وأبي هريرة، ومعاذ، وأنس، وأم سلمة، فحديث ابن عمر، رواه ابن ماجه من رواية أبي كرب الأزدي عن نافع عنه رفعه: (من طلب العلم ليماري به السفهاء أو ليباهي به العلماء، أو ليصرف وجوه الناس إليه، فهو في النار)، وأبو كرب مجهول، وروى الترمذي من حديث خالد بن دريك عن ابن عمر رفعه: «من تعلم علما لغير الله، وأراد به غير الله، فليتبوأ مقعده من النار»، وإسناده جيد.
ثم خرج أحاديث كعب بن مالك وأبي هريرة، ومعاذ، وأنس، وأم سلمة وتكلم على سند كل منهما بما يفيد درجته (١).
أما في حديث أبي الدرداء: «أوحى الله إلى بعض الأنبياء: قل للذين يتفقهون لغير الدين الحديث (٢) فقد أخرجه العراقي من عند ابن عبد البر في كتاب «العلم» وضعفه مع بيان وجه ضعفه، ثم قال: «وفي الباب عن أبي هريرة رواه ابن المبارك في الزهد، نحوه، دون ذكر كونه وحيا إلى بعض الأنبياء»».
وعن أنس ﵁، رواه الطبراني في «الكبير»، بلفظ آخر مختصرا، وكلاهما ضعيف (٣)، ونلاحظ أنه حدّد هنا مصدر الحديثين، ولم يسق سنديهما، ولا لفظيهما، ولكن بين اختلافهما، وحدّد درجتهما وهي الضعف.
وأما في حديث أبي هريرة: «من طلب علما مما يبتغي به وجه الله ليصيب به عرضًا من الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة» (٤)، فقد أخرجه من عند
стр. 1332
أبي داود وابن ماجه وصححه، ثم قال: «وفي الباب عن ابن عمر، رواه الترمذي وابن ماجه» (١)، فاكتفى العراقي بتحديد مصدري الحديث، ولم يخرجه كلية، غير أنه استدرك على الحافظ المنذري في اختصاره «لسنن أبي داؤد»، فقال: وقول المنذري في مختصر السنن: «إن الترمذي روى حديث أبي هريرة، وهم، إنما روى حديث ابن عمر، ولفظهما مختلف فيه» (٢)، وقد أقر الزبيدي العراقي على ذلك. (٣)
وفي حديث: «لا حسد إلا في اثنتين» (٤)، أخرجه من عند البخاري ومسلم وغيرهما، ثم قال: «وفي الباب عن ابن عمر، وأبي هريرة، وأبي سعيد، ويزيد ابن الأخنس»، ولكنه لم يخرج تلك الأحاديث، ولم يذكر مصادرها. (٥)
وقد قام الإمام الزبيدي بتخريج أحاديث: أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة وابن عمر، ولم يخرج حديث ابن الأخنس. (٦)
وفي حديث: «الدال على الخير كفاعله» (٧) أخرجه العراقي بالعزو إلى الترمذي وغيره، ثم قال: «وفي الباب عن سهل بن سعد، وابن مسعود»، ولكن لم يخرج حديثيهما، ولم يحدد مصدرًا لهما، وكذا لم يخرجهما الزبيدي ولم يحدد مصدرا لهما. (٨)
стр. 1333
لكني وجدت أن ما خرجه العراقي تفصيلا، كما في المثال الأول، هو الأكثر، غير أنه لم يلتزم باستيعاب ذكر جميع الأحاديث المتعلقة بباب الحديث الوارد في «الإحياء»، كما أنه لم يلتزم في كل حديث يوجد في بابه أحاديث أخرى أن ينبه عليها، ولهذا استدرك عليه الزبيدي والسخاوي في كلا الأمرين، فذكرا في بعض الأحاديث أنه يوجد في بابها غيرها، مع تخريج ما تيسر لهما من ذلك، أو من غير تخريج، مع أن العراقي لم يفعل ذلك (١)، وفي بعض الأحاديث التي خرج ما تيسر له مما يتعلق ببابها، أضافا إلى ما ذكره أحاديث أخرى (٢)، وليس في هذا، ولا في ذاك، انتقاد للعراقي، أو غض من جهده، لأنه لم يلزم نفسه بما استدرك عليه، كما أنه قد وفى بالغرض الأصلي، وهو تخريج أحاديث الإحياء.
توسعه في بيان مصادر الحديث المخرج، وفوائد ذلك:
مما تميز به هذا التخريج الكبير عن التخريج الصغير، ما وقفت عليه من توسع العراقي في الكبير في بيان المصادر الحديثية التي وردت فيها أحاديث «الإحياء»، سواء مع اتفاق السند واللفظ، أو اختلافهما، وهذا يفيد أحاديث الإحياء المخرجه من عدة وجوه، ترجع إلى ما يعطيه تعدد الروايات من توثيق وتقوية وتوضيح وتصويب الأسانيد والمتون لبعضها البعض. (٣)
وأوسع ما وقفت عليه من ذلك تخريج حديث «هلا شققت عن قلبه» (٤)
стр. 1334
فقد قال في تخريجه الصغير: (أخرجه مسلم من حديث أسامة ابن زيد) (١).
أما في الكبير فذكر أن الحديث أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والطبراني في الكبير وابن أبي شيبة في المصنف، من حديث جندب ابن عبد الله البجلي رفعه، ثم قال: وهكذا هو في الجزء الرابع من فوائد أبي أحمد الحاكم بلفظ: فهلا شققت عن قلبه؟، وفي اسناده شهر بن حوشب، وثقه أحمد وابن معين، وتكلم فيه غيرهما.
ثم قال العراقي: «والحديث عند مسلم، وليس فيه: «هلا شققت عن قلبه» ويروى عن أسامة بن زيد، أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي، وكذا مالك في الموطأ، والإمام أحمد، وابن أبي شيبة، والعدني، في مسانيدهم، وأبو عوانة في صحيحه، وابن حبان، والحاكم، والطحاوي، والبيهقي، كلهم من رواية ظبيان - واسمه حصين بن جندب - عن أسامة بن زيد قال: بعثنا رسول الله ﷺ في سرية فصبحنا الحرقات من جهينة، فأدركت رجلاً فقال: لا إله إلا الله، فطعنته، فوقع في نفسى من ذلك، فذكرته للنبي ﷺ فقال: قال لا إله إلا الله وقتلته؟ قال: قلت يا رسول الله، إنما قالها خوفا من السلاح، قال: أفلا شققت عن قلبه، حتى تعلم من أجل ذلك قالها أم لا؟ من لك بلا إله إلا الله يوم القيامة؟ فمازال يكررها حتى تمني أني أسلمت يومئذ. والحديث عند البخاري أيضًا، ولكن ليس فيه قوله: «أفلا شققت عن قلبه؟» (٢) وبالتأمل يظهر لنا أن العراقي خرج الحديث في التخريج الصغير من مصدر واحد هو صحيح مسلم، ومن طريق صحابي واحد هو أسامة بن زيد رضي الله
стр. 1335
عنه، أما في الكبير فزاد تخريجه من ١٦ مصدرا، وأفاد ذلك أن الحديث قد روي من طريق صحابي آخر غير أسامة بن زيد، وهو جندب البجلي، إلا أن في إسناده راويا مختلفًا فيه توثيقا وتجريحًا، وهو شهر بن حوشب، وبذلك لا يكون الحديث من هذا الطريق صحيحًا لذاته.
أما روايته من طريق أسامة بن زيد فتبين لنا أنها صحيحة، لتخريج البخاري ومسلم، وغيرهما ممن التزم الصحة في كتابه لها، وقد أفاد جمع هذه الرواية في التخريج مع الرواية السابقة عن جندب، تقوية سند رواية جندب وتعضيدها، بحيث تصبح صحيحة لغيرها، كما أفاد تعديد مصادر روايات الحديث، أن لفظة (هلا شققت عن قلبه) وردت في بعض الروايات الصحيحة، ولم ترد في بعضها الآخر، وأنها وردت بعبارات متعددة.
وقد كان تحقيق مثل هذه الفوائد الحديثية من مقاصد العراقي وهدفه من التوسع في تعديد المصادر، ولذلك أشار كثيرًا خلال تعديده للمصادر إلى ما يحققه هذا من فوائد.
ففي حديث أنس «قيل يا رسول الله، متى يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ فقال ﵇: إذا ظهرت المراهنة في خياركم، والفاحشة في شراركم، وتحول الملك في صغاركم، والفقه في أرذالكم» (١) قال في تخريجة الصغير: أخرجه ابن ماجه بإسناد حسن (٢).
أما في الكبير فقال: رواه أحمد وابن ماجه وابن عبد البر في بيان آداب العلم - واللفظ له - باسناد حسن من رواية أبي معبد حفص بن غيلان عن مكحول.
стр. 1336
عن أنس، بزيادة في أوله، وقال ابن ماجه: «إذا ظهر فيكم ما ظهر في الأمم قبلكم، قالوا يا رسول الله وما ظهر في الامم قبلنا؟ قال الملك في صغاركم والفاحشة في كباركم والعلم في رذالكم، وقال زين بن يحيى - أحد رواة الحديث - معنى «والعلم في رذالكم» إذا كان العلم في الفساق» (١).
فتلاحظ أن العراقي أضاف في الكبير زيادة على ابن ماجه مصدرين آخرين للحديث هما: ابن عبد البر في (العلم) والإمام أحمد في مسنده، وقد أفاد ذلك توثيق سند الحديث باتفاق العلماء الثلاثة عليه، وأفاد أيضًا أن الحديث ليس حسنًا من رواية ابن ماجه فقط، ولكن من رواية الإمام احمد وابن عبد البر أيضًا، كما أفاد أن رواية ابن عبد البر موافقة للفظ الحديث في الإحياء مع زيادة، وأفاد ذكر رواية ابن ماجه بيان معنى «والعلم في رذالكم» الواردة في الروايتين الأخريين بلا تفسير. وفي حديث (لا يقضي القاضي وهو غضبان) (٢)، قال في تخريجه الصغير: متفق عليه من حديث أبي بكرة (٣).
أما في الكبير فقال: رواه الستة من حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه، وهذا لفظ النسائي وابن ماجه، وزاد (بين اثنين) وقال البخاري «لا يقضين حكم» وقال مسلم: «لا يحكم أحد»، وقال أبو داود: «لا يقض الحكم» وقال الترمذي: «لا يحكم الحاكم» وقال: فهذا حديث حسن صحيح (٤)، فتلاحظ أنه في التخريج الكبير زاد بجانب الصحيحين: السنن الأربعة، ومن المعروف أنهم لم يلتزموا الصحة ولا يبين درجة الحديث منهم - في
стр. 1337
الأكثر - إلا الترمذي، فأفاد ذكر العراقي لهم بجانب الصحيحين، مع بيان اتحاد أعلا السند، أن رواية هذا الحديث التي أوردوها صحيحة، تبعا لروايته التي اتفق عليها الشيخان.
كما أن سياقه للألفاظ المختلفة في رواية كل مصدر، أوضح أن الحديث ليس قاصرا على القاضي، بل يعم كل من وكل إليه الحكم في شيء.
وفي حديث: خرج رسول الله ﷺ ذات يوم على أصحابه فرأى مجلسين، أحدهما يدعون الله (الحديث) (١) قال العراقي في تخريجه الصغير: رواه ابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو بسند ضعيف (٢)، أما في الكبير فقال: رواه ابن ماجه من رواية داود بن الزبرقان عن بكر بن خنيس عن عبد الرحمن ابن زياد ابن أنعم عن عبد الله بن زيد عن عبد الله ابن عمرو قال: … وساق حديث ابن ماجه بطوله، ثم قال: ومداره على عبد الرحمن بن زياد، وقد وثقه يحيى بن سعيد، وقال البخاري: مقارب الحديث، وضعفه جماعة، وابن الزبرقان وبكر بن خنيس ضعيفان، ثم قال: وقد تابع بكر بن خنيس عليه: زهير بن معاوية وعبد الله بن وهب وعبد الله بن المبارك، إلا أنهم قالوا: عنه عن عبد الرحمن بن رافع، بدل «عبد الله بن زيد» وقولهم أولى بالصواب من رواية بكر بن خنيس، وأما رواية زهير فأخرجها الطبراني، ولفظه … وساق الحديث بطوله، ثم قال: وأما رواية عبد الله بن وهب فرواها ابن السني في «رياضة المتعلمين»، وابن عبد البر في «العلم» بنحو لفظ الطبراني، وأما رواية ابن المبارك فرواها أبو نعيم في «رياضة المتعلمين» نحوه (٣). وبهذا
стр. 1338
أضاف العراقي في الكبير بيان مدار طرق الحديث، واختلاف الرواة عنه مع الترجيح، ثم خرج رواية ابن وهب وابن المبارك بالعزو إلى مصادرهما.
وفي حديث: قيل له ﷺ : «كيف نفعل إذا جاء أمر لم نجده في كتاب الله ولا سنة رسوله؟ فقال: سلوا الصالحين، واجعلوه شورى بينكم (١)، قال في تخريجه الصغير: أخرجه الطبراني من حديث ابن عباس، وفيه عبد الله بن كيسان ضعفه الجمهور (٢). أما في الكبير فقال: فيه عن علي بن أبي طالب وابن عباس، أما حديث علي فرواه الطبراني في الأوسط من رواية الوليد بن صالح عن محمد بن الحنفية عن علي قال: قلت يا رسول الله … وساق روايته بلفظها، ثم قال: ورجاله رجال الصحيح، ورواه ابن عبد البر في العلم من رواية ابراهيم بن أبي الفياض عن سليمان بن بزيع عن مالك عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قلت يا رسول الله: الأمر ينزل بنا لم ينزل فيه قرآن ولم تمض فيه منك سنة، قال: اجمعوا له العالمين، أو قال العابدين من المؤمنين، فاجعلوه شورى بينكم، ولا تقضوا فيه برأي واحد»، وفي رواية له: «اجمعوا له العابدين»، من غير شك، قال ابن عبد البر: «هذا حديث لا يعرف من حديث مالك إلا بهذا الإسناد، ولا أصل له في حديث مالك عندهم، ولا في حديث غيره، وإبراهيم وسليمان، ليسا بالقويين (٣) والله أعلم».
«وأما حديث ابن عباس: فرواه الطبراني من رواية إسحاق بن عبد الله بن
стр. 1339
كيسان المروزي عن أبيه عن عكرمة، فذكر حديثا قال فيه: قال علي يا رسول الله، أرأيت إن عرض لنا ما لم ينزل فيه قرآن ولم تمض فيه سنة منك؟ قال تجعلونه شورى بين العابدين من المؤمنين» (الحديث) وعبد الله ابن كيسان منكر الحديث، قاله البخاري، وابنه إسحاق [لينه (١)] الحاكم [أبو أحمد] (١)، وقد ورد من وجه آخر مرسلا، رواه الدارمي في مسنده من حديث أبي سلمة «أن النبي ﷺ سُئل عن الأمر يحدث ليس فيه كتاب ولا سنة، قال: ينظر فيه العابدون من المؤمنين»، وهذا إنما يصح من قول ابن مسعود موقوفا، رواه الطبراني وابن عبد البر في أثر طويل، وفيه: «فإن أتاه أمر ليس في كتاب الله ولم يقض فيه رسول الله ﷺ فليقض بما قضى به الصالحون» واسناده ثقات يحتج بهم (٢).
ويتضح لنا مما تقدم أن العراقي في التخريج الكبير، زاد تخريج الحديث من ثلاثة مصادر أخرى، ومن موضع ثان من الطبراني، غير الذي أخرجه منه في الصغير، وقد أفاد ذكر هذه المخارج بيان وجود روايتين للحديث صحيحتي السند، احداها مرفوعة، وهى رواية الطبراني عن سيدنا على ﵁، والثانية موقوفة، وهي رواية الطبراني أيضا وابن عبد البر عن ابن مسعود من قوله، وهاتان الروايتان تقويان باقي الروايات الضعيفة، بما فيها الرواية التي
стр. 1340
اقتصر العراقي على ذكرها في التخريج الصغير، ثم إنّ الرواية الصحيحة المرفوعة تعضد كلا من الرواية المرسلة التي أخرجها الدارمي في مسنده، والموقوفة التي رواها ابن عبد البر والطبراني.
وفي حديث «اليقين الإيمان كله» (١) قال في تخريجه الصغير: أخرجه البيهقي في الزهد، والخطيب في التاريخ، من حديث ابن مسعود، بإسناد حسن (٢). وأما في الكبير فقال: أخرجه أبو نعيم في الحلية، والبيهقي في الزهد وأبو القاسم اللالكائي في كتاب السنة، من رواية يعقوب بن حميد بن كاسب قال: أخبرنا محمد بن خالد المخزومي عن سفيان بن سعيد عن زبيد عن أبي وائل عن عبد الله عن النبي ﷺ ، وزاد في أوله «الصبر نصف الإيمان»، هكذا قال أبو نعيم والبيهقي في اسناده، وقال اللالكائي: عن زبيد عن مرة عن عبد الله، قال البيهقي: تفرد به يعقوب بن حميد عن محمد بن خالد، وقد أعله ابن الجوزي في «العلل المتناهية» بهما، فقال: «محمد بن خالد، مجروح، ويعقوب بن حميد، ليس بشئ»، واستدرك العراقي على هذا فقال: «أما محمد بن خالد المخزومى فلم أجد أحدًا من الأئمة جرحه، وأما يعقوب، فأورده ابن حبان في الثقات»، ثم قال: «والصحيح المعروف: أن هذا من قول ابن مسعود، هكذا ذكره البخاري في صحيحه تعليقا موقوفا عليه، ووصله الطبراني، والبيهقي في الزهد، من رواية الأعمش عن أبي ظبيان عن علقمة عن عبد الله قوله، قال البيهقي: هذا هو الصحيح، موقوف» (٣)
ومن هذا نجد أن العراقي أضاف خمسة مصادر أخرى للحديث، وبين من
стр. 1341
خلالها أن الحديث مداره على (زُبيد) وهو ابن الحارث بن عبد الكريم اليامي، وأنه اختلف عليه في رفع الحديث ووقفه على عبد الله بن مسعود، وأن الراجح وقفه، وهذا من أدق مباحث علل الحديث، وقد اختلف بذلك كلامه عن درجة الحديث عما ذكره في الصغير، من إطلاق تحسينه مرفوعًا.
كما بين أن روايتي البيهقي والطبراني الموصولتين، أفادتا وصل رواية البخاري المعلقة. أما رواية ابن الجوزي، فمن فوائد ذكرها: تعقب العراقي له برد ما أعلها به من جهة أحوال الرواة، ثم بين إعلال الرفع بمعارضة رواية الوقف الأرجح. وهكذا نجد أن توسع العراقي في هذا التخريج الكبير في بيان مصادر الحديث، ليس مجرد جمع، وسرد، وتطويل، بل تعميق للبحث، وتحقيق للفوائد الحديثية، التي بين بنفسه بعضها، وترك البعض الآخر لظهوره عند ممارسي الفن، وقد أوضحت فيما تقدم بعضها من جانبي، وكلها فوائد وبحوث، تمحص أحاديث الإحياء، وما يتعلق بها، وتحقق درجاتها، من القبول أو الرد كما رأيت.
تخريجه في الكبير بعض ما لم يخرجه في الصغير، من الأحاديث والآثار.
اتضح لي من فحص النصوص التي وقفت عليها من هذا التخريج الكبير أنه تميز بأن العراقي قد خرج فيه بعض ما لم يخرجه في الصغير من الأحاديث والآثار. أما الأحاديث: فمن ذلك حديث: «إن من العلم كهيئة المكنون، لا يعلمه إلا أهل المعرفة بالله تعالى، فإذا نطقوا به لم يجهله إلا الأغرار بالله تعالى، فلا تحقروا عالما آتاه الله تعالى علما منه، فإن الله لم يحقره إذ آتاه إياه» (١) فقد قال العراقي في تخريجه الصغير: أخرجه أبو عبد الله السلمي في الأربعين، له في التصوف، من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف (٢) وقد ساق في التخريج الكبير
стр. 1342
نص رواية السلمي هذه، فوجدتها تنتهي عند قوله (لا ينكره إلا أهل الغرة بالله (٣)، وبذلك يكون قد ترك في الصغير تخريج باقي الحديث، أما في الكبير فإنه بعد أن ساق رواية السلمي هذه قال: وأما آخر الحديث فرواه أبو عبد الله الحسين بن فنجويه الدينوري في كتاب (المعلمين) من رواية كثير بن سليم عن أنس، فذكر حديثًا طويلا فيه: «ثم قال رسول الله ﷺ : إن الله يقول: لا تحقروا عبدًا أعطيته علمًا، فإني لم أحقره حين وضعت ذلك العلم في قلبه». وكثير بن سُلَيْم ضعيف (٤). وبهذا خرج باقي الحديث وبين درجته وهي الضعف بوجود راو ضعيف في سنده.
وفي حديث «إن أكثر الناس أمنا يوم القيامة أكثرهم خوفًا في الدنيا، وأكثرهم ضحكا في الآخرة أكثرهم بكاء في الدنيا، وأشد الناس فرحا في الآخرة أطولهم حزنًا في الدنيا» (٥) قال العراقي في تخريجه الصغير: لم أجد له أصلا (٦)، أما في الكبير فقال: لم أجد له أصلا بجملته في الأحاديث المرفوعة، ولأول الجملة شاهد في صحيح ابن حبان من حديث أبي هريرة رفعه فيما يروى ﷺ عن ربه جل وعلا: «وعزتي لا أجمع على عبدي خوفين وأمنين، إذا خافني في الدنيا أمنته يوم القيامة، وإذا أمننى في الدنيا أخفته يوم القيامة»، وللجملة الأخيرة شاهد من رواية مالك بن دينار قال: رأيت الحسن في منامي مشرق اللون وفي آخره: «أطول الناس حزنا في الدنيا أطولهم فرحا في الآخرة»،
стр. 1343
رواه ابن أبي الدنيا في كتاب «الهم والحزن» (١) وهكذا نجده خرج في الكبير أصلا لجملتين من الحديث، بدلا من جزمه في الصغير بأنه لم يجد لجميعه أصلا
وأما الآثار: فقد وردت في «الإحياء» موقوفة على الصحابة، أو من دونهم، كالتابعين، فالعراقي لم يلزم نفسه بتخريجها، بل أخرج بعضها زيادة عن شرطه في هذا التخريج، كما سيأتي توضيحه في المبحث التالي لهذا؛ ولكنه مع ذلك خرج بعض تلك الآثار لفائدة يراها، خاصة ما يوجد شاهد له في المرفوع.
فمن ذلك: أن الغزالي في الباب السادس من كتاب العلم ١/ ٨٣ قال: وكان حذيفة ﵁ أيضا قد خُصَّ بعلم المنافقين، وأُفْرِد بمعرفة علم النفاق وأسبابه، ودقائق الفتن، فكان عمر وعثمان، وأكابر الصحابة ﵃ يسألونه عن الفتن العامة، والخاصة. ولم يتعرض العراقي لتخريج هذا في تخريجه الصغير للإحياء، ولكن الزبيدي في «الشرح» ١/ ٤٢٩ علق على الشطر الأول من هذا الأثر، وهو اختصاص حذيفة بعلم النفاق والمنافقين، فقال: رورى مسلم من رواية قيس ابن أبي حازم عن عمار، أخبرني حذيفة قال: قال النبي ﷺ : في أصحابي اثنا عشر منافقا، منهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط، وروى البخاري من رواية زيد بن وهب عن حذيفة قال: ما بقي من أصحاب هذه الأمة، ولا من المنافقين، إلا أربعة .. (الحديث). وروى أبو داود من رواية قبيصة بن ذؤيب عن أبيه قال: قال حذيفة: ما أدري أنسي أصحابي أم تناسوا، والله ما ترك رسول الله ﷺ من قائد فتنة إلى أن تنقضي الدنيا، يبلغ من معه ثلاثمائة فصاعدا، إلا قد سماه لنا باسمه، واسم أبيه، واسم قبيلته، وروى مسلم، من رواية أبي
стр. 1344
إدريس الخولاني، كان يقول: قال حذيفة: والله إني لأعلم الناس بكل فتنة هي كائنة فيما بيني وبين الساعة. وروى البخاري ومسلم وأبو داود، من رواية شقيق عن حذيفة قال: قام فينا رسول الله ﷺ مقاما، ما ترك فيه شيئًا يكون في مقامه إلى قيام الساعة، إلا حدث به، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ، ونسيه من نسيه، قد عَلِمَهُ أصحابي هؤلاء (الحديث).
ثم أعقب الزبيدي هذا كله بقوله: قاله العراقي، ثم علق على الشطر الثاني من الأثر وهو «فكان عمر وعثمان .. إلخ» فقال: فروى السنة - خلا أبا داؤد - من رواية شقيق عن حذيفة قال: كنا عند عمر، فقال: أيكم يحفظ حديث رسول الله ﷺ في الفتنة؟ قلت: أنا (الحديث)، وختم هذا أيضًا بقوله: قاله العراقي. فيعتبر هذا، وما قبله، من نقول الزبيدي التي ذكر أنه ينقلها عن (التخريج الكبير) وإن كان لم يصرح بذلك، كما أوضحته في طريقة نقله عن هذا التخريج (١).
وسيأتي أيضًا في المبحث التالي مثال آخر لتخريج العراقي للآثار الموقوفة على الصحابة، مع بيانه سبب تخريجه له بما يدل على أنه في هذا التخريج الكبير ليس من شرطه تخريج الآثار.
تم الجزء الثالث من «كتاب الحافظ العراقي وأثره في السنة» ويليه الجزء الرابع وأوله: شرط العراقي في «تخريجه الكبير» مقارنا بغيره من أشهر معاصريه
стр. 1345
شرط العراقي في (تخريجه الكبير)، مقارنا بغيره من أشهر معاصريه:
تقدم أن العراقي سمى هذا التخريج: (إخبار الأحياء، بأخبار الإحياء).
ومن المعروف أن تحديد المؤلف لعنوان كتابه، يعتبر دليلا على تحديده الموضوع العام للكتاب، ما لم يوجد تصريح آخر من المؤلف، بخلاف ذلك كما أشار الحافظ ابن حجر إلى ذلك بالنسبة لمعرفة شرط البخاري في صحيحه من تسميته له (١).
وبالنسبة لكتاب العراقي هذا، فإنه قد جاء عنه عنونته بالإسم السابق ذكره، كما جاء عنه - خلال الكتاب - بعض الإشارات التي إذا ضمت إلى ما في العنوان، أمكن معرفة ما شرط العراقي على نفسه الإلتزام بتخريجه من أنواع الأخبار التي في الإحياء.
وذلك أن العراقي في عنوان الكتاب، جعل موضوعه: تخريج ما في الإحياء من الأخبار، وعند قراءتي لكتاب الإحياء بأكمله، وجدت الغزالي يطلق اسم (الخبر) أو (الأخبار) على الأحاديث التي يصرح برفعها إلى النبي ﷺ ، ويطلق (الأثر) أو (الآثار) على ما يصرح بعزوه إلى الصحابة، ومن دونهم، وقد قرر ذلك شارح «الإحياء» (٢) أيضا موقوفا عليهم.
لكن الغزالي لم يلتزم بهذا دائما، بل خرج عنه كثيرا خلال الكتاب كله؛ فقد وجدته أحيانا يطلق «الأثر» على بعض الأحاديث المرفوعة إلى النبي ﷺ (٣)، كما وجدته كثيرا، يطلق «الأخبار» على الآثار الموقوفة على
стр. 1346
الصحابة ﵃، فمن دونهم، كالتابعين، وغيرهم، ويطلقها أيضًا على أقوال، وكتب، وأحوال الأنبياء السابقين، وأقوامهم، وخاصة بني إسرائيل وأنبيائهم، ويطلقها كذلك على أقوال الحكماء والصالحين، وحكاية أحوالهم.
وقد تكون عبارة الغزالي دالة على أنه يقصد «بالخبر» الحديث المرفوع، مثل قوله: وأما الأخبار، فقد قال ﷺ .. كذا (٢).
وقد تكون عبارته مطلقة، مثل قوله: وفي الخبر كذا .. ويسوق الكلام، دون عزوه إلى أحد (٣)، ويترك تمييز المرفوع من غيره إلى خبرة القارئ.
فإذا عرفنا ذلك، أصبح تعبير العراقي في عنوان الكتاب بـ «الأخبار» يفيد بظاهره، وعمومه: أن العراقي تصدى لتخريج الأخبار المذكورة في كتاب «الإحياء»، عمومًا، بمختلف تلك الأنواع السابق الإشارة إليها.
في حين أن واقع ما تضمن الكتاب تخريجه، أخص من ذلك بكثير، وقد انتبه العراقي نفسه إلى هذا، فذكر خلال الكتاب ما يقيد هذا الإطلاق العام في العنوان، ويفيد أن مقصوده الأصلي بـ «الأخبار» في عنوان الكتاب، نوع واحد منها فقط، وهو الأحاديث التي يصرح الغزالي برفعها، أو يشير إلى الرفع بعبارة ظاهرة مثل: مَضَتِ السُّنة بكذا (٤)، وما عدا ذلك، فإنه قد يخرجه؛ تحصيلا لفائدة خاصة، يمكن للقارئ المتأمل أن يلحظها في موضعها، وقد يصرح العراقي في بعض المواضع بالفائدة التي دعته إلى تخريج ما ليس
стр. 1347
داخلا صراحة في شرطه الذي هو مقصوده الأصلي السابق ذكره.
ففي كتاب العلم من «الإحياء» ١/¬٣٦ قال الغزالي: وقال ﷺ : «إنما العلم آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة».
فخرجه العراقي في (الصغير) مرفوعًا، بالعزو إلى ابن عبد البر - يعني في جامع بيان العلم - من حديث أبي هريرة، وإلى أبي داود وابن ماجه، من حديث عبد الله بن عمرو (٢).
ثم إن الغزالي بعد هذا في الباب السادس من كتاب العلم ١/ ٧٥ قال: وفي الخبر: العلم ثلاثة: كتاب ناطق، وسنة قائمة، ولا أدري.
فتصدى العراقي في «الصغير» أيضًا لتخريجه، بالعزو إلى الخطيب في «أسماء من روى عن مالك»، موقوفا على ابن عمر.
ثم قال: ولأبي داود وابن ماجه، من حديث عبد الله بن (عمرو) مرفوعًا نحوه، مع اختلاف.
وقد تقدم (٣) يعني الموضع الذي ذكرته قبل هذا.
لكن حينما نرجع إلى الزبيدي في «الشرح» ١/ ٣٩٣ نجده في تخريج الحديث في هذا الموضع الثاني يقول: قال العراقي: أخرجه الدراقطني في «غرائب مالك»، والخطيب، في «أسماء من روى عن مالك»، من رواية عمر بن عصام عن مالك عن نافع عن ابن عمر موقوفا عليه، وقد رواه ابن عدي في «الكامل»،
стр. 1348
في ترجمة أبي حذافة السهمي، عن مالك، قال - يعني ابن عدي -: وهذا من منكرات أبي حذافة، سرقه من عمر - يعني ابن عصام -، قال العراقي: لم يصرح المصنف - يعني الغزالي - بأنه مرفوع وإنما قال: «وفي الخبر»، والظاهر أنه أراد هذا، فذكرته احتياطا لاحتمال أن يكون روي مرفوعا .. قال الزبيدي: ثم قال العراقي: وأول الحديث مرفوع من حديث عبد الله بن (عمرو)، رواه أبو داود وابن ماجه من رواية عبد الرحمن بن زياد بن أنعم، عن عبد الرحمن بن رافع، عن عبد الله بن عمرو، رفعه: العلم ثلاثة، وما سوى ذلك فهو فضل: آية محكمة أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة. هـ
ويلاحظ أن ما نقله الزبيدي هنا عن العراقي، أكثره ليس في (التخريج الصغير) فيكون مما نقله عن (التخريج الكبير)، كما تقدم توضيحه، كما يلاحظ أنه بين الداعي لتخريجه في هذا الموضع، مع عدم تصريح الغزالي برفعه، وأفاد بذلك أن ما لا يصرح الغزالي برفعه إلى رسول الله ﷺ ، فليس هو ملتزما بالتصدي لتخريجه؛ ولكن قد يخرج بعضه لغرض معين.
وفي الباب السادس من كتاب العلم ١/ ٦٥ ذكر الغزالي عدة أحاديث مصرحا برفعها إلى الرسول ﷺ ، وأتبعها بقول لعيسى ﵇، ثم قال: فهذا وغيره من الأخبار، يدل على عظيم خطر العلم .. ثم قال: وأما الآثار، فقد قال عمر ﵁: إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة، المنافق العليم، قالوا: وكيف يكون منافقا عليما؟ … »
فلم يتعرض العراقي لتخريج قول عمر هذا، في «التخريج الصغير»، لكن الزبيدي في «الشرح» ١/ ٣٥٢ قال: قال العراقي: وهذا الذي ذكره - يعني الغزالي - أثرا، فقد ذكره أحمد، مرفوعا، من حديث عمر، بإسناد صحيح،
стр. 1349
من رواية أبي عثمان النهدي، قال: إني لجالس تحت منبر عمر بن الخطاب، وهو يخطب الناس، فقال في خطبته: سمعت رسول الله ﷺ يقول: إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة، كل منافق عليم اللسان هـ. ثم قال العراقي: وصح أيضا من حديث عمران بن حصين، رواه الطبراني، من رواية عبد الله بريدة عنه، رفعه: إن أخوف ما أخاف عليكم بعدي كل منافق عليم اللسان. هـ وهذا النقل كسابقه، يعتبر من «التخريج الكبير»، ومن كلام العراقي في هذين الموضعين من «تخريجه الكبير»، نلاحظ أنه قيد عموم لفظ «الأخبار» الذي ذكره في عنوان الكتاب، فجعل مقصوده الأصلي بها في هذا التخريج، هو: الأحاديث التي يصرح الغزالي برفعها إلى الرسول ﷺ ، أو يشير إلى قصده رفعها، إشارة ظاهرة؛ وعليه فإنه لا يلتزم بتخريج ما يورده الغزالي في «الإحياء»، على أنه أثر موقوف على بعض الصحابة، ومن باب أولى غيرهم، كقول عيسى ﵇، كما تقدم، ويفهم من كلامه السابق أيضا أنه لا يلتزم بتخريج الأحاديث المرفوعة في مصادرها، ما لم يصرح الغزالي في كتابه برفعها، أو يشير إلى الرفع إشارة ظاهرة، فإذا أورد الحديث بصيغة محتملة للرفع وغيره، مثل قوله في أحد المثالين السابقين: وفي الخبر كذا، أو قوله: يروى كذا، كما سيأتي في الكلام على (تخريجه الصغير)، فإن العراقي في كل ذلك، وأمثاله ليس ملتزما بالتعرض لتخريجه؛ لأنه لم يجعله من شرط مقصوده الأصلي في هذا التخريج، ولكنه مع هذا قد يخرج بعض ما ليس داخلا في شرطه، لفائدة خاصة مثل الفائدتين اللتين صرح بهما فيما تقدم: من قصد الاحتياط لتحقيق غرض الغزالي من إيراد الخبر، أو وجود حديث مرفوع بمثل ما يذكره الغزالي على أنه أثر موقوف على الصحابي.
стр. 1350
ولكن الأكثر من صنيع العراقي أنه في هذا «التخريج الكبير»، لا يتصدى لتخريج ما ليس داخلا فيما أشار إلى الإلتزام بتخريجه في كلامه السابق، كما ظهر لي ذلك مما وقفت عليه من نصوص الكتاب.
وسيأتي في الكلام على «تخريجه الصغير» تصريحه بأنه اشترط فيه نحوا مما أشار هنا إلى أنه مقصوده الأصلي فيما يتصدى لتخريجه من أنواع الأخبار التي تضمنها كتاب «الإحياء».
وعلى هذا، فإنه يمكننا القول: بأن شرط العراقي هذا فيما يتصدى لتخريجه من الأخبار الواردة في الإحياء يختلف عما جرى عليه غيره، من أشهر المخرجين المعاصرين له، في مؤلفاتهم، كرفيقه الزيلعي، في كتابه المعروف بـ «نصب الراية، في تخريج أحاديث الهداية»، وكقرينه ابن الملقن في كتابه «البدر المنير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير» فإنهما بجانب تخريجهما للأحاديث المصرح برفعها في الكتابين المخرجين، قد عُنيا بتخريج غيرها من الأحاديث التي لم يصرح برفعها، والآثار الموقوفة على الصحابة أو التابعين، لدرجة أنهما يخصصان في نهاية تخريج أحاديث كل باب مبحثا لتخريج الآثار الموقوفة الواردة فيه (١).
ولعل الذي سهل عليهما ذلك، ما لاحظته من أن الآثار الواردة في الكتابين المخرجين، وهما «كتاب الهداية» وكتاب «الشرح الكبير للرافعي» تعتبر قليلة جدا بالنسبة للآثار الواردة في الإحياء، حيث تقارب كميتها كمية
стр. 1351
الأحاديث المرفوعة فيه، وهي قرابة خمسة آلاف كما تقدم، وبذلك كان التصدي لتخريج تلك الآثار يستغرق من العراقي زمنًا وكما يوازيان زمن وكم تخريج الأحاديث، على ضخامتهما كما مر، ولكن العراقي مع ذلك خرج بعض تلك الآثار، لزيادة الفائدة كما تقدم مثاله.
أُنموذج عام لعناصر التخريج الموسع للحديث، في «التخريج الكبير» مقارنًا بما يقابله من تأليف أشهر أقران العراقي ومعاصريه.
بعد بيان ملامح الشرط العام للعراقي فيما تصدى لتخريجه في هذا الكتاب، ومقارنته بما جرى عليه غيره، تبقى الحاجة ماسة إلى مقارنة تفصيلية بين أهم عناصر تخريجه الموسع للحديث في هذا الكتاب، وبين عناصر التخريج الموسع للحديث نفسه في تأليف أشهر أقرانه ومعاصريه، حتى تتكامل بذلك صورة عرض مضامين الكتاب، وبيان جهود مؤلفه فيه، وتقويمها، في حدود ما تيسر لنا من نصوصه.
وقد تبين لي بالبحث والمقارنة: أن ما قدمت بيانه من العناصر والأبحاث التي اشتملت عليها نماذج هذا التخريج الكبير، متشابهة مع العناصر والأبحاث التي اشتملت عليها كتب التخريج الموسعة التي ألفها أشهر أقران العراقي، ومعاصريه؛ غير أنه يحدث تفاوت بين كل منهم، وبين العراقي، بالزيادة أو النقصان، سواء من جهة المصادر المخرج منها الحديث، أو من جهة العناصر والأبحاث المتناولة، أو الآراء الشخصية لكل منهم.
وبمقتضى هذا التفاوت، يتميز عمل العراقي وجهده، عن عمل وجهد غيره ممن عاصره، وإليك أنموذجًا توضيحيا لذلك:
стр. 1352
ففي حديث «أن امرأتين من هذيل قَتَلَتْ إحداهما الأخرى بحجر»، وفيه قوله ﷺ : «أَسَجَعٌ كسجع الأعراب؟» (١)
قال العراقي في تخريجه: ورد من حديث المغيرة بن شعبة، وأبي هريرة، وابن عباس، وجابر، وأسامة بن عمير الهذلي، وحمل بن مالك، وعويم بن ساعدة الهذلي، ﵃، أما حديث المغيرة: فرواه مسلم وأبو داود والنسائي من رواية عبيد بن نَضْلَة الخزاعي عن المغيرة بن شعبة قال: «ضربت امرأة ضرتها بعمود فسطاط»، فذكر الحديث، وفيه: «فقال رجل من عصبة القاتلة: أنغرم دية، لا آكل ولا شرب ولا استهل؟، فمثل ذلك يُطل» (الحديث) بلفظ مسلم، وفي رواية له «أندى من لا طعم، ولا شرب ولا صاح، ولا استهل؟ فمثل ذلك يُطل» (الحديث)، وأصل الحديث عند البخاري والترمذي وابن ماجه، مختصرًا، دون ذكر السجع المذكور.
وأما حديث أبي هريرة فرواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي من رواية ابن شهاب عن ابن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن، أن أبا هريرة ﵁ قال: «اقتتلت امرأتان من هذيل» (الحديث) وفيه: فقال حمل ابن النابغة الهذلي: «يا رسول الله، كيف أغرم من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل؟، فمثل ذلك يطل»، فقال رسول الله ﷺ : «إنما هذا من إخوان الكهان، من أجل سجعه الذي سجع»، لفظ مسلم، ولم يُسم البخاري الرجل، وانما قال: «فقال ولي المرأة»، ولم يقل: «من أجل سجعه الذي سجع»، ورواه الترمذي وابن ماجه من رواية محمد بن عمرو عن أبي
стр. 1353
سلمة عن أبي هريرة وفيه: «فقال الذي قضى عليه: أنعطى من لا شرب ولا أكل ولا صاح فاستهل؟، فمثل ذلك يطل»، فقال النبي ﷺ : «إن هذا ليقول بقول الشاعر».
وأما حديث ابن عباس فرواه أبو داود والنسائي من رواية أسباط عن سماك ابن حرب عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: «كانت امرأتان جارتان كان بينهما صخب» (الحديث) وفيه: «فقال أبو القاتلة: إنه والله ما استهل ولا شرب ولا أكل فمثله يطل»، فقال النبي ﷺ : «أسجع الجاهلية وكهانتها؟ إن في الصبي غرة»، قال ابن عباس «كانت إحداهما مليكة، والأخرى أم عفيف»، لفظ النسائي، ولم يقل أبو داود: «ولا أكل»، وقال فيه: عن ابن عباس في قصة «حمل»، فأدخله المزي في الأطراف في حديث «حمل» ولم يذكره في حديث ابن عباس؛ وليس بجيد.
وأما حديث جابر فرواه أبو يعلى في مسنده من رواية مجالد بن سعيد قال: «حدثني الشعبي عن جابر أن امرأتين من هذيل قتلت إحداهما الأخرى» (الحديث) وفيه: «فخاف عاقل القاتلة أن يُضَمِّنَهُم، قال: فقالوا يا رسول الله: لا شرب ولا أكل، ولا صاح فاستهل»، فقال رسول الله ﷺ : «أسجع الجاهلية؟» والحديث عند أبي داود وابن ماجه، وليس فيه ذكر السجع المذكور.
وأما حديث أسامة بن عمير - وهو والد أبي المليح - فرواه الطبراني بإسناد جيد من رواية أيوب قال: سمعت أبا المليح عن أبيه - وكان قد صحب رسول الله ﷺ - قال: «كانت فينا امرأتان ضربت إحداهما الأخرى» (الحديث) وفيه فقال رجل من أهل القاتلة: «كيف نعقل يا رسول الله من لا أكل ولا شرب
стр. 1354
ولا صاح فاستهل؟، فمثل ذلك يطل»، فقال رسول الله ﷺ : «أسجاعة أنت؟» (الحديث) وفي رواية له - أى للطبراني - من رواية سلمة بن تمام عن أبي المليح أن الذي قال السجع رجل يقال له عمران بن عويمر فقال رسول الله ﷺ : دَعْنِي من رَجَزِ الأعراب.
وأما حديث حمل بن مالك بن النابغة فرواه الطبراني من رواية مجاهد الهذلي أنه كان عنده امرأة فتزوج عليها أُخرى، فذكر الحديث وفيه: فجاء وليها فقال: «أندي من لا أكل ولا شرب ولا استهل؟، فمثل ذلك يطل». فقال: رَجَزُ الأعراب.
وأما حديث عويم الهذلي، فرواه الطبراني من رواية محمد بن سليمان بن مسمول عن عمرو بن تميم بن عويم، عن أبيه عن جده قال: «كانت أختى مليكة وامرأة منا يقال لها أم عفيف بنت مسروح تحت حمل بن النابغة، فضربت أم عفيف مليكة بمسطح بيتها وهي حامل فقتلتها، وذا بَطْنِها، فقضى رسول الله ﷺ فيها بالدية وفي جنينها بالغرة، عبدا وأمة، فقال أخوها العلاء بن مسروح: «يا رسول الله، أنغرم من لا أكل ولا شرب، ولا نطق ولا أستهل؟ فمثل ذلك يُطل»، فقال رسول الله ﷺ «أسجع كسجع الجاهلية؟»، ورواه ابن مندة في معرفة الصحابة، ومحمد بن سليمان بن مسمول، ضعيف، وعمرو بن تميم وأبوه لم أجد لهما ذكرًا في مظان وجودهما» (١).
وقد خرج هذا الحديث نفسه كل من الزيلعي وابن الملقن في كتابيهما السابق
стр. 1355
ذكرهما، وبمقارنة تخريجهما له بتخريج العراقي المذكور آنفا، نجد أن الزيلعي قد خرج الحديث من رواية ستة من الصحابة السبعة الذين خرج العراقي الحديث من روايتهم، وذكر بدلًا من رواية السابع وهو جابر بن عبد الله، رواية صحابي آخر اسمه بريدة (١)، أما ابن الملقن فخرج الحديث من رواية أربعة فقط من الصحابة الذين خرجه العراقي من روايتهم، وهم: أبو هريرة، والمغيرة بن شعبة، وجابر بن عبد الله، وأبو المليح أسامة بن عمير الهذلي (٢)، ثم إننا نجد المصادر التي خرج العراقي والزيلعي وابن الملقن روايات الحديث منها متفاوته في العدد، وفي النوع، فالعراقي كما سلف قد خرجه من تسعة مصادر، بينما خرجه الزيلعي من اثني عشر مصدرًا (٣)، وخرجه ابن الملقن من سبعة مصادر (٤).
ثم إن كلًا منهم انفرد بتخريج الحديث من بعض المصادر، فالزيلعي من مصادره الاثني عشر: سنن الدارقطني، ومسند أحمد، والبزار، وصحيح ابن حبان، ومستدرك الحاكم (٥)، بينما لم يخرج العراقي ولا ابن الملقن شيئا من روايات الحديث من تلك المصادر الخمسة، كذلك خرج العراقي بعض روايات الحديث من مسند أبي يعلى، ومعرفة الصحابة لابن مندة، بينما لم يرجع الزيلعي ولا ابن الملقن اليهما، وأيضًا خرّج ابن الملقن بعض روايات
стр. 1356
الحديث من مسند الشافعي، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم (١) ولكن العراقي والزيلعي لم يرجعا إليهما، ثم اننا نجد العراقي كما سلف قد بين أن رواية أبي المليح أسامة بن عمير، والتي أخرجها الطبراني من رواية أيوب قال: «سمعت أبا المليح عن أبيه» … إسنادها جيد، بينما لم يبين ابن الملقن ذلك (٢)، ونجد أيضا العكس، وهو أن ابن الملقن قرّر أن رواية جابر لهذا الحديث والتي أخرجها أبو داود وابن ماجه في سندها راو مختلف في توثيقه وتجريحه، ثم رد على من قال بصحتها، وبيان ذلك أنه بعد ذكر تلك الرواية من طريق مجالد عن الشعبي قال: (مجالد، ضعفوه)، وقال يحيى بن معين مرة: (صالح)، ووقع في أصل «الروضة» تصحيح هذا الحديث، وهذا لفظه: وفي الحديث الصحيح أنه ﷺ «قضى بدية المقتولة على عاقلة القاتلة وبرأ زوجها وولدها»
وعقب على ذلك بقوله: (وقد عرفت ما فيه (٣) - يعني وجود مجالد المختلف في توثيقه في سنده - وهذا ينافي القول بصحته). أما العراقي فقد خرج هذه الرواية كما مر من مسند أبي يعلى، وأبي داود، وابن ماجه، من طريق مجالد السابق ذكره، ولكن لم يتعرض لبيان حاله، ولا لبيان درجة الحديث. كذلك نجد أن العراقي قد خرج رواية عويم بن ساعدة الهذلي للحديث المذكور من معجم الطبراني بسند فيه محمد بن سليمان، وعمرو ابن تميم عن أبيه، ثم قرر أن محمد بن سليمان ضعيف، وأن عمرو بن تميم وأباه لم يجد لهما ذكرًا في مظان وجودهما من كتب الرجال، ومقتضى هذا أن يكون
стр. 1357
الحديث ضعيفًا من هذا الطريق باعتبار حال محمد بن سليمان؛ لكن الزيلعي اكتفى بتخريج الحديث من نفس المصدر، وبنفس السند، دون أن يتعرض لبيان درجتة ولا لبيان حال رجال إسناده. (١)
ونجد أيضًا أن العراقي قد خرج رواية ابن عباس للحديث من سنن أبي داود والنسائي، ثم استطرد إلى نقد المزي بالاستدراك على ما قرره في كتابه «تحفة الأشراف بمعرفة الأطراف» (٢)، فذكر أن أبا داود قال في روايته للحديث المذكور: «عن ابن عباس في قصة حمل بن مالك … » وأن المزي في «الأطراف» أدخل الحديث في مرويات حمل بن مالك، ولم يذكره في مرويات ابن عباس، وأن ذلك ليس بجيد، يعني لكون الحديث من رواية ابن عباس وليس من رواية «حَمَل» وإنما ذُكر في سياقه فقط (٣) لتعلق قصة الحديث به، لكن الزيلعي اكتفى بتخريج رواية ابن عباس هذه من مسند البزار، وصحيح ابن حبان، وسنن النسائي، وأبي داود، وابن ماجه، ولم يتعرض لنقد المزي الذي ذكره العراقي (٤)
وهكذا يظهر لنا بالمقارنة التفصيلية بين عمل العراقي وعمل معاصريه في تخريج الحديث الواحد، التفاوت بالزيادة والنقص في عدة جهات، بحيث يتميز جهده وتأليفه عن جهد غيره وتأليفه، ويستفاد من كل منهم ما لا يستفاد من الآخر.
стр. 1358
أثر الكتاب فيما بعده:
بينت فيما تقدم أن هذا «التخريج الكبير» رغم افتقاد نسخه حاليا، إلا أني وقفت على نصوص متعددة نُقِلَتْ منه، وتداولها حفاظ السنة وعلماؤها في مؤلفاتهم حتى الآن (١).
وقد اتضح لي من بحث تلك النقول عمومًا: أن الناقلين قد استكملوا بها في مؤلفاتهم جوانب عديدة، سواء فيما يتعلق بتخريج الأحاديث، أو بيان درجاتها، أو بيان أحوال أسانيدها، أو غير ذلك من بحوث وقواعد علوم السنة التي ضمنها العراقي هذا التخريج، كما اتضح لي أن هؤلاء الناقلين - كما مر - قد وافقوا العراقي على أكثر ما قرره من بحوث وآراء، وأوردوا الكثير منها في معرض الاحتجاج أو الترجيح، ويؤكد ذلك قول ابن خطيب الناصرية وغيره عن هذا التخريج: «وهو مصنف بديع، أَقَرَّ بفضله أهل الحفظ والإتقان، حتى لقد قرأ عليه - أي على العراقي - الحافظ عماد الدين ابن كثير - صاحب التصانيف الشهيرة - شيئًا منه (٢)، وقد قدمت في الباب الأول أن ابن كثير من شيوخ العراقي الشاميين، وأن قراءته هذه على العراقي كانت في رحلته الأولى إلى الشام (٣)، ثم إن الإمام تاج الدين ابن السبكي الذي كان مقيما بالشام أيضًا حين تأليف العراقي لهذا التخريج، قد أشار إليه في كتابه «طبقات الشافعية الكبرى» وتبع فيها العراقي في تخريجه لبعض أحاديث الإحياء كما
стр. 1359
قدمت، وتقدم أيضا أن أبا زرعة ابن العراقي قد قرأ معظم ما بيض من هذا التخريج على والده، كما أني وجدته قد نقل عنه في تكملته لكتاب والده المسمى «طرح التثريب» (١) كما سيأتي.
وكل هذا يدل بوضوح على أثر ما حواه هذا التخريج فيما بعده من مؤلفات التخريج، وغيرها من مؤلفات علوم السنة ومؤلفيها.
ب - التخريج المتوسط للإحياء.
إثبات نسبته إلى العراقي:
هذا هو ثاني كتاب ألفه العراقي في تخريج أحاديث كتاب «إحياء علوم الدين» ولكن كثيرا من مؤرخي العراقي، قديما، وحديثا، لا يذكرون هذا التخريج ضمن مؤلفاته (٢) بل إن تلميذه ابن حجر العسقلاني ذكره في إحدى تراجمه له (٣)، وأهمله في غيرها (٤)، إلا أن العراقي نفسه قد ذكره ضمن مؤلفاته فقال بعد ذكر «التخريج الكبير» المتقدم: ثم شرعت في تبييضه في مصنف
стр. 1360
متوسط حجمه (١)، وقد أقره على هذا غير واحد من تلاميذه وغيرهم (٢)، وبذلك تثبت نسبة هذا التخريج إلى العراقي.
زمن تأليفه، وما أنجزه العراقي منه:
بعد أن ذكر العراقي شروعه في تبييض «التخريج الكبير» سنة ٧٦٠ هـ قال: «ثم شرعت في تبييضه في مصنف متوسط حجمه» (٣)، وهذا يفيد أنه شرع في تأليف هذا «التخريج المتوسط» بعد الفراغ من تسويد «التخريج الكبير» ومن تبييض ما بيضه منه في سنة ٧٦٠ هـ، وقد أقر ذلك الحافظ ابن حجر وغيره (٤).
وقد قرر العراقي عدم إكماله لهذا التخريج، حيث قال بعد ذكر شروعه فيه «وأنا مع ذلك متباطئ في إكماله، غير متعرض لتركه وإهماله، إلى أن ظفرت بأكثر ما كنت لم أقف عليه، وتكرر السؤال من جماعة في إكماله فأجبت وبادرت إليه، ولكني اختصرته في غاية الاختصار، ليسهل تحصيله وحمله في الأسفار، فاقتصرت فيه على ذكر طرف الحديث … » (٥) فهذا يفيد أنه لما نشط لإكماله، بدا له أن يجعله في صورة أخرى مختصرة، وبناءً على ذلك ترك إكمال المتوسط، وشرع في عمل تخريج آخر مختصر وأكمله، غير
стр. 1361
أنه كما ترى لم يحدد لنا القدر الذي أنجزه من هذا «التخريج المتوسط»، وقد قرر ابن فهد أن العراقي كتب منه شيئًا يسيرا (١)، ويؤيد هذا إنصرافه عن إتمامه، إلى الشروع في التخريج المختصر، إذ لو كان أنجز من المتوسط قدرًا كبيرًا، لما هان عليه تركه بدون إتمام، والشروع في غيره.
لكن ابن حجر العسقلاني، بعد أن ذكر «التخريج الكبير» قال: إن العراقي قد بيضه في نحو نصفه (٢)، وهذا يفيد أنه أكمله؛ لأنه هو التالي في التأليف للتخريج الكبير. ويبدو أن الأقرب إلى الصواب ما قرره ابن فهد من أن العراقي كتب من هذا «التخريج المتوسط» قدرًا يسيرا فقط، لتوافق هذا مع ما قرره العراقي بنفسه كما بينت آنفًا.
تسمية الكتاب ومجمل منهج العراقي فيه:
ذكر ابن فهد تفصيلات عن هذا التخريج لم أجد من ذكرها غيره، وهي تفصيلات هامة في التعريف بهذا الكتاب، لأنه يعد حاليا في حكم المفقود كما سيأتي، وقد ذكر ابن فهد أن هذا التخريج مصنف متوسط، بين المطول والمختصر (٣)، ثم أجمل منهج العراقي فيه فقال: «إنه ذكر فيه أشهر أحاديث الباب» (٤)، ومعنى ذلك أنه لم يلتزم فيه بما التزم به في التخريجين الكبير والصغير، من تخريج كل أحاديث الباب، ثم ذكر ابن فهد أن العراقي سمى هذا التخريج «الكشف المبين عن تخريج إحياء علوم الدين» (٥)، ويبدو أن في هذا
стр. 1362
الإسم لفظاً ساقطاً من النساخ هو «أحاديث»، أو «أخبار»، بحيث يكون الإسم هكذا «الكشف المبين عن تخريج أحاديث، أو أخبار، إحياء علوم الدين».
ولما كان ابن فهد ممن عاصر العراقي، وتتلمذ له بالمراسلة، ولولده أبي زرعة بالسماع المباشر، فإن هذه التفصيلات تصلح للاعتماد عليها في تحديد اسم الكتاب، والتعرف على محتواه، ومجمل منهج العراقي فيه.
أثر الكتاب، رغم افتقاد نسخه:
لقد أطلت البحث في فهارس المكتبات المصرية والعالمية المتاحة، فلم أجد شيئاً من نسخ ما أنجزه العراقي من هذا التخريج، كما لم يوقفني البحث في بطون المراجع العديدة على أي نقول منه، وبذلك يعتبر هذا التخريج في حكم المفقود الآن، لكن هذا لا يعني انعدام أثره العلمي، فقد ذكر ابن فهد أن العراقي حدث تلاميذه ببعضه، وذلك بقراءة تلميذه الهيثمي عليه، وسماع غيره (١)، وهذا يدل على اعتناء العراقي بتدريسه ونشره، واعتناء تلاميذه بتلقيه عنه واستفادتهم بمحتواه العلمي، ولاسيما الحافظ الهيثمي الذي باشر القراءة منه بنفسه على العراقي.
ج - التخريج الصغير للإحياء.
زمن تأليفه، وهدف العراقي منه:
قرر العراقي وغيره من تلاميذه ومؤرخيه، أن هذا ثالث وآخر كتاب ألفه في تخريج أحاديث كتاب (إحياء علوم الدين) للغزالي، فكان تأليفه بعد تأليف التخريجين السابقين: الكبير، والمتوسط، وذلك بعد سنة ٧٦٠ هـ، وقد
стр. 1363
اختصره العراقي من «التخريج الكبير» الذي أتم مسودته، كما تقدم سنة ٧٥١ هـ (١)، مع إضافة تخريج ما وجده من الأحاديث التي لم يكن وقف لها على مصدر من قبل (٢)، ولم أجد عن العراقي ولا عن غيره تحديدا لتاريخ شروع العراقي في هذا التخريج، لكن بين العراقي بنفسه أنه أكمل تبييضه في يوم الأثنين ١٢ من شهر ربيع الأول سنة ٧٩٠ هـ. (٣)
ولما كان قد شرع في أول تخريج للإحياء، وهو «التخريج الكبير» سنة ٧٤٥ هـ كما تقدم، فإنه يكون قد شغل نفسه بالتخاريج الثلاثة للإحياء قرابة ٤٥ عاما، من سنة ٧٤٥ هـ إلى سنة ٧٩٠ هـ، وهي مدة أزيد من نصف عمر العراقي، ولما كان «التخريج الكبير» قد اتسعت مباحثه، وبلغ حجمه خمسة مجلدات كما تقدم، فإن العراقي أحس بمشقة استيعابه وصعوبة تداول نسخه على الطالبين، ولهذا صرح بأنه اختصره في هذا التخريج البالغ حجمه مجلدا واحدا، هادفا من ذلك إلى أمرين:
أولهما: تسهيل استيعابه وتحصيل مضمونه.
стр. 1364
وثانيهما: تسهيل اقتنائه وحمله، وخاصة في الاسفار (١)، وقد جعل عنوانه أيضًا معبرًا عن ذلك كما سيأتي.
تسمية العراقي للكتاب ونقدها:
عُني العراقي بتسمية هذا التخريج فقال في مقدمته:
وسميته «المغني عن حمل الأسفار في الأسفار، في تخريج ما في الإحياء من الأخبار» (٢) ويلاحظ أن في هذا الإسم جناسًا تاما في كلمة «الأسفار» المكررة فيه، فالأولى مقصود بها «الكتب الحديثية» والثانية مقصود بها الارتحال والانتقالات من مكان إلى آخر، كما يلاحظ أن العراقي جعل عنوان الكتاب معبرًا عن مضمونه وعن هدفه من تأليفه، حيث إن معنى الإسم المذكور، أن هذا التخريج رغم اختصاره، فإنه قد تكفل ببيان مصادر ودرجات أحاديث كتاب الإحياء، بحيث يغني من يحصل عليه، وخاصة المسافر، عن مشقة اصطحاب مئات من كتب السنة وعلومها، للوقوف منها على مخرج ودرجة أي حديث يحتاج إليه مما تضمنه كتاب الإحياء، وهذا مصداق ما قيل: «إن كل الصيد في جوف الفرا» ومن يرجع إلى هذا التخريج يجد من كثرة مصادره ما يطابق عنوانه، كما سنوضحه في بيان مصادر العراقي فيه بعون الله، إلا أن قوله: «في تخريج ما في الإحياء من الأخبار» لا يستقيم إلا على أنه من باب إطلاق الكل، وإرادة البعض، وذلك أن الغزالي في الإحياء قد أطلق «الخبر» على ما هو أعم مما التزم العراقي بتخريجه، فالغزالي يطلق «الخبر» على الأحاديث التي ينسبها صراحة إلى
стр. 1365
الرسول ﷺ وعلى الآثار التي يذكرها موقوفة على بعض الصحابة، وعلى الإسرائيليات، وغير ذلك من أنواع الأخبار التي تضمنها «الإحياء» كما أشرت إلى ذلك في مبحث «شرط العراقي في التخريج الكبير» وسيأتي كذلك توضيحات أخرى من العراقي نفسه لبيان ما أطلق عليه الغزالي اسم «الخبر» أو «الأخبار» وهو ليس حديثا مرفوعا، وبمقتضى تعميم الغزالي هكذا مفهوم «الخبر» فإن تعبير العراقي في تسميته لكتاب بقوله «في تخريج ما في الإحياء من الأخبار» قد أشعر القارئ لعنوان الكتاب، بأنه ضمنه تخريج كل ما أطلق عليه الغزالي اسم «الخبر»، بينما الواقع أن العراقي لم يخرج حتى كل الأحاديث المرفوعة الواردة في الإحياء؛ ولهذا فإنه اضطر إلى التنبيه في عدة مواضع خلال التخريج، على أنه اشترط فيما يتصدى لتخريجه ما يخصص عموم عنوان الكتاب، ويقصر التزامه فقط، على تخريج الأحاديث التي يصرح الغزالي برفعها، أو التي يشير إلى رفعها بعبارة صريحة، كما قدمت في بيان شرطه في «التخريج الكبير»، وكما سيأتي في بيان شرطه في هذا «التخريج الصغير»، وعليه، فإنه كان الأدق، والأنسب لما جرى عليه الغزالي في الكتاب المخرج، والمطابق أيضا لمضمون تخريج العراقي هذا، أن يعنونه مثلا بقوله: «المغني عن حمل الأسفار في الأسفار، في تخريج ما في الإحياء من مرفوع الأخبار» أو يعبر «بالحديث» بدل «الخبر» كأن يقال «مغني الأحياء، في تخريج أحاديث الإحياء»؛ لأني خلال قراءتي لكتاب «الإحياء» بأكمله، لم أجد الغزالي يطلق فيه «الحديث» على غير المرفوع إلى الرسول ﷺ إلا نادرا (١)، كما أن الذي خرجه العراقي من أنواع
стр. 1366
الأخبار غير المرفوعة، زيادة على شرطه الذي نبه عليه خلال الكتاب يعتبر قليلا، بحيث لا يخل بالتعبير بـ «الأحاديث» في عنوان الكتاب، في حين يحصل الخلل بذكر «الأخبار» هكذا مطلقة في العنوان، بسبب نقص مضمون الكتاب عن عنوانه، كما تقدم.
ومما يؤيد أولوية ذكر «الأحاديث» بدل «الأخبار» في العنوان، أن العراقي قد عبر به خلال الكتاب كله، حيث يقول في بداية أغلب ما يتصدى له: «حديث كذا .. »، ثم يذكر تخريجه له، أو بيان أنه لم يجده، أو لم يجد له أصلا، مطلقا أو مقيدا، سواء ذكر الغزالي ذلك باسم «الخبر» وهو الغالب، أو بغيره كما سيأتي في بيان شرطه في هذا الكتاب.
ومع أن العراقي قد نص على تسمية الكتاب في مقدمته، بالاسم المسجوع السابق ذكره، فإن الكتاب قد عُرف أيضًا بغير هذا الاسم، فأطلق عليه غير واحد من تلاميذ العراقي وغيرهم، اسم «التخريج المختصر» أو «التخريج الصغير» (١)، وهذان الاسمان باعتبار مقارنة الكتاب بالتخريجين السابقين، وهما: «الكبير»، و «المتوسط».
стр. 1367
ونظرًا لشهرة هذا الكتاب عن سابقيه، وانتشاره، منذ تأليفه، في بلاد العالم الإسلامي، شرقًا وغربًا، فإنه إذا أطلق «تخريج الإحياء» كان هو المقصود، غالبًا، كما ظهر لي ذلك من مقابلة كثير من نقول العلماء عنه، وإحالاتهم عليه.
أهم نسخ الكتاب الخطية في مكتبات العالم:
اتفق مؤرخو العراقي على أن هذا التخريج يقع في مجلد واحد لطيف، أو ضخم الحجم، بحسب تفاوت حجم الخط المكتوب به (١).
وذكر غير واحد أيضًا من تلاميذ العراقي وغيرهم، أن هذا التخريج بعد أن بيضه العراقي كتبت منه نسخ عديدة، واشتهرت في حياته، وتداولها الناس داخل مصر وخارجها، بحيث جعله ذلك يتباطأ عن إكمال تبييض «التخريج الكبير»، لما رأى انتشار نسخ هذا «التخريج الصغير»، والإقبال الشديد عليه، حتى سارت به الركبان إلى الأندلس وغيرها من البلدان (٢).
وقد وجدت مصداق ذلك فعلًا عندما قمت بتتبع نسخه الخطية الموجودة حاليًا في كثير من مكتبات العالم، وذلك كما يلي:
١ - في دار الكتب المصرية وقفت على ثلاث نسخ، أهمها نسخة تحت رقم
стр. 1368
/ ٧٩٢ حديث طلعت، وقد لقب العراقي في عنوانها بـ «ولي الدين» وهو لقب ابنه أحمد كما تقدم، فلعل هذا سهو أو خلط من كاتب عنوان النسخة، وهذا لا يغض من قيمتها، نظرا لتوثيق محتواها الداخلي كما سأوضحه، وهذه النسخة تقع ضمن مجموعة هي أولها، ويليها كتاب آخر في التخريج أيضًا، لقرين العراقي، ابن الملقن وفي نهايته أنه كتب في سلخ (أي أواخر) جمادى الأولى سنة ٧٩١ هـ، ولم يكتب بآخر نسخة الإحياء التي هي أول المجموعة تاريخ لنسخها، فلعل التاريخ المذكور هو تاريخ الفراغ من الكتابين المكونين للمجموعة، نظرًا لكون نسخة تخريج الإحياء هي أول المجموعة، وكتاب ابن الملقن الوارد بآخره تاريخ النسخ المذكور، هو آخرها، وخط الكتابين متشابه جدًا، وعليه تكون نسخة تخريج الإحياء هذه هامة لكونها مكتوبة سنة ٧٩١ هـ، أي في حياة العراقي، وفي السنة التالية لتبييضه للكتاب، كما أنها تعتبر أقدم ما وقفت عليه من نسخ الكتاب، ثم إنه قد كتب بأحد هوامشها ما نصه (بلغت مقابلة على نسخة معتمدة عليها خط المصنف) (١)، وفي موضعين آخرين من هوامشها كتب أيضًا: (أنها بلغت مقابلة على نسخة قرئت على المصنف وعليها خطه) (٢)، وذلك يُعتبر توثيقا جيدا تظهر منه صحة النسخة، وقد قمت بالتحقق العملي من ذلك، فقابلت نماذج عديدة منها، وخاصة في المواضع المشكلة - بنسخة أخرى بدار الكتب أيضًا، وعليها عدة توثيقات (٣) فوجدت تلك النسخة أكمل نصوصًا، وأصح من الأخرى، سواء
стр. 1369
في سياق الكلام، أو في بيان المصادر المخرج منها الحديث، أو في تحديد درجته، أو بيان علته، أو غير ذلك (١)، كما وجدتها أيضًا موافقة للنسخة التي اعتمد عليها الزبيدي في شرحه للإحياء (٢)، وهو مُحدّث، وخبير بالنسخ الخطية، وقلما وجدتها تشارك النسخة الأخرى في وجود نقص أو خلل (٣)، أو تقديم أو تأخير في ترتيب بعض الأحاديث عما في طبعات كتاب الإحياء التي بين أيدينا (٤)، وهذا مما يجعلني أوصي بالإعتماد على تلك النسخة لتكون أصلا، مع الاستعانة بغيرها من النسخ الموثقة، سواء في بحث الكتاب، أو في النقل عنه والإستفادة منه، أو تحقيق نصوصه وطبعه.
وتقع تلك النسخة في ١٨٩ ورقة، حسب إحصاء المفهرسين، وقد وجدتُ عدد سطور كل صفحة منها ٢٥ سطرًا، وخطها نسخ واضح، والكلمات المشكله الضبط، مضبوط غالبها بالحركات.
٢ - أما باقي نسخ الكتاب المنتشرة في مكتبات العالم شرقا وغربا، فلم يتح لي التعرف عليها إلا من خلال فهارس المكتبات الموجود بها النسخ، بالإضافة إلى بحوث ومؤلفات مؤرخي التراث من شرقيين ومستشرقين، وفي هذه الحدود أعرف بها على النحو التالي:
أ - نسخة بالمكتبة الظاهرية بدمشق تحت رقم/ ٣١٩ حديث، وهي نسخة
стр. 1370
جيدة عليها خط العراقي، وبذلك تكون موثقة ومكتوبة في حياته، وهي موجودة ضمن مجموعة وتقع في أولها من ورقة ١ - ١٨٠ (١).
ب - نسخة بمكتبة وقف آل يحيى، بجانب مدرسة البنات بتريم، حضرموت - اليمن، وهي أيضًا نسخة موثقة، لأنها منقوله عن نسخة العراقي نفسه، وذلك في سنة ٨٤٩ هـ (٢).
ج - توجد نسخ كثيرة بمكتبات تركيا، وقد وقفت على ذكر ١٢ نسخة منها بفهارس عدة مكتبات باستانبول وحدها (٣).
د - وفي فهرس مخطوطات الموصل بالعراق، ذكرت ضمن مخطوطات جامع الباشا نسخة تحت رقم/ ١٠٠ بعنوان «تخريج أحاديث الإحياء» دون ذكر اسم المؤلف. (٤) فلعلها نسخة من هذا التخريج، نظرًا لما قدمته من أنه إذا أطلق تخريج أحاديث الإحياء، يكون المقصود هو هذا التخريج الصغير.