← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 30167

الحافظ العراقي وأثره في السنة

أحمد بن معبد عبد الكريم

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.

стр. 1191

التي وقفت عليها من هذه الوفيات كما سيأتي توضيحه، وقد ذكره الكتاني بنفس عبارة ابن فهد السابقة دون عزوها (١)، وذكرها الزركلي أيضًا باختصار فقال: «ومعجم ترجم به جماعة من أهل القرن الثامن للهجرة» (٢). وأطلق عليه ابن خطيب الناصرية كما سيأتي، «تاريخ العراقي» وعنونت نسخته: الآتية (بوفيات عراقية) ويعتبر عدم تسمية العراقي للكتاب باسم معين سببًا في تعدد العبارات عنه هكذا، حيث صار كل واحد يطلق عليه ما يراه معبرا عنه، أو ما يرى غيره عبر به عنه، ولذا ميزته من جانبي، بالمنهج، وبالمضمون وزمن التأليف من واقع الاطلاع الفاحص على نسخته، وعلى المنتقى منه الآتيين: بعض نسخ الكتاب الخطية وتصحيح خطأ المفهرسين في نسبتها لغير العراقي رغم كثرة البحث والتنقيب لم أقف إلا على نسخة واحدة من هذا الكتاب، موجودة بمكتبة كوبريلي زادة ضمن مجموعة برقم (١٦٢٦) وذكرها للمفهرس بقوله: كتاب في التاريخ بعنوان «الوفيات العراقية» (٣) ولم يزد على ذلك. وقد صور معهد المخطوطات هذه النسخة وتوجد صورتها الميكروفيلمية بالمعهد برقم (٦٣٧) تاريخ، وقد تولى الأستاذ فؤاد سيد ﵀ فهرستها فذكر أنها عبارة عن جزء به تراجم ووفيات مختصرة لبعض العلماء … وهو مسودة مكتوبة بخط يشبه خط الحافظ ابن حجر العسقلاني، وذكر أن في

стр. 1192

ذيل الورقة الأولى استدراك على ترجمة الحافظ الدمياطي بخط أحمد بن العراقي المتوفى سنة ٨٢٦ هـ، وأن على ظاهر الورقة الأولى ترجمة له بخط مخالف لخط النسخة، وأنه ربما كان أحمد بن العراقي هو جامع هذه التراجم والوفيات، وذكر أن على ورقة أخرى بيضاء بأول الجزء مكتوب بخط مخالف لخط الجزء أيضًا «وفيات عراقية» (١). وقد طلبت الصورة واطلعت عليها فوجدت بأولها وآخرها صورة بطاقتين للتعريف بها، وكتب فيهما أن مؤلف الكتاب هو «أحمد بن العراقي» وأن النسخة بخط المؤلف، ثم فحصت النسخة جيدًا من أولها لآخرها، فظهر لي بشأنها ما يأتي: ١ - أن تشبيه المفهرس خطها بخط ابن حجر مستبعد، لأنه تلميذ أحمد بن العراقي الذي كتب عليها بخطه بعض الاستدراكات، والمعهود استدراك التلميذ على شيخه، والمتأخر على المتقدم، وليس العكس، وإنما خطها يشبه خط العراقي والد أحمد، كما يظهر من مقارنته بما وصل إلينا من خطه، ثم استدرك ابنه عليه بخطه وتوقيعه كما ذكر. ٢ - أن عنوان النسخة ليس على ورقة أخرى غير التي فيها ترجمة أحمد ابن العراقي كما ذكر المفهرس، بل هما على ورقة واحدة بأول النسخة وبخط مخالف فعلا لخطها، وقد كتب على الوجه الأول من الورقة العنوان «وفيات عراقية» وعلى الوجه الثاني ترجمة أحمد بن العراقي. ٣ - تبين لي أن هذه نسخة من ذيل زين الدين العراقي على ذيل ابن أيبك

стр. 1193

على «وفيات الأعيان» كما ذكر المترجمون للعراقي فيما تقدم، وعليه فإن من عنون النسخة «بوفيات عراقية» ثم ترجم لأحمد ابن العراقي في الوجه التالي لصفحة العنوان، وكذا توقع فؤاد سيد ﵀ أن يكون أحمد ابن العراقي هو المؤلف، وكما جزم غيره بذلك في البطاقتين المصورتين مع النسخة، كل ذلك خطأ، والصواب أن العراقي هو مؤلف الكتاب، وليس ولده أحمد، ومن أدلة ذلك ما يأتي: أ - أن الكتاب اشتمل على ترجمة عدد من شيوخ العراقي المعروفين الذين أكثر الأخذ عنهم، بل فيهم أول من قرأ العراقي عليه الحديث، وقد صرّح في ترجمته لهم بأنه سمع واستفاد منهم كثيرًا، أو قرأ عليهم، مع تأريخه وفاتهم بما هو سابق على مولد ابنه أحمد بأكثر من (١٢) أو (١٥) سنة، فقد ترجم في باب الألف لأحمد بن الفرج بن البابا - وهو أول من قرأ عليه العراقي الحديث (١) فقال في ترجمته «قرأت عليه أكثر «الإلمام» للشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد، واستفدت منه كثيرًا»، ثم أرخ وفاته في العشر الأخير من شوال سنة ٧٤٩ هـ (٢)، بينما أحمد بن العراقي مولود سنة ٧٦٢ هـ (٣) ومقتضى نسبة الكتاب له أن يكون قرأ على ابن البابا هذا واستفاد منه كثيرًا كما ذكر، فكيف يتأتى هذا وبين وفاة ابن البابا وميلاد أحمد بن العراقي أكثر من ١٢ سنة كما ترى؟ كذلك ترجم في باب العين لعبد الرحيم بن عبد الله المعروف بابن شاهد الجيش وقال عنه «سمعت عليه «صحيح البخاري» وأرخ وفاته

стр. 1194

في ١٧ ربيع الأول سنة ٧٤٦ هـ (١) فبين وفاته وولادة أحمد بن العراقي أكثر من ١٥ سنة فكيف يكون سمع عليه «صحيح البخاري» كما هو مصرح به في الترجمة؟ ومن جهة ثانية فإن ما ذكر عن شيوخ العراقي في هذه الوفيات، موافق لما ذكر عنهم في المراجع الأخرى، ولما نقله العلماء بشأنهم عن العراقي، فقد ترجم ابن فهد لابن البابا المتقدم وقال في ترجمته: «إن العراقي قرأ عليه (الإلمام) لابن دقيق العيد إلا يسيرا من آخره» (٢). وقال أيضًا في ترجمة العراقي: «إنه سمع «صحيح البخاري» من عبد الرحيم بن شاهد الجيش» (٣)، وهذا وذاك مطابق لما نقلته آنفًا من تلك الوفيات بشأن شيخي العراقي هذين. ب - يلاحظ أيضًا أن الوصف المتقدم ذكره عن ابن فهد لمحتوى هذه الوفيات ومنهجها مطابق لمحتوى هذه النسخة، فقد ذكر أنها مرتبة على حروف المعجم وهذه كذلك مرتبة على حروف المعجم، كما ذكر أنها مشتملة على جماعة غالبهم من شيوخ شيوخ العراقي وفيهم من شيوخه، وهي كذلك فعلاً، وقد ذكرت آنفًا اثنين من شيوخه، وممن فيها من شيوخ شيوخه: أحمد بن حمدان ابن شبيب الحنبلي المتوفى سنة ٦٩٥ هـ فقد قال العراقي في ترجمته: «حدثنا عنه أبو الحرم القلانسي، ومظفر بن العطار، وناصر الدين اليونسي، وناصر الدين الفارقي، وهؤلاء الأربعة من شيوخ العراقي فعلا، وابن حمدان هذا شيخهم كما ترى، وفي كثير ممن ترجمهم يقول عن المترجم له: «حدثونا عنه».

стр. 1195

ج - كما أني وفقت في الحصول على منتقى من هذه الوفيات لابن خطيب الناصرية بخطه، وعنونه بقوله: «منتقى من تاريخ العراقي» وقال في نهايته: «آخر المنتقى من تاريخ العلامة الحافظ زين الدين العراقي» فنسب الأصل المنتقى منه صراحة للعراقي كما ترى، وقد فحصت جميع منتقاه فوجدته مرتبا على حروف المعجم كالأصل، ثم قارنت عدة تراجم مختلفة منه بما في نسخة الأصل المتقدمة فوجدتها مطابقة لها تماما ما عدا اختلافات النساخ المعروفة. وبهذا كله يتأكد كون النسخة السالفة الذكر هي نسخة من «ذيل العراقي على ذيل وفيات الأعيان»، وتصح نسبتها له، لا لولده أحمد، غاية ما في الأمر أنها لما كانت مسودة كما سنوضحه، فقد ترك بها العراقي بعض الفراغات لاستيفاء بقية جوانب الترجمة، ولم يتح له ذلك، فلما اطلع ولده على النسخة ألحق بها بخطه ما تيسر له من الإضافات المتممة، أو المصححة، لما ذكره والده في الأصل، كما سأوضحه بعد، وقد وقع باسمه تحت عدد من تلك الإضافات في خلال النسخة. (١) ثم ألحق الباقي بلا توقيع اعتمادا على توقيعاته الأخرى، ثم اطلع على هذه التوقيعات بعض من وقف على النسخة فعنونها «بوفيات عراقية» لذلك، وترجم لأحمد بن العراقي في أولها تحسبًا لأنه هو المؤلف، والحقيقة ما تقدم لك من أنه ليس له إلا الإلحاقات التي أضافها للأصل ووقع تحت عدد منها باسمه، وأما الأصل فهو من تأليف والده، وخطه مشابه جدًا لما رأيته بخطه، فليتنبه لذلك من يطلع أو يعتمد على تلك النسخة النادرة، أو على صورتها

стр. 1196

الميكروفيلمية المذكورة آنفا، مع العلم أني عملت بطاقة بتصحيح نسبتها بالدليل للعراقي، وأودعتها مع الصورة الميكروفيلمية في العلبة المحفوظة بها في معهد المخطوطات، تنبيها للباحث والمفهرس فيما بعد، ومن الآن أصبح هذا الكتاب معروف المؤلف وهو العراقي، وصحيح النسبة إليه بفضل الله تعالى ثم بفضل هذا البحث والتحري. ٤ - لاحظت أن هذه النسخة فعلا مسودة المؤلف، حيث يوجد بها تراجم كاملة مضروب عليها، ومشار لتقدمها عن محلها (١)، فضلا عن الضرب الجزئي في عدة تراجم (٢)، كما أن بعض التراجم في سياقها تقديم وتأخير مشار له أيضا (٣) وبهوامشها كذلك إلحاقات للأصل، تكملة له، أو استدراكا عليه، وتحت ثلاثة إلحاقات خلال النسخة كلها توقيع أحمد بن العراقي (٤) وبعضها من إضافة المؤلف، للإشارة في نهايته بأنه من الأصل، (٥) وقد تكون تلك الإلحاقات عبارة عن ترجمة كاملة، أو عدة تراجم (٦). كذلك لاحظت أن عددا من التراجم غير مستوفي، وخصوصًا في باب الكنى، مع ترك فراغ لاستيفائه (٧). وقد يوجد فراغ بين ترجمة وأخرى قدر عدة سطور، لعله ترك

стр. 1197

لإضافة تراجم أخرى فيما بعد (١)، ولكن لم يتح له، وبعض الحروف ذكرها ولم يذكر تحتها تراجم، وعلق مقابل بعضها بالهامش بعبارة «خال» (٢) إلى غير ذلك من صفات المسودة، وعليه تكون هذه النسخة موثقة، باعتبار أنها بخط المؤلف مع مراجعة ولده أحمد لها وتعليقه عليها، وبذلك يمكن الاعتماد عليها في نقل نصوص الكتاب وتحقيقه ودراسته. ٥ - تعتبر هذه النسخة ناقصة من أولها، فأول ما فيها، ترجمة أحمد بن إسماعيل اللحام المتوفى سنة ٧٢٥ هـ (٣)، بينما جاء في باب العين منها ترجمة عبد العظيم بن عبد المؤمن بن خلف الدمياطي، وقال العراقي عنه: «واسمه أيضًا محمد، وقد تقدم في المحمدين» (٤)، وهذا يفيد أنه ترجم المحمدين أول الكتاب، وثنى بالأحمدين، كما سيأتي في منهجه، ويؤيد هذا أن منتقى هذا الكتاب لابن خطيب الناصرية وجدته يبدأ بمن اسمه «محمد» وترجم فيه قرابة الثلاثين نفسًا، ثم يليهم باب الألف، وأوله من اسمه أحمد (٥)، فعدم وجود أحد من المحمدين بنسخة الأصل يدل على نقصها، وعلى ضوء ما في هذا المنتقى من المحمدين يمكننا تقدير النقص الذي في أول نسخة الأصل بعدة أوراق، تتضمن مقدمة الكتاب، وجميع من ترجمهم العراقي فيه من المحمدين، وبعض الأحمدين حتى أحمد بن إسماعيل الذي هو أول الموجود منها، فليتنبه من يطلع على تلك.

стр. 1198

النسخة أو صورتها الميكروفيلمية إلى أنها ناقصة عدة أوراق من أولها، أما من آخرها، فهي كاملة، إلا أن بعض الأوراق بها محو يشتمل على نصف الصفحة طوليا نتيجة لعرق أو بلل، تعرضت له النسخة (١)، كما أن بعض الأوراق مرممة (٢)، ويبلغ عدد الأوراق الموجودة ٧٣ ورقة، وعدد سطور صفحاتها مختلف. مصادر العراقي في الكتاب: مع إيجاز التراجم عمومًا في هذا الذيل، إلا أنه تميز بذكر العراقي خلال التراجم لعدد من المصادر التاريخية التي اعتمد عليها، بجانب خبرته الشخصية بكثير ممن ترجمهم، لكونهم من شيوخه، أو من شيوخ شيوخه كما تقدم، ومن أهم المصادر التي ذكرها: «تاريخ الإسلام» للحافظ الذهبي، وهو أضخم مؤلفاته، حيث يبلغ نحو ٢٠ مجلدًا مخطوطًا كما يقول العراقي نفسه (٣) ولم يطبع من هذا الكتاب حتى الآن غير أجزاء يسيرة، ومنها أيضًا «تاريخ مصر» للحافظ قطب الدين عبد الكريم بن عبد النور الحلبي المتوفى سنة ٧٣٥ هـ، وهو كتاب ضخم كذلك، حيث يبلغ عدة مجلدات، ونصوصه هامة؛ لأن المؤلف مات عنه وهو مسودة لم يتم، ولم يبيض إلا أوائله، وهي عبارة عن تراجم من اسمه محمد، ولذلك لم ينتشر من بعده إلا النقول عنه كما فعل العراقي (٤)، وقد ترجم العراقي في هذا الذيل للقطب الحلبي مؤلف الكتاب.

стр. 1199

ومن مصادره التي أحال عليها بدون تحديد: (الوفيات) للحافظ علم الدين البرزالي المتوفى سنة ٧٣٩ هـ، كما ذكر العراقي في ترجمته له في هذا الذيل، ووفياته هذه مرتبة على السنوات، ووصل فيها إلى سنة ٧٣٨ هـ (١) لكن العراقي يعزو النقول إلى المؤلف فقط دون ذكر اسم الكتاب، فيقول: «وذكر البرزالي كذا» (٢)، وهذا اعتماد منه على أن الكتاب كان متداولًا في عصره، ومؤلفه معروف، وقد هذب الذهبي «وفيات البرزالي» هذه، فاعتمد العراقي على تهذيبه أيضًا حيث يقول: في تهذيب الذهبي لوفيات البرزالي كذا (٣). ومن المصادر التي أحال عليها بدون تحديد قوله: «ورأيت بخط ابن أبيك كذا»، دون تحديد الكتاب (٤)، فلعله يقصد ذيله المتقدم على وفيات النقلة، وكذلك يقول: «رأيت بخط نور الدين الهمداني» كذا (٥)، وقد ذكرت من قبل أن هذه الطريقة في الإحالة على المراجع منتقدة، والأفضل تحديد اسم الكتاب والمؤلف ما أمكن، منعا للبس. منهج العراقي في الكتاب، عرض ونقد: أولا: ترتيب التراجم وتبويبها: بدأ العراقي هذا الذيل بترجمة من اسمه «محمد» تبركًا بأشهر أسماء النبي ﷺ ، ثم رتب باقي الأسماء على حروف المعجم، وجعل لكل حرف بابا،

стр. 1200

فقال: «باب الألف، باب الباء، وهكذا، على أنه بدأ حرف الألف بمن اسمه (أحمد) تيمنا أيضًا باسم النبي ﷺ » ثم عاد بعد ذكر الأحمدين إلى الترتيب المعجمي لباقي الأسماء، فذكر من اسمه إبراهيم، ثم من اسمه إسحاق، ثم من اسمه إسماعيل وهكذا، وقد راعى في الترتيب المعجمي الحرف الأول من الاسم الأول غالبًا، مثلما فعل في رجال «تقريب الأسانيد» المتقدم ذكره، ولهذا ذكر في باب السين من اسمه سليمان، ثم من اسمه (سنجر)، ثم من اسمه (سنقر)، ثم من اسمه (سلامة)، مع أن مقتضى مراعاة باقي الحروف، أن يقدم من اسمه «سلامة» على جميع المذكورين قبله، اللهم إلا أن يكون اعتبر الحرف الثاني من هذا هو «اللام ألف» وقد قدمت في رجال «تقريب الأسانيد» أن مراعاة الحرف الثاني وما بعده أدق وأسهل في الكشف عن الشخص، فهي أولى، وقد أنهى العراقي ترتيب الأسماء بباب الياء، ثم عقد بابًا خاصا لمن عرف بكنيته، ورتبهم أيضًا على حروف المعجم، مبتدئا بمن كنيته أبو بكر ثم من كنيته أبو ثقاب وهكذا، وبعد نهاية هذا الباب عقد بابًا للنساء مرتبا تراجمهم أيضًا على حروف المعجم، وبنهاية هذا الباب انتهى الكتاب. ثانيا: مقومات الترجمة: لما كانت النسخة التي وقفت عليها من هذا الذيل هي مسودة المؤلف كما تقدم، فإني وجدت كثيرًا من التراجم، لم يتح للعراقي استيفاء العناصر المطلوبة فيها، فقد يذكر اسم الشخص، أو اسمه ونسبه، وقد يذكر بجانب ذلك كنيته ونسبته، أو لقبه، ثم يترك بياضًا لاستكمال باقي العناصر (١). أما

стр. 1201

في التراجم التي استكملها فقد عنى فيها بذكر أهم الجوانب التي تهم المحدث، وتميز صاحب الترجمة عن غيره، وتبين مكانته، كما قدمت في منهجه في رجال كتاب «تقريب الأسانيد» فيذكر الاسم وسلسلة النسب ما أمكنه، حتى إنه في ترجمة «عبد الوهاب بن جمال الدين بن فضل الله» أوصل سلسلة نسبه إلى سيدنا عمر بن الخطاب، ثم ذكر نسبته ولقبه فقال: «العدوي القرشي، العمري، شرف الدين، ويلاحظ أنه لم يتبع قاعدة المؤرخين في ترتيب هذه العناصر، كما مر بيانه أيضًا في رجال «تقريب الأسانيد»، وعنى أيضًا ببيان أهم من روى عنهم الشخص، ومن رووا عنه، وقد يذكر طريقة الرواية، من سماع أو حضور أو إجازة، وعنى أيضًا بالتوثيق والتجريح، حسبما تقضي قواعد المحدثين النقدية، فمن كان فيه جرح بينه، ومن كان عدلا ذكر بعض الثناء عليه، كقوله عن بعضهم: «عبد الرحمن بن محمد بن عسكر: له أخلاق طيبة» (١) وقوله عن المحدث عبد الغفار بن محمد عبد الكافي الشافعي … : وكان حسن الخط والضبط» (٢)، وممن بين جرحه عبد الواحد ابن كثير بن ضرغام الشيخ المقرئ، حيث قال: «إنه قرأ على السخاوي (٣) وحدث عنه، فنسي القرآن، فلهذا لم يقرأ عليه أحد، وفي ترجمة أحمد بن محسن بن مكي ابن حسن قال: «وكان عارفًا بكل علم» ثم قال: «وكان جريئًا» (٤)، كان يخل بالصلوات ويتكلم في الصحابة» (٥).

стр. 1202

وفي ترجمة يعقوب بن أحمد بن يعقوب قال: «وحدث قديما، وأكثر عنه الطلبة، واختلط قبل موته بيسير» (١)، وقد لا يذكر في ترجمة الشخص ما يفيد جرحه ولا تعديله. وعنى أيضا بتحديد تاريخي المولد والوفاة ولو بالتقريب، واهتم أكثر بتاريخ الوفاة، باعتباره العنصر المعنون به الكتاب، وحدد مكانها كثيرًا، كمصر، والإسكندرية، ودمشق، وحلب وبغداد، على أن هناك عدة وفيات لم يذكرها (٢)، وإذا كان للشخص نتاج علمي في الحديث أو في غيره، أو وظيفة علمية، كتدريس أو تحديث، بين ذلك إجمالاً أو تفصيلاً، وكذلك يبين ما للشخص من رحلات علمية، وأوسع من بين رحلاته: «سحر بن عبد الله الدوداري التركي» حيث قال: «سمع بمكة والمدينة والقدس وأنطاكية وصفد وحماة والكرك وحمص ومصر والإسكندرية وقوص، ومنية بني خصيب، والفيوم، وجدة وينبع» (٣). آراء العراقي في الكتاب: لم يعتمد العراقي في هذا الذيل على ذكر رأي واحد في أغلب التراجم، كما فعل في «ذيل العبر» السابق ولكنه عنى في النقاط المختلف فيها بذكر أكثر من رأى، ونظرًا لأن الكتاب كان ما يزال مسودة، فإنه قد يذكر الآراء بدون ترجيح لأحدها، مثلما في ترجمة «عبد الرحمن بن مخلوف بن عبد الرحمن»، حيث قال: «مولده بالإسكندرية تقريبا سنة ٦٢٧ هـ أو سنة

стр. 1203

٦٢٨ هـ، ورأيت بخط ابن أيبك أنه في سنة ٦٢٩ هـ تقريبا» (١)، وفيمن اسمه (محمد) قال: «محمد بن عمر بن وقار»، ثم علق عليه بالهامش بخطه أنه في تاريخ مصر لعبد الكريم الحلبي قال: «ابن أبي وقار» (٢) وربما أشار إلى الحاجة لتحقيق الآراء المختلفة حتى يتضح الصواب، أو الراجح منها، مثل قوله في ترجمة عثمان بن ظافر الثغري، حيث قال، في بيان لقبه: «إنه شرف الدين»، ثم قال وفي موضع آخر: «فخر الدين، فيحرر» (٣)، وفي ترجمة عثمان بن السيف محمد بن عبيد الدمشقي قال: «توفي في شهر ربيع الأول سنة ٧٢٨ هـ، وفي «تهذيب الذهبي لوفيات البزرالي» أن وفاته في شهر ربيع الآخر من السنة»، ثم قال وذكره في المتوفين في شهر ربيع الأول أيضا فيحرر (٤)، وقد يرجح أحد الآراء بتقديمه، أو بحكاية مقابله بصيغة التضعيف، مثال الأول: أنه في ترجمة عثمان بن عبد الرحمن بن عبد الكريم قال: «مولده - ٢٦ شوال سنة ٦٤٧ هـ، وفي «تهذيب الذهبي لوفيات البرزالي» أنه ولد في شوال سنة ٦٤٨ هـ» (٥). فتقديمه للرأي الأول إشارة منه إلى ترجيحه على الثاني. ومثال الثاني: ما جاء في ترجمة عبد الرحيم بن عبد المنعم بن خلف حيث قال: «وتوفي ليلة الجمعة أو صبحها ٧ محرم سنة ٦٩٥ هـ» ثم علق عليه

стр. 1204

بالهامش قائلا: «وقيل سلخ المحرم من السنة، وبه جزم الذهبي في «تاريخ الإسلام» (١) فحكايته للرأي الأخير بصيغة «قيل» يشير إلى تضعيفه له، وترجيح ما قبله، وفي ترجمة علي بن عمر بن أبي بكر العراقي قال: «ومولده سنة ٦٣٥ هـ وقيل سنة ٦٣٦ هـ» (٢)، وفي ترجمة عتيق بن عبد الرحمن بن أبي الفتح قال: «وحدث، ويقال إنه قليل الإفادة للطلبة، ضنينا بكتبه عليهم» (٣). وقد يعقب على بعض أحوال المترجم بما يدل على نقده لها، ففي ترجمة علي بن يوسف بن حريز الملقب بنور الدين الشطنوفي، وهو من شيوخ شيخ العراقي برهان الدين الرشيدي، قال العراقي: «وله تأليف كبير في مناقب الشيخ عبد القادر الكيلاني، والأولياء الذين كانوا في زمنه، وأثنوا عليه، وكله بالأسانيد المتصلة» يعني بين الشيخ نور الدين، ومن نقل عنهم في الكتاب، وقد توقف العراقي في هذا فقال: «سألت شيخنا الشيخ برهان الدين الرشيدي عن هذا التأليف وكيف وقع له، أي للشيخ نور الدين، هذا التأليف باتصال الإسناد؟ فقال: أي الرشيدي، كان الشيخ نور الدين معظما قبل أن يؤلف هذا الكتاب (٤)» ومعنى ذلك أن العراقي شك في إمكان اتصال السند بين الشيخ نور الدين وبين من روى عنهم ما في الكتاب، نظرا لتأخره عن زمنهم، كثيرا، وقد أقره شيخه الرشيدي على ذلك. وبمثل هذه الأمثلة يتضح لنا أن العراقي ضمن هذا الذيل كثيرا من آرائه في

стр. 1205

الرجال الذين ترجمهم، وبذلك كان له جهده وأثره في البحث والتحقيق، والترجيح والتضعيف، والنقد الصائب، وهذا مما أظهر شخصيته العلمية، بجانب أسلافه ومعاصريه الذين اعتمد على بعض مؤلفاتهم وآرائهم. نماذج من تراجم الكتاب مقارنة بغيرها: فمن ذلك ترجمته للحافظ عبد الكريم الحلبي حيث قال: «عبد الكريم ابن عبد النور بن منير قطب الدين أبو محمد، الحافظ، ومولده بحلب سنة ٦٦٤ هـ، وتوفي سلخ شهر رجب سنة ٧٣٥ هـ، سمع عليه قاضي القضاة عز الدين، وولده سراج الدين، جزء ابن عرفة، بسماعه من العز الحراني، وسمع عليه قاضي القضاة الصدر الكوكبي، مجلسًا من الإملاء أوله: حديث «كل أمر ذي بال» وسمع أيضًا من ابن العماد، وإبراهيم بن محمد المقدسي، وغازي، وخلق، بالقاهرة، وزينب بنت مكي وابن البخاري، بدمشق وابن الدهان وابن الفرات بالإسكندرية، وجمع، وصنف شرح معظم «صحيح البخاري»، ودرس الحديث بجامع الحاكم» (١). وعندما نقارن هذه الترجمة بترجمة ابن تغري بردي للقطب الحلبي هذا (٢) نجد هناك اختلافًا، فالعراقي حدّد مكان الولادة وهو (حلب) بينما لم يحددها ابن تغري بردي، وحدد العراقي تاريخ الميلاد سنة ٦٦٤ هـ ووافقه عليه السيوطي (٣)، بينما حدده ابن تغري بردي سنة ٦٨٤ هـ وهو بعيد، وحدد

стр. 1206

العراقي تاريخ الوفاة باليوم والشهر، حيث قال: «توفي سلخ شهر رجب، أي آخره، بينما حدده ابن تغري بردي ببداية السنة فقط وهي سنة ٧٣٥ هـ، ولا شك أن تحديد الشهر واليوم أدق. كذلك عنى العراقي بتفصيل النشاط الحديثي للحلبي، فذكر أهم من أخذ عنهم الحديث ورحلاته في ذلك، كما ذكر أهم من أخذوا عنه، وتدريسه للحديث، ولم يذكر ابن تغري بردي شيئًا من ذلك، وقد لقب ابن تغري بردي، الحلبي بالحافظ والمؤرخ، وذكر بجانب شرحه للبخاري تأليفه لتاريخ مصر، بينما اقتصر العراقي على الجانب الحديثي فقط، فوصفه بالحافظ، وذكر تأليفه لشرح معظم البخاري، مع أنه كان يعلم تأليفه لكتاب «تاريخ مصر» بدليل أنه اعتمد عليه في نفس هذا الذيل، كما تقدم في مصادره، ولا شك أن مجال الترجمة للشخص يقتضي ذكر جوانب نشاطه الهامة، بجانب تخصصه، ولذا فإن صنيع ابن تغري بردي في هذه النقطة أحسن. ومن تراجمه أيضًا ترجمته (للحافظ الدمياطي) حيث قال: «عبد المؤمن ابن خلف بن أبي الحسين الدمياطي، الحافظ، شرف الدين، أبو محمد، مولده سنة ٦١٣ هـ وتوفي في ٢٥ ذي القعدة سنة ٧٠٤ هـ حدثنا عنه أبو العباس أحمد بن يوسف الخلاطي في آخرين» (١). وقد ترجم جمال الدين الإسنوي - شيخ العراقي - للدمياطي أيضًا في طبقاته (٢)، وعند مقارنة الترجمتين نجد بينهما اختلافًا، فالترجمة التي

стр. 1207

ذكرها العراقي كما ترى، لا تجاوز سطرين، بينما الترجمة التي ذكرها الإسنوي موسعة بحيث تبلغ ١٥ سطرا، وعناصرها مستوفاة، وقد حدد الإسنوي مكان الولادة وهي دمياط، وذكر أن الدمياطي بجانب إمامته لأهل زمانه في الحديث، كان فقيها أصوليا نحويا لغويا أدينا شاعرا، مصنفًا تصانيف شهيرة، وذكر أيضًا نشاطه الحديثي، فبين أهم من سمع منهم، ورحلاته الواسعة في ذلك، بين مصر والشام والحجاز وبغداد، ثم رحلة الطلبة من الأقطار إليه، وتدريسه بالقبة المنصورية، وبالمدرسة الظاهرية، كما ذكر إشادة البرزالي في تاريخه بعلم الدمياطي وفضله، وكل هذا كما ترى، لم يذكر العراقي منه شيئًا، ولا شك أن هذا قصور ننتقده فيه، ثم إنه حدد تاريخ وفاة الدمياطي بـ ٢٥ ذي القعدة سنة ٧٠٤ هـ، بينما حددها شيخه الإسنوي بسنة ٧٠٥ هـ، ولم يحدد اليوم ولا الشهر، ومع هذا ذكر من الأحداث التي لابست وفاة الدمياطي ما يدل على تأكده منها، حيث قال: «وصلى العصر في الظاهرية، وحضر الميعاد، ثم غُشِي عليه في موضعه، فحمل إلى منزله بها، فمات من ساعته سنة ٧٠٥ هـ، وقد تابعه على هذا التحديد من بعده جلال الدين السيوطي» (١). ويلاحظ أن العراقي أوضح أن الدمياطي من شيوخ شيوخه، حيث قال: «حدثنا عنه أبو العباس أحمد بن يوسف الخلاطي، في آخرين، والخلاطي هذا من شيوخ العراقي، وقد سمع منه بعض ما رواه عن الدمياطي» (٢) وهذا مصداق وصف ابن فهد لهذا الكتاب بأن العراقي ترجم فيه كثيرًا من شيوخ شيوخه كما قدمت.

стр. 1208

ومن تراجم العراقي في هذا الذيل للنساء قوله: «سارة بنت عز الدين بن عمر بن أحمد بن عمر بن أنا بك، المقدسي، حضرت في الرابعة علي ابن عبد الدايم سنة ٦٥٩ هـ، و كُتِبَتْ في الأجائز، وتوفيت ليلة السبت ٢٩ جمادى الأولى سنة ٧٣٤ هـ، ودفنت بقاسيون» (١). الاستدراك على العراقي في هذا الكتاب: لما ترك العراقي هذا الذيل مسودة، دون أن يتاح له تحرير مادته العلمية بصفة نهائية وتبييضه، كان هذا سببًا في وجود بعض النقص، والأخطاء القليلة فيه، فلما اطلع ولده أبو زرعة على مسودة الكتاب، علق عليها بعض تعليقات، استدرك فيها على والده بعض النقص، والخطأ، اللذين وجدهما فمن ذلك أن العراقي ترجم للحافظ شهاب الدين أحمد بن أيبك الدمياطي الذي ذيل هذا الكتاب على كتابه، ولم يذكر في ترجمته تاريخ مولده فذكره أبو زرعة في نهاية الترجمة بخطه، وقال: «كتبه أحمد بن العراقي» (٢) وفي باب العين قال العراقي: «علي بن القاسم بن محمد» إلخ، فعلق أبو زرعة عليه بالهامش قائلا: «صوابه على بن أبي القاسم بن محمد، كذا في وفيات البرزالي، وتهذيب الذهبي» (٣). وقد تتبعت مثل هذه الاستدراكات على الكتاب كله، فوجدتها قليلة جدا بحيث لا تغض من قيمته ككل، بدليل ما سنذكره من الإقبال على الاستفادة منه.

стр. 1209

أثر الكتاب فيما بعده: لم يقف بقاء ذيل العراقي هذا في المسودة حائلا دون الاستفادة منه وتأثيره في مؤلفات من بعده في علم الرجال، حيث حرص بعض تلاميذ العراقي الأفذاذ، وغيرهم، على الاطلاع على الكتاب في مسودته، والاستمداد منه في تأليفهم كما يتضح ذلك من المثالين الآتيين: ١ - منتقى ابن خطيب الناصرية من الكتاب: فقد وجدت العلاء بن خطيب الناصرية انتقى تراجم عديدة من هذا الذيل بأكمله من أوله إلى آخره، ورتبها على نفس ترتيب نسخة الأصل، وهي المسودة المتقدم ذكرها، وقد عنون ابن خطيب الناصرية هذا المنتقى بقوله «منتقى من تاريخ العراقي» (١). وبدأ بالمحمدين كما هي بداية الأصل، وبلغ عدد ما انتقاه منهم قرابة الثلاثين ترجمة، ثم قال: «باب الألف» وبدأ المنتقى منه بالأحمدين، مثل الأصل أيضًا، ثم ذكر (باب الباء) وانتقى منه ما أراد، وهكذا حتى آخر الكتاب، بل إن الحروف التي بوب العراقي لها في الأصل، وتركها بياضًا بدون تراجم كما قدمت، وجدت ابن خطيب الناصرية قد ذكرها في المنتقى بدون تراجم تحتها، ترسما منه لمنهج الأصل، ولما بلغ في انتقائه على هذا المنوال إلى آخر الكتاب، وهو آخر باب النساء، قال: «آخر المنتقى من تاريخ العلامة الحافظ زين الدين العراقي، انتقاء كاتبه علي بن محمد بن سعد بن خطيب الناصرية، الحلبي الشافعي، فرغ منه اليوم الخميس ١٨ من شوال سنة ٧٠٦ هـ بالمدرسة

стр. 1210

الصالحية بالقاهرة المعزية والحمد لله … » (١) وبذلك يكون قد كتبه بعد قرابة شهرين فقط من وفاة العراقي، كما أنه كتب على هذا المنتقى عدة هوامش عزاها إلى خط العراقي، حيث يقول في بدايتها: «من خط المؤلف كذا، أو بخط المؤلف كذا»، وكتب عدة هوامش أخرى نسبها إلى أحمد بن العراقي، وهذا يوافق مسودة الكتاب المتقدمة، فلعلها هي التي اطلع عليها ابن خطيب الناصرية وانتقى منها، قيل أن تتعرض للنقص، نظرًا لقرب تاريخ انتقائه جدًا من حياة المؤلف، وقد صرّح في هذا المجموع في موضع آخر بأنه إلتقى بأحمد ابن العراقي، وسمع منه بالمدرسة الصالحية، التي ذكر فيما تقدم أنه كتب هذا المنتقى فيها، فلعل مسودة الكتاب كانت في حوزة أحمد بن العراقي، ومكّن تلميذه ابن خطيب الناصرية من انتقاء ما أراده منها، ويقع هذا المنتقى في قرابة عشر ورقات، لكني لم أستطع تحديدها بالأرقام من الصورة الميكروفيلمية للمجموع، لأنه غير مرقم الصفحات كما ذكرت من قبل، وقد قمت بمقابلة كثير من التراجم خلال المنتقى كله، بما في نسخة الأصل السابقة، فوجدتهما متطابقتين نصًا (٢) وهذا يدل على أن ابن خطيب الناصرية نقل ما انتقاه من التراجم بنصه بكل دقة وأمانة، وبذلك يمكن اعتبار منتقاه هذا أصلا ثانويا لما به من التراجم فيعتمد عليه فيها بحثًا وتحقيقًا (٣) ويعتبر انتقاء ابن خطيب الناصرية لهذا القدر من جميع الكتاب، دليل على احتياجه له، واستعانته به في مؤلفاته التاريخية.

стр. 1211

٢ - نقل الحافظ ابن حجر عن الكتاب: تبين لي أيضًا بالبحث والمقارنة أن الحافظ بن حجر تلميذ العراقي، قد استمد من هذا الذيل في كتابه «الدرر الكامنة»، مثلما في ترجمة محمد بن إبراهيم بن معضاد الجعبري، حيث قال: «بخط شيخنا أبي الفضل (يعني العراقي) أن الجعبري سمع منه ناصر الدين الفارقي، وقد حضرت مجلسه للتذكير غير مرة» (١) وهذا الذي نسبه ابن حجر إلى خط شيخه العراقي، وجدته بنصه في «منتقى ابن خطيب الناصرية من ذيل العراقي» المذكور (٢)، ونسبة ابن حجر ما نقله إلى خط شيخه العراقي تدل على أنه وقف على النسخة التي بخطه، واستفاد منها كما في هذه الترجمة. سابعا: تأليف العراقي في التراجم المفردة لبعض الثقات أو المتكلم فيهم وأثر ذلك. من أنواع التأليف في علم الرجال، إفراد كتاب خاص لترجمة شخص واحد من الصحابة أو التابعين أو من بعدهم، إلى عصرنا الحاضر، حيث تعد رسائل جامعية متخصصة عن بعض الشخصيات الحديثية ذات الأثر الهام في علوم السنة، كما في رسالتي هذه عن الحافظ العراقي وأثره في السنة، وفي خاتمة كتاب «الجواهر والدرر» الذي خصصه السخاوي كما قدمت (٣) لترجمة شيخه ابن حجر العسقلاني، ذكر السخاوي بيانا مجملا لمن أفرد بعض

стр. 1212

الأشخاص من الصحابة فمن بعدهم، بالترجمة، وقد ذكر من ضمنهم: الحافظ العراقي، وذكر له في ذلك كتابين: أحدهما خصصه لترجمة شيخه جمال الدين الإسنوي، وقد وثقه وذكر محامد متعددة له، والثاني خصصه لترجمة شيخه أيضا الحافظ علاء الدين مغلطاي بن قليج (١)، وقد بين بعض وجوه لتجريحه، وسنتناول كلا منهما على النحو التالي: أ - «ترجمته لشيخه جمال الدين الإسنوي وأثرها» نسبتها إلى العراقي، وتقدير حجمها، وبيان أهميتها، وزمن تأليفها: قد نسب هذه الترجمة إلى العراقي غير السخاوي، ابن فهد تلميذ العراقي (٢) وكذلك نسبها إليه ولده أبو زرعة وتلميذهما ابن حجر مع بيانهما لمحتوياتها (٣) كما سيأتي، أما السيوطي فأضاف تقدير حجم هذه الترجمة بأنها تقع في كراسة (٤)، وهذا تقدير معتمد، لأن السيوطي قد اطلع على تلك الترجمة، ونقل منها في بعض مؤلفاته كما سيأتي، والمعروف أن الكراسة المخطوطة قدرها عشر ورقات في المتوسط، وإن كان يبدو من النقول التي وقفت عليها من تلك الترجمة أنها تزيد عن العشر ورقات، ونسبها أيضًا إلى العراقي شهاب الدين الغزي، وذكر تملكه لنسخة منها كما سيأتي، وترجع أهمية هذه الترجمة إلى عدة اعتبارات أهمها: أنه لم يعرف من ألف كتابًا خاصا في

стр. 1213

ترجمة الإسنوي غير العراقي، وإن كان قد ترجمه غير واحد من أقران العراقي، ومن بعدهم في مؤلفاتهم في التراجم والطبقات، ثم إن العراقي قد استمد مادة هذه الترجمة - غالبا - من الواقع مباشرة، كما سيتضح في التحليل، فهو إما ناقل عن الإسنوي نفسه، أو مسجل لما شاهده بنفسه ولمسه، نظرا لتلمذته الطويلة لشيخه، ومخالطته له، إلى آخر حياته، وقلما نقل عن بعض تلاميذ الإسنوي الملازمين له أيضًا، وهذه المصادر هي أعلا المصادر التاريخية الموثقة، وبالتالي تكون تلك الترجمة هي أوثق ما ترجم به الإسنوي، ولهذا استمد منها - بثقة واطمئنان واستحسان - من وقف عليها كما سيأتي، يضاف إلى ذلك، أن العراقي تعرض في تلك الترجمة لاثنين من القضايا الهامة التي كانت ومازالت تشغل العلماء، وبين موقفه منهما، وهما قضيتا المجددين للدين على رأس كل قرن، وكرامات الصالحين، كما سنذكره بعد، ثم إن العراقي عند بيانه لمؤلفات الإسنوي ذكر من ضمنها كتابين، وقال: إن الإسنوي مات عنهما قبل تبييضهما، ثم استدرك قائلا: «ولكن يبيضان إن شاء الله» (١)، وهذا يشير إلى أن تأليف العراقي لتلك الترجمة، كان عقب وفاة الإسنوي، سنة ٧٧٢ هـ بيسير، بحيث لم يكن تهيأ للعراقي ولا لغيره النهوض بتبييض هذين الكتابين، وهذا أيضًا يجعل لتلك الترجمة أهميتها من حيث إن العراقي سجل أكثر تفاصيلها في زمن قريب من وقوعه، وهو ما يزال مستحضرا له كأنه ماثل أمامه. ما وقفت عليه من نصوص الترجمة: لقد راجعت فهارس المكتبات المصرية، وكثيرًا من فهارس المكتبات العالمية،

стр. 1214

فلم أجد أية نسخة من هذه الترجمة، لكني وجدت بعض من اقترب عصرهم من عصر العراقي، قد وقفوا على هذه الترجمة ونقلوا نصوصا منها في مؤلفاتهم، وفي مقدمة هؤلاء: شهاب الدين محمد بن أحمد الغزي المتوفى سنة ٨٦٤ هـ، وهو أحد فقهاء الشام ومؤرخيه، وقد ألف كتابه «بهجة الناظرين في تراجم الشافعية المتأخرين» (١). وممن ترجمهم فيه: الحافظ العراقي، ثم أتبعه بترجمة شيخه الإسنوي، وقال في بدايتها: «وقد أفرد له تلميذه الحافظ المذكور ترجمة حسنة، ووقفت عليها وهي عندي، فلنذكر مقاصدها، ونضيف إلى ذلك ما تيسر من كلام غيره، مع ما اطلعت عليه من ترجمته، فلا تمل من طولها فإنها بديعة، تشتمل على فوائد، ومحاسن جليلة، فنقول وبالله التوفيق: … » وساق الترجمة مستغرقا. فيها أزيد من عشر صفحات، غالبها منقول عن ترجمة العراقي هذه، ومنسوب إليه (٢)، ولذلك كانت تلك النقول عمدتي الأولى في بحث وتحليل منهج العراقي وآرائه في تلك الترجمة كما سيأتي. ثم ألف الإمام بدر الدين الأهدل، الذي كان موجودا سنة ٨٣٠ هـ كتابا بعنوان «الرسالة المرضية في نصرة مذهب الأشعرية» ونقل فيها عن هذه الترجمة أيضا، مع الرد على العراقي في بعض ما ذكره، كما سيأتي (٣)، ثم ألف جلال الدين السيوطي كتابه «التنبئة بمن يبعثه الله على رأس كل مائة».

стр. 1215

فنقل في عدة مواضع منها، على وجه الاستدلال (١)، وقد مكنتني هذه النقول في مجموعها من التعرف على المقومات الأساسية التي تناولها العراقي في تلك الترجمة، وعلى منهجه فيها، وأهم آرائه، ولذا فإني سأقوم بعرض منهج العراقي وأهم آرائه فيها من خلال تلك النقول مع التحليل والمقارنة والنقد، على النحو التالي: منهج العراقي وأهم آرائه في تلك الترجمة: عرض تحليلي نقدي مقارن: بيان الاسم واللقب وسببهما: وقد بدأ العراقي الترجمة ببيان اسم الإسنوي ولقبه، فذكر أن اسمه: عبد الرحيم، ولقبه: جمال الدين، ثم بين سببهما فقال: «وسمي ولقب بذلك، باسم عمه جمال الدين عبد الرحيم بن علي، وكان قد توفي قبل مولد صاحب الترجمة بيسير، فلما ولد سموه باسمه، ولقبوه بلقبه (٢) وقد اعتمد العراقي في ذلك على الإسنوي نفسه، حيث إنه ذكر ذلك في ترجمته لوالده في طبقات الشافعية (٣). بيان سلسلة نسب الإسنوي إلى معد بن عدنان، ونسبته، وكنيت هـ: لم يكتف العراقي ببيان نسب العراقي إلى جده الأول، بل تتبع سلسلة نسبه، حتى أوصله إلى أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، ثم إلى معد بن عدنان، وهو الجد الثاني والعشرون للنبي ﷺ (٤) وقد قرر المؤرخون أن رفع نسب

стр. 1216

الشخص إلى أجداده الأعلين، كلما زاد تتبع المؤرخ له، كان أفيد، تحقيقا لتمييز الشخص المترجم عن غيره، ولبيان أصله (١)، لهذا كان تتبع العراقي لنسب الإسنوي إلى هذا الحد، له أهميته في تمييزه عن غيره من جهة، وفي بيان اتصال نسبه بالنسب النبوي الشريف من جهة ثانية، وعندما نقارن سياق العراقي لنسب الإسنوي، بسياق ابن تغري بردي له، نجد في سياق ابن تغري بردي سقطا كبيرا، قدره ستة أجداد على التوالي، فقد ساق نسب الإسنوي فقال: «هو عبد الرحيم بن الحسن بن علي بن عمر بن إبراهيم بن علي بن الحكم .. » إلخ (٢)، أما العراقي فقال: هو عبد الرحيم بن الحسن بن علي بن عمر بن إبراهيم بن علي بن جعفر بن سليمان ابن الحسن بن الحسين بن عمر بن الحكم (٣)، فما أثبته العراقي أكمل وأصوب؛ لأنه أخبر بشيخه. ثم بعد سياقه لنسب الإسنوي بأكمله، بين نسبته فقال: «القرشي الأموي الإسنوي الشافعي، وقد جرى في ذلك على قاعدة المؤرخين في ترتيب النسبة عند تعددها (٤)، فنسبه أولا إلى الأصل، ثم إلى المذهب الفقهي، كما أنه في النسبة إلى الأصل، تبع قاعدة المحدثين التي تقضي بالنسبة إلى الأعم، ثم إلى الأخص (٥)، فقد قال: القرشي الأموي، ثم ذكر العراقي أن كنية الإسنوي «أبو محمد»، وقد اتفق معه ابن تغري بردي في سياق النسبة والكنية». (٦).

стр. 1217

تحديد مكان الولادة وتاريخها: ثم حدد العراقي مكان ولادة الإسنوي وتاريخها فقال: «وكان مولده بإسنا من صعيد مصر الأعلا، في أواخر سنة ٧٠٤ هـ» (١)، وتحديد تاريخ الميلاد متفق مع تحديد الإسنوي نفسه في طبقاته (٢)، وتحديد ابن تغري بردي أيضًا (٣) وهو كما ترى تحديد غير دقيق، بينما نجد ابن حجر قد حدد الشهر بالضبط، واليوم بالتقريب، فقال: «إن الإسنوي ولد في العشر الأخير من ذي الحجة سنة ٧٠٤ هـ، وعزا ذلك إلى طبقات الإسنوي أيضًا (٤)، فلعل النسخة التي اطلع عليها فيها ذلك، وهي أدق وأوفى. نشأته ودراساته العامة والمتخصصة: بين العراقي في هذه الترجمة نشأة شيخه ودراساته العامة والمتخصصة، وانقسم ذلك إلى مرحلتين: الأولى، كانت بإسنا مسقط رأس الإسنوي، فحفظ هناك القرآن الكريم، وكتاب (التنبيه) في الفقه الشافعي، كما تقدم ذكره في محفوظات العراقي، ولم يذكر العراقي من دراسات شيخه بإسنا غير ذلك (٥) بينما ذكر الإسنوي بنفسه في طبقاته تلمذته بإسنا على والده في الفقه والفرائض (علم الميراث) والعربية (٦).

стр. 1218

ثم ذكر العراقي أن والد الإسنوي توفي سنة ٧٢٨ هـ ورتب على ذلك انتقاله من إسنا إلى مصر، يعني القاهرة، حيث نزل طالبا ومقيما بدار الحديث الكاملية، فاستأنف بها دراسته، وفي مقدمتها الفقه الشافعي، فتلقاه بها على يد عدد من الشيوخ ذكر العراقي منهم قطب الدين محمد بن عبد الرحمن السنباطي وتقي الدين السبكي، وأشار إلى غيرهم، كما درس أصول الفقه وأصول الدين المعروف بعلم التوحيد، وفي مقدمة من أخذ عنهم هذين العلمين الشيخ علاء الدين القونوي، ودرس النحو أيضًا على أبي الحسن الأنصاري، والد سراج الدين ابن الملقن، وعلى الشيخ أبي حيان الأندلسي، أما الحديث، فسمعه من أبي النون يونس بن إبراهيم العسقلاني وآخرين حدّد العراقي بعضهم وأشار إلى الباقين، ثم ذكر أن الإسنوي برع في الفقه وأصوله وفي النحو، وكانت له مشاركة جيدة في علوم أخرى جعلته يذكر في أهلها، وهي العروض والتاريخ والحديث والتوحيد. ومع أن العراقي ذكر من وظائف الإسنوي تدريس التفسير بالجامع الطولوني (١) فإنه لم يذكر دراسته لعلم التفسير ولا شيوخه فيه، وهذا يعد قصورًا بالنسبة لتأليف كتاب خاص في ترجمة واحدة، بينما نجد ابن تغري بردي في ترجمته العادية للإسنوي ضمن كتابه «المنهل الصافي» تنبه لذكر هذه النقطة ولو بالإجمال، فذكر مما برع فيه الإسنوي علم التفسير. (٢) توثيقه للإسنوي: وقد وثق العراقي شيخه الإسنوي غاية التوثيق، فبجانب وصفه له بالبراعة

стр. 1219

العلمية، وصفه بمكارم الأخلاق وسلامة العقيدة والورع (١)، بل عده من ذوي الكرامات ومجدد مذهب الشافعي في عصره كما سيأتي، ومن تفصيل ما ذكره بالنسبة لأخلاقه قوله: (إنه صار له ذكر في الكرم، ومكارم الأخلاق)، ومثل لعزته مع تواضعه وصفاء نفسه بقوله: (إن جلس مع أهل الدنيا فهو سيدهم، وإن حضر مع أصاغر طلبته فهو أحدهم، لا يستأثر عليهم بمأكل ولا مشرب، ولا يطوي عن أحد بشرًا، ولا يلوي عنقه عن السائل كبرا، ولا ينوي لأحد من أهل الدنيا غدرًا) (٢) وأما ورع الإسنوي فقد ذكره العراقي بقوله: «إنه ولي تدريس المدرسة الفاضلية (بالقاهرة) ولم يتناول من معلومها شيئًا مدة ولايته وهي ٨ سنين، بل عمر أوقافها، حتى صارت أجرتها ضعفي ما كانت عليه، ولم يحضر الدرس، وكان يتورع عنها لكونها شرط في مدرسها الورع»، ثم ذكر بعض ما حضره بنفسه من تورع الإسنوي عن تلك المدرسة فقال: «وسأل بها مرة بحضوري، الشيخ شهاب الدين ابن النقيب، أن ينزل له عنها وكان المانع من الشيخ شهاب الدين، وأضاف أنه أراد النزول عنها في أواخر عمره للشيخ شهاب الدين إسماعيل بن إبراهيم بن جماعة، وقال: هو أورع مني»، فلم يتفق ذلك (٣)، وقول الإسنوي عن ابن جماعة: «هو أورع مني»، يشير إلى إحساسه بأنه كان معدودًا من الورعين، هذا ولم أجد من بَيْنِ من ترجموا للإسنوي من ذكر شيئًا عن ورعه غير العراقي، ثم ذكر بعض دلائل إكرامه لمن حوله من طلبته وإخوانه الواردين عليه، وحسن صلته

стр. 1220

بكل هؤلاء، وختم هذا بالدعاء له قائلا: «فجزاه الله عنا خير الجزاء (١)» وهذا يدل على أن العراقي كان ممن ناله بر الأسنوي وحسنت صلته به، وقد أشار الحافظ ابن حجر الى أن هذا، كان له أثره في إشادة العراقي بفضائل الإسنوي والثناء عليه، فقال في ترجمته للإسنوي: «وأفرد له شيخنا العراقي ترجمة ذكر فيها كثيرًا من فضائله ومناقبه، وبالغ في الثناء عليه»، ثم عقب على ذلك بقوله: «وكان هو - أي الإسنوي - يحب شيخنا ويعظمه، وذكره في طبقات الشافعية في أثناء ترجمة ابن سيد الناس ووصفه بأنه حافظ عصره، وذكره في موضع آخر من المهمات» (٢). نشاطه الوظيفي والعلمي: ذكر العراقي نشاط الإسنوي الوظيفي والعلمي مفصلا، فقال: إنه ولي وكالة بيت المال، ونظر الكسوة - يعني كسوة الكعبة - ثم أشار إلى عدم حرصه على تولي مثل تلك الوظائف كما كان يفعل غيره، وقرر في هذا ما عاينه بنفسه فقال: «وولي الحسبة بالقاهرة كالمكره على ذلك، ورأيته بعد أن لبس لها، وهو يبكي بسبب ذلك، ثم قال: وبلغني أن الملك الناصر حسن قال بعد أن ألزمه بها: «خوفته فخاف»، ثم ذكر استعفاءه من تلك الوظائف، وتفرغه لنشر العلم، وإتمام ما تيسر له من مؤلفاته» (٣). ويلاحظ أن العراقي لم يحدد لنا تاريخ تولي الإسنوي ولا عزله، من أي من تلك الوظائف، بينما قال ابن حجر «إن ولاية الإسنوي الحسبة كانت في رمضان سنة ٧٥٩ هـ، وأن

стр. 1221

اعتزاله لها كان سنة ٧٦٢ هـ»، كما ذكر أن عزله لنفسه من وكالة بيت المال كان سنة ٧٦٦ هـ (١) ولاشك أن هذه التحديدات أولى من عدمها. أما نشاطه العلمي فلخصه العراقي في التصدير والتدريس، ومقابلة نسخ الكتب مع طلابه، التصحيحها ووصل سندها لهم، وذلك بالإضافة إلى اشتغاله بالتأليف ونظم الشعر، ثم ذكر الأماكن التي مارس نشاطه بها فقال: «وتصدر للإقراء بالمدرسة الملكية، ودرس بالمدرسة الأقبغاوية والفارسية، وتدريس التفسير بجامع ابن طولون، وأعاد بالمدرسة الناصرية والتدريس بالمدرسة المنصورية والفاضلية (٢)، ولم يذكر لنا العراقي ولا غيره ممن رجعت إليهم، كابن حجر، وابن قاضي شهبة، وابن تغري بردي، لم يذكروا تواريخ تولي الإسنوي العمل بالأماكن السالفة، ولا مدته بكل منها، غير أن العراقي حدد بداية ونهاية نشاطه عموما في التدريس والإفادة فقال: «وانتصب للإقراء والتدريس والإفادة من سنة ٧٢٧ هـ وهلم جرا، إلى قبل وفاته بيومين»، ثم أجمل نتيجة ذلك فقال: «فتفقه عليه وتخرج به جماعة، وذكر منهم ثلاثة: أولهم الشيخ علاء الدين علي بن محمد بن عبد الرحيم الأقفهسي»، ثم قال: «في آخرين لا يحصون»، ثم ذكر تلاميذه في الحديث فقال: «وسمع عليه الحديث جماعة من الأئمة» وذكر منهم نفسه، وولده أبا زرعة ورفيقه نور الدين الهيثمي، وذكر سماعه على الإسنوي بعض مروياته الحديثية، وقراءته عليه بنفسه بعض مؤلفاته الضخمة في الفقه وأصوله (٣) لكن شهاب الدين

стр. 1222

الغزي، استقل عدد من حددهم العراقي من تلاميذ الإسنوي فأضاف غيرهم (١)، ثم قال: «وكأن الشيخ زين الدين (العراقي) لم يذكر إلا الأعيان من الطبقة الأولى من تلاميذه، الذين هم من أضرابه»، ثم قال: «وأخبرني بعض الفقهاء المصريين المطلعين أن تلامذته تشتمل على سبع طبقات» (٢). أما مؤلفات الإسنوي فقد أولاها العراقي عنايته بحيث ذكر منها ما لم أجد له ذكرا عند غيره، وتكلم عنها كلام العليم بمعظمها شكلا ومضمونا، وهذا ما يجعل كلامه عنها محل اعتبار هام، وقد استهل كلامه بحكم عام حيث قال إن الإسنوي صنف كتبا مفيدة، نفع الله تعالى بها الناس، ثم قسم ما ذكره من المصنفات إلى قسمين: أولهما: ما أكمله الإسنوي، وثانيهما: ما لم يكمله، وبلغ مجموع ما ذكره في القسمين ٢٣ كتابا (٣). بينما ذكر ابن حجر ١٦ كتابا فقط (٤). وذكر ابن تغري بردي ١٠ كتب فقط (٥)، وقد أشار العراقي إلى أنه لم يستوعب مؤلفات الإسنوي، وإنما ذكر أهمها، وما خبره منها بنفسه، ولهذا فإني قد وجدت السيوطي ذكر من مؤلفات الإسنوي ما لم يذكره العراقي وهو كتاب «الرياسة الناصرية» في الرد على من يعظم أهل الذمة، واستخدامهم على المسلمين (٦).

стр. 1223

ومن أدلة خبرة العراقي بمؤلفات الإسنوي أنه حدد الحجم وموضوع معظمها، وبين المبيض من غيره، فقال: «إن من أجل مؤلفات الإسنوي: - كتاب «المهمات» في ٨ مجلدات، في الكلام على مواضع من «شرح الرافعي الكبير» و «الروضة»، ومنها كتاب «جواهر البحرين في تناقض الخبرين»، في مجلد، ومنها «الهداية إلى أوهام الكفاية»، لابن الرفعة: مجلدان، أو مجلد ضخم، ومنها: «شرح منهاج البيضاوي»، مجلد، ومنها «زوائد المحصول، والإحكام، وأصول ابن الحاجب على منهاج البيضاوي»: - جزء لطيف، ومنها كتاب «الأشباه والنظائر»، ومنها كتاب «الجمع والفرق»، -وعقب على الكتابين الأخيرين بقوله: «وهذان الكتابان الأخيران مات عنهما قبل تبييضهما، ولكن يُبيَّضان إن شاء الله»، ثم قال: «ومن التصانيف التي لم يكملها: «شرح المنهاج» للنووي، كتب فيه من أوله إلى الإجارة»، و «شرح التنبيه»، كتب منه نحو مجلد، و «مختصر الشرح الصغير»، للرافعي، كتب منه قطعة، و «شرح الألفية»، لابن مالك، رأيت منه بخطه ٤ كراريس مبيضة، وشرح التسهيل، لابن مالك أيضًا، كتب منه قطعة، ثم قال: وله ثلاث مجاميع: أحدها المجموع الكبير، في مجلد ضخم، والآخران في قطع ربع البلدي (١)، وقد أقر العراقي على ما ذكره من المؤلفات السابقة من ترجم للإسنوي بعده كتلميذه ابن حجر (٢) وابن قاضي شهبة (٣) وابن تغري بردي (٤)، لكن يلاحظ أن العراقي لم يحدد تواريخ تأليف الإسنوي لتلك

стр. 1224

المؤلفات، بينما حدد ابن حجر وابن قاضي شهبة تواريخ فراغه من عدد منها (١) وذلك أفضل، لمعرفة تدرج آرائه مثلما أوضحته بالنسبة للعراقي، ويلاحظ أن أغلب مؤلفات الإسنوي وأضخمها وأوجودها متعلق بالفقه وأصوله، ولكن العراقي بحكم تخصصه بالسنة عنى بإبراز الجانب الحديثي عند شيخه الإسنوي، فذكر عددًا من مروياته الحديثية التي تلقاها من شيوخه بالسند، لكن شهاب الدين الغزي اكتفى بالإشارة إلى ذكر العراقي لها ولم يذكر لنا شيئًا منها» (٢). ولما كان الفقه الشافعي هو الميدان الأول الذي ظهرت فيه براعة الإسنوي، فإن العراقي حرص على ذكر نماذج للآراء الفقهية التي اختارها مخالفًا بذلك غيره من الفقهاء السابقين عليه، وقد أشار الغزي إلى أن غالب ما ذكره العراقي من اختيارات شيخه مذكور في مصنفاته، وهذا يدل على اطلاع العراقي على تلك المصنفات، واستخراجها منها بخبرته الفقهية، وقد اكتفى الغزي بذكر خمسة نماذج فقط مما ذكره العراقي فقال: ومن اختياراته (أي الإسنوي) الحسنة في المذهب: «أنه كان يختار للمنفرد الجمع بين الشفع والوتر بتسليمة واحدة، إذا أوتر بثلاث، وهو اختيار الروياني. والذي عليه الرافض والنووي وغيرهما أن الفصل أفضل، ثم ذكر أربع اختيارات أخرى في العبادات والعقائد والمعاملات». (٣) وذكر العراقي أيضًا نماذج مما سمعه بنفسه وكتبه بخطه من شعر شيخه

стр. 1225

الإسنوي، وتلك النماذج عبارة عن بيتين مدح بهما الإسنوي كتاب «الشرح الكبير» للرافعي في الفقه الشافعي، وبيتين كتب بهما إلى بعض رؤساء الدولة حين سافر إلى الصعيد، وأحد عشر بيتًا في مدح بلده ومرباه الأول (إسنا)، وذكر سلفه الصالحين الأشراف المدفونين بها، وفي ختامهم يقول: إلى الدوحة العليا قريش تناسبوا … نسيبهم خير البرية طه (١) ولم يعقب العراقي على هذه النماذج ببيان رأيه في شعر شيخه، مع أنه كان له تذوق للشعر الجيد في عصره، كما قدمت في جوانب شخصيته، فلعله كان مستحسنًا لهذه النماذج، وهذا يخالف ما قرره ابن تغري بردي من بعده، فقد ذكر نموذجا ممّا ذكره العراقي، وصدّره بحكم عام على نظم الإسنوي ونثره الأدبي بأنهما ليسا بذاك (٢) ويبدو أن الحق مع ابن تغري بردي، كما يظهر من أسلوب ومحتوى النماذج المتعددة التي ذكرها العراقي، وإن كان هذا لا يضير الإسنوي باعتباره فقيهًا أصوليا بالدرجة الأولى، لا أديبًا شاعرًا. عدّ الإسنوي من المجددين، ورأي العراقي في حديث بعث الله تعالى لهذه الأمة من يجدد لها أمر دينها: فقد بلغ تقدير العراقي لشيخه الإسنوي وتوثيقه أنه عده مجدد مذهب الشافعي في زمنه عمومًا، فقال عنه في هذه الترجمة: «طار اسمه وعلمه في الأقطار، وتجدّد به في الأمة ما أسس من قواعد محمد بن إدريس، وصار علمه في الأعصار مثلاً» (٣)، وهذا الوصف بالتجديد العام، يعتمد على

стр. 1226

الحديث الذي أخرجه أبو داوود في «سننه» والحاكم في «مستدركه» وصححه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة، من يجدد لها دينها» (١). ولهذا فإن العراقي ذكر الحديث وأقر تصحيح الحاكم له. واتفق معه في هذا تلميذه ابن حجر والسيوطي (٢). ثم ذكر العراقي ما أورده الإمام أحمد في رواية لهذا الحديث أنه ﷺ قال: «إن الله يبعث في رأس كل مائة سنة رجلا من أهل بيتي، يبين لهم أمر دينهم»، وقرر أن التقييد بأهل بيت الرسول ﷺ الوارد في هذه الرواية، غير معتبر في المجدد، لأن هذه الرواية قد أوردها الإمام أحمد بدون إسناد، ولم يوقف لها على إسناد، واتفق معه في هذا أيضًا تلميذه ابن حجر والسيوطي من بعده (٣). أما الإمام تاج الدين ابن السبكي معاصر العراقي فقد أورد في طبقاته هذه الرواية المقيدة بأهل البيت وأقرها، ثم أوّلها على أنه إذا لم يكن المجدد من أهل البيت، فيكتفي بكونه على مذهب من هو من أهل البيت كالشافعي ﵁، وهذا كما ترى تأويل متكلف، لا يتمشى مع صريح لفظ الحديث، ولذلك استبعده السيوطي، وأقر رأي العراقي بعدم ثبوت زيادة «من أهل بيتي» الواردة في هذه الرواية (٤).

стр. 1227

وبناء على رواية الحديث الأولى الصحيحة، حدد العلماء من قبل العراقي من بعث على رأس القرون السالفة، فقال أحمد بن حنبل: «كان عمر بن عبد العزيز على رأس المائة الأولى، وأرجو أن يكون الشافعي على رأس المائة الأخرى» (١)، ثم روى الحاكم أن شيخا من أهل العلم قال لأبي العباس أحمد ابن سريج: أبشر أيها القاضي، فإن الله تعالى ذكره، بعث عمر بن عبد العزيز على رأس المائة، ومن على المسلمين به، فأظهر كل سنة وأمات كل بدعة، ومن الله على رأس المائتين بالشافعي، حتى أظهر السنة وأمات البدعة، ومن علينا على رأس الثلثمائة بك، حتى قويت كل سنة، وضعفت كل بدعة، ثم أنشدنا قائلا: «اثنان قد مضيا فبورك فيهما … عمر الخليفة ثم حلف السؤدد الشافعي الألمعي المرتضى … إرث النبوة وابن عم محمد أرجو أبا العباسي أنك ثالث … من بعدهم سقيا لتربة أحمد» فبكى أبو العباس بن سريج حتى علا بكاؤه، ثم قال: «إن هذا الرجل نعى إلي نفسي، ثم مات في تلك السنة» (٢). وفي عصر الحاكم في القرن الرابع الهجري، ذكر الحاكم أن شيخا آخر زاد في تلك الأبيات ذكر أبي الطيب سهل بن محمد (الصعلوكي) وجعله على

стр. 1228

رأس الأربعمائة فقال: «والرابع المشهور سهل محمد … أضحى إماما عند كل موحد تأوى إليه المسلمون بأسرهم … في العلم إن جاء والخطب مؤيد لازال فيما بيننا شيخ الورى … للمذهب المختار خير مجدد» وذكر الحاكم «أنه قدر الله وفاة سهل في تلك السنة التي سمع فيها هذه الأبيات وهي سنة ٤٠٤ هـ» (١). وقد عقب العراقي على ذلك فقال: «وقد بلغني أن بعض العلماء يعد في المائة السادسة الشيخ محيي الدين النووي، وفي المائة الخامسة قبلها أبا طاهر السلفي، وفي المائة الرابعة قبلها الشيخ أبا إسحاق الشيرازي، وكل واحد من المذكورين قد مات سنة ست وسبعين من المائة التي توفي فيها، فإن كان ما ذكره، أي ذلك البعض، صحيحًا، فالظاهر أن صاحب هذه الترجمة (يعني الإسنوي) هو المراد بالعالم الذي يجدد للناس دينهم، لكنه عقب على ذلك قائلا: «وذلك إن كان محتملاً ففيه نظر، لأن الحديث فيه «على رأس كل مائة سنة» ولذلك جعل الإمام أحمد: أن المراد في المائة الأولى عمر بن عبد العزيز، وفي المائة الثانية الشافعي»». ثم قال: «فإن قيل: الظاهر من الحديث أنه أراد الأئمة الذين هم ولاة

стр. 1229

الأمور، ولذلك أدخله أبو داود في كتاب الملاحم، قلنا: قد جاء في كلام الإمام أحمد أن المراد، من يعلمهم السنن، كما أخرجه الخطيب، وساق سنده إلى أحمد بن حنبل قال: «إن الله يقيض للناس في رأس كل مائة سنة من يعلمهم السنن، وينفي عن رسول الله ﷺ الكذب، فنظرنا، فإذا في رأس المائة عمر بن عبد العزيز، وفي رأس المائتين الشافعي» (١). ومن هذا نفهم أن العراقي رأى أن حديث التجديد عام، فيشمل تجديد أمر الدين في كل جانب سواء في الحكم على يد الحكام، أو في العلم على يد العلماء، ويرى بناء على هذا تعدد المجددين لجوانب الدين في كل عصر، لكنه يرى أن المجدد الذي ينطبق عليه الحديث لابد أن تكون وفاته على رأس القرن، ولذلك فإنه مع وصفه للإسنوي بتجديد مذهب الشافعي كما أسلفت رجح عدم انطباق الحديث عليه؛ لوفاته سنة ٧٧٢ هـ كما سيأتي، ويتفق رأي العراقي هذا مع غيره ممن تقدمه أو تأخر عنه، فقد قرر ابن الأثير من قبل العراقي: أن الأجدر والأحسن والأشبه بالحكمة تأويل الحديث على تعدد المجددين على رأس كل قرن بحيث ينتفع بكل منهم في أمر الدين ما لا ينتفع بالآخر، سواء في السياسة والعدل وإقامة الشرع، أو في العلوم الإسلامية المختلفة، كما ذكر أنه قد يكون قبل كل مائة أيضا من يقوم بأمور الدين، ولكن المراد بالذكر في الحديث من انقضت المائة وهو حي عالم مشهور (٢) وهذا يوافق ما انتهى إليه رأي العراقي بالنسبة للإسنوي كما مر. ومن بعد العراقي قرر تلميذه ابن حجر أيضا أن الذي يتعين في المتأخرين:

стр. 1230

حمل الحديث على أكثر من واحد، وكونهم على رأس القرن (١)، وقد عقب العراقي على كلامه السابق بقوله: «وقد نظمت مذيلا على الأبيات التي أوردها الحاكم، فأوردت الثلاثة الباقين على رأس كل مائة سنة إلى زماننا هذا» بقولي: «والخامس الطوسي أعني حجة الـ … إسلام وهو محمد بن محمد» «ذاك الذي أحيا لنا إحياؤه … ميت العمر وجلى القلب الصدي والسادس الفخر الإمام المرتضى … ابن الخطيب عمى عيون الحسد ذاك الذي نصب الدلائل للهدى … وأزال شبهة ذي الضلال الملحد والسابع التبجي (٢) أبو الفتح الذي … بلغ اجتهاد العلم قبضا باليد أحيا الأنام (إمامه) (٣) ولقد رقى … في شرحه (الإلمام) (٤) فوق الفرقد
следующие страницы →