← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 30167

الحافظ العراقي وأثره في السنة

أحمد بن معبد عبد الكريم

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

لأن ذلك مخالف لمنهجه في هذا التخريج، حيث إن الحديث موجود بمثل رواية أحمد في كتاب «المختارة» الذي قرر العراقي بنفسه أن مؤلفه قد التزم فيه الصحة (١)، وهو قد صرح في مقدمة تخريجه بأنه يعتني بتخريج الحديث من المصادر التي التزمت الصحة، غير الكتب الستة كما قدمت بيانه، أما نسبة القصور إلى العراقي في غير هذا مما ذكره الزبيدي، فلست أقره عليه، لأنه ليس داخلا في إطار منهج العراقي في هذا التخريج، حيث إنه لم يلتزم فيه لا باستيعاب رواة الحديث من الصحابة، ولا باستيعاب المصادر المخرج فيها الحديث، بل صرح في المقدمة أنه اختصره غاية الإختصار (٢). وأما التوسع والاستيعاب، فهو من مميزات تخريجه الكبير كما تقدم في بحثه. ثم إن العراقي قد بين مراده بعزو الحديث إلى صاحب المصدر المخرج منه فقال: «وحيث عزوت الحديث لمن خرجه من الأئمة فلا أريد ذلك اللفظ بعينه، بل قد يكون بلفظه، وقد يكون بمعناه، أو باختلاف على قاعدة المستخرجات» (٣) ولعل الإمام الزبيدي لم يتنبه لهذا البيان من العراقي فاستدرك عليه في عزو بعض الأحاديث إلى بعض المصادر، بأنها ليست فيها بنفس سياق الحديث في «الإحياء»، ففي تخريج حديث أنس بن مالك ﵁ «لأن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى من غدوة إلى طلوع الشمس أحب إلي من أن أعتق أربع رقاب».

стр. 1402

قال العراقي: «رواه أبو داود بإسناد حسن» (١)، فاستدرك الزبيدي عليه في هذا، فذكر أن الغزالي تبع صاحب القوت، في سياق الحديث باللفظ المذكور. ثم قال: «والحافظ العراقي سكت عليه، وعزاه بهذا السياق إلى أبي داود والذي في «سننه» من رواية موسى بن خلف عن قتادة عن أنس رفعه «لأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة الغداة حتى تطلع الشمس، أحب إلي من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل، ولأن أقعد مع قوم يذكرون الله من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس، أحب إلي من أن أعتق أربعة … (٢)، فلو أن الزبيدي تنبه إلى بيان العراقي في مقدمة التخريج المراده بعزو الأحاديث إلى المصادر، لما قال إنه عزا هذا الحديث بهذا السياق الوارد في «الإحياء» إلى «سنن أبي داود»». وفي تخريج حديث الضيافة ثلاثة، فما زاد فصدقة» قال العراقي: متفق عليه من حديث أبي شريح الخزاعي (٣)، فخرج الزبيدي اللفظ المذكور من عند البخاري في «صحيحه» وأحمد وأبي داؤد، ثم قال: «وقول العراقي: «إنه متفق عليه من حديث أبي شريح»، كأنه يريد معناه، لا لفظه» (٤) فلو أن الزبيدي وضع في الإعتبار تصريح العراقي بأنه لا يقصد عزو نفس لفظ الحديث كما في «الإحياء»، لما تعقبه بقوله: «كأنه يريد معناه لا لفظه»، على أن تنبيه العراقي إلى أنه لا يقصد عزو نفس لفظ الحديث كما في «الإحياء»

стр. 1403

إلى المصادر التي يذكرها، مُنْصَبٌّ على حالات العزو المطلق كما في المثالين السابقين، لأنه يعتني كثيرًا ببيان الألفاظ الواردة في المصادر المخرج منها، ووجوه الإتفاق، والإختلاف، والزيادة، والنقص، بينها وبين اللفظ المذكور في «الإحياء» كما سيأتي توضيحه. هذا وقد وجدت العراقي أحيانًا يحدد موضع الحديث في المصدر المخرج منه، مثلما في تخريج حديث «لما قيل له ﷺ : من أكرم الناس، من أكيس الناس؟ قال: أكثرهم للموت ذكرًا» الحديث، فقد قال العراقي: «رواه ابن ماجه من حديث ابن عمر دون قوله: «من أكرم الناس» ثم قال: «وهو بهذه الزيادة عند ابن أبي الدنيا في «ذكر الموت»، آخر الكتاب» (١). وهذا التحديد الموضع الحديث في الكتاب، يعتبر دقيقًا بالنسبة لعصر العراقي، حيث لم تكن هناك طباعة للكتب، ولا حتى ترقيم عددي الصفحات المخطوطات، ولهذا فإنه لم يلتزم هذا التحديد عمومًا، بل جرى مجرى الكثيرين من معاصريه، في العزو المطلق إلى المصادر المخرج منها، دون تحديد موضع المنقول، أما قرين العراقي ابن الملقن، فقد بين في مقدمة تخريجه السالف الذكر، أنه بالنسبة إلى الكتب المؤلفة على الأبواب، إذا كان الحديث في مظنته منها أطلق العزو إليها، وإن لم يكن في مظنته حدّد الباب الموجود فيه من الكتاب (٢). ولا شك أن هذا يسهل على الباحث الرجوع إلى مكان الحديث في المصدر

стр. 1404

المخرج منه، ولذا فإنه أدق وأفيد من عدم التحديد كلية. وكثيرا ما وجدت العراقي لا يذكر الكتاب الذي خرج منه الحديث مع علمه به، ولكنه يكتفي بذكر مؤلف الكتاب فقط، مثلما في تخريج حديث معاذ ﵁: «تعلموا العلم فإن تعلمه لله خشية» (الحديث) فقد قال العراقي: «رواه أبو الشيخ ابن حيان في «كتاب الثواب»، وابن عبد البر وقال: ليس له إسناد قوي» (١)، فعزا الحديث إلى ابن عبد البر، ونقل كلامه عن سنده، ولكنه لم يذكر الكتاب الذي أورده فيه ابن عبد البر، مع أنه ذكره في «نكته على كتاب ابن الصلاح» حيث قال: فروى ابن عبد البر في كتاب «بيان آداب العلم» … وساق الحديث المذكور وكلام ابن عبد البر عن سنده (٢)، ولعل مرجع هذا، أن العراقي في تخريجه التزم فقط بتحديد المؤلف الذي أخرج الحديث في بعض كتبه (٣)، ولم يلتزم بتحديد الكتاب من بين الكتب المتعددة للمؤلف الذي عزا تخريج الحديث إليه، ويبدو أن السبب في عدم التزامه بهذا ما اصطلح عليه كثير من علماء التخريج، من أن بعض الأئمة متى عزي الحديث إليهم، انصرف إلى كتاب معين من مؤلفاتهم، وإن لم ينص عليه، فمثلا إذا قيل عن حديث: أخرجه البخاري ومسلم، كان المراد أنهما أخرجاه في صحيحيهما، وإذا قيل عن حديث: رواه الحاكم، كان المراد أنه رواه في «المستدرك على الصحيحين» (٤)، وإذا قيل عن حديث:

стр. 1405

رواه البيهقي، كان المراد أنه رواه في (سننه الكبرى) (١)، فجرى العراقي على هذا، ولكن كان ينبغي عليه التنبيه على ذلك في مقدمة تخريجه، كما فعل قرينه ابن الملقن (٢)، وغيره (٣). وقد سبق لي أن نقدت العراقي في مثل هذا العزو المطلق إلى المؤلفين دون تحديد لمؤلفاتهم المنقول منها، بل إني وجدته في تخريج حديث «المؤمن لا يكون صمته إلا فكرًا، ونظره إلا عبرة، ونطقه إلا ذكرًا» يقول: لم أجد له أصلا، وروى محمد بن زكريا الغلايي (أحد الضعفاء) عن ابن أبي عائشة عن أبيه قال: خطب رسول الله ﷺ فقال: «إن الله أمرني أن يكون نطقي ذكرًا، وصمتي فكرًا، ونظري عبرة» (٤). وبهذا لم يذكر لا المؤلف، ولا الكتاب الذي ورد فيه ما رواه محمد بن زكريا المذكور، ودفعًا لاحتمال سقوط ذلك من النساخ، رجعت إلى شرح الزبيدي للإحياء فوجدت نقله لكلام العراقي مطابقًا لما تقدم (٥). إلا أن ذلك لا يقدح في دقة العراقي وأمانته في الرجوع الفعلي إلى المصادر التي عزا الأحاديث المخرجة إليها، لأني بالبحث المفصل لم أجد استدراكًا عليه في هذا إلا نادرًا جدًا، مثلما في تخريج الحديث السابق، وفي تخريج حديث «من كره لقاء الله، كره الله لقاءه» حيث قال

стр. 1406

العراقي: «متفق عليه من حديث أبي هريرة» (١). فتعقبه الزبيدي قائلا: «قلت: هو متفق عليه من حديث عائشة ومن حديث أبي موسى، ومن رواية أنس عن عبادة بن الصامت، وأما حديث أبي هريرة، فرواه مسلم فقط والنسائي» (٢)، ومعنى ذلك أن الحديث ليس موجودا في البخاري من رواية أبي هريرة، كما ذكر العراقي. «تحقيق القول بتعاون العراقي مع الزيلعي في التخريج» يتصل ببيان مصادر العراقي في هذا التخريج، ما ذكره الحافظ ابن حجر في ترجمة الإمام عبد الله بن يوسف الزيلعي الحنفي المتوفى سنة ٧٦٢ هـ حيث قال: «ذكر لي شيخنا العراقي أنه كان يرافقه في مطالعة الكتب الحديثية لتخريج الكتب التي كانا قد اعتنيا بتخريجها»، فالعراقي لتخريج أحاديث «الإحياء»، والأحاديث التي يشير إليها الترمذي في الأبواب، والزيلعي «لتخريج أحاديث الهداية، وتخريج أحاديث الكشاف»، فكان كل منهما يعين الآخر (٣)، وقال في ترجمته لشيخه العراقي: «ولع بتخريج أحاديث «الإحياء»، ورافق الزيلعي في تخريجه «أحاديث الكشاف» و «أحاديث الهداية»، فكانا يتعاونان» (٤). وقد أقر ابن حجر على ذلك غير واحد ممن جاء بعده (٥).

стр. 1407

وعندما قمت بقراءة معظم تخريج الزيلعي «الأحاديث تفسير الكشاف» - وهو تخريج ما يزال مخطوطًا حتى الآن (سنة ١٣٩٨ هـ) - وجدت به إشارتين من الزيلعي إلى هذا الترافق والتعاون مع العراقي في عملية التخريج، ففي تخريج حديث «من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يعصى الله في أرضه» قال الزيلعي: «قلت: غريب مرفوعًا، وذكره الغزالي كذلك مرفوعا في موضعين من كتابه «إحياء علوم الدين»، ولم نجده إلا من قول يونس بن عبيد، رواه البيهقي في «شعب الإيمان» في الباب ٦٦ عن عبد الله بن عمر الرقي عن يونس بن عبيد سمعت الحسن يقول: … فذكره، ورواه أبو نعيم في «الحلية» من قول سفيان الثوري، في ترجمته (١) فقول الزيلعي: «ولم نجده، يفيد إشتراك غيره معه في البحث عن هذا الحديث، بدليل أنه يقول في غيره: «ولم أجده» (٢)، ولما كان الحديث قد ورد في الإحياء كما قال الزيلعي، فإن هذا يدل على مشاركته في البحث عنه هو العراقي، لأنه كما قدمت كان الوحيد الذي تصدى لتخريج أحاديث «الإحياء» بأكمله، وفي نفس موطن وعصر الزيلعي، كما أني رجعت إلى كتاب «الإحياء» فوجدت الحديث فعلا قد ذكر فيه مرفوعًا في موضعين»» (٣)، ورجعت أيضًا إلى تخريج العراقي له فوجدته بعد ذكر الحديث يقول: «لم» أجده مرفوعا، وإنما رواه ابن

стр. 1408

أبي الدنيا في كتاب «الصمت» من قول الحسن، وقد ذكره المصنف هكذا على الصواب في آفات اللسان (١). ومع أن ما قرره بشأن الحديث متفق مع ما قرره الزيلعي، إلا أنك تلاحظ أنه لم يشر لمشاركة غيره له في البحث عنه، حيث قال: «لم أجده»، كما أنه خرجه من كتاب «الصمت» لابن أبي الدنيا، وهو غير الكتاب الذي خرجه منه الزيلعي، وهو كتاب «شعب الإيمان» للبيهقي. وفي تخريج الحديث الخامس من سورة الرعد، وهو قوله ﷺ عن القرآن: «ولا تجعله علينا ماحلا مصدقا». قال الزيلعي: «قلت: غريب بهذا اللفظ»، والذي وجدناه في الحديث المرفوع: القرآن شافع مشفع، وما حل صدق (٢)، فقوله «والذي وجدناه» يدل على مشاركة غيره له في البحث عن هذا الحديث أيضًا، بدليل قوله عن غيره: «وأقرب ما وجدته كذا» (٣)، وبالرجوع إلى تخريج «الإحياء» للعراقي نجده قد خرج الحديث المذكور من نفس المصدر الذي خرجه منه الزيلعي (٤). فهذا يدل على المشاركة بينهما، وإن لم يصرح بها العراقي كما صرح الزيلعي، كما أني وجدتهما يتفقان تمامًا في عدة مواضع في المصادر المخرج

стр. 1409

منها الحديث (١)، إلا أني قرأت «التخريج الصغير» للإحياء جميعه، وقرأت المجلد الأول من «تكملة شرح الترمذي» للعراقي، وقرأت أكثر من مجلد من أثنائه، فلم أجد خلال ذلك تصريحًا من العراقي بأن الزيلعي قد أفاده تخريج حديث أو دله على المصدر الموجود فيه، كما أني قرأت معظم «تخريج الزيلعي لأحاديث الهداية» فلم أجد تصريحًا منه بشيء من ذلك أيضًا، بل إني وجدت بعض مواضع كان يلزمهما فيها التعاون فلم أجدهما فعلاه. مثال ذلك: «أن الغزالي أورد في «الإحياء» حديث «ليس على مستكره طلاق» فلم يخرجه العراقي كلية (٢)، بينما الزيلعي قد خرجه في «تخريج أحاديث الهداية» (٣)، فكان مقتضى تعاونهما معًا أن يخرجه العراقي إستفادة من رفيقه الزيلعي، وهناك أيضًا: حديث النهي عن الإغتسال بالماء المشمس من رواية ابن عباس، فقد كانت هذه الرواية كما قدمت في الباب الأول مما أعيا الحفاظ المشتغلين بالتخريج في مصر والشام الوقوف عليها مسندة في مصدر حديثي، وقد سئل العراقي في رحلته الأولى للشام عن تلك الرواية فخرجها لمن سأله، من مشيخة القاضي أبي بكر الأنصاري، واعترف الحافظ ابن كثير، شيخ العراقي باستفادة ذلك منه، فكان مقتضى التعاون العلمي بين الزيلعي والعراقي استفادة الزيلعي منه تخريج هذه الرواية التي شغلت الجميع، كما استفادها منه غيره، ولكن عندما نرجع إلى تخريج الزيلعي لأحاديث

стр. 1410

الهِدايَةِ» لا نجد به تخريج رواية ابن عباس هذه كلية (١)، كذلك وجدت أنَّ الزيلعي والعراقي قد يتفقان في تخريج الحديث من مصدر واحد ولكن أحدهما يبين درجة الحديث والآخر لا يبينها (٢)، ومقتضى التعاون أن يستفيد كل منهما من الآخر في تلك النقطة الهامة في علم التخريج، وعلى ضوء هذا كله يمكن القول: إن ترافق وتعاون الزيلعي والعراقي في مجال التخريج كان في بعض الأحيان، وكان مقتصرا على التقائهما معا في بعض مجالس، يتناوبان فيها - على ما يبدو - قراءة بعض كتب السنة، لتخفيف مشقة قيام كل منهما بذلك منفردا، وعند مرور أيهما في القراءة على حديث مطلوب، يقوم المحتاج إليه منهما بنقله وتقييده، فيما هو مشتغل بتخريجه، وهكذا، ثم يقوم كل منهما على انفراد، باستكمال بحوث تخريج أحاديث الكتاب المشتغل بتخريجه، ويعتبر القدر المذكور من تشاركهما في الإطلاع والبحث أنموذجا طيبا ورائدا للتعاون العلمي الصادق بين المشتغلين بعلوم السنة، كما أنه يدل كما قدمت في الباب الأول على أريحية كل من الزيلعي والعراقي، وتقدير كل منهما للآخر، رغم اختلاف المذهب الفقهي، حيث إن الزيلعي حنفي والعراقي شافعي، وقد كان الخلاف المذهبي - حينذاك - مثارًا للعداء الشديد ورغم أن الزيلعي بمنزلة شيوخ العراقي، ويرد هذا أيضا - كما قدمت - القول بتأخر العراقي وتراخيه في طلب السنة على وجهها، ولا سيما إذا راجعنا

стр. 1411

ما قدمته من بحوثه وآرائه التي تضمنها تخريجه الكبير، الذي كان باكورة مؤلفاته في السنة، وخلاصة عمله في تلك الآونة. «معارضة القول بانتفاع العراقي في التخريج بمؤلفات تلميذه الهيثمي» يتصل أيضًا ببيان مصادر العراقي في هذا التخريج، ما ذكره الحافظ ابن حجر، وتلميذه السخاوي من انتفاع العراقي في «تخريج أحاديث الإحياء» وغيره، بمؤلفات تلميذه الحافظ نور الدين الهيثمي السابق التعريف به، فقد ذكر ابن حجر في ترجمته للهيثمي: أنه جمع كلا من زوائد مسانيد أحمد وأبي يعلى والبزار ومعاجم الطبراني الثلاثة، ثم جمعهم بعد حذف الأسانيد في كتابه المعروف «مجمع الزوائد ومنبع الفوائد» وذكر أيضًا تأليفه لترتيب أحاديث «حلية الأولياء» لأبي نعيم، ولترتيب كتابي الثقات، لكل من ابن حبان والعجلي، ثم أعقب ابن حجر ذلك بقوله: «وكان الشيخ (أي العراقي)، يستعين به، (أي بالهيثمي)، في عمل هذه التصانيف لينتفع، أي العراقي، بها فيما يجمعه، ويشرحه، وخصوصًا تخريج أحاديث الإحياء، وتخريج ما يقول الترمذي فيه: وفي الباب» (١). وقال السخاوي: «إن العراقي استروح فيما بَعُدُ بما عمله الهيثمي من المؤلفات، سيما «مجمع الزوائد» (٢)، وهذا يفيد أن العراقي اعتمد في «تخريج أحاديث الإحياء»، على مؤلفات الهيثمي المذكورة، ولكني قدمت في التعريف بالهيثمي معارضتي لهذا من أربعة أوجه (٣)، ثم وعدت بإضافة

стр. 1412

المزيد هنا فأقول: «إني قد قرأت جميع «التخريج الصغير» للإحياء غير مرة، فلم أجد العراقي - رغم أمانته في النقل، والتزامه العام بالعزو إلى مصادره - كما تقدم - لم أجده أشار أية إشارة لاستفادة شئ من تلميذه الهيثمي، أو من أي مؤلف من مؤلفاته، بينما وجدت العكس، وهو تصريح الهيثمي بالإستفادة من شيخه العراقي، وذلك في «مجمع الزوائد»، وهو الصورة النهائية لجمع الهيثمي للزوائد، كما أنه الكتاب الذي نص السخاوي على استفادة العراقي به كما مر». ففي تخريج حديث «اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة» قال الهيثمي: «رواه الطبراني في «الأوسط»، وأخبرني سيدي وشيخي (يعني العراقي) أن إسناده صحيح» (١)، ثم نقل ذلك عن الهيثمي من بعده (٢)، وإذا كان الحافظ ابن حجر قد ذكر «تخريج الإحياء» في مقدمة المؤلفات التي انتفع العراقي فيها بمؤلفات الهيثمي، دون أن يذكر لنا مثالاً واحدًا لذلك، فإن الحافظ المناوي قد أثبت عكس ذلك مؤيدًا بالأمثلة، حيث صرح في تخريج أحاديث كثيرة بتبعية الهيثمي في «مجمع الزوائد»، لما قرره شيخه العراقي في هذا «التخريج الصغير» (٣)، وهو آخر مؤلفات العراقي الثلاثة في تخريج الإحياء، وقد فرغ منه في زمن متأخر من حياته، وهو سنة ٧٩٠ هـ كما تقدم،

стр. 1413

كما أني وجدت بعض أمثلة تنافي انتفاع العراقي في هذا التخريج بمجمع الزوائد لتلميذه الهيثمي، ففي تخريج حديث «اتسع في السماء» ذكر العراقي حديث خالد بن الوليد «ارفع إلى السماء، واسأل الله السعة» وعزاه إلى الطبراني ثم قال: «في إسناده لين» (١)، بينما نجد الهيثمي في «مجمع الزوائد» قد خرَّج الحديث من عند الطبراني أيضًا فقال: «رواه الطبراني بإسنادين أحدهما حسن» (٢)، فلو أن العراقي اعتمد على كتاب الهيثمي لما أهمل ذكر السند الحسن الذي أشار إليه الهيثمي، لأن قواعد التخريج كما تقدَّم، تقضي عند الاختصار، أن يقدم تخريج الحديث بالسند الأقوى، أو يكتفي به. ثم إن هناك تصريحات متعددة من العراقي، برجوعه المباشر للمصادر التي خرج الهيثمي منها «مجمع الزوائد» (٣)، كما أن من الرواة من صرَّح الهيثمي في «المجمع» بأنه لا يعرفه، بينما نجد العراقي قد بيَّنه في «تخريجه الكبير للإحياء»، وذلك في تخريج حديث «دع ما يريبك الى ما لا يريبك» فقد أخرجه العراقي في «الكبير» من مسند الإمام أحمد، من رواية أبي عبد الله الأسدي عن أنس رفعه، ثم قال العراقي: «وأبو عبد الله الأسدي قال أبو حاتم: مجهول، تفرَّد عنه يحيى بن أيوب المصري». وعقب على ذلك بقوله: «وهو معروف، وسماه بعضهم: عيسى بن

стр. 1414

عبد الرحمن (١)، أما الهيثمي فإنه بعد تخريج الحديث بالعزو إلى أحمد، وذلك. في (المجمع) قال: وأبو عبد الله الأسدي، لم أعرفه .. (٢). وهكذا توافرت الأدلة والشواهد على دفع القول بانتفاع العراقي في (تخريج أحاديث الإحياء) بمؤلفات تلميذه الهيثمي.

стр. 1415

شرط العراقي فيما التزم بتخريجه في الكتاب واهمية معرفته ونقده مما يبين أهمية الوقوف على شرط العراقي في هذا الكتاب، وتوضيحه ما يلي: ١ - أن العراقي كما تقدم في تسمية الكتاب، جعل موضوعه الذي تفيده التسمية عامًا، يشمل تخريج أنواع الأخبار الواردة في الإحياء، دون استثناء في حين نجد واقع الكتاب أخص مما في العنوان. ٢ - أن العراقي كتب مقدمة الكتاب بعد الفراغ منه، وضمنها أهم اصطلاحاته، وعناصر منهجه، وختمها بتسميته للكتاب، ولكن لم يوضح في تلك المقدمة مقصوده «بالأخبار» فيما خرجه (١)، مع أن المقدمة هي المكان المناسب، والمظنة القريبة لتوضيح هذا القصد، حتى يتفق الاسم مع المسمى، ويتطابق عنوان الكتاب مع مضمونه، ولو في الجملة، ويعرف القارئ منذ البداية ما شرط العراقي على نفسه أن يتصدى لتخريجه من أنواع الأخبار الواردة في الإحياء، وبالتالي لا ينتقده في ترك ما لم يلتزم بتخريجه، ولا يطالبه بغير ما شرط على نفسه الوفاء به. ٣ - أن الغزالي في إيراده للمرويات التي اعتمد عليها في الإحياء، لم يلتزم طريقة موحدة؛ حيث نجده عند سرده للأدلة، يضع عنوانا باسم «الأخبار» ويورد تحته أحاديث مصرحًا برفعها إلى النبي ﷺ ، ويورد معها أيضًا مرويات أخرى عن غير النبي ﷺ ، كما قدمته في مبحث تسمية الكتاب ثم يضع عنوانا آخر باسم (الآثار) ويضع تحته مرويات موقوفة، مصرحًا

стр. 1416

بنسبتها إلى الصحابة، أو مقطوعة مصرحا بنسبتها إلى التابعين، أو غيرهم، ويورد غير ذلك أيضا من أنواع الأخبار التي أشرت إليها في مبحث شرط العراقي في التخريج الكبير، وقد يورد تحته أيضا بعض أحاديث مصرحا برفعها إلى الرسول ﷺ (١) وقد يطلق «الأثر» على الحديث المرفوع (٢). كما أنه قد يورد الحديث الواحد في موضعين متباعدين، ويصرح برفعه في موضع، ويوقفه على الصحابي أو من دونه في موضع آخر، أو يقتبسه أيضا في موضع متباعد في خلال كلامه هو، وبذلك لا يتيسر للقارئ الربط بين الحديث في الموضعين، إلا من خلال المراجعة التفصيلية للكتاب كله. وقد يقول: حديث فلان من الصحابة، فمن دونهم، ويكون الحديث في: بعض مصادره المتداولة، قد روي عن هذا الصحابي موقوفا عليه، مرة، ومرفوعا منه إلى الرسول ﷺ مرة أخرى. وقد يورد الغزالي الحديث بعبارة غير صريحة في إفادة رفع الحديث، مثل قوله: وفي «الخبر، أو الأخبار، كذا» أو «روي كذا» ثم يكون المذكور بعد هذه العبارة أو نحوها، قد روي في المصادر مرفوعا، وموقوفا أيضا، وقد يورده الغزالي بمثل هذه العبارات المحتملة للرفع وغيره، ثم يورده مرة أخرى في موضع آخر مصرحا برفعه. وستأتي أمثلة توضيحية لما ذكرت، خلال هذا المبحث، وما بعده بإذن الله. ومن أجل تنوع صنيع الغزالي هكذا، أصبح في كتابه الإحياء مرويات كثيرة.

стр. 1417

مصرح بها، أو مشار إليها، وعبارة الغزالي في إيرادها محتملة أنه يقصد أحاديث مرفوعة إلى الرسول ﷺ ، أو يقصد غير المرفوع مما هو موقوف على الصحابة، أو من دونهم، أو ما هو أعم من ذلك. كما أن الغزالي خلال عرضه الجوانب العديدة لموضوعات كتابه، يسوق أحاديث مرفوعة، وآثارا موقوفة، بألفاظهما، أو يشير إلى ذلك بمثل قوله: «وجوب التوبة ظاهر بالأخبار» (١) أو يذكر مرويات عن بعض الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أو بعض الحكماء، أو غير ذلك مما ستأتي نماذجه التفصيلية، إن شاء الله. ومن أجل هذا كله، احتاج العراقي أن يضع لنفسه شرطًا يحدد به ما التزم في كتابه «المغني» هذا بتخريجه من تلك المرويات المتعددة، منعًا للالتباس، ودفعًا للانتقاد بالغفلة، أو التقصير في الوفاء بعنوان الكتاب العام، كما تقدم. ٤ - إن تأخير العراقي ذكر شرطه عن محله المعتاد، وهو مقدمة الكتاب، أو عنوانه، إلى مواضع متفرقة خلال الكتاب، جعل الوقوف عليه، ومراعاته تخفيان على من لم يطالع الكتاب مطالعة تفصيلية، ولهذا يعتبر استخراجه من ثنايا الكتاب، وإظهاره هكذا في مبحث خاص، أمرًا له أهميته باعتباره عنصرا أساسيًا في بيان موضوع الكتاب، وتحديد مضامينه، ومعرفة قيمته الحديثية، وجهد المؤلف فيه. ٥ - لعل طريقة العراقي هذه في ذكر شرطه خلال الكتاب، تنبه الباحثين إلى أن الإعتماد في بيان مناهج المؤلفين على تسمية كتبهم ومقدماتها فقط مع أخذ أمثلة متفرقة من الكتاب، دون فحص تفصيلي لكل الكتاب، مما يوقع الباحث

стр. 1418

في خطأ الحكم على مثل هذا الكتاب وتقويمه. وأول تلك المواضع التي بين العراقي فيها شرطه، وجدته عند قول صاحب الإحياء، كما في طبعة الحلبي: «وجاء في الخبر» وفي نسخة الزبيدي: «وجاء في الآثار: إن الملائكة يفتقدون الرجل إذا تأخر عن وقته يوم الجمعة». ويبدو أن نسخة العراقي كانت مثل نسخة الزبيدي في هذا الموضع، فإنه قال في تخريجه: حديث: إن الملائكة .. البيهقي من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، مع زيادة ونقص، بإسناد حسن. ثم قال: واعلم أن المصنف - يعني الغزالي - ذكر هذا أثرًا؛ فإن لم يرد به حديثا مرفوعًا، فليس من شرطنا، وإنما ذكرناه احتياطا (١)، أي احتياطا لأن يكون الغزالي قصد بكلمة «الآثار» الحديث المرفوع، فراعى العراقي مقصده، وإن كان لفظه ليس صريحًا في إرادة الحديث المرفوع. فقول العراقي هنا: «فإن لم يرد به حديثا مرفوعًا، فليس من شرطنا» يفيد أنه شرط على نفسه في هذا «التخريج الصغير» أن يتصدى لتخريج كل ما أورده الغزالي في الإحياء بصيغة تدل على أنه يقصد حديثا مرفوعا إلى النبي ﷺ ، كقوله: قال ﷺ كذا، أو فعل كذا، أو اتصف بكذا. أما ما يورده بصيغة تحتمل الرفع وغيره، مثلما في هذا الموضع، فليس من شرط العراقي الإلتزام بتخريجه، وإنما قد يخرجه احتياطا في تحقيق مقصد الغزالي، كما قرر هنا، أو لقصد تحقيق فائدة معينة، كما سيأتي، وقد يترك تخريجه، وهو الأكثر، لعدم دخوله فيما اشترط على نفسه التصدي لتخريجه.

стр. 1419

وفي موضع بعد هذا، ذكر الغزالي عددًا من الأعمال المكفرة للذنوب وقال في واحد منها: «وفي بعض الآثار: تسبغ الوضوء، وتدخل المسجد وتصلي ركعتين». فقال العراقي في تخريجه: أثر: إن من مكفرات الذنوب، أن تسبغ الوضوء … وعزاه إلى أصحاب السنن من حديث أبي بكر الصديق ﵁ مرفوعًا ثم قال: وهو في السنن الكبرى - يعني للنسائي - مرفوعا وموقوفا؛ فلعل المصنف عبر «بالأثر» لإرادة الموقوف، فذكرته احتياطا، وإلا فالآثار ليست من شرط كتابي (١). فمعنى كلام العراقي هذا، أنه وإن كان ما ذكره الغزالي قد روي عند أصحاب السنن مرفوعًا، إلا أن أحدهم، وهو النسائي، قد رواه موقوفًا أيضًا (٢) فلما عبر الغزالي بالأثر، احتمل أن يكون مراده الرواية الموقوفة فقط، وحينئذ لا يكون تخريجها داخلا في شرط العراقي في هذا التخريج، كما صرح بذلك في بقية كلامه. ولكنه خرجه احتياطيًا لأن يكون الغزالي قصد بالأثر: الرواية المرفوعة، لكونها موجودة عند النسائي مع الموقوفة، وموجودة عند باقي أصحاب السنن الثلاثة. أقول: والذي ساعد على احتمال إرادة الموقوف، أن الغزالي قبل هذا - بسطور - قال: وفي الآثار، ما يدل على أن الذنب إذا أتبع بثمانية أعمال، كان العفو عنه مرجوا .. وذكرها .. ثم أعقبها بقوله السابق: «وفي بعض الآثار .. » (٣).

стр. 1420

ويلاحظ أن العراقي لم يتصد لتخريج شيء في مقابل قول الغزالي: وفي الآثار ما يدل … إلخ، لكونه لم ير فيه ما رآه في الذي يليه من احتمال إرادة الغزالي بذلك حديثا مرفوعا. وفي موضع بعد هذا قال الغزالي: وفي حديث مجاهد: القلب مثل الكف المفتوحة، كلما أذنب العبد ذنبا انقبضت إصبع … (الحديث). فقال العراقي في تخريجه: هكذا قال المصنف: «وفي حديث مجاهد» وكأنه أراد به قول مجاهد، وكذا ذكره المفسرون، من قوله، وقد رويناه في «شعب الإيمان» للبيهقي من قول حذيفة (١). فأشار العراقي بذلك إلى أنه تعرض لتخريج هذا من أجل تعبير الغزالي فيما أضافه إلى مجاهد بلفظ «الحديث»، الذي يطلق في الأصل على ما هو مرفوع، لكنه لم يجده مرفوعا، فخرج الرواية الموقوفة على مجاهد، وعلى حذيفة، ثم أتبعها بالتنبيه على سبب تصديه لها، مع أنها تعتبر من الآثار الموقوفة، وهي ليست من شرط كتابه. وفي موضع آخر بعد هذا أيضا قال صاحب الإحياء: قال أبو جعفر - يعني محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب -: «فرش لحده ﷺ بمفرشه، وقطيفته .. ثم قال: فلم يترك ﷺ بعد وفاته مالا، ولا بنى في حياته لبنة، ولا وضع قصبة على قصبة». وقد اختلفت نسخ كتاب المغني في تخريج هذا الموضع ففي المطبوع مع «الإحياء» جاء التخريج هكذا: حديث أبي جعفر: فرش لحده ﷺ

стр. 1421

بمفرشه وقطيفته، وفيه: فلم يترك بعد وفاته مالًا … أما وضع القطيفة، فالذي وضع القطيفة، (شُقْران) مولى رسول الله ﷺ ، وليس ذكر ذلك من شرط كتابنا، وأما كونه لم يترك مالًا، فقد تقدّم من حديث عائشة وغيرها، وأما كونه ما بنى في حياته، فتقدم أيضًا (١). وفي نسخة شارح الإحياء جاء التخريج هكذا «قال العراقي: الذي وضع المفرشة شُقْران مولى رسول الله ﷺ ، وليس ذكر ذلك من شرط كتابنا، ولمسلم والترمذي وحسنه - والنسائي من حديث ابن عباس قال: جعل في قبر النبي ﷺ قطيفة حمراء» (٢). فالكلام الذي ذكره الغزالي متصلًا بعضه ببعض، يعتبر في مصادر التخريج أمرين منفصلين: أولهما: قول أبي جعفر: فرش لَحْدَهُ ﷺ بمفرشه، وقطيفته إلى قوله: في أكفانه. وثانيهما: فلم يترك ﷺ بعد وفاته مالًا، ولا بنى في حياته لبنة على لبنة ولا وضع قصبة على قصبة فهذا الأمر الثاني مرفوع إلى الرسول ﷺ ، ولذلك تصدى العراقي لتخريجه ببيان أنه مُتَضَمِّن في حديثين سبق تخريجه لهما، فأحال عليهما، كما ترى في نسخة «المغني» التي مع الإحياء. أما العبارة الأولى، فأصلها أثر موقوف على شُقْران، من رواية أبي جعفر التي أشار إليها الغزالي، أو موقوف على ابن عباس، كما ذكره العراقي حسب نسخة الزبيدي. وعلى كلتا الروايتين يصدق عليه قول العراقي «ليس

стр. 1422

ذكر ذلك من شرط كتابنا» وبذلك لا يكون مطالبًا بتخريجه، وبهذا يتجه تركه لتخريجه كلية، حسب نسخة التخريج التي مع الإحياء. أما في نسخة الزبيدي، فإن العراقي بعد تقرير أن الموقوف ليس من شرطه تخريجه، ذكر له رواية موقوفة على ابن عباس، في حين أن الرواية التي ذكرها الغزالي من رواية أبي جعفر، موقوفة على شقران، كما ذكر العراقي نفسه، في كلتا النسختين، وقد أخرجها الترمذي (١) قبل رواية ابن عباس التي عزاها العراقي إلى الترمذي وغيره، كما مر. وقد أخرج الترمذي أثر شقران هذا من طريق أبي جعفر، ومن طريق ابن أبي رافع. وقال الترمذي: حديث شقران حديث حسن غريب. فلعل العراقي يكون ذكر تخريجه هكذا من عند الترمذي، وأتبعه بتخريج رواية ابن عباس من عند الترمذي وغيره، ولكن سقط من نسخة التخريج التي طبعت مع الإحياء تخريج رواية شقران، كما سقط تخريج الروايتين المرفوعتين من نسخة الزبيدي .. فيكون كلا النسختين حصل فيهما سقط، ويكون تخريج العراقي لأثر شقران، من باب الإحتياط لأن يكون هو مقصود الغزالي، بدليل ذكره معزوا إلى راويه أبي جعفر، كما تقدم، وإتباعه بتخريج رواية ابن عباس، شاهدًا، ولورودها في صحيح مسلم كما ذكر في تخريجها السابق. وفي موضع آخر قال الغزالي: الكبائر سبع عشرة، جمعتها من جملة الأخبار، وجملة ما اجتمع من قول ابن عباس وابن مسعود، وابن عمر،

стр. 1423

وغيرهم .. وذكر عددًا مما في الأحاديث المرفوعة، وعددًا مما جاء في أقوال الصحابة موقوفًا عليهم، دون تمييز ما في المرفوع، عما في الموقوف. فقال العراقي في التخريج: … وسأذكر ما ورد منها مرفوعًا .. وذكر المرفوعات، ثم قال: وأما الموقوفات .. ، وذكر أربع روايات موقوفة عن أربعة من الصحابة، ثم قال: وإنما ذكرت الموقوفات، حتى يعلم ما ورد في المرفوع، وما ورد في الموقوف (١)، فنبه بذلك على أن تخريجه للموقوفات، وإن لم تكن على شرطه، أنه قصد تحقيق فائدة علمية، وهي تمييز ما ورد في المرفوع عما ورد في الموقوف، مما يتعلق بهذا الموضوع الهام، وهو موضوع كبائر الذنوب - أعاذنا الله منها - وهذه كما ترى فائدة لها أهميتها، سواء في باب الرواية و أو الإحتجاج. وستأتي أمثلة أخرى أيضًا لما خرجه العراقي من الآثار الموقوفة، زيادة على شرطه، ضمن مبحث «ما خرجه العراقي زيادة على شرطه». وفي موضع آخر اقتبس الغزالي لفظ حديث نبوي فأدمجه في سياق كلامه حيث ذكر أن من يتخذ أواني الذهب والفضة، فقد كفر بالنعمة، ثم قال: فمن لم ينكشف له هذا، انكشف له بالترجمة الإلهية، وقيل له: من شرب في آنية من ذهب أو فضة، فكأنما يجرجر في بطنه نار جهنم. فقال العراقي في تخريجه: «حديث من شرب في آنية الذهب … » متفق عليه، من حديث أم سلمة، ثم قال: ولم يصرّح المصنف بكونه حديثًا (٢).

стр. 1424

أي أن هذا وإن كان لفظ حديث مرفوع، لكن المصنف وهو الغزالي، قد أورده ضمن سياق كلامه هو، غير مصرح بنسبته إلى الرسول ﷺ . وعليه لا يكون من شرط العراقي التصدي لتخريجه، ولكنه أثر تخريجه كما نرى، تحقيقًا للفائدة. لكن هناك مواضع أخرى مشابهة، ولم يتعرض العراقي لتخريجها. وستأتي بعض الأمثلة لذلك في مبحث «ما خرجه زيادة على شرطه». كما سيأتي ملاحظة الزبيدي عدم التزام العراقي بتخريج كل ما يقتبسه الغزالي من الأحاديث في سياق كلامه. وفي موضع آخر، ذكر الغزالي آداب حضور المدعو إلى منزل الداعي إلى طعام، فقال في سياقها: «وينوي مع ذلك زيارته، ليكون من المتحابين في الله، إذ شرط رسول الله ﷺ فيه التبادل والتزاور». فقال العراقي في تخريجه: حديث وجبت محبتي للمتزاورين في، والمتباذلين في، وعزاه إلى مسلم من حديث أبي هريرة. ثم قال: ولم يذكر المصنف هذا الحديث، وإنما أشار إليه (١). أي أن الغزالي أشار إلى هذا الحديث، بذكر معناه، أو موضوعه العام، ولم يذكر لفظا معينًا، ومع ذلك تصدى العراقي لتخريجه، لدخوله في شرطه، وهو تصريح الغزالي بالعزو إلى الرسول ﷺ ، سواء ساق لفظ الحديث، كما هو الأصل، أو أشار إليه إشارة بذكر موضوعه، أو معناه العام كما في هذا الموضع.

стр. 1425

وقد لاحظت توفية العراقي بذلك، إلا في بعض المواضع التي ستأتي الإشارة إليها في مبحث ما فاته، إن شاء الله. وفي موضع آخر قال الغزالي: «وفي الخبر: ما وَقَى الرجل به عرضه، فهو له صدقة». فتصدى العراقي لتخريج ذلك بالعزو إلى أبي يعلى وابن عدي، من حديث جابر، وذكر تضعيف ابن عدي له (١). وقد أقر الشارح العراقي على هذا، وزاد تخريج الحديث من مصادر أخرى (٢)؟ ويلاحظ أن الغزالي أورد هذا الحديث مصدرًا بعبارة: «وفي الخبر» دون أن يعزوه إلى الرسول ﷺ ، أو إلى غيره، وقد قرر العراقي أن الغزالي كثيرًا ما يعبر بعبارة «وفي الخبر» هكذا مطلقة، ويكون ما بعدها من الإسرائيليات غير المرفوعة (٣)، وسيأتي توضيح ذلك في مبحث «موقف العراقي من الإسرائيليات التي في الإحياء» وقوله هذا يفيد أن ما يورده الغزالي بعبارة «وفي الخبر كذا … » فإنها لا تكون صريحة في رفع ما بعدها؛ بل تحتمل إرادة المرفوع، كالمثال السابق، وبالتالي يتصدى العراقي لتخريج ذلك احتياطًا، وتحتمل في حالات كثيرة إرادة روايات غير مرفوعة، كالإسرائيليات الموقوفة كما سيأتي، وغيرها. وبالتالي لا يكون العراقي مطالبا بتخريجها، تبعا لشرطه مهما كثرت. وتقرير العراقي هذا، لما جرى عليه الغزالي فيما يورده بعبارة: «وفي الخبر»،

стр. 1426

يؤكد ما قدمته من انتقاد عنونته للكتاب بـ «تخريج ما في الإحياء من الأخبار». وفي موضع آخر قال الغزالي: ويروى أن الله لما لعن إبليس، سأله النظرة، فأنظره إلى يوم القيامة، فقال: وعزتك، لا خرجت من قلب ابن آدم، ما دام فيه الروح (الحديث). فخرج العراقي رواية بنحوه من حديث أبي سعيد مرفوعًا، … ثم قال: أورده المصنف بصيغة «ويُروى كذا»، ولم يعزه إلى النبي ﷺ ، فذكرته احتياطا (١)، يعني احتياطا لأن يكون هذا هو مقصود الغزالي. وفي موضع آخر قال الغزالي: ويروى: لو أن قطرة من الموت وضعت على جبال الدنيا كلها لذابت. وقد تصدى العراقي لتخريج هذا بقوله: حديث: لو أن قطرة من الموت … لم أجد له أصلا، ثم قال: ولعل المصنف لم يورده حديثا، فإنه قال: «ويروى» (٢). ومن هذين المثالين نفهم أن العراقي يعتبر ما يذكره الغزالي بعبارة «يروى كذا» يحتمل أن يريد به حديثا مرفوعًا، ويحتمل غيره، حتى من الروايات التي لا أصل لها، وبالتالي لا يكون العراقي ملزمًا - حسب شرطه - بالتصدي لما يورده الغزالي بهذه الصيغة، وإنما تارة يخرجه احتياطًا، وتارة يتركه، لخروجه عن شرطه. ومما يدل على مراعاة العراقي لشرطه فيما يتركه، أنا نجد الغزالي يورد الحديث الواحد، مرة مرفوعا إلى النبي ﷺ ، ومرة يورده بعبارة محتملة للرفع وغيره، ومرة أخرى منسوبًا إلى غيره ﷺ : كالصحابة أو التابعين، أو غيرهم.

стр. 1427

وقد يورده مرة مرفوعًا، ومرة يقتبسه في سياق كلامه هو. فنجد العراقي يتصدى لتخريج مثل هذا الحديث، في حالة رفعه فقط ويتركه في بقية الحالات، كما سيأتي في الأمثلة. وقد عرف شرط العراقي هذا، ولاحظ مراعاته له من عدمها، مَنْ مارس كتابه بتفصيل، وعناية، مثل الإمام الزبيدي شارح الإحياء. وبعد الذي قدمته من تصريحات العراقي بشرطه، وإشاراته إليه، أُورِدُ هنا بعض الأمثلة الدالة على التزامه بالشرط، ومراعاته لمقتضاه، خلال الكتاب وكذا بعض الأمثلة الدالة على ملاحظة الزبيدي لمراعاة العراقي لشرطه، أو عدم مراعاته، ثم أتبع ذلك بمبحث خاص لإبراز ما خرجه العراقي زيادة على شرطه. فمن تلك الأمثلة: حديث: (يوزن يوم القيامة مداد العلماء بدم الشهداء) فقد ذكره الغزالي في كتاب العلم - الباب الأول - ضمن الأدلة من الأخبار وصرح بنسبته إلى الرسول ﷺ . فقام العراقي بتخريجه بالعزو إلى ابن عبد البر في (جامع بيان العلم) - من حديث أبي الدرداء، مرفوعًا (١). ثم أورده الغزالي مرة ثانية في الباب نفسه، ضمن الأدلة من الآثار، ونسبه إلى الحسن - يعني البصري - فقال: وقال الحسن ﵀ … فذكره بلفظه، وزاد في آخره: فيرجح مداد العلماء بدم الشهداء. ولم يتعرض العراقي لتخريجه (٢)، ولو بالإحالة على ما سبق، كما يفعل

стр. 1428

بالنسبة للأحاديث المكررة، وذلك لخروجه في هذا الموضع عن شرطه. أما الزبيدي فعلق عليه بقوله: قد روي ذلك مرفوعًا عن أبي الدرداء، كما تقدم ذكره في الحديث العاشر - يعني الحديث السابق الذي خرجه العراقي ثم أضاف الزبيدي عزو الحديث إلى الشيرازي في «الألقاب» مرفوعًا أيضًا من حديث أنس، ثم قال: فلعل الحسن سمعه من أنس (١)، ولكنه لم يتعقب العراقي في عدم تعرضه لتخريج هذا الموضع، لعلمه بشرطه، كما سيأتي له تصريح بذلك. وفي موضع آخر قال الغزالي: وكذلك قوله ﷺ : «كُلُّ مَا أَصْمَيْتَ وَدَع مَا أَنْمَيْتَ». فقام العراقي بتخريجه بالعزو إلى الطبراني في «الأوسط»، من حديث ابن عباس مرفوعًا، وإلى البيهقي موقوفًا على ابن عباس أيضًا، ونقل عن البيهقي قوله: إن المرفوع ضعيف (٢). فيتضح من هذا أن العراقي خرج الرواية الموقوفة، مع المرفوعة لفائدة، وهي الإشارة إلى تعارض الرفع والوقف في هذا، وبيان رجحان الموقوف، وبالتالي إعلال المرفوع، وضعفه، وتحصيل مثل هذه الفائدة أولى من الإلتزام بالشرط في هذا الموضع. ثم إن الغزالي في الباب التالي للموضع السابق - قال: فإن قيل: فقد قال ابن عباس: كل ما أَصْمَيتَ ودع ما أَنميتَ (٣).

стр. 1429

فلم يتعرض العراقي له بتخريج، ولا بإحالة على ما تقدم من تخريجه لهذه الرواية الموقوفة مع المرفوعة كما تقدم. وذلك لأن الغزالي في هذا الموضع ذكره موقوفًا على ابن عباس. ثم إن الشارح أحال بتخريج تلك الرواية الموقوفة على ما ذكره العراقي في تخريج الموضع السابق (١)، ولكن لم يتعقب العراقي بترك هذا الموضع الموقوف وذلك لمعرفتة بشرطه، وملاحظة أن جَرْيَهُ عليه هو الأصل، كما سيأتي مثال ذلك. وفي موضع آخر قال الغزالي: وروي مسندًا: لا يفتي الناس إلا ثلاثة: أمير، أو مأمور، أو متكلف. فقام العراقي بتخريجه (٢). ثم أورده الغزالي مرة ثانية فقال: ويشهد لحسن الإحتراز من تقلد الفتاوى ما روى مسندًا عن بعضهم أنه قال: لا يفتي الناس إلا ثلاثة … فذكر الحديث بلفظه المتقدم (٣). ولم يتعرض العراقي لتخريجه هنا، لكون الغزالي نسبه إلى بعضهم كما ترى، ولم يرفعه إلى الرسول ﷺ . وقد أحال الزبيدي في «الإتحاف» بتخريجه على الموضع السابق، الذي خرجه العراقي فيه، دون تعقبه للعراقي بشيء، لمعرفته بشرطه (٤).

стр. 1430

وفي موضع آخر ذكر الغزالي أن معرفة العبد نفسه بالعبودية، وربه بالربوبية إنما يتم في الحياة الدنيا، ثم قال: وهو المعني بقوله ﵊: الدنيا مزرعة الآخرة. فتصدى العراقي لتخريجه (١). وفي موضع قبل هذا قال الغزالي: ولا نظام للدين، إلا بنظام الدنيا، فإن الدنيا مزرعة الآخرة. فأورد لفظ الحديث نفسه، كما ترى مقتبسا في خلال كلامه هو، فلم يتعرض العراقي لتخريجه، لعدم دخوله في هذا الموضع في شرطه (٢). وهناك موضوعات كاملة، يعتبر سياق الغزالي لأحكامها منتزعا من ألفاظ ومعاني عدد من الأحاديث المرفوعة، والمخرجة في مصادر مشهورة، كالكتب الستة وغيرها، ولكن لما لم يُصرّح الغزالي برفع شيء منها للرسول ﷺ ، لم يتعرض العراقي بدوره لتخريج شيء منها. مثال ذلك: موضوع كيفية الغسل - من كتاب الطهارة، فقد ساق الغزالي أحكامه، ووصف بعضها بالوجوب، وبعضها بالسنن، وبعضها بالمستحب، ولم يتعرض العراقي لتخريج شيء منها، بناء على عدم توافر شرطه فيها (٣). في حين وجدها شارح الإحياء تحتاج إلى تخريج، فقام بذلك من جانبه لكن

стр. 1431

لَمْ يتعقب العراقي بترك تخريجها (١). ومما يدل على معرفة الزبيدي (٢) بشرط العراقي هذا، وملاحظته التزامه به، من عدمه، أن الغزالي قال في موضع: قال رسول الله ﷺ : من سن سنة سيئة، فعمل بها من بعده، كان عليه وزرها .. (الحديث). فقام العراقي بتخريجه (٣). وفي موضع متقدم على هذا بعدة كتب - قال الغزالي في صدد بيان عظم وزر العالم في معاصيه: «إذ يزل بزلته عالم كثير، ويقتدون به، ومن سن سنة سيئة … » فذكر لفظ الحديث السابق، ضمن سياق كلامه (٤) فلم يتعرض العراقي لتخريج الحديث في هذا الموضوع لخروجه عن شرطه. أما الزبيدي في «الإتحاف (٥) فقال عند هذا الموضع: قوله: ومن سن سنة سيئة … » هي قطعة من حديث، وذكر تمامه، ثم خرجه، وعقب على تخريجه ببيان ملاحظته سبب ترك العراقي لتخريجه، وهو خروجه عن شرطه، فقال: «ولم يذكره العراقي في تخريجه، وكأنه لعدم ذكر المصنف في أوله: قال رسول الله ﷺ ، بل ساقه مساق كلامه، وإلا فلا يخفى مثل ذلك عليه». ويؤيد ملاحظة الزبيدي هذه، ما أسلفته من تخريج العراقي فعلا للحديث نفسه، في الموضع الذي يوافق شرطه، وهو موضع تصريح الغزالي بنسبته

стр. 1432

إلى الرسول ﷺ ، كما قدمت. وكلام الزبيدي السابق يدل على معرفته أن ما يقتبسه الغزالي في سياق كلامه من الأحاديث المرفوعة، ولكنه لا يصرح عند اقتباسها برفعها، فإنها تكون خارجة عن شرط العراقي في كتابه، وبذلك لا يطالب بتخريجها، لا ينتقد بتركها، ولكنه مع ذلك قد خرج بعضا منها، كما سيأتي في بيان ما زاده على شرطه. وفي موضع آخر قال الغزالي: وقال أنس بن مالك: يؤتى بأنعم الناس في الدنيا من الكفار، فيقال: اغمسوه في النار غمسه … (الحديث). فلم يتعرض العراقي لتخريجه؛ لكون الغزالي ذكره موقوفا على أنس، كما ترى (١). أما الزبيدي فقد قام بتخريجه من حديث أنس مرفوعا، بالعزو إلى أحمد، وعبد بن حميد، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه، وأبي يعلى. ثم قال الزبيدي: ولما لم يُصرّح المصنف - يعني الغزالي - برفعه، لم يتعرض له العراقي بالتخريج، وهو واجب التنبيه (٢). فكلام الزبيدي هذا يفيد معرفته أن شرط العراقي فيما التزم بتخريجه، أن يُصرح الغزالي برفع الحديث للرسول ﷺ ، وأما قوله عن هذا الحديث: «وهو واجب التنبيه»، فلعله يشير به إلى أنه وإن لم يصرح الغزالي برفع الحديث، فإنه قد روي مرفوعا في عدد من مصادر الحديث المشهورة، كما أنه لا مجال للرأي فيه، فله حكم الرفع، ولو كان موقوفا على أنس، ومن ثم يرى

стр. 1433

الزبيدي أن مثل هذا كان يجب على العراقي التصدي لتخريجه، بخصوصه، وينبه على أنه في حكم المرفوع، وإن لم يكن من حيث صيغة إيراد الغزالي له، داخلا في شرط العراقي. ومما يؤيد ملاحظة الزبيدي لمدى التزام العراقي بشرطه، أنه قد تعقبه في إغفال تخريج ما هو على شرطه، وفي تعقبه التصدي لتخريج ما ليس على شرطه. ففي موضع قال الغزالي: قال ﷺ حين سأله رجل، فقال: يا رسول الله فيم النجاة؟ فقال: أن لا يعمل العبد بطاعة الله، يريد بها الناس. ولم يتعرض العراقي لتخريج هذا الحديث مع دخوله في شرطه كما نرى (١). أما الزبيدي، فإنه تعقب العراقي فقال: أغفله العراقي، يعني وهو على شرطه، ثم قام الزبيدي بتخريجه، من جانبه هو (٢). وستأتي بعض الأمثلة أيضًا، عند بيان ما فات العراقي، ونحوه مما لم يجده، أو بيض له. وفي موضع آخر قال الغزالي: ويقال: مِنْ وَهَنِ علم الرجل، ولُوْعُه بالماء في الطهور (٣). فيلاحظ أن الغزالي لم يُصرح برفع هذا إلى الرسول ﷺ ، وبالتالي، لا يكون داخلا في شرط العراقي، كما أنه مما للرأي فيه مجال، فيكون حمل

стр. 1434

مقصد الغزالي به على حديث مرفوع، غير ظاهر، ورغم ذلك تصدى لتخريجه، فقال: حديث «من وَهَن علم الرجل … » لم أجد له أصلا (١). وقد تعقب الشارح العراقي في هذا، فقال: وظن العراقي أنه حديث، فقال: لم أجد له أصلا، وليس كذلك؛ بل هو من كلام بعض السلف (٢). وقد أثر اختلاف النسخ أيضًا في بيان ملاحظة الزبيدي لمدى التزام العراقي بشرطه، ففي نسخة «الإحياء» التي بين أيدينا ونسخة الزبيدي جاءت عبارة للغزالي هكذا «قال بعضهم: إذا عمل الرجل في بيت أخيه أربع خصال، فقد تم أنسه … به». فتعرض العراقي لتخريج ذلك بقوله: حديث «إذا صنع الرجل في بيت أخيه … » لم أجد له أصلا (٣). وقد قال الزبيدي عند هذا الموضع: ووقع هذا في نسخة العراقي مرفوعًا إلى النبي ﷺ ، فقال: لم أجد له أصلا، وأنت خبير بأنه من قول بعض الصوفية، هكذا هو في «القوت» أيضًا، فتنبه لذلك (٤). وتعقب الزبيدي هذا، يفيد استحضاره لشرط العراقي، وأنه بمقتضاه ملتزم بالتصدي لكل ما يُصرح في «الإحياء» برفعه إلى الرسول ﷺ ، فإن وجده في المصادر الحديثية خرّجه، وإن لم يجده، نبه على ذلك، لإفادة غيره، أن هذا آخر ما وصل إليه بحثه.

стр. 1435

وسيأتي - بمشيئة الله - مبحث خاص بما قال العراقي فيه: (لا أصل له) مطلقًا، أو مقيدًا. تعقيب إجمالي: ومجموع ما تقدم من تصريحات العراقي، وإشاراته إلى شرطه، وعلى ضوء تصرفه فيما خرجه، وما تركه، وكذا من تتبعات وملاحظات الزبيدي المقتضى شرط العراقي، ومدى التزامه به، من عدم التزامه. كل ذلك يوضح لنا أن العراقي شرط على نفسه في هذا «التخريج الصغير»، أن يتصدى لتخريج كل ما يُصرح في كتاب «الإحياء» بنسبته إلى الرسول ﷺ ، سواء سيقت عبارة الحديث، أو أشير إليه إشارة، بذكر موضوعه، أو معناه العام، وما لم يجد له من ذلك أصلًا في المصادر الحديثية ينبه عليه، وهو بهذا يلتقي مع شرطه السابق في تخريجه الكبير. وأما ما عدا ما يدخل تحت شرطه المذكور من الروايات المتنوعة التي وردت في «الإحياء»، فإن العراقي بمقتضى هذا الشرط، قد أعفى نفسه من الالتزام بالتعرض لتخريج جميعها، ولكنه يعرض لتخريج بعضها، زيادة على شرطه، لفائدة تظهر له في كل موضع بحسبه، سواء صرّح بتلك الفائدة، كما مر معنا، وكما سيأتي أيضًا، أو لم يُصرح، اعتمادًا على فهم القارئ، وإمكانه قياس ما لم يُذكر من الفوائد والدواعي، على ما ذكر. ويلاحظ أن العراقي في شرطه وتعبيره، في كل من «التخريج الكبير» و «الصغير»، قد أطلق «الأثر» على ما يكون موقوفًا على الصحابة وأطلق الحديث على المرفوع إلى الرسول ﷺ ، وهذا لا يعكر على ما قدمته في صدر

стр. 1436

هذا الكتاب من اصطلاح المحدثين على ترادف الخبر، والحديث والأثر، وذلك لأن الترادف يكون في حالة إطلاق كل لفظ وَحْدَه، بدون قرينة تحدد المراد، أما إذا وجدت قرينة، أو ذكر أحدهما في مقابل الآخر كما في هذين الشرطين، وفي تعبيرات العراقي خلال الكتابين، فإنه في مثل هذا يُحمل كل لفظ على ما يُقصد به في موضعه، من مرفوع أو موقوف. ثم إنه قد تبين لي من القراءة التفصيلية المتعددة لهذا التخريج بأكمله، أن العراقي قد التزم بما شرطه، وراعاه خلال الكتاب كله، ووفى به، بصفة عامة. وتبين لي أيضًا أن ما فاته مما هو داخل في شرطه، قليل، كما سيأتي توضيحه. كما أنه قد تصدى لتخريج روايات كثيرة، خارجة عن شرطه، ولم يكن ملزمًا بتخريجها، كما ستأتي في مبحث خاص بها. وعموما فإن إبراز شرط العراقي هكذا ضمن عناصر منهجه في هذا الكتاب، يمكن القارئ من تحديد مسئولية العراقي في تخريجه، ويوضح السبب في تخريجه لبعض الروايات التي في الإحياء، دون بعض، ويظهر الجهد العلمي الذي بذله العراقي في تقويم الأدلة الحديثية على مشتملات الكتاب، وما قدمه من ذلك، زيادة على شرطه الذي حدده. وبذلك يعفى من تعقبات متعددة، وجهت إليه، سواء ممن وقف على شرطه، كالإمام الزبيدي شارح الإحياء، كما تقدم، وسيأتي أيضًا، أو ممن قد لا يكون وقف على هذا الشرط لتفرقه في ثنايا الكتاب، أو يكون وقف عليه، ولكنه لم يلاحظه عند التعقب، وسيأتي شيء من ذلك عند بيان ما فات العراقي تخريجه، أو تعقب بتركه، وتحقيق القول في ذلك بإذن الله.

стр. 1437

ما تعرض العراقي لتخريجه، زيادة على شرطه: تقدم أن العراقي التزم في شرطه في هذا الكتاب بتخريج ما جاء في الإحياء مصرحا برفعه إلى الرسول ﷺ ، وأنه لا يخرج عن ذلك إلا لفائدة يذكرها، أو يترك للقارئ قياسها على ما ذكره. وقد وفقني الله لقراءة هذا الكتاب جميعه، بعناية، وقرأت كتاب الإحياء أيضًا بصحبته، لمعرفة موقف العراقي من تخريج ما فيه من مرويات مصرح بها، أو مشار إليها، بإشارات ظاهرة، أو محتملة، وقد تبين لي من ذلك أن العراقي قد زاد على التزامه العام بشرطه، فتصدى لتخريج أنواع من المرويات التي لا تدخل تحت شرطه، مع ورودها في الإحياء بلفظها أو بمعناها، أو بالإشارة الإجمالية إليها، وقد بين في عدد من المواضع - كما قدمت - السبب الذي دعاه إلى هذا، والفائدة التي قصدها، حتى لا يظن القارئ لمثل تلك المواضع من كتابه، أنه غفل عن مراعاة شرطه أو أخل به، دون مبرر مفيد، أو أنه بعبارة أخرى ليس منهجيا في تأليفه هذا. وسأورد فيما يلي نماذج لأنواع ما تعرض العراقي لتخريجه، زيادة على شرطه الأساسي، لإبراز جهده العلمي في ذلك، وما تحصل به من الفوائد مع توضيح كل نوع ببعض الأمثلة التطبيقية من الكتاب، دون استقصاء وإن كنت في الواقع قد أحصيت مواضع كل نوع تقريبا، من خلال اطلاعي التفصيلي أكثر من مرة على الكتاب، وعلى كتاب الإحياء، وعلى أكثر كتاب شرح الإحياء للزبيدي، بأجزائه العشرة الكبار، ويعلم الله وحده كم أمضيت في ذلك من الشهور المتواصلة ليلا ونهارًا، وأحمد الله على توفيقه لي

стр. 1438

في ذلك وغيره، وعلى ما استفدته كذلك من دقائق علمية. ١ - تخريجه للآثار الموقوفة على الصحابة، أو التابعين، أو ما أطلق عليه الغزالي اسم «الأثر»: تعتبر الآثار الموقوفة، وخاصة على الصحابة، أو التابعين، ذات مكانة ظاهرة في كتاب الإحياء، فبالنسبة للصحابة، يقرر الغزالي، فيه: أن آثار الصحابة، تدل على سنة رسول الله ﷺ بحكم مشاهدتهم تنزل الوحي وعلمهم بقرائن الأحوال التي غابت عن غيرهم (١)، ولهذا فإنه أكثر في الكتاب من الاستدلال بالآثار الموقوفة عليهم، كما ذكر آثارًا غير قليلة موقوفة على التابعين، وتابعيهم. فقد جرى في الكتاب عمومًا على تقسيم الأدلة إلى ثلاثة أقسام: أولها: الآيات القرآنية. وثانيها: ما يعنونه بالأخبار، ويورد تحته الأحاديث المرفوعة وغيرها، كما قدمت بيانه في شرط العراقي. وثالثها: ما يعنونه (بالآثار) وفي مقدمة ما يذكره تحت هذا العنوان، ما هو موقوف على الصحابة، ﵃ (٢)، ولكنه يذكر في بعض المواضع تحت قسم الآثار ما هو منسوب إلى التابعين فمن دونهم، ولا يذكر شيئًا عن الصحابة (٣)، وأحيانًا يذكر تحته ما نسب إلى بعض الأنبياء السابقين، أو

стр. 1439

الحكماء، أو التوراة أو الإنجيل (١)، وقد يطلق الأثر على بعض الأحاديث التي تكون مرفوعة في مصادرها الحديثية، كما قدمت (٢) وكما سيأتي ضمن هذه الفقرة، فهو بهذا، متوسع في إطلاق الآثار بأعم من إطلاق العراقي لها في شرطه السابق، حيث أطلقها على الموقوف على الصحابة، أو التابعين، في مقابل المرفوع إلى الرسول ﷺ . وبالتالي يكون المنسوب منها إلى غيرهم، خارجا عن شرطه، من باب أولى. ومن أمثلة ما خرجه العراقي مما عبر عنه الغزالي «بالأثر» ولو كان له رواية مرفوعة قوله في موضع: وقد جاء في الأثر: صلّ من الليل، ولو قدر حلب شاة. فقام العراقي بتخريجه معبرا عنه من جانبه بالحديث فقال: «حديث: صل من الليل … .». وخرجه بالعزو إلى أبي يعلى من حديث ابن عباس بمعناه مرفوعا، ثم قال: ولأبي الوليد بن مغيث من رواية إياس بن معاوية، مرسلا، لابد من صلاة الليل، ولو حلبة ناقة، أو حلبة شاة (٣). فلعل العراقي لما وجد في معنى ما ذكره الغزالي حديثا مرفوعًا، ورواية بنحوه مرسلة تصدى لتخريجه، احتياطًا لأن يكون الغزالي قصد بقوله «جاء في الأثر» الحديث المرفوع. وقد سبق تصريحه بمثل هذا التعليل في تخريج ما عبّر عنه الغزالي «بالأثر» (٤).

стр. 1440

وفي موضع آخر قال الغزالي: «وأحب طيب الرجال ما ظهر ريحه، وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه، وخفي ريحه، رُوِيَ ذلك في الأثر». وقد قام العراقي بتخريج هذا فقال: حديث: طيب الرجال … ، وعزاه إلى أبي داود والترمذي والنسائي، من حديث أبي هريرة، ونقل عن الترمذي أنه حسنه. (الإحياء مع المغني ١/ ٨٧ حديث ٦ والإتحاف ٣/ ٢٥٤). فوقوف العراقي على الرواية مرفوعة، جعله يرجح أن الغزالي قصد بـ «الأثر» في هذا الموضع، الحديث المرفوع، ومن ثم قام بتخريجه زيادة عن مقتضى شرطه. وفي موضع قال الغزالي: وقال ﷺ : «ما زار رجل رجلا في الله شوقا إليه، ورغبة في لقائه، إلا ناداه مَلَكَ مِنْ خَلْفِهِ: طبت وطاب ممشاك … ». فقام العراقي بتخريجه، لدخوله في شرطه (١)، ثم في باب آخر، بعد هذا قال الغزالي: وفي الأثر: ما زار رجل .. (الحديث) بلفظه السابق. فتصدى العراقي لتخريجه بالإحالة على ما تقدم، فقال: «حديث: ما زار رجل … » تقدم في الباب قبله (٢)، وأقره الشارح على ذلك (٣) ويعتبر تخريج العراقي له في هذا الموضع الثاني زائدا عن شرطه، ويعتبر ذكر الغزالي له في الموضع الأول مصرحًا برفعه، مرجحا لقصده «بالأثر» في الموضع الثاني: الحديث المرفوع. وهناك أقوال وأفعال لم يصدرها الغزالي بعبارة «الأثر»، ولكن عزاها مباشرة.
следующие страницы →