← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 30167

الحافظ العراقي وأثره في السنة

أحمد بن معبد عبد الكريم

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

الأخبار غير المرفوعة، زيادة على شرطه الذي نبه عليه خلال الكتاب يعتبر قليلا، بحيث لا يخل بالتعبير بـ «الأحاديث» في عنوان الكتاب، في حين يحصل الخلل بذكر «الأخبار» هكذا مطلقة في العنوان، بسبب نقص مضمون الكتاب عن عنوانه، كما تقدم. ومما يؤيد أولوية ذكر «الأحاديث» بدل «الأخبار» في العنوان، أن العراقي قد عبر به خلال الكتاب كله، حيث يقول في بداية أغلب ما يتصدى له: «حديث كذا .. »، ثم يذكر تخريجه له، أو بيان أنه لم يجده، أو لم يجد له أصلا، مطلقا أو مقيدا، سواء ذكر الغزالي ذلك باسم «الخبر» وهو الغالب، أو بغيره كما سيأتي في بيان شرطه في هذا الكتاب. ومع أن العراقي قد نص على تسمية الكتاب في مقدمته، بالاسم المسجوع السابق ذكره، فإن الكتاب قد عُرف أيضًا بغير هذا الاسم، فأطلق عليه غير واحد من تلاميذ العراقي وغيرهم، اسم «التخريج المختصر» أو «التخريج الصغير» (١)، وهذان الاسمان باعتبار مقارنة الكتاب بالتخريجين السابقين، وهما: «الكبير»، و «المتوسط».

стр. 1367

ونظرًا لشهرة هذا الكتاب عن سابقيه، وانتشاره، منذ تأليفه، في بلاد العالم الإسلامي، شرقًا وغربًا، فإنه إذا أطلق «تخريج الإحياء» كان هو المقصود، غالبًا، كما ظهر لي ذلك من مقابلة كثير من نقول العلماء عنه، وإحالاتهم عليه. أهم نسخ الكتاب الخطية في مكتبات العالم: اتفق مؤرخو العراقي على أن هذا التخريج يقع في مجلد واحد لطيف، أو ضخم الحجم، بحسب تفاوت حجم الخط المكتوب به (١). وذكر غير واحد أيضًا من تلاميذ العراقي وغيرهم، أن هذا التخريج بعد أن بيضه العراقي كتبت منه نسخ عديدة، واشتهرت في حياته، وتداولها الناس داخل مصر وخارجها، بحيث جعله ذلك يتباطأ عن إكمال تبييض «التخريج الكبير»، لما رأى انتشار نسخ هذا «التخريج الصغير»، والإقبال الشديد عليه، حتى سارت به الركبان إلى الأندلس وغيرها من البلدان (٢). وقد وجدت مصداق ذلك فعلًا عندما قمت بتتبع نسخه الخطية الموجودة حاليًا في كثير من مكتبات العالم، وذلك كما يلي: ١ - في دار الكتب المصرية وقفت على ثلاث نسخ، أهمها نسخة تحت رقم

стр. 1368

/ ٧٩٢ حديث طلعت، وقد لقب العراقي في عنوانها بـ «ولي الدين» وهو لقب ابنه أحمد كما تقدم، فلعل هذا سهو أو خلط من كاتب عنوان النسخة، وهذا لا يغض من قيمتها، نظرا لتوثيق محتواها الداخلي كما سأوضحه، وهذه النسخة تقع ضمن مجموعة هي أولها، ويليها كتاب آخر في التخريج أيضًا، لقرين العراقي، ابن الملقن وفي نهايته أنه كتب في سلخ (أي أواخر) جمادى الأولى سنة ٧٩١ هـ، ولم يكتب بآخر نسخة الإحياء التي هي أول المجموعة تاريخ لنسخها، فلعل التاريخ المذكور هو تاريخ الفراغ من الكتابين المكونين للمجموعة، نظرًا لكون نسخة تخريج الإحياء هي أول المجموعة، وكتاب ابن الملقن الوارد بآخره تاريخ النسخ المذكور، هو آخرها، وخط الكتابين متشابه جدًا، وعليه تكون نسخة تخريج الإحياء هذه هامة لكونها مكتوبة سنة ٧٩١ هـ، أي في حياة العراقي، وفي السنة التالية لتبييضه للكتاب، كما أنها تعتبر أقدم ما وقفت عليه من نسخ الكتاب، ثم إنه قد كتب بأحد هوامشها ما نصه (بلغت مقابلة على نسخة معتمدة عليها خط المصنف) (١)، وفي موضعين آخرين من هوامشها كتب أيضًا: (أنها بلغت مقابلة على نسخة قرئت على المصنف وعليها خطه) (٢)، وذلك يُعتبر توثيقا جيدا تظهر منه صحة النسخة، وقد قمت بالتحقق العملي من ذلك، فقابلت نماذج عديدة منها، وخاصة في المواضع المشكلة - بنسخة أخرى بدار الكتب أيضًا، وعليها عدة توثيقات (٣) فوجدت تلك النسخة أكمل نصوصًا، وأصح من الأخرى، سواء

стр. 1369

في سياق الكلام، أو في بيان المصادر المخرج منها الحديث، أو في تحديد درجته، أو بيان علته، أو غير ذلك (١)، كما وجدتها أيضًا موافقة للنسخة التي اعتمد عليها الزبيدي في شرحه للإحياء (٢)، وهو مُحدّث، وخبير بالنسخ الخطية، وقلما وجدتها تشارك النسخة الأخرى في وجود نقص أو خلل (٣)، أو تقديم أو تأخير في ترتيب بعض الأحاديث عما في طبعات كتاب الإحياء التي بين أيدينا (٤)، وهذا مما يجعلني أوصي بالإعتماد على تلك النسخة لتكون أصلا، مع الاستعانة بغيرها من النسخ الموثقة، سواء في بحث الكتاب، أو في النقل عنه والإستفادة منه، أو تحقيق نصوصه وطبعه. وتقع تلك النسخة في ١٨٩ ورقة، حسب إحصاء المفهرسين، وقد وجدتُ عدد سطور كل صفحة منها ٢٥ سطرًا، وخطها نسخ واضح، والكلمات المشكله الضبط، مضبوط غالبها بالحركات. ٢ - أما باقي نسخ الكتاب المنتشرة في مكتبات العالم شرقا وغربا، فلم يتح لي التعرف عليها إلا من خلال فهارس المكتبات الموجود بها النسخ، بالإضافة إلى بحوث ومؤلفات مؤرخي التراث من شرقيين ومستشرقين، وفي هذه الحدود أعرف بها على النحو التالي: أ - نسخة بالمكتبة الظاهرية بدمشق تحت رقم/ ٣١٩ حديث، وهي نسخة

стр. 1370

جيدة عليها خط العراقي، وبذلك تكون موثقة ومكتوبة في حياته، وهي موجودة ضمن مجموعة وتقع في أولها من ورقة ١ - ١٨٠ (١). ب - نسخة بمكتبة وقف آل يحيى، بجانب مدرسة البنات بتريم، حضرموت - اليمن، وهي أيضًا نسخة موثقة، لأنها منقوله عن نسخة العراقي نفسه، وذلك في سنة ٨٤٩ هـ (٢). ج - توجد نسخ كثيرة بمكتبات تركيا، وقد وقفت على ذكر ١٢ نسخة منها بفهارس عدة مكتبات باستانبول وحدها (٣). د - وفي فهرس مخطوطات الموصل بالعراق، ذكرت ضمن مخطوطات جامع الباشا نسخة تحت رقم/ ١٠٠ بعنوان «تخريج أحاديث الإحياء» دون ذكر اسم المؤلف. (٤) فلعلها نسخة من هذا التخريج، نظرًا لما قدمته من أنه إذا أطلق تخريج أحاديث الإحياء، يكون المقصود هو هذا التخريج الصغير.

стр. 1371

هـ - نسخة بالمكتبة الأصفيه بالهند تحت رقم/ ٦٧٤ (١) و - نسخة بمكتبة دير الإسكوريال بأسبانيا تحت رقم/ ١٤٦٦ (٢) النتيجة: وهكذا انتشرت فعلا النسخ الخطية لهذا الكتاب في أرجاء العالم، من الهند شرقا، حتى الأندلس غربا، ويستطيع الباحث على أساس ما قدمت أن يحصل على عدد وفير من تلك النسخ، بحيث يمكنه من الوصول إلى نص موثق لهذا التخريج، أقرب ما يكون إلى الصحة والكمال. طبعات الكتاب، تعريف وتقويم ونقد: يعتبر هذا الكتاب أول ما طبع من مؤلفات العراقي عموما - حسب علمي وبحثي بأقصى ما أمكنني -، وقد تعددت طبعاته، مُسْهِمَةً في توسيع دائرة انتشاره، وإفادته، لخروجه من حيّر المخطوطات إلى رحاب المطبوعات، منذ قرابة قرن من الزمن، لكنها جميعًا طبعات غير مستقلة بذاتها، بل منها ما هو متضمن في غيره، ومنها ما هو بمصاحبة الكتاب المخرج، وهو كتاب «إحياء علوم الدين» (٣). ١ - فأما المتضمنة في غيرها فهي طبعة ضمن كتاب «شرح الإحياء» السابق

стр. 1372

ذكره للإمام الزبيدي، فقد قال في مقدمته: «ومن الكتب التي أعتمد في تخريج أحاديث الكتاب عليها «المغني عن حمل الأسفار»، للحافظ العراقي/ في مجلد، فأذكر كلامه عقيب الحديث» (١) وبمراجعتي لعدة مجلدات من هذا الشرح، وجدته فعلا ينقل كلام العراقي بنصه غالبا، وبهذا يكون الشرح المذكور قد تضمن كتاب «المغني عن حمل الأسفار»، بأكمله. وقد وقفت على ثلاث طبعات متتالية لهذا الشرح المشتمل على كتاب التخريج المذكور، وأقدم تلك الطبعات، طبعة مدينة فاس ببلاد المغرب سنة ١٣٠٤ هـ، وهي تقع في ١٣ مجلدا، ومنها نسخ بدار الكتب المصرية (٢). * أما الطبعة الثانية: فكانت في المطبعة الميمنية بمصر سنة ١٣٢٣ هـ وتقع في عشرة مجلدات كبار، وهي التي اعتمدت عليها في بحثي هذا. * ثم طبع الشرح مؤخرًا في بيروت طبعة مصورة عن الطبعة السابقة، ولم يثبت عليها تاريخ الطبع. ٢ - وأما طبع الكتاب بمصاحبة «الإحياء» فقد طبع أيضًا عدة طبعات وفي جميعها طبع كتاب الإحياء بأعلا الصفحة، والتخريج بهامشها الأسفل، موزعًا ومرتبا حسب موقع الأحاديث في الإحياء أعلاه، مع ذكر رقم مسلسل للحديث في كل صفحة من الإحياء على حدة، وذكر نفس الرقم بهامشها ثم كتابة التخريج بجانبه، وهكذا … ، مع عدم ترقيم ما لم يُخرجه العراقي، وما تكرر، ولم يُعد العراقي الكلام عليه، أو التنبيه على أنه تقدم، أو سيأتي بعد.

стр. 1373

ويعتبر قرن كتاب المغني هذا، بكتاب الإحياء في الطبع على النحو المذكور عملاً علميًا مشكورًا، حيث تتحقق به الفائدة المقصودة من كتاب التخريج في وقت ومكان الإطلاع على الكتاب المخرج، وهو «الإحياء»، وبذلك يتوفر على القارئ والباحث، الجهد، والوقت، وتتضاعف الفائدة، بمعرفة مصدر ودرجة الحديث المستدل به على مشتملات كتاب «الإحياء» العديدة. على أنه من الممكن طبع كتاب المغني وحده، والإستفادة به كبقية كتب التخريج التي طبعت مستقلة عن الكتب التي ألفت في تخريج أحاديثها «كنصب الراية في تخريج أحاديث الهداية» للزيلعي، رفيق العراقي و «كالدراية في تخريج أحاديث الهداية» أيضًا للحافظ ابن حجر، تلميذ العراقي وقد أشرت لصدور طبعة له هكذا مؤخرًا. أما أقدم طبعة وقفت عليها لتخريج العراقي هذا مع كتاب «الإحياء» على الصورة التي وَصَفْتُ فهي طبعة المطبعة العثمانية المصرية بالقاهرة، على نفقة عثمان خليفة ﵀، وقد ابتدأ فيها في ربيع الأول سنة ١٣٥٢ هـ الموافق يونيه سنة ١٩٣٣ م، وفرغ منها في أوائل ذي القعدة من نفس السنة، وهي تقع في ٤ أجزاء متوسطة، حسب تجزئة الإحياء في هذه الطبعة، وفي مقدمة الطبعة ذكر مصححها الشيخ محمد محمد الفضالي ﵀ أحد علماء الأزهر الشريف، أنه قد اعتمد في طبع التخريج على نسختين خطيتين لا شك في ضبطهما ولا مين، إلا أنه لم يذكر أية بيانات أخرى عنهما، وهذا مخالف لقواعد تحقيق الكتب ونشرها، حيث تقضي بضرورة تعريف النسخ المعتمد عليها تعريفا كافيًا، بوصفها، وبيان مدى توثيقها، وتحديد مكان وجودها، ورقمها في مكان حفظها إن وجد، وذلك حتى

стр. 1374

يستطيع الباحث تقدير مدى صحة الطبعة، والتعويل عليها، والرجوع إلى النسخ المعتمد عليها لأي داع يعن له (١). ولقد قمت من جانبي بالبحث والمقارنة بين نسخ ذلك التخريج الخطية بدار الكتب المصرية، وبين تلك الطبعة، فوجدتها مأخوذة عن نسختين: أولاهما: تحت رقم/ ١٢٨٢ حديث. وثانيتهما: تحت رقم/ ١٢٥٥ حديث، وذلك لعدة دلائل: - منها: وجود ترقيم للصفحات وعلامات مراجعة بالهوامش، وكلاهما بقلم واحد وخط وحد في النسختين (٢)، كما يوجد بهوامش النسختين وبنفس الخط، بيان تقسيمهما حسب أجزاء «الإحياء» في تلك الطبعة (٣). - وأيضًا التعليقات على التخريج بهذه الطبعة، والمنسوبة لهامش الأصل المعوّل عليه في الطبع، موجودة بنصها بهامش النسخة الأولى من هاتين النسختين، (٤) بل إن عددًا من التعليقات غير المعزوة لمصدر في هذه الطبعة موجودة نصا بهامش تلك النسخة أيضًا (٥)، وبذلك يثبت أن النسختين المذكورتين هما اللتان اعتمد عليهما في تلك الطبعة.

стр. 1375

ورغم أن النسخة الأولى منهما قد أثبت بهوامشها أنها قوبلت بغيرها، فإن فحصي التفصيلي لكلا النسختين، أظهر لي عدم صلاحيتهما لتكون أي منهما أصلا معتمدا لتحقيق نصوص هذا التخريج، وذلك لأمور منها: - أنهما نسختان محدثتان جدا، فالأولى منسوخة سنة ١١٨٨ هـ والثانية منسوخة سنة ١٣٠٧ هـ، وليس عليها توثيقات. - كما إنه يوجد بكلتا النسختين سقط في عدة مواضع، ومنه في النسخة الأولى مازاد على سطرين (١)، وفي النسخة الثانية ما بلغ تخريج حديث بأكمله (٢)، ولم يعالج المحقق في تلك الطبعة كثيرا من هذا السقط (٣)، كذلك يوجد بالنسخة الثانية كلمات وعبارات ترك الناسخ مكانها بياضا، حتى في مقدمة الكتاب. وعلى ذلك يكون قول المحقق: إن هاتين النسختين المعتمد عليهما لاشك في ضبطهما ولا مين، قول عري عن الصواب، لمخالفته لواقع النسختين، ثم إن هذه الطبعة قد اشتملت على أخطاء مطبعية متعددة، ولم يقم المحقق بالتنبيه على صوابها (٤)، وبالتالي تكون تلك الطبعة عموما، غير كافية في الحصول على نص للتخريج أقرب إلى الصحة والكمال، ولذا ينبغي على من يريد

стр. 1376

الإستفادة بهذا التخريج على الوجه اللائق أن يرجع بجانب تلك الطبعة إلى نسخة خطية، تكون أصح من النسختين المعتمد عليهما فيها، مثل بعض النسخ التي قدمت التعريف بها. * ثم وقفت على طبعة أخرى لهذا التخريج بهامش الإحياء مثل الطبعة السابقة، وذلك في طبعة الإحياء التي قامت بها بالقاهرة - لجنة نشر الثقافة الإسلامية خلال سنتي ١٣٥٦ هـ، ١٣٥٧ هـ، وهي تقع في ١٦ جزءًا حسب تقسيم الإحياء في تلك الطبعة، ولم تذكر اللجنة في تقديمها لتلك الطبعة بيان الأصل الذي اعتمدت عليه في طبع التخريج، فقمت من جانبي بفحص ومقابلة نماذج عديدة منها، وتبين لي أن اللجنة قد اعتمدت كلية في تلك الطبعة على الطبعة العثمانية السابقة، لدرجة أن الأخطاء المطبعية التي في العثمانية موجودة كما هي في هذه الطبعة (١)، وعليه فإن ما قررته بشأن الطبعة العثمانية ينسحب عليها. * وقد وقفت على طبعة ثالثة لهذا التخريج بهامش كتاب الإحياء أيضًا كسابقتيها، وقد قام بهذه الطبعة شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي بالقاهرة، وأشرف على تصحيحها الشيخ احمد سعد علي، من علماء الأزهر الشريف، وتمت طباعتها يوم الإثنين ١١ شعبان سنة ١٣٥٨ هـ؛ وفي مقدمة هذه الطبعة جاء تحت عنوان «إفهام حقيقة» بعض الأخطاء العلمية والمغالطات، ومنها: «أن المسئولين عن هذه الطبعة قد استحضروا أصح النسخ للإعتماد

стр. 1377

عليها، مع الرجوع أيضًا إلى شرح الإحياء المتقدم ذكره، للزبيدي (١)، ولقد رجعت إلى هذه الطبعة، وقرأت فيها كتابي التخريج والإحياء معا من أولهما إلى آخرهما، وهي التي اعتمدت عليها في هذا البحث، لكن مع الاستعانة بنسخة دار الكتب الموثقة السابق التعريف بها، وبشرح الإحياء، وقد قابلت نماذج عديدة من التخريج في هذه الطبعة، بما في الطبعة العثمانية السابقة، فتبين لي تطابق الطبعتين تمامًا، سواء في نص التخريج، أو في التعليقات التي عليه، بما فيها التعليقات المعزوة إلى شرح الإحياء، بل تطابقت الطبعتان في بعض الأخطاء المطبعية (٢)، وبذلك تكون هذه الطبعة مأخوذة عن الطبعة العثمانية، وفي درجتها، مع وجود بعض أخطاء مطبعية فيها ليست في العثمانية» (٣). وعليه فإن ما ذكر في مقدمتها من أنه قد اعتمد فيها على أصح نسخ التخريج، وعلى شرح الإحياء، يعتبر افتراء ومغالطة، وأنبه لذلك كل قاريء لهذه الطبعة، كما أنه قد جاء في مقدمتها أيضًا: أن العراقي قد يشير إلى من ينسب إليهم الحديث من المخرجين بطريق الرمز بالحروف مثل «خ» للبخاري و «م» لمسلم (٤). وفي تقديري أن هذا أيضًا افتراء على العراقي، بدليل أن

стр. 1378

نسخة هذا التخريج الموجودة بدار الكتب المصرية تحت رقم/ ٧٩٢/ حديث طلعت والمقابلة على نسخة مقروءة على العراقي، وعليها خطه كما تقدم، لم أجد بها شيئًا من هذه الرموز، بل وجدتُ كلا من أسماء المخرجين، وأسماء مصنفاتهم المخرج منها الحديث، مذكورة بدل الرموز (١). نعم وجدت هذه الرموز في النسختين الخطيتين المعتمد عليهما في الطبعة العثمانية، وهما - كما بينت - غير صالحتين للاعتماد عليهما لتكون أي منهما أصلا، فذكر هذه الرموز فيهما لا يقطع بنسبتها إلى العراقي، بل يبدو لي أنها من عمل النساخ، تخفيفا على أنفسهم، وانتقلت تلك الرموز من هاتين النسختين إلى الطبعة العثمانية، وما تلاهما حتى الآن، ويدل لذلك: أن بعض هذه الرموز مذكور على خلاف اصطلاح المحدثين، مثل ذكر حرف «الدال» عدة مرات، رمزا للإمام أحمد (٢)، بينما هي عند المحدثين رمز لأبي داود (٣)، فلو كان العراقي هو الذي استعمل هذه الرموز، لجري فيها على اصطلاح المحدثين، وبذلك تكون نسبتها إلى العراقي غير صحيحة، فليتنبه لهذا أيضًا كل قاريء لهذه الطبعة. ثم إني قد اطلعت على عدة طبعات أخرى لهذا التخريج بهامش كتاب الإحياء أيضًا، وبعضها مؤرخ بتواريخ متأخرة عن الطبعات السابقة (٤)،

стр. 1379

وبعضها بدون تاريخ، ولكني وجدتُ الكل مأخوذا عن الطبعات التي قدمت التعريف بها، بدليل الإتفاق معها حتى في بعض الأخطاء المطبعية. (١) نتيجة واقتراح: وعلى ضوء ما قدمت يظهر لنا أنه ما عدا الطبعة المتضمنة في شرح الإحياء من هذا التخريج، فإن باقي الطبعات حتى الآن، ترجع إلى نسختين خطيتين، وهما غير صالحتين للإعتماد عليهما لتكون أي منهما أصلا في تحقيق نصوص الكتاب، حيث توجد عدة نسخ أصح وأكمل منهما، ولذا فإن الكتاب ما زال إلى الآن بحاجة إلى إعادة طبعه، طبعة محققة تحقيقا علميا بواسطة مختص بعلوم السنة معتمدًا في ذلك على أكبر عدد ممكن من نسخ الكتاب الصحيحة الموثقة، كما قدمت التعريف ببعضها، كما أني أقترح أن تنشط عزيمة المحقق لعمل عدة فهارس فنية تيسر الاستفادة بمشتملات الكتاب، وفي طليعتها فهرس عام للأحاديث المخرجة في الكتاب مرتبة على حروف المعجم ومحالة على موضوع الحديث بالكتاب والباب، حتى يستفاد منه في الجملة على أي طبعة، مع ذكر إحالة أخرى مثل رقم الحديث في الطبعة أو الجزء والصفحة؛ لسهولة الرجوع إلى أي حديث يحتاج إليه من طريق قريب وبالله التوفيق

стр. 1380

منهج العراقي في هذا التخريج «تحليل ومقارنة ونقد» عني العراقي في مقدمة هذا التخريج، وخلاله، ببيان العناصر الأساسية لمنهجه في تأليفه، ولذا كانت مهمتي أن أتتبع الكتاب جميعه وأبين على أساس هذا التتبع العناصر التفصيلية لمنهج العراقي، ومدى التزامه ووفائه بها، وقد وفقني الله تعالى للقيام بهذا التتبع للكتاب بأكمله، واتضح لي من ذلك أن العراقي قد وفى بعناصر منهجه، والتزم بها، لكن في الغالب فقط وليس وفاء والتزاما كاملين، وإليك تفصيل ذلك: مصادره في التخريج وموقفه منها، وطريقة تخريجه منها، وعزوه إليها، مع النقد والمقارنة: عندما قرأت تخريج العراقي هذا بأكمله، هالتني تلك الكثرة الكاثرة من المصادر التي وجدته معتمدا عليها فيه، حيث إنها تعد بالمئات، ومن بينها كتاب الإحياء نفسه (١) ولعل تلك الكثرة الهائلة هي التي جعلت العراقي لا يسرد تلك المصادر جملة في مقدمة أو خاتمة هذا التخريج، مكتفيا بالعزو إلى كل منها في موضعه، أما قرينه ابن الملقن فلم يكتف بذلك، بل قام في «مقدمة تخريجه للشرح الكبير» للرافعي بسرد إجمالي للمصادر التي رجع إليها (٢)، وعلل ذلك بفائدتين: إحداهما: أن الناظر في كتابه قد يشكل عليه شيء مما ذكره عن الأئمة

стр. 1381

فيراجعه في مؤلفاتهم. وثانيتهما: أن يعرف مقدار كتابه، وما بذل فيه من جهد الطاقة والوسع (١). وقد وجدت مصادر العراقي تشمل في تنوعها مختلف أنواع المؤلفات في علوم السنة، متنا وسندا، فمنها الكتب المؤلفة على الأبواب، كالكتب الستة (٢) و «الموضوعات الكبرى» لابن الجوزي (٣) و «نوادر الأصول» للحكيم الترمذي. (٤) ومنها الكتب المؤلفة في باب واحد: «كالدعاء» للطبراني (٥) و «فضل العلم» لأبي بكر الآجري (٦) و «ذكر الموت» لإبراهيم الحربي ٤/ ٣٠٦. ومنها كتب المسانيد: كمسانيد أحمد (٧) والبزار وأبي يعلى الموصلي (٨). ومنها كتب العلل، و «كالعلل» للدارقطني (٩) و «والعلل المتناهية» لابن الجوزي (١٠). ومنها كتب الرجال: كمعاجم الطبراني الثلاثة: الكبير، والأوسط،

стр. 1382

والصغير (١)، «ومعجم الصحابة» للبغوي (٢)، «والتاريخ الكبير» للبخاري (٣)، و (الحلية) لأبي نعيم (٤)، و «الضعفاء» للعقيلي (٥)، ولابن حبان (٦)، و «الكامل» لابن عدي (٧)، و (الاستيعاب) لابن عبد البر (٨)، و (طبقات الأصبهانيين) (٩) و (طبقات المحدثين) (١٠) كلاهما لأبي الشيخ بن حيان، و (تاريخ الغرباء) لابن يونس (١١). * ومنها كتب السيرة عموما (١٢)، وخصوصا (كدلائل النبوة) للبيهقي (١٣)، و (الشمائل المحمدية) للترمذي (١٤)، و (المغازي) لموسى بن عقبة (١٥).

стр. 1383

ومنها كتب شرح السنة: «كعارضة الأحوذي شرح جامع الترمذي» لأبي بكر بن العربي (١). ومنها كتب شرح غريب الحديث عمومًا (٢)، أو خصوصًا: كغريب الحديث لأبي عبيد (٣)، ولابن الأثير (٤). ومنها كتب التفسير للقرآن بالمأثور: «كتفاسير ابن مردويه» (٥) والثعلبي، وابن أبي حاتم (٦). ومنها كتب أطراف الحديث: «كأطراف الكتب الستة» للمزي (٧). ومنها كتب الأمالي الحديثية: «كأمالي ابن شاهين» (٨). ومنها كتب الأربعينات والأجزاء، والرسائل الحديثية، «كالأربعين حديثًا في التصوف» لأبي عبد الرحمن السلمي (٩) و «كجزء من حديث عبد الله ابن الشخير» (١٠) والأجزاء «الخلعيات» لأبي الحسن الخلعي (١١) و «كالرسالة

стр. 1384

الأشعرية» للبيهقي (١). * ومنها كتب التاريخ التي تذكر الأخبار بسندها: «كتاريخ نيسابور» للحاكم (٢) و «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي (٣). وقد شمل هذا التنوع أيضًا المصادر الحديثية منذ أوائل المؤلفات «كمغازي موسى بن عقبة» السابق ذكرها، و «كموطأ» الإمام مالك (٤)، حتى مؤلفات المعاصرين للعراقي، «كميزان الإعتدال في نقد الرجال» للذهبي (٥) و «تهذيب الكمال» للحافظ المزي (٦). ولهذا فإن كثيرًا من مصادر العراقي في هذا التخريج تعد حاليا في حكم المفقود، أو مما ندرت نسخه الخطية، على مستوى المكتبات العالمية، وذلك مثل كتاب «السيرة النبوية» لمحمد بن إسحاق (٧) والمغازي الموسى بن عقبة (٨) و «السنن الكبرى» للنسائي (٩) و «مسند العدني» (١٠) و «مسند

стр. 1385

الشاميين» للطبراني (١) و (المستجاد) للدارقطني (٢) و «مكايد الشيطان» لابن أبي الدنيا (٣) و (تعظيم قدر الصلاة) لمحمد بن نصر المروزي (٤) و «معجم الصحابة» لابن قانع (٥) و «الآداب» لأبي العباس الدغولي (٦) و «الضعفاء» لأبي الفتح الأزدي (٧)، و (عوالي مشايخ مصر) لابن عدي (٨)، و «كتاب الطاعة والمعصية» لعلي بن معبد (٩)، وغير ذلك مما يطول سرده، وبهذا حفظ لنا تخريج العراقي ذلك، كثيرًا من نصوص تراث السنة التي تبددت، أو عزت مصادرها الأصلية، خاصة وأن العراقي كان يرجع إلى المصادر، ويستمد منها مباشرة، بدليل عنايته ببيان اختلاف ألفاظ الروايات التي يخرجها، زيادة ونقصا ونصه على أن هذا لفظ رواية فلان، وغير ذلك مما ستأتي أمثلته، وأيضًا فقد صرّح العراقي مرارًا باطلاعه الشخصي على المصدر المخرج منه كما في تخريجه لحديث عائشة في موت رسول الله ﷺ فقد عزاه إلى (المعجم الكبير) للطبراني ثم قال: «وهو حديث طويل في ورقتين كبار» (١٠)، وفي تخريج حديث سبب نزول قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ

стр. 1386

﴿يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْهُ﴾ (١) عزاه العراقي إلى «مستدرك الحاكم» من حديث طاوس، ثم قال: «هكذا في نسختي من «المستدرك»، ولعله سقط منه ابن عباس، أو أبو هريرة» (٢)، وستأتي بعض أمثلة أخرى أيضًا، ومن المصادر ما صرح بروايته لها بسنده (٣)، ثم إني وجدت من دقة العراقي وجهده في الرجوع إلى المصادر، أنه قد يرجع عند الحاجة لأكثر من نسخة، أو رواية للكتاب الواحد (٤)، ثم إنه لم يكن مجرد ناقل لما يجده بالمصادر التي يرجع إليها، بل إنه يقف من تلك المصادر موقف الحافظ الناقد الخبير، فمن تلك المصادر ما بين اصطلاح مؤلفها فيها، مثلما في تخريجه لحديث «نور الحكمة الجوع» حيث قال: «ذكره أبو منصور الديلمي في «مسند الفردوس» من حديث أبي هريرة، وكتب عليه أنه مسند، وهذه علامة ما رواه بإسناده» (٥)، فبين لنا بذلك أن الديلمي اصطلح في كتابه المذكور على أن ما رواه فيه بإسناده كتب عليه أنه مسند، بدلا من ذكر السند الذي رواه به، لكني وقفت على بعض أجزاء مخطوطة من نسخة «مسند الفردوس» فلم أجدها كذلك. ومن المصادر ما صحح العراقي من أخطائها، كما في تخريج حديث سنان بن سعد قال: «حيكت لرسول الله ﷺ جبة من صوف أنمار» فقد قال العراقي: «ويقع في كثير من نسخ الإحياء (سيار بن سعد)، يعني بدل «سنان بن سعد»

стр. 1387

وهو غلط (١)، ومن المصادر ما قام بتأصيل محتواه وتمحيصه، كما في تخريج حديث النهي عن صلاة الحاذق (٢)، حيث قال: عزاه رزين (٣) إلى الترمذي، ولم أجده عنده (٤)، وفي تخريج حديث (سادات المؤمنين في الجنة من إذا تغدى لم يجد عشاء) الحديث: قال العراقي: عزاه صاحب «مسند الفردوس» للطبراني من رواية أبي حازم عن أبي هريرة مختصرا بلفظ: «سادة الفقراء في الجنة» الحديث، ولم أره في (معاجم الطبراني) (٥) ومن المصادر ما رجح العراقي بعضها على بعض، كما في تخريج حديث (اعتزاله ﷺ قريشا لما آذوه وجفوه) فقد أخرجه بروايتين مختلفتين إحداهما من طبقات ابن سعد، والأخرى من مغازي موسى بن عقبة وعقب على ذلك بقوله: ومغازي موسى بن عقبة أصح المغازي (٦)، فرجحها بذلك في عمومها، على كتب المغازي الأخرى مثل مغازي الواقدي، وابن إسحق وغيرهما، ومثل هذه المواقف من المصادر المعتمد عليها، تدل على مدى الجهد العلمي الشاق والمفيد الذي يبذله العراقي في استخراج وتكوين المادة العلمية لتخريجه هذا من المصادر العديدة وتنسيقها، وتنقيتها مما وجده من أخطاء، وأوهام السابقين عليه، ثم صياغتها في عبارات موجزة ومفيدة. ثم إن العراقي بين في مقدمة هذا التخريج منهجه عموما في التخريج من

стр. 1388

المصادر والعزو إليها فقال: «فإن كان الحديث في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت بعزوه إليه، وإلا عزوته إلى من خرجه من بقية الستة، وحيث كان في أحد الستة لم أعزه إلى غيرها إلا لغرض صحيح، بأن يكون في كتاب التزم مخرجه الصحة، أو يكون أقرب إلى لفظه في الإحياء … » وحيث عزوت الحديث لمن خرجه من الأئمة، فلا أريد ذلك اللفظ بعينه، بل قد يكون بلفظه، وقد يكون بمعناه، أو باختلاف، على قاعدة المستخرجات (١)، وما قرر العراقي انتهاجه بتقديم التخريج من الصحيحين أو أحدهما، والاكتفاء بهما أو بأحدهما عن باقي كتب السنة، يتفق مع ما قرر قرينه ابن الملقن انتهاجه في تخريجه لأحاديث الشرح الكبير للرافعي (٢)، بل إن الحافظ المناوي ذكر أن هذا يعتبر عرفًا عامًا بين أئمة الفن، حيث قرر أنه متعارف بين القوم أنه: ليس لمحدث أن يعزو حديثًا يكون في أحد الصحيحين ما يفيده، إلى غيرهما (٣)، وذلك لأنهما أصح كتب السنة، كما قرر العراقي وغيره (٤) والأولى في التخريج عزو الحديث إلى المصدر الذي ورد فيه بسند جيد صحيح، وترك ذلك يعد قصورًا (٥)، إلا أن العراقي لم يلتزم التزامًا كاملاً بما قرره، من اكتفائه بعزو الموجود في الصحيحين أو أحدهما إليه، فقد وجدته يضم إليهما غيرهما، سواء من باقي الكتب الستة أو من غيرها مما هو أقل درجة منها، ففي تخريج

стр. 1389

حَديثٌ: «مَنْ أَحْدَثَ في دينِنَا مَا ليسَ منه فهو رَدّ»، قال العراقي: «مُتفق عليه من حديث عائشة بلفظ: «فِي أَمْرِنَا ما ليسَ منه» وعند أبي داود «فيهِ» (١)، يعني بدل (منه)، فضم إلى الصحيحين «سُنن أبي داود» كما ترى، وفي تخريج حديث عائشة: «إِنَّ الشيطانَ يَأْتِي أحدكم فيقول: من خلقك؟ فيقول: الله» الحديث. قال العراقي: «رواه أحمد والبزار وأبو يعلى في مسانيدهم، ورجاله ثقات»، ثم قال «وهو متفق عليه من حديث أبي هريرة» (٢)، فضم إلى الصحيحين المسانيد الثلاثة المذكورة، لمجرد أن الحديث عندهم وارد من رواية عائشة، كما ذكر الغزالي في «الإحياء»، بل إن العراقي قد يهمل عزو الحديث إلى أحد الصحيحين، مع وجوده فيه، مثل ما في تخريج حديث «نحن معاشر الأنبياء أمرنا أن ننزل الناس منازلهم»، فقد قال العراقي: رويناه في جزء من حديث أبي بكر بن الشخير، من حديث عمر، أخضر منه، وعند أبي داود من حديث عائشة «أَنْزِلُوا الناس منازلهم» (٣) فحديث عائشة هذا الذي عزاه إلى أبي داود، قد أخرجه أيضا مسلم في مقدمة صحيحه تعليقاً بدون إسناد حيث قال: وقد ذكر عن عائشة ﵂ أنها قالت: أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم (٤)، ولكن العراقي قد عزاه كما ترى لأبي داود ولم يعزه إلى «صحيح مسلم» كما هو مقتضى ما قرره سابقاً، ويبدو أن عدوله عن العزو لمسلم إلى العزو لأبي داود، لكون

стр. 1390

الحديث ورد عند أبي داود مسندا (١)، وعند مسلم معلقا، والرواية المسندة أولى ما لم تكن ضعيفة (٢)، ويدل لذلك، أني وجدته يعزو في (التخريج الكبير) الحديث المعلق في البخاري إليه، ثم يترك عزوه إلى البخاري كلية في هذا (التخريج الصغير)، مكتفيا بعزوه إلى بعض المصادر الأخرى التي ورد فيها مسندا، مع كونها أقل درجة من البخاري، مثال ذلك حديث: (اليقين الإيمان كله)، فقد ذكر العراقي في (التخريج الكبير) أن البخاري أخرجه في (صحيحه) تعليقا موقوفا على ابن مسعود (٣)، أما في هذا «التخريج الصغير»، فقال: «أخرجه البيهقي في (الزهد) والخطيب في «التاريخ» من حديث ابن مسعود بإسناد حسن (٤)، فلم يعزه كلية إلى البخاري، مع كونه فيه، وعزاه إلى مصدرين أقل منه درجة، لكونه مسندا فيهما، كما أني وجدته يجمع بين عزو الحديث إلى الصحيحين أو أحدهما، وبين عزوه إلى غيرهما مما هو أقل درجة منهما، لتحقيق بعض الفوائد الحديثية». ففي تخريج حديث (الإيمان بالحوض) عزاه إلى الصحيحين من حديث ابن عمر بلفظ: «أما لكم حوض كما بين جرباء وأذرح»، ثم قال: «وقال الطبراني «كما بينكم وبين جرباء وأذرح»، وهو الصواب، فضم الطبراني إلى الصحيحين لتصويب لفظ روايتهما» (٥)، وفي تخريج حديث: «ما كان

стр. 1391

يأتيه ﷺ أَحَدٌ، حُرّ، أو عبد، أو أمة، إلا قام معه في حاجته». قال العراقي: «أخرج البخاري تعليقا من حديث أنس «إن كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله ﷺ وتنطلق به حيث شاءت» ووصله ابن ماجه … (١) فجمع إلى عزو الحديث إلى البخاري، عزوه إلى ابن ماجه، لكون رواية البخاري معلقة، ورواية ابن ماجه موصولة، فتوضح سند المعلقة، وفي تخريج حديث أنه ﷺ لما غشيه المشركون نزل فجعل يقول: «أنا النبي لا كذب .. » الحديث، وفيه: «فما رؤي أحد يومئذ أشد منه»» قال العراقي: «إن الحديث متفق عليه من حديث البراء، دون قوله: «فما رؤي أحد يومئذ أشد منه»»، ثم قال: وهذه الزيادة لأبي الشيخ، وله من حديث علي في قصة بدر: وكان من أشد الناس يومئذ بأسا (٢)، فجمع بين عزو الحديث إلى الصحيحين وعزوه إلى أبي الشيخ ابن حَيَّان، لكون روايته تشتمل على زيادة ليست في الصحيحين، وهي موافقة للفظ الواردة في «الإحياء»، وعلى ضوء ذلك كله أستطيع أن أقرر: أن قول العراقي في مقدمة تخريجه هذا: أنه يكتفي بعزو الحديث إلى الصحيحين أو أحدهما ليس على إطلاقه كما هو ظاهر عبارته، وإنما هو مقيد بأمرين: أحدهما: أن يكون الحديث فيهما أو في أحدهما مسندا، وهذا لم يصرّح العراقي به ولكنه يعرف من واقع التخريج كما مثلت له، أما ثاني الأمرين: فقد صرّح به في قوله: «وحيث كان الحديث في أحد الستة لم أعزه إلى غيرها إلا لغرض صحيح؛ بأن يكون في

стр. 1392

كتاب التزم مخرجه الصحة أو يكون أقرب إلى لفظه في الإحياء» (١) على أني وجدتُ العراقي قد يجمع بين عزو الحديث لأحد الكتب الستة، وبين عزوه إلى غيرها من المصادر لتحقيق غرض حديثي صحيح غير الغرضين المنصوص عليهما في كلامه السابق، فقد مر ضمن الأمثلة السابقة أنه قد عزا الحديث بجانب الصحيحين - وهما في مقدمة الكتب الستة - إلى غيرهما مما لم يلتزم فيه بتخريج الصحيح، وذلك لتصحيح خطأ، أو وصل حديث معلّق، وعليه يكون ذكره للغرضين السابقين ليس على سبيل الحصر، ولكن على سبيل المثال، ويُعتبر نصه عليهما دون غيرهما دليلا على أهميتهما في مجال التخريج، وعلى اعتنائه بإثبات قوة أحاديث الكتاب المخرج، وهو «الإحياء»، وبيان كتب السنة المشتملة على أحاديثه بألفاظها، أو بأقرب الألفاظ إليها، لكني وجدتُ الإمام الزبيدي شارح كتاب «الإحياء»، قد استدرك على العراقي في رعاية هذين الأمرين وكان محقاً في استدراكه، ففي تخريج حديث: «يتجلى الله لنا يوم القيامة ضاحكا، فيقول: أبشروا معشر المسلمين، فإنه ليس منكم أحد إلا وقد جعلت مكانه في النار يهوديًا أو نصرانيا»، قال العراقي: «روى مسلم من حديث أبي موسى: «إذا كان يوم القيامة، دفع الله إلى كل مسلم يهوديا أو نصرانيا فيقول: هذا فداؤك من النار»»، ثم أتبع ذلك بقوله: «ولأبي داود: أمتي أمة مرحومة لا عذاب عليها في الآخرة» الحديث، وقد استدرك عليه الزبيدي في هذا فقال: قلت: الذي رواه أبو داود من حديث أبي موسى: «أمتي هذه أمة مرحومة ليس عليها عذاب في

стр. 1393

الآخرة، إنما عذابها في الدنيا: الفتن والزلازل، والقتل، والبلايا» (١)، وكذلك رواه الطبراني والحاكم، ثم قال الزبيدي: «ولا يخفى أن هذا السياق، (أي سياق رواية أبي داؤد)، لا يناسب هنا، وإنما المناسب ما رواه الخطيب في «المتفق والمفترق» وابن النجار من حديث ابن عباس بسند ضعيف: «أُمتي أمة مرحومة لا عذاب عليها في الآخرة، إذا كان يوم القيامة أعطى الله كل رجل من أمتي رجلا من أهل الأديان فكان فداءه من النار»» (٢)، ثم قال العراقي: «وأما أول الحديث، يعني الوارد في الإحياء، فرواه الطبراني من حديث أبي موسى أيضًا «يتجلى الله ربنا لنا ضاحكًا يوم القيامة حتى ينظروا إلى وجهه فيخروا له سجدًا، فيقول: ارفعوا رؤوسكم فليس هذا يوم عبادة»، وفيه علي بن زيد بن جدعان» (٣). وقد استدرك الزبيدي أيضًا على العراقي في ذلك، فأورد حديثًا عزاه إلى الإمام أحمد في «مسنده» وإلى أبي بكر الآجري في «كتاب الشريعة» بسنده، عن أبي موسى قال: «قال رسول الله ﷺ يجمع الله الخلق يوم القيامة» الحديث. وفيه: «فيتجلى لهم ضاحكا فيقول: أبشروا معاشر المسلمين، فإنه ليس منكم أحد إلا وقد جعلت مكانه في النار يهوديًا أو نصرانيا». ثم عقب الزبيدي قائلا: «فهذا الذي سقناه هو الأقرب إلى سياق المصنف، من الحديث الذي ساقه العراقي من عند الطبراني» (٤).

стр. 1394

وفي تخريج حديث: «إذا اجتمع أهل النار في النار، ومن شاء الله معهم من أهل القبلة قال الكفار للمسلمين: ألم تكونوا مسلمين؟ قالوا بلى، فيقولون، ما أغنى عنكم إسلامكم إذا أنتم معنا في النار؟ فيقولون: كانت لنا ذنوب فأخذنا بها فيسمع الله ما قالوا، فيأمر بإخراج من كان في النار من أهل القبلة فيخرجون، فإذا رأى ذلك الكفار قالوا: يا ليتنا كنا مسلمين، فنخرج كما أخرجوا، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢]». قال العراقي: «رواه النسائي في «الكبرى» من حديث جابر نحوه، بإسناد صحيح» (١)، وبذلك خرج الحديث بلفظ مقارب، لا بلفظه الوارد في «الإحياء» وعزاه إلى «السنن الكبرى» للنسائي، ولم يلتزم مؤلفها فيها بالصحة كما قرره العراقي (٢)، ولذلك احتاج إلى الحكم من جانبه هو بصحة إسناد النسائي، بينما الحديث موجود في مصدر ملتزم فيه بالصحة، باعتراف العراقي نفسه، أيضًا وهو «مستدرك الحاكم» (٣) وبلفظ موافق للفظ الحديث في «الإحياء» وقد استدرك الزبيدي عليه في ذلك فقال: «قلت: سياق المصنف، أي لفظ الحديث الذي أورده الغزالي، رواه ابن أبي عاصم في (السنة) وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، وابن مردويه والحاكم وصححه … . من حديث أبي موسى الأشعري مع زيادة في أوله … » ثم قال «وأما حديث

стр. 1395

جابر الذي أشار إليه العراقي فلفظه: إن أناسًا من أمتي يُعذَّبون بذنوبهم فيكونون في النار ما شاء الله أن يكونوا، ثم يعيرهم أهل الشرك فيقولون: ما نرى ما كنتم فيه من تصديقكم، نفعكم، فلا يبقى موحد إلا أخرجه الله تعالى من النار، ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مسلمين﴾ [الحجر: ٢] (١)، ونلاحظ أن سياق هذه الرواية غير موافق فعلا لسياق الرواية التي أوردها الغزالي، وإن كان بمعناها، بينما سياق الرواية التي أشار إليها الزبيدي موافق لسياق المصنف، بأكثر ألفاظه، بحسب مراجعتي لها في المستدرك، وهي مخرجة في مصدر ملتزم الصحة، وهو «مستدرك الحاكم» وبسند صرح الحاكم بصحته، وأقره الذهبي (٢)، وقد خرجها كذلك من قبل الزبيدي الحافظ السيوطي فعزاها للمستدرك وغيره مما عزاها الزبيدي إليه، مع سياق لفظها (٣)، وفي تخريج حديث كفارة المجلس، اقتصر العراقي على عزوه للنسائي في (عمل اليوم والليلة) بإسناد حسن (٤) بينما هو نفسه قد عزاه في كتابين له هما: شرح ألفية المصطلح، والنكت على ابن الصلاح إلى الترمذي وابن حبان، والحاكم، وقرر أنهم صححوه، على تخريج الإحياء، يعني الكبير، لعدم وجود ما أحال به في الصغير (٥). وعليه فإن العراقي لم يُراع في تخريج هذا الحديث أيا من الغرضين اللذين نص على رعايته لهما.

стр. 1396

ثم إن التدرج في العزو إلى المصادر والتخريج منها، الذي قرر العراقي انتهاجه في هذا التخريج، يختلف عما انتهجه قرينه ابن الملقن في تخريجه لأحاديث «الشرح الكبير» للرافعي، حيث إن العراقي قرر أنه إذا لم يكن الحديث في الصحيحين أو احدهما، عزاه إلى بقية الكتب الستة، وحيث كان الحديث في أحد الستة لم يعزه إلى غيرها، إلا لغرض صحيح كما تقدم توضيحه، فاعتبر بذلك المصادر الحديثية التي يخرج منها ثلاث درجات. أولاها: الصحيحان. وثانيتهما: بقية الكتب الستة، وهي السنن الأربعة. والثالثة: غير الستة من كتب الحديث وعلومه، سواء الملتزم فيه منها بالصحة، كصحيحي ابن خزيمة وابن حبان «وكمستدرك الحاكم»، أو غير الملتزم بالصحة، كالمسانيد، والمعاجم، وكتب الرجال، والتخريج، وغيرها. وبهذا التقسيم والتدرج جعل العراقي عزو الأحاديث إلى السنن الأربعة وتخريجها منها، مقدما على عزوها وتخريجها من المصادر التي التزمت الصحة، غير الصحيحين، ولهذا تجده في تخريج الحديث الثالث في كتاب «الإحياء»، وهو حديث «نعوذ بالله من علم لا ينفع» يقول: «أخرجه ابن ماجه من حديث جابر بإسناد حسن» (١)، فاكتفى بتخريجه من سادس الكتب الستة وأحد السنن الأربعة، وهو سنن ابن ماجه، مع أنه موجود في «صحيح ابن حبان» من حديث جابر أيضا بلفظ: «اللهم

стр. 1397

إني أسألك علما نافعا، وأعوذ بك من علم لا ينفع» (١). أما ابن الملقن فلم يجعل المصادر التي خرج منها وعزا إليها في تخريجه لشرح الرافعي، ثلاث درجات كما فعل العراقي، بل جعلها درجتين فقط. أولاهما: الصحيحان. وثانيتهما: بقية كتب السنة وعلومها، بما في ذلك السنن الأربعة والكتب التي التزمت الصحة، غير الصحيحين. وذلك أنه في مقدمة تخريجه المذكور قال: «فإن كان الحديث أو الأثر في صحيحي البخاري ومسلم أو أحدهما، اكتفيتُ بعزوه إليهما، أو إليه، ولا أعرج على من رواه غيرهما من باقي أصحاب الكتب الستة. والمسانيد والصحاح، لأنه لا فائدة في الإطالة بذلك .. اللهم إلا أن يكون في الحديث زيادة عندهم، والحاجة داعية إلى ذلك، فأشفعه بالعزو إليهم، وإن لم يكن الحديث في واحد من الصحيحين، عزيته إلى من خرجه من الأئمة، كمالك في «موطئه»، والشافعي في «الأم» … وعدد باقي مصادره من كتب السنة وعلومها، بما في ذلك السنن الأربعة، والصحاح: لأبي عوانة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم» (٢). وبهذا جعل التخريج من السنن الأربعة، ومن الكتب التي التزمت الصحة غير صحيحي البخاري ومسلم، في منزلة واحدة، ولكن ما انتهجه العراقي

стр. 1398

من تقديم السنن الأربعة في التخريج والعزو على ما سوى الصحيحين من كتب الصحاح، هو الموافق لما قرره شيخه مغلطاي وغيره من المحدثين: «أنه لا يجوز أن يعدل عن الستة، ويعزو حديثًا إلى غيرها مع وجوده في شئ منها، إلا إذا كان فيه زيادة أو نحو ذلك» (١). وذكر المناوي أن ذلك يعتبر قانونًا معروفًا بين المحدثين (٢)، لكني وجدت العراقي أحيانًا يخرج الحديث من غير الكتب الستة، مما يُعتبر من مصادر الأحاديث الضعيفة أو الموضوعة، وبسند ضعيف، مع وجود هذا الحديث بالسياق الوارد في «الإحياء»، في مصدر ملتزم الصحة، وبسند مصحح، ففي تخريج حديث عقبة بن عامر «تدنو الشمس من الأرض يوم القيامة فيعرق الناس، فمنهم من يبلغ عرقه عقبه، ومنهم من يبلغ نصف ساقه، ومنهم من يبلغ ركبته، ومنهم من يبلغ فخذه، ومنهم من يبلغ خاصرته، ومنهم من يبلغ فاه، وأشار بيده فألجمها فاه، ومنهم من يغطيه العرق، وضرب بيده على رأسه هكذا» (٣)، قال العراقي: «رواه أحمد، وفيه ابن لهيعة» (٤) أي أن في سنده ضعفا، لأن ابن لهيعة متكلّم فيه، كما قدمت في بحث «التخريج الكبير». وقد استدرك الزبيدي على العراقي في هذا فقال: «قلت: هذا السياق أي السياق الوارد في «الإحياء»، هو للحاكم، أما سياق أحمد المشار إليه فهو:

стр. 1399

«فمن الناس من يبلغ عرقه كعبيه، ومنهم من يبلغ نصف الساق ومنهم من يبلغ إلى ركبتيه، ومنهم من يبلغ العجز، ومنهم من يبلغ الخاصرة ومنهم من يبلغ منكبيه، ومنهم من يبلغ حلقه، ومنهم من يلجمه، ومنهم من يغمره»» (١). وبهذا ترى أن العراقي قد ترك عزو الحديث إلى المصدر الذي التزم الصحة وهو (مستدرك الحاكم) مع كونه ورد فيه بنفس سياق «الإحياء» وبسند صححه الحاكم وأقره الذهبي، وأضيف: أن ابن حبان قد شارك الحاكم في تخريج الحديث أيضا، بل إني وجدت أصل الحديث في «صحيح مسلم» (٢). ومع هذا اقتصر العراقي على عزو الحديث لمسند أحمد وهو غير الكتب الستة، والحديث وارد فيه بسند فيه ضعف، وبغير سياق «الإحياء». وأيضًا في تخريج حديث «أكرموا الخبز» قال العراقي: «رواه البزار والطبراني وابن قانع من حديث عبد الله بن أم حرام، بإسناد ضعيف جدا، وذكره ابن الجوزي في «الموضوعات» (٣)، بينما نجد الحديث بهذا اللفظ عند الحاكم في «المستدرك» وصححه، وأقره على تصحيحه الذهبي وغيره من الحفاظ (٤)، فكان على العراقي بمقتضى منهجه، أن يُؤثر عزو الحديثين السابقين إلى «مستدرك الحاكم»، ولكنه لم يفعل كما رأيت، وهذا مما ينتقده

стр. 1400

المخرجون، ويعدونه قصورًا في التخريج، لأنه كما قرر العراقي نفسه وغيره، يتطلب العزو ما أمكن إلى المصدر الوارد فيه الحديث بسند صحيح، وبلفظ مقارب إلى اللفظ الوارد في الكتاب المخرج» (١). أما في تخريج حديث «خير دينكم أيسره، وأفضل العبادة الفقه» فقد قال العراقي: «رواه ابن عبد البر من حديث أنس بسند ضعيف، والشطر الأول، (يعني «خير دينكم أيسره») عند أحمد من حديث محجن بن الأدرع بإسناد جيد» (٢). وقد أضاف الزبيدي تخريج حديث محجن هذا، من أربعة مصادر أخرى غير مسند أحمد وهي: «مسند أبي داود الطيالسي» «والأدب المفرد» للبخاري «والمعجم الكبير» للطبراني «والمسند» لأبي بكر بن أبي شيبة وخرجه أيضًا من طريق صحابي آخر غير محجن وهو «بريدة»، وذلك من «مسند مسدد»، ومن طريق صحابي ثالث، هو عمران بن الحصين، وذلك من «المعجم الكبير» للطبراني، ومن طريق صحابي رابع، وهو أنس بن مالك وذلك من عند الطبراني في «المعجم الأوسط» وابن عدي في «الكامل» والضياء المقدسي في «المختارة» ثم عقب على ذلك بأن اقتصار العراقي على تخريج الحديث من طريق صحابي واحد هو محجن، ومن مصدر واحد هو «مسند أحمد»، يعتبر قصورًا ظاهرا (٣)، وأنا مع الزبيدي في أن العراقي ﵀ استروح في تخريج الحديث من «مسند أحمد» فقط،

стр. 1401

لأن ذلك مخالف لمنهجه في هذا التخريج، حيث إن الحديث موجود بمثل رواية أحمد في كتاب «المختارة» الذي قرر العراقي بنفسه أن مؤلفه قد التزم فيه الصحة (١)، وهو قد صرح في مقدمة تخريجه بأنه يعتني بتخريج الحديث من المصادر التي التزمت الصحة، غير الكتب الستة كما قدمت بيانه، أما نسبة القصور إلى العراقي في غير هذا مما ذكره الزبيدي، فلست أقره عليه، لأنه ليس داخلا في إطار منهج العراقي في هذا التخريج، حيث إنه لم يلتزم فيه لا باستيعاب رواة الحديث من الصحابة، ولا باستيعاب المصادر المخرج فيها الحديث، بل صرح في المقدمة أنه اختصره غاية الإختصار (٢). وأما التوسع والاستيعاب، فهو من مميزات تخريجه الكبير كما تقدم في بحثه. ثم إن العراقي قد بين مراده بعزو الحديث إلى صاحب المصدر المخرج منه فقال: «وحيث عزوت الحديث لمن خرجه من الأئمة فلا أريد ذلك اللفظ بعينه، بل قد يكون بلفظه، وقد يكون بمعناه، أو باختلاف على قاعدة المستخرجات» (٣) ولعل الإمام الزبيدي لم يتنبه لهذا البيان من العراقي فاستدرك عليه في عزو بعض الأحاديث إلى بعض المصادر، بأنها ليست فيها بنفس سياق الحديث في «الإحياء»، ففي تخريج حديث أنس بن مالك ﵁ «لأن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى من غدوة إلى طلوع الشمس أحب إلي من أن أعتق أربع رقاب».

стр. 1402

قال العراقي: «رواه أبو داود بإسناد حسن» (١)، فاستدرك الزبيدي عليه في هذا، فذكر أن الغزالي تبع صاحب القوت، في سياق الحديث باللفظ المذكور. ثم قال: «والحافظ العراقي سكت عليه، وعزاه بهذا السياق إلى أبي داود والذي في «سننه» من رواية موسى بن خلف عن قتادة عن أنس رفعه «لأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس، أحب إلي من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل، ولأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس، أحب إلي من أن أعتق أربعة … (٢)، فلو أن الزبيدي تنبه إلى بيان العراقي في مقدمة التخريج المراده بعزو الأحاديث إلى المصادر، لما قال إنه عزا هذا الحديث بهذا السياق الوارد في «الإحياء» إلى «سنن أبي داود»». وفي تخريج حديث الضيافة ثلاثة، فما زاد فصدقة» قال العراقي: متفق عليه من حديث أبي شريح الخزاعي (٣)، فخرج الزبيدي اللفظ المذكور من عند البخاري في «صحيحه» وأحمد وأبي داؤد، ثم قال: «وقول العراقي: «إنه متفق عليه من حديث أبي شريح»، كأنه يريد معناه، لا لفظه» (٤) فلو أن الزبيدي وضع في الإعتبار تصريح العراقي بأنه لا يقصد عزو نفس لفظ الحديث كما في «الإحياء»، لما تعقبه بقوله: «كأنه يريد معناه لا لفظه»، على أن تنبيه العراقي إلى أنه لا يقصد عزو نفس لفظ الحديث كما في «الإحياء»

стр. 1403

إلى المصادر التي يذكرها، مُنْصَبٌّ على حالات العزو المطلق كما في المثالين السابقين، لأنه يعتني كثيرًا ببيان الألفاظ الواردة في المصادر المخرج منها، ووجوه الإتفاق، والإختلاف، والزيادة، والنقص، بينها وبين اللفظ المذكور في «الإحياء» كما سيأتي توضيحه. هذا وقد وجدت العراقي أحيانًا يحدد موضع الحديث في المصدر المخرج منه، مثلما في تخريج حديث «لما قيل له ﷺ : من أكرم الناس، من أكيس الناس؟ قال: أكثرهم للموت ذكرًا» الحديث، فقد قال العراقي: «رواه ابن ماجه من حديث ابن عمر دون قوله: «من أكرم الناس» ثم قال: «وهو بهذه الزيادة عند ابن أبي الدنيا في «ذكر الموت»، آخر الكتاب» (١). وهذا التحديد الموضع الحديث في الكتاب، يعتبر دقيقًا بالنسبة لعصر العراقي، حيث لم تكن هناك طباعة للكتب، ولا حتى ترقيم عددي الصفحات المخطوطات، ولهذا فإنه لم يلتزم هذا التحديد عمومًا، بل جرى مجرى الكثيرين من معاصريه، في العزو المطلق إلى المصادر المخرج منها، دون تحديد موضع المنقول، أما قرين العراقي ابن الملقن، فقد بين في مقدمة تخريجه السالف الذكر، أنه بالنسبة إلى الكتب المؤلفة على الأبواب، إذا كان الحديث في مظنته منها أطلق العزو إليها، وإن لم يكن في مظنته حدّد الباب الموجود فيه من الكتاب (٢). ولا شك أن هذا يسهل على الباحث الرجوع إلى مكان الحديث في المصدر

стр. 1404

المخرج منه، ولذا فإنه أدق وأفيد من عدم التحديد كلية. وكثيرا ما وجدت العراقي لا يذكر الكتاب الذي خرج منه الحديث مع علمه به، ولكنه يكتفي بذكر مؤلف الكتاب فقط، مثلما في تخريج حديث معاذ ﵁: «تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية» (الحديث) فقد قال العراقي: «رواه أبو الشيخ ابن حيان في «كتاب الثواب»، وابن عبد البر وقال: ليس له إسناد قوي» (١)، فعزا الحديث إلى ابن عبد البر، ونقل كلامه عن سنده، ولكنه لم يذكر الكتاب الذي أورده فيه ابن عبد البر، مع أنه ذكره في «نكته على كتاب ابن الصلاح» حيث قال: فروى ابن عبد البر في كتاب «بيان آداب العلم» … وساق الحديث المذكور وكلام ابن عبد البر عن سنده (٢)، ولعل مرجع هذا، أن العراقي في تخريجه التزم فقط بتحديد المؤلف الذي أخرج الحديث في بعض كتبه (٣)، ولم يلتزم بتحديد الكتاب من بين الكتب المتعددة للمؤلف الذي عزا تخريج الحديث إليه، ويبدو أن السبب في عدم التزامه بهذا ما اصطلح عليه كثير من علماء التخريج، من أن بعض الأئمة متى عزي الحديث إليهم، انصرف إلى كتاب معين من مؤلفاتهم، وإن لم ينص عليه، فمثلا إذا قيل عن حديث: أخرجه البخاري ومسلم، كان المراد أنهما أخرجاه في صحيحيهما، وإذا قيل عن حديث: رواه الحاكم، كان المراد أنه رواه في «المستدرك على الصحيحين» (٤)، وإذا قيل عن حديث:

стр. 1405

رواه البيهقي، كان المراد أنه رواه في (سننه الكبرى) (١)، فجرى العراقي على هذا، ولكن كان ينبغي عليه التنبيه على ذلك في مقدمة تخريجه، كما فعل قرينه ابن الملقن (٢)، وغيره (٣). وقد سبق لي أن نقدت العراقي في مثل هذا العزو المطلق إلى المؤلفين دون تحديد لمؤلفاتهم المنقول منها، بل إني وجدته في تخريج حديث «المؤمن لا يكون صمته إلا فكرًا، ونظره إلا عبرة، ونطقه إلا ذكرًا» يقول: لم أجد له أصلا، وروى محمد بن زكريا الغلايي (أحد الضعفاء) عن ابن أبي عائشة عن أبيه قال: خطب رسول الله ﷺ فقال: «إن الله أمرني أن يكون نطقي ذكرًا، وصمتي فكرًا، ونظري عبرة» (٤). وبهذا لم يذكر لا المؤلف، ولا الكتاب الذي ورد فيه ما رواه محمد بن زكريا المذكور، ودفعًا لاحتمال سقوط ذلك من النساخ، رجعت إلى شرح الزبيدي للإحياء فوجدت نقله لكلام العراقي مطابقًا لما تقدم (٥). إلا أن ذلك لا يقدح في دقة العراقي وأمانته في الرجوع الفعلي إلى المصادر التي عزا الأحاديث المخرجة إليها، لأني بالبحث المفصل لم أجد استدراكًا عليه في هذا إلا نادرًا جدًا، مثلما في تخريج الحديث السابق، وفي تخريج حديث «من كره لقاء الله، كره الله لقاءه» حيث قال
следующие страницы →