← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 30167

الحافظ العراقي وأثره في السنة

أحمد بن معبد عبد الكريم

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

أبي أنيسة عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن عبد الله، قاله أبو عبد الرحيم، عن زيد، وخالفه يزيد بن سنان، فرواه عن زيد عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن عبد الله، وكلها وهم، والصواب: عن عمرو بن مرة عن أبي جعفر عبد الله بن المسور، مرسلا عن النبي ﷺ ، كذلك قال الثوري، ثم قال العراقي: وعبد الله بن المسور هذا متروك (١) وفي حديث «عليكم بالنمط الأوسط» قال في التخريج الصغير: أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث موقوفا على على بن أبي طالب ﵁، ولم أجده مرفوعا (٢). أما في «التخريج الكبير» فذكر رواية الحديث الموقوفة كما عند أبي عبيد ثم قال: ورجال اسناده ثقات، إلا أن فيه انقطاعا (٣). وفي حديث: «لأن تغدو فتتعلم بابا من العلم خير من أن تصلي مائة ركعة». قال في «تخريجه الصغير»: أخرجه ابن عبد البر من حديث أبي ذر وليس إسناده بذاك، والحديث عند ابن ماجه بلفظ آخر (٤) أما في «الكبير» فقال: رواه ابن عبد البر من رواية علي بن جدعان، عن سعيد بن المسيب عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ ، فذكره، وابن جدعان ضعيف، والحديث عند ابن ماجه من هذا الوجه، إلا أنه قال: ألف ركعة، وزاد فيه: عمل به أو لم يعمل به، وزاد في أوله: لأن تغدو فتتعلم آية

стр. 1297

من كتاب الله، خير لك من أن تصلي مائة ركعة، وإسناد ابن ماجه منقطع، فإنه عنده من رواية عبد الله بن غالب العباداني عن عبد الله ابن زياد البحراني، هكذا معنعنا، وفي رواية ابن عبد البر: عبد الله بن غالب العباداني قال حدثنا خلف بن أعين عن عبد الله بن زياد، فزاد فيه رجلا». (١) وهكذا تلاحظ أن ما ذكره العراقي من درجة الأحاديث وعللها، ليست في تخريجه الصغير كما أنها ليست مبينة في المصادر التي خرج منها الأحاديث، ولكنه بينها في الكبير بعد جمع الأسانيد وبحثها، ومقارنة بعضها ببعض، وتطبيق قواعد النقد عليها. ثم إنّه سيأتي اختلاف تقديره لدرجة بعض الأحاديث في «التخريج الصغير» عن تقديره في «الكبير». بيانه لاختلاف درجة الحديث باختلاف حال أسانيده: بين العراقي في هذا التخريج أيضا اختلاف درجة الحديث الواحد تبعًا لاختلاف حال أسانيده. مثال ذلك: حديث «لا تتعلموا العلم لتباهوا به العلماء» حيث قال في تخريجه: «أخرجه ابن ماجه من رواية بشير بن ميمون، عن أشعث بن سوار عن ابن سيرين عن حذيفة ﵁، رفعه، ولفظه «لا تتعلموا العلم لتباهوا به العلماء، أو لتماروا به السفهاء أو لتصرفوا به وجوه الناس إليكم، فمن فعل ذلك فهو في النار». ثم بين حال الإسناد المتقدم فقال: «وبشير بن ميمون الخراساني، متهم بالوضع»، قاله البخاري، وأشعث بن سوار، مختلف فيه، ثم استدرك على

стр. 1298

ذلك فقال: «ولكن أخرج ابن ماجه أيضاً من رواية ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر، رفعه: «لا تعلموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا لتماروا به السفهاء، ولا لتجترئوا في المجالس، فمن فعل ذلك، فالنار النار»، وبين حال هذا الإسناد الثاني فقال: «وإسناده على شرط مسلم» (١) وبذلك يتقرر أن الحديث بالسند الأول ضعيف جداً، لاشتمال ذلك السند على راويين أحدهما متهم بالوضع والآخر مختلف في الإحتجاج به، ولكنه بالسند الثاني صحيح، لكون رجاله على شرط مسلم في صحيحه، ولم يذكر العراقي له علة، وهذا يعد من فوائد عناية العراقي في هذا التخريج بجمع أسانيد الحديث الواحد وبيان حال كل منها، وتقدير درجة الحديث على أساس ذلك» استدراك العراقي على سابقيه، ومخالفته لهم في تقدير درجات الأحاديث: بفحصي لعدة نصوص من هذا التخريج، وجدت أن العراقي قد استدرك على سابقيه من علماء السنة المتقدمين والمتأخرين حتى عصره، كما أنه قد يتفق مع بعضهم في بيان درجة الحديث من الصحة وغيرها، وقد يختلف، وهذا يدل على أنه لم يكن مجرد ناقل عن غيره أو مقلد، بل كان يمحص ما ينقله، ويوافق أو يخالف، بناء على رأيه الخاص، ويختار ما يظهر له بالأدلة وجاهته، وهذا هو شأن الحفاظ والمجتهدين في كل عصر. فمن استدراكاته: «أنه في تخريج حديث ابن عباس في دعاء النبي ﷺ بقوله «اللهم فقه في الدين، وعلمه التأويل» ذكر أن الحديث أخرجه

стр. 1299

البخاري ومسلم في صحيحيهما، بدون قوله: «وعلمه التأويل»، وأنه قد زادها الإمام أحمد في مسنده والحاكم وقال: «صحيح الإسناد»، ثم عقب العراقي على ذلك باستدراك على أبي مسعود الدمشقي المتوفى سنة ٤١١ هـ في كتابه «أطراف أحاديث الصحيحين» فقال: «ووهم أبو مسعود الدمشقي في كتابه «الأطراف» حيث عزا للصحيحين هذه الزيادة، وقد أقره الزبيدي على هذا الاستدراك». (١) وفي تخريج حديث: «إن من خيار أمتي قومًا يضحكون جهرًا من سعة رحمة الله، ويبكون سرا من خوف عذابه»، ذكر أن البيهقي أخرجه في «شعب الإيمان» بزيادة فيه، واللفظ له، من رواية حماد بن أبي حميد عن مكحول عن عياض بن سليمان وكانت له صحبة، قال: قال رسول الله ﷺ : «خيار أمتي فيما أنبأني العلي الأعلا، قوم يضحكون جهرًا من سعة رحمة الله، ويبكون سرا من خوف شدة عذاب ربهم» (الحديث بطوله) وقال البيهقي: «تفرد بهذا حماد بن أبي حميد، وليس بالقوي عند أهل العلم»، فاستدرك عليه العراقي قائلا: «ولم ينفرد به حماد كما قال البيهقي، بل روي أيضًا من رواية خالد بن المغيرة بن قيس عن مكحول، رواه أبو نعيم في «الحلية»، وقد أقر الزبيدي أيضًا العراقي على ذلك» (٢) وبهذا الاستدراك أثبت العراقي وجود متابعة مقوية لرواية البيهقي التي ضعفها بدعوى تفرد حماد بها كما مر. وأما اختلافه مع غيره في تقدير درجة الأحاديث، فقد وجدت أكثر ذلك مع المتساهلين: كأبي عبد الله الحاكم، صاحب «المستدرك على الصحيحين»،

стр. 1300

ومع المتشددين: كأبي الفرج ابن الجوزي، وأبي حفص عمر بن بدر الموصلي المتوفى سنة ٦٢٣ هـ، وهذا يتواءم مع ما قدمته في الباب السابق من اعتداله في الجرح والتعديل. فمما اختلف فيه مع الحاكم: حديث أنس ﵁ «يكون في آخر الزمان عباد جهال، وعلماء فسقة» فقد ذكر الزبيدي أن الحاكم أخرجه في «المستدرك» باب الرقاق، وقال صحيح، ثم ذكر أن الذهبي والعراقي شنعا على الحاكم بتصحيحه هذا الحديث، وأن الذهبي قال: «يوسف بن عطية الصفار، الراوي لهذا الحديث، هالك، وأن العراقي قال: «إنه مجمع على ضعفه» (١). وبذلك يكون العراقي قد اتفق مع الذهبي على رد تصحيح الحاكم للحديث، وحكما بضعفه، بسبب وجود يوسف بن عطية المذكور في سنده، وقد صرح العراقي بذلك الحكم في «التخريج الصغير» فقال، عن الحديث: «أخرجه الحاكم من حديث أنس وهو ضعيف» (٢)، أما تصريحه بالرد على الحاكم، وبيانه لسبب ضعف الحديث، فيعد من نقول الزبيدي عن «التخريج الكبير»، حيث لم يرد في الصغير كما ترى، وقد اعتمد الزبيدي ما قرره العراقي». وفي حديث: «يوزن يوم القيامة مداد العلماء ودم الشهداء، فيجرح مداد العلماء الذي أورده الغزالي في كتاب العلم من «الإحياء» (٣) وقد ذكره ابن الجوزي في كتابه «العلل المتناهية في الأحاديث الواهية»، من عدة طرق،

стр. 1301

منها طريق يعقوب القمي عن هارون بن عنترة عن الشعبي عن النعمان بن بشير ﵁، وأعله بالطعن في يعقوب القمي وهارون ابن عنترة، ثم أقره على ذلك الحافظ الذهبي في تلخيصه لكتاب العلل المتناهية» (١). لكني وجدت بهامش تلخيص الذهبي هذا تعليقًا على الحديث المذكور: «أن العراقي قال في (تخريجه الكبير) ما نصه: «فيه، (أي في معنى الحديث المذكور)، عن النعمان بن بشير، وأبي الدرداء، وعبد الله بن عمرو وعمران ابن حصين، أما حديث النعمان، فهو أجود طرق أحاديث الباب»، رواه ابن الجوزي، في «العلل المتناهية» من رواية يعقوب القمي عن هارون ابن عنترة عن الشعبي عن النعمان، وقال: لا يصح، أما هارون بن عنترة فقال ابن حبان: لا يجوز الاحتجاج به، ويعقوب القمي ضعيف»، ثم عقب العراقي على ابن الجوزي فقال: (قلت: أما هارون، فوثقه أحمد بن حنبل ويحيى ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والعجلي، وتعدد الكلام فيه من ابن حبان، على أنه قد ذكره في الثقات، فاختلف كلامه) (٢) وأما يعقوب ابن عبد الله القمي، فوثقه النسائي والطبراني، وقال الدارقطني: «ليس بالقوي، فالحديث من هذا الطريق حديث حسن» (٣) وهكذا نجد أن العراقي قد خالف ابن الجوزي، والذهبي، فرد تضعيفهما للحديث، وذلك بدفع ما وجهاه إلى بعض رواته من طعن، وبيان حجيته، وبمقتضاه حكم على الحديث بأنه حسن من هذا

стр. 1302

الطريق، وليس ضعيفاً، كما يرى ابن الجوزي والذهبي، ونقل رأي العراقي هذا من «تخريجه الكبير» بهامش «تلخيص الذهبي للعلل المتناهية» تعليقاً على الحديث المذكور، يعتبر أخذاً من الناقل برأي العراقي في مواجهة رأي ابن الجوزي والذهبي، وفي تقديري أن مستند العراقي في رأيه المذكور جدير بترجيحه على رأيهما. وممن اختلف العراقي معهم في بيان درجة الأحاديث: أبو حفص عمر بن بدر الموصلي، الذي ألف عدة مصنفات في بيان الأحاديث الموضوعة، وذكر أن أبدعها كتابه المسمى «بالمغني عن الحفظ والكتاب، بقولهم لم يصح شئ في هذا الباب» (١)، وقد رتبه على أبواب بلغت ٩٦ بابا، وجعل يذكر الباب ويحكم حكماً عاماً بأنه لم يصح، أو لم يثبت في هذا الباب شئ عن الرسول ﷺ ، وقد ينقل هذا الحكم عن غيره من العلماء ويقره عليه. مثال ما حكم فيه بنفسه: باب ما ورد في مدح أبي حنيفة والشافعي وذمهما، حيث قال: «لا يصح في هذا الباب عن النبي ﷺ شئ على الخصوص» (٢). ومثال ما نقل فيه عن غيره «باب في التسمية على الوضوء» حيث قال: قال أحمد: «ليس فيه شئ يثبت» (٣). ولم يستثن من هذه الأحكام العامة شيئاً إلا في تسعة أبواب فقط، حيث ذكر أنه لم يصح فيها غير كذا، وسرد بعض الأحاديث (٤) أما الـ ٨٥ باباً

стр. 1303

الباقية من الكتاب، وهي مُعظَمُه كما ترى، فإن الموصلي اعتبر الأحكام العامة بأنه لم يصح أو لم يثبت شئ فيها عن الرسول ﷺ ، دليلا على أن كل الأحاديث الواردة فيها موضوعة، ولذلك قرر أن هذا الكتاب أبدع ما ألفه في بيان الأحاديث الموضوعة كما مر. وقد نقل العراقي من هذا الكتاب في «تخريجه الكبير»، وذلك في أواخر تخريجه لأحاديث كتاب العلم من الإحياء، وأتبع ذلك ببيان رأيه فيه عمومًا فقال: «إن عمر بن بدر الموصلي له كتاب سماه «المغني عن الحفظ والكتاب، بقولهم لم يصح شئ في هذا الباب» وبعض ما ذكره فيه منتقض (١)، وبذلك قرر العراقي أنه يرى أن أحكام الموصلي بالوضع على كل ما ورد في معظم أبواب الكتاب السابق ذكرها، ليست مسلمة له كلها، بل بعضها منتقض ومردود عليه، وسيأتي قريبًا مثال لما نقضه العراقي منه، وقد أخذ كثير من العلماء من بعد العراقي وحتى الآن، برأيه في كتاب الموصلي هذا (٢)، وألف الأستاذ حسام الدين القدسي ﵀ مؤخرًا، كتابًا في انتقاده تفصيلا، وسماه «انتقاد المغني»، وبيان أنه لا غناء عن الحفظ والكتاب (٣) وأيده في ذلك الشيخ زاهد الكوثري ﵀ (٤)، كما انتقد الموصلي تفصيلا أيضًا، الشيخ محمد الخضر حسين التونسي ﵀ وهو أول من عاصرتهم من

стр. 1304

شيوخ الأزهر، وقد اعتمد في نقده على العراقي وغيره» (١). رأي العراقي في أحاديث العقل، وفيما أورده الغزالي منها، ونقده للغزالي وغيره في ذلك: ختم الغزالي كتاب العلم من (الإحياء) بباب في بيان حقيقة العقل وشرفه وأقسامه، وأورد في ذلك ٢٢ حديثاً كلها ضعيفة، مع جزمه بنسبة كثير منها إلى الرسول ﷺ حيث يقول: (قال رسول الله ﷺ كذا) (٢) وقد خرج العراقي هذه الأحاديث تفصيلاً في (التخريج الكبير)، ثم عقب عليها بقوله: «وهذه الأحاديث التي ذكرها المصنف (أي الغزالي) في العقل كلها ضعيفة، وتعبير المصنف في بعضها بصيغة الجزم مما ينكر عليه» (٣)، ومرجع هذا الإنكار: هو المخالفة لأحد قواعد الرواية التي قررها العراقي وغيره من أئمة الحديث، والتي تقضي بأنه من أراد نقل حديث ضعيف، أو مشكوك في صحته مع ذكره، بغير إسناد، كما فعل الغزالي، فلا يجوز له ذكره بصيغة تفيد الجزم كأن يقول: قال رسول الله ﷺ كذا، أو فعل كذا، ونحوهما، وإنما يذكر ذلك بصيغة التمريض، كيروى كذا، وورد كذا ونحوهما (٤). وهذا النقد من العراقي للغزالي، مصداق لما قدمته، من أن دفاع العراقي عنه

стр. 1305

فيما أورده من الأحاديث عمومًا لم يمنعه من نقده خلال التخريج فيما لاحظ أنه أخطأ فيه، أو خالف القواعد الحديثية. وبعد أن ذكر العراقي نقده السابق للغزالي قال: «وبالجملة فقد قال غير واحد من الحفاظ: لا يصح في العقل حديث، ذكره عمر بن بدر الموصلي في كتاب له سماه «المغني عن الحفظ والكتاب بقولهم لم يصح شئ في هذا الباب». (١) وبالرجوع لكتاب الموصيلي المذكور، نجد ما أشار إليه العراقي موجودًا في باب العقل، نقلًا عن أبي جعفر العقيلي، وأبي حاتم بن حبان البستي، وقد أقرهما الموصلي على ذلك (٢). كما تابع هؤلاء من معاصري العراقي: ابن تيمية (٣) وابن القيم (٤) رحمهما الله - لكن العراقي تعقب هذا بقوله: «وقد ورد في العقل أحاديث صححها بعض الأئمة (٥)، وبهذا رد على العقيلي وابن حبان والموصلي ومن تبعهم، في حكمهم على أحاديث العقل جميعها بالوضع، حيث قرر أنه قد ورد في العقل أحاديث صححها بعض الأئمة، غير أنه لم يعين أحد الأئمة باسمه، ولم يذكر لنا ولو حديثا واحدًا مما صححوه، وكان الأولى به ذلك، تدعيما لرأيه في مواجهة المخالفين من المتقدمين والمتأخرين» (٦).

стр. 1306

بيان العراقي لدرجة بعض الأحاديث من كل طرقها، ورد نقده في ذلك: جرى العراقي في تخريجه الصغير غالبًا، على بيان درجة الأحاديث من بعض طرقها، كما مر إيضاحه في بيانه لاختلاف درجة الحديث باختلاف حال أسانيده، ولكن هناك أحاديث بين درجتها بحكم عام على كل طرقها بعد سياق بعضها، ومن المعروف أن الأحكام الكلية مع دلالتها على سعة إطلاع صاحبها، وتمكنه العلمي، إلا أنها تجعله عرضة لانتقاد من بعده من الباحثين، واستدراكهم عليه، وهذا ما حدث بالنسبة للعراقي في بعض أحكامه الكلية على طرق الأحاديث، فإنه في تخريج حديث: «أول ما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر، ثم قال الله وعزتي وجلالي، ما خلقت خلقا أكرم علي منك، بك آخذ وبك أعطي وبك أثيب وبك أعاقب»، قال العراقي: (روي من حديث أبي أمامة وعائشة وأبي هريرة وابن عباس، والحسن عن عدة من الصحابة)، وأخرج رواية كل من أبي أمامة وعائشة وأبي هريرة وابن عباس مع بيان درجتها وحال أسانيدها ثم قال: (وأما حديث الحسن عن عدة من الصحابة، فرواه الترمذي الحكيم أيضًا قال: حدثنا عبد الرحيم بن حبيب حدثنا داوود بن المجد حدثنا الحسن ابن دينار قال: سمعت الحسن قال: حدثني عدة من أصحاب رسول الله ﷺ أنه لما خلق الله العقل) (الحديث) وزاد فيه ثم قال له: «اقعد فقعد، ثم قال له انطلق فانطلق، ثم قال له اصمت فصمت فقال: وعزتي وجلالي

стр. 1307

وعظمتي وكبريائي، وسلطاني وجبروتي، ما خلقت خلقاً أحب إلي منك، ولا أكرم علي منك» (الحديث) ورجاله كلهم هلكى إلا الحسن البصري، وعبد الرحيم بن حبيب الفارياني، ليس بشئ، قاله يحيى بن معين، وقال ابن حبان: «لعله وضع أكثر من خمسمائة حديث، وداوود تقدم (١)، والحسن بن دينار ضعيف أيضاً، وقد رواه داوود ابن المحبر في [كتاب] «العقل» مرسلاً فقال: حدثنا صالح المري عن الحسن بن أبي الحسن، فذكره أخصر من هذا»، ثم قال العراقي: وبالجملة فطرقه كلها ضعيفة (٢)، فحكم بذلك حكماً عاماً على كل طرق هذا الحديث بالضعف. لكن الإمام الزبيدي استدرك عليه في هذا فذكر أن عبد الله بن أحمد حنبل قال في «زوائد كتاب الزهد» لوالده: حدثنا علي بن مسلم حدثنا سيار حدثنا جعفر حدثنا مالك بن دينار عن الحسن يرفعه: «لما خلق الله العقل قال له أقبل فأقبل ثم قال له أدبر فأدبر. ثم قال: ما خلقت شيئاً أحسن منك، بك آخذ وبك أعطي»، وعقب الزبيدي على ذلك بقوله: «فهذا كما ترى سند جيد، فقول الحافظ العراقي: وبالجملة فطرقه كلها ضعيفه، محل تأمل، …

стр. 1308

فغاية ما يقال فيه: أنه ضعيف في بعض طرقه (١)، وبهذا قرر الزبيدي عدم إصابة العراقي في حكمه بضعف جميع طرق الحديث. لكن يمكنني الرد على الزبيدي بأن الطريق التي أوردها عبد الله بن أحمد في «زوائد الزهد» هذه، مع جودة رجالها، فإنها مرسلة، حيث قال فيها: عن الحسن، يرفعه، دون ذكر الصحابي الراوي عنه الحسن البصري، وقد قرر هذا، ابن عراق، فقال: «ورواه عبد الله بن أحمد في «زوائد الزهد» بسند جيد عن الحسن مرسلا (٢)، والمعروف أن الإرسال علة تقتضي ضعف الإسناد، ولا سيما مرسلات الحسن» (٣)، وعليه يكون هذا الطريق أيضًا ضعيفًا للإرسال، وإن كان إسناده إلى الحسن جيدًا، وبالتالي لا ينتقض به حكم العراقي بضعف جميع طرق الحديث المذكور، والله أعلم. بيان أحوال رجال الأسانيد، وطبقاتهم، وآراؤه في ذلك، مع المقارنة والنقد يلاحظ من نماذج هذا التخريج السابق ذكرها ضمن الفقرات السابقة والآتي بعضها أيضًا، أن العراقي اعتمد في تقدير درجة الحديث، أو بيان علته، على بيان حال رجال الإسناد عمومًا، توثيقًا وتجريحًا، كقوله عن الحديث: «رجال إسناده ثقات يحتج بهم» (٤)، أو هلكى إلا فلان، كما تقدم، وغير ذلك، كما أنه يعقب على كثير مما يخرجه من الروايات ببيان ما في سندها أو متنها.

стр. 1309

من أشخاص مبهمين، أو مذكورين بالإسم فقط دون تمييز، أو مختلف فيهم، وبيان طبقاتهم، كصحابي، أو تابعي، وبمقتضى ذلك صار هذا «التخريج الكبير» مصدرًا جامعًا من مصادر بيان أحوال وأشخاص مئات من رجال السنة، من صحابة، وتابعين، وغيرهم ممن لا يوجدون مع بيان أحوالهم مجتمعين في غيره من كتب التخريج، أو الرجال، وقد عبّر العراقي من خلال ذلك عن آرائه، فيمن ذكرهم من مئات الرجال توثيقًا وتجريحًا ودفاعًا، وذلك بإقراره لغيره ممن نقل عنهم، أو بمقارنته لأقوالهم ببعضها ببعض، أو بترجيح بعضها على بعض، أو بمخالفتها، والرد عليها. فمن ذلك: أنه خرج حديث عائشة ﵂ في العقل فقال: وأما حديث عائشة فرواه أبو نعيم في «الحلية» قال: أخبرنا أبو بكر عبد الله بن يحيى بن معاوية الطلحي، بإفادة الدارقطني، عن سهل بن المرزبان بن محمد التميمي عن عبد الله بن الزبير الحميدي عن ابن عيينة عن منصور عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ قالت، قال رسول الله ﷺ : «أول ما خلق الله العقل»، فذكر الحديث، وقال: (هكذا أورده في ترجمة سفيان ابن عيينة، ولم أجد في إسناده أحدًا مذكورًا بالضعف، ولاشك أن هذا الحديث مركب على هذا الاسناد، ولا أدري ممن وقع ذلك، والحديث منكر) (١)، وبهذا قرر العراقي أنه بحث أحوال رجال الإسناد المذكور واحدا واحدا، ولم يجد تضعيفًا لأي منهم، يعني مع اتصافهم بالتوثيق، وبالتالي يكونون في رأيه ثقات، أو محتج بهم، ثم اتجه إلى تعليل الحديث بعلة أخرى تخفى على غير الأفذاذ من النقاد، وهي كونه مركبا على هذا السند الموثق، وليس مرويا به فعلا،

стр. 1310

وهذه طريقة من طرق الوضع في الحديث، وقد أقر العراقي على ذلك الزبيدي (١). وفي حديث: «خرج رسول الله ﷺ ذات يوم على أصحابه فرأى مجلسين: أحدهما يدعو الله ويرغبون إليه» (الحديث)، أخرجه من عند ابن ماجه من رواية داؤد بن الزبرقان عن بكر بن خنيس عن عبد الرحمن بن زياد ابن أنعم عن عبد الله بن زيد عن عبد الله بن عمرو قال: «خرج رسول الله ﷺ ذات يوم من بعض حُجَرِه، فدخل المسجد فإذا هو بحلقتين … » وساق الحديث بطوله، ثم قال: «ومداره على عبد الرحمن ابن زياد، وقد وثقه يحيى بن سعيد، وقال البخاري: مقارب الحديث، وضعفه جماعة (٢). وبهذا قارن العراقي بين أقوال العلماء في عبد الرحمن هذا، توثيقًا وتجريحًا لكن تصدير كلامه بذكر من وثقه يدل على ترجيحه لجانب الاحتجاج به على جانب تضعيفه، بناءً على ما قدمنا في الباب الثالث، من طريقته في الترجيح بين الأقوال. وفي حديث أنس: أثنى قوم على رجل عند النبي ﷺ حتى بالغوا في الثناء، فقال: كيف عقل الرجل؟ (الحديث) (٣)، أخرجه من رواية داود بن المحبر في كتاب «العقل» قال: حدثنا سلام بن المنذر عن موسى بن جابان عن أنس بن مالك»، ثم قال: سلام هو ابن أبي الصهباء، ضعفه ابن معين، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن حبان لا يجوز الإحتجاج به إذا انفرد،

стр. 1311

وأما أحمد فقال: إنه حسن الحديث (١). وبهذا قارن العراقي بين آراء العلماء في (سلام) توثيقا وتجريحًا، وهذه المقارنة ذكر بعضها ابن الجوزي في كتابه (الضعفاء والمتروكين) (٢)، وإن كان العراقي لم يعزها إليه، ومعنى ذلك أنه أخذ بما قرره ابن الجوزي فصار موافقا له في الرأي في بيان حال هذا الراوي. لكن هناك أمثلة أخرى خالف فيها ابن الجوزي في كل ما قرره، ودافع عمن جرحهم، ففي حديث «اليقين الإيمان كله» خرجه العراقي من عند أبي نعيم في (الحلية) والبيهقي في «الزهد» وأبو القاسم اللالكائي في كتاب «السنة» … وساق الحديث بسندهم، ثم قال: قال البيهقي: تفرّد به يعقوب بن حميد، عن محمد بن خالد، وقد أعله ابن الجوزي في «العلل المتناهية» بهما فقال: محمد بن خالد: مجروح، ويعقوب بن حميد: ليس بشئ (٣). وعقب العراقي على هذا قائلا: أما محمد بن خالد المخزومي فلم أجد من الأئمة من جرحه، وأما يعقوب فأورده ابن حبان في «الثقات» (٤). وبذلك خالف ابن الجوزي في تجريح الراويين المذكورين، ودافع عنهما بما يدفع الجزم بجرحهما دون خلاف، كما هو صنيع ابن الجوزي. وقد يقره على بعض ويخالفه في بعض، كما في تخريج حديث أنس «العلماء

стр. 1312

أمناء الرسل على عباد الله» (١) حيث قال العراقي: «ورواه ابن الجوزي في «الموضوعات» من رواية إبراهيم بن رستم عن عمر بن حفص العبدي عن إسماعيل بن سريع، قال: وتابعه محمد بن معاوية النيسابوري عن محمد بن يزيد عن إسماعيل، ثم قال: أما (أبو حفص) عمر العبدي، فقال يحيى: ليس بشئ، وقال النسائي: متروك، وأما إبراهيم ابن رستم، فقال ابن عدي: ليس بمعروف، ومحمد بن معاوية قال فيه أحمد: كذاب، انتهى كلام ابن الجوزي، وقد تعقبه العراقي فقال: «أما إبراهيم بن رستم فقال فيه عثمان بن سعيد الدارمي عن يحيى بن معين: ثقة وبذلك يكون قد وافق ابن الجوزي فيما قرره من تجريح ثلاثة من رواة الحديث، وخالفه في واحد وهو إبراهيم بن رستم فوثقه تبعا لتوثيق ابن معين له، وقد أقر العراقي على ذلك الزبيدي (٢)، وابن عراق» (٣). ومما خالف فيه العراقي غيره أيضًا، ما جاء في تخريج حديث «الشيخ في قومه كالنبي في أمته» (٤)، حيث خرجه من كتاب «الضعفاء» لابن حبان من رواية عبد الله بن عمر بن غانم عن مالك عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: … فذكره، وذكر أن ابن حبان أورده في ترجمة ابن غانم المذكور، قاضي إفريقية، وقال عنه: روى عن مالك ما لم يحدث به مالك قط، لا يحل ذكر حديثه، ولا الرواية عنه إلا على سبيل الإعتبار» (٥)، وقد وجدت

стр. 1313

كلام ابن حبان هذا فعلا في كتابه المذكور (١)، لكن العراقي تعقبه بأن ابن غانم هذا، قد روى له أبو داود في «سننه» وقال: أحاديثه مستقيمة وذكره ابن يونس في «تاريخ مصر»، وقال: «إنه أحد الثقات الأثبات» ثم قال العراقي: «ومع ذلك فالحديث باطل، ولعل الآفة فيه من الراوي عن ابن غانم، وهو عثمان بن محمد بن خشيش القيرواني، قاله الذهبي» (٢) وبذلك رد تضعيف ابن حبان لابن غانم الإفريقي، وأحال علة الحديث على الراوي عنه، تبعا للذهبي، وقد أقر العراقي على ذلك تلميذه ابن حجر وقال: «إن ابن حبان أفرط في تضعيفه» (٣)، وتبعه أيضا ابن عراق (٤)، ثم الزبيدي (٥). ومع أن العراقي قد توسع في بيان أحوال كثير من الرجال في هذا التخريج بما لم يذكره في «التخريج الصغير»، إلا أني وجدته قد يكتفي في الكبير بذكر رأي واحد في الراوي، جازما به، وقد عَرَّضَهُ هذا، لاستدراك من بعده عليه، وللنقد. ففي حديث: «مما أخاف على أمتي زلة عالم» (٦)، أخرج رواياته عن عدد من الصحابة، منهم علي ﵁، وقد أخرج روايته من عند الطبراني في «معجمه الأوسط»، من رواية الحارث الأعور عن علي رفعه، وعقب

стр. 1314

عليها بقوله: (والحارث الأعور)، ضعيف (١) فاستدرك عليه الزبيدي قائلا: قلت: لكن وثقه ابن حبان (٢) وعندما نرجع إلى كتب الرجال، نجد أن الآراء مختلفة في الحارث هذا، فمن العلماء من وصفه بالكذب كابن المديني وغيره (٣) ومنهم من ضعفه فقط كالدار قطني وغيره (٤) ومنهم اختلف قوله فيه: فالشعبي جاء عنه توثيقه، وجاء عنه أيضًا تكذيبه (٥) وابن حبان ذكره في المجروحين له ٢/ ٢٢٢ ووصفه بما يقتضي شدة تضعييفه، ولكن أخرج له في صحيحه كما في الإحسان ٩/ ح ٣٧٨٣ فاقتضى ذلك أنه ثقة عنده، واختلف فيه قول ابن معين بين توثيق وتضعيف، والنسائي نحوه، كما في تهذيب التهذيب ٢/ ١٤٥ - ١٤٧. وجزم أحمد بن صالح المصري (٦) بالمبالغة في توثيقه، وحمل وصف من وصفه بالكذب على الكذب في رأيه - يعني المبالغة في التشيع، ووافقه على هذا المحمل غيره/ ينظر الميزان ١/ ترجمة (١٦٢٧)، والإمام الذهبي في السير ٤/ ١٥٢ - ١٥٥/ صدر الترجمة بتليين حديثه، ثم ذكر خلالها توقفه في الاحتجاج به، وتحيره في أمره، لكنه في الميزان/ الموضع السابق/ ذكر تليين الحارث في صدر الترجمة، ثم قال خلالها: والجمهور على توهين أمره، وفي الكاشف ١/ ترجمة (٨٥٩) جزم بتليينه. وباستعراض هذه الآراء نجد أن ما جزم به العراقي من تضعيف

стр. 1315

الحارث، رأي وسط بين شدة تضعييفه، وتوثيقه، استدراك الزبيدي عليه. لكن هذا التوسط لم يلتزمه العراقي، بل أحيانًا يأخذ بالرأي المتشدد، وأحيانًا يأخذ بالرأي المخفف، وأحيانًا يتوقف تبعًا لمبلغ علمه، ففي حديث «لا ينبغي للجاهل أن يسكت على جهله» (١) أخرجه من عدة مصادر بسند فيه محمد ابن أبي حميد المدني، ثم قال: «ومحمد بن أبي حميد منكر الحديث، قاله البخاري (٢)، وعندما نرجع إلى آراء العلماء، نجد أكثرهم وصف محمدًا هذا بأنه ضعيف (٣)، وقد ذكر تلميذ العراقي ابن حجر: «أن قولهم: منكر الحديث، أشد من قولهم: ضعيف» (٤). كما أن البخاري نفسه قد صرّح بما يدل على أن قوله: «منكر الحديث» أشد في الجرح من الوصف بالضعف حيث قال: «كل من قلت فيه: منكر الحديث، لا يحتج به، وفي لفظ: لا يحل الرواية عنه» (٥)، وعليه يكون من وصفه البخاري بهذا، غير محتج بحديثه، ولا يخرج للاعتبار بناء على عبارته الثانية، بينما من وصف بالضعف، يخرج حديثه للاعتبار والاستشهاد، فيتقوى به غيره» (٦).

стр. 1316

وبمقتضى ذلك يكون اقتصار العراقي على رأي البخاري في محمد بن أبي حميد، يعتبر أخذا منه بالرأي المتشدد في جرحه دون المخفف الذي أطبق عليه الجمهور، ولاشك أن الأخذ برأي الجمهور هو الأولى، ولذلك تعقب الزبيدي العراقي، فقرر أن محمد بن أبي حميد هذا، ضعيف فقط (١)، ومشى على ذلك الحافظ الذهبي معاصر العراقي (٢)، كما أخذ به تلميذه ابن حجر (٣). وفي حديث «إن من العلم كهيئة المكنون» (٤) أخرجه من عند أبي عبد الرحمن السلمي في كتابه «الأربعين حديثا في التصوف» بسند فيه: عبد السلام بن صالح، أبو الصلت الهروي، ثم قال: وعبد السلام بن صالح أبو الصلت الهروي، ضعيف جدا (٥)، وبالرجوع إلى آراء العلماء في عبد السلام هذا، نجدهم مختلفين فيه توثيقا وتجريحا (٦) وقد رجح الذهبي كونه واهيا (٧)، وهذه درجة مساوية لدرجة (ضعيف جدا) التي وضعه فيها العراقي. وبذلك يكون العراقي قد مال إلى التشدد في جرح عبد السلام الهروي هذا، وقد خالفه تلميذه ابن حجر ومن بعده السيوطي، أما ابن حجر فقال: «إن

стр. 1317

عبد السلام هذا صدوق، له مناكير، وكان يتشيع، وإن العقيلي أفرط في جرحه (١)، وأما السيوطي فقال (إن عبد السلام بن صالح اختلف فيه، وعدد آراء العلماء فيه توثيقاً وتجريحًا) وانتهى إلى أن حديث ضعيف فقط لا شديد الضعف كما ذكر العراقي (٢). ومما أخذ فيه العراقي بالرأي الأخف في التجريح، ما جاء في تخريجه حديث: أن رجلاً جاء إلى الرسول ﷺ فقال: علمني غرائب العلم (٣)، فقد خرجه من عدة مصادر، من رواية خالد بن أبي كريمة عن عبد الله بن المسور، مرسلاً، ثم قال: «وهو مرسل ضعيف جدًا». وبين وجه ذلك بقوله: «قال ابن أبي حاتم: عبد الله بن مسور بن عبد الله بن عون بن جعفر بن أبي طالب، الهاشمي المدائني، سألت أبي عنه فقال: «الهاشميون لا يعرفونه، وهو ضعيف الحديث، يحدّث بمراسيل لا يوجد لها أصل في أحاديث الثقات»، وقال أحمد بن حنبل: أحاديثه موضوعة، كان يضع الحديث ويكذب (٤). فتلاحظ مما ذكر أن من العلماء من ضعف ابن المسور فقط ومنهم من نسبه إلى وضع الأحاديث، وبالرجوع إلى كتب الرجال نجد أن أكثر آراء السابقين على العراقي تنسب ابن المسور هذا إلى الوضع والكذب (٥)، لكن العراقي مشى في حكمه العام على أنه ضعيف جدًا

стр. 1318

كما رأيت، وهذه درجة أخف في الجرح بدرجتين من النسبة إلى الكذب والوضع، وإن اتفقتا في كون الموصوف بهما مردودا (١)، وقد أقر العراقي على ذلك الإمام الزبيدي» (٢). وممن توقف فيه العراقي، ابن لهيعة، وذلك في تخريجه لحديث «الغرباء ناس قليلون» (٣)، فقد خرجه من عند الإمام أحمد في «مسنده»، بسند فيه عبد الله بن لهيعة، وعقب على ذلك بقوله: «وعبد الله بن لهيعة مختلف فيه» (٤) وقال ذلك عنه أيضًا في تخريج غير هذا الحديث (٥)، وبمراجعة كتب الرجال نجد أن آراء العلماء حتى عصر العراقي مختلفة فعلاً في ابن لهيعة ما بين موثق ومجرح (٦)، وقول العراقي: إنه مختلف فيه، يدل على إطلاعه على تلك الآراء المختلفة وتوقفه عن ترجيح أي منها، بينما رجح معاصره الذهبي، التضعيف (٧)، ومن بعده الهيثمي تلميذ العراقي (٨)، أما تلميذه ابن حجر، فمرة رجح حُجّيته قبل احتراق كتبه، وتجريحه بسوء الحفظ بعد ذلك (٩)، ومرة

стр. 1319

أطلق القول بأنه لا يحتج به (١)، فرجع رأيه إلى الإختلاف فيه، مثلما قرر شيخه العراقي، لكن الذي عليه المحققون هو تضعييف ابن لهيعة قبل احتراق كتبه، وشدة ضعفه بعد احتراق كتبه (٢) ورأي المحققين أولى بالقبول. ومما خالف فيه العراقي غيره، وكان الحق معه، ما جاء في تخريجه لحديث معاذ ﵁ (من فتنة العالم أن يكون الكلام أحب إليه من السماع) (٣)، فقد أخرجه العراقي من عند الديلمي في «مسند الفردوس» من رواية خالد بن يزيد، أبي الهيثم المقري عن مندل بن علي، وقال: وخالد بن يزيد ثقة، احتج به البخاري (٤)، فعقب الزبيدي على هذا بأن ابن الجوزي قال: (إن خالدًا كذاب، وأن الذهبي قال في (ديوان الضعفاء) نقلا عن أبي حاتم: خالد بن يزيد أبو الهيثم المكي، كذاب)، ثم قال الزبيدي: فينظر هذا مع قول العراقي: إنه ثقة احتج به البخاري (٥)، ومعنى ذلك أنه يعارض جزم العراقي بتوثيق خالد المذكور واحتجاج البخاري به. وبرجوعي لكتب الحديث والرجال وجدت أن الحق مع العراقي، وأن الزبيدي قد وهم في تعقبه هذا للعراقي، وذلك أن هناك راويان، كل منهما يقال له: «خالد بن يزيد أبو الهيثم» ولكنهما يفترقان من غير وجه، وبالتأمل يظهر أن الذي ذُكر في سند الحديث

стр. 1320

كما أورده العراقي، غير الذي تعقبه به الزبيدي. - فالذي ذكره العراقي لم تُذكر له في مصادر ترجمته كنية غير «أبي الهيثم» أما الذي تعقبه به الزبيدي فيكنى بـ «أبي الوليد» أيضًا. - أن الذي ذكره العراقي يقال له «المُقْرِي» وهو كوفي، بينما الذي ذكره الزبيدي يقال له: «العُمَري»، المكي. - أن الذي ذكره العراقي يروي عن «مُنْدَل بن علي» كما في سند الحديث المذكور، في حين لم يُذكر لمن قصده الزبيدي رواية عن «مُنْدَل» هذا. - أن الذي ذكره العراقي متقدم الوفاة عن الذي ذكره الزبيدي. - أن الذي ذكره الزبيدي قد وُصف بالكذب من غير واحد، دون أن يُذكر بتوثيق، أما الذي ذكره العراقي فقد وثقه غير واحد، دون أن يُرمى بكذب من أحد (١). وهذا يطابق ما قرره العراقي، ويعطيه الحق في مواجهة معارضة الزبيدي له. ومما يدل على جهد العراقي الشاق والموسع في البحث عن أحوال الرواة الذين ذكرهم في هذا «التخريج الكبير» ما ذكره في تخريج بعض الأحاديث من أنه بحث عن الرواة محل النظر في أسانيدها فلم يجدها، مثل حديث «إن خيار أمتي يضحكون جهرًا من سعة رحمة الله، ويبكون

стр. 1321

سرا من خوف عذابه» (١)، فقد أخرجه من عدة مصادر، منها: كتاب «حلية الأولياء» لأبي نعيم من رواية شيبان بن مهران عن خالد بن المغيرة، ثم قال: وخالد بن المغيرة، لم أر له ذكرًا في مظَانٌ وجوده، وكذلك راويه عند شيبان بن مهران، والله أعلم (٢)، وقد أقره على ذلك الزبيدي (٣)، كما أني قمت من جانبي بالبحث عنهما في عدة مصادر جامعة من كتب الرجال فلم أجدهما. (٤) لكن هناك بعض رواة قال العراقي: «إنه لا يعرفهم أو لا يدري من هم؟»، ثم استدرك عليه الزبيدي ببيانهم، وذلك مثلما في تخريج حديث «أول ما خلق الله العقل» (٥) فقد أخرجه العراقي عن عدد من الصحابة منهم أبوهريرة، وقد أخرج حديثه من عند الترمذي الحكيم في «نوادر الأصول»، أصل ٢٠٦ بسند فيه أبو عبد الله مولى بني أمية، ثم قال: «وأبو عبد الله هذا، لا أدري من هو؟» (٦) وقد أورد الزبيدي متابعة لشيخ الترمذي الحكيم على هذه الرواية من تاريخ ابن عساكر، ثم قال: «قلت: أبو عبد الله، مولى بني أمية، اسمه

стр. 1322

ناصح، ذكره ابن عساكر (١) وبالرجوع لكتب الرجال، نجد أن أبا عبد الله هذا قد ذكر باسمه المذكور، في «تهذيب الكمال» للمزي (٢)، وهو من المراجع التي اعتمد العراقي عليها في هذا التخريج وفي غيره، فلعله تردد في كونه أبا عبد الله هذا المعروف أم غيره؟ أو لم يكن رجع فيه إلى «التهذيب»، ومن وقف عند مبلغ علمه فقد أنصف، كما قرر العراقي نفسه في غير هذا التخريج (٣)، وعموما فإن من قال فيه: «لا أعرفه أو لا أدري من هو؟» قليل جدا، لا نسبة له بجانب من عرفهم وبين أحوالهم ورأيه فيهم كما تقدم. وتعتبر عنايته ببيان أحوال الرجال وتوسعه في ذلك من مميزات هذا «التخريج الكبير» عن «التخريج الصغير» الذي يقل فيه بيان أحوال الرجال مع الإيجاز كثيرا عما في «الكبير» أيضا، ولهذا فإن هناك رواة كثيرين لم يتعرض لهم كلية في «التخريج الصغير»، بينما ذكرهم وبين أحوالهم ورأيه فيهم في الكبير. فمن ذلك أنه في تخريج حديث «هلاك أمتي عالم فاجر» قال في «الصغير»: «أخرجه الدارمي من رواية الأحوص بن حكيم عن أبيه مرسلا بآخر الحديث نحوه، ولم أجد صدر الحديث (٤)، أما في «الكبير» فقال: «أما أول الحديث فلم أجد له أصلا، وأما آخره فرواه الدارمي في «مسنده» من رواية بقية عن الأحوص بن حكيم عن أبيه قال: … » وساق الحديث ثم قال: وهذا مرسل ضعيف، فبقية مدلس، وقد رواه بالعنعنة، والأحوص ضعفه ابن معين

стр. 1323

والنسائي، وأبوه تابعي، لا بأس به» (١)، وبهذا بين أحوال ثلاثة من رواة الحديث وهم بقية والأحوص وأبوه حكيم، مع بيان كونه من طبقة التابعين، بينما لم يتعرض في «التخريج الصغير» لأي منهم كما رأيت. وفي تخريج حديث «مررت ليلة أسري بي بأقوام تقرض شفاههم بمقاريض من نار» قال في «تخريجه الصغير»: «أخرجه ابن حبان من حديث أنس» (٢) لكن قال في «الكبير»: «أخرجه ابن حبان في «صحيحه» من رواية [يزيد ابن زريع عن هشام الدستوائي عن المغيرة ختن مالك بن دينار عن] مالك بن دينار عن أنس»، وساق الحديث، ثم قال: «قال ابن حبان: رواه أبو عتاب الدلال عن هشام عن المغيرة عن مالك بن دينار عن ثمامة عن أنس، ووهم فيه؛ لأن يزيد بن زريع، أتقن من مائتين من أبي عتاب وذويه»، وقد استدرك العراقي على رأي ابن حبان هذا في أبي عتاب وطريقة المشتملة على زيادة ثمامة في الإسناد فقال: «قلت: طريق أبي عتاب هذه رواها أبو نعيم في «الحلية»، وأبو عتاب، احتج به مسلم، ووثقه أحمد وأبو زرعة وأبو حاتم، ثم بين اسم أبي عتاب فقال: «واسمه سهل بن حماد (٣)» وهكذا نلاحظ أنه في «التخريج الصغير» لم يتعرّض لذكر أحد من رواة الحديث، أما في «التخريج الكبير»، فبين رأي ابن حبان في أبي عتاب الذي روي الحديث من طريقه، وعارضه في إعلال طريق أبي عتاب، بتوهيمه في زيادة «ثمامة» في الإسناد، وأيد العراقي ذلك بترجيح توثيق أبي عتاب، اعتمادًا على ما قرره عدد من أئمة

стр. 1324

الجرح والتعديل، كما بين أيضًا اسم أبي عتاب، حيث لم يبينه ابن حبان وبهذا أشار العراقي إلى إمكان تصحيح الحديث من طريقه، بدلًا من إعلال ابن حبان لإحداهما، وقد أقره الإمام الزبيدي على ذلك (١). ومما بين فيه الأسماء المبهمة، ما جاء في تخريج حديث «القضاة ثلاثة» (٢) حيث قال: «ورواه بريدة بن الخصيب، وعبد الله بن عمر، أما حديث بريدة، فرواه أبو داؤد والترمذي والنسائي في «الكبرى» وابن ماجه من رواية ابن بريدة عن أبيه عن النبي ﷺ ، … » وساق لفظ رواية الترمذي، وقرر أن إسناد كل من أبي داؤد والترمذي وابن ماجه، صحيح، ثم قال: «وابن بريدة الذي لم يسم في رواياتهم، هو: عبد الله بن بريدة، كما ذكره ابن عساكر والمزي، كلاهما في «الأطراف»» (٣). وفي تخريج حديث: ﴿إذا كان يوم القيامة يقول الله تعالى للمعابدين والمجاهدين ادخلوا الجنة﴾ (٤)، أخرجه من عدة مصادر، منها «رياضة المتعلمين» لابن السني، من رواية حبيب بن أبي حبيب حدثنا شبل بن عباد، ثم قال: «وقد رواه ابن عبد البر في «العلم» فقال فيه: حبيب بن إبراهيم قال: حدثنا شبل ابن العلاء عن محمد بن المنكدر، والصواب ما تقدم من أنه شبل بن عباد، وهو القارئ المكي، وقد أخرج له البخاري، وحبيب بن إبراهيم، هو كاتب

стр. 1325

مالك، واسم أبيه: إبراهيم، على أحد الأقوال، وقيل مرزوق وقيل زريق (١). ومن هذا يتبين لك أن العراقي جمع من روايات وأسانيد الحديث ما يوضح ويصوب بعضه بعضا، فقد أوضحت رواية ابن عبد البر أن أبا حبيب الوارد في رواية ابن السني اسمه: إبراهيم، وأضاف العراقي أن هذا أحد الأقوال في اسمه وذكر قولين آخرين، ولكنه لم يرجح أيا من الآراء الثلاثة، كذلك اختلفت الروايتان في اسم والد «شبل» فصوب العراقي ما في رواية ابن السني، من أن اسمه «عباد»، وقد أقر الزبيدي العراقي على ذلك (٢) ويأتي في الفقرة التالية أنموذج لتمييزه بين بعض الرواة المشتركين في الإسم، مع الترجيح من جانبه. اختلاف بعض آراء العراقي في «التخريج الكبير» عما في «الصغير»: قدمت في الباب الثالث بعض نماذج لاختلاف رأي العراقي أحيانا من كتاب لآخر من مؤلفاته في قواعد علوم السنة، وأقرر هنا أني وقفت في بحثي لنماذج هذا التخريج الكبير، ومقارنتها بما في الصغير، على أن بعض المسائل قد اختلف رأي العراقي فيها في الكبير عن رأيه في الصغير الذي ألفه بعده، كما سيأتي، وهذا يدل على أنه كان دائم البحث والإجتهاد، وإثبات الرأي الذي يترجح لديه، أو الرجوع عنه إذا بدا له رجحان غيره، وهكذا شأن أمثاله من الحفاظ والأئمة المجتهدين، فلا يعد ذلك اضطرابا في الرأي، أو الفهم، ولا عيبا قادحا في صاحبه.

стр. 1326

فهو في تخريج حديث «من جاءه الموت وهو يطلب العلم ليحيي به الإسلام، فبينه وبين الأنبياء في الجنة درجة واحدة» (١)، ذكر أنه قد أخرجه أبو نعيم في «فضل العالم العفيف، والهروي في «ذم الكلام»، من رواية عمرو ابن أبي كثير عن أبي العلاء عن الحسن بن علي ﵄، ثم ذكر أن الدارمي في «مسنده»، وابن السني في «رياضة المتعلمين»، وابن عبد البر في «العلم»، قد رووا الحديث، إلا أنهم ذكروا في أسانيدهم «عن الحسن» بدل «الحسن بن علي»» ثم قال العراقي إن ابن عبد البر قال: «إن هذا الحديث من مراسيل الحسن»، وعقب على ذلك قائلاً: «فجعله من مراسيل الحسن البصري، وهذا هو الظاهر، فقد ذكر ابن حبان أبا العلاء هذا، أي الراوي عن الحسن، في أتباع التابعين، من الثقات، وقال: «إنه يروى عن الحسن، وأنه روى عنه ابن عيينة» (٢) وفي تخريج حديث «على خلفائي رحمة الله» (٣)، أخرجه أيضاً بالسند السابق ذكره من عند ابن عبد البر في «العلم» والهروي في «ذم الكلام»، وقال: «إن الهروي قال في سنده: «الحسن بن علي» فجعل الحديث متصلا، وأن ابن عبد البر قال: «إنه من مرسلات الحسن، فجعله البصري»، وعقب على ذلك بقوله: «وهو الصواب»» (٤). وهكذا نلاحظ أن العراقي جمع أسانيد الحديثين، وأوضح أنه ورد في بعضها تحديد أن «الحسن» هو ابن علي ﵁، وقرر أنه على هذا

стр. 1327

يكون الحديثان متصلين، وذلك لكون الحسن بن علي ﵄ صحابيا، ثم بين أن عددا آخر من أسانيد الحديثين ورد فيهما ذكر «الحسن» فقط، فاحتمل أن يكون المراد به الحسن بن علي الصحابي، وأن يكون المراد «الحسن» بن يسار البصري التابعي، كما أشار إلى ذلك ابن عبد البر بقوله: «إن الحديثين من مرسلات الحسن»، وقد رجح العراقي وصوب أن كلا الحديثين مرسل، وأن الحسن هو ابن يسار البصري، لا ابن علي، وذلك حيث قال: «إن هذا هو الظاهر والصواب» كما رأيت، وبهذا ميز بين الرواة المشتركين في الإسم مع اختلاف طبقتهما، وقرر ما رآه راجحا وصوابا، وقد أيده بدليل مستمد من كتاب «الثقات» لابن حبان، وهو من كتب الرجال النادرة الوجود حاليا (سنة ١٣٩٨ هـ) مطبوعة. وقد أقر الزبيدي العراقي على ما تقدم، لكن العراقي في «التخريج الصغير» قال في تخريج الحديث الأول: «رواه الدارمي وابن السني في «رياضة المتعلمين» من حديث الحسن، فقيل: هو ابن علي، وقيل: ابن يسار البصري فيكون مرسلا» (١)، وقال في تخريج الحديث الثاني: «رواه ابن عبد البر في «العلم» والهروي في «ذم الكلام» من حديث الحسن، فقيل هو ابن علي وقيل ابن يسار فيكون مرسلا» (٢)، وبذلك ترى أنه لم يرجح أيا من الرأيين، ولما كان «التخريج الصغير» قد ألفه العراقي بعد الكبير، فيعتبر ذلك رجوعا منه إلى التردد بين الرأيين، بدلا من سابق ترجيحه وتصويبه للرأي الثاني منهما كما مر. وسيأتي في بحث «التخريج الصغير» بيان إختلاف رأي العراقي أيضا، في

стр. 1328

تقدير درجة بعض الأحاديث في الكبير عنها في الصغير. زيادته تخريج أحاديث مناسبة لأبواب أحاديث «الإحياء»، وأهمية ذلك: لقد وجدت أن العراقي في هذا «التخريج الكبير» لم يقتصر جهده العلمي على تخريج الأحاديث الواردة في كتاب «الإحياء»، فقط، بل أضاف إلى ذلك جهدًا علميًا آخر، يعد بمثابة تخريج مستقل، حيث قام في كثير من المواضع، بعد تخريج الحديث الذي في «الإحياء»، بالتنبيه على أنه يوجد في الباب، أي في موضوع الحديث المذكور في «الإحياء»، وفي معناه العام، أحاديث أخرى، ويذكر منها ما أمكنه جمعه، مع تخريجه على نفس نمط تخريج أحاديث «الإحياء»، وتارة يخرج البعض ويحدد مصادر البعض الآخر، ليرجع إليها من شاء، وقد يكتفي بتحديد الصحابة فقط الراوين لتلك الأحاديث، تحاشيا للتطويل، وبهذا التحديد يتيسر الرجوع إلى تلك الأحاديث في كتب المسانيد وكتب الأطراف وغيرها. وقد أشبه العراقي في هذا المبحث غيره من معاصريه الذين ألفوا كتب التخريج الموسعة، كالزيلعي في «تخريج أحاديث الهداية» (١)، وابن الملقن في (تخريج الشرح الكبير) للرافعي (٢) كما جرى على ذلك من بعدهم، كابن حجر تلميذ العراقي في كتابه: «التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير»، و «الدراية في تخريج أحاديث الهداية» و «نتائج الأفكار في تخريج الأذكار» النووية (٣)، وهذا العمل يشبه عمل

стр. 1329

الإمام الترمذي في جامعه المعروف بالسنن، حيث يذكر في عدد من الأبواب حديثا أو أكثر، ثم يقول: «وفي الباب عن فلان وفلان، ويذكر عدداً من الصحابة، مع تخريج بعض أحاديثهم تارة، وعدم تخريجها في كثير من الأحيان (١). ومراده بذلك كما قرر العراقي وغيره، أن هذه الأحاديث الأخرى التي أشار إليها بذكر صحابتها، يصلح إيرادها في الباب، لكونها مؤيدة له، سواء كانت بلفظ ما ذكره فيه أو بمعناه، كُلا أو بعضًا، أو متعلقة به (٢)، لكن عمل العراقي يختلف عن عمل الترمذي بأن الترمذي قلما يخرج ما يشير إليه من أحاديث الباب، أما العراقي فإنه يخرج معظم ما يشير إليه، ويعتبر هذا المبحث أيضًا من مميزات (التخريج الكبير) عن (التخريج الصغير)، كما أنه يعتبر عملا علميا له فوائد حديثية معتبرة، قررها العلماء في عصر العراقي وغيره (٣) وعلى أساسها يتقرر: أن عمل العراقي هذا، يدل على سعة إطلاعه وعمق خبرته بكتب السنة وعلومها، حيث استطاع جمع أحاديث الأبواب بطرقها،

стр. 1330

رغم كثرتها وتنوع مصادرها، كما أوضح في الغالب درجة الحديث، صحة أو حسنا أو ضعفًا، وبين ألفاظ الروايات وعلل الأسانيد، كما سترى في الأمثلة. ويدل أيضًا هذا العمل على دراية العراقي بفقه السنة، وجهده في ذلك، لأنه استخرج الأحاديث المذكورة من مختلف المصادر وأوردها بجانب أحاديث الإحياء، بناء على درايته لمعناها، ولمعنى ما ذكره الغزالي منها، وفهمه لارتباط دلالتهما ببعض، وهذا هو لب فقه السنة، ثم إن إيراده لتلك الأحاديث بجانب ما يلتقي معها من أحاديث «الإحياء»، يحقق لها كثرة الطرق وتعدد المتابعات والشواهد، وذلك مما يعزز دلالتها، ويقوي سند الضعيف منها ويرقى الحسن منها لدرجة الصحيح لغيره، ويزيد الصحيح قوة. وبالإضافة إلى هذا، فإن المبحث المذكور قد جعل هذا «التخريج الكبير» مصدرًا جامعا لتخريج وتمحيص كثير من الأحاديث الزائدة على ما في كتاب «الإحياء»، والتي يحتاج إليها في الاستدلال عموما، وفي تخريج كتب أخرى غير «الإحياء»، ككتب العقائد، والفقه، والأخلاق والتصوف، لا سيما أن المصادر التي خرج العراقي منها، يعد كثير منها الآن مفقودا، أو نادرا، أو غير مصرح فيه بما ذكره من درجات الأحاديث وعللها. وإليك بعض النماذج لعمل العراقي هذا: ففي حديث «لا تتعلموا العلم لتباهوا به العلماء» (الحديث) (١). خرجه بروايتين من عند ابن ماجه، وقرر صحة إسناد إحداهما على شرط مسلم، ثم قال: «وفي الباب عن عبد الله بن عمر، وكعب بن مالك،

стр. 1331

وأبي هريرة، ومعاذ، وأنس، وأم سلمة، فحديث ابن عمر، رواه ابن ماجه من رواية أبي كرب الأزدي عن نافع عنه رفعه: (من طلب العلم ليماري به السفهاء أو ليباهي به العلماء، أو ليصرف وجوه الناس إليه، فهو في النار)، وأبو كرب مجهول، وروى الترمذي من حديث خالد بن دريك عن ابن عمر رفعه: «من تعلم علما لغير الله، وأراد به غير الله، فليتبوأ مقعده من النار»، وإسناده جيد. ثم خرج أحاديث كعب بن مالك وأبي هريرة، ومعاذ، وأنس، وأم سلمة وتكلم على سند كل منهما بما يفيد درجته (١). أما في حديث أبي الدرداء: «أوحى الله إلى بعض الأنبياء: قل للذين يتفقهون لغير الدين الحديث (٢) فقد أخرجه العراقي من عند ابن عبد البر في كتاب «العلم» وضعفه مع بيان وجه ضعفه، ثم قال: «وفي الباب عن أبي هريرة رواه ابن المبارك في الزهد، نحوه، دون ذكر كونه وحيا إلى بعض الأنبياء»». وعن أنس ﵁، رواه الطبراني في «الكبير»، بلفظ آخر مختصرا، وكلاهما ضعيف (٣)، ونلاحظ أنه حدّد هنا مصدر الحديثين، ولم يسق سنديهما، ولا لفظيهما، ولكن بين اختلافهما، وحدّد درجتهما وهي الضعف. وأما في حديث أبي هريرة: «من طلب علما مما يبتغي به وجه الله ليصيب به عرضًا من الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة» (٤)، فقد أخرجه من عند

стр. 1332

أبي داود وابن ماجه وصححه، ثم قال: «وفي الباب عن ابن عمر، رواه الترمذي وابن ماجه» (١)، فاكتفى العراقي بتحديد مصدري الحديث، ولم يخرجه كلية، غير أنه استدرك على الحافظ المنذري في اختصاره «لسنن أبي داؤد»، فقال: وقول المنذري في مختصر السنن: «إن الترمذي روى حديث أبي هريرة، وهم، إنما روى حديث ابن عمر، ولفظهما مختلف فيه» (٢)، وقد أقر الزبيدي العراقي على ذلك. (٣) وفي حديث: «لا حسد إلا في اثنتين» (٤)، أخرجه من عند البخاري ومسلم وغيرهما، ثم قال: «وفي الباب عن ابن عمر، وأبي هريرة، وأبي سعيد، ويزيد ابن الأخنس»، ولكنه لم يخرج تلك الأحاديث، ولم يذكر مصادرها. (٥) وقد قام الإمام الزبيدي بتخريج أحاديث: أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة وابن عمر، ولم يخرج حديث ابن الأخنس. (٦) وفي حديث: «الدال على الخير كفاعله» (٧) أخرجه العراقي بالعزو إلى الترمذي وغيره، ثم قال: «وفي الباب عن سهل بن سعد، وابن مسعود»، ولكن لم يخرج حديثيهما، ولم يحدد مصدرًا لهما، وكذا لم يخرجهما الزبيدي ولم يحدد مصدرا لهما. (٨)

стр. 1333

لكني وجدت أن ما خرجه العراقي تفصيلا، كما في المثال الأول، هو الأكثر، غير أنه لم يلتزم باستيعاب ذكر جميع الأحاديث المتعلقة بباب الحديث الوارد في «الإحياء»، كما أنه لم يلتزم في كل حديث يوجد في بابه أحاديث أخرى أن ينبه عليها، ولهذا استدرك عليه الزبيدي والسخاوي في كلا الأمرين، فذكرا في بعض الأحاديث أنه يوجد في بابها غيرها، مع تخريج ما تيسر لهما من ذلك، أو من غير تخريج، مع أن العراقي لم يفعل ذلك (١)، وفي بعض الأحاديث التي خرج ما تيسر له مما يتعلق ببابها، أضافا إلى ما ذكره أحاديث أخرى (٢)، وليس في هذا، ولا في ذاك، انتقاد للعراقي، أو غض من جهده، لأنه لم يلزم نفسه بما استدرك عليه، كما أنه قد وفى بالغرض الأصلي، وهو تخريج أحاديث الإحياء. توسعه في بيان مصادر الحديث المخرج، وفوائد ذلك: مما تميز به هذا التخريج الكبير عن التخريج الصغير، ما وقفت عليه من توسع العراقي في الكبير في بيان المصادر الحديثية التي وردت فيها أحاديث «الإحياء»، سواء مع اتفاق السند واللفظ، أو اختلافهما، وهذا يفيد أحاديث الإحياء المخرجه من عدة وجوه، ترجع إلى ما يعطيه تعدد الروايات من توثيق وتقوية وتوضيح وتصويب الأسانيد والمتون لبعضها البعض. (٣) وأوسع ما وقفت عليه من ذلك تخريج حديث «هلا شققت عن قلبه» (٤)

стр. 1334

فقد قال في تخريجه الصغير: (أخرجه مسلم من حديث أسامة ابن زيد) (١). أما في الكبير فذكر أن الحديث أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والطبراني في الكبير وابن أبي شيبة في المصنف، من حديث جندب ابن عبد الله البجلي رفعه، ثم قال: وهكذا هو في الجزء الرابع من فوائد أبي أحمد الحاكم بلفظ: فهلا شققت عن قلبه؟، وفي اسناده شهر بن حوشب، وثقه أحمد وابن معين، وتكلم فيه غيرهما. ثم قال العراقي: «والحديث عند مسلم، وليس فيه: «هلا شققت عن قلبه» ويروى عن أسامة بن زيد، أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي، وكذا مالك في الموطأ، والإمام أحمد، وابن أبي شيبة، والعدني، في مسانيدهم، وأبو عوانة في صحيحه، وابن حبان، والحاكم، والطحاوي، والبيهقي، كلهم من رواية ظبيان - واسمه حصين بن جندب - عن أسامة بن زيد قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية فصبحنا الحرقات من جهينة، فأدركت رجلاً فقال: لا إله إلا الله، فطعنته، فوقع في نفسى من ذلك، فذكرته للنبي ﷺ فقال: قال لا إله إلا الله وقتلته؟ قال: قلت يا رسول الله، إنما قالها خوفا من السلاح، قال: أفلا شققت عن قلبه، حتى تعلم من أجل ذلك قالها أم لا؟ من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة؟ فمازال يكررها حتى تمني أني أسلمت يومئذ. والحديث عند البخاري أيضًا، ولكن ليس فيه قوله: «أفلا شققت عن قلبه؟» (٢) وبالتأمل يظهر لنا أن العراقي خرج الحديث في التخريج الصغير من مصدر واحد هو صحيح مسلم، ومن طريق صحابي واحد هو أسامة بن زيد رضي الله

стр. 1335

عنه، أما في الكبير فزاد تخريجه من ١٦ مصدرا، وأفاد ذلك أن الحديث قد روي من طريق صحابي آخر غير أسامة بن زيد، وهو جندب البجلي، إلا أن في إسناده راويا مختلفًا فيه توثيقا وتجريحًا، وهو شهر بن حوشب، وبذلك لا يكون الحديث من هذا الطريق صحيحًا لذاته. أما روايته من طريق أسامة بن زيد فتبين لنا أنها صحيحة، لتخريج البخاري ومسلم، وغيرهما ممن التزم الصحة في كتابه لها، وقد أفاد جمع هذه الرواية في التخريج مع الرواية السابقة عن جندب، تقوية سند رواية جندب وتعضيدها، بحيث تصبح صحيحة لغيرها، كما أفاد تعديد مصادر روايات الحديث، أن لفظة (هلا شققت عن قلبه) وردت في بعض الروايات الصحيحة، ولم ترد في بعضها الآخر، وأنها وردت بعبارات متعددة. وقد كان تحقيق مثل هذه الفوائد الحديثية من مقاصد العراقي وهدفه من التوسع في تعديد المصادر، ولذلك أشار كثيرًا خلال تعديده للمصادر إلى ما يحققه هذا من فوائد. ففي حديث أنس «قيل يا رسول الله، متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ فقال ﵇: إذا ظهرت المراهنة في خياركم، والفاحشة في شراركم، وتحول الملك في صغاركم، والفقه في أرذالكم» (١) قال في تخريجة الصغير: أخرجه ابن ماجه بإسناد حسن (٢). أما في الكبير فقال: رواه أحمد وابن ماجه وابن عبد البر في بيان آداب العلم - واللفظ له - باسناد حسن من رواية أبي معبد حفص بن غيلان عن مكحول.
следующие страницы →