← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 30167

الحافظ العراقي وأثره في السنة

أحمد بن معبد عبد الكريم

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

الحديث الذي أخرجه أبو داوود في «سننه» والحاكم في «مستدركه» وصححه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة، من يجدد لها دينها» (١). ولهذا فإن العراقي ذكر الحديث وأقر تصحيح الحاكم له. واتفق معه في هذا تلميذه ابن حجر والسيوطي (٢). ثم ذكر العراقي ما أورده الإمام أحمد في رواية لهذا الحديث أنه ﷺ قال: «إن الله يبعث في رأس كل مائة سنة رجلا من أهل بيتي، يبين لهم أمر دينهم»، وقرر أن التقييد بأهل بيت الرسول ﷺ الوارد في هذه الرواية، غير معتبر في المجدد، لأن هذه الرواية قد أوردها الإمام أحمد بدون إسناد، ولم يوقف لها على إسناد، واتفق معه في هذا أيضًا تلميذه ابن حجر والسيوطي من بعده (٣). أما الإمام تاج الدين ابن السبكي معاصر العراقي فقد أورد في طبقاته هذه الرواية المقيدة بأهل البيت وأقرها، ثم أوّلها على أنه إذا لم يكن المجدد من أهل البيت، فيكتفي بكونه على مذهب من هو من أهل البيت كالشافعي ﵁، وهذا كما ترى تأويل متكلف، لا يتمشى مع صريح لفظ الحديث، ولذلك استبعده السيوطي، وأقر رأي العراقي بعدم ثبوت زيادة «من أهل بيتي» الواردة في هذه الرواية (٤).

стр. 1227

وبناء على رواية الحديث الأولى الصحيحة، حدد العلماء من قبل العراقي من بعث على رأس القرون السالفة، فقال أحمد بن حنبل: «كان عمر بن عبد العزيز على رأس المائة الأولى، وأرجو أن يكون الشافعي على رأس المائة الأخرى» (١)، ثم روى الحاكم أن شيخا من أهل العلم قال لأبي العباس أحمد ابن سريج: أبشر أيها القاضي، فإن الله تعالى ذكره، بعث عمر بن عبد العزيز على رأس المائة، ومن على المسلمين به، فأظهر كل سنة وأمات كل بدعة، ومن الله على رأس المائتين بالشافعي، حتى أظهر السنة وأمات البدعة، ومن علينا على رأس الثلثمائة بك، حتى قويت كل سنة، وضعفت كل بدعة، ثم أنشدنا قائلا: «اثنان قد مضيا فبورك فيهما … عمر الخليفة ثم حلف السؤدد الشافعي الألمعي المرتضى … إرث النبوة وابن عم محمد أرجو أبا العباسي أنك ثالث … من بعدهم سقيا لتربة أحمد» فبكى أبو العباس بن سريج حتى علا بكاؤه، ثم قال: «إن هذا الرجل نعى إلي نفسي، ثم مات في تلك السنة» (٢). وفي عصر الحاكم في القرن الرابع الهجري، ذكر الحاكم أن شيخا آخر زاد في تلك الأبيات ذكر أبي الطيب سهل بن محمد (الصعلوكي) وجعله على

стр. 1228

رأس الأربعمائة فقال: «والرابع المشهور سهل محمد … أضحى إماما عند كل موحد تأوى إليه المسلمون بأسرهم … في العلم إن جاء والخطب مؤيد لازال فيما بيننا شيخ الورى … للمذهب المختار خير مجدد» وذكر الحاكم «أنه قدر الله وفاة سهل في تلك السنة التي سمع فيها هذه الأبيات وهي سنة ٤٠٤ هـ» (١). وقد عقب العراقي على ذلك فقال: «وقد بلغني أن بعض العلماء يعد في المائة السادسة الشيخ محيي الدين النووي، وفي المائة الخامسة قبلها أبا طاهر السلفي، وفي المائة الرابعة قبلها الشيخ أبا إسحاق الشيرازي، وكل واحد من المذكورين قد مات سنة ست وسبعين من المائة التي توفي فيها، فإن كان ما ذكره، أي ذلك البعض، صحيحًا، فالظاهر أن صاحب هذه الترجمة (يعني الإسنوي) هو المراد بالعالم الذي يجدد للناس دينهم، لكنه عقب على ذلك قائلا: «وذلك إن كان محتملاً ففيه نظر، لأن الحديث فيه «على رأس كل مائة سنة» ولذلك جعل الإمام أحمد: أن المراد في المائة الأولى عمر بن عبد العزيز، وفي المائة الثانية الشافعي»». ثم قال: «فإن قيل: الظاهر من الحديث أنه أراد الأئمة الذين هم ولاة

стр. 1229

الأمور، ولذلك أدخله أبو داود في كتاب الملاحم، قلنا: قد جاء في كلام الإمام أحمد أن المراد، من يعلمهم السنن، كما أخرجه الخطيب، وساق سنده إلى أحمد بن حنبل قال: «إن الله يقيض للناس في رأس كل مائة سنة من يعلمهم السنن، وينفي عن رسول الله ﷺ الكذب، فنظرنا، فإذا في رأس المائة عمر بن عبد العزيز، وفي رأس المائتين الشافعي» (١). ومن هذا نفهم أن العراقي رأى أن حديث التجديد عام، فيشمل تجديد أمر الدين في كل جانب سواء في الحكم على يد الحكام، أو في العلم على يد العلماء، ويرى بناء على هذا تعدد المجددين لجوانب الدين في كل عصر، لكنه يرى أن المجدد الذي ينطبق عليه الحديث لابد أن تكون وفاته على رأس القرن، ولذلك فإنه مع وصفه للإسنوي بتجديد مذهب الشافعي كما أسلفت رجح عدم انطباق الحديث عليه؛ لوفاته سنة ٧٧٢ هـ كما سيأتي، ويتفق رأي العراقي هذا مع غيره ممن تقدمه أو تأخر عنه، فقد قرر ابن الأثير من قبل العراقي: أن الأجدر والأحسن والأشبه بالحكمة تأويل الحديث على تعدد المجددين على رأس كل قرن بحيث ينتفع بكل منهم في أمر الدين ما لا ينتفع بالآخر، سواء في السياسة والعدل وإقامة الشرع، أو في العلوم الإسلامية المختلفة، كما ذكر أنه قد يكون قبل كل مائة أيضا من يقوم بأمور الدين، ولكن المراد بالذكر في الحديث من انقضت المائة وهو حي عالم مشهور (٢) وهذا يوافق ما انتهى إليه رأي العراقي بالنسبة للإسنوي كما مر. ومن بعد العراقي قرر تلميذه ابن حجر أيضا أن الذي يتعين في المتأخرين:

стр. 1230

حمل الحديث على أكثر من واحد، وكونهم على رأس القرن (١)، وقد عقب العراقي على كلامه السابق بقوله: «وقد نظمت مذيلا على الأبيات التي أوردها الحاكم، فأوردت الثلاثة الباقين على رأس كل مائة سنة إلى زماننا هذا» بقولي: «والخامس الطوسي أعني حجة الـ … إسلام وهو محمد بن محمد» «ذاك الذي أحيا لنا إحياؤه … ميت العمر وجلى القلب الصدي والسادس الفخر الإمام المرتضى … ابن الخطيب عمى عيون الحسد ذاك الذي نصب الدلائل للهدى … وأزال شبهة ذي الضلال الملحد والسابع التبجي (٢) أبو الفتح الذي … بلغ اجتهاد العلم قبضا باليد أحيا الأنام (إمامه) (٣) ولقد رقى … في شرحه (الإلمام) (٤) فوق الفرقد

стр. 1231

والظن أن الثامن المهدي من … ولد النبي، أو المسيح المهتدي فالأمر أقرب ما يكون فذو الحجي … متأخر ويسود غير مسود أو ما ترى الأئمة ثم من … يمضي فلا خلف له في المقصد ليس ارتفاع العلم نزعا إنما … موت الأئمة رفعه وكأن قد (١) ومن هذه الأبيات يظهر لنا أن العراقي يرى أن مجدد المائة الثامنة في ظنه سيكون المهدي المنتظر، من ذرية الرسول ﷺ ، أو سيدنا عيسى ﵇ وذلك لأنه كان يحس بأن نهاية العالم قد اقتربت، وستكون بعد نهاية القرن الثامن الهجري، واستند في ذلك إلى أنه وجد في عصره بعض علامات الساعة الصغرى، التي وردت في السنة، كحديث جبريل المشهور وغيره (٢) وذلك أنه كان في عصر العراقي كما أسلفت، يسود الناس من ليس أهلا للسيادة من المماليك وحواشيهم، كما اجتاحت الأوبئة عامة البلاد، ومات فيها كثير من العلماء دون أن يخلفهم أمثالهم، فكان الحالة العصر واضطراباته عموما أثرها، في رأي العراقي هذا، ولكن الإمام بدر الدين الأهدل الذي وجد سنة ٨٣٠ هـ نقل في كتابه (الرسالة المرضية في نصرة مذهب الأشعرية)

стр. 1232

أبيات العراقي السابقة المتضمنة لرأيه، ورد عليه فقال: «وما ذكره من أن على رأس المائة الثامنة: المهدي أو عيسى بن مريم، لاقتراب الساعة، لم يصح، فنحن الآن في سنة ٨٣٠ هـ ولم يقع شيء من ذلك (١)، ومع أن هذا الرد واقعي فعلا، إلا أنه في غير محله، فقد فات الأهدل أن العراقي قد قرر الرجوع عن رأيه المذكور، لما رأى أن ما ظنه واستشعره لم يتحقق على رأس القرن الثامن، وظهر له أن قرينه سراج الدين البلقيني المتوفى سنة ٨٠٥ يستحق أن يكون مجدد المائة الثامنة على مقتضى حديث التجديد، وذلك في علم الفقه الشافعي، فقرر ذلك في حقه، في قصيدة على نفس قافية الأبيات السابقة، حيث قال: والله يبقي شيخ المسلمين لنا … غناء عن الماضين للمتجدد يحل في دروسه ما أعضلت … من المسائل الصعاب العقد يعقد للإفتاء بعد عصره … إلى غروبها بخير مقعد يأتون من فجاج الأرض واردي … بحر علومه الهنى المورد فيسألون لا يرد سائلا … إلا بخط أو بقول مرشد

стр. 1233

وجمع الله شملنا في جنة … ومنزل نعيمه المخلد (١) وقد أثبت الحافظ ابن حجر رجوع العراقي هذا وأقره حيث قال في ترجمة البلقيني: «وشهد له جمع جم بأنه العالم الذي على رأس القرن»، وممن رأيت خطه بذلك في حقه شيخنا الحافظ أبو الفضل بن العراقي، بعد أن كان يصرح قديما بأن الأمر قد اقترب وانقضى، فلما انسلخ القرن (أي الثامن) ودخل القرن الآخر، وكانت الشهرة التي حصلت للشيخ (أي البلقيني) جزم، (أي العراقي) في حقه بذلك (٢) على أن الإمام الأهدل قد وقع في نفس ما انتقد العراقي فيه؛ حيث إنه بعد انتقاده السابق له حدد بعض من يعتبر مجددًا للقرن الثامن ومنهم البلقيني المتقدم والعراقي نفسه وغيرهما، ثم قال الأهدل: «ويحتمل أن يبقى تاسع على رأس المائة التاسعة التي نحن فيها، ويكون المهدي أو عيسى بن مريم في المائة العاشرة، عند تمام الدور والعدد العربي، والله أعلم» (٣) وأقول له ﵀: «ها نحن في سنة ١٣٩٩ هـ ولم يقع ما قررته، وبذلك يكون الصواب ما استقر عليه رأي العراقي أخيرًا من تحديد المجددين حتى عصره، وترك ما بعده لعالم الغيب والشهادة ومن عنده علم الساعة ».

стр. 1234

إثبات بعض كرامات الإسنوي ورأي العراقي في كرامات الصالحين عموما: ومن تقدير العراقي لشيخه الإسنوي وتوثيقه، أنه أثبت في ترجمته له، إخباره ببعض المغيبات، ثم مشاهدة العراقي بنفسه تحققها مثلما أخبر الشيخ. ومثل هذا يعد من الكرامة التي هي أمر خارق للعادة، يُظهره الله تعالى متى وكيف يشاء، على يد عبد من عباده الصالحين، غير مُقْتَرن منه بالتحدي، ولا بدعوى النبوة، ولا الكرامة، ولا حرصه على إظهارها (١). وقد أشار إلى ذلك ولي الدين بن العراقي حيث قال إن والده في ترجمته للإسنوي قد حكى عنه فيها كشفا ظاهرا (٢). وأوضح الغزي أكثر فقال: «إن العراقي في ترجمته للإسنوي حكى عنه إخبارًا ببعض المغيبات، وذكر أنه شاهده منه» (٣). لكنه لم يذكر لنا شيئًا معينًا من ذلك، وإنما نقل من كلام العراقي ما يدل على رأيه عموما في ثبوت مثل هذه الكرامات، فذكر أن العراقي بعد ذكره لبعض المغيبات التي أخبر بها الإسنوي وشاهد بنفسه تحققها، قال: «والله يُطلع من يشاء على ما يشاء، وهذا (أي ما ذكره عن الإسنوي) يسير بالنسبة إلى صالحي العوام، فضلا عن صالحي العلماء، فقد كان (أي الإسنوي) من أهل بيت مشهور بذلك» (٤). ومن هذا نفهم: أن العراقي يقر بثبوت الكرامة للصالحين على اختلاف

стр. 1235

درجاتهم في ذلك، سواء كانوا - مع صلاحهم - علماء، وهم الأولى، كالإسنوي وأسرته، أو عوام لهم من العبادة والاستقامة ما يحقق لهم مرتبة الولاية كما قال تعالى ﴿وهو يتولى الصالحين﴾، وهذا يوضح لنا جانبًا من موقفه العام بالنسبة للتصوف والصوفية في عصره الذي عمته نزعة التصوف من جانب، وكثر فيه أدعياؤه من جانب آخر، ومما ذكره العراقي من كرامات شيخه جنازته المشهودة، واستشعاره قرب وفاته، وتحقق ذلك، فقد قال عن جنازته: «ولم أر في عمري جنازة أكثر بهاء منها، ولا أكثر جمعا، إلا ما كان من جنازة الشيخ حسين الجاكي، فإني حضرتها وأنا صغير، وكذلك جنازة سيدي الشيخ عبد الله المنوفي (١)، لم أر أكثر جمعًا منها، إلا أن الناس كانوا خرجوا اتفاقا ليدعوا الله تعالى ويرغبوا إليه لدفع الوباء، ونودي فيهم بذلك فخرجوا إلى الصحراء، وكأن اجتماعهم في الحقيقة للصلاة على الشيخ المنوفي رحمه الله تعالى» ثم أيد العراقي هذا بقوله: «وقد روى الإمام أحمد بن حنبل ﵁ أنه قال: «بيننا وبينهم الجنائز» وفسر كلام الإمام أحمد هذا بأنه يريد بذلك اجتماع الخلق واجتماع ألسنتهم على الثناء الحسن الجميل» (٢). وقد نقل الحافظ ابن حجر عن الزركشي تلميذ الإسنوي أيضا ما يوافق ما ذكره العراقي، حيث قال ابن حجر: «رأيت بخط الشيخ بدر الدين الزركشي: كانت جنازته (أي الإسنوي) مشهودة، تنطق له بالولاية» (٣). أما عن تنبئه بقرب وفاته فقال العراقي: «وكان شيخنا ﵀ قد ظهر

стр. 1236

عليه قبل موته بيسير، استشعار الموت واقترابه، وكان على ما حكى لي قد رأى عمر بن الخطاب قبل موته بيسير، وحكى لي بعض أصحابه - وهو الذي كان ينسخ تصانيفه - وهو القاضي نور الدين إبراهيم بن محمد بن إبراهيم، الجلال الاسنائي، قال: دخلت للشيخ، فأعطاني كراريس لأنسخها، وبعد إلحاح عليه قال: إنه رأى نفسه في النوم جالسًا، وبجانبه رجل يقول له: اشتقنا إليك، فسأل جليسًا بجنبه عنه فقال له: هذا عمر بن الخطاب ﵁، قال الجلال الإسنائي: فكأنه بسبب ذلك استشعر الموت وقرب أجله». (١) ذكر تفاصيل مرض الإسنوي ووفاته، ومباشرة العراقي لذلك: اهتم العراقي ببيان تفاصيل الأحداث الأخيرة في حياة شيخه الحافلة فخصص لها مبحثًا عنونه بقوله «ذكر مرضه ووفاته» وسرد فيه تفاصيل ذلك عن معاينة ومباشرة لأغلب ما ذكر، وهذا ما لم يتح لغيره ممن ترجم للإسنوي من تلاميذه ومعاصريه، كابن الملقن في «طبقاته» (٢)، فقد قال العراقي عن مرض الإسنوي ووفاته: وكان ابتداء ذلك أن حصل له يوم الثلاثاء ٦ من جمادى الأولى سنة ٧٧٢ هـ هواء في حلقه، فانقطع عن الدرس جمعة، ثم عوفي، وحضر الدرس بجامع ابن طولون يوم الأربعاء ١٤ جمادى الأولى، وانتهى في الدرس إلى قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ (٣) وقال: «ها هنا نقف، وأخبرني من حضر معه الدرس المذكور أنه قام من الدرس، وهو يكرر هذه الآية الكريمة، ويمسح عينيه من الدموع، إلى أن

стр. 1237

ركب وهو يكررها، ثم حضر يوم الخميس الدرس «بالاقبغاوية» وقال للطلبة في الدرس: «إن الغزالي ذكر في «الإحياء» أن المستحب أن لا يعاد المريض إلا بعد ثلاثة أيام، فلا تشوشوا علي، ولا تعودوني إلا بعد ثلاثة أيام، ورجع إلى منزله، ثم ركب بقية النهار في عقيقة (١) البعض فقهاء المالكية، ورأيته يومئذ وقت العصر حين رجع من الركوب وهو طيب، ثم جئت إليه يوم الجمعة قبل الصلاة، فذكر لي أنه شرب دواء، فدخلت إليه منزله، وهو متكئ، فقال لي: أنا طيب، وإنما شربت دواء بسبب البلغم، وهو آخر ما رأيته حيا، ثم انقطع عن الركوب للدرس يوم السبت فقط، وبلغني أنه كتب ذلك اليوم في بعض تصانيفه، ثم خرج يوم الأحد من منزله إلى المدرسة بعد صلاة العشاء الآخرة، وجلس يتحدث مع الجماعة ساعة، ثم دخل منزله، ثم خرج بعد رقدة وحده، فمشى حول الفسقية، ثم استقبل القبلة ودعا طويلا، ثم دعا بعض طلبته فتوكأ عليه، إلى أن دخل منزله، ثم قال: ادع لي الجارية تحضر لي ثيابا نظيفة أغير على ثيابي، واتكأ على ساعده الأيمن، فلما نزلوا له بالثياب وجدوه قد قضي إلى رحمة الله تعالى، في ليلة الأحد ١٨ جمادى الآخرة سنة ٧٧٢ هـ، ودفن من الغد بتربته التي أنشأها خارج باب النصر، وتقدم في الصلاة عليه مولانا قاضي القضاة بهاء الدين أبو البقاء، وصلى عليه بجامع الحاكم، لكثرة الناس، ثم صلى عليه عند تربة ابن جوشن، ثم صلى عليه عند تربته، وقد حضرت غسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه (٢)» وما ذكره العراقي من تحديد تاريخ وفاة الإسنوي، أقره عليه تلميذه ابن

стр. 1238

حجر (١) وابن تغري بردي في «المنهل الصافي» (٢). أما في «النجوم الزاهرة» فذكر ٢٨ جمادى الآخرة، بدل ١٨ فلعله خطأ من الناسخ (٣). استطرادات العراقي في الترجمة: ومع استيفاء العراقي لعناصر الترجمة على النحو الذي قدمته، فإن التوسع قد جعله يستطرد لذكر بعض نقاط خارجة عن مطالب الترجمة، وذلك بقصد زيادة الفائدة، حتى إن شهاب الدين الغزي لما نقل مقاصد هذه الترجمة، حذف تلك الإستطرادات مكتفيا بالإشارة إليها، وذلك أن العراقي ترجم لوالد الإسنوي، فحذفها الغزي، وقال: «إن الإسنوي نفسه قد ترجم لوالده في طبقاته فلتراجع منها» (٤)، ويلاحظ أن الغزي نفسه (٥)، ومن قبله ابن خلكان (٦)، قد انتهجا هذه الطريقة حيث يترجمان في نهاية بعض التراجم لمن له صلة بصاحب الترجمة، من الأبوة، أو النبوة، أو حتى المصاهرة. ولما ذكر العراقي في الترجمة المذكورة أن شيخه الإسنوي قرشي الأصل، كما قدمت، فإنه استطرد من ذلك لذكر ثلاثة فصول فيما جاء في فضل قريش، والأمر بالتعلم منهم، والأخذ عنهم، وقد حذف الغزي ذلك واكتفى

стр. 1239

بالإشارة إليه فقال: «إن العراقي ذكر أبوابًا فيما جاء في فضل قريش، والأمر بالتعلم منهم، والأخذ عنهم (١)، ولم يذكر شيئًا من ذلك». ولا شك أن تلك الأبواب تعد استطرادًا كبيرًا، مع ضعف صلته بالترجمة، مع ملاحظة أن العراقي قد تناول نفس النقاط المذكورة في عدة فصول أيضًا من كتابه «محجة القرب إلى محبة العرب» كما سيأتي، لكنه على ما يبدو قد ألف هذا الكتاب بعد الترجمة المذكورة، ومن ثم لم يكن يمكنه الإحالة عليه، بدلًا من الإستطراد. ذكر رثاء العراقي وغيره للإسنوي: ختم العراقي ترجمة الإسنوي هذه ببعض المراثي الشعرية، التي رثاه بها غير واحد من الأئمة، فقال: «وقد رثاه جماعة من الأئمة من أصدقائه وطلبته، وقد ذكر في مقدمة ذلك ما رثاه هو به»، حيث قال: «فمما رثاه به جامع هذه الترجمة: عبد الرحيم بن الحسين، وذكر قصيدة بلغت ٢٦ بيتًا ومطلعها: تنكرت الدنيا فلست أخالها … لفقدكم إلا تدانى زوالها وقد ضمن تلك القصيدة: التأثر الكبير لفقد الإسنوي، وكثيرًا من مآثره الإنسانية، وآثاره العلمية، كما ضمنها توثيقه من ناحية العقيدة، وإليك بعض الأبيات المتضمنه لما تقدم حيث يقول العراقي عن شيخه: يعز علي نفسي وعيني أن ترى … مجالس علم ليس فيها جمالها

стр. 1240

فمن بعده للمعضلات يحلها … إذا أغلقت فهما وأعيا سؤالها بكاه سماء الجو يوم مماته … كذا الأرض حتى سهلها وجبالها ويبكيه أهل الدين إنس وجنة … وأولادها في مهدها وعيالها وينفق في ذات الإله فما درت … ما أنفقت يمناه يوما شمالها عزوف عن الدنيا عكوف على التقى … ألوف فعال لا يبيد فعالها صحيح اعتقاد لم يكن متفلسفا … ولا شأنه إرجاؤها واعتزالها له نفس حر لا تذل المطمع … سمت عن سما الفرقدين خصالها فلم يبتذل نفسًا لذل وإنما … لخدمة بذل العلم كان ابتذالها وكم من قريش عالم متقدم … وآخرها عبد الرحيم كمالها لئن فجعتنا الحادثات بشخصه … فآثاره فينا يدوم اتصالها

стр. 1241

تصانيفه تتلى وأصحابه لها … مجالس يردي الملحدين جدالها (١) وبعد أن فرغ العراقي من مرثيته هذه للإسنوي قال: «ومما رثي به ما أنشدنيه الشيخ الإمام جمال النحاة شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن الصايغ، لنفسه، من نظمه» وذكر بيتين فقط وبهما أنهى الترجمة. (٢) مقارنة الترجمة المذكورة بالبحوث المعاصرة في الشخصيات العلمية: وباستعراضنا لما تقدم من مضامين تلك الترجمة ومنهج العراقي فيها، نجد أنها قد احتوت على المقومات الأساسية، وجرت على المنهج العام الذي يرتضيه ويسلكه الباحثون حتى الآن، في الكتابة المتخصصة عن الشخصيات العلمية، غاية ما هنالك أنه يوجد إختلاف بين تلك الترجمة وبين البحوث المعاصرة، من ناحية الإجمال والتفصيل، وتقسيم وترتيب مقومات الترجمة حسبما يقتضيه نظر كل باحث، وما يتوفر له من مادة علمية عن صاحب الترجمة وآثاره العلمية. أثر الترجمة فيما بعدها: رغم أني لم أعثر على شيء من نسخ هذه الترجمة، فقد استطعت - بحمد الله وفضله - من خلال نقول العلماء الشاميين والمصريين عنها، بيان مقوماتها الأساسية، ومنهج العراقي، وأهم آرائه فيها، وهذا من أوضح الأدلة على أثر تلك الترجمة فيما بعدها من كتب الرجال، بحيث يمكن القول: إنها حاليا.

стр. 1242

مفتقدة بذاتها وباقية بآثارها، فقد رأينا شهاب الدين الغزي، أحد مؤرخي الشام وعلمائه، يصرح في طبقاته بأن هذه الترجمة حسنة وأنه اقتنى نسخة منها، ثم أورد كثيرًا من مضامينها بنص كلام العراقي، وأشار إلى مضامين أخرى لم يذكرها كما قدمت. كذلك نقل الإمام بدر الدين الأهدل في رسالته السابقة الذكر، عن تلك الترجمة الأبيات التي نظمها العراقي في بيان المجددين، كما مر. ثم نقل عنها السيوطي في كتابه «التنبئة بمن يبعثه الله على رأس كل مائة» الأبيات المبينة للمجددين، ورأي العراقي في درجة حديث التجديد بروايتيه، ثم معناه، ومدى إنطباقه على الإسنوي كما أسلفت، وهذا كله يدل على تداول تلك الترجمة، والإقبال على الاستفادة بمضمونها بعد عصر العراقي، داخل مصر وخارجها، وما تزال تلك المؤلفات المتضمنة للنقول عن الترجمة، موجودة ومنتفع بها حتى وقتنا هذا، وإن كانت لم تطبع حتى الآن، ثم إن الحافظ ابن حجر قد تكلّم عن هذه الترجمة بما يدل على اطلاعه عليها وخبرته بمحتواها، ورأيه فيها، فقال في كتابه «الدرر الكامنة» في ترجمة الإسنوي: وأفرد له شيخنا العراقي ترجمة ذكر فيها كثيرًا من فضائله، ومناقبه، ومن نظمه أيضًا، وبالغ في الثناء عليه (١)، أما أبو زرعة بن العراقي فإنه في ترجمته للإسنوي أيضًا في ذيله على ذيل والده على كتاب «العبر» قال: إنه سمع هذه الترجمة هو وغيره على والده، كما استمد منها في نفس ترجمته للإسنوي (٢)، وهذا كما يدل على أثرها في تأليفه، يدل على قيام العراقي بتدريسها لطلابه،

стр. 1243

وإقبالهم على تلقيها، وبذلك يتضح لنا أثر تلك الترجمة الممتد منذ فراغ العراقي منها، وحتى الآن، وإلى ما بعد ذلك إن شاء الله. ب - ترجمة العراقي لشيخه «مغلطاي» وزمن تأليفها وأهميتها: هذا هو الكتاب الثاني للعراقي في التراجم المفردة، وقد نسبه إليه السخاوي كما قدمت، ونسبه إليه تلميذه الحافظ ابن حجر، حيث ذكر أن زين الدين ابن رجب الحنبلي، أخذ غالب ترجمته لمغلطاي، من ترجمته التي أفردها له شيخنا العراقي (١)، وهذا بجانب إثباته نسبة الترجمة إلى العراقي، يدلنا على زمن تأليفها على وجه التقريب، فإن ابن رجب المذكور الذي اعتمد على تلك الترجمة كان من رفاق العراقي في طلب العلم، وقد توفي في حياته سنة ٧٩٥ هـ (٢)، فاعتماده على هذه الترجمة يدل على أن العراقي قد فرغ منها قبل وفاة ابن رجب في السنة المذكورة بوقت غير قصير، بحيث أُتيح له - وهو من سكان الشام - الحصول على نسخة الترجمة والاستفادة منها، وترجع أهمية هذه الترجمة إلى عدة اعتبارات، أهمها: - أن البحث الموسع لم يوقفني على أحد ألف كتابًا خاصًا في ترجمة الحافظ مغلطاي، غير العراقي، وإنما ترجمه غير واحد من معاصريه، ومن بعدهم ضمن مؤلفاتهم في التراجم عموما، مثل تقي الدين بن رافع في «وفياته» (٣)، والصفدي في كتابه «الوافي بالوفيات» (٤) وقاسم

стр. 1244

ابن قطلوبغا الحنفي في «تاج التراجم» (١) وغير هؤلاء. كما أن العراقي بحكم تلمذته لمغلطاي قد اعتمد في هذه الترجمة على خبرته بشيخه، واتصاله المباشر به، وكذا بأقرانه من شيوخه، كالعلائي وتقي الدين السبكي، وهذا مما يجعل لمضمون تلك الترجمة أهميتها الخاصة، ويضاف إلى ذلك أن هذه الترجمة تمثل أنواع الجرح والنقد التي كانت توجه لمتأخري المحدثين، حيث ذكر العراقي فيها عدة تجريحات لشيخه كما سيأتي: مما وقفت عليه من نصوص الترجمة لقد بحثت كثيرًا، فلم أقف على أية نسخة لهذه الترجمة، لكني وقفت بحمد الله على عدة نقول عنها معزوة إلى العراقي، وذلك في كتب التراجم لمن بعد العراقي، كتلميذه ابن حجر في كتابيه «الدرر الكامنة» و «لسان الميزان» (٢) وكتلميذه ابن فهد في كتابه «لحظ الألحاظ» (٣) وكالسيوطي في «ذيل تذكرة الحفاظ» (٤). وقد تركزت هذه النقول جميعًا في الانتقاد والتجريح الذي ذكره العراقي لشيخه في هذه الترجمة، ولهذا فإنه لم يتح لي أن أعرض لمنهج العراقي عمومًا وآرائه في تلك الترجمة مثلما فعلت في ترجمة الإسنوي، وإنما سأكتفي ببيان عنصر النقد هذا فقط، في حدود النقول المشار إليها، مع مقارنة ذلك بما عند غير العراقي ممن ترجم المغلطاي.

стр. 1245

من تجريح العراقي لشيخه مغلطاي مع المقارنة بصنيع غيره: من هذا التجريح: تحديد تاريخ مولد مغلطاي وإجازته برواية الحديث، فقد ذكر العراقي: أنه سأله بنفسه عنهما، فقال له: إنه ولد سنة ٦٨٩ هـ، وأنه قد أجاز له الفخر بن البخاري، قال العراقي: ثم صار يتتبع ما كان خرجه عن الفخر المذكور بواسطة، فيكشط الواسطة ويكتب فوق الكشط أنبأنا (١) وهذا نوع من الكذب، كما هو مقرر في علم المصطلح، قال العراقي: «فذكرت دعواه في مولده وفي إجازة الفخر له، للشيخ تقي الدين السبكي، فأنكر ذلك وقال: «إنه عرض (٢) عليّ كفاية المتحفظ في سنة ٧١٥ هـ وهو أمرد بغير لحية» (٣) ثم قال: «وأقدم ما وجدتُ له من السماع سنة ٧١٧ هـ بخط من يوثق به وادعى هو السماع قبل ذلك بزمان»، فتكلم فيه لذلك» (٤)، وقال العراقي أيضًا: سألته عن أول سماعه فقال: «دخلت بعد السبعمائة إلى الشام، فقلت له: فماذا سمعت إذ ذاك؟ قال سمعت شعرًا، فقلت له فأول سماعك للحديث متى؟ فسكت، فلقنته: في سنة ٧١٥ هـ؟ فقال: نعم، ثم ادعى أنه سمع على أبي الحسن بن الصواف راوي «سنن النسائي»، والمتوفى سنة ٧١٢ هـ، فسألته كيف سمعت عليه؟ فقال: سمعت عليه ٤٠ حديثًا، انتقاء نور الدين الهاشمي من «سنن النسائي»، فحصلت عندي فيه وقفة، ثم بعد مُدَّةٍ أخرج جزءًا منتقى من النسائي بخطه، ليس عليه طبقة البتة، لا

стр. 1246

بخط غيره، ولا بخطه (١)، وذكر أنه قرأه بنفسه على ابن الصواف سنة ٧١٢ هـ، يعني سنة وفاة ابن الصواف، قال العراقي: «فقويت الوقفة» (٢). وذكر العراقي أيضًا أن شيخه قد خرج لنفسه جزءًا مما سمعه من الدمياطي وابن دقيق العيد وابن الصواف المذكور وغيرهم، وذكر فيه أنه سمع الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد يقول بدرس «الكاملية» سنة ٧٠٢ هـ: قال رسول الله ﷺ : «لا تجتمع أُمتي على ضلالة»، قال العراقي: فذكرت ذلك لشيخنا العلامة تقي الدين السبكي، فاستبعد ذلك جدًا، وقال: إن الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد، ضعف من أواخر سنة ٧٠١ هـ، ولم يحضر درسًا في سنة ٧٠٢ هـ، ولم يكن بالكاملية، وإنما خرج إلى بستان خارج باب الخرق (٣) فأقام به إلى أن توفي في أوائل صفر سنة ٧٠٢ هـ. قال العراقي: «ثم سألت تاج الدين عبد الرازق شاهد الخزانة - وكان مخصوصا بخدمة الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، فذكر نحو ذلك، وأن الشيخ أقام ضعيفًا مدة شهرين أو أكثر، إلى أن توفي بالبستان» (٤) وقال العراقي أيضًا عن شيخه: ذكر لي أنه وجد سماعًا له على الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد، بحديث مسند، فسألته: «من أي كتاب؟ فقال من «سنن أبي مسلم الكجي»، قلت له: فالطبقة بخط من؟ قال: بخط الشيخ تقي الدين نفسه،

стр. 1247

فسألته أن أقف على «سنن أبي مسلم» الذي عليه سماعه على الشيخ، فتغير، وقال لي: ليس هو هنا، فغلب على ظني أن ما ادعاه من السماع عليه، لا أصل له، فالله يغفر له، ويسامحه، ثم رأيت في تركته نسخة من «سنن أبي مسلم» وقد سمع شيئًا منه على بنت الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، وليس له فيها سماع على ابن دقيق العيد البتة، والله تعالى أعلم. (١) هذا مجمل ما وقفت عليه من تجريح العراقي لشيخه مغلطاي، وكلها طعون في اتصال سنده بمروياته الحديثية عن بعض شيوخه، ويلاحظ أن العراقي قد اعتمد في تجريحاته على عدة مصادر واقعية، ومؤكدة ببحثه الخاص، وبشهادة غيره من الثقات، ولذلك قرر من جانبه التوقف في تلقي المرويات الحديثية عنه، بحيث لا يأخذ إلا ما ثبت له سند شيخه به، أما غير ذلك من نشاطه الحديثي بصورة عامة، فقد قال عنه في نفس هذه الترجمة، كان عارفًا بالأنساب معرفة جيدة، وأما غيرها من متعلقات الحديث فله بها خبرة متوسطة (٢)، وعندما نقارن ما ذكره العراقي عمومًا عن شيخه، بما ذكره غيره، نجد أن تقي الدين بن رافع، وصلاح الدين الصفدي، يتفقان مع العراقي في عدم قبول قول مغلطاي بالنسبة لتاريخ مولده، حيث قال ابن رافع: «إن مولد مغلطاي سنة ٦٩٠ هـ»، وقال الصفدي: «إنه ولد بعد سنة ٦٩٠ هـ» وكلا التاريخين متأخران عما ذكره مغلطاي بنفسه، وهو سنة ٦٨٩ هـ (٣). كما نجد أن صلاح الدين العلائي، معاصر مغلطاي وشيخ العراقي أيضًا، قد

стр. 1248

سبقه إلى إنكار سماع مغلطاي على جماعة ممن ادعى السماع عليهم (١)؛ بل ذكر هو وابن رجب الحنبلي تجريحًا آخر، تسبب في اعتقاله وتعزيره، وهو أنه في كتابه «الواضح المبين فيمن استشهد من المحبين» تعرض للسيدة عائشة ﵂، وذكر في الكتاب شعرًا من نظمه يدل على الاستهتار وضعف الدين، فأنكر عليه ذلك (٢)، لكننا نجد معاصرًا آخر للعراقي وهو حسن ابن عمر، صاحب كتاب «درة الأسلاك في دولة الأتراك» قد ترجم في هذا الكتاب لمغلطاي، فوصفه بأنه كان إمامًا يُقتدى بقوله، وعالمًا يهرع الطلبة إلى نزله، وأثنى أيضًا على مصنفاته، ولم يذكر أي تجريح له (٣) إلا أن الأكثرين مع العراقي فيما قرره. ولقد حاول الشيخ زاهد الكوثري ﵀ في عصرنا المتأخر أن يرد تجريح العراقي وغيره عن مُغلطاي (٤)، ولكنه في تقديري لم يوفق في ذلك حيث لم يقدم من الأدلة ما يكفي للرد، وقرر بشأن الإجازة برواية الحديث واتصال الأسانيد خلاف ما تقتضي به قواعد الرواية المعتبرة في التحمل والأداء، كما أول تصرفات العراقي وشيخه مغلطاي في التجريحات السالفة، على غير وجهها الظاهر، وغض نظره عن وجوه إثبات العراقي لتلك التجريحات كما قدمت إيضاحه، وأخيرًا قرر: أن العراقي من المتشبعين على موائد علم مغلطاي، وأن التجريح المذكور لا يحط من مقداره، وقد غفل في ذلك عن

стр. 1249

أن العراقي لم ينكر تلمذته للمغلطاي وما له من خبرة علمية جيدة في بعض متعلقات علم الحديث كما قدمت، وكل ما فعله أنه أثبت ما لشيخه وما عليه، فمع تجريحه له في معرض جوانب الاسناد، نجده يروي عنه ما ثبت له اتصال سنده به (١)، كما أنه في ترجمته له ضمن ذيله على كتاب «العبر» المتقدم، قد وصفه بأنه: علامة، ومن حفاظ الحديث، وذكر أن ذيله على «تهذيب الكمال» للمزي فيه تعصب كبير، وفيه فوائد أيضا (٢)، واقتنى كتابه الذي صنفه فيمن عرف بأمه، وقال إنه حسن (٣)، وبذلك لا يكون العراقي قد هضم شيخه حقه فيما تمتع به من ميزات علمية، كما فهم الشيخ الكوثري، وقد أقر العراقي على ما أثبته في هذه الترجمة غير واحد ممن عاصره أو تتلمذ عليه أو جاء بعده كما سأوضحه فيما يلي: أثر الترجمة فيما بعدها: منذ ألف العراقي هذه الترجمة، وأودعها الآراء والوقائع المتعلقة بشيخه، ظهر أثرها بين علماء مصر والشام والحجاز، فقد مر أن قرين العراقي زين الدين ابن رجب الحنبلي الدمشقي المتوفى سنة ٧٩٥ هـ، لما ترجم للمغلطاي في بعض مؤلفاته، أخذ غالب ما ذكره من تلك الترجمة التي ألفها العراقي، وأقره على ما أورده فيها، كما يظهر من نقول ابن حجر عنه (٤). كذلك نجد أن تلميذ العراقي ابن فهد، وهو من علماء عصره بالحجاز، قد

стр. 1250

نقل نصوص ومضامين هذه الترجمة، معزوة للعراقي، وذلك في ترجمته للمغلطاي في تذييله على «تذكرة الحفاظ» للذهبي، وأقره على ما ذكره فيها بالنسبة للتجريح وغيره (١)، وأما في مصر، فقد اعتمد تلميذ العراقي ابن حجر على نصوص ومضامين هذه الترجمة في ترجمته المغلطاي في كتاب «لسان الميزان»، وأقر شيخه العراقي على ما قرره في تلك الترجمة، مع زيادات من جانبه هو (٢)، ومن بعد ابن حجر نقل السيوطي بعض نصوص هذه الترجمة معزوة للعراقي أيضًا وأقرها، وذلك في ذيله على «تذكرة الحفاظ» للذهبي (٣)، وما زالت تلك المؤلفات باقية متداولة في أرجاء العالم إلى الآن، حاملة الأثر الممتد لمحتوى تلك الترجمة في علم الرجال. ثامنا: «تأليف العراقي في مشيخات ومعاجم رجال السنة، وأثر ذلك» المشيخات والمعاجم وقيمتها العلمية: المشيخه - بسكون الشين المعجمة، أو كسرها - جمع شيخ (٤)، ثم أُطلق اللفظ في اصطلاح علماء السنة على الكتاب الذي يشتمل على ذكر شيوخ وشيخات أحد العلماء، وبيان ما أخذه عن كل منهم بطريقة أو أكثر من طرق التحمّل، كالسماع والإجازة (٥)، مع رعاية ترتيبهم في الذكر حسب حروف المعجم، أو دون رعاية لذلك، وأما معجم الشيوخ، فهو أخص من المشيخة.

стр. 1251

لأنه يُطلق على ما رُتّبَت فيه أسماء الشيوخ على حروف المعجم فقط، ولهذا قال الحافظ ابن حجر: «إن المشيخات في معنى المعاجم، إلا أن المعاجم يُرتّب المشايخ فيها على حروف المعجم في أسمائهم، بخلاف المشيخات» (١). وبين أيضا أن المشيخة ما تضمَّن شيوخ الشخص وأحوالهم، وتفصيل مروياته عنهم، بالسماع، أو بالإجازة، سواءً في موطنه أو خارجه (٢). وذكر السخاوي أيضا أن ما جُمِع فيه شيوخ شخص مخصوص، يُسمّى معجما، وهو ما يكون مرتبا على الحروف، أو مشيخة، وهو أعم من ذلك، وقد يكون مرتبا على البلدان، وهو قليل بالنسبة للأولين (٣)، وقد يكون الشخص هو الجامع لشيوخه بنفسه كالطبراني في «معجمه الأوسط» (٤)، وابن الجوزي في «مشيخته» (٥)، والحافظ ابن حجر في «معجم شيوخه» (٦)، وقد يجمعهم له غيره، كما فعل العراقي لبعض شيوخه فيما يأتي، وقد تجمع مشيخة أو معجم لأحد العلماء، ثم يسمع من شيوخ آخرين، أو يُوقف بمزيد من الاطلاع والبحث في مروياته، على وجود شيوخ آخرين، لم تشملهم مشيخته، أو معجمه، فيجمعون في كتاب آخر، يُعد ذيلا على سابقه، وقد

стр. 1252

فعل ذلك العراقي أيضًا بالنسبة لبعض شيوخه كما سنذكره، وبذلك صار له في هذا تأليف عدة مشيخات، وبعض الذيول والمعاجم - وكلها لشيوخه في الحديث ولكن قبل تناولنا لكل منها على حدة، يجدر بي أن أبين القيمة العلمية للمعاجِم والمشيخات عمومًا، حتى يتضح لنا قيمة ما ألفه العراقي في ذلك وداعيه إليه، ويمكن إجمال القيمة العلمية للمعاجِم والمشيخات فيما يلي: ١ - الإسهام في المحافظة على خصوصية الأمة المحمدية من دون الأمم وهي اتصال إسناد شريعتها قرآنا وسنة، بين نبيها ﷺ وأصحابه ﵃ وبين باقي الأمة في كل عصر إلى قيام الساعة (١)، ذلك أن المؤلفين الأول كمالك، والإمام أحمد بن حنبل، وأصحاب الكتب الستة، وأمثالهم، قد تكفلوا بتدوين عموم السنن والآثار في مصنفاتهم الجامعة، بسندها المتصل إلى الرسول ﷺ وأصحابه وتابعيهم، وبذلك صار الاعتماد في ثبوت أو نفي المرويات على النسخ الصحيحة من هذه المصنفات، منذ تدوينها وإلى الأبد حتى لو لم يتصل السند بين من يعتمد على تلك المصنفات في أي عصر وبين مصنفيها، على الراجح، نظرًا لأن تداولها واشتهارها بين عامة الأمة في كل جيل، جعل النفوس مطمئنة إلى سلامة محتواها من التحريف ومستغنية في صحة نسبتها لمؤلفيها عن اتصال السند بين مؤلفيها، وبين من بعدهم من الأجيال (٢). ومع هذا فإن مؤلفي مصنفات السنة عموما، حرصوا على أداء ما هو مدون فيها، بأسانيدهم إلى تلاميذهم مشافهة، وقام تلاميذهم بنفس المهمة لمن

стр. 1253

يليهم، وهكذا جيلًا بعد جيل، لا من أجل إثبات المروي في تلك المصنفات الشهيرة، ولكن لتصحيح النسخ المنقولة من النسخ الأصلية، حتى يوثق بمحتواها، وحفاظًا على بقاء خصوصية الأمة في اتصال إسنادها الشفاهي بالدين إلى أبنائها، في كل عصر حتى قيام الساعة، وقد قرر ذلك العراقي وغيره من المتقدمين والمتأخرين (١). وظل قصد المحافظة على تلك الميزة للأمة الإسلامية، يدفع الكثيرين ممن تلقوا شيئًا من الجوامع الأولى للسنن والآثار ومتعلقاتها، إلى الحرص على الإثبات الكتابي لتحمله، سواء في نفس نسخة الكتاب الذي تحمله، أو خارجه في ثَبَتٍ خاص، حذرا من النسيان، وتخليدا لشرف اتصال سنده بأقطاب السنة من قبله، كالبخاري ومسلم، وليكون ذلك أيضًا مستندا له في أداء ما تلقاه عن شيوخه إلى من بعده، فَيُسهم بذلك في استمرار خصوصية الأمة باتصال السند في كل عصر، وبجمع وترتيب إثباتات ما تلقاه الشخص عن شيوخه من كتب السنة وأجزائها ومتعلقاتها، تكونت المشيخات والمعاجم التي ألفها العلماء بعد عصور التدوين، سواء لأنفسهم كالطبراني والسلفى وابن حجر، أو لغيرهم، كما فعل العراقي، وبذلك أصبحت أبرز مهمات المعاجم والمشيخات: اثبات اتصال سند صاحب أي منها بأصحاب المرويات والمدونات الحديثية من قبله، والذين يتصل اسنادهم بمروياتهم، ومدوناتهم إلى المصدر الأول للسنة ﷺ وإلى أصحابه وتابعيهم، وبذلك تكتمل سلسلة الإسناد المحققة لميزة الأمة، نتيجة لتضافر جهود العلماء الأوائل كالبخاري والأواخر كالعراقي، وتلاقيهما،

стр. 1254

بحيث أسهمت المشيخات والمعاجم بوصل سند المتأخرين بالمتقدمين، وأسهمت المدونات الأولى للسنة بوصل سند المتقدمين إلى الرسول ﷺ وأصحابه وتابعيهم. وإليك نموذجًا من معجم شيوخ ابن حجر، تلميذ العراقي يوضح ذلك ويُقاس عليه عمل العراقي، لعدم وقوفنا على نموذج كامل من المشيخات والمعاجم التي ألفها، رغم تداول معظمها فى عصره كما سيأتي، يقول ابن حجر في معجم شيوخه ضمن بيان مروياته عن شيخه العراقي بعد أن ترجم له: «وقرأت عليه وعلى رفيقه الشيخ نور الدين الهيثمي مسند محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، سوى من أثناء حديث سلمان الفارسي (رضي الله تعالى عنه) في أواخر الكتاب، إلى آخر الكتاب بسماعهما، بقراءة الاول على أبي محمد عبد الله بن محمد بن ابراهيم البزوري ابن قيم الضيائية، أنا الفخر على بن أحمد بن عبد الواحد المقدسي، قال أنا أبو مسلم هشام بن عبد الرحمن بن أحمد بن الأخوة، ومحمد بن معمر بن الفاخر، بإجازة منهما، قالا: أنا سعيد بن أبي الرجاء الصيرفي، قال أنا أحمد بن محمد بن النعمان، قال أنا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن علي بن عاصم بن المقري قال أنا إسحاق الخزاعي عنه (١)، أي عن العدني مصنف المسند. وفي المسند نفسه أثبت العدني سنده بكل ما رواه فيه متسلسلا إلى الرسول ﷺ وأصحابه وتابعيهم، وبذلك أصبح سند ابن حجر بهذا المسند عن طريق ما أثبته في معجم شيوخه هكذا متصلا إلى العدني مؤلف المسند، ثم اتصل سنده من العدني إلى الرسول ﷺ وأصحابه وتابعيهم بأسانيد العدني إليهم، كما أوردها في المسند

стр. 1255

وهكذا شأن ما ألفه العراقى من المعاجم والمشيخات، وعندما يؤدى صاحب المعجم أو المشيخة ما اشتمل عليه أى منهما إلى من بعده بأحد طرق الأداء المقررة في علوم السنة، فإنه يتصل اسناد ما روى في أي منهما لمن بعده ومن بعده، يؤديه صولا إلى من يليه، وهكذا، بحيث لا تقتصر فائدة المعجم أو المشيخة على وصل سند مشتملاته من صاحبه إلى المصنفين الأول لكتب السنة فحسب، بل تمتد إلى من يليه من الأجيال، بحيث تبقى به خصوصية الأمة في اتصال السند بما اشتمل عليه إلى يوم الدين. وسيأتي بيان ما أمكننا الوقوف على تحقيقه ذلك الأثر الدائم من مؤلفات العراقي، وهو المشيخة التي خرجها وجمعها لشيخه ابن القارئ الثعلبي، حيث تسلسل السند بما حوته من المرويات إلى عصرنا الحاضر، وباستمرار تلقى اللاحق لها عمن اتصل اسناده بها في عصرنا، يتصل الاسناد إن شاء الله إلى الأبد، ويرجع ذلك كله إلى مساهمة العراقي بجمع هذه المشيخة من مصادرها العديدة: كمعاجم شيوخ صاحبها، وسماعاته، وإجازاته، وغيرها المتفرقة في أوائل وأواخر وهوامش النسخ الخطية التي أثبت له ذلك عليها ثم جَمْعِ تراجم شيوخه الذين عين المعجم روايته عنهم، وتحريرها وتنسيق ذلك كله، واخراجه في كتاب واحد، ثم تحمله بالقراءة على صاحبه وأداه لتلميذه ابن حجر وغيره، فانتشر، وتتابعت روايته حتى يومنا هذا كما قدمنا. ولو أنه أُتيح لنا الوقوف على بقية ما ألفه من معاجم ومشيخات أو على مسار مفصل لتداولها والاستفادة منها، لأدركنا أن كلا منها قد حقق من الأثر مثل ذلك، فليقس ما لم نقف عليه على ما وجدنا بعضه، ولمسنا أثره. ٣ - تسجيل الترابط الخالد ماديا ومعنويا بين أبناء الأمة الإسلامية أينما كانوا.

стр. 1256

بما له من آثار في إثارة روح الوحدة والتماسك، وتجسيد الالتفاف الدائم حول قيادة واحدة هي: محمد رسول الله ﷺ والذين معه، ومبادئ سامية هي: الكتاب والسنة، يتلقاهما جيل بعد جيل، علما وعملا فيصبح العلم والعمل رحما موصولة بين الجميع، والأسانيد أنساب وروابط لا تبيد، وإلى ذلك أشار الشيخ عبد الحي الكتاني حيث قال: «وبما تَطَّلِعُ عليه من ارتباط اسانيد المغاربة بالمشارقة، وتعويل الآخرين على الأولين … تعلم ما كان بين المسلمين قديما من سنى الاتصالات، وزاهر الروابط وأصيلها واعتزاز الكل بواسع الرواية والإجازة، من أطراف هذا المحيط الإسلامي المترامى … كما يَلْفِتُ ذلك إلى أن حفظ الدين حفظ لأهله، وروابطه روابطهم، ومجامعه جامعتهم، وعراه عراهم الوثقى التي لا انفصام لها، كما لا انفصام العراه، ولعل الله تعالى أن يجعل ذلك الترابط المسجل في كتب المشيخات والمعاجم وفهارس المرويات حتى اليوم، إشارة لإحياء ما رَم من روابطنا الإسلامية، وتقوية ما بقى، حتى تجتمع كلمة الجميع، وتُواد عوامل أعداء الاسلام وأهله في تفريق الشمل، وتمزيق الوحدة الإسلامية العربية وارتباط أبنائها، وعلمائها، سندا، وفكرًا، وعقيدة، حتى يتوحدوا عملا ونضالا» (١). ٣ - ضبط روايات علماء السنة بأسانيدهم: وذلك أنه من المقرر في شروط قبول الرواية: ضبط الراوى لما يرويه من السند والمتن معا، حتى يؤديها إلى من بعده، وذلك إما بحفظه للمروي في ذهنه، ويُسمى بضبط الصدر، وإما بتدوينه له في مصدر مصون ويُسمّى ضبط كتاب، وقد كان اعتماد الاوائل على ضبط الصدر أكثر من اعتمادهم على

стр. 1257

ضبط الكتاب (١) نظرا لما حَبَاهُم الله به من قوة حافظة، ولقصر سلسلة الأسناد حينذاك، أما في العصور المتأخرة فقد لاحظ العلماء تكاسل همم أكثر المشتغلين بالسنة والقائمين بروايتها عن الحفظ، وضعف تلك الموهبة لديهم، نتيجة لعدم شحذها وتنميتها، بالإضافة لتكاثر المرويات كما نرى بعد عصر التدوين، ولطول الإسناد بتتابع الزمن بحيث أصبح الحديث العشاري الاسناد مما يفتخر بعلو سنده في عصر العراقي، لهذا قرر العلماء المتأخرون حرصا على بقاء خصوصية الأمة في اتصال السلسلة السندية كما سلف، التوسع في شروط قبول الرواية بالنسبة إلى الضبط، فرأوا أنه يكفى لتحققه وجود سماع الشخص، وغيره من طرق التحمل مثبتا بخط ثقة مؤتمن على الأصل المروى، أو في ثبت مستقل، وأن يُؤَدِّى الشخص ما تحمله بالاعتماد على نسخة موافقة لنسخة شيخه الذي تحمل عنه (٢)، ومن أجل هذا كانت المشيخات والمعاجم المدون فيها بيان مرويات أصحابها عن شيوخهم، وسلسلة سندهم إلى أصحاب المدونات الحديثية والمرويات، عمدة المتأخرين في اثبات توفر اشتراط الضبط فيهم، وعدتهم التي يفزعون إليها عند الأداء لمن بعدهم، كما سنرى بالنسبة لما ألفه العراقي لشيوخه من المعاجم والمشيخات، وبذلك وفرت مؤلفاته تلك، شرط الضبط لشيوخه، ولمن تلقوا عنهم مشيخاتهم ومعاجمهم أيضًا. ٤ - تيسير نشر مرويات أصحاب المعاجم والمشيخات: وذلك لأن جمع المرويات في تلك المشيخات والمعاجم وضبطها، يمكن.

стр. 1258

أصحابها من آداء قدر كبير من مروياتهم إلى من بعدهم بمجرد قراءة المعجم أو المشيخة على الطلاب، أو إسماعهم بواسطة قارئ، أو الإجازة لهم بما تضمنته المشيخة أو المعجم، ويكون التيسر أظهر بالنسبة للراحلين لأداء الحديث أو تحمله، حيث يتمكنون من تحمل أو آداء قدر كبير من المرويات في وقت يسير (١)، ومن أجل هذا كان الحافظ ابن حجر يُخرج بعض المشيخات أو المعاجم لغير المشهورين من شيوخه وشيخاته، رغبة في اعلام الطلبة بمروياتهم، لتنتشر فيمن بعدهم (٢)، كما كان الشيوخ يفرحون بمن يُعنى بتأليف مشيخات لهم، لإراحتهم عند الأداء من الكشف عن مروياتهم في أثباتهم المتفرقة (٣). ٥ - التعريف بعلماء السنة وتراثها، وتمرس المؤلف بهما: وذلك أن مؤلفي المعاجم والمشيخات بما فيهم العراقي يستخرجون موادها العلمية بالبحث والاطلاع في عامة كتب السنة ورجالها، وبذلك يكتسبون خبرة بها، ومهارة في الاستفادة منها في باقى مهماتهم العلمية، ولهذا اعتبر ابن حجر جمع طالب السنة للمشيخات طريقا لتيقظه ومهارته، ووسيلة لتخرجه في علم الحديث (٤). ثم إن مؤلفى المشيخات والمعاجم لا يكتفون فيها بذكر أسماء الشيوخ وما روى عنهم فحسب؛ بل يُترجمون لكل شيخ رَوَى عنه صاحب المعجم أو المشيخة، قبل ذكر مروياته ترجمة مناسبة، توضح اسمه وسلسلة نسبه وما عُرف به من لقب أو كنية، ومولده ووفاته وأهم

стр. 1259

شيوخه وتلاميذه، وما وصف به من الصفات المؤثرة في قيمة الرواية عنه، من توثيق أو تجريح، وذكر أهم مؤلفاته، مع وصف أو تحليل أو تقييم لها، وقد يكون من المؤلفات الحديثية المذكورة في المعجم أو المشيخة ما أصبح مفقودًا بذاته، فلا يبقى لنا منه إلا ما حفظه المعجم أو المشيخة، كما قد يكون بها من المادة التاريخية ما لا يوجد في غيرها من كتب التاريخ والتراجم، خاصة ما يُسجله المؤلف فيها، مما اطلع عليه بنفسه من أحوال الشيوخ ومروياتهم ومؤلفاتهم، ومن أجل ذلك نجد العلماء يعدون المعاجم والمشيخات من المصادر التاريخية وخصوصًا في بيان طبقات رجال السنة، وتراجم الاعلام، والتعريف بتراثهم العلمى (١). ولعل القارئ الكريم لاحظ اعتمادى بالنسبة لتاريخ العراقي وتراثه في السنة وعلومها، على معجم شيوخ تلميذه ابن حجر، حيث وجدت فيه تعريفًا ببعض مؤلفاته التي لم أعثر عليها، ومادة تاريخية لم أجدها في سواه، ولعله لو أتيح لنا الوقوف على ما ألفه العراقي من معاجم ومشيخات، لأمكننا تقديم نماذج منها، وتحليلها وتقييمها، وخاصة ما لمسنا أنه توسع فيه، كمعجم شيوخ ابن جماعة، الذي كتب منه ٩ أجزاء حديثية فيمن اسمه (محمد) فقط منهم، كما سيأتي، ولكن يمكننا قياس أثرها في تاريخ التراجم والتراث بما ذكرته عن معجم شيوخ ابن حجر تلميذ العراقي. ٦ - التطبيق العلمى القواعد علوم السنة في طرق التحمل والأداء: وذلك أن مؤلف المعجم أو المشيخة يسوقُ فيه سند صاحبه، من شيوخه.

стр. 1260

الذين روى عنهم حتى صاحب الكتاب المروي، مثبتا في سياقه طريقة التحمل والتعبير عنها في الأداء، من واحد لآخر عبر سلسلة هذا الإسناد، بحيث يرى من يطلع على هذا تطبيقا عمليا لقواعد التحمل والأداء التي اصطلح عليها علماء السنة، ويتاح لقارئها دربة عملية مفيدة، ولا شك أن التطبيق العملي والتدريب خير ما يوضح القواعد ويرسخها في أذهان طلاب السنة والمشتغلين بها، وقد نقلنا لك فيما تقدم أنموذجا من معجم شيوخ ابن حجر يتضمن سياق سنده الذي روى به مسند العدني عن شيخه العراقي، وفيه يتضح ما ذكرناه، فانظره وقس عليه عمل شيخه في مؤلفاته من المعاجم والمشيخات التي نذكرها فيما يلي: أ - مشيخة ابن التونسي وذيلها: وقد خرجهما العراقي لشيخه القاضي ناصر الدين محمد بن محمد بن أبي القاسم بن جميل الربعي، الشهير بابن التونسي المتوفى في ١١ صفر سنة ٧٦٣ هـ (١) وهو من شيوخ العراقي الذين أكثر عنهم الرواية بالقاهرة كما قدمنا، وقد قال العراقي نفسه: خرجت له مشيخة، ثم ذيلت عليها، وأقره على ذلك ولده ولي الدين أبو زرعة (٢)، وتلميذه ابن حجر (٣)، أما ابن فهد (٤) والسخاوي (٥) فاقتصرا على ذكر المشيخة فقط، فلعلهما لم يقفا على تصريح العراقي المتقدم، وقد أسلفت بيان الداعي للتذييل على المشيخة بعد تأليفها.

стр. 1261

أهميَّة هذه المشيخة وذيلها، وزمن تأليفهما وأثرهما: ومما حفَّز العراقي لتخريج تلك المشيخة لابن التونسي ثم التذييل عليها، أنَّ هذا الشيخ تميَّز بأمرين: أحدهما: تفرده بعدة من شيوخه (١) بمعنى أنه صار في زمانه هو الوحيد في مصر الذي يروي بعض الكتب والأحاديث بسنده عن هؤلاء الشيوخ، وبذلك يكون أعلا معاصريه المصريين إسنادًا بما انفرد به، وبالتالي يفيد التلقي عنه علو الإسناد الذي يحرص عليه المحدثون. وثانيهما: أنه تفرد بكثير من مسموعاته (٢) بمعنى أنه كان هو الوحيد في مصر الذي يروي بعض المرويات بسماعها عن شيوخه، والسماع أعلا وأوثق أنواع التحمل، وبذلك صارت مشيخته وذيلها ذواتا أثر نافع في انتشار وتوسيع الاستفادة بهاتين الميزتين، حيث حدث ابن التونسي طلابه بتلك المشيخة وذيلها، كما سأذكره، ولم يوقفني البحث على شيء من نُسَخ تلك المشيخة ولا ذيلها، ولا حتى على نقول منها، لكني وقفت على ما يدل على تداول المشيخة والاستفادة بها في التحمل عن ابن التونسي، وفي مقدمة ذلك أن العراقي نفسه قد أحضر ولده أبا زرعة في السنة الأولى من عمره قراءة قطعة من المشيخة المذكورة على ابن التونسي (٣) ولما كان أبو زرعة كما تقدم قد وُلِدَ في أواخر سنة ٧٦٢ هـ والتونسي توفى في أوائل سنة ٧٦٣ هـ، فإن هذا يقتضي أن يكون العراقي قد فرغ من تأليف تلك المشيخة قبل ولادة ابنه أبي

стр. 1262

زرعة، ثم ذيل عليها بعد ذلك، ووجدتُ أيضًا أن أحد تلاميذ ابن التونسي قد ولد سنة ٧٥٣ هـ وسمع عليه مشيخته التي خرجها له العراقي (١) وهذا يدل على تداول تلك المشيخة منذ تأليفها، واستعمال ابن التونسي لها في أداء محتواها من مروياته إلى تلاميذه. ب - مشيخة مسند القاهرة: ابن القارئ، شيخ العراقي، وأثرها: هذا المسند هو زين الدين عبد الرحمن بن علي بن محمد هارون الثعلبي الشهير بابن القارى المتوفى في نصف ذي القعدة سنة ٧٧٦ هـ وهو من شيوخ العراقي (٢) وقد قال ولي الدين بن العراقي عنه: وخرج له والدي مشيخة (٣)، ثم ذكرها أيضًا ضمن مؤلفات العراقي كل من ابن فهد (٤) والسخاوي (٥) والكتاني (٦). أثر هذه المشيخة حتى وقتنا الحاضر: ومع أن البحث لم يوقفني على شيء من نُسخ تلك المشيخة، إلا أني وقفتُ على آثار متعددة لها، ودلالات على تداولها، كما وقفت على بعض نصوص منها كما سيأتي، أما الآثار والدلالات ففي مقدمتها: أن العراقي نفسه قام بقراءة هذه المشيخة على صاحبها ابن القاري (٧)، وبذلك اتصل سند العراقي

стр. 1263

والسامعين حينذاك، بما ذكر في المشيخة من مرويات ابن القاري كما أفادت هذه القراءة على صاحب المشيخة، إقراره بصحة مضامينها، ثم إن العراقي بدوره أنبأ بهذه المشيخة تلاميذه، فقد قال تلميذه ابن حجر: مشيخة ابن القاري، تخريج شيخنا العراقي، أنبأنا بها المخرج - أي العراقي - بقراءته لها على المخرجة له (١)، وهذا يدل على انتشارها وبقائها متداولة بعد عصر المخرجة له، واصلة سنده بمحتواها لمن بعده، ثم اتصل السند بهذه المشيخة إلى عصرنا الحاضر، حيث ذكر الشيخ محمد عبد الحي الكتاني ﵀، الذي جمع بين أسانيد المشارقة والمغاربة حتى عصره أن هذه المشيخة يرويها بسنده المتصل إلى ابن حجر العسقلاني عن شيخه العراقي عن المخرجة له، وهو ابن القاري (٢) ثم اتصلت أسانيدها منه بالإجازة والمكاتبة لشيخ مشايخنا: محمد حبيب الله الشنقيطي ﵀، ومنه إلى مشايخنا الذين سمعنا منهم الحديث وبحثنا عليهم علوم السنة وأخبرونا بإجازتهم، من الشنقيطي، وما زالوا أحياء حتى سنة ١٣٩٩ هـ، كالشيخ محمد محمد السماحي والشيخ محمد ياسين الفاداني، والشيخ حماد بن محمد الأنصاري ﵏. ومن الأحياء حتى الآن سنة ١٤١٩ هـ ممن سمعت منهم وأجازوني: الشيخ عبد القادر كرامة الله البخاري نزيل رابغ، بالسعودية، والشيخ عبد الرحمن بن أبي بكر الملا، من الأحساء، بالسعودية. وبهذا اتصل السند بمضامين تلك المشيخة من المرويات إلى هذا الوقت الحاضر ولله الحمد. ولم يقتصر أثرها وتداولها على العراقي ومن أخذ عنه بل تعداه إلى كثيرين.

стр. 1264

سواه، فقد ذكر ولى الدين ابن العراقي أن ابن القاري حدث بهذه المشيخة غير مرة، وأنه سمعها عليه (١)، وقال ابن دقماق المؤرخ المعروف: إنه سمع من ابن القارى صحيح البخاري في مشيخته. (٢) وهذا يدل على اتساع دائرة الانتفاع بها، سواء في أداء صاحبها، أو في التحمل عنه، خاصةً وأنه كان مسند القاهرة في وقته كما تقدم، ومقتضى ذلك كثرة الإقبال على تلقى مروياته التي كانت تضمها تلك المشيخة، مع تسهيلها لمهمتي الأداء والتحمل الاجماليين. بعض ما وقفت عليه من نصوص هذه المشيخة: ولقد أوقفني البحث الشاق على نص من تلك المشيخة، ذكره الامام الزبيدى ﵀، في شرحه لإحياء علوم الدين حيث قال في بيان علو الاسناد: … ففي مشيخة عبد الرحمن بن على الثعلبي، تخريج الحافظ العراقي بسنده إلى ابن المبارك قال: ليس جودة الحديث قرب الاسناد، جودة الحديث صحة الرجال، وأنشد الحافظ أبو الطاهر السلفى لنفسه: لَيْسَ حُسْنُ الحديث قرب رجال … عِنْدَ أرباب علمه النقاد بل علو الحديث بين أولى الحفـ … ظ والإتقان صحة الإسنادِ

стр. 1265

وإذا ما اجتمعا في حديث … فاغتنمه فذاك أقصى المراد (١) وهذا يدل على أن العراقي ضمن هذه المشيخة بعض ما يستدعيه المقام من قواعد علوم السنة، وقد ذكر أبيات السلفي هذه في شرحه المتوسط للألفية أيضا في مبحث الإسناد العالي والنازل (٢)، مستدلا بها على أن العبرة عند علماء السنة في علو السند ليس فقط قلة عدد الرواة الوسائط بين المصدر الأول للمروي، وبين الراوي الأخير له، بحيث يصبح قريبا من المصدر الأول فحسب، بل لابد أن يكون الرواة الوسائط مع قلتهم موثقين حتى يكون المروي عنهم موثقا به، فإذا لم يكونوا كذلك، كان المروي بسند نازل كثير الوسائط مع جودتهم أولى وأجود، ويعتبر عاليا علما معنويا، فذكره لذلك في مشيخة ابن القاري تأكيدا منه لدعوة رواة السنة في كل عصر، أن يتحروا قبل كل شيء، الثقة فيمن يأخذون عنه، فإن ذلك هو العلو الأهم عند النقاد. ج - ذيل مشيخة القلانسي، شيخ العراقي، وأهميته، وزمن تأليفه، وأثره: القلانسي هو مسند الديار المصرية في وقته، أبو الحرم محمد بن محمد بن أبي الحرم القلانسي الحنبلي المتوفى في ٤ جمادى الأولى سنة ٧٦٥ هـ (٣) وهو أحد شيوخ العراقي المتميزين بعلو الإسناد، بحيث روى عنه العراقي بأعلا
следующие страницы →