← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 30167

الحافظ العراقي وأثره في السنة

أحمد بن معبد عبد الكريم

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

هذا الكتاب من اصطلاح المحدثين على ترادف الخبر، والحديث والأثر، وذلك لأن الترادف يكون في حالة إطلاق كل لفظ وَحْدَه، بدون قرينة تحدد المراد، أما إذا وجدت قرينة، أو ذكر أحدهما في مقابل الآخر كما في هذين الشرطين، وفي تعبيرات العراقي خلال الكتابين، فإنه في مثل هذا يُحمل كل لفظ على ما يُقصد به في موضعه، من مرفوع أو موقوف. ثم إنه قد تبين لي من القراءة التفصيلية المتعددة لهذا التخريج بأكمله، أن العراقي قد التزم بما شرطه، وراعاه خلال الكتاب كله، ووفى به، بصفة عامة. وتبين لي أيضًا أن ما فاته مما هو داخل في شرطه، قليل، كما سيأتي توضيحه. كما أنه قد تصدى لتخريج روايات كثيرة، خارجة عن شرطه، ولم يكن ملزمًا بتخريجها، كما ستأتي في مبحث خاص بها. وعموما فإن إبراز شرط العراقي هكذا ضمن عناصر منهجه في هذا الكتاب، يمكن القارئ من تحديد مسئولية العراقي في تخريجه، ويوضح السبب في تخريجه لبعض الروايات التي في الإحياء، دون بعض، ويظهر الجهد العلمي الذي بذله العراقي في تقويم الأدلة الحديثية على مشتملات الكتاب، وما قدمه من ذلك، زيادة على شرطه الذي حدده. وبذلك يعفى من تعقبات متعددة، وجهت إليه، سواء ممن وقف على شرطه، كالإمام الزبيدي شارح الإحياء، كما تقدم، وسيأتي أيضًا، أو ممن قد لا يكون وقف على هذا الشرط لتفرقه في ثنايا الكتاب، أو يكون وقف عليه، ولكنه لم يلاحظه عند التعقب، وسيأتي شيء من ذلك عند بيان ما فات العراقي تخريجه، أو تعقب بتركه، وتحقيق القول في ذلك بإذن الله.

стр. 1437

ما تعرض العراقي لتخريجه، زيادة على شرطه: تقدم أن العراقي التزم في شرطه في هذا الكتاب بتخريج ما جاء في الإحياء مصرحا برفعه إلى الرسول ﷺ ، وأنه لا يخرج عن ذلك إلا لفائدة يذكرها، أو يترك للقارئ قياسها على ما ذكره. وقد وفقني الله لقراءة هذا الكتاب جميعه، بعناية، وقرأت كتاب الإحياء أيضًا بصحبته، لمعرفة موقف العراقي من تخريج ما فيه من مرويات مصرح بها، أو مشار إليها، بإشارات ظاهرة، أو محتملة، وقد تبين لي من ذلك أن العراقي قد زاد على التزامه العام بشرطه، فتصدى لتخريج أنواع من المرويات التي لا تدخل تحت شرطه، مع ورودها في الإحياء بلفظها أو بمعناها، أو بالإشارة الإجمالية إليها، وقد بين في عدد من المواضع - كما قدمت - السبب الذي دعاه إلى هذا، والفائدة التي قصدها، حتى لا يظن القارئ لمثل تلك المواضع من كتابه، أنه غفل عن مراعاة شرطه أو أخل به، دون مبرر مفيد، أو أنه بعبارة أخرى ليس منهجيا في تأليفه هذا. وسأورد فيما يلي نماذج لأنواع ما تعرض العراقي لتخريجه، زيادة على شرطه الأساسي، لإبراز جهده العلمي في ذلك، وما تحصل به من الفوائد مع توضيح كل نوع ببعض الأمثلة التطبيقية من الكتاب، دون استقصاء وإن كنت في الواقع قد أحصيت مواضع كل نوع تقريبا، من خلال اطلاعي التفصيلي أكثر من مرة على الكتاب، وعلى كتاب الإحياء، وعلى أكثر كتاب شرح الإحياء للزبيدي، بأجزائه العشرة الكبار، ويعلم الله وحده كم أمضيت في ذلك من الشهور المتواصلة ليلا ونهارًا، وأحمد الله على توفيقه لي

стр. 1438

في ذلك وغيره، وعلى ما استفدته كذلك من دقائق علمية. ١ - تخريجه للآثار الموقوفة على الصحابة، أو التابعين، أو ما أطلق عليه الغزالي اسم «الأثر»: تعتبر الآثار الموقوفة، وخاصة على الصحابة، أو التابعين، ذات مكانة ظاهرة في كتاب الإحياء، فبالنسبة للصحابة، يقرر الغزالي، فيه: أن آثار الصحابة، تدل على سنة رسول الله ﷺ بحكم مشاهدتهم تنزل الوحي وعلمهم بقرائن الأحوال التي غابت عن غيرهم (١)، ولهذا فإنه أكثر في الكتاب من الاستدلال بالآثار الموقوفة عليهم، كما ذكر آثارًا غير قليلة موقوفة على التابعين، وتابعيهم. فقد جرى في الكتاب عمومًا على تقسيم الأدلة إلى ثلاثة أقسام: أولها: الآيات القرآنية. وثانيها: ما يعنونه بالأخبار، ويورد تحته الأحاديث المرفوعة وغيرها، كما قدمت بيانه في شرط العراقي. وثالثها: ما يعنونه (بالآثار) وفي مقدمة ما يذكره تحت هذا العنوان، ما هو موقوف على الصحابة، ﵃ (٢)، ولكنه يذكر في بعض المواضع تحت قسم الآثار ما هو منسوب إلى التابعين فمن دونهم، ولا يذكر شيئًا عن الصحابة (٣)، وأحيانًا يذكر تحته ما نسب إلى بعض الأنبياء السابقين، أو

стр. 1439

الحكماء، أو التوراة أو الإنجيل (١)، وقد يطلق الأثر على بعض الأحاديث التي تكون مرفوعة في مصادرها الحديثية، كما قدمت (٢) وكما سيأتي ضمن هذه الفقرة، فهو بهذا، متوسع في إطلاق الآثار بأعم من إطلاق العراقي لها في شرطه السابق، حيث أطلقها على الموقوف على الصحابة، أو التابعين، في مقابل المرفوع إلى الرسول ﷺ . وبالتالي يكون المنسوب منها إلى غيرهم، خارجا عن شرطه، من باب أولى. ومن أمثلة ما خرجه العراقي مما عبر عنه الغزالي «بالأثر» ولو كان له رواية مرفوعة قوله في موضع: وقد جاء في الأثر: صلّ من الليل، ولو قدر حلب شاة. فقام العراقي بتخريجه معبرا عنه من جانبه بالحديث فقال: «حديث: صل من الليل … .». وخرجه بالعزو إلى أبي يعلى من حديث ابن عباس بمعناه مرفوعا، ثم قال: ولأبي الوليد بن مغيث من رواية إياس بن معاوية، مرسلا، لابد من صلاة الليل، ولو حلبة ناقة، أو حلبة شاة (٣). فلعل العراقي لما وجد في معنى ما ذكره الغزالي حديثا مرفوعًا، ورواية بنحوه مرسلة تصدى لتخريجه، احتياطًا لأن يكون الغزالي قصد بقوله «جاء في الأثر» الحديث المرفوع. وقد سبق تصريحه بمثل هذا التعليل في تخريج ما عبّر عنه الغزالي «بالأثر» (٤).

стр. 1440

وفي موضع آخر قال الغزالي: «وأحب طيب الرجال ما ظهر ريحه، وخفي لونه، وطيب النساء ما ظهر لونه، وخفي ريحه، رُوِيَ ذلك في الأثر». وقد قام العراقي بتخريج هذا فقال: حديث: طيب الرجال … ، وعزاه إلى أبي داود والترمذي والنسائي، من حديث أبي هريرة، ونقل عن الترمذي أنه حسنه. (الإحياء مع المغني ١/ ٨٧ حديث ٦ والإتحاف ٣/ ٢٥٤). فوقوف العراقي على الرواية مرفوعة، جعله يرجح أن الغزالي قصد بـ «الأثر» في هذا الموضع، الحديث المرفوع، ومن ثم قام بتخريجه زيادة عن مقتضى شرطه. وفي موضع قال الغزالي: وقال ﷺ : «ما زار رجل رجلا في الله شوقا إليه، ورغبة في لقائه، إلا ناداه مَلَكَ مِنْ خَلْفِهِ: طبت وطاب ممشاك … ». فقام العراقي بتخريجه، لدخوله في شرطه (١)، ثم في باب آخر، بعد هذا قال الغزالي: وفي الأثر: ما زار رجل .. (الحديث) بلفظه السابق. فتصدى العراقي لتخريجه بالإحالة على ما تقدم، فقال: «حديث: ما زار رجل … » تقدم في الباب قبله (٢)، وأقره الشارح على ذلك (٣) ويعتبر تخريج العراقي له في هذا الموضع الثاني زائدا عن شرطه، ويعتبر ذكر الغزالي له في الموضع الأول مصرحًا برفعه، مرجحا لقصده «بالأثر» في الموضع الثاني: الحديث المرفوع. وهناك أقوال وأفعال لم يصدرها الغزالي بعبارة «الأثر»، ولكن عزاها مباشرة.

стр. 1441

للصحابة موقوفة عليهم، فتعرض العراقي لتخريج بعضها زيادة على شرطه. فمن ذلك قول الغزالي: وقالت عائشة ﵂، في قوله : ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾. أي بدعائك. فخرجه العراقي بقوله: متفق عليه (١). وبمراجعة رواية البخاري لقول عائشة المذكور نجد أنها قالت: «أُنزِل ذلك في الدعاء» (٢)، وهذا يدل على أن قول عائشة هذا من أسباب النزول، وقد أخرجه الواحدي، بسنده عنها في أسباب نزول تلك الآية (٣). وذكر الغزالي أيضًا عن جابر، قال: ما نزلت آية المتلاعنين إلا لكثرة السؤال. وقد قام العراقي بتخريجه من عند البزار، بسند جيد (٤). وفي موضع آخر قال الغزالي: وقال ميمون بن مهران: لما نزلت هذه الآية ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ صاح سلمان الفارسي، ووضع يده على رأسه، وخرج هاربًا، ثلاثة أيام، لا يقدرون عليه. وقد تصدى العراقي لهذا بقوله: حديث ميمون بن مهران … لم أقف له على أصل (٥). وسيأتي في الكلام على ما ذكر العراقي أنه لا أصل له، تعقبي له في هذا.

стр. 1442

ولكن المهم هنا أنه تعرض لتخريجه، زيادة على شرطه. ويلاحظ في هذه الأقوال الثلاثة: أنها متعلقة بأسباب نزول آيات، ومن المقرر لدى علماء المصطلح أن ما يأتي عن الصحابي في بيان سبب نزول آية يعتبر مرفوعا حكمًا (١)، فلعل العراقي تصدى لتخريج مثل هذه الآثار عن الصحابة، بناء على ذلك، وإن لم تكن داخلة تحت صريح شرطه، كما تقدم. ومن الآثار التي تعرض العراقي أيضًا لتخريجها: أفعال بعض الصحابة؛ فقد قال الغزالي في موضع: وقال عثمان ﵁ ما تغنيت ولا تمنيت، ولا مسست ذكري بيميني،، منذ بايعت رسول الله ﷺ . وقد خرجه العراقي بقوله: حديث عثمان، قوله: ما تغنيت .. ، أبو يعلى الموصلي في «معجمه» بإسناد ضعيف، من رواية أنس عنه في أثناء حديث: وإن عثمان ﵁ قال: يا رسول الله .. فذكره بلفظ «منذ بايعتك - يعني الرسول ﷺ » قال: هو ذاك يا عثمان (٢). ويلاحظ أن الرواية التي خرجها العراقي، فيها ما هو مصرح برفعه إلى الرسول ﷺ مخاطبا له، في حين لفظ رواية الغزالي فيها قول عثمان فقط في آخرها: «منذ بايعت رسول الله ﷺ ». ولعل تخريج العراقي لذلك احتياط لأن يكون الغزالي أراد بقول عثمان المذكور، تلك الرواية التي خرجها أبو يعلى، مشتملة على موقوف ومرفوع. وفي موضع آخر قال الغزالي: إن أبا ذر كان يقول في إنكاره على بعض

стр. 1443

الصحابة: قد غَيَّرتُم؛ يَنْخُلُ لكم الشَّعير، ولم يكن يُنْخَل، وخَبَزْتُم المُرَقَّق، وجمعتُم بين إدامَيْن، واختلف عليكم بألوان الطَّعام، وغدا أحدكم في ثوب وراح في آخر، ولم تكونوا هكذا على عهد رسول الله ﷺ ، وكان قوت أهل الصفة مُدًا من تمر، بين اثنين، في كل يوم (١). وقد أورد العراقي في تخريجه الفقرة الأخيرة فقط، فقال: حديث: كان قوت أهل الصفة .. ، الحاكم، وصحح إسناده، من حديث طلحة النصري (٢). أقول: والحديث في «المستدرك» (٣)، والفقرة التي ذكرت عند الغزالي من كلام أبي ذر، ذكر فيه نحوها باختصار، لكن من قول الرسول ﷺ مع اختلاف الصحابي أيضًا الراوي للحديث، وهو طلحة النصري بدل «أبي ذر». ولكن لعل تعرض العراقي لتخريج ما هو بمعنى أثر أبي ذر هذا، لكون أبي ذر قد ذكر أفعال الصحابة منسوبة إلى عهد رسول الله ﷺ ، والمعروف اصطلاحا، أن ما يضيفه الصحابي إلى عهده ﷺ ، فله حكم الرفع (٤)، فلعل العراقي خرّج في مقابل أثر أبي ذر حديثًا مرفوعًا، احتياطا، أو للإشارة إلى أن ما جاء عنه موقوفا، جاء في معناه حديث مرفوع، وقد صححه الحاكم كما مر، ومما يؤيد أن هذا من زيادة العراقي على شرطه، أن الغزالي قال قبل هذا

стр. 1444

بعدة أسطر: وقد كان أبو ذر يقول: طعامي في كل جمعة صاع من شعير، على عهد رسول الله ﷺ ، والله لا أزيد عليه حتى ألقاه. فلم يتعرض العراقي لتخريج ذلك (١) رغم إضافة أبي ذر فعله هذا إلى عهد رسول الله ﷺ . وقد تصدى الزبيدي لتخريجه فقال: وأما قوله: يعني أبا ذر - كان قوتي إلخ، فقد أخرجه أبو نعيم في «الحلية»، دون قوله: «من شعير .. »، ولكن الزبيدي لم يتعقب العراقي بأنه ترك تخريجه، لمعرفته بأنه ليس داخلا في شرطه (٢)، ومما تعرض له العراقي من تخريج ما هو موقوف على بعض التابعين، أو غيرهم، أن الغزالي قال: وفي آخر الليل، وردت الأخبار باهتزاز العرش، وانتشار الرياح من جنات عدن، ومن نزول الجبار تعالى، إلى سماء الدنيا. وقد تعرض العراقي لتخريج ذلك فقال: «الأخبار الواردة في اهتزاز العرش .. » أما حديث النزول، فتقدم، وأما الباقي، فهو آثار، رواها محمد بن نصر في «قيام الليل» من رواية سعيد الجريري قال: قال داؤد ﵇: يا جبريل، أي الليل أفضل؟ قال: ما أدري، غير أن العرش يهتز من السحر. وفي رواية: له - يعني ابن نصر - عن الجريري، عن سعيد ابن أبي الحسن، قال: إذا كان من السحر، ألا ترى كيف تفوح ريح كل شجر؟ ثم خرج رواية لحديث النزول من رواية أبي الدرداء، مرفوعاً (٣).

стр. 1445

فيلاحظ أن الغزالي عبر هنا بـ «الأخبار»، إشارة إلى ما ورد في الموضوعات التي ذكرها، سواء كان مرفوعًا، أو موقوفًا، وهذا يؤيد ما قدمته من أنه يطلق «الخبر» أو «الأخبار» على المرفوع وغيره. وقد تصدى العراقي لتخريج ما ورد في الموضوعات التي ذكرها الغزالي فبين أن ما يدل على نزول الرب إلى سماء الدنيا، قد جاء في حديثين مرفوعين، أما الموضوعان الآخران، وهما: اهتزاز العرش في السحر، وانتشار الريح فيه من جنات عدن، فإن الوارد فيهما أثران، وبتخريجه لهما بالعزو إلى ابن نصر في قيام الليل، ظهر أن: أحد الأثرين ينسبه سعيد بن إياس الجريري، - وهو تابعي - (١) إلى داود ﵇ من قوله، فهو من الإسرائيليات غير المرفوعة. وثانيهما: من قول سعيد بن أبي الحسن البصري، وهو تابعي أيضًا (٢). وبهذا يكون تخريج العراقي لهما من زيادته على شرطه، ولعله فعل ذلك لتمييز ما ورد مرفوعًا، عما ورد موقوفًا في الموضوعات التي ذكرها الغزالي. كما سبق له مثل هذا بالنسبة لما ورد في بيان الكبائر (٣). ويمكن لمن قرأ كتاب العراقي بعناية، وتأمل، قياس ما لم يصرح فيه بفائدة تخريجه لما ليس من شرطه، على المواضع المماثلة التي صرح فيها بفائدة ذلك

стр. 1446

وبالتالي يظهر أن ما خرجه زائدا على شرطه، لا يخلو من فائدة حديثية لها أهميتها. وستأتي أيضًا بعض مواضع خرج فيها ما هو موقوف على تابعي التابعين، لفائدة حديثية. لكن لابد من التنبيه هنا إلى أن ما خرجه العراقي من تلك الآثار عموما، رغم تنوع فوائده، فإنه يعتبر قليلا جدا، بالنسبة إلى مجموع الآثار التي لم يخرجها، التزاما بشرطه، وبالتالي لا ينتقد العراقي بما تركه بدون تخريج من تلك الآثار، ونحوها، حتى ولو كان مشابها لما خرجه فيما تقدم، كالذي يعبر عنه الغزالي بقوله: «وفي الأثر» (١)، أو ما يكون سبب نزول آية (٢)، أو مما نسب إلى صحابي، ولا مجال للرأي فيه (٣)، ولم يتعرض العراقي له. ٢ - ما أورده الغزالي بعبارة تحتمل الرفع وغيره: قد أورد الغزالي في «الإحياء» روايات كثيرة مصدرة، أو مختتمة بعبارات ليست صريحة في نسبة المروي إلى الرسول ﷺ ؛ بل تحتمل الرفع وعدمه، وبذلك لم يلتزم العراقي بالتصدي لتخريج جميعها، بناء على شرطه، ولكنه خرج بعضها، زيادة على شرطه، لأجل الفائدة التي تتحقق في كل موضع بحسبه.

стр. 1447

أ - فمن ذلك ما وصف بأنه «سنة» أو «من السنة»، دون إضافة صريحة إلى الرسول ﷺ أو إلى عصره. وكذلك وصفه بعض الأمور بأنها ليست من السنة، ففي كتاب الحج - قال الغزالي: فإن أفاض - يعني الحاج - من منى، فالأولى أن يقيم بالمحصب من منى، ويصلي العصر والمغرب والعشاء، ويرقد رقدة، فهو السنة، رواه جماعة من الصحابة ﵃. فخرج العراقي ذلك بقوله: حديث نزول المحصب وصلاة العصر والمغرب والعشاء به، والرقود به رقدة، البخاري من حديث أنس أن النبي ﷺ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالبطحاء، ثم هجع هجعة (الحديث) (١). أقول: ولعل تعرض العراقي لتخريجه، لكون الغزالي بعد أن وصف ما ذكره بأنه هو السنة، أتبعه بقوله: «رواه جماعة من الصحابة»، والأصل في رواية الصحابة المتعلقة بالعبادة، أن تكون عنه ﷺ ، فكأن ذلك من الغزالي إشارة إلى رفع ما ذكره، وإن لم يصرح. وفي موضع آخر قال الغزالي: فقد وردت السنة بأن تفكّر ساعة، خير من عبادة سنة. فقام العراقي بتخريج ذلك (٢). وفي موضع آخر، قال الغزالي عن ركعتي الطواف: قال الزهري: مضت السنة أن يُصلِّي - يعني الحاج - لكل سبع ركعتين. فقام العراقي بتخريج ذلك فقال: حديث الزهري: مضت السنة .. » ذكره

стр. 1448

ثم قال: وفي الصحيحين من حديث ابن عمر: قدم رسول الله ﷺ وطاف بالبيت سبعًا، وصلى خلف المقام ركعتين (١). فالزهري - كما هو معروف - تابعي، فقوله «مضت السنة بكذا» مما اختلف فيه، هل يعتبر مرفوعا مرسلا، أو موقوفا عليه؟ وقد حكي فيه عن الغزالي نفسه الإحتمالان، بلا ترجيح، ولكن السخاوي والأنصاري - تبعا له - أخذا من كلام الغزالي عقب ذكر الإحتمالين، أنه يشير إلى ترجيح كونه مرفوعا مرسلا (٢)، وصحح النووي كونه موقوفا، وتبعه العراقي (٣)، وسيأتي في تقريره في المثال الذي بعد هذا من تخريجه. وعليه، فعبارة الغزالي التي حكى بها رواية الزهري السابقة، تعتبر محتملة للرفع، وللوقف على الزهري، وبالتالي لا تدخل في شرط العراقي. لكن سياق البخاري لعبارة الزهري المعلقة، كما تقدم ذكر العراقي لها، وكذا سياقها عند من وصلها غير البخاري (٤)، يفيد كل ذلك رفع ما ذكره الزهري، إلى الرسول ﷺ ، حيث إنه بعد أن قال: السنة أفضل، أردف قائلا: لم يطف النبي ﷺ أسبوعا إلا صلى ركعتين. فلعل هذا مما جعل العراقي يتصدى لتخريج قول الزهري هنا، احتياطا لأن يكون

стр. 1449

الغزالي أراد ما رفعه الزهري، وإن لم تكن عبارة الغزالي صريحة في ذلك. كما يلاحظ أن العراقي أضاف إلى تخريج رواية الزهري، تخريج رواية مرفوعة تشهد لها من حديث ابن عمر ﵄. وفي موضع آخر قال الغزالي: وقال سفيان الثوري: يستحب أن يُصلّي بعد عيد الفطر اثنتي عشرة ركعة، وبعد عيد الأضحى ست ركعات، وقال - يعني سفيان -: هو السنة. وقد تصدى العراقي لهذا في تخريجه فقال: قال سفيان من السنة … » لم أجد له أصلا، في كونه سنة. وفي الحديث الصحيح ما يخالفه، وهو أنه ﷺ لم يصل قبلها، ولا بعدها، ثم أردف قائلا: وقد اختلفوا في قول التابعي: من السنة كذا، [والصحيح أنه موقوف] (١)، وأما قول تابعي التابع كذلك، كالثوري، فهو مقطوع (٢). أقول: وخروج هذا الموضع عن شرط العراقي في تخريجه واضح، فليس مصرحًا بكونه حديثا مرفوعًا، ولا الصيغة التي صدره الغزالي بها وهي قول تابعي التابع: «من السنة كذا» محتملة للرفع كما قرر العراقي بنفسه، ومع هذا تعرض العراقي له كما ترى، وذلك - فيما يبدو لي - له أكثر من فائدة: في مقدمتها: تنبيهه على أنه لم يجد أصلا يدل على أن ما ذكره سفيان هو من السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ .

стр. 1450

وفائدة ثانية: وهي تقريره أن الثابت الصحيح عنه ﷺ خِلافُ ما ذكر عن سفيان. وبذلك لا يتجه تعقب الشارح للعراقي بما روى عن عدد من الصحابة والتابعين أنهم كانوا يصلون أربعًا بعد العيد (١)؛ لأن ذلك لو صح عنهم، فلا مطابقه يقاوم ما صح في المرفوع إليه ﷺ . أما الفائدة الثالثة من تعرض العراقي لهذا الموضع: فهي بيانه لرأي المحدثين في قول كل من التابعي وتابعه: «من السنة كذا»، وقد تقدم أنه بين حكم قول التابعي في شرحه لألفيته في المصطلح كما أحلته عليها هناك، أما بيانه هنا لحكم قول تابعي التابع: «من السنة كذا» فيعتبر زيادة علمية ذكرها بمناسبة قول سفيان هذا، ولم يذكرها في كتبه المعروفة في المصطلح، وهي الألفية المسماة «بالتبصرة والتذكرة» وشرحها، ونكته على كتاب ابن الصلاح، وقد تقدّم الكلام عن الثلاثة في مواضعه من هذا الكتاب. ويمكن القول: إن تحقيق تلك الفوائد الثلاثة أولى من عدم تعرض العراقي لهذا الموضع باعتباره ليس على شرطه. وإذا كانت المواضع الثلاثة التي تقدمت، كان وصف الأمور المذكورة فيها بأنها من السنة، قد صدر من صحابي أو تابعي، أو تابعي التابع، فإن هناك أمورًا ذكرها الغزالي ووصفها من جانبه هو بأنها سنة، وذكر بعض الأمور أيضًا، ووصفها بأنها ليست من السنة، وقد تناول العراقي بعض تلك المواضع بالتخريج وترك بعضًا آخر. وسأذكر بعض الأمثلة، لما خرجه، وبعضها لما تركه، مع الإحالة على

стр. 1451

مواضع أخرى، دون ذكرها. ففي كتاب الحج - باب ترتيب الأعمال الظاهرة - قال الغزالي: والسنة في الوداع أن يقول: (استودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك). فتصدى العراقي لتخريجه بلفظه مرفوعًا من سنن أبي داود والترمذي والنسائي (١). وفي كتاب الحج أيضًا - الباب السابق - قال الغزالي: والأحب في الليل أن يتناوب الرفيقان في الحراسة، فإذا نام أحدهما حرس الآخر، فهو السنة وقد تصدى العراقي لتخريج ذلك بمعناه من حديث جابر مرفوعا (٢). وانظر أيضًا مثالين آخرين مشابهين/ (الإحياء مع المغني) ١/ ٢٥٧ حديث رقم (١)، ص ٢٧١ حديث (٩) - باب دقائق الآداب في الحج. وفي كتاب آداب الأكل - الباب الرابع - قال الغزالي: فمن ظن به أنه يستثقل الإطعام، وإنما يفعل ذلك مباهاة أو تكلفا، فليس من السنة إجابته وقد قام العراقي بتخريج ما يدل على هذا فقال: حديث ليس من السنة إجابة من يُطعم مباهاة أو تكلفا، أبو داؤد من حديث ابن عباس أن النبي ﷺ نهى عن طعام المتباريين .. وللعقيلي في «الضعفاء»: نهى النبي ﷺ عن طعام المتباهين (٣). وإذا كان وصف تابعي التابع لأمر من الأمور بأنه سنة، أو ليس بسنة، يعتبر

стр. 1452

مقطوعًا كما تقدم تقرير العراقي له، فمن باب أولى يكون وصف الغزالي الأمر من الأمور بذلك لا يقتضي رفعه إلى الرسول ﷺ ، وعليه فلا يكون مثل هذا داخلا فيما التزم العراقي بتخريجه حسب شرطه، حتى لو كان ما ذكره الغزالي قد ورد مرفوعًا في كتب الحديث، كما ظهر من تخريج الأمثلة الثلاثة السابقة، فلعل العراقي خرج ما خرجه من ذلك بقصد الاحتياط لأن يكون الغزالي قصد بعبارته الإشارة إلى الحديث المرفوع الوارد في الأمور التي ذكرها. ولما كان هذا الاحتياط زائدًا على شرطه، فإنه ترك الكثير من المواضع التي وصف فيها الغزالي أيضًا بعض الأمور بأنها سنة، أو بأنها ليست من السنة، ففي كتاب - الحج - آداب الإحرام - قال الغزالي: ويكفي مجرد النية لانعقاد الإحرام، ولكن السنة أن يقرن بالنية لفظ التلبية فيقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك .. إلخ. فلم يتعرض له العراقي بشيء (١). ولما تعرض الزبيدي لشرح هذا الموضع، لم يذكر حديثًا ولا أثرًا يدل على قرن النية بلفظ التلبية، وإنما خرج لفظ التلبية فقط بالعزو إلى الكتب الستة، من طرق عن ابن عمر ﵄، ولم يتعقب العراقي بشيء (٢). وعند ذكر الغزالي للحلق للتحلل من الإحرام، قال: والسنة أن يستقبل القبلة ويبتدئ بمقدم رأسه، فيحلق الشق الأيمن إلى العظمين المشرفين على القفا … ، ولم يتعرض العراقي لذلك في تخريجه (٣). ولكن الشارح تعرض له وخرج في معناه أثرًا عن ابن عمر وحديثًا عن أنس

стр. 1453

مرفوعا، إلا أنه لم يتعقب العراقي بعدم تخريج ذلك (١)، وانظر مواضع أخرى مماثلة، ولم يتعرض العراقي لها (٢). وفي كتاب الحج - زيارة المدينة - قال الغزالي: «ثم يأتي قبر النبي ﷺ وليس من السنة أن يمس الجدار، ولا أن يقبله»، فلم يتعرض العراقي لذلك (٣). وكذا لم يتعرض له الشارح بتخريج أي رواية مرفوعة أو موقوفة، ولا تعقب العراقي في تركه (٤). ٢ - ومما صدره الغزالي أيضًا بعبارة غير صريحة في رفع ما بعدها إلى الرسول ﷺ ، ما قال فيه (ويُروى كذا) بصيغة البناء للمجهول، دون تصريح بعزو ما بعدها، لا إلى النبي ﷺ ، ولا إلى غيره، وبذلك يحتمل الأمر أن الغزالي يريد رفع ما يذكره إلى النبي ﷺ ، ويحتمل أن يريد ما هو معزو إلى غيره ﷺ حسبما يظهر من البحث والتخريج، بل قد يكون ما أورده بهذه الصيغة مما لم يقف العراقي له على أصل، كما تقدم تقريره لذلك في بيان شرطه، وتقدم هناك بيانه أيضًا أنه قد يخرج ما يورده الغزالي بهذه الصيغة، احتياطا؛ لأن يكون أراد الحديث المرفوع الذي يجده العراقي موافقا لما ذكر، وإن لم تكن الصيغة التي استعملها الغزالي صريحة في الرفع، وسيأتي من الأمثلة ما

стр. 1454

يؤيد هذا، وقد سبق في بيان شرط العراقي ذكر مثالين لما تعرض لتخريجه من هذا النوع، مع إشارته إلى خروج ما يورده الغزالي بهذه الصيغة عن شرطه في هذا التخريج. وهنا أضيف ما يؤكد ذلك، بذكر بعض الأمثلة التي خرجها، وبعض الأمثلة التي تركها، مع تشابههما في الصيغة التي أوردهما الغزالي بها. فقد قال الغزالي في موضع: (وروي أن الحلية تبلغ مواضع الوضوء) فقام العراقي بتخريجه بالعزو إلى الصحيحين، من حديث أبي هريرة مرفوعًا (١). وقال الغزالي في موضع آخر بعد هذا: «ويروى أن الطاهر كالصائم». وقد خرجه العراقي أيضًا، مرفوعًا إلى الرسول ﷺ ، من حديث عمرو ابن حريث، عند الديلمي، بسند ضعيف (٢). وقال الغزالي في موضع آخر: وقد يتكل المؤمن على قوته، كما روي عن سليمان ﵇، أنه قال: لأطوفن الليلة على مائة امرأة، ولم يقل: إن شاء الله تعالى، فحرم ما أراد من الولد. فقام العراقي بتخريج هذا من حديث أبي هريرة مرفوعًا، وذلك بعزوه إلى البخاري (٣). ثم قال الغزالي بعد ذلك في موضع آخر: «وروي أن سليمان بن داود ﵉، لما عوقب على خطيئته، لأجل التمثال الذي عبده في داره أربعين

стр. 1455

يوْمًا، وقِيلَ: لأَنَّ المرْأَةَ سأَلَتْهُ أَنْ يَحْكُمَ لأَبِيهَا … ». فلم يتعرض العراقي لتخريج ذلك (١). أما الزبيدي في الشرح فقد خرج في معنى ما ذكره الغزالي عدة روايات، بعضها موقوف على ابن عباس، وبعضها موقوف على سعيد بن جبير، وبعضها موقوف على مجاهد، وقد عزا تلك الروايات إلى مصادر مما اعتمد العراقي عليه في تخريجه هذا (٢)، فلعله لم يتعرض له لعدم وقوفه على حديث مرفوع فيه، حسب شرطه. وقال الغزالي في موضع آخر: «وروي أن عابدا عبد الله تعالى في غيضة دهرا طويلا .. إلى أن قال: فأوحى الله تعالى إلى نبي ذلك الزمان: قل لفلان العابد … ». فلم يتعرض العراقي إلى تخريج ذلك (٣). أما الزبيدي فعلق على هذا الموضع بقوله: نقله صاحب القوت يعني - قوت القلوب، لأبي طالب المكي، ثم قال: ورواه البيهقي في الشعب عن أحمد بن أبي الحواري، قال: سمعت أخي يقول … فذكره، بنحو ما في «الإحياء» (٤). أقول: وأحمد بن أبى الحواري هذا من تبع أتباع التابعين حيث توفي سنة ٢٤٦ هـ (٥).

стр. 1456

وقد روي هذا الكلام بطوله، عن أخيه، من قوله، واقتصار الزبيدي على ذلك، يفيد عدم وقوفه على رواية مرفوعة. ومما تقدم نلاحظ أمرين: أولهما: أن ما يورده الغزالي بهذه الصيغة، بعضه يوجد بلفظه أو بمعناه مرفوعا، أو موقوفا على بعض الصحابة أو من دونهم، وبعضه لم يوقف له على أصل. ثانيهما: أن كل ما يورده الغزالي بهذه الصيغة يعتبر خارجا عن شرط العراقي، ولكنه يخرج منه مواضع، يقف لها على روايات مرفوعة، احتياطا لأن يكون الغزالي يقصد تلك الروايات المرفوعة، وإن لم تكن عبارته صريحة في قصد ذلك. وأما عدم تنبيه العراقي في كل موضع على أنه تصدى لتخريجه احتياطا فذلك من دأب العلماء السابقين، أنهم كانوا يكتفون بالتنبيه على الشيءء في بعض مواضعه، اعتمادًا على أن القارئ يطلع على الكتاب بأكمله فيتضح له المسكوت عنه، بمثيله المنبه عليه. هذا وستأتي أمثلة أخرى لما أورده الغزالي بصيغة «يُروى» أو «رُوي» مما خرجه العراقي زيادة على شرطه، وما تركه لخروجه على الشرط، وذلك ضمن مبحث موقف العراقي من الإسرائيليات، والأحاديث القدسية التي ترد في الإحياء، ولكني لاحظت أن المخرج عند العراقي، مما هو مذكور بهذه الصيغة، أقل مما لم يتصد لتخريجه. ٣ - ومما صدره أو ختمه الغزالي أيضًا بعبارة غير صريحة في رفع الحديث،

стр. 1457

ما يقول فيه: «وفي الخبر كذا» أو «وردت الأخبار بكذا» ونحو ذلك. وقد سبق في بيان شرط العراقي تقريره أن الغزالي يعبر بهذه العبارة كثيرا، صلى الله في غير المرفوع إلى الرسول ﷺ (١)، وبذلك تكون تلك العبارة وما شابهها ليست صريحة في إرادة الغزالي رفع ما يذكره بها إلى الرسول ﷺ ، وعليه فلا يكون الوارد بهذه الصيغة داخلا في شرط العراقي؛ لكنه خرج بعضه لفائدة، وترك الكثير لخروجه عن شرطه. ففي موضع ذكر الغزالي رواية بعبارة: «وفي الخبر» وهي تعتبر موقوفة بحسب المصدر الذي نقلها الغزالي منه، فتصرف الغزالي في نقلها بحذف الموقوف عليه، فصارت العبارة تحتمل إرادة الرفع، وغيره، وقد انتقده الشارح في هذا. بيان ذلك، أن الغزالي قال: وروي أن عابدا دعا بعض إخوانه، فقرب إليه رغفانًا، فجعل أخوه يقلب الأرغفة ليختار أجودها، فقال له العابد: مة أما علمت أن في الرغيف الذي رغبت عنه كذا وكذا حكمة، وعمل فيه كذا، وكذا صانع … إلى أن قال: «وفي الخبر: لا يستدير الرغيف، ويوضع بين يديك، حتى يعمل فيه ثلاثمائة وستون صانعا، أولهم ميكائيل … ». فهذه الرواية ذات شطرين: الأول قوله: روي أن عابدا دعا بعض إخوانه .. إلى قوله: وفي الخبر. والثاني قوله: «وفي الخبر .. إلخ».

стр. 1458

فالعراقي لم يتعرض لتخريج الشطر الأول المصدر بعبارة «روي»، ولكن تعرض للشطر الثاني المصدر بلفظ «وفي الخبر» فقال: حديث: لا يستدير الرغيف، ويوضع بين يديك حتى يعمل فيه … ، لم أجد له أصلا (١). أما الزبيدي فعلق على قول العراقي هذا فقال: قلت: «رواه - يعني ما تقدم بشطريه - صاحب «القوت» عن وهب بن منبه، باللفظ الأول، يعني قوله: روي أن عابداً، .. إلى قوله وفي الخبر، وعن غيره - يعني غير وهب - باللفظ الثاني، يعني قوله: وفي الخبر، لا يستدير الرغيف … » ثم قال الزبيدي: والقصة واحدة، وهي قصة دعاء العابد لبعض إخوانه، وقد صرّح صاحب «القوت» بذلك، وميز بين السياقين، حيث قال: وقال الآخر زيادة: في الخبر - أي في هذا الخبر الذي ساقه - وأراد به، هذه القصة، ولم يرد صاحب «القوت» بقوله: «في الخبر» أنه مرفوع إلى نبينا ﷺ ، فمن هنا جاء الاشتباه، يعني على العراقي بحيث تصدى لتخريج الشطر الثاني ببيان أنه لم يجد له أصلا، كما تقدم. ثم أشار الزبيدي إلى الاعتذار عن العراقي في اشتباه الأمر عليه، فقال: والحق أن سياق المصنف - يعني الغزالي - مشعر بأنه: في الخبر النبوي، ولكن حيث وجدنا أصل الكلام الذي هو مأخذ المصنف في كتابه هذا، استرحنا، فهو خبر إسرائيلي، من قول ذلك العابد، الذي دعا، مخاطباً به أخاه، وهذا موضع شديد الالتباس، وناهيك بالمصنف، مع جلالة قدره، كيف يغفل عن ذلك، ويزيد في كلامه لبسا، حتى يظن من جاء بعده، أنه كلام نبوي،

стр. 1459

ولكن مراجعة الأصول الصحيحة، تمنع من الوقوع في الغلط، والله أعلم (١). أقول: ويبدو أن العراقي لم يراجع في هذا الموضع، مصدر كلام الغزالي المذكور، وهو كتاب (قوت القلوب)؛ لأنه لو رجع إليه لظهر له أن عبارة «وفي الخبر» هنا، لا تحتمل الرفع، وبذلك لم يكن تعرض لتخريج ما ذكر بها، ولو على سبيل الاحتياط للوفاء بشرطه. وفي موضع آخر، قال الغزالي: وفي الخبر: لا يدخلن أحدكم الصلاة وهو مقطب، ولا يصلين، وهو غضبان. وقد قام العراقي بتخريج ذلك فقال: حديث لا يدخل أحدكم الصلاة وهو مقطب … ، لم أجده (٢). وقد أقر الشارح العراقي على هذا (٣). وقال الغزالي في موضع آخر أيضًا: «وقد ورد في الخبر: أنه ينشر للعبد بكل يوم وليلة أربع وعشرون خزانة مصفوفة، فيفتح له منها خزانة فيراها مملوءة نورًا من حسناته … ». وقد تصدى العراقي لتخريجه بقوله: لم أجد له أصلا (٤). وقد أقره الزبيدي على ذلك (٥).

стр. 1460

ولعل فائدة تعرض العراقي لمثل هذه المواضع، مع خروجها عن شرطه؛ لكي ينبه على عدم وجوده ذلك مرفوعًا، ولا موقوفًا، حتى لا يعول عليه من لا دراية له، أو لكي يحفز غيره لمواصلة البحث عنه في المتاح له من المصادر وسيأتي في مبحث ما قال عنه العراقي: إنه لا أصل له، أو لم يجد له أصلا، ما يؤيد هذا، بتعقب غيره له في بعض المواضع المماثلة وفي موضع قال الغزالي: وفي الخبر: من بورك له في شيء فليلزمه، ومن جُعِلَتْ معيشته في شيء، فلا ينتقل عنه، حتى يتغير عليه وقد تصدى العراقي لتخريج ذلك ببيان أنه مفرق في حديثين مرفوعين (١) وبوقوف العراقي عليه في المرفوع ترجح لديه احتمال أن الغزالي يريد بقوله هنا: (وفي الخبر)، يعني الخبر المرفوع، فتصدى لتخريجه، وإن لم تكن عبارة الغزالي صريحة في ذلك. وقد لاحظ الزبيدي هذا، فذكر في الشرح كلمة «المرفوع» عقب قول الغزالي في هذا الموضع: (وفي الخبر) فأصبح تقدير كلامه هكذا «وفي الخبر المرفوع … » إلخ، ثم ذكر تخريج العراقي للحديث، مع إضافة بعض مخارج أخرى من عنده (٢) وفي موضع قال الغزالي: وفي الخبر: إذا نام - يعني الشخص - على طهارة، رفع روحه إلى العرش.

стр. 1461

فقام العراقي بتخريج هذا بالعزو إلى ابن المبارك في «الزهد»، موقوفاً على أبي الدرداء، وإلى البيهقي في «الشعب»، موقوفاً على عبد الله بن عمرو ابن العاص، ثم ذكر رواية ثالثة مرفوعة بمعناه، مع زيادة، وعزاها إلى الطبراني في «الأوسط»، وذكر أنها ضعيفة (١). وقد نقل الزبيدي عن العراقي تخريج الروايتين الموقوفتين فقط (٢)، فلعل الرواية المرفوعة سقطت من نسخته أو من الطباعة. ووجود تلك الرواية المرفوعة بالإضافة إلى الروايتين الموقوفتين، يعتبر مرجحاً لأن الغزالي يريد بقوله: «وفي الخبر» هنا، المرفوع إلى الرسول ﷺ وبالتالي يكون تصدي العراقي لتخريج هذا الموضع من نوع الاحتياط لتحقيق مراد الغزالي، كما أشار إلى ذلك في موضع مماثل فيما تقدم في بيان شرط العراقي. وفي موضع قال الغزالي: (وجاء في الخبر: يأتي على الناس زمان يُوَشُّون ثيابهم، كما توشي البرود اليمانية). فلم يتعرض العراقي لتخريجه (٣)، وقد علّق الشارح على ذلك بقوله: أورده صاحب «القوت»، وأغفله العراقي (٤). ومن الواضح أن هذا الموضع ليس على شرط العراقي، فلا ضير عليه في إغفاله، خاصة وأن الشارح لم يعزه لأي مصدر آخر غير «القوت»، فكأنه

стр. 1462

ذِكرُ إغفالِ العراقيِّ له، للإشارةِ إلى عَدَمِ وُقوفِهِ هو الآخَرُ عليهِ في مَصْدَرِ حَديثي، وبهذا يترجَّحُ أنَّ الغزاليَّ لم يَرِدْ في هذا الموضعِ بقولِهِ: «وفي الخَبَرِ» رَفَعَ ما بعدَهُ إلى الرسولِ ﷺ . وفي مَوْضِعٍ قالَ الغزاليُّ: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : من حَضَرَ مَعْصِيةً فَكَرِهَها فكأنَّه غابَ عَنْها، ومَن غابَ عَنْها فأحبَّها، فكأنه حَضَرَها. وقد قامَ العِراقيُّ بتخريجِ ذلكَ بناءً على شرطِه (١). ثم بعدَ هذا الموضعِ بِكَثيرٍ، قالَ الغزاليُّ: وفي الخبرِ المشهورِ: مَنْ شَهِدَ مُنْكراً فَرَضيَ به، فكأنَّه فَعَلَهُ. فلم يتعرَّضِ العراقيُّ لتخريجِه ولا أحالَ به على الموضِعِ الأولِ، كما هو مَنهجُهُ في المكرَّرِ، وهو بنحوِ الثاني (٢) كما ترى، بحيثُ إنَّ الشارِحَ أحالَ من الأوَّلِ على الثاني فقال: كذا في «القوتِ»، يعني بهذا اللفظِ وتقدَّمَ في كتابِ الأمرِ بالمعروفِ، يعني الموضعَ الأولَ، ثمَّ ذَكَرَ رِوايةً بنحوِهِ من عندِ أبي يَعْلى في «مُسْنَدِهِ» من حديثِ الحسينِ بنِ عليٍّ ﵄ (٣). ويُلاحَظُ أنَّ عِبارةَ الغزاليِّ في الموضِعِ الثاني تُرَجِّحُ إرادتَهُ للرَّفْعِ، حيثُ قالَ: «وفي الخبرِ المشهورِ». وقد خَرَّجَ العراقيُّ ما صُدِّرَ بِمِثلِها في مَوضِعٍ آخَرَ (٤) عليه فلم يظهر لي وَجْهُ

стр. 1463

في ترك العراقي لتخريج هذا الموضع الثاني، إلا كونه خارجًا عن شرطه. وفي موضع آخر قال الغزالي: قال النبي ﷺ : البذاذة من الإيمان. فقام العراقي بتخريجه (١)، ثم قال بعد هذا بكثير: «وفي الخبر: البذاذة من الإيمان» فلم يتعرض العراقي لتخريجه، ولا أحال به على ما تقدم (٢)، وفي موضع آخر قال الغزالي: قال رسول الله ﷺ : من ترك زينة لله، ووضع ثيابًا حسنة تواضعًا لله، وابتغاء لمرضاته، كان حقا على الله أن يدخر له عبقري الجنة. فقام العراقي بتخريجه (٣). ثم قال الغزالي بعد هذا بكثير أيضًا: وفي الخبر: من ترك ثوب جمال، وهو يقدر عليه، تواضعًا لله تعالى، وابتغاء لوجهه كان حقا على الله، أن يدخر له من عبقري الجنة … ». ولم يتعرض العراقي لتخريجه، ولا أحال به (٤) في حين نجد الشارح ذكر في الموضع الثاني ما ذكره العراقي في تخريج الموضع الأول، مع زيادة من عنده (٥) ولكنه لم يتعقب العراقي بعدم تخريج هذا الموضع الثاني، وسبب ذلك على ما يظهر، هو معرفة الشارح بخروج مثل هذا الموضع عن شرط العراقي. وبذلك يتضح أن ما يخرجه العراقي مما يعبر فيه الغزالي بعبارة «وفي الخبر» أو «ورد في الأخبار» هكذا مطلقة، يعتبر من زيادته على ما هو داخل في شرطه، وليس من شرطه الالتزام بتخريجه، حتى لو كان يعلم أن هذا لفظ، أو

стр. 1464

معنى حديث مرفوع، بدليل تخريجه له مرفوعًا في الموضع المطابق لشرطه وستأتي بعض أمثلة أخرى في مبحث الأحاديث القدسية، ومبحث الإسرائيليات ٤ - ومما أورده الغزالي بعبارة غير صريحة في الرفع قوله: «ورد الأمر بكذا، أو النهي عن كذا، ونحو هاتين العبارتين، دون تحديد الأمر، ولا الناهي، ولا من روى هذا الأمر أو النهي، ثم خرج العراقي بعضه، وترك الكثير منه، تبعا لشرطه. فقد قال الغزالي: في شأن سجود التلاوة: فإنه ورد الأمر بالسجود فليتبع فيه الأمر». فلم يتعرض العراقي لتخريج ذلك (١) ومثله الشارح (٢)، فلعل مراد الغزالي هنا ورود الأمر يعني في بعض آيات السجود. وفي موضع آخر ذكر الغزالي عن طواف الملائكة بالبيت المعمور في السماء: إن الخلق أمروا بالتشبه بهم، بحسب الإمكان، بالطواف بالكعبة. فلم يتعرض العراقي لتخريج ما يدل على الأمر بالطواف بالكعبة (٣). وفي موضع آخر قال الغزالي: «وقد ورد الأمر بإكرام الخبز». فتصدى العراقي لتخريجه بقوله: حديث: أكرموا الخبز، البزار والطبراني وابن قانع من حديث عبد الله بن أم حرام، بإسناد ضعيف جدًا، وذكره ابن الجوزي في «الموضوعات» (٤).

стр. 1465

وقد ذكر الزبيدي أن قول الغزالي هنا «ورد الأمر بإكرام الخبز» مشار به إلى حديث «أكرموا الخبز هذا، لكنه لم يذكر - حسب عادته - تخريج العراقي السابق له». بل خرجه هو من جانبه بالعزو إلى البيهقي والحاكم وصححه، وأقره الذهبي، وإلى البغوي في «معجمه» (يعني معجم الصحابة) ولا بن قتيبة في «غريبه» (١). ولعل مما يرجح أن الغزالي يريد بعبارته السابقة حديثا مرفوعًا، أنه بعد نحو عشرين سطرًا ذكر حديث «أكرموا الخبز» مصرحًا برفعه، ولم يتعرض العراقي لتخريجه ثانيًا لكونه تقدم قريبًا، ومن شرطه في المكرر قريبًا هكذا ألا يعيد تخريجه، ولا ينبه على تقدمه (٢). أما الشارح فتعرض ثانيًا لتخريجه بتوسع عما ذكره في الموضع الأول ولم ينسب مما ذكره شيئًا للعراقي، ولعله لم يتعقب العراقي بتركه في هذا الموضع المصرح به، لمعرفته بشرطه في المكرر، كما قدمت (٣). وعموما فإن تخريج العراقي للحديث في موضع الإشارة إليه بقول الغزالي: «ورد الأمر بكذا» يعتبر زائدًا على شرطه، ويعتبر تخريجه له احتياطًا لأن يكون الغزالي قصد الحديث المرفوع، كما صرح به بعد هذا بقليل. وأما النهي المطلق، فمنه قول الغزالي في موضع: وأما نقض الوتر، فقد صح فيه نهي، فلا ينبغي أن يُنقض.

стр. 1466

وقد تصدى العراقي لتخريجه فقال: حديث النهي عن نقض الوتر، قال المصنف - يعني الغزالي -: صح فيه نهي، قلت: وإنما صح من قول (عائد) بن عمرو، وله صحبة، كما رواه البخاري. ومن قول ابن عباس كما رواه البيهقي. ثم قال: ولم يصرح الغزالي بأنه مرفوع، فالظاهر أنه إنما أراد ما ذكرناه عن الصحابة (١). وقد نقل الشارح ما ذكره العراقي، دون تعليق (٢). ويلاحظ أن العراقي أشار إلى أن هذا الموضع خارج عن شرطه، لعدم تصريح الغزالي برفع هذا النهي إلى رسول الله ﷺ ، ولكنه تصدى لتخريج ما أشار له الغزالي، للوفاء بما ظهر له أنه مقصوده، وإن لم يكن داخلا في شرطه، لكون ما وقف عليه في ذلك يعتبر من الآثار الموقوفة على الصحابة (٣). وفي موضع آخر، وهو «باب المنهيات في الصلاة» قال الغزالي: «ونُهي أيضا عن أن يشبك - أي المصلي - أصابعه، أو يفرقع أصابعه، أو يستُرَ وَجْهَهُ … ». فقام العراقي بتخريج أحاديث في ذلك، مستهلا أولها بقوله: «حديث النهي عن تشبيك الأصابع … » ثم أتبعه بالباقي، قائلا في بداية تخريج كل حديث: حديث النهي عن كذا … (٤).

стр. 1467

وقال الغزالي في موضع آخر: نُهي عن الإنتباذ في المزفت، والحنتم والنقير. فقام العراقي بتخريج ذلك بقوله: حديث النهي عن الانتباذ .. متفق عليه من حديث ابن عباس (١). ويلاحظ أن الموضعين السابقين مشابهين للموضع الأول في التعبير بـ «نهي»، دون تصريح بالرفع، فلعل العراقي تصدى لتخريجهما لما وجده في معناهما من الأحاديث المرفوعة، فخرجهما احتياطا لأن يكون الغزالي قصد تلك الأحاديث المرفوعة، وإن لم تكن عبارته صريحة في ذلك. ومما يؤيد اعتباره ذلك من تخريج ما هو زائد على شرطه، أنه جاءت بعض المواضع المشابهة أيضًا، ولم يتعرض لتخريجها. ففي موضع ذكر الغزالي: أن من القصص ما ينفع سماعه، ومنها ما يضر، وإن كان صدقا، ثم قال: فَمِنْ هَذَا نهي عنه. فلم يتعرض العراقي لتخريج ذلك (٢)، وكذا الشارح، ولم يتعقب العراقي في تركه، لمعرفته مقتضى شرطه، كما سبق (٣). وقد تقدم قبل هذا الموضع ببابين قول الغزالي: روي مسندا: لا يفتي الناس إلا ثلاثة: أمير أو مأمور أو متكلف … فتصدى العراقي لتخريجه بقوله: حديث: لا يفتي الناس إلا ثلاثة (الحديث) ابن ماجه، من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، بلفظ:

стр. 1468

لا يقص على الناس، وإسناده حسن (١)، فكان بإمكان العراقي أن يحيل على هذا، كما يفعل في إحالات ما هو على شرطه، ولكنه لم يفعل لعدم دخول هذا الموضع الثاني في شرطه. وأيضًا فإن الموضع السابق الذي ذكر فيه الغزالي قوله: "نهي عن الإنتباذ … " جاء بعده بعدة أسطر قول الغزالي أيضًا: «بل لهذا، يُنهى عن لبس القباء، وعن ترك الشعر على الرأس قزعًا .. ولا يُنهى عن ذلك فيما وراء النهر .. » ولم يتعرض العراقي لتخريج ما يدل على هذا النهي (٢). ومن يتأمل سياق كلام الغزالي في الموضع الأخير يلاحظ أنه لا يريد رفع النهي إلى الرسول ﷺ . ولعل هذا مما جعل العراقي لا يتصدى لذلك، ولو على سبيل الاحتياط. ٥ - ومما أورده الغزالي أيضًا بعبارة غير صريحة في الرفع، فتصدى العراقي لتخريجه زيادة عن شرطه، قول الغزالي: «وَعْدُ الخُلُقِ بكذا، أو ورد الوعد بكذا». ففي موضع ذكر الغزالي: أن الخلق وَعَدُوا بأن من تشبه بقوم، فهو منهم. فتعرض العراقي لتخريجه بقوله: حديث: من تشبه بقوم .. » (٣). فلعل وقوف العراقي على اللفظ المذكور، مرفوعًا، رجح لديه حمل مراد الغزالي عليه، وإن لم تكن عبارته صريحة في ذلك.

стр. 1469

وفي موضع آخر ذكر الغزالي أن ذبح الهذي في الحج تقرب إلى الله تعالى بحكم الامتثال، ثم قال: «فَأَكْمِل الهَدْي، وارْج أن يعتق الله بكل جزء منه جزءا منك من النار، فهكذا ورد الوعد» وقد قام العراقي بتخريج ذلك بقوله: حديث أنه يعتق بكل جزء من الأضحية جزءًا من المضحي من النار، لم أقف له على أصل، ثم ذكر حديثا آخر في المعنى (١). ولعل الذي جعل العراقي يتصدى لهذا رغم خروجه عن شرطه، حرضه على بيان أنه لا أصل لحديث بهذا اللفظ الذي أورده الغزالي، خصوصا وأن مثله لا يقال من جهة الرأي والاجتهاد، فصار في حكم المرفوع، لو ثبت. ٦ - وقد عبّر الغزالي أيضًا في بعض المواضع بصيغة بعيدة عن إرادة رفع ما بعدها إليه ﷺ ، وهي صيغة «قيل» أو «يقال كذا». فخرج العراقي بعض تلك المواضع، وترك الكثير منها، لخروج ذلك عن شرطه. ففي موضع قال الغزالي: ويقال: إن الملائكة تحضر المائدة إذا كان عليها بقل، فذلك أيضًا مستحب. ولم يتعرض العراقي لتخريج ما يدل على استحباب هذا (٢). وفي موضع آخر قال الغزالي: «ويقال: إن المرائي ينادى يوم القيامة بأربعة أسماء … ».

стр. 1470

فلم يتعرض العراقي لتخريجه (١)، مع أن مثله لا يقال من جهة الرأي والاجتهاد، كما ترى. وفي موضع آخر قال الغزالي: ويقال: ما أتى الله عبداً علما إلا آتاه معه حلما. ولم يتعرض العراقي لتخريج شيء فيه (٢). وعدم دلالة عبارة (يقال) هذه على الرفع واضح، وقد سبق في بيان شرط العراقي، أن الزبيدي قد انتقده في التعرض لتخريج بعض ما أورده الغزالي بتلك العبارة. لكن قال الغزالي في موضع: «فقد قيل: إن العبد إذا نام على طهارة فذكر الله تعالى، يكتب مصليا، حتى يستيقظ، ويدخُلُ في شعاره ملك … ». فقام العراقي بتخريجه قائلا: «حديث: قيل: إنه إذا نام على طهارة ذاكرا لله … » (رواه) ابن حبان من حديث ابن عمر: من بات طاهرا بات في شعاره ملك … (٣). وقد نقل الشارح تخريج العراقي هذا، ولم ينتقد تعرضه لتخريج هذا الموضع مثلما انتقده في مثيله كما قدمت، ولعله اكتفى بالنقد السابق لانسحابه على كل المواضع المماثلة. وهذا النقد يفيد أن ما تعرض له العراقي بالتخريج مما أورده الغزالي بمثل هذه العبارة، يعتبر زيادة عن شرطه، لفائدة يراها أولى من التزام الشرط، الذي

стр. 1471

راعاه في أكثر المواضع، كما في الأمثلة السابقة. ٧ - موقف العراقي من تخريج الأحاديث المقتبسة: جرى الغزالي في «الإحياء» على أنه يذكر خلال كلامه، بعض ألفاظ الأحاديث المرفوعة، ممزوجة بكلامه، على سبيل الاقتباس، دون إشارة إلى أن ما ذكره لفظ حديث نبوي، وبالتالي لا تعتبر مثل هذه المواضع داخلة فيما التزم العراقي بتخريجه حسب شرطه، كما قدمت توضيحه، ولكنه مع ذلك تصدى لتخريج بعض ما أورده الغزالي على هذا النحو، زيادة عن شرطه، وقد ذكرت بعض تلك المواضع عند بيان شرط العراقي، وسأورد هنا بعضًا آخر، يوضح موقف العراقي من هذا النوع من أحاديث «الإحياء». فقد أورد الغزالي حديث «طلب العلم فريضة على كل مسلم» مصرحًا برفعه في مقدمة الكتاب، فقام العراقي بتخريجه (١) ثم كرره في موضع آخر مصرحا برفعه، فأعاد العراقي تخريجه بالإحالة على الموضع السابق (٢). ثم في موضع بعد هذا قال الغزالي: ولا تظنن أن الجاهل بما يقدر على التعلم فيه، يُعْذَر، هيهات، بل طلب العلم فريضة على كل مسلم، ولهذا كانت ركعتان من عالم .. إلخ. فلم يتعرض العراقي لتخريج الحديث هنا، ولو بالإحالة على ما تقدم وهنا هو مُقْتَبَس كما ترى، دون إشارة لكونه حديثا (٣).

стр. 1472

أما الزبيدي فقد علق على هذا الموضع بقوله: كما في الخبر، وتقدم في كتاب العلم (١)، لكنه لم يتعقب العراقي بأنه أغفل تخريج الحديث هنا، وإن كان تعقبه في موضع آخر، كما سيأتي. ومما يدل على اعتبار العراقي أن ذلك خارج عن شرطه، أن الغزالي في موضع ذكر حديث «إذا ذكر القدر فأمسكوا» مصرحًا برفعه. فقام العراقي بتخريجه (٢). ثم بعد ذلك بعدة كتب من «الإحياء» ذكر الغزالي: أن بعض العباد أشرقت أقطار الملكوت بين أيديهم بنور ربها، فأدركوا الأمور كلها كما هي عليه، فقيل لهم: تأدبوا بآداب الله تعالى، واسكتوا، و «إذا ذكر القدر، فأمسكوا». وقد تعرض العراقي لتخريج ذلك بقوله: حديث: «إذا ذكر القدر فأمسكوا»، الطبراني من حديث ابن مسعود، وقد تقدم في العلم، ولم يصرح المصنف بكونه حديثا (٣)، يعني في هذا الموضع الأخير، وهو بهذا يشير إلى خروجه عن شرطه، مع تعرضه لتخريجه. وفي موضع آخر قال الغزالي: «فإن للوتر فضلا عن الزوج، فإن الله سبحانه وتر يحب الوتر».

стр. 1473

فلم يتعرض العراقي لتخريج ذلك، لخروجه عن شرطه (١). لكن الزبيدي علق على هذا الموضع بقوله: «هو حديث، وقد أغفله العراقي، أخرجه أحمد والبزار عن ابن عمر، وقال الهيثمي: رجاله موثقون … » (٢). ومقتضى معرفة الزبيدي بشرط العراقي في تخريجه هذا، ألا يتعقبه بإغفال تخريج الحديث في هذا الموضع، لكون الغزالي لم يصرح فيه برفع الحديث كما ترى. وقد سبق عدم تعقبه للعراقي في موضع مماثل، فلعله لم يستحضر شرطه حين علق على الحديث الأخير هذا. وفي موضع آخر قال الغزالي: وبذل الزاد في طريق الحج نفقة في سبيل الله ، والدرهم بسبعمائة درهم. فلم يتعرض العراقي لتخريج ذلك (٣). فجاء الزبيدي، فعلق على هذا بقوله: نقله صاحب «القوت»، وقال: روي ذلك عن رسول الله ﷺ ، ثم تصدى الزبيدي لتخريجه، دون أن يتعقب العراقي بأنه أغفله (٤) فكأنه لاحظ هنا شرط العراقي. موقف العراقي من تخريج الإسرائيليات: المقصود بالإسرائيليات هنا، ما وقع في «الإحياء» غير مصرح برفعه (٥): من

стр. 1474

الروايات التي تنسب إلى التوراة، والإنجيل، أو أحدهما (١)، أو تكون من أقوال بعض أنبيائهم، أو من أخبارهم، أو بعض ما أوحي إليهم (٢). وقد فسر شارح الإحياء الإسرائيليات في بعض المواضع ٦/ ٢٢٨ بأنها: الكتب التي أنزلها الله تعالى على أنبياء بني إسرائيل، ولكنها في الواقع الموجود خلال «الإحياء» أعم من هذا، فقد تكون موعظة، أو عبرة من أحوال بني إسرائيل، أو أقوال أو أخبار بعضهم، من الصلحاء أو العلماء أو العصاة (٣). وقد أورد الغزالي ذلك بصيغ متعددة؛ منها الصريح في الرفع إلى الرسول ﷺ ، وهذه داخلة في شرط العراقي، ومنها ما ليس صريحًا في إفادة الرفع إلى الرسول ﷺ ولذلك فإن العراقي ترك التعرض لتخريج الكثير منها، وخرج القليل، لما ظهر له في ذلك من فائدة تتعلق بالموضع الذي تعرض له، وما يماثله، مما لم يتعرض له. ففي بعض مواضع يقول الغزالي: «وفي الإسرائيليات كذا … » (٤). وبعضها «ذكر بعض العلماء في الإسرائيليات كذا» (٥) وبعضها «روي أو يُروى في الإسرائيليات كذا» (٦) وبعضها يعبر بصيغة «يروى كذا»، أو «وفي

стр. 1475

الخبر كذا»، كما سيأتي في الأمثلة التالية: ففي موضع قال الغزالي: روي أن رجلا في بني إسرائيل، كان يقال له: خليع بني إسرائيل .. وساق قصة. فلم يتعرض العراقي لتخريجها (١)، ثم بعد ذلك بعدة أسطر قال الغزالي: وكذلك روي أن رجلاً في بني إسرائيل أتى عابدًا من بني إسرائيل فوطئ على رقبته … وساق قصة مشابهة. فقام العراقي بتخريج ذلك (٢)، مع أن الصيغة التي أورد الغزالي بها الروايتين واحدة، وليس فيها تصريح بالرفع كما ترى، وبالتالي لا تدخل الروايتان في شرطه، فلعله خرج الرواية الثانية لوقوفه عليها مرفوعة، فأخرجها احتياطا لأن تكون هي المقصودة للغزالي، وإن لم تكن عبارته صريحة في ذلك. وفي موضع آخر قال الغزالي: «ورُوي أن سليمان بن داؤد ﵇، لما عوقب على خطيئته لأجل التمثال الذي عُبد في داره … ». فلم يتعرض العراقي لتخريجه (٣). لكن الزبيدي قام من جانبه بتخريج عدة روايات في معنى ما ذكره الغزالي، وهي روايات موقوفة، بعضها موقوف على ابن عباس، وبعضها موقوف على سعيد بن حبير، وبعضها موقوف على مجاهد، وقد عزا تلك الروايات إلى مصادر مما اعتمد عليه العراقي في
следующие страницы →