← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 30167

الحافظ العراقي وأثره في السنة

أحمد بن معبد عبد الكريم

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

راعاه في أكثر المواضع، كما في الأمثلة السابقة. ٧ - موقف العراقي من تخريج الأحاديث المقتبسة: جرى الغزالي في «الإحياء» على أنه يذكر خلال كلامه، بعض ألفاظ الأحاديث المرفوعة، ممزوجة بكلامه، على سبيل الاقتباس، دون إشارة إلى أن ما ذكره لفظ حديث نبوي، وبالتالي لا تعتبر مثل هذه المواضع داخلة فيما التزم العراقي بتخريجه حسب شرطه، كما قدمت توضيحه، ولكنه مع ذلك تصدى لتخريج بعض ما أورده الغزالي على هذا النحو، زيادة عن شرطه، وقد ذكرت بعض تلك المواضع عند بيان شرط العراقي، وسأورد هنا بعضًا آخر، يوضح موقف العراقي من هذا النوع من أحاديث «الإحياء». فقد أورد الغزالي حديث «طلب العلم فريضة على كل مسلم» مصرحًا برفعه في مقدمة الكتاب، فقام العراقي بتخريجه (١) ثم كرره في موضع آخر مصرحا برفعه، فأعاد العراقي تخريجه بالإحالة على الموضع السابق (٢). ثم في موضع بعد هذا قال الغزالي: ولا تظنن أن الجاهل بما يقدر على التعلم فيه، يُعْذَر، هيهات، بل طلب العلم فريضة على كل مسلم، ولهذا كانت ركعتان من عالم .. إلخ. فلم يتعرض العراقي لتخريج الحديث هنا، ولو بالإحالة على ما تقدم وهنا هو مُقْتَبَس كما ترى، دون إشارة لكونه حديثا (٣).

стр. 1472

أما الزبيدي فقد علق على هذا الموضع بقوله: كما في الخبر، وتقدم في كتاب العلم (١)، لكنه لم يتعقب العراقي بأنه أغفل تخريج الحديث هنا، وإن كان تعقبه في موضع آخر، كما سيأتي. ومما يدل على اعتبار العراقي أن ذلك خارج عن شرطه، أن الغزالي في موضع ذكر حديث «إذا ذكر القدر فأمسكوا» مصرحًا برفعه. فقام العراقي بتخريجه (٢). ثم بعد ذلك بعدة كتب من «الإحياء» ذكر الغزالي: أن بعض العباد أشرقت أقطار الملكوت بين أيديهم بنور ربها، فأدركوا الأمور كلها كما هي عليه، فقيل لهم: تأدبوا بآداب الله تعالى، واسكتوا، و «إذا ذكر القدر، فأمسكوا». وقد تعرض العراقي لتخريج ذلك بقوله: حديث: «إذا ذكر القدر فأمسكوا»، الطبراني من حديث ابن مسعود، وقد تقدم في العلم، ولم يصرح المصنف بكونه حديثا (٣)، يعني في هذا الموضع الأخير، وهو بهذا يشير إلى خروجه عن شرطه، مع تعرضه لتخريجه. وفي موضع آخر قال الغزالي: «فإن للوتر فضلا عن الزوج، فإن الله سبحانه وتر يحب الوتر».

стр. 1473

فلم يتعرض العراقي لتخريج ذلك، لخروجه عن شرطه (١). لكن الزبيدي علق على هذا الموضع بقوله: «هو حديث، وقد أغفله العراقي، أخرجه أحمد والبزار عن ابن عمر، وقال الهيثمي: رجاله موثقون … » (٢). ومقتضى معرفة الزبيدي بشرط العراقي في تخريجه هذا، ألا يتعقبه بإغفال تخريج الحديث في هذا الموضع، لكون الغزالي لم يصرح فيه برفع الحديث كما ترى. وقد سبق عدم تعقبه للعراقي في موضع مماثل، فلعله لم يستحضر شرطه حين علق على الحديث الأخير هذا. وفي موضع آخر قال الغزالي: وبذل الزاد في طريق الحج نفقة في سبيل الله ، والدرهم بسبعمائة درهم. فلم يتعرض العراقي لتخريج ذلك (٣). فجاء الزبيدي، فعلق على هذا بقوله: نقله صاحب «القوت»، وقال: روي ذلك عن رسول الله ﷺ ، ثم تصدى الزبيدي لتخريجه، دون أن يتعقب العراقي بأنه أغفله (٤) فكأنه لاحظ هنا شرط العراقي. موقف العراقي من تخريج الإسرائيليات: المقصود بالإسرائيليات هنا، ما وقع في «الإحياء» غير مصرح برفعه (٥): من

стр. 1474

الروايات التي تنسب إلى التوراة، والإنجيل، أو أحدهما (١)، أو تكون من أقوال بعض أنبيائهم، أو من أخبارهم، أو بعض ما أوحي إليهم (٢). وقد فسر شارح الإحياء الإسرائيليات في بعض المواضع ٦/ ٢٢٨ بأنها: الكتب التي أنزلها الله تعالى على أنبياء بني إسرائيل، ولكنها في الواقع الموجود خلال «الإحياء» أعم من هذا، فقد تكون موعظة، أو عبرة من أحوال بني إسرائيل، أو أقوال أو أخبار بعضهم، من الصلحاء أو العلماء أو العصاة (٣). وقد أورد الغزالي ذلك بصيغ متعددة؛ منها الصريح في الرفع إلى الرسول ﷺ ، وهذه داخلة في شرط العراقي، ومنها ما ليس صريحًا في إفادة الرفع إلى الرسول ﷺ ولذلك فإن العراقي ترك التعرض لتخريج الكثير منها، وخرج القليل، لما ظهر له في ذلك من فائدة تتعلق بالموضع الذي تعرض له، وما يماثله، مما لم يتعرض له. ففي بعض مواضع يقول الغزالي: «وفي الإسرائيليات كذا … » (٤). وبعضها «ذكر بعض العلماء في الإسرائيليات كذا» (٥) وبعضها «روي أو يُروى في الإسرائيليات كذا» (٦) وبعضها يعبر بصيغة «يروى كذا»، أو «وفي

стр. 1475

الخبر كذا»، كما سيأتي في الأمثلة التالية: ففي موضع قال الغزالي: روي أن رجلا في بني إسرائيل، كان يقال له: خليع بني إسرائيل .. وساق قصة. فلم يتعرض العراقي لتخريجها (١)، ثم بعد ذلك بعدة أسطر قال الغزالي: وكذلك روي أن رجلاً في بني إسرائيل أتى عابدًا من بني إسرائيل فوطئ على رقبته … وساق قصة مشابهة. فقام العراقي بتخريج ذلك (٢)، مع أن الصيغة التي أورد الغزالي بها الروايتين واحدة، وليس فيها تصريح بالرفع كما ترى، وبالتالي لا تدخل الروايتان في شرطه، فلعله خرج الرواية الثانية لوقوفه عليها مرفوعة، فأخرجها احتياطا لأن تكون هي المقصودة للغزالي، وإن لم تكن عبارته صريحة في ذلك. وفي موضع آخر قال الغزالي: «ورُوي أن سليمان بن داؤد ﵇، لما عوقب على خطيئته لأجل التمثال الذي عُبد في داره … ». فلم يتعرض العراقي لتخريجه (٣). لكن الزبيدي قام من جانبه بتخريج عدة روايات في معنى ما ذكره الغزالي، وهي روايات موقوفة، بعضها موقوف على ابن عباس، وبعضها موقوف على سعيد بن حبير، وبعضها موقوف على مجاهد، وقد عزا تلك الروايات إلى مصادر مما اعتمد عليه العراقي في

стр. 1476

تخريجه هذا (١) بحيث يمكن القول: إنها لم تكن خافية عليه، ولكنه لم يخرجها لكونها ليست على شرطه، حيث لم يصرح الغزالي برفعها، ولذا لم ينتقد الشارح العراقي بعدم التعرض لها. وفي موضع آخر قال الغزالي: روي عن سليمان ﵇ أنه قال: لأطوفن الليلة على مائة امرأة، ولم يقل: إن شاء الله، فحرم ما أراد من الولد. فقام العراقي بتخريجه، بالعزو إلى البخاري في صحيحه، من حديث أبي هريرة (٢) فلعل هذا ما جعله يتصدى لتخريجه، وإن لم يكن على شرطه وذلك لبيان أن من الإسرائيليات ما هو ثابت صحيح. وفي بعض المواضع قال الغزالي: «قال عيسى ﵇: إلى متى تصفون الطريق للمدلجين … ». فلم يتعرض العراقي لتخريجه (٣). ثم في موضع آخر قال الغزالي: وقال عيسى ﵇: الأمور ثلاثة: أمر استبان رشده .. (الحديث). فتصدى العراقي لتخريجه (٤)، ولعل سبب ذلك وقوفه عليه مرفوعا، فآثر إفادة ذلك، وإن لم يكن على شرطه.

стр. 1477

وفي موضع آخر قال الغزالي: وفي الخبر: إن الله تعالى أوحى إلى داؤد ﵇: يا داؤد: خفني كما تخاف السبع الضاري. فقال العراقي: حديث: إن الله تعالى أوحى إلى داود .. ، لم أجد له أصلا، ولعل المصنف قصد بإيراده، أنه من الإسرائيليات، فإنه عبّر عنه بقوله: (وفي الخبر)، وكثيرًا ما يعبر بذلك عن الإسرائيليات التي هي غير مرفوعة (١). وفي موضع آخر قال الغزالي: وفي الخبر: إن الله تعالى أوحى إلى داؤد ﵇ أحبني، وأحب من يحبني. فقال العراقي في تخريجه: لم أجد له أصلا، وكأنه من الإسرائيليات كالذي قبله (٢) وقوله: «كالذي قبله، إشارة إلى ما أورده الغزالي أيضًا لكنه بعد سطور، حيث قال: وفي الخبر: أن رجلا من بني إسرائيل كان يُقنط، ويشدد عليهم .. ». وقد قام العراقي أيضًا بتخريجه من رواية عن زيد بن أسلم مقطوعا (٣)، وقوله عن الحديث الأول إنه قبل الثاني، لعله سبق نظر منه، لتقارب موضعهما أو لعله كان مقدما في نسخته من (الإحياء). وفي موضع آخر، قال الغزالي: وفي خبر موسى ﵊: وأما الورعون، فإنه لا يبقى أحد إلا ناقشته الحساب، وفتشت عما في يديه إلا الورعين، فإني أستحي منهم، وأجلهم أن أوقفهم للحساب. فلم

стр. 1478

يتعرض العراقي لتخريجه (١). وأما الزبيدي فإنه خرج مقابل هذا رواية بنحوه من حديث ابن عباس، قال: قال الله تعالى يا موسى .. ، فذكره بنحوه، ثم قال: ولم يتعرض له العراقي هنا، لكونه من الإسرائيليات وليس من المرفوع (٢) وعبارة الزبيدي هذه تؤيد ما قدمته أن الإسرائيليات التي لا تدخل في شرط العراقي هي التي لا تذكر على أنها مرفوعة. وفي موضع آخر قال الغزالي: وفي الخبر: أن المائدة التي أنزلت على بني إسرائيل: كان عليها من كل البقول، إلا الكراث، وكان عليها سمكة … فلم يتعرض العراقي لتخريج ذلك (٣). وقد قام الشارح بتخريج عدة روايات، أحدها بنحو هذا الخبر، ومنها ما هو في معناه، ولكن جميعها موقوفات، فمنها ما هو موقوف على سلمان الفارسي، ومنها موقوف على ابن عباس، ومنها موقوف على غيرهما، وقد عزاها الشارح إلى مصادر مما رجع العراقي إليه في هذا التخريج، بحيث لا يظن خفاؤها على اطلاعه، لو أراد تخريجها (٤)، ولكنها ليست من مقتضى شرطه كما أشار الشارح إلى ذلك في المثال الذي قبل هذا، ولعل ذلك مما جعله لا يتعقب العراقي بإغفال تخريج هذا الموضع، مراعاة منه لشرطه. كما أن تخريج الشارح لذلك وما قبله بروايات موقوفة، يؤيد ما قرره العراقي فيما

стр. 1479

سبق، من أن الغزالي كثيرًا ما يعبر بقوله: وفي الخبر: عن الإسرائيليات غير المرفوعة ويؤيد أيضا ما قدمته من نقد تسميته كتابه بتخريج ما في (الإحياء) من الأخبار. وهكذا نلاحظ فيما تقدم من الأمثلة، أن الإسرائيليات التي يوردها الغزالي بعبارة غير صريحة في الرفع إلى الرسول ﷺ ، قد ترك العراقي تخريج الكثير منها، لخروجه عما يلزمه تخريجه، حسب شرطه في هذا التخريج. كما نلاحظ أن ما خرجه منها زيادة عن شرطه، قد تحقق من خلاله فوائد علمية تعتبر أهم من ترك تخريج تلك المواضع، حسبما يقتضيه شرطه. فمن ذلك تنبيه العراقي خلال أحد الأمثلة السابقة على قاعدة استقرائية هامة بالنسبة لمنهج العزالي في إيراد المرويات في (الإحياء)، وهي: أنه كثيرًا ما يستعمل صيغة «وفي الخبر» هكذا مطلقة، في إيراد الإسرائيليات، بأنواعها السابقة، غير المرفوعة إلى النبي ﷺ . وقد أصاب العراقي في تقرير هذه القاعدة، حيث لاحظت بنفسي مطابقتها لواقع «الإحياء» خلال قراءتي له جميعه. وحبذا لو كان العراقي بين هذه القاعدة في مقدمة التخريج التي كتبها بعد الفراغ منه، فالمقدمة هي مكانها الأساسي، لكي يتسنى للقارئ فهم اصطلاح الغزالي هذا، منذ شروعه في مطالعة تخريج روايات و «الإحياء»، وليستفاد بها أيضًا في تمييز مرويات الإحياء بعضها عن بعض. وأيضًا فإن تقرير العراقي لهذه القاعدة، مفيد في بيان أن كثيرًا من الروايات التي يصدرها الغزالي بعبارة «وفي الخبر» مطلقة، ليست داخلة في شرط

стр. 1480

العراقي في هذا التخريج، وبذلك لا يتعقب فيما لا يتصدى لتخريجه منها كما في الموضع السابق ذكره عن الزبيدي. ومن فوائد تعرض العراقي لتخريج أحد الأمثلة السابقة، إشارته من خلاله إلى أن الإسرائيليات التي لا يصرح الغزالي برفعها، منها ما هو في الواقع مرفوع إلى الرسول ﷺ ، حسب مصادر التخريج، ومنها ما ليس مرفوعًا، وقد بين العراقي في أحد المواضع السابقة، ما روي مقطوعًا من تلك الإسرائيليات. ومن فوائد ما تعرض العراقي لتخريجه أيضًا، إشارته خلال بعض الأمثلة السابقة إلى أن الإسرائيليات، كما أن منها ما هو ثابت عن الرسول ﷺ في «صحيح البخاري»، فكذلك منها ما لا أصل له في كتب السنة عمومًا، فلا يعول عليه. موقف العراقي من تخريج ما في «الإحياء» من الأحاديث القدسية: لقد لاحظت من قراءتي للإحياء أن الغزالي يورد الأحاديث القدسية فيه مصدرة بصيغ مختلفة، فتارة يرفعها إلى الرسول ﷺ فيما يروي عن ربه (١) وتارة يذكرها بصيغة غير صريحة في الرفع (٢)، وتارة يقتبس لفظها في سياق كلامه (٣) وتارة يذكرها عن بعض التابعين أنه ينسبها إلى الله ، وبمقتضى شرط العراقي السابق، فإنه يكون ملتزمًا بتخريج النوع الأول فقط؛ لكني وجدته في بعض المواضع قد يترك ما يدخل في شرطه، وفي بعضها.

стр. 1481

خرج ما ليس من شرطه لفائدة، فمرة ذكر الغزالي بعض الأحاديث مصرّحًا برفعها إلى الرسول ﷺ ثم قال: ولقد جاءت الرواية عنه عن ربه ، أنه قال لموسى ﵇: إذا رأيت الغنى مقبلاً، فقل ذنب عجلت عقوبته، وإذا رأيت الفقر مقبلاً، فقل مرحبا بشعار الصالحين. فلم يتعرض العراقي لتخريجه (١)، مع دخوله في شرطه؛ لتصريح الغزالي برفعه إلى الرسول ﷺ عن ربه، كما ترى. وقد قام الزبيدي في شرحه للإحياء بتخريج الحديث، لكن بروايتين موقوفتين، إحداهما عن فضيل بن عياض، والثانية عن كعب الأحبار (٢) فلعل ما في «الإحياء» جاء غير مرفوع في نسخة العراقي بسقوط كلمة «عنه» التي تعود إليه ﷺ . ولم يتعقب الزبيدي أيضًا العراقي هنا مع وجود كلمة «عنه» في نسخته ومعرفته بشرط العراقي. ثم إن الغزالي بعد هذا الموضع بعدة كتب من «الإحياء» قال: وفي الخبر: إذا رأيت الفقر مقبلاً، فقل مرحبا بشعار الصالحين، وإذا رأيت الغنى مقبلاً (الحديث). فقام العراقي بتخريجه في هذا الموضع (٣)، دون إشارة لتقدمه، كما هو منهجه في الإحالة على ما يتكرر (٤)، ويلاحظ أن الغزالي في هذا الموضع لم

стр. 1482

يذكر كون الحديث قدسيا، بذكر نسبته إلى الله ، كما أنه لم يصرح برفعه إلى الرسول ﷺ وإنما أورده بصيغة «وفي الخبر» التي تحتمل أن مقصوده بها حديثا مرفوعًا أو غيره، كما تقدم تقرير العراقي ذلك بنفسه، وبالتالي لا يكون هذا الموضع داخلا في شرطه، فلعله خرجه احتياطاً لأن يكون مقصود الغزالي هنا الحديث المرفوع، وإن لم يصرح. وقد نقل الزبيدي تخريج العراقي للحديث هنا، وأشار أيضاً إلى تقدمه في الموضع السابق، ولكنه لم يتعقب العراقي ببيان كونه هنا ليس من شرطه (١). وقد أورد الغزالي في موضع آخر حديثين قدسيين: أحدهما صدره بصيغة «روي» والثاني بصيغة «وفي الخبر المشهور» وبذلك لا يكونان من شرط العراقي، ولكنه قام بتخريجهما (٢)، ونقل الشارح تخريجهما، دون تعقب (٣). وأورد الغزالي في موضع آخر حديثاً قدسياً بصيغة «روي أن الله تعالى … » فلم يتعرض العراقي لتخريجه (٤)، وقد عزاه الشارح إلى «شعب الإيمان» للبيهقي، من قول بشر الحافي، بنحوه مع زيادة في أوله، ولم يتعقب العراقي في عدم تعرضه له (٥). وأورد الغزالي حديثاً آخر بالصيغة نفسها، فلم يتعرض له العراقي كذلك (٦).

стр. 1483

واقتصر الشارح على عزوه «لقوت القلوب» لأبي طالب المكي (١). وفي موضع آخر، جاء في النسخة المطبوعة من «الإحياء» ما نصه: «وقوله : أعددت لعبادي الصالحين، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر»، ولم أجد تعرض العراقي لتخريجه في هذا الموضع (٢)، وقد جاء في نسخة الزبيدي من «الإحياء» هكذا: «وقوله ﷺ قال الله : أعددت لعبادي … » الحديث. وعلق عليه الزبيدي قائلا: «أغفله العراقي، وسبب إغفاله، أنه يوجد في بعض نسخ الكتاب: «وقال الله »، بدون «وقوله ﷺ » وهو حديث قدسي، رواه أحمد والشيخان والترمذي وابن ماجه من حديث أبي هريرة .. » (٣). وبهذا نجد أن الشارح استحضر هنا شرط العراقي في تخريجه، وبين عذره في عدم تخريج الحديث في هذا الموضع، وهو حدوث خلاف في نسخ الإحياء نفسه في صيغة إيراد الحديث، وبالتالي يحمل إغفال العراقي له على وروده في نسخته غير مصرح برفعه، كما جاء في النسخة المطبوعة بمطبعة الحلبي، والتي سبقت الإحالة عليها، وبذلك لا يكون هذا الموضع داخلا فيما يلزم العراقي تخريجه، حسب شرطه. وأضيف هنا تأييدا لتعليل الزبيدي، أنه بعد هذا الموضع بعدة كتب من كتب

стр. 1484

«الإحياء» أورد الغزالي الحديث المذكور ضمن حديث مرفوع، غير قدسي، وذلك في موضعين متقاربين، فقام العراقي بتخريجهما، مع ذكر رواية الحديث القدسي هذه، ضمن تخريجهما (١). وفي موضع آخر قال الغزالي: «وقال قتادة: إذا راعى العبد، يقول الله تعالى: انظروا إلى عبدي يستهزئ بي (٢). ثم كرره مرة أخرى في موضع بعد هذا، ولم يتعرض العراقي له في الموضعين (٣). ويلاحظ أن من نسبه إلى الله تعالى، تابعي، وهو «قتادة بن دعامة». وفي موضع آخر قال الغزالي: فإن قلت: فأين الغلط في قول العصاة، والفجار: إن الله كريم، وإنا لنرجوا رحمته، ومغفرته، وقد قال: «أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي خيرا؟»، فما هذا إلا كلام صحيح مقبول الظاهر في القلوب … ». فعبارة «أنا عند ظن عبدي بي، فليظن بي خيرا» بنحو حديث قدسي مرفوع، ولكن الغزالي أورده هنا اقتباسا في أثناء كلامه هو، كما ترى ولذلك لم يتعرض العراقي لتخريجه، وكذلك شارح «الإحياء» (٤). ثم إن الغزالي قد أورد نحو هذا مرفوعًا في كتاب آخر من «الإحياء» بعد

стр. 1485

هذا فقال: وقال ﷺ : يقول الله : أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء. فقام العراقي بتخريجه بالعزو إلى ابن حبان من حديث واثلة بن الأسقع، وإلى الصحيحين من حديث أبي هريرة، دون قوله: «فليظن بي ما شاء» (١)، وقد ساق العجلوني (كشف الخفاء) لفظ رواية ابن حبان هكذا «أنا عند ظن عبدي بي، إن ظن بي خيرًا، فله وإن ظن شرا، فله». وهو بنحو اللفظ الذي اقتبسه الغزالي في الموضع الذي ذكرته قبل هذا. وفي موضع آخر قال الغزالي: وفي خبر آخر: يقول الله : إنما خلقت الخلق ليربحوا علي، لم أخلقهم لأربح عليهم. وقد تعرض العراقي له بقوله: لم أقف له على أصل (٢). وقد أقره الشارح على هذا، مع بيان أن هذا الخبر من الإسرائيليات التي ليست مرفوعة ولا مسندة (٣). وهكذا يظهر لنا أن ما تعرض العراقي لتخريجه من الأحاديث القدسية التي لم يُصرح في الإحياء برفعها، قد تحقق من خلال تعرضه لها فوائد علمية هامة، حيث تبين أن من تلك الأحاديث ما يوجد في مصادر حديثية مرفوعا، مع بيان العراقي لدرجته، ومن تلك الأحاديث ما لم يقف العراقي له على أصل في المصادر التي أتيحت له، مع حرصه، وسعة اطلاعه.

стр. 1486

تخريج العراقى للأحاديث التي تتكرر في الإحياء، عرض، ونقد. كتاب «الإحياء» مرتب على الموضوعات، أي على الكتب، لأن كل كتاب من كتبه يتناول موضوعا عاما، كالعلم، وقواعد العقائد، والمحبة والشوق، والرضا بالله. وكل كتاب قسمه الغزالى إلى أبوبا، أفصول، أو شطرين، أو أقسام … ، ومن المعروف أن المؤلفات التي ترتب هكذا، وتعتم على الاستدلال بالأحاديث، فإنه يتكرر فيها الحديث الواحد، بكامله، أو ببعض أجزائه، في أكثر من موضع، حسب الأحكام، والآداب التي تدل ألفاظه عليها، بمختلف أنواع الدلالة. ولهذا، فإن الغزالي يكرر الحديث في أكثر من كتاب من كتب الإحياء، ويكرر أيضا، في أكثر من باب أو فصل، أ قسم، خلال الكتاب الواحد من كتب الإحياء. وأكثر ما وقفت عليه، تكريره الحديث في سبعة مواضع خلال كتاب الإحياء كله مثل ك حديث: «سبعة يظلهم الله في ظله» (١). ولذلك، فإن العراقي في بيانه لعناصر منهجه في مقدمة هذا التخريج، قد حرص على بيان طريقته في التعرض لتخريج الأحاديث. التي تتكرر في الإحياء، فقال: وحيث كبرر المصنف (٢) ذِكرَ الحديث، فإن كان في باب (٣) واحد منه،

стр. 1487

اكتفيت بذكره أول مرة، يرد فيها (١)، وربما ذكرته فيه (٢) ثانيا، وثالثا (٣) الغرض، أو لذهول عن كونه تقدم. وإن كرره في باب آخر، ذكرته، ونبهت على أنه قد تقدم، وربما لم أنبه على تقدمه، لذهول عنه (٤). وعند قراءتي لكل من كتاب الإحياء، وتخريج الواقي هذا له، قراءة مفصلة، ظهر لى موافقة صنيع العراقي في الأكثر و لما قرره في كلامه السابق، كما ظهر لى بعض اختلاف في واقع التخريج، عما ذكره العراقى في كلامه السابق، في المقدمة. وتفصيل ذلك كما يلى: ١ - ذكر العراقي آنفا، أنه يخرج الحديث المكرر عند أول مرة يرد فيه الحديث في الإحياء، ولكنه لم يلتزم بذلك دائما، فقد يترك تخريج الحديث في أول مرة يذكر فيها في الإحياء، ثم يخرجه بعد ذلك عند تكرر الحديث في موضع متأخر من الإحياء، أو عند ايراده هو له ضمن تخريج حديث متأخر أيضا من أحاديث الإحياء. وقد تسبب هذا في بعض المواضع، وفي نقد العراقي بأنه لم يخرج بعض الأحاديث، لعدم تنبه المنتقد إلى أن العراقى قد خرج هذا الحديث، ولكن في موضع آخر؛ بعد هذا الموضع، الذي لم يتعرض للحديث فيه. مزيد بيان.

стр. 1488

وأمثلة لذلك في مبحث «ما فات العراقي تخريجه» بمشيئة الله، وهنا نورد أيضا بعض الأمثلة للتوضيح: «فمن ذلك أنه في كتاب الصلاة - بيان ما ينبغى أن يَخْصُرَ في القلب عند كل ركن … » قال الغزالي: «إذ كانت قرة عينه فيها ﷺ » - يعنى في الصلاة. فهذه إشارة إلى جزء من الحديث المشهور: حبب إلى من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عينى في الصلاة. ولكن العراقي لم يتعرض لتخريج هذه الفقرة من الحديث في هذا الموضع الأول الذي أورها فيه الغزالي (١). ثم كررها الغزال بعد هذا لكثير، ضمن الحديث كله، وذلك في كتاب آخر وهو «كتاب النكاح - آفاته، وفوائده» - فقال: وقال ﵊: حبب إلى من دنياكم ثلاث: «الطيب والنساء، وقرة عينى في الصلاة. فقام العراقى بتخريجه بالعزو إلى سنن النساء وإياكم … ». ولم يشر إلى أنه تقدم بعضه وهو قرة عينه ﷺ في الصلاة (٢) مع أن الغزالي بعد هذا كرر تلك الفقرة وحدها، فأحال العراقى بتخريجها على هذا الموضع الذي خرجها فيه ضمن الحديث بكامله، فقد قال الغزالي بعد هذا، في كتاب رياضة النفس - بيان السبب الذي يُنال به حسن الخلق - قال ﷺ : وجعلت قرة عينى في الصلاة (٣).

стр. 1489

قال العراقي في تخريجه: رواه النسائي من حديث أنس، وقد تقدم (١) فقوله: (وقد تقدم) إشارة إلى الموضع السابق الذي خرج فيه الحديث بكامله من سنن النسائي والحاكم، لأنه هو الموضع الوحيد الذي تقدم تخريجه للحديث فيه، قبل هذا الموضع المحال منه. وكرره الغزالي أيضا بعد هذا الموضع في كتاب آخر، وهو كتاب كسر الشهوتين، فأحال بتخريجه بقوله: تقدم أيضا (٢). وقد تنبه شارح الإحياء لتلافى إهمال العراقي تخريج هذه الفقرة من الحديث، في أول مرة ذكرها الغزالي، كما تقدم، فعلق عليها بقوله: وقد أشار - يعنى الغزالي - بذلك إلى الحديث المشهور: حبب إلي من دنياكم الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة، كما رواه أحمد في كتاب الزهد، والنسائي والحاكم والبيهقى عن أنس ﵁ وسيأتى الكلام على تخريج هذا الحديث، وما يتعلق به من الإشارات، حيث يذكره المصنف إن شاء الله تعالى (٣) ثم لما تكررت هذه الفقرة في الموضع التالى لهذا، ضمن الحديث بكامله، وهو موضع تخريج العراقى لها معه، قام الشارح ايضا بما وعد به من تخريج الحديث بما ذكره العراقي، وزاد عليه توسعا كثيرا (٤). وفي موضع آخر وهو كتاب آداب الأكل - الباب الرابع - قال الغزالي: قال ﷺ : «سيد الإدام اللحم».

стр. 1490

فلم يتعرض العراقي لتخريجه (١) مع أن هذه أول مرة ذكره الغزالي فيها. ثم بعد ذلك بثمانية كتب، ذكر الغزالي - في كتاب آداب المعيشة وأخلاق النبوة - أنه ﷺ كان أحب الطعام إليه اللحم، ويقول: هو يزيد في السمع، وهو سيد الطعام في الدنيا والآخرة .. (الحديث). فقام العراقى بتخريجه، بعدة روايات، ومنها ما عزاه إلى ابن ماجه من حديث أبي الدرداء بإسناد ضعيف، سيد طعام أهل الدنيا، وأهل الجنة اللحم (٢) وهو كما ترى بمعنى الحديث السابق ولكنه لم يشر إلى ذلك. وقد تلافى الشارح ايضا عدم تعرض العراقي لتخريج الحديث في الموضع الأول، فقام هو بتخريجه من عدة مصادر، وذكر منها حديث ابن ماجه الذي ذكره العراقي ضمنتخريج الحديث في الموضع الثاني المتأخر، كما أوضحته (٣). هذا وسيأتي ضمن مبحث ما فات العراقي تخريجه، بعض الأمثلة الأخرى. ٢ - قول العراقي عن الحديث المكرر: فإن كان في باب واحد منه، اكتفيت بذكره أول مرة يرد فيها» يعنى أن الحديث إذا تكرر في باب أو فصل، ونحوهما من فروع أحد كتب الإحياء، فإنه يكتفى بذكره في المغنى والتعرض لتخريجه في المرة الأولى فقط ولا يذكره في المغنى عند تكرره في الإحياء مرة أخرى في الباب أو الموضوع نفسه، مثل الباب الأول من كتاب العلم، أو

стр. 1491

الفصل الرابع من كتاب الزكاة، أو «بيان ذم الدنيا» من كتاب ذم الدنيا، أو الشطر الثانى من كتاب «الكبر والعجب» وهكذا. ولعل العراقي راس هذا، اعتمادًا على أن الكتاب الواحد من كتب الإحياء، يعتبر دائرة أضيق، يمكن القارئ ملاحظة تكرار الحديث في فروعه، وبالتالي رجوعه إلى الموضع الذي خرج العراقى الحديث فيه، فلا يحتاج مع ذلك لتكرير تخريجه له، خصوصا إذا كان تخريجه للحديث هو هو، ليس فيه إضافة جديد. لكن الذي لاحظته أن بعض من طالع الإحياء، وطالع تخريج العراقي له، قدمها عن اصطلاح العراقى هذا، وعن ملاحظة الموضع الذي قدم تخريج الحديث فيه. ولهذا تعقب العراقى في الموضع المتأخر من الكتاب نفسه عن موضع تخريجه للحديث فيه، بأنه لم يخرج الحديث مطلقا، في حين يكون العراقي قد خرجه قبل موضع التعقب بقليل. ففى كتاب آداب الأكل - الباب الأول منه - قال الغزالي: «وقد ورد الأمر بإكرام الخبز». فقام العراقي بتخريجه بقوله: حديث «أكرموا الخبز» البزار والطبراني، وابن قانع من حديث عبد الله بن أم حرام … (١). ثم بعد هذا بقرابة نصف صفحة من الباب نفسه، قال الغزالي: قال ﷺ : «أكرموا الخبر».

стр. 1492

فلم يتعرض العراقى له بشيء، تبعا لاصطلاحه السابق ذكره (١) فجاء مصحح طبعة مصطفى الحلبى للإحياء مع المغنى، وعلق على هذا الموضع الثاني الذكر تكرر في الحديث في الإحياء، بقوله: لم يخرجه العراقي، وخرجه الشارح عن الحكيم الترمذي، وغيره، فانظره اهـ مصححه (٢). أقول: ولو أن المصحح نظر فقط في الصفحة السابقة لتعليقه هذا، لرأى تخريج العراقي للحديث المذكور. وقد لاحظ الشارع، ما غفل عنه المصحح من تكرر الحديث، لكنه في الموضع الأول الذي خرج فيه العراقى الحديث، لم ينقل تخريج العراقي له، وإنما خرجه من مصادر أخرى غير التي خرجه منها العراقي، ثم قال: وسيأتي باقى الكلام على هذا الحديث قريبا و في القسم الثاني، يعنى من آداب الأكل (٣) ثم إنه في الموضع الثانى الذي أشار لتكرر الحديث فيه، قام ثانيا بإعادة تخريج الحديث من مصادر أخرى غير التي خرج الحديث منها في الموضع المتقدم، وذكر مصدرًا واحدًا مما عزا العراقي الحديث إليه، وهو الموضوعات لابن الجوزي، وتعقب ذكره في الموضوعات ببيان توفر شواهد له تدفع الحكم بوضعه، وذكر منها الروايات التي ذكرها في تخريج الحديث في الموضع الأول (٤)، ولم يتعقب العراقي بعدم تخريجه للحديث، كما فهم المصحح.

стр. 1493

وفي كتاب (كسر الشهوتين) بيان فضيلة الجوع - قال الغزالي: قال رسول الله ﷺ جاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش، فإن الأجر في ذلك، كأجر المجاهد في سبيل الله (الحديث). وقد تعرض العرقى للحديث بقوله: لم أجد له أصلا (١). وبعد ذلك بثلاثة صفحات ونصف تقريبا - بيان فوائد الجوع - من كتاب كسر الشهوتين نفسه - قال الغزالي: قال رسول الله ﷺ : جاهدوا أنفسكم بالجوع والعطش، فإن الأجر في ذلك. فلم يتعرض العراقي له ثانية لتقدم تعرضه له في الكتاب نفسه، حسب اصطلاحه (٢). لكن مصحح طبعة مصطفى الحلبي علق على الحديث في هذا الموضع بقوله: لم يخرجه العراقي (٣). ومقصوده أنه لم يتعرض له بشيء، بدليل أنه لا يعلق بمثل هذا على الأحاديث الأخرى التي يوردها العراقي في المغنى، ويعلق عليها بأنه لم يجدها، أو لم يجد لها أصلا. أما الشارح فعلق على الحديث في هذا الموضع الثاني بقوله: تقدم هذا الحديث قريبا، قال العراقي: لم أجد له أصلا (٤).

стр. 1494

فهذا يدل على أن تعقب المصحح في غير محله. وفي «كتاب ذم الجاه والرياء» بيان سبب كون الجاه محبوبا - قال الغزالي: قال رسول الله ﷺ : - منهومان لا يشبعان، منهوم العلم، ومنهوم المال. فتعرض العراقي لتخريجه، ثم قال: وقد تقدم. وذلك إشارة إلى تقدمه في كتاب ذم البخل السابق على كتاب ذم الجاه، هذا (١). وقد كرر الغزالي الحديث نفسه مرة ثالثة في كتاب ذم الجاه، بعد الموضع السابق ذكره، بنحو صفحتين. فلم يتعرض العراقى له لشيء، وذلك لتقدم تخريجه له قريبا في الباب نفسه، حسب اصطلاحه (٢). فلما تعرض الشارح لهذا الموضع علق على الحديث بقوله: تقدم قريبا (٣) فأحال بذلك على تخريجه في الموضع الذى خرجه فيه العراقي قريبا من هذا. كما: أوضحته. وفي كتاب آداب الألفة - الباب الثالث - أورد الغزالي: حديث: «من حمى عرض أخيه المسلم في الدنيا، بعث الله له ملكا يحميه يوم القيامة من النار» فخرجه العراقي بقوله: رواه أبو داود من حديث معاذ بن أنس نحوه بسند ضعيف (٤).

стр. 1495

وقد بين الشارح أن لفظ أبي داود: من حمى مؤمنا من منافق يغتابه، بعث الله ملكا يحيى لحمه يوم القيامة (١). وبعد هذا الموضع بصفحتين من الباب نفسه، ذكر الغزالي الحديث بنحو رواية ابي داود السابقة. فلم يتعرض له العراقي حسب اصطلاحه. فقام الشارح بتخريجه من عند أبي داود وغيره، ثم قال: وتقدم قريبا، ولم يذكره العراقي (٢). فقوله: «لم يذكره العراقى» يعنى في هذا الموضع الثاني، وكان مفروضا أن لا يتعقبه بهذا، طالما ذكر أنه تقدم قريبا. فلعله لم يلاحظ اصطلاح العراقي في هذا النوع من تكرر الأحاديث. ٣ - ثم نبه العراقي على أنه قد يخالف هذا الإصطلاح بالنسبة لما يتكرر من الأحاديث في الإحياء، فى الباب الواحد أكثر من مرة، فقال: وربما ذكرته فيه. - يعنى فى الباب نفسه عند تكرره - ثانيا، وثالثا، لغرض، أو لذهول عن كونه تقدم. فبين ذلك أنه قد يكرر ذكر الحديث في المغنى، ويتعرض للكلام عليه، وذلك لسببين: أحدهما: وجود غرض مفيد، يقتضى إعادة الكلام على الحديث، وذلك

стр. 1496

يتركه العراقي لاستنتاج القارئ بعدما يراجع كلامه عن الحديث في الموضعين. وثانيهما: ذهول العراقي عن أن الحديث تكرر، وأنه تكلم عليه فيما قبل هذا الموضع من التخريج. وليس هناك علامة يُستدل بها على ذهول العراقي، في إعادة تخريج الحديث، غير أنه يمكن معرفة ذلك بأن يكون كلامه عن تخريج الحديث في الموضعين، هو هو، بدون زيادة فائدة. فمن أمثلة النوع الأول، وهو المكرر لغرض: أن الغزالي في كتاب ذم الجاه والرياء - بيان ترك الطاعات خوفا من الرياء - قال: وكذلك حديث عبد الرحمن بن سمرة، إذ قال له النبي ﷺ : يا عبد الرحمن، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أوتيتها من غير مسألة، أعنت عليها (الحديث). فقام العراقي بتخريجه، بقوله حديث عبد الرحمن بن سمرة: لا تسأل الإمارة (الحديث) متفق عليه (١). ثم بعد هذا بصفحة تقريبا، في الكتاب نفسه، قال الغزالي: قد نهى رسول الله ﷺ عن طلب الإمارة، وتوعد عليها: فقام العراقي أيضا - بتخريجه بقوله: حديث النهى عن طلب الإمارة، وهو حديث عبد الرحمن بن سمرة: لا تسل الإمارة، وقد تقدم قبله بثلاثة أحاديث - (٢) يعنى من الأحاديث المخرجه في المغنى. فيلاحظ هنا تقارب موضع تكرر الحديث في كتاب واحد، لكن الغزالي ذكره أولا بلفظه، ثم ذكره في الموضع الثانى بالإشارة، بمعناه، فيبدو أن

стр. 1497

العراقي أعاد تخريجه في الموضع الثاني، بالإحالة على الأول، ليبين أن ما أشار إليه الغزالي في الموضع الثاني، يطابق ما قد ذكره بلفظه في الموضع الأول. وفي كتاب آفات اللسان - بيان عظيم خطر اللسان - قال الغزالي: وروى عبد الله بن سفيان عن أبيه قال: قلتُ: يارسول الله، أخبرني عن الإسلام بأمر، لا أسأل عنه أحدًا بعدك، فقال: قل آمنت بالله، ثم استقم، قال قلت: فما أتقى؟ فأوماً بيده إلى لسانه. فقام العراقي بتخريج الحديث قائلا: حديث سفيان الثقفي، أخبرني عن الإسلام بأمر لا أسأل عنه أحدًا بعدك (الحديث) رواه الترمذي، وصححه، والنسائي، وابن ماجه، وهو عند مسلم، دون آخر الحديث، الذي فيه ذكر اللسان (١). أقول: وسفيان الثقفي - هو ابن عبد الله بن ربيعة الثقفي الطائفي - صحاب (٢). وبعد الموضع السابق بتسعة أسطر - في كتاب الإحياء - قال الغزالي: وقال عبد الله الثقفى: قلت يارسول الله، حدثني بأمر أعتصم به (الحديث) بنحو ما تقدم. فتصدى العراقى لتخريجه مرة ثانية، رغم تقدمه القريب، فقال: حديث عبد الله الثقفى: قلت: يارسول الله، حدثني بأمر أعتصم به (الحديث)، ورواه النسائي، قال ابن عساكر: هو خطأ، والصواب سفيان بن عبد الله الثقفي، كما رواه الترمذي، وصححه، وقد تقدم قبل هذا بخمسة

стр. 1498

أحاديث (١). فالغزالي ذكر صحابى الحديث في الموضع الأول على الصواب وأنه «سفيان الثقفي»، ثم كرر الحديث ثانيا وسمى صحابيه «عبد الله الثقفي» وهذا خطأ، ولكنه جاء هذا في إحدى روايتي النسائي للحديث، فأعاد العراقي تخريج مرة ثانية، رغم قرب موضع تخريجه الأول له، من النسائي وغيره، واكتفى في هذه المرة الثانية بعزوه للنسائي فقط، لأنه جاء عنده في إحدى روايتيه باسم «عبد الله» كما ذكر الغزالي، ثم نبه العراقي على أن ما ذكره الغزالي، وكذلك النسائي، في إحدى روايتيه، من أن صحابي الحديث اسمه «عبد الله» خطأ، والصواب: «سفيان بن عبد الله» كما ذكر في الموضع الأول من الإحياء، وفي المصادر الأخرى للحديث. ويبدو أن التنبيه على هذا الخطأ، هو الغرض الذي جعل العراقي يكرر تخريج الحديث، مرة ثانية، مع قرب تخريجه الأول له. والتنبيه على هذا الخطأ، فائدة، لا تخفى أهميتها، خاصة أنها لم تذكر في مصدر تخريج الحديث، وهو سنن النسائى، وإنما نبه عليها الحافظ ابن عساكر، كما ذكر العراقي، ولعل تنبيهه هذا في كتابه في أطراف السنن الأربعة (٢). وسيأتي أيضا بيان أن إعادته تخريج الحديث المكرر في كتابين من كتب الأحياء له بعض الفوائد الهامة. ولكنى وجدت مواضع كرر الغزالي الحديث فيها في موضعين متقاربين في

стр. 1499

كتاب واحد، وكرر العراقي تخريجه لها كما هو، دون إضافة فائدة جديدة. فمن ذلك ما جاء في كتاب آفات اللسان - الآفة السادسة عشرة - حيث قال الغزالي: وعن ابن عمر عن النبي ﷺ إن الله لما خلق الجنة قال لها تكلمى، قالت: سعد من دخلني، قال الجبار ﷻ : وعزتى وجلالي لا يسكن فيك ثمانية نفر من الناس، فذكرهم … وفيهم: ولا فتَّات، وهو النمام، ولا قاطع رحم … وقد تعرض العراقي لتخريج الحديث فقال: لم أجده هكذا بتمامه، ثم ذكر خمسة أحاديث كل منها يتضمن بعض الثمانية، وذكر منها قوله: وللشيخين من حديث جبير بن مطعم: لا يدخل الجنة قاطع (١). ثم ذكر الغزالي في الكتاب نفسه، بعد أقل من صفحة: أن الرسول ﷺ قال: لا يدخل الجنة قاطع، قيل: وما القاطع؟ قال قاطع بين الناس. فقام العراقي بتخريجه قائلا كحديث: لا يدخل الجنة، قاطع. متفق عليه من حديث جبير بن مطعم (٢). فيلاحظ أنه لم يزد في تخريج الحديث في المرة الثانية شيئا عما ذكره في تخريجه في المرة الأولى، ضمن الحديث السابق، كما أنه لم يشر إلى تقدم هذه الرواية ضمن الحديث السابق، مع أنه يفعل مثل هذا في غير هذا الموضع (٣). فلعل إعادته لتخريج هذا الحديث في الموضع الثاني؛ ذهولا منه عن تقدمه

стр. 1500

ضمن الحديث السابق، وإن كانا متقاربين؛ حيث لم يفصل بينهما في كتاب المغنى إلا حديث واحد. لكني لاحظت أيضا أن هناك أحاديث تتكرر في كتاب واحد، ويكرر العراقي تخريجها كما هو، دون أن يكون ذاهلا عن تكرارها، حيث يشير مع تكرير التخريج إلى تقدم الحديث أيضا. ففي كتاب الرجاء والخوف - بيان فضيلة الرجاء - قال الغزالي: وقال ﷺ : لا يموتن أحدكم إلا هو يحسن الظن بالله. فخرجه العراقي بقوله: (رواه) مسلم من حديث جابر (١). ثم كرر الغزالي الحديث ثانية في الكتاب نفسه - بيان المفاضلة بين غلبة الرجاء، وغلبة الخوف - فأعاد العراقي تخريجه بقوله: رواه مسلم من حديث جابر، وقد تقدم (٢). فقوله: وقد تقدم، دليل على عدم ذهوله عن تكرره، ومع ذلك أعاد تخريجه كما هو في الموضع الأول. ٤ - وقول العراقي: وإن كرره - يعنى الغزالي - في باب آخر، ذكرته، ونبهت على أنه قد تقدم، وربما لم أنبه على تقدمه، لذهول عنه. بعد أن بين طريقته في تخريج ما يكرره الغزالي في باب واحد من الإحياء، أتبعه هنا ببيان طريقته في تخريج ما يذكره الغزالي في باب من أحد كتب الإحياء، ثم يكرره بعد ذلك في باب آخر أو أكثر، سواء من الكتاب نفسه أو من غيره.

стр. 1501

فقرر أنه في هذا النوع من التكرير، يلتزم بتكرير الحديث في المغنى عند موضع، أو مواضع تكرره في الإحياء، مع التنبيه على أنه تقدم، ولا يترك ذلك إلا قليلا، عندما ينسى أن الحديث قد مر قبل هذا، في باب آخر. ومن خلال القراءة التفصيلية، تبين لى أن طريقة العراقي في ذكر ما يتكرر هكذا والتنبيه على تقدمه، متنوعة: فمرة ينقل الحديث إلى المغنى من كتاب الإحياء في الموضع الذي كرره الغزالي فيه، ثم لا يتعرض لشيء من تخريجه، وإنما يحيل بذلك على الموضع الذي سبق تخريجه له فيه، فيقول: حديث كذا، «تقدم» وفقط (١). ومرة يعيد تخريج الحديث كما ذكره في الموضع السابق، دون زيادة أو نقص، ثم يحيل على الموضع السابق، بقوله: «وقد تقدم» (٢). ومرة يتوسع في تخريج الحديث في أول موضع يتعرض لتخريجه فيه، وفى الموضع المتأخر بذكر بعضا مما قدمه، ثم يحيل عليه بقوله: وقد تقدم، وفى هذه الحالة، تكون مراجعة الموضع السابق، المحال عليه، ضرورية، لأجل استيفاء كل ما ذكر عن تخريج الحديث، لاسيما أن هذا النوع هو الكثير عنده. فمن ذلك، أن في كتاب رياضة النفس - بيان علامات حسن الخلق - قال الغزالي: «ولما أكثر تقريش إيذاءَهُ وضَرْبَه، قال: اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون» فتصدى العراقى لتخريجه بقوله: (رواه) ابن حبان والبيهقي في

стр. 1502

دلائل النبوة، من حديث سهل بن سعد، وفي الصحيحين من حديث ابن مسعود، أنه حكاه ﷺ عن نبي من الأنبياء ضربه قومه (١) ثم في كتاب ذم الجاه والرياء - وهو متأخر عن الكتاب السابق بعدة كتب - قال الغزالي: «قال ﷺ : اللهم اغفر لقومى، اللهم اهد قومي، فإنهم لا يعلمون». فأعاد العراقي تخريجه بقوله: حديث «اللهم اغفر لقومي، فإنهم لا يعلمون، قاله لما ضربه قومه، (رواه) البيهقى فى دلائل النبوة، وقد تقدم، والحديث في الصحيح: أنه ﷺ : قاله حكاية عن نبي من الأنبياء، حين ضربه قومه (٢) فإذا تأملنا تخريجه للحديث في الموضع الأول نجد فيه زيادة عزو الحديث إلى صحيح ابن حبان وبين مشاركته للبيهقي في كتاب الدلائل، في كون الحديث عندهما من طريث صحابي واحد وهو سهل بن سعد، وبذلك عُرِفَتْ قوة رواية البيهقى التي في الدلائل، عرف الصحابي الذي روى الحديث فيها عنه. وكذلك في الموضع الأول بيان اسم الصحابي الذي روى الحديث عنه في الصحيحين، وهو ابن مسعود، فأفاد ذلك مع صحة الرواية، تعدد طرقها، بكونها عن صحابيين. وبذلك يكون تخريجه الأول للحديث أو فى كثيرا مما ذكره في الموضع الثاني. وعلى ذلك فإنه ينبغى لقارئ كتاب المغنى هذا أن يحرص على

стр. 1503

مراجعة تخريج الحديث المكرر تخريجه، في الموضع أو المواضع المكررة، لتحصيل كل ما أفاده العراقي في تخريجه (١) ويسهل ذلك عندما تعمل له فهارس دقيقة. ومرة أخرى نجد العراقي يصنع عكس ما تقدم، فيكون تخريجه للحديث في الموضع المتأخر، أوفى من تخريجه له في الموضع المتقدم. فمن ذلك أن في كتاب آداب الكسب - قال الغزالي: وفي الحديث: إن الله ليغضب إذا مُدح الفاسق. فقام العراقي بتخريجه بقوله: (رواه) ابن أبي الدنيا في الصمت، وابن عدى في الكامل، وأبو يعلى والبيهقي في الشعب، من حديث أنس بسند ضعيف (٢) ثم بعد ذلك بعدة كتب، في كتاب آفات اللسان - أعاد الغزالي الحديث، فأعاد العراقي تخريجه بقوله: (رواه) ابن أبي الدنيا في الصمت، والبيهقي في الشعب، من حديث أنس، وفيه أبو خلف، خادم أنس، ضعيف. ورواه أبو يعلى الموصلي وابن عدى، بلفظ: إذا مُدح الفاسق، غضب الرب، واهتز العرش، قال الذهبي في الميزان: منكر، وقد تقدم في آداب الكسب (٣). فعند تأمل تخريجه الأخير للحديث نجده أوفى من تخريجه له في الموضع المتقدم، فمن جهة: أنه بين سبب ضعف الحديث، ببيان وجود راو

стр. 1504

ضعيف في إسناده، وهو أبو خلف، خادم أنس. ومن جهة أخرى بين أن لفظ رواية ابن عدى وأبي يعلى، يختلف عن لفظ رواية ابن أبي الدنيا والبيهقي، كما ذكر حكم الذهبى على رواية ابى يعل وابن عدى: بأنها منكرة. ولاشك أن أهمية هذه الإضافات، لا تخفى، ولكن العراقي ذكرها متأخرة، في الموضع الثاني، مع أن حقها التقديم. ومرة نجد العراقي يوزع فوائد تخريج الحديث بين الموضعين المكرر فيهما، فيذكر في كل موضع إفادة، لا يذكرها في الآخر، وبذلك لا تتكامل فوائد تخريج الحديث التي ذكرها إلا بمراجعة كلا الموضعين؛ المتقدم والمتأخر. فمن ذلك أن في كتاب ترتيب الأوراد، وتفصيل إحياء الليل - قال الغزالي: وقال ﷺ : رحم الله رجلا قام من الليل، فصلى، ثم ايقظ امرأته، فصلت، فإن أبت نضح في وجهها الماء. فقام العراقي بتخريج الحديث قائلا: (رواه) أبو داود وابن حبان من حديث أبي هريرة. (١) وبعد عدة كتب - في كتاب المراقبة والمحاسبة - ذكر الغزالي: أن سبيل معالجة النفس، لأجل المطاوعة على المجاهدة، والمواظبة على الأوراد، أن تُسْمِعَها ما ورد في الأخبار من فضل المجتهدين. وقد قام العراقي بتخريج بعض الأحاديث التي تتضمن ما أشار إليه الغزالي بعبارته المذكورة. فقال: الأخبار الواردة في حق المجتهدين … . وذكر حديثا من عند أبي داود، ثم

стр. 1505

قال: وله، وللنسائي، وابن ماجة، من حديث أبي هريرة، بإسناد صحيح، رحم الله رجلا … (الحديث)، ثم ذكر حديثا آخر، ثم قال: وقد تقدم في الأوراد، مع غيره، من الأخبار في ذلك (١). فعندما نقارن بين تخريج العراقي الحديث (رحم الله رجلا … ) في الموضع الأول، وبين تخريجه في هذا الموضع الثاني، نجد أن في كل منهما إفادة ليست في الآخر، ففى الموضع الأول ذكر عزو الحديث لابن حبان في صحيحه، مع عزوه لأبى داود فقط من رجال السنن، وهذا العزو إلى ابن حبان يفيد درجة الحديث، وهى الصحة عند ابن حبان، وأما ف الموضع الثانى فل يعز الحديث لابن حبان، ولكن زاد عزوه لكل من النسائي وابن ماجه، كما زاد الحكم على إسناد الحديث عندهما وعند أبي داود، بأنه صحيح (٢) تنوعت طريقته كذلك في الإحالة للموضع المتقدم فيه الحديث المكرر. في بابين - كما رأيت. ٥ - وكما تنوعت طريقة العراقي في تخريج الحديث المكرر. فمرة يكتفى بقوله: (تقدم) فقط، ويترك للقارئ مهمة البحث عن الموضع الذي تقدم الحديث فيه، وهذه إحالة صعبة، في حالة افتقاد الفهارس الدقيقة، كما أن الحديث أحيانا يكون تقدم أكثر من مرة، مع تباعد المواضع، وعدم استيفاء تخريج الحديث في موضع واحد من مواضع التكرر. فمن ذلك أن الغزالي في كتاب المحبة، أورد حديث: لا أحصي ثناء عليك،

стр. 1506

أنت كما أثنيت على نفسك. فقال العراقي في تخريجه: (تقدم). (١) والحديث تقدم في موضعين متباعدين: أولهما: في أوائل الإحياء - كتاب قواعد العقائد، وقال في تخريجه: (رواه مسلم) من حديث عائشة، أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول ذلك في سجوده (٢) وثانيهما: في كتاب آداب تلاوة القرآن - وهو بعد الكتاب السابق بعدة كتب، وقال في تخريجه: رواه مسلم وقد تقدم (٣). ويلاحظ أن أوفى ما ذكره العراقي من تخريج الحديث، جاء في الموضع الأول، فقط، ولا يعرف ذلك إلا بمراجعة الموضعين المتقدمين على الموضع الثالث والأخير. ومرة يقول عن الحديث: (تقدم غير مرة) ويكون خرج الحديث في موضع واحد فقط من تلك المرات، أو موضعين، والباقي إحالات أيضا (٤)

стр. 1507

ومرة يقول: تقدم قريبا (١) أو «تقدم قبل بيسير» (٢). ومرة حدد الموضع بالورقة، حيث لم تكن الطباعة قد وُجدت في عصره، ولذلك أصبحت الإحالة بعد الطباعة، غير محددة (٣). ومرة يحدد برقم الحديث المتقدم بالنسبة للحديث المحال، مثل قوله عن الحديث: تقدم في الذي قبله (٤) أو «تقدم قبله بحديث» (٥) أو «بحديثين» (٦) أو بخمسة أحاديث (٧) أو بستة (٨) أو بثلاثة عشر

стр. 1508

حديثا (١) أو بخمسة وعشرين حديثا (٢) وهكذا. ومرة يحدد باسم الكتاب مثل قوله: تقدم «في العلم» (٣)، وقد يحيل على عدة كتب مثل قوله في حديث «اتق الله حيثما كنت … » وتقدم أوله في آداب الكسب، وبعضه في أوائل التبوة - والموضع المحال منه في التوبة أيضا - وتقدم في رياضة النفس (٤). ومرة يحدد باسم باب من كتاب، دون ذكر اسم الكتاب معه، مثل قوله في حديث «كان الفقر أن يكون كفرا»: تقدم في ذم الحسد (٥) وهذا باب من كتاب الغضب والحقد والحسد (٦). ومرة يحدد باسم الكتاب والباب، مثل قوله: تقدم في الباب الثالث من العلم (٧) وقوله: تقدم في الباب الأول من الحلال الحرام (٨) وقوله: تقدم في أول الباب الثاني من الحلال والحرام (٩). ولعل ممن أسباب تنوع طريقة العراقي هكذا في التنبيه على تقدم الحديث المكرر، طول مدة اشتغاله بهذا التخريج لعدة سنوات كما تقدم، فصار

стр. 1509

تَذَكَّرَهُ المواضع الحديث متفاوتا، فمنها ما يذكر موضعه محدّدًا، ومنها ما يذكر مجرد تكرره فيما تقدم، بل سيأتي أن منها ما يذهل عن تقدمه كلية، كما صرح هو نفسه في المقدمة. ٦ - قد اختلفت نسخ المغني - بحسب الطبعات التي بين أيدينا الآن في الإشارة إلى تقدم بعض الأحاديث المكررة، وعدم الإشارة، أو في تحديث موضع تقدم الحديث. ففي كتاب آداب الألفة والأخوة - ذكر الغزالي حديث: «إذا حدث الرجل بحديث، ثم التفت، فهو أمانة». فقام العراقي بتخريجه (١). ثم بعد ذلك بعدة كتب - في كتاب آفات اللسان - ذكر الغزالي الحديث مرة ثانية. فأعاد العراقي تخريجه بمثل ما تقدم، ولم يُذكر في طبعتي مصطفى الحلبي، ولا عيسى الحلبي، الإشارة إلى تقدم الحديث (٢). أما نسخة الزبيدي، فجاء فيها بعد تخريج الحديث، قوله العراقي: «وقد تقدم» (٣). وهذا هو المطابق للواقع فعلا، كما أوضحت. ولهذا يلزم مراجعة أكثر من نسخة معتبرة من المغنى، قبل تقرير ذهول.

стр. 1510

العراقي عن التنبيه على تقدم الحديث، وقد راعيت أنا ذلك فيما اعتبرته ذهولا منه، كما سيأتي، وكما مرت بعض الأمثلة أيضا. وقد وجدت أيضا اختلاف النسخ في تحديث موضع تقدم بعض الأحاديث، فقد ذكر الغزالى فى الباب الثالث من كتاب العلم - حديث «تسحروا، فإن في السحور بركة». فخرجه العراقي في هذا الموضع (١) ثم كرر الغزالى الحديث مرة ثانية، بعد هذا، في كتاب آداب تلاوة القرآن، فأحال العراقي بتخريجه على الموضع المتقدم، ولكن اختلفت الطبعات التي بين يدي في تحديث موضع تقدم الحديث، فجاء في طبعة عيسى الحلبي أن الحديث تقدم في الباب الثاني من العلم (٢) وجاء في طبعة مصطفى الحلبى (٣) ونسخة الزبيدي (٤) أن الحديث تقدم في الباب الثالث من العلم. وهذا هو الصواب المطابق للواقع، كما تقدم. وقد ذكر الغزالي في أوائل كتاب «ذم البخل، وذم حب المال» حديث: «حب المال والشرف، ينبتان النفاق في القلب … » فقال العراقي في تخريجه: لم أجده بهذا اللفظ، وذكره - يعنى الغزالي -
следующие страницы →