعض نسخ الكتاب الخطية وتصحيح خطأ المفهرسين في نسبتها لغير العراقي رغم كثرة البحث والتنقيب لم أقف إلا على نسخة واحدة من هذا الكتاب، موجودة بمكتبة كوبريلي زادة ضمن مجموعة برقم (١٦٢٦) وذكرها للمفهرس بقوله: كتاب في التاريخ بعنوان «الوفيات العراقية» (٣) ولم يزد على ذلك. وقد صور معهد المخطوطات هذه النسخة وتوجد صورتها الميكروفيلمية بالمعهد برقم (٦٣٧) تاريخ، وقد تولى الأستاذ فؤاد سيد ﵀ فهرستها فذكر أنها عبارة عن جزء به تراجم ووفيات مختصرة لبعض العلماء … وهو مسودة مكتوبة بخط يشبه خط الحافظ ابن حجر العسقلاني، وذكر أن في

стр. 1192

ذيل الورقة الأولى استدراك على ترجمة الحافظ الدمياطي بخط أحمد بن العراقي المتوفى سنة ٨٢٦ هـ، وأن على ظاهر الورقة الأولى ترجمة له بخط مخالف لخط النسخة، وأنه ربما كان أحمد بن العراقي هو جامع هذه التراجم والوفيات، وذكر أن على ورقة أخرى بيضاء بأول الجزء مكتوب بخط مخالف لخط الجزء أيضًا «وفيات عراقية» (١). وقد طلبت الصورة واطلعت عليها فوجدت بأولها وآخرها صورة بطاقتين للتعريف بها، وكتب فيهما أن مؤلف الكتاب هو «أحمد بن العراقي» وأن النسخة بخط المؤلف، ثم فحصت النسخة جيدًا من أولها لآخرها، فظهر لي بشأنها ما يأتي: ١ - أن تشبيه المفهرس خطها بخط ابن حجر مستبعد، لأنه تلميذ أحمد بن العراقي الذي كتب عليها بخطه بعض الاستدراكات، والمعهود استدراك التلميذ على شيخه، والمتأخر على المتقدم، وليس العكس، وإنما خطها يشبه خط العراقي والد أحمد، كما يظهر من مقارنته بما وصل إلينا من خطه، ثم استدرك ابنه عليه بخطه وتوقيعه كما ذكر. ٢ - أن عنوان النسخة ليس على ورقة أخرى غير التي فيها ترجمة أحمد ابن العراقي كما ذكر المفهرس، بل هما على ورقة واحدة بأول النسخة وبخط مخالف فعلا لخطها، وقد كتب على الوجه الأول من الورقة العنوان «وفيات عراقية» وعلى الوجه الثاني ترجمة أحمد بن العراقي. ٣ - تبين لي أن هذه نسخة من ذيل زين الدين العراقي على ذيل ابن أيبك

стр. 1193

على «وفيات الأعيان» كما ذكر المترجمون للعراقي فيما تقدم، وعليه فإن من عنون النسخة «بوفيات عراقية» ثم ترجم لأحمد ابن العراقي في الوجه التالي لصفحة العنوان، وكذا توقع فؤاد سيد ﵀ أن يكون أحمد ابن العراقي هو المؤلف، وكما جزم غيره بذلك في البطاقتين المصورتين مع النسخة، كل ذلك خطأ، والصواب أن العراقي هو مؤلف الكتاب، وليس ولده أحمد، ومن أدلة ذلك ما يأتي: أ - أن الكتاب اشتمل على ترجمة عدد من شيوخ العراقي المعروفين الذين أكثر الأخذ عنهم، بل فيهم أول من قرأ العراقي عليه الحديث، وقد صرّح في ترجمته لهم بأنه سمع واستفاد منهم كثيرًا، أو قرأ عليهم، مع تأريخه وفاتهم بما هو سابق على مولد ابنه أحمد بأكثر من (١٢) أو (١٥) سنة، فقد ترجم في باب الألف لأحمد بن الفرج بن البابا - وهو أول من قرأ عليه العراقي الحديث (١) فقال في ترجمته «قرأت عليه أكثر «الإلمام» للشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد، واستفدت منه كثيرًا»، ثم أرخ وفاته في العشر الأخير من شوال سنة ٧٤٩ هـ (٢)، بينما أحمد بن العراقي مولود سنة ٧٦٢ هـ (٣) ومقتضى نسبة الكتاب له أن يكون قرأ على ابن البابا هذا واستفاد منه كثيرًا كما ذكر، فكيف يتأتى هذا وبين وفاة ابن البابا وميلاد أحمد بن العراقي أكثر من ١٢ سنة كما ترى؟ كذلك ترجم في باب العين لعبد الرحيم بن عبد الله المعروف بابن شاهد الجيش وقال عنه «سمعت عليه «صحيح البخاري» وأرخ وفاته

стр. 1194

في ١٧ ربيع الأول سنة ٧٤٦ هـ (١) فبين وفاته وولادة أحمد بن العراقي أكثر من ١٥ سنة فكيف يكون سمع عليه «صحيح البخاري» كما هو مصرح به في الترجمة؟ ومن جهة ثانية فإن ما ذكر عن شيوخ العراقي في هذه الوفيات، موافق لما ذكر عنهم في المراجع الأخرى، ولما نقله العلماء بشأنهم عن العراقي، فقد ترجم ابن فهد لابن البابا المتقدم وقال في ترجمته: «إن العراقي قرأ عليه (الإلمام) لابن دقيق العيد إلا يسيرا من آخره» (٢). وقال أيضًا في ترجمة العراقي: «إنه سمع «صحيح البخاري» من عبد الرحيم بن شاهد الجيش» (٣)، وهذا وذاك مطابق لما نقلته آنفًا من تلك الوفيات بشأن شيخي العراقي هذين. ب - يلاحظ أيضًا أن الوصف المتقدم ذكره عن ابن فهد لمحتوى هذه الوفيات ومنهجها مطابق لمحتوى هذه النسخة، فقد ذكر أنها مرتبة على حروف المعجم وهذه كذلك مرتبة على حروف المعجم، كما ذكر أنها مشتملة على جماعة غالبهم من شيوخ شيوخ العراقي وفيهم من شيوخه، وهي كذلك فعلاً، وقد ذكرت آنفًا اثنين من شيوخه، وممن فيها من شيوخ شيوخه: أحمد بن حمدان ابن شبيب الحنبلي المتوفى سنة ٦٩٥ هـ فقد قال العراقي في ترجمته: «حدثنا عنه أبو الحرم القلانسي، ومظفر بن العطار، وناصر الدين اليونسي، وناصر الدين الفارقي، وهؤلاء الأربعة من شيوخ العراقي فعلا، وابن حمدان هذا شيخهم كما ترى، وفي كثير ممن ترجمهم يقول عن المترجم له: «حدثونا عنه».

стр. 1195

ج - كما أني وفقت في الحصول على منتقى من هذه الوفيات لابن خطيب الناصرية بخطه، وعنونه بقوله: «منتقى من تاريخ العراقي» وقال في نهايته: «آخر المنتقى من تاريخ العلامة الحافظ زين الدين العراقي» فنسب الأصل المنتقى منه صراحة للعراقي كما ترى، وقد فحصت جميع منتقاه فوجدته مرتبا على حروف المعجم كالأصل، ثم قارنت عدة تراجم مختلفة منه بما في نسخة الأصل المتقدمة فوجدتها مطابقة لها تماما ما عدا اختلافات النساخ المعروفة. وبهذا كله يتأكد كون النسخة السالفة الذكر هي نسخة من «ذيل العراقي على ذيل وفيات الأعيان»، وتصح نسبتها له، لا لولده أحمد، غاية ما في الأمر أنها لما كانت مسودة كما سنوضحه، فقد ترك بها العراقي بعض الفراغات لاستيفاء بقية جوانب الترجمة، ولم يتح له ذلك، فلما اطلع ولده على النسخة ألحق بها بخطه ما تيسر له من الإضافات المتممة، أو المصححة، لما ذكره والده في الأصل، كما سأوضحه بعد، وقد وقع باسمه تحت عدد من تلك الإضافات في خلال النسخة. (١) ثم ألحق الباقي بلا توقيع اعتمادا على توقيعاته الأخرى، ثم اطلع على هذه التوقيعات بعض من وقف على النسخة فعنونها «بوفيات عراقية» لذلك، وترجم لأحمد بن العراقي في أولها تحسبًا لأنه هو المؤلف، والحقيقة ما تقدم لك من أنه ليس له إلا الإلحاقات التي أضافها للأصل ووقع تحت عدد منها باسمه، وأما الأصل فهو من تأليف والده، وخطه مشابه جدًا لما رأيته بخطه، فليتنبه لذلك من يطلع أو يعتمد على تلك النسخة النادرة، أو على صورتها
следующие страницы →