← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 30167

الحافظ العراقي وأثره في السنة

أحمد بن معبد عبد الكريم

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

أهميَّة هذه المشيخة وذيلها، وزمن تأليفهما وأثرهما: ومما حفَّز العراقي لتخريج تلك المشيخة لابن التونسي ثم التذييل عليها، أنَّ هذا الشيخ تميَّز بأمرين: أحدهما: تفرده بعدة من شيوخه (١) بمعنى أنه صار في زمانه هو الوحيد في مصر الذي يروي بعض الكتب والأحاديث بسنده عن هؤلاء الشيوخ، وبذلك يكون أعلا معاصريه المصريين إسنادًا بما انفرد به، وبالتالي يفيد التلقي عنه علو الإسناد الذي يحرص عليه المحدثون. وثانيهما: أنه تفرد بكثير من مسموعاته (٢) بمعنى أنه كان هو الوحيد في مصر الذي يروي بعض المرويات بسماعها عن شيوخه، والسماع أعلا وأوثق أنواع التحمل، وبذلك صارت مشيخته وذيلها ذواتا أثر نافع في انتشار وتوسيع الاستفادة بهاتين الميزتين، حيث حدث ابن التونسي طلابه بتلك المشيخة وذيلها، كما سأذكره، ولم يوقفني البحث على شيء من نُسَخ تلك المشيخة ولا ذيلها، ولا حتى على نقول منها، لكني وقفت على ما يدل على تداول المشيخة والاستفادة بها في التحمل عن ابن التونسي، وفي مقدمة ذلك أن العراقي نفسه قد أحضر ولده أبا زرعة في السنة الأولى من عمره قراءة قطعة من المشيخة المذكورة على ابن التونسي (٣) ولما كان أبو زرعة كما تقدم قد وُلِدَ في أواخر سنة ٧٦٢ هـ والتونسي توفى في أوائل سنة ٧٦٣ هـ، فإن هذا يقتضي أن يكون العراقي قد فرغ من تأليف تلك المشيخة قبل ولادة ابنه أبي

стр. 1262

زرعة، ثم ذيل عليها بعد ذلك، ووجدتُ أيضًا أن أحد تلاميذ ابن التونسي قد ولد سنة ٧٥٣ هـ وسمع عليه مشيخته التي خرجها له العراقي (١) وهذا يدل على تداول تلك المشيخة منذ تأليفها، واستعمال ابن التونسي لها في أداء محتواها من مروياته إلى تلاميذه. ب - مشيخة مسند القاهرة: ابن القارئ، شيخ العراقي، وأثرها: هذا المسند هو زين الدين عبد الرحمن بن علي بن محمد هارون الثعلبي الشهير بابن القارى المتوفى في نصف ذي القعدة سنة ٧٧٦ هـ وهو من شيوخ العراقي (٢) وقد قال ولي الدين بن العراقي عنه: وخرج له والدي مشيخة (٣)، ثم ذكرها أيضًا ضمن مؤلفات العراقي كل من ابن فهد (٤) والسخاوي (٥) والكتاني (٦). أثر هذه المشيخة حتى وقتنا الحاضر: ومع أن البحث لم يوقفني على شيء من نُسخ تلك المشيخة، إلا أني وقفتُ على آثار متعددة لها، ودلالات على تداولها، كما وقفت على بعض نصوص منها كما سيأتي، أما الآثار والدلالات ففي مقدمتها: أن العراقي نفسه قام بقراءة هذه المشيخة على صاحبها ابن القاري (٧)، وبذلك اتصل سند العراقي

стр. 1263

والسامعين حينذاك، بما ذكر في المشيخة من مرويات ابن القاري كما أفادت هذه القراءة على صاحب المشيخة، إقراره بصحة مضامينها، ثم إن العراقي بدوره أنبأ بهذه المشيخة تلاميذه، فقد قال تلميذه ابن حجر: مشيخة ابن القاري، تخريج شيخنا العراقي، أنبأنا بها المخرج - أي العراقي - بقراءته لها على المخرجة له (١)، وهذا يدل على انتشارها وبقائها متداولة بعد عصر المخرجة له، واصلة سنده بمحتواها لمن بعده، ثم اتصل السند بهذه المشيخة إلى عصرنا الحاضر، حيث ذكر الشيخ محمد عبد الحي الكتاني ﵀، الذي جمع بين أسانيد المشارقة والمغاربة حتى عصره أن هذه المشيخة يرويها بسنده المتصل إلى ابن حجر العسقلاني عن شيخه العراقي عن المخرجة له، وهو ابن القاري (٢) ثم اتصلت أسانيدها منه بالإجازة والمكاتبة لشيخ مشايخنا: محمد حبيب الله الشنقيطي ﵀، ومنه إلى مشايخنا الذين سمعنا منهم الحديث وبحثنا عليهم علوم السنة وأخبرونا بإجازتهم، من الشنقيطي، وما زالوا أحياء حتى سنة ١٣٩٩ هـ، كالشيخ محمد محمد السماحي والشيخ محمد ياسين الفاداني، والشيخ حماد بن محمد الأنصاري ﵏. ومن الأحياء حتى الآن سنة ١٤١٩ هـ ممن سمعت منهم وأجازوني: الشيخ عبد القادر كرامة الله البخاري نزيل رابغ، بالسعودية، والشيخ عبد الرحمن بن أبي بكر الملا، من الأحساء، بالسعودية. وبهذا اتصل السند بمضامين تلك المشيخة من المرويات إلى هذا الوقت الحاضر ولله الحمد. ولم يقتصر أثرها وتداولها على العراقي ومن أخذ عنه بل تعداه إلى كثيرين.

стр. 1264

سواه، فقد ذكر ولى الدين ابن العراقي أن ابن القاري حدث بهذه المشيخة غير مرة، وأنه سمعها عليه (١)، وقال ابن دقماق المؤرخ المعروف: إنه سمع من ابن القارى صحيح البخاري في مشيخته. (٢) وهذا يدل على اتساع دائرة الانتفاع بها، سواء في أداء صاحبها، أو في التحمل عنه، خاصةً وأنه كان مسند القاهرة في وقته كما تقدم، ومقتضى ذلك كثرة الإقبال على تلقى مروياته التي كانت تضمها تلك المشيخة، مع تسهيلها لمهمتي الأداء والتحمل الاجماليين. بعض ما وقفت عليه من نصوص هذه المشيخة: ولقد أوقفني البحث الشاق على نص من تلك المشيخة، ذكره الامام الزبيدى ﵀، في شرحه لإحياء علوم الدين حيث قال في بيان علو الاسناد: … ففي مشيخة عبد الرحمن بن على الثعلبي، تخريج الحافظ العراقي بسنده إلى ابن المبارك قال: ليس جودة الحديث قرب الاسناد، جودة الحديث صحة الرجال، وأنشد الحافظ أبو الطاهر السلفى لنفسه: لَيْسَ حُسْنُ الحديث قرب رجال … عِنْدَ أرباب علمه النقاد بل علو الحديث بين أولى الحفـ … ظ والإتقان صحة الإسنادِ

стр. 1265

وإذا ما اجتمعا في حديث … فاغتنمه فذاك أقصى المراد (١) وهذا يدل على أن العراقي ضمن هذه المشيخة بعض ما يستدعيه المقام من قواعد علوم السنة، وقد ذكر أبيات السلفي هذه في شرحه المتوسط للألفية أيضا في مبحث الإسناد العالي والنازل (٢)، مستدلا بها على أن العبرة عند علماء السنة في علو السند ليس فقط قلة عدد الرواة الوسائط بين المصدر الأول للمروي، وبين الراوي الأخير له، بحيث يصبح قريبا من المصدر الأول فحسب، بل لابد أن يكون الرواة الوسائط مع قلتهم موثقين حتى يكون المروي عنهم موثقا به، فإذا لم يكونوا كذلك، كان المروي بسند نازل كثير الوسائط مع جودتهم أولى وأجود، ويعتبر عاليا علما معنويا، فذكره لذلك في مشيخة ابن القاري تأكيدا منه لدعوة رواة السنة في كل عصر، أن يتحروا قبل كل شيء، الثقة فيمن يأخذون عنه، فإن ذلك هو العلو الأهم عند النقاد. ج - ذيل مشيخة القلانسي، شيخ العراقي، وأهميته، وزمن تأليفه، وأثره: القلانسي هو مسند الديار المصرية في وقته، أبو الحرم محمد بن محمد بن أبي الحرم القلانسي الحنبلي المتوفى في ٤ جمادى الأولى سنة ٧٦٥ هـ (٣) وهو أحد شيوخ العراقي المتميزين بعلو الإسناد، بحيث روى عنه العراقي بأعلا

стр. 1266

أسانيد عصره (١)، وقد نسب هذا الذيل إلى العراقي ولده أبو زرعة حيث قال في ترجمة القلانسي: خرج له شيخنا أبو المعالي بن رافع مشيخة وكتب والدى عليها ذيلا (٢)، وأقر هذا الحافظ ابن حجر (٣)، وابن فهد (٤)، والسخاوى (٥)، وصاحب «كشف الظنون» (٦)، والكتاني (٧)، وقد جاء في ترجمة القلانسي هذا ما يُوضح استحقاقه بتأليف ابن رافع له مشيخة، ثم نهوض العراقي لعمل ذيل عليها، فبجانب تميزه بعلو السند كما قدمت، وصفه العراقي بأنه مكثر من المرويات والشيوخ، مع ثقته وصحة سماعه (٨)، كما وصفه ولى الدين ابن العراقي بأنه تفرد بكثير من مسموعاته وشيوخه، وصار رحلة بلاده، وكان خيرا دينا من أعيان الحنابلة (٩)، وقال ابن حجر: أنه صار مسند الديار المصرية في زمانه (١٠)، وكل هذه خصائص توضح أهمية الرجل في وصل سند المرويات الحديثية لمن بعده، ومن هنا كانت أهمية تدوين أكبر

стр. 1267

قَدْر من مروياته وشيوخه، فقام شيخ العراقي ابن رافع بجانب من تلك المهمة، وأتمها تلميذه العراقي من بعده، عملا على نشر السند المتصل لكتب السنة ومتعلقاتها، والتعريف برجالها العاملين، ولئن كان البحث الدائب لم يوقفني على شيء من مشيخة ابن رافع، ولا من ذيل العراقي عليها، ولا على نقول معزوة اليهما، إلا أن أبا زرعة ابن العراقي قد صرح بأن القلانسي حدث تلاميذه بكل من المشيخة، وذيل العراقي عليها، وهذا يدل على أن العراقي قد أنجز هذا الذيل قبل وفاة القلانسى في سنة ٧٦٥ هـ بفترة غير قليلة، كما يدل على أن هذا الذيل قد تم تداوله والاستفادة به في التحمل والأداء لما تضمنه من المرويات، منذ تأليف العراقي له. د - ذيل مشيخة البياني، شيخ كل من العراقي وولده وأهميته وأثره: البياني، هو المسند، المعمر، الرحلة، شمس الدين، أبو عبد الله محمد بن ابراهيم بن محمد بن أبي بكر بن يعقوب، الانصاري الخزرجي، وعرف بالبياني، توفى على الصحيح في ٢٩ ذي القعدة سنة ٧٦٦ هـ، وهو من شيوخ العراقي، وولده أبو زرعة (١). وقد ذكر أبو زرعة ابن العراقي في ترجمته له ما يدل على خبرته هو ووالده به حتى آخر عمره، حيث قرر وفاته في ليلة الاثنين ٢٩ ذي القعدة سنة ٧٦٦ هـ، وقال: سمع منه الأئمة وسمعت عليه صحيح مسلم، وقطعة كبيرة من تاريخ بغداد وأجزاء كثيرة ثم قال: وذكر ابن رافع أنه توفي ليلة ١٨ ذي الحجة وهو وهم، وما

стр. 1268

ذكرته أولا هو الصواب الذي ذكره والي، وكانت وفاته عندنا بالخانقاه الطشتمرية ظاهر القاهرة. وقد نُسِب هذا الذيل إلى العراقي ولده أبو زرعة وتلميذه ابن حجر فقال في ترجمة البياني: وخرج له ابن رافع مشيخة، وذيل عليها شيخنا العراقي، وتبعه على ذلك صاحب «كشف الظنون» (١) وسيأتي كلام أبي زرعة بن العراقي، وقد وصف البياني بما يوضح استحقاقه لعمل مشيخة، ثم التذييل عليها، فقد قال ابن حجر: إنه أحضر مجلس الحديث في الثالثة من عمره (٢)، وقال أبو زرعة ابن العراقي: إنه مسند معمر، محب للرواية (٣)، وهذا يدل على تمتعه بعلو الاسناد، وكثرة الشيوخ والمرويات، ومن هنا كان جديرا بجمع شيوخه، وتخريج مروياته ليستفاد بها، كما فعل ابن رافع ومن بعده العراقي، وقد ذكر أبو زرعة بن العراقي تأليف والده هذا باسم «الفهرست» مع الإشادة بشكله ومضمونه فقال: وعمل له والدي فهرستا حافلا مفيدا، توفي - يعني والده - قبل إكماله/ ذيل العبر لأبي زرعة (١/ ١٨٨). ومعروف أن «الفهرشت» و «المشيخة» بمعنى واحد (فهرس الفهارس للكتاني ١/ ٦٨ - ٦٩). أقول: ولعل وفاة العراقي قبل إكمالها هو الذي جعل روايتها عن البياني توجد من غير طريق العراقي كما سيأتي مع كون العراقي من تلاميذ البياني، كما أنه من دلائل فائدة هذه المشيخة أو الفهرست وأثرها في الرواية رغم اكتمالها، ما ذكره الكتاني، حيث ذكر روايته لها من طريق شمس الدين

стр. 1269

مُحمَّد بن طولون الحنفي المتوفى سنة ٩٥٣ هـ عن يوسف بن حسن بن عبد الهادي عن محمد بن محمد الخيضري عن أبي ذر عبد الرحمن بن محمد الزركشي عن المخرجة له/ فهرس الفهارس للكتاني ٢/ ٦٤٣. والزركشي هذا توفي سنة ٨٤٦ هـ، تتلمذ للعراقي/ الضوء اللامع (٤/ ١٣٧) ولكن قال ابن تغري بردي في ترجمة البياني: وآخر من تأخر ممن سمع عليه شيخنا الرُّحَلَةَ: زين الدين عبد الرحمن الزركشي الخيلي رحمه الله تعالى/ النجوم الزاهرة ١١/ ٨٩.، بل سيأتي عناية العراقي بجمع أربعين حديثا وعشرين حديثا كلاهما من عواليه، تساعية الإسناد. وللأسف لم أقف على شيء من المشيخة التي خرجها ابن رافع للبياني، ولا على ذيل العراقي هذا الذي خرجه لها مع تداول روايته كما قدمت. هـ - معجما شيوخ ابن جماعة، موجه العراقي الأول للتخصص بالسنة، والداعي لتأليفهما: قدمت التعريف بابن جماعة ضمن شيوخ العراقي (١)، والمهم هنا أنه تمتع بكثرة الشيوخ حتى إن شيوخه ليزيدون عن ١٣٠٠ شيخ، وتمتع أيضًا بكثرة المرويات، مع ثقته وتفرده بالرواية عن عدد من شيوخه، وبرواية عدد من الكتب والأجزاء الحديثية (٢)، ولهذا كان جديرا بعناية العراقي وغيره، بجمع مروياته وشيوخه للاستفادة بها، وقد أثبت أبو زرعة ابن العراقي تأليف والده معجمى شيوخ ابن جماعة فقال: وخرج له والدى معجما عن شيوخه

стр. 1270

بالسماع والإجازة، لم يكمل، كتب منه ٩ أجزاء حديثية، وكلها في المحمدين (١)، أي فيمن اسمه (محمد) من شيوخ ابن جماعة، والأجزاء الحديثية في المتوسط تبلغ ١٥ ورقة، وبذلك يكون العراقي قد استغرق فيما أنجزه من هذا المعجم ١٣٥ ورقة تقريبا، وهو كم كبير يدل على غزارة ما أودعه العراقي فيه من المادة العلمية، وعلى الجهد الكبير الذي بذله في الجمع والبحث والتحقيق العلمي، ويفهم من كون الأجزاء المذكورة كلها في المحمدين، أن العراقي انتهج ترتيب أسماء الشيوخ على حروف المعجم ولكنه بدأ بمن اسمه (محمد)، تيمنا بأشهر أسماء الرسول ﷺ ، كما فعل في ذيله في وفيات الاعيان المتقدم بحثه. ورغم أن العراقي لم ينجز من هذا المعجم إلا القدر المذكور، فإنه قد أتى ثماره عاجلاً، حيث ذكر أبو زرعة ابن العراقي أن ابن جماعة قد حدث طلبته بثلاثة أجزاء منه (٢) وهذا دليل على تداوله والانتفاع به، كما أنه دليل على ارتضاء ابن جماعة لهذا التأليف واقرار مضمونه العلمي. ومع هذا الانتفاع، والتداول المذكور للمعجم في حياة ابن جماعة والعراقي إلا أننى للأسف وأقف على شيء منه الآن. أما المعجم الثاني لشيوخ ابن جماعة فقد نسبه أبو زرعة ابن العراقي لوالده أيضًا، وذلك في ترجمة محمد بن عبد اللطيف المعروف بابن الكويك المتوفى سنة ٧٧٩ هـ، حيث قال عن ابن الكويك هذا: إنه جمع شيوخ قاضي القضاة عز الدين بن جماعة، مرتبًا لهم على حروف المعجم، ثم قال: وهذبه.

стр. 1271

والدى وأصلحه (١)، ولعل العراقي بحكم معاصرته لابن الكويك، علم باشتغاله بعمل هذا المعجم، فانصرف عن اتمام المعجم السابق، حتى لا تتكرر الجهود أو تتكدر النفوس، لأن المعجم الذي ألفه ابن الكويك كما يفهم من عموم عبارة أبي زرعة المتقدمة، عام يجمع كل شيوخ العراقي، بينما المعجم الذي شرع العراقي فيه وأنجز بعضه، خاص بجمع نوعين فقط من شيوخ ابن جماعة، وهما من روى عنهم بالسماع ومن روى عنهم بالإجازة، فصار عمل العراقي داخلا في عموم عمل ابن الكويك، فإعراض العراقي عن اتمام المعجم الأول، متسق مع عموم شأنه في أخلاقه وفي مؤلفاته، فلا تجده يؤلف إلا ما يجد الحاجة ماسة إليه، ولا ينازع غيره عملا علميا اطلع على اشتغاله به، وأهليته له، وتوفيته حقه، وهكذا فليكن علماء السنة في كل جيل، اقتداء بالعراقي في هذا المسلك الحسن، حتى تتحرر دائرة التأليف في علوم السنة من التكرار غير المجدى، وتمد الناس في كل عصر بما هم بحاجة فعلية إليه، في روح من الاحترام المتبادل بين علمائها، ورعاية لحقوق الانتاج العلمي لكل منتج تصدى للعمل بجد وإخلاص، وبذلك يتحقق أحد الآثار المرتجاة من دراستنا لسيرة الأسلاف من حفاظ السنة، كالحافظ العراقي وغيره، ولئن كان العراقي في تقديري قد توقف عن اتمام ما شرع فيه من معجم الشيوخ الخاص، نأيا عن التكرار، وتقديرًا للزمالة العلمية، فإنه لم يصرف النظر نهائيا عن الموضوع، بل حرص على الاطلاع على المعجم العام الذي جمعه ابن الكويك، ليرى هل حقق فيه الغاية المرجوة أم لا؟ وقد ظهر له أنه بحاجة إلى التهذيب والإصلاح، حتى يكون عملا علميا أتم فائدة، وبمقتضى صلته الطويلة بابن جماعة،

стр. 1272

وممارسته السابقة لجمع بعض شيوخه، أعاد النظر في هذا المعجم الذي أنجزه ابن الكويك، وباشر تهذيبه وإصلاحه، وليس هذا بالعمل الهين، بل إن فيه جهدًا علميًا كبيرًا يتمثل فيما يستدعيه الإصلاح والتهذيب من الحذف والإضافة، وإعادة ترتيب بعض المواد العلمية في نسق سليم، واعمال الفكر والنظر في التصويب والتحقيق، خاصةً وأن كثرة شيوخ ومرويات ابن جماعة، تدل على أن هذا المعجم الجامع لهم كان ضخمًا، وبهذا الاصلاح والتهذيب خرج هذا المعجم في صورة جديدة نُسبت للعراقي، بينما نُسبت الصورة الأولى لسلفه ابن الكويك، وقد صدر العراقي في هذا عن غرض علمى وجيه، ينبغي على المتأخر أن ينهض به بالنسبة لعمل المتقدم، وهو تهذيب ما يراه بحاجة إلى التهذيب، واصلاح ما يراه بحاجة فعلية إلى الإصلاح، كالسهو والخطأ اللذان لا يخلو منهما جهد بشري، ويبدو أن العراقي قام بهذا التهذيب والإصلاح بعد وفاة ابن الكويك، وانقطاع الأمل في أن يباشر ذلك بنفسه. هذا ولم يوقفنى البحث على شيء من المعجم الذي أنجزه ابن الكويك، ولا تهذيب العراقي له، وإن كان من المسلم أنهما كانا متداولين، ومستفادا بهما في عصر العراقي على الأقل. ولعلي بهذا قد وقفت في بيان أكبر قدر من آثار العراقي بمؤلفاته وآرائه، في مصطلح علوم السنة وعلم رجالها وبالله التوفيق.

стр. 1273

الباب الرابع: أثْرُ العِرَاقِيِّ بمُؤَلَّفَاتِهِ وآرائه في علم التخريج وَفْقهِ السُّنَّةِ وَنَقْدِهَا وَشَرْحِهَا وَالسِّيْرَةِ النَّبَويَّةِ القسم الأول: تَأْلِيفُ العِرَاقِيِّ وَآرَاؤُهُ فِي أَنْوَاعِ عِلْمِ التَّخْرِيجِ وَأَثَرِ ذَلِكَ القسم الثاني: تَأْلِيفُ العِرَاقِيِّ وَآرَاؤُهُ فِي فِقْهِ السُّنَّةِ وشرحها وَبَيَانِ غريبها وأثر ذلك [¬*] القسم الثالث: تَأْلِيفُ العِرَاقِيِّ وَآرَاؤُهُ فِي السِّيْرَةِ النَّبَويَّةِ

стр. 1274

القِسْمُ الْأَوَّلُ: تأْليفُ العِرَاقِيِّ وآرَاؤُهُ فِي أَنوَاعِ عِلْمِ التخريج وأثر ذَلِكَ

стр. 1275

مفهوم علم التخريج التخريج مصدر خَرَّج العمل تخريجًا، بمعنى استخرجه، ومن المجاز خَرَّج فلان في العلم، أي نَبَغَ، وخرجه بمعنى استخرجه، وخرج الكتاب جعله ضروبًا مختلفة، وأطلق في اصطلاح المحدثين على شيئين: أحدهما: إيراد الحديث بإسناده في كتاب أو إملاء، ومنه قولهم عن الحديث: خرجه البخاري ومسلم، أي أورداه بسنديهما في صحيحيهما ومنه أيضًا إخراج المحدث الحديث من بطون الكتب، وسياقه من مروياته، أو من مرويات غيره، كشيوخه وأقرانه، وعزوه لمن رواه من أصحاب الكتب الحديثية، مع بيان البدل والموافقة ونحوهما كما سيأتي من مؤلفات العراقي في ذلك. والثاني: عزو الأحاديث إلى من خرجها من الأئمة سواء مع سياق أسانيدهم ورواياتهم، وبيان حالها قبولًا أو ردًا، أو الاقتصار على العزو فقط إلى المصادر، مع الكلام على درجات الأحاديث ولو في الجملة. والإطلاق الثاني هو الذي يصدق على غالب الكتب المؤلفة في تخريج أحاديث الكتب الفقهية والأصولية وغيرها، مثل مؤلفات العراقي، ورفيقه الزيلعي، وقرينه ابن الملقن، وغيرهم كما سيأتي. (١)

стр. 1276

١ - تخريج العراقي لأحاديث (كتاب إحياء علوم الدين)، للغزالي وأوليته في ذلك، وأهمية تخريجه. أشرت في مبحث اختصاص العراقي بعلوم السنة (١) إلى أن تأليفه لتخريج أحاديث (إحياء علوم الدين) كان باكورة مؤلفاته، وقد ألف في ذلك ثلاثة كتب متتالية هي: الكبير، والمتوسط، والصغير، كما سيأتي تفصيله. ويعتبر العراقي بحسب ما أوصلني إليه البحث، أول من تصدى للتأليف في تخريج أحاديث كتاب (الإحياء) بأكمله، ولم يعرف حتى الآن من سبقه إلى ذلك (٢) وإنما كانت الجهود حتى عصره، متجهة إما إلى تهذيب كتاب الإحياء بحذف ما فيه من الأحاديث الواهية، ومذاهب الصوفية التي لا أصل لها، كما فعل ابن الجوزي في كتابه (منهاج القاصدين) (٣)، وإما إلى انتقاد الغزالي فيما أودعه في الكتاب، وخاصة الأحاديث الباطلة، كما فعل ابن الجوزي أيضًا (٤)، وسِبطه، ومن بعدهما حتى عصر العراقي، كالمازري، وأبي الوليد الطرطوشي، وأبي عمرو بن الصلاح، وابن تيمية وتلميذه ابن القيم (٥). وفي مقابل هذا، نهض بعض العلماء للدفاع عن الغزالي في الجانب الحديثي وغيره من كتابه، ولكن على سبيل الإجمال، كما فعل المولى أبو الخير (٦).

стр. 1277

وشيخ العراقي تقي الدين السبكي وولده تاج الدين (١)، الذي أتبع دفاعه الإجمالي بفصل خاص عنونه بقوله: (وهذا فصل جمعت فيه جميع ما وقع في كتاب (الإحياء) من الأحاديث التي لم أجد لها إسنادا). أقول: وقد بلغ هذا الفصل أكثر من مائة صحيفة (٢)، وبفحصي له وجدت الشيخ تاج الدين قد أورد فيه قرابة ألف حديث، بما فيها المكرر، وهي موزعة على جميع أبواب كتاب الإحياء، وقد ذكر في أكثرها فعلا قوله عن الحديث: إنه لم يجد له إسنادا، أو لم يجد له أصلا، أو لم يجده باللفظ المذكور في الإحياء، أو لم يجده مرفوعا إلى الرسول ﷺ ، ثم خرج الباقي من كتب السنة تخريجا موجزا جدا كما سنقارن بعضه بتخريج العراقي الصغير، ويعتبر هذا الفصل مع أهميته عملا جزئيا، بمثابة الخمس تقريبا، من عمل العراقي في تخريجه الصغير للإحياء، وذلك لأن الشيخ تاج الدين بن السبكي تناول في الفصل المذكور كما قدمت، قرابة ألف حديث، مع الإيجاز والإجمال، بينما تناول العراقي في تخريجه كل أحاديث كتاب الإحياء المصرح فيه برفعها، وبعض المشار إليه بمعناه، وبلغ ذلك قرابة خمسة آلاف حديث كما سيأتي، ثم إن عمل ابن السبكي هذا متأخر عن تأليف العراقي لتخريجه الكبير، كما أوضح ابن السبكي نفسه ذلك، حيث إنه قبل ذكر الفصل المشار إليه قال عن العراقي: «وقد اعتنى بتخريج أحاديث الإحياء بعض أصحابنا، فلم يشذ عنه إلا اليسير، وسأذكر جملة من أحاديثه الشاذة استفادة»، ثم أتبع ابن السبكي ذلك بالإشارة إلى الفصل الذي عقده فقال: «وسنعقد فصلا للأحاديث

стр. 1278

المنكرة في كتاب الإحياء» (١). وقد ذكر ابن كيران: أن ابن السبكي لم يذكر في طبقاته أحدا من الأحياء غير العراقي، وذلك في عبارته السابقة عن تخريجه للإحياء (٢). وذكر بعض العلماء المتأخرين تبعية ابن السبكي في تخريجه بعض الأحاديث في الفصل المذكور للعراقي (٣)، وقمت أنا أيضا بمقارنة تخريجه ورأيه في بعض الأحاديث، بتخريج العراقي ورأيه فيها، فوجدتهما متشابهين (٤) واستفادة العمل المتأخر مما تقدمه، أمر غير مستغرب، وكلام ابن السبكي المتقدم ذكره عن تخريج العراقي للإحياء يدل على خبرته به من قبل تصديه لعمل الفصل المذكور، ويشير إلى الاستفادة منه، كما قدمت. وبجانب إحراز العراقي قصب السبق إلى تخريج أحاديث كتاب الإحياء بأكمله، وما يعطيه هذا لعمله من أهمية علمية، فإن هناك أهمية أخرى لهذا العمل من جهة أن كتاب الإحياء قد اشتمل على نماذج أدلة السنة لأصول الدين وفروعه عموما، ففيه كثير من أدلة السنة للعقائد والتفسير، والتشريع، والأخلاق، والتصوف الخالي من البدع، بينما نجد الكتب الأخرى التي

стр. 1279

خرجها غير العراقي أغلبها مختص بالفقه وأصوله فقط، وبهذا يُعد تخريج العراقي للإحياء بمثابة عدة مؤلفات في التخريج، ولذا فإنّه، أشمل إفادة، وأوسع أثرًا، لاشتماله على تخريج أحاديث كثيرة لم يتعرض لها غيره من المخرجين، كما أنه يعتبر أجل خدمة علمية قدمت لكتاب (الإحياء) خاصة، وللأحاديث المتعلقة بالتصوف عامة، وذلك بالبيان التفصيلي لحالة كل حديث، قبولاً أو ردًا، في مواجهة المهاجمين والمنتقدين، وقد قرر ذلك الحافظ ابن حجر في رثاء شيخه العراقي إذ يقول: «فَسَلْ إِحْيَا عُلُومِ الدِّينِ عَنْه … أَما وَافَاهُ مع ضيق النطاق؟ فَصَيِّرْ ذِكْرَهُ يَسْمُو ويَنْمُو … بتخريج الأحاديث الرقاق» (١) ثم إن كتاب الإحياء من حيث كمية الأحاديث المشتمل عليها، والتي خرجها العراقي، يعتبر - حتى الآن - أضخم كتاب خرجت أحاديثه بعد كتاب «الأم» للإمام الشافعي، الذي خرج أحاديثه الإمام البيهقي. (٢) وسأتناول بالتفصيل بيان ما ألفه العراقي في تخريج أحاديث «إحياء علوم الدين»، وذلك على النحو التالي:

стр. 1280

أ - التخريج الكبير للإحياء ترتيبه بين مؤلفات العراقي، وزمن تأليفه، والدافع إليه: كما استهل العراقي عمله التأليفي بتخرج أحاديث الإحياء، فإنه كان أول مؤلفاته في ذلك هو التخريج الكبير، وبذلك يُعد هذا التخريج حسب ما أوقفني عليه البحث، هو أول مؤلفات العراقي مطلقا، ولم يُعرف له تأليف قبله، خصوصا وأنه شرع فيه في وقت مبكر من حياته، حيث قرر من ترجمه من تلاميذه، وغيرهم: أنه شرع فيه وهو في نحو العشرين من عمره، أي سنة ٧٤٥ هـ (١)، وأشار المترجمون للعراقي أيضًا إلى أن سبب تبكيره في الإشتغال بتخريج أحاديث الإحياء: أنه كان مولعًا بهذا، ولذلك توفرت لديه رغبة عارمة في إنجاز هذا التخريج (٢)، ولعل مبعث هذا الدافع القوي، إدراكه لأنه لم يسبق إلى ذلك كما أوضحت، بالإضافة إلى تأثره بالبيئة الصوفية التي نشأ وتربى فيها كما مر (٣)، ورغبته في الإفادة العلمية لأهلها كما أشار إلى ذلك في مقدمة التخريج الصغير (٤)، ونظرًا لأنه كان مشتغلا بالطلب والتحصيل بجانب العمل في تأليف التخريج مع ضخامته، فإنّه قد مكث عدة سنين حتى أكمل مسودته، ففرغ منها سنة ٧٥١ هـ، مع تعذر وقوفه على

стр. 1281

بعض الأحاديث، ولهذا أخر تبييضه ٩ سنين أخرى، أي إلى سنة ٧٦٠ هـ فظفر بكثير مما كان عزب عليه علمه وقد صرح بذلك كله في مقدمة التخريج الصغير (١). تسمية الكتاب، وحجمه، والقدر المبيض منه: وجدت بهامش كتاب (المجمع المؤسس) لابن حجر نقلا عن تاريخ حلب: أن العراقي سمى هذا التخريج «إخبار الأحياء بأخبار الإحياء» (٢) وهكذا قرر ابن خطيب الناصرية في مجموعه (٣)، وذكر ابن فهد هذه التسمية أيضا، دون أن ينسبها للعراقي (٤)، ويطلق عليه كذلك: «التخريج الكبير» (٥)، وخصوصا عند نقل العلماء عنه، والإحالة عليه، كما سيأتي، وهذا الإطلاق مراعى فيه نسبة الكتاب إلى التخريجين الآخرين وهما: المتوسط، والصغير، الآتي ذكرهما بعد. وقد تردد تلميذ العراقي ابن حجر في تقرير حجم مسودة هذا «التخريج الكبير» فقال: «إن مسودته الكاملة بخط العراقي تقع في ٤ أو ٥ مجلدات» (٦)، لكن ابن فهد، تلميذ العراقي أيضا، قطع بأنه ٤ مجلدات فقط (٧)، وقطع ابن

стр. 1282

خطيب الناصرية أيضًا بأنه ٤ مجلدات، وزاد وصفها بأنها كبار (١)، أما السيوطي فقطع بأنه ٥ مجلدات (٢)، والأولى بالقبول: تقدير ابن خطيب الناصرية، لاشتماله على وصف المجلدات بأنها كبار، ولاعتماده في ترجمة العراقي على ما وجده بخط أبي زرعة بن العراقي، وهو أخبر بمؤلفات والده. وقد ذكر ابن حجر أن العراقي بيض من هذا التخريج قدر مجلدين فقط، وأنه لو أكمل تبييضه لبلغ ٦ مجلدات (٣)، أما ابن فهد، فحدد القدر الذي بيضه العراقي بدقة أكثر فقال: «إنه بيض منه نحوا من ٤٥ كراشا، وصل فيها إلى أواخر الحج». وأكد ذلك بقوله: «إنّ ابن العراقي شيخنا الحافظ أبا زرعة أحمد، قرأ عليه من هذا القدر المبيض إلى قوله: الحديث الثامن والعشرون: وقال ﷺ : «ولم يصبر على شدتها ولأوائها أحد إلا كنت له شفيعا يوم القيامة»»، وبعد ذلك خمس ورقات من التبييض لم يقرأها (٤). ولكن بالرجوع إلى كتاب الإحياء، وللتخريج الصغير، وجدت أن الحديث المذكور هو السابع والعشرون من الباب الأول فقط من كتاب الحج (٥)، وليس في أواخر كتاب الحج، بل يبقى بعده من كتاب الحج ثلاثة أبواب، فلعل عبارة ابن فهد السابقة فيها سقط من الناسخ، وصوابها «إلى أواخر الباب الأول من الحج» كما هو الواقع.

стр. 1283

هذا ولم يُعرف من نهض بعد العراقي بتبييض شئ من هذا «التخريج الكبير»، فيكون باقيه قد ظل في مسودة العراقي التي بخطه، وتسبب ذلك - بكل أسف - في ضياع الكتاب، بحيث تُعدُّ مسودته، وما بيض منه في حكم المفقود الآن. ما وقفت عليه من نصوص الكتاب: ولقد بحثت كثيرا في فهارس المكتبات المصرية والعالمية، فلم أجد من مسودة هذا التخريج، ولا القدر الذي بيضه العراقي شيئًا، لكني وفقت بحمد الله إلى الوقوف على نصوص متعددة، معزوة إلى الكتاب مع تلقيبه بالتخريج الكبير، أو الأكبر، وتلك النقول وجدتها متفرقة في مؤلفات العلماء بعد عصر العراقي، وعانيت في التوصل إليها، والبحث عنها الكثير فالإمام البقاعي المتوفى سنة ٨٨٥ هـ، نقل عنه في كتابه (النكت الوفية بما في شرح الألفية) عدة مرات (١)، والحافظ محمد بن عبد الرحمن السخاوي المتوفى سنة ٩٠٢ هـ، نقل عنه أيضًا عدة مرات في كتابه «فتح المغيث بشرح ألفية الحديث» (٢)، والمحدث أبو الحسن علي بن محمد بن عراق المتوفى سنة ٩٦٣ هـ نقل عنه عدة مرات في كتابه «تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الشنيعة الموضوعة» (٣) والمحدث عبد الرؤوف المناوي المتوفى سنة ١٠٣١ هـ نقل عنه في كتابه «فيض

стр. 1284

القدير بشرح الجامع الصغير» للسيوطي (١)، والشيخ عبد القادر بن شيخ بن عبد الله العيدروسي، من المتأخرين أيضا، نقل عنه في كتابه «تعريف الأحياء بفضائل الإحياء» (٢) .. أما الإمام محمد بن محمد الشهير بمرتضى الزبيدي المتوفى سنة ١٢٠٥ هـ فإنه ذكر في مقدمة شرحه للإحياء: أنّ من المصادر التي اعتمد عليها في تخريج أحاديث الكتاب، «التخريج الصغير» المُسَمَّى «بالمغني عن حمل الأسفار» للعراقي، ثم قال: «وربما نقلت في بعض المواضع من تخريجه الكبير، عليه، ولم أظفر منه إلا على كراريس (٣)، وقد تتبعت هذه النقول تفصيلا فوجدت الزبيدي يصرح بنسبة بعضها إلى التخريج الكبير (٤)، ويعزو أكثرها إلى العراقي فقط، اعتمادًا على إشارته المذكورة في المقدمة، وعلى أن ما يذكره يكون زائدا على ما في التخريج الصغير» (٥) ثم إني وجدت هذه النقول قد انتهت في أواخر كتاب «العلم»، وهو الكتاب الأول من كتب «الإحياء». البالغ عددها أربعون كتابا، ومعنى ذلك أن هذه الكراريس التي وقفت عليها

стр. 1285

الزبيدي، ونقل منها، تُعدُّ قدرًا ضئيلاً جدًا، بالنسبة لحجم الكتاب البالغ ٤ مجلدات كبار في المسودة، كما قدمت، لكن من جهة أُخرى تُعدُّ هذه النقول أكبر قدر وقفت عليه من نصوص الكتاب، وتتميز نقول غير الزبيدي ممن قدمت ذكرهم، باشتمالها على نصوص من كتب أُخرى من كتب الإحياء، بعد كتاب العلم الذي اقتصرت نقول الزبيدي عليه، وذلك مثل كتاب «الصلاة» وهو الكتاب الرابع من الإحياء، وكتاب «الحج» وهو الكتاب السادس من الإحياء، كما وقفت أيضًا على بعض نقول عن هذا الكتاب بهوامش بعض الكتب الخطية (١)، والمطبوعة (٢)، ووقفت أيضًا على إحالتين للعراقي على هذا التخريج في مؤلفين آخرين له، ألفهما بعده، وهما شرحه المتوسط للألفية (٣)، ونكته على كتاب ابن الصلاح (٤)، ومن تواريخ وفيات العلماء الذين أشرت إلى نقولهم عن هذا التخريج، يتضح أنه كان موجودًا، كله أو بعضه، بعد عصر العراقي، وحتى أوائل القرن الثالث عشر الهجري، وإن كان حاليًا في حكم المفقود. التعريف بمشتملات الكتاب، وبعض آراء العراقي فيه، مقارنة بغيرها، وما يتميز به التخريج الكبير، عن الصغير. رغم تعدد النقول التي وقفت عليها من الكتاب كما ذكرت، إلا أنه تبين لي

стр. 1286

من بحثها جميعا: أنها غير كافية في إعطاء صورة متكاملة لمنهج العراقي وآرائه في هذا التخريج الكبير، لهذا رأيت أن أقدم بعض نماذج فقط، تعرف بمشتملاته، وبعض آراء العراقي فيه، وذلك في حدود النصوص التي أتيحت لي، ونظرا لافتقاد نسخه، مع مقارنة ذلك بغيره، وبيان بعض مميزات التخريج الكبير عن الصغير وذلك على النحو التالي: «رأي العراقي في كتاب الإحياء، وأحاديثه، وفي منهج متقدمى الفقهاء في إيراد الأحاديث المستدل بها في مؤلفاتهم دون تخريج أو تمحيص». قدمت: أن العلماء حتى عصر العراقي كانوا بين ناقد لكتاب الإحياء ومدافع عنه، وقد وجدت أن العراقي أثنى في هذا التخريج الكبير على محتويات كتاب الإحياء، وأجاب عن أحاديثه المنتقدة عمومًا، حيث ذكر الشيخ عبد القادر العيدروسي أن الحافظ العراقي أثنى على كتاب الإحياء فقال في تخريجه: «إنه من أجل كتب الإسلام في معرفة الحلال والحرام، جمع فيه بين ظواهر الأحكام، ونزع إلى سرائر دقت عن الأفهام، لم يقتصر فيه على مجرد الفروع والمسائل، ولم يتبحر في اللجة بحيث يتعذر الرجوع إلى الساحل، بل مزج فيه علمي الظاهر والباطن، ومزج معانيها في أحسن المواطن، وسبك فيه نفائس اللفظ وضبطه، وسلك فيه من النمط أوسطه، مقتديا بقول على كرم الله وجهه: خير هذه الأمة النمط الأوسط، يلحق بهم التالي ويرجع إليهم الغالي» (١)، وأتبع العيدروسي ذلك بقوله: «إلى آخر ما ذكره، مما الأولى بنا في هذا المحل طيه (٢)».

стр. 1287

وهذا يشير إلى أنّ العيدروسي ترك أيضًا قدرًا من ثناء العراقي على الكتاب وبيان قيمته في رأيه، ولعل هذا يفسر لنا ولوعه بتخريج أحاديثه، وعكوفه على ذلك عدة سنين، كما قدمت ذكره. ولما كان هذا الذي عزاه العيدروسي إلى تخريج العراقي غير موجود في تخريجه الصغير، دل ذلك على أنه نقله عن التخريج الكبير، ويؤكد هذا تصريح المناوي بعزو بقية كلام العراقي الآتية المتصلة بذلك، إلى مقدمة التخريج الكبير، وذلك أن العيدروسي بعد أن ذكر ثناء العراقي المتقدم على كتاب الإحياء، ذكر أنه اعترض على الغزالي بتضمينه كتاب (الإحياء) أخبارًا وآثارًا موضوعة أو ضعيفة بكثرة، والإكثار يتحاشى منه، للتورع عن الوقوع في الموضوع من الأحاديث. ثم قال: «وحاصل ما أجيب به عن الغزالي - ومن المجيبين الحافظ العراقي -: أن أكثر ما ذكره الغزالي ليس بموضوع، كما برهن عليه في التخريج، وغير الأكثر - وهو في غاية القلة - رواه عن غيره، أو تبع فيه غيره متبرئًا منه بنحو صيغة «روي»، وأما الإعتراض عليه: أن فيما ذكره الضعيف بكثرة، فهو اعتراض ساقط، لما تقرر أنه يعمل به في الفضائل وكتابه في الرقائق، فهو من قبيلها، ولأن له أسوة بأئمة الأئمة الحفاظ، في اشتمال كتبهم على الضعيف بكثرة، المنبه عليه تارة، والمسكوت عنه أُخرى وهذه كتب الفقه للمتقدمين - وهي كتب الأحكام، لا الفضائل - يوردون فيها الأحاديث الضعيفة ساكتين عليها، حتى جاء النووي ﵀، في المتأخرين، ونبه على ضعف الحديث وخلافه، كما أشار إلى ذلك كله العراقي» (١).

стр. 1288

وقد ذكر المناوي نحو ذلك أيضًا فقال: «إن الصدر الأول من أتباع المجتهدين لم يعتنوا بضبط التخريج، وتمييز الصحيح من غيره، فوقعوا في الجزم بنسبة أحاديث كثيرة إلى النبي ﷺ ، وفرعوا عليها كثيرا من الأحكام مع ضعفها، بل ربما دخل عليهم الموضوع، وممن عُدَّتْ عليه في هذا الباب هفوات، وحفظت عليه غلطات، الأستاذ الأعظم، إمام الحرمين، وتبعه عليها من اعترف بإمامته العام والخاص، مولانا حجة الإسلام (الغزالي)، في كثير من عظماء المذاهب الأربعة، وهذا لا يقدح في جلالتهم، بل ولا في اجتهاد المجتهدين، إذ ليس من شرط المجتهد الإحاطة بحال كل حديث في الدنيا» ثم أردف قائلا: «قال الحافظ العراقي في خطبة «تخريجه الكبير للإحياء»: عادة المتقدمين، السكوت عما أوردوا من الأحاديث في تصانيفهم، وعدم بيان من خرجه، وبيان الصحيح من الضعيف إلا نادرا، وإن كانوا من أئمة الحديث، حتى جاء النووي، فبين، وقَصْدُ الأولين أن لا يغفل الناس النظر في كل علم في مظنته، ولهذا مشى الرافعي على طريقة الفقهاء، مع كونه أعلم بالحديث من النووي». ثم قال المناوي: «إلى هنا انتهى كلامه»، أي كلام العراقي (١)، وهذا الذي أجاب به العراقي عن الغزالي وغيره من متقدمي الفقهاء، قد شاركه فيه قرينه: ابن الملقن حيث إنه في تخريجه الأحاديث الشرح الكبير (٢) للرافعي في فقه الشافعية، قال عن الرافعي بعد الإشادة بشرحه المذكور: «لكنه أجزل الله مثوبته، مشى في هذا الشرح المذكور على طريقة الفقهاء الخلص، في ذكر

стр. 1289

الأحاديث الضعيفة والموضوعات، والمنكرة والواهيات، والتي لا تعرف أصلاً في كتاب حديث، لا قديم ولا حديث، في معرض الاستدلال، من غير بيان ضعيف من صحيح، وسليم من جريح، وهو إمام في الفن المذكور» أي فن الحديث (١) وهذا الجواب من العراقي وقرينه، عن الغزالي والرافعي وأمثالهما، قد أخذ به بعض العلماء من بعدهما كالإمام اللكنوي (٢). لكن الشيخ محمد ناصر الدين الألباني رأى أنه جواب فيه نظر وتسامح، لأن كون نقد الأحاديث ليس من وظيفة الفقهاء، لا يسوغ لهم أن يوردوا الأحاديث المنتقدة، محتجين بها، ومؤيدين لمئات الفروع المذهبية، وأن هذا معناه أحد شيئين: إما أنهم يرون صحتها، فلذلك احتجوا بها، وهذا يرده نقد أئمة الحديث المتخصصين، وإما أنهم لا يعلمون صحتها، ومع ذلك استدلوا بها، وهم على هذا متساهلون (٣) وأضيف من جانبي إلى رد الألباني المذكورة، «أنه إذا كان هذا شأن صنيع الفقهاء عموما، فإنه ما كان يسوغ لمن تضلع في علم الحديث منهم كالإمام الرافعي، أن يسلك مسلكهم، في التساهل، لأن هذا قد ولد آثاراً سيئة، بنشر الأحاديث الضعيفة والموضوعة غير المبين حالها، في تراث الفقه والأصول، وغيرهما، وتداولها في الاستدلال المسلمون فيما بينهم، اعتماداً على استدلال أولئك الأئمة المتقدمين بها، وبذلك يكون جواب العراقي

стр. 1290

المتقدم عن الإمام الغزالي وغيره من المتقدمين في إيراد الأحاديث المنتقدة في مؤلفاتهم، دون بيان حالها، جواب متسامح فيه، ولا أقره عليه، ولكن هذا لم يمنعه من نقد الغزالي خلال التخريج، فيما أودعه في الإحياء من الأحاديث المنتقدة، مع جزمه بنسبتها للرسول ﷺ وعدم بيان حالها كما ستأتي بعض أمثلة لذلك». جمع طرق الأحاديث المخرجة، ورواتها من الصحابة: لاحظت من خلال النقول التي وقفت عليها من هذا التخريج، ومن الإحالة عليه، أن العراقي، لم يقتصر في تخريج كثير من أحاديث الإحياء، على ذكر طريق واحد من طرقها، بل عُنى بجمع كثير من طرق الحديث المخرج، وبيان عدد كثير ممن رواه من الصحابة ﵃، وقد أحال بنفسه على هذا التخريج في ذلك، حيث إنّه في نكته على كتاب ابن الصلاح ذكر حديث أبي هريرة «من جلس مجلسا كثر فيه لغطه» الحديث، وقال: «إن هذا الحديث قد ورد من حديث جماعة من الصحابة غير أبي هريرة، وهم: أبو برزة الأسلمي، ورافع بن خديج، وجبير بن مطعم والزبير بن العوام، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عمرو، وأنس بن مالك، والسائب بن يزيد، وعائشة، وقد بينت هذه الطرق كلها في «تخريج أحاديث الإحياء» للغزالي، والله أعلم» (١)، وبالرجوع إلى التخريج الصغير، لا نجده خرج فيه هذا الحديث إلا من طريق واحد، عن صحابي واحد هو رافع بن خديج (٢) فدل ذلك على أن: التخريج المذكور فيه باقي طرق الحديث ورواته المشار إليهم من الصحابة، هو:

стр. 1291

التخريج الكبير لكونه مظنة التوسع هكذا. وقد نقل الزبيدي في شرحه للإحياء عن هذا التخريج أمثلة متعددة لذلك منها: حديث «أمرت أن أقاتل الناس، حتى يقولوا: لا إله إلا الله» فقد ذكر في هذا التخريج أنه قد رواه [١٦] صحابيا وعددهم، ثم خرج رواياتهم من مصادرها الحديثية وبين طرق أغلبها (١)، ومن قواعد نقد السنة: أن جمع طرق الحديث، وسيلة إلى معرفة علته، وتبيين الخطأ في سنده، وتقوي بعض أسانيده ببعض، أو ترجيح بعضها على بعض (٢). ولهذا فإن عناية العراقي في هذا التخريج بجمع طرق كثير من الأحاديث المخرجة كما ذكرت، تعد تطبيقا عمليا لهذه القواعد النقدية، وتحقيقا لفوائدها السالفة بالنسبة لأحاديث الإحياء، وخاصة المعل منها كحديث «من جلس مجلسا كثر فيه لغطه» المتقدم، كما بين ذلك العراقي وغيره (٣)، وستأتي أمثلة أخرى ضمن الفقرات التالية، ويعتبر الجمع المذكور لطرق الأحاديث، من مميزات هذا التخريج الكبير، عن التخريج الصغير الآتي، حيث جرى فيه العراقي غالبا، على تخريج الحديث من طريق واحد أو طريقين.

стр. 1292

سياق أسانيد الأحاديث ورواياتها، وبيان درجاتها وعللها: اهتم العراقي أيضا في هذا التخريج بذكر الأسانيد بطولها كما في الكتب المخرج منها، وكذا الروايات المتعددة، وذلك لكثير من الأحاديث المخرجة، مع بيان درجة كل منها غالبًا، من الصحة والضعف وغيرهما، وبيان ما في السند من علة: كالقطع، أو الاضطراب، أو الطعن في بعض الرواة، وهذه كلها جهود لها أهميتها الكبرى في بيان التطبيق العملي للقواعد النقدية للسنة من جهة، ولأحاديث الإحياء المخرجة من جهة أخرى، وخاصة ما كان منها مخرجا من مصادر لم يبين فيها علة الحديث أو درجته، أو كان منتقدا من بعض العلماء أو مختلفًا فيه. فمن ذلك: حديث «إذا تعلم الناس العلم وتركوا العمل وتحابوا بالألسن وتباغضوا بالقلوب، وتقاطعوا في الأرحام، لعنهم الله» (الحديث) فقد أورده الغزالي في (الإحياء) عن الحسن البصرى مرسلًا (١) فقام العراقي بتخريج عدة روايات له بعدة أسانيد، بعضها متصل مرفوع إلى النبي ﷺ ، وبذلك جبر علة الإرسال، ونقل الزبيدي عنه ذلك فقال: «إن العراقي قال في «التخريج الكبير» عن هذا الحديث: وقد ورد متصلا من حديث سلمان وابن عمر: * أما حديث سلمان: فأخرجه الطبراني في معجميه الكبير والأوسط من رواية الحجاج بن فُرَافِصَة عن ابن عمرو عن سلمان رفعه: «إذا ظهر القول وخزن العمل وائتلفت الألسن، وتباغضت القلوب، وقطع كل ذي رحم رحمه، فعند ذلك لعنهم الله فأصمهم وأعمى أبصارهم»، وإسناده حسن.

стр. 1293

وقد رويناه في الجزء الثالث من حديث أبي عمرو بن حمدان من وجه آخر وفي اسناده: محمد بن عبد الله بن عُلاثة، مختلف فيه، ورواه البيهقي في «المدخل» موقوفا على سلمان، ورجاله ثقات، إلّا أنّ فيه انقطاعا. وأما حديث ابن عمر: رويناه في الجزء الثالث المذكور من رواية أبي عمرو عنه، بلفظ: «يوشك أن يظهر العلم ويخزن العمل، ويتواصل الناس بألسنتهم، ويتباعدون بقلوبهم، فإذا فعلوا ذلك طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم»، وفي سنده بشر بن إبراهيم المَفْلُوج، ضعيف جدا، وفي ترجمته رواه ابن عدى في «الكامل» (١). وفي حديث (لو منع الناس عن فَتِّ البعر لَفَتُّوه) أخرج العراقي في معناه من عند الطبراني حديث أبي جحيفة من رواية أبي إسحاق عنه، قال: «كان رسول الله ﷺ قاعدا ذات يوم وقُدَّامه جماعة يصنعون شيئًا يكرهه من كلامهم، ولفظهم، فقيل له يا رسول الله، ألا تنهاهم؟ فقال: لو نهيتهم عن الحجون لأوشك أحدهم أن يأتيه وليست له حاجة» ورجاله ثقات، إلا أنه اختلف فيه على الأعمش، فقيل: عنه عن أبي إسحاق، هكذا، وقيل: عن أبي إسحاق، وعن عبدة السوائي، ورواه الطبراني أيضًا، وعبدة السوائي مختلف في صحبته (٢). وستأتى نماذج أُخرى خلال الفقرات التالية. ويعتبر ذكر العراقي للأسانيد والروايات من مميزات هذا «التخريج الكبير» أيضًا عن «التخريج الصغير»، حيث جرى فيه العراقي غالبا على حذف

стр. 1294

السند، مكتفيا بذكر الصحابي الراوي للحديث، أو الموقوف عليه الحديث من تابعي وغيره، كما أن ذكره فيه للروايات المتعددة للحديث قليل. ومع أن العراقي لم يلتزم في هذا التخريج الكبير ببيان درجات كل الأحاديث المخرجة، إلا أنه ذكر فيه درجات أحاديث كثيرة لم يذكرها في التخريج الصغير، وهذه ميزة هامة، خاصة بالنسبة للأحاديث غير الصحيحة والتي لم تبين درجاتها في مصادرها الحديثية، فمن ذلك حديث «كنا أصحاب رسول الله ﷺ أوتينا الإيمان قبل القرآن» (الحديث) فقد قال العراقي في «تخريجه الصغير»: أخرجه ابن ماجه من حديث جندب مختصرا، مع اختلاف (١). أما في «تخريجه الكبير» فقال: روى ذلك من حديث جندب بن عبد الله البجلي، رواه ابن ماجه مختصرًا، مقتصرا على القدر المرفوع منه، من رواية أبي عمران الجوني عن جندب قال: كنا مع النبي ﷺ ونحن فتيان خراورة، فتعلمنا الإيمان قبل ان تتعلم القرآن، ثم تعلمنا القرآن، فازددنا به إيمانا، وإسناده صحيح، زاد الطبراني فيه «وإنكم اليوم تتعلمون القرآن قبل الإيمان» وهو صحيح أيضًا (٢). فبين بذلك درجة الحديث وهي الصحة، بينما لم يبينها في الصغير كما رأيت، وهي أيضًا لم تبين في المصدرين المخرج منهما الحديث وهما «سنن ابن ماجه» والطبراني. ومن ذلك أيضًا: حديث: من أَوْلَى ما أُوتيتم اليقين، وعزيمة الصبر» فإنّ

стр. 1295

العراقي في التخريج الصغير أخرج في معناه من عند ابن عبد البر حديث معاذ «ما أنزل الله شيئًا أقل من اليقين، ولا قسم شيئًا بين الناس أقل من الحلم» ولم يبين درجته. (١) أما في «التخريج الكبير» فقال: وروى ابن عبد البر في كتاب العلم من حديث معاذ رفعه، قال: «ما أنزل شئ أقل من اليقين ولا قسم شئ أقل من الحلم»، ثم عقب عليه ببيان درجته فقال: ولا يصح إسناده (٢). وفي حديث «لما تلا رسول الله ﷺ ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ للإسلام﴾» [الأنعام: ١٢٥]. قال في «التخريج الصغير»: أخرجه الحاكم والبيهقي في «الزهد» من حديث ابن مسعود، ولم يبين درجة أي من الروايتين (٣). أما في «التخريج الكبير» فساق رواية الحاكم في «المستدرك» بسنده، ثم قال: «وقد سكت عليه الحاكم، وهو ضعيف»، ثم ذكر رواية البيهقي أيضًا فقال: «ورواه البيهقي في «الزهد» من رواية عمرو بن مرة عن عبد الله بن الحرث عن ابن مسعود» ثم عقب عليه فقال: «إنّه ضعيف كما بينه الدارقطني في العلل»، وقال: إنّه سئل عنه الدارقطني أيضًا فقال: يرويه عمرو ابن مرة، واختلف فيه عنه: فرواه مالك بن مغول عن عمرو بن مرة عن عبيدة عن عبد الله، قال: عبد الله بن محمد بن المغيرة، تفرد به. ورواه زيد بن

стр. 1296

أبي أنيسة عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن عبد الله، قاله أبو عبد الرحيم، عن زيد، وخالفه يزيد بن سنان، فرواه عن زيد عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن عبد الله، وكلها وهم، والصواب: عن عمرو بن مرة عن أبي جعفر عبد الله بن المسور، مرسلا عن النبي ﷺ ، كذلك قال الثوري، ثم قال العراقي: وعبد الله بن المسور هذا متروك (١) وفي حديث «عليكم بالنمط الأوسط» قال في التخريج الصغير: أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث موقوفا على على بن أبي طالب ﵁، ولم أجده مرفوعا (٢). أما في «التخريج الكبير» فذكر رواية الحديث الموقوفة كما عند أبي عبيد ثم قال: ورجال اسناده ثقات، إلا أن فيه انقطاعا (٣). وفي حديث: «لأن تغدو فتتعلم بابا من العلم خير من أن تصلي مائة ركعة». قال في «تخريجه الصغير»: أخرجه ابن عبد البر من حديث أبي ذر وليس إسناده بذاك، والحديث عند ابن ماجه بلفظ آخر (٤) أما في «الكبير» فقال: رواه ابن عبد البر من رواية علي بن جدعان، عن سعيد بن المسيب عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ ، فذكره، وابن جدعان ضعيف، والحديث عند ابن ماجه من هذا الوجه، إلا أنه قال: ألف ركعة، وزاد فيه: عمل به أو لم يعمل به، وزاد في أوله: لأن تغدو فتتعلم آية

стр. 1297

من كتاب الله، خير لك من أن تصلي مائة ركعة، وإسناد ابن ماجه منقطع، فإنه عنده من رواية عبد الله بن غالب العباداني عن عبد الله ابن زياد البحراني، هكذا معنعنا، وفي رواية ابن عبد البر: عبد الله بن غالب العباداني قال حدثنا خلف بن أعين عن عبد الله بن زياد، فزاد فيه رجلا». (١) وهكذا تلاحظ أن ما ذكره العراقي من درجة الأحاديث وعللها، ليست في تخريجه الصغير كما أنها ليست مبينة في المصادر التي خرج منها الأحاديث، ولكنه بينها في الكبير بعد جمع الأسانيد وبحثها، ومقارنة بعضها ببعض، وتطبيق قواعد النقد عليها. ثم إنّه سيأتي اختلاف تقديره لدرجة بعض الأحاديث في «التخريج الصغير» عن تقديره في «الكبير». بيانه لاختلاف درجة الحديث باختلاف حال أسانيده: بين العراقي في هذا التخريج أيضا اختلاف درجة الحديث الواحد تبعًا لاختلاف حال أسانيده. مثال ذلك: حديث «لا تتعلموا العلم لتباهوا به العلماء» حيث قال في تخريجه: «أخرجه ابن ماجه من رواية بشير بن ميمون، عن أشعث بن سوار عن ابن سيرين عن حذيفة ﵁، رفعه، ولفظه «لا تتعلموا العلم لتباهوا به العلماء، أو لتماروا به السفهاء أو لتصرفوا به وجوه الناس إليكم، فمن فعل ذلك فهو في النار». ثم بين حال الإسناد المتقدم فقال: «وبشير بن ميمون الخراساني، متهم بالوضع»، قاله البخاري، وأشعث بن سوار، مختلف فيه، ثم استدرك على

стр. 1298

ذلك فقال: «ولكن أخرج ابن ماجه أيضاً من رواية ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر، رفعه: «لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا لتماروا به السفهاء، ولا لتجترئوا في المجالس، فمن فعل ذلك، فالنار النار»، وبين حال هذا الإسناد الثاني فقال: «وإسناده على شرط مسلم» (١) وبذلك يتقرر أن الحديث بالسند الأول ضعيف جداً، لاشتمال ذلك السند على راويين أحدهما متهم بالوضع والآخر مختلف في الإحتجاج به، ولكنه بالسند الثاني صحيح، لكون رجاله على شرط مسلم في صحيحه، ولم يذكر العراقي له علة، وهذا يعد من فوائد عناية العراقي في هذا التخريج بجمع أسانيد الحديث الواحد وبيان حال كل منها، وتقدير درجة الحديث على أساس ذلك» استدراك العراقي على سابقيه، ومخالفته لهم في تقدير درجات الأحاديث: بفحصي لعدة نصوص من هذا التخريج، وجدت أن العراقي قد استدرك على سابقيه من علماء السنة المتقدمين والمتأخرين حتى عصره، كما أنه قد يتفق مع بعضهم في بيان درجة الحديث من الصحة وغيرها، وقد يختلف، وهذا يدل على أنه لم يكن مجرد ناقل عن غيره أو مقلد، بل كان يمحص ما ينقله، ويوافق أو يخالف، بناء على رأيه الخاص، ويختار ما يظهر له بالأدلة وجاهته، وهذا هو شأن الحفاظ والمجتهدين في كل عصر. فمن استدراكاته: «أنه في تخريج حديث ابن عباس في دعاء النبي ﷺ بقوله «اللهم فقه في الدين، وعلمه التأويل» ذكر أن الحديث أخرجه

стр. 1299

البخاري ومسلم في صحيحيهما، بدون قوله: «وعلمه التأويل»، وأنه قد زادها الإمام أحمد في مسنده والحاكم وقال: «صحيح الإسناد»، ثم عقب العراقي على ذلك باستدراك على أبي مسعود الدمشقي المتوفى سنة ٤١١ هـ في كتابه «أطراف أحاديث الصحيحين» فقال: «ووهم أبو مسعود الدمشقي في كتابه «الأطراف» حيث عزا للصحيحين هذه الزيادة، وقد أقره الزبيدي على هذا الاستدراك». (١) وفي تخريج حديث: «إن من خيار أمتي قومًا يضحكون جهرًا من سعة رحمة الله، ويبكون سرا من خوف عذابه»، ذكر أن البيهقي أخرجه في «شعب الإيمان» بزيادة فيه، واللفظ له، من رواية حماد بن أبي حميد عن مكحول عن عياض بن سليمان وكانت له صحبة، قال: قال رسول الله ﷺ : «خيار أمتي فيما أنبأني العلي الأعلا، قوم يضحكون جهرًا من سعة رحمة الله، ويبكون سرا من خوف شدة عذاب ربهم» (الحديث بطوله) وقال البيهقي: «تفرد بهذا حماد بن أبي حميد، وليس بالقوي عند أهل العلم»، فاستدرك عليه العراقي قائلا: «ولم ينفرد به حماد كما قال البيهقي، بل روي أيضًا من رواية خالد بن المغيرة بن قيس عن مكحول، رواه أبو نعيم في «الحلية»، وقد أقر الزبيدي أيضًا العراقي على ذلك» (٢) وبهذا الاستدراك أثبت العراقي وجود متابعة مقوية لرواية البيهقي التي ضعفها بدعوى تفرد حماد بها كما مر. وأما اختلافه مع غيره في تقدير درجة الأحاديث، فقد وجدت أكثر ذلك مع المتساهلين: كأبي عبد الله الحاكم، صاحب «المستدرك على الصحيحين»،

стр. 1300

ومع المتشددين: كأبي الفرج ابن الجوزي، وأبي حفص عمر بن بدر الموصلي المتوفى سنة ٦٢٣ هـ، وهذا يتواءم مع ما قدمته في الباب السابق من اعتداله في الجرح والتعديل. فمما اختلف فيه مع الحاكم: حديث أنس ﵁ «يكون في آخر الزمان عباد جهال، وعلماء فسقة» فقد ذكر الزبيدي أن الحاكم أخرجه في «المستدرك» باب الرقاق، وقال صحيح، ثم ذكر أن الذهبي والعراقي شنعا على الحاكم بتصحيحه هذا الحديث، وأن الذهبي قال: «يوسف بن عطية الصفار، الراوي لهذا الحديث، هالك، وأن العراقي قال: «إنه مجمع على ضعفه» (١). وبذلك يكون العراقي قد اتفق مع الذهبي على رد تصحيح الحاكم للحديث، وحكما بضعفه، بسبب وجود يوسف بن عطية المذكور في سنده، وقد صرح العراقي بذلك الحكم في «التخريج الصغير» فقال، عن الحديث: «أخرجه الحاكم من حديث أنس وهو ضعيف» (٢)، أما تصريحه بالرد على الحاكم، وبيانه لسبب ضعف الحديث، فيعد من نقول الزبيدي عن «التخريج الكبير»، حيث لم يرد في الصغير كما ترى، وقد اعتمد الزبيدي ما قرره العراقي». وفي حديث: «يوزن يوم القيامة مداد العلماء ودم الشهداء، فيجرح مداد العلماء الذي أورده الغزالي في كتاب العلم من «الإحياء» (٣) وقد ذكره ابن الجوزي في كتابه «العلل المتناهية في الأحاديث الواهية»، من عدة طرق،
следующие страницы →