← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 30167

الحافظ العراقي وأثره في السنة

أحمد بن معبد عبد الكريم

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

سمع والده غير مرة يحكي أنه في شبابه أصابته حمى، فذهب إلى النيل وانغمس فيه وهو مستقبل جَرْيَةَ الماء، عملا بحديث «إذا أصاب أحدكم الحمى … فليستنقع في ماء جار، وليستقبل جريته» الحديث (١). فأقلعت عنه الحمى ولم تعد له بعد ذلك. قال أحمد: وقد توفي والدي ﵀ ولي من العمر أكثر من ثلاث وأربعين سنة، ولم أفارقه إلا مدة إقامته بالمدينة الشريفة وهي ثلاث سنين، ومدة رحلتي إلى الشام، وهي دون ثلاثة أشهر، فلم أره حُم قط، حتى ولا في مرض موته، إنما كان يشكو انحطاط قواه، وكان قد جاوز إحدى وثمانين سنة، وذلك بحسن مقصده وامتثاله أمر النبي ﷺ بجد وتصديق وحسن نية (٢). ومن هذا نعلم أن العراقي تمتع في عموم حياته بالصحة والمناعة ضد الحمى وغيرها من الأوبئة التي تعدد انتشارها في مصر والشام والحجاز كما أوضحنا في حالة العصر. وكما رأينا في وفاة زوجته الأولى بين يديه بوباء الطاعون الذي اجتاح مصر سنة ثلاث وثمانين وسبعمائة للهجرة، ومن قبلها سنة تسع وأربعين وسبعمائة هجرية كما أرخه العراقي بنفسه فيما سيأتي من مؤلفاته، وكان الموتى لا يحصون كثرة ولم تكن أمصال التطعيم المعروفة حاليًا موجودة حينذاك، واحتمل أيضا ما تكرر من مجاعات حتى في سنة وفاته، وخرج من كل ذلك سليما معافى بفضل ما منحه الله من بنية صحيحة قوية، تحملت الجوع وقاومت الأمراض العاتية والأوبئة المتعددة، فظل ناعما بصحته وحواسه، خاليا من العلل المزمنة.

стр. 177

إلى آخر حياته بحيث لم يشك إلا عوارض الشيخوخة المعتادة من انحطاط القوى؛ لمجاورته الثمانين كما تقدم. على أن ذلك لا يعني سلامته المطلقة من الوعكات العارضة، كما يفهم من قول تلميذه ابن فهد أنه كان شديد الاحتراز في الطهارة بحيث يناله بسببها مشقة شديدة لا يصده عن ذلك مرض ولا غيره .. وله في ذلك أحوال عجيبة لا يخل بها في حضر ولا سفر ولا في صحة ولا مرض (١). لكن لم يذكر هو ولا غيره إصابة العراقي بمرض عضوي معين أو علة مزمنة. ومن مجموع ما تقدم يظهر لنا تمتعه بجمال واعتدال الهيئة، وبالطول وتناسق الأعضاء، وسلامة البنية والحواس، خاصة السمع وطلاقة اللسان، كما ستأتي في مواهبه. فكان هذا مما مكنه من النهوض برسالته الحياتية والعلمية الشاقة على خير وجه؛ من التعلم والتعليم والرحلات المتعددة في ذلك، عبر الصحاري والبحار بوسائل عصره البدائية (٢)، ورعايته لأسرته وقيامه بمشاق الاطلاع والتدريس والتصنيف والقضاء وغير ذلك مما سيأتي. كما أن ما عُلِم من سلامة سمعه ونطقه يُعدُّ من صفات توثيقه في جهة تخصصه باعتباره راويًا للحديث ومؤديًا له، ويعد ضد ذلك: من ثقل السمع وعيوب النطق المؤثرة، ضمن صفات التجريح للراوي والمحدث، لما يترتب.

стр. 178

عليهما من خطأ تحمل المرويات وأدائها (١). وقد حرص العراقي نفسه على إثبات ذلك لبعض من ترجمهم من شيوخه وغيرهم في مؤلفاته الآتية في محلها بمشيئة الله، ومثله فعل ابن حجر بالنسبة لغير شيخه العراقي ممن ترجمهم في مؤلفاته في علم الرجال. ب - مواهبه العقلية: كما تمتع العراقي بجمال الصورة وسلامة الجسم والحواس، تمتع أيضًا بالقوى والمواهب العقلية النادرة، فانطبق عليه القول: بأن العقل السليم في الجسم السليم. وقد أدرك ذلك أوائل شيوخه وأبرزهم، وسجلوا إعجابهم وتقديرهم، قبل أن يسجل ذلك تلاميذه، ولا شك أنهم جميعًا ألصق من تعامل معه فكريًا من بدء حياته إلى نهايتها، بحيث يعد حكمهم أصدق مقياس لعقلية العراقي وقواه الذهنية، وخير توثيق له. فقد قال شيخه عبد العزيز بن جماعة عند توجيهه للتخصص في علوم السنة: «أنت متوقد الذهن (٢)، أو أراك متوقد الذهن، جيد القريحة فاصرف نفسك للحديث» (٣). أما شيخه في الفقه والأصول عبد الرحيم الإسنوي فكان يصغى لمباحثه في الأصول ويقول: «إن ذهنه صحيح لا يقبل الخطأ،

стр. 179

ويثني على فهمه ويمدحه» (١) ووصفه شيخه في الحديث: تقي الدين السبكي، بالفهم (٢). وشيخه العلائي بالفهم والحفظ (٣). أما تلاميذه، فمنهم ابن حجر العسقلاني المعروف بنقد شيوخه، وقد قال عن شيخه العراقي: وكان مع ذكائه سريع الحفظ جدا. ومما مَثَّلَ به لحفظه في بداية حياته العلمية ما ذكره له شيخه العراقي عن نفسه أنه حفظ من كتاب الإلمام (٤٠٠) سطر في يوم واحد (٤). ومما مثل به لحفظه في أواخر حياته قوله عن أماليه: (وكان الشيخ يمليها من حفظه متقنة محررة مهذبة) (٥). وهذا يدل على تمتعه بذاكرة جيدة، خالية من الاختلاط والغفلة، خلال حياته العلمية حتى أواخرها، ولم يكتف ابن حجر بوصف شيخه بالذكاء العادي. بل قال: «وكان مفرط الذكاء» (٦). وقال سبط ابن العجمي تلميذ العراقي أيضًا: (إنه كان ذهنه في غاية الصحة) (٧).

стр. 180

ثم قال ابن حجر في رثائه له: وذهن كاشتعال النار لكن … أمنا مع نداه من احتراق (١) ويتضح لنا أهمية ذلك حين نعلم أنه أثبت لغير واحد من شيوخه ضد ما تقدم، وخاصة في كتابه «الجمع المؤسس». وقال تلميذ العراقي أيضا ابن فهد: «وكان له ذكاء مفرط وسرعة حافظة» (٢) كما سيأتي عن غير واحد من شيوخه وتلاميذه تلقيبه بحافظ عصره عموما، ويتجاوز الأمر الشيوخ والتلاميذ على تنوع اختصاصهم وسعة آفاقهم، فيقول الإمام المناوي: «وكان مفرط الذكاء جدا، بحيث يضرب به المثل في ذلك» (٣). ومن مجموع ذلك يتضح لنا: أن الله تعالى قد وهبه عقلية واستعدادات متكاملة، قوامها حدة الذكاء، وجودة القريحة، وصحة الذهن، وقوة الذاكرة والفهم، وهذا من السمات الدالة على تكامل شخصية العراقي، كما يقرر علماء النفس (٤)، ومن عناصر توثيقه باعتباره حافظا للسنة وراويا لها كما يقرر علماؤها (٥)، وبواسطة تلك المواهب والقوى أتيح له بناء نفسه بناء سليما، ووصوله لمكان الريادة في رسالته العلمية، وخاصة حفظ السنة ونشر علومها، حتى حازت كفاءته إعجاب أساتذته وطلابه معا ثم من تلاهم.

стр. 181

وباستعراض ما تقدم عن شيوخ العراقي وتلاميذه وغيرهم لا نجد مبالغة في وصف نبوغه أفضل من قول شيخه الإسنوي: «إن ذهنه صحيح لا يقبل الخطأ» فحمل ذلك على الحقيقة في رأيي غير ممكن؛ بدليل أن العراقي نفسه أثبت أنه قبل ما قرره بعض العلماء وأثبته في تأليفه ثم تبين له خطؤه، فأثبت في تأليف آخر رجوعه عنه (١). ونبهه أيضًا تلميذه ابن حجر لبعض الأخطاء التي أوردها في تأليف له، فقرر أنه تبع فيها غيره، ثم أصلحها، وأثبت ولده أيضًا بعض الأوهام له كما سيأتي. على أن ذلك لا يقدح في توثيقه المتقدم وعبقريته العلمية المتفق عليها؛ لأنها أوهام يسيرة لا يبرأ منها غير من عصمه الله، فلا تمثل طعنًا بالنسبة له بدليل أن من أثبت بعضها كولده وكتلميذه ابن حجر، اعتمد كل منهما على آرائه ومؤلفاته الواردة فيها تلك الأوهام في بحوثهما ومؤلفاتهما، خاصة في مواطن الاستدلال والترجيح كما ستأتي أمثلة ذلك، كما أنهما أيضًا أثبتا له صفات التوثيق المتقدم نقلها عنهما. ولعلي بهذا قد أثبت ما للعراقي وما عليه في هذا الصدد منعًا للمبالغة في توثيقه، ودفعًا لمظنة تجريحه بالوهم أو الغفلة. جـ - عقيدة العراقي: تطلق العقيدة على مجموعة المبادئ والقيم التي يدين بها الشخص وتستقر في قلبه ووجدانه، فتصبح جزءًا أساسيا من كيانه، وتتشكل على أساسها شخصيته، حتى يصدر عنها في أفكاره واتجاهاته، وينطلق منها في أقواله وأفعاله وسلوكه.

стр. 182

ومن هنا كان تبيين عقيدة الإنسان هو مفتاح شخصيته، وكان اختلاف المذهب الاعتقادي بين الفرق الإسلامية من أسباب الطعن في رواة السنة وحفاظها، وكانت طامة الوضع في الحديث، وثورات الفتن والبدع بسبب اعتقادات الفرق المثيرة للتعصب والهوى، حتى زمن العراقي كما أشرنا في حالة العصر (١). ولهذا عُدّت معرفة عقيدة الراوي للسنة، والباحث فيها والمتصدي لجرح رجالها وتعديلهم مثل الحافظ العراقي، من ضمن أحوال الرجال اللازم بيانها واعتبارها عند التعريف بهم وبحث تراثهم والاستفادة منه (٢). إذ إن رواية الراوي ورأي العالم المؤيدان لعقيدته ومذهبه أو الطاعنان في مخالفه، قد يُحكم برد أيّ منهما، أو يتوقف فيه حتى يتوفر له دليل مُعتبر، أو عاضد من طريق آخر (٣). من أجل ذلك كله لزمنا بيان المذهب الاعتقادي للحافظ العراقي كجانب أساسي في شخصيته ومفتاح لها ودليل لتوثيقه وأساس لتقييم جرحه وتعديله لغيره، وكذا لتقييم عامة بحوثه في السنة ولكشف منزعه في آرائه ومواقفه. وخير ما نعتمد عليه في ذلك ما يلي: ١ - طبيعة العصر الذي عاش فيه، من حيث ما ساد فيه عموما، من

стр. 183

الاتجاهات والمذاهب الاعتقادية ٢ - من لازم العراقي، وخَبَرَ حاله من تلاميذه. ٣ - ما سجله هو بنفسه، في مجال العقائد، وما يتعلق بها. فبالنسبة لطبيعة العصر، كما قدمنا، كان عصر مناصرة لأهل السنة والمحدثين، ومناهضة - لدرجة القتال - للشيعة وغيرهم من المبتدعين والملحدين، وكانت عقيدة الأشاعرة أكثر المذاهب انتشارًا، ونفوذا، في الأمصار الإسلامية، حينذاك شرقا وغربا، وكان من الحكام من حمل الناس عليها حملا، وعاقب المخالف لها، وكانت تشترط في تولي كثير من الوظائف التدريسية وغيرها في مدارس الحديث وغيرها من كبريات المدارس، في مصر والشام، وكذا في الخوانك، والزوايا، والربط (١). ومع هذا، كان هناك انتشار قليل، وثبات لعقيدة السلف التي من أهم مميزاتها: نبذ الابتداع في الدين، وإثبات ما ورد من الصفات الإلهية، دون تأويل، ولا تعطيل، ولا تشبيه، ومن أبرز من حمل لواءها في عصر العراقي، ولاقى المحن من مخالفيها، مع بطشهم وسلطانهم، الإمام أحمد بن عبد الحليم، المعروف بابن تيمية المتوفى سنة ٧٢٨ هـ (٢)، ومن بعده تلميذه الفذ،

стр. 184

محمد بن أبي بكر، المعروف بابن القيم، المتوفى سنة ٧٥١ هـ (١) رحمهما الله. ولم تكن المجاهرة - حينذاك - بالانتماء لعقيدة السلف، كما يراها ابن تيمية، بالأمر الهين (٢). أما الصوفية، فكانت لهم طرق مبتدعة، واصطلاحات مخترعة، تناقض ما كان عليه السلف، ومع ذلك، كان ظهور أمرهم، وقبول الكثير منهم، لدى العامة والخاصة، والحكام، وأصحاب النفوذ، أمر لا يحتاج إلى تدليل. ومن ذلك يظهر لنا، أن طبيعة العراقي، في اتجاهها العام، لم تتوفر فيها العوامل المساعدة على نصرة عقيدة السلف، متكاملة، رغم أنها الحق، المؤيد بالكتاب والسنة، والذي صلح به أول الأمة، وسلفها الصالح. وبرغم ذلك كله، فإنه قد تيسر لنا - بحمد الله - من شهادة من لازم العراقي من تلامذته، ومما سجله العراقي بنفسه، ما يفيد التزامه العام بطريقة السلف الصالح، غير ملتفت لمن خالف، سواء كان أشعريا، أم صوفيا، أم غير ذلك . ٢ - فبالنسبة لتلامذته الملازمين، والمعاصرين له، نجد تقي الدين، محمد بن محمد، المعروف بابن فهد المكي، يقول: كان رحمه الله تعالى، صالحا خيرا، دينا، ورعا، عفيفا، صينا .. ، منجمعا (٣) كثير الوقار، قليل الكلام، إلا

стр. 185

في محل الضرورة، فإنه يكثر الانتصار، تاركًا لما لا يعنيه، … شديد التواضع، كثير الحياء، ليس بينه وبين أحد شحناء، حليمًا، واسع الصدر، طويل الروح، لا يغضب إلا لأمر عظيم، ويزول في الحال، ليس عنده حقد ولا غش ولا حسد لأحد، ولا يواجه أحدًا بما يكره، ولو آذاه، وعاداه، مع صدعه بالحق، وقوة نفسه فيه، لا يأخذه في الله لومة لائم … لا يهاب سلطانا، ولا أميرًا في قول الحق، وإن كان مُرًا، يتشدد في موضع الشدة، ويلين في موضع اللين، كثير التلاوة (١) إذا ركب (٢) ماشيًا على طريقة السلف الصالح من المواظبة على قيام الليل وصيام الأيام البيض من كل شهر والست من شوال والجلوس في محله مع الصمت إلى أن تطلع الشمس (٣). ويقره على ذلك التلميذ الملازم سبط ابن العجمي فيقول: «أن شيخه العراقي كان على طريق السلف من الدين والأوراد وإدامة الصوم وقيام الليل ومن رآه عرف أنه رجل صالح» (٤). ثم يذكر ابن حجر بعض الإضافات ويؤكد ما أثبته بالملازمة الطويلة له فيقول أنه «كان شديد التوقي في الطهارة وسليم الصدر متواضعًا، منجمعًا وقد لازمته فترة فلم أره ترك قيام الليل، بل صار له كالمألوف، وكان - غالبًا - إذا صلى الصبح استمر في مجلسه مستقبل القبلة، خاليًا ذاكرًا إلى أن تطلع الشمس، ويتطوع بصيام ثلاثة أيام من كل شهر وستة شوال، وكان كثير

стр. 186

التلاوة إذا ركب» (١). وقال مرة ثانية: «ولازمته طويلا وكان لا يترك قيام الليل، وإذا صلى الصبح ذكر الله في مجلسه حتى تطلع الشمس ويصلي الضحى، ولم أر في مشايخي أحسن صلاة منه (٢) وكانت مدة ملازمته له نحو عشر سنوات من آخر حياته كما سيأتي». أما ولد العراقي ولي الدين الذي تقدم أنه لازم والده فوق الأربعين سنة حتى وفاته فقد وصفه بحسن المقصد وامتثال أمر النبي ﷺ بجد وتصديق وحسن نية. ومن هذا يتضح لنا الإتفاق بين أكثر من واحد من الملازمين والمعاصرين له على صلاحه وورعه وسلامة صدره وضميره من الغش والحقد واقتصاره بعيدا عن الفتن والصراعات المذهبية التي سادت عصره كما أشرنا مع شجاعته في قول الحق دون أن تأخذه في ذلك لومة لائم، وحنكته التي تجمع بين الشدة واللين، وتضع كلا منهما موضعه، وإقرار شهود العيان بالتزامه بكتاب الله وسنة رسوله قولا وعملا التزاما قائما على الجد واليقين، خاليا من التكلف والتظاهر، بل هو كالمألوف له، مما يجعل من يراه يتملكه الإحساس بأنه أمام رجل صالح، ومن يعاشره يتأكد له مشيه على طريق السلف الصالح، ومن هذه المظاهر العديدة يمكننا الاستدلال على أنه كان في الجملة سلفي العقيدة، تابعا لأهل السنة والجماعة مجانبا لغيرهم من أهل البدع والإلحاد.

стр. 187

ذلك أن السلف هم صحابة رسول الله ﷺ الذين تلقوا عنه عقيدة الإسلام ونشروها وطبقوها في أنفسهم وأعمالهم وعلى منوالهم جرى التابعون لهم بإحسان والأئمة الصالحون وعقيدة أهل السنة هي الإيمان بما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه والتابعون والأئمة الصالحون بعدهم (١) وتفصيل فرقهم ومذاهبهم الاعتقادية في الله وملائكته وكتبه ورسله وعالمي الدنيا والآخرة، محله كتب العقائد (٢) ومن عداهم ملحدون أو مبتدعون، وفرقهم وعقائدهم أيضًا مفصلة في محلها (٣). وسنورد بعض الأمثلة التفصيلية في محل تناول العراقي لها بمشيئة الله؛ لأن المقصود هنا بيان مذهبه الاعتقادي بصفة عامة. وبالنسبة لما سجله العراقي بنفسه فإننا نذكر كذلك أمثلة عامة وندع التفاصيل المحلها. فمن ذلك: أنه نسب نفسه لعلم الأثر، كما تقدم، واختص فعلا، بالتبحر فيه حتى لقب بـ «حافظ العصر»، وأقر له بذاك القاصي والداني، وأهل هذا العلم، هم أولى الناس بالتزام عقيدة السلف؛ لقيامها على ما أُثر، من الكتاب والسنة، وما جرى عليه سلف الأمة الصالح (٤). ومما سجله العراقي بنفسه أيضًا، تصديه لشرح كتاب (الاعتقاد الصغير)

стр. 188

للبيهقي (١) وهو كتاب نص فيه البيهقي على أنه أودعه اعتقاد أهل السنة والجماعة وأقوالهم مبينا ما يجب على المكلف اعتقاده والإعتراف به وما ينبغي أن يكون شعارا للمؤمن في سلوكه، والأمر بالمعروف والنهي عن البدع مستندا في ذلك على الكتاب والسنة والعقل الصحيح (٢). وكتاب العراقي، في شرح كتاب البيهقي المذكور، لم يكمل، كما سيأتي، ولكن أنجز العراقي منه قدراً يسيراً، ثم لم يتيسر لي الوقوف عليه، ولا على بعض نقول عنه، رغم البحث والتتبع، غير أن ما ثبت لنا من الموضوع العام للكتاب المشروح، كما سبق، وما ثبت أيضاً من تصدي العراقي لشرحه، يدلنا على إلمامه العام بمشتملاته، ودرايته لها، وهذا مما يفيد - من حيث الجملة - انتماء العراقي لعقيدة أهل السنة والجماعة. وهناك أمثلة تفصيلية من أقواله وآرائه في مؤلفاته وخارجها تؤكد إيمانه بهذه العقيدة وتتضمن رده على أشهر فرق المبتدعة والملحدين، ونقده لمن تبعهم. فنجده يؤكد تحذير الرسول ﷺ للأمة من الاختلاف، ونهيه عن المحدثات في الدين واعتبارها ضلالة عقوبتها النار، ووصيته بتقوى الله وطاعة ولي الأمر الشرعي ولو كان عبدا حبشيا، وأمره بالحرص الشديد على سنته وسنة الخلفاء الراشدين من بعده (٣). وفي هذا رد من العراقي على الشيعة الذين لا يقرون بالإمامة لغير سيدنا علي.

стр. 189

﵁ (١) وعلى غلاتهم الروافض الذين يبغضون أبا بكر وعمر وعثمان ﵃، وعلى الخوارج المغالين في حب أبي بكر وعمر ﵄ حتى أبغضوا لذلك سيدنا عليا ﵁ (٢). وأورد أيضًا ما ثبت عن الرسول ﷺ وعن بعض أصحابه بشأن افتراق المسلمين فرقًا متعددة وتجاري الأهواء بهم، وتقريره ﷺ أن جميع الفرق في النار إلا واحدة وهي الجماعة التابعة لما كان عليه ﷺ هو وأصحابه (٣). ونجده أيضًا يقرر أن نضرة أهل الحديث تجلو ظلمة الابتداع وصداه (٤) ويقرر اعتبار الشيعة من المبتدعة (٥) لكنه لا يتحامل عليهم فلا يجرح منهم إلا الغلاة والدعاة لمذهبهم (٦). كما يبعد عن الاعتقاد الصحيح كلا من الفلاسفة (٧) والمرجئة (٨) والمعتزلة (٩) والملحدين (١٠) وقد مثل ابن حجر للملحدين بمن يقول باتحاد الخالق بالمخلوق

стр. 190

من الصوفية في عصره. وقد رد العراقي عليهم في هذا وفي غيره (١). وقد وجدنا العراقي أيضًا يؤيد مذهب أهل السنة ويرد على القدرية (٢) كما ينزه الله تعالى عن التشبيه (٣)، والتجسيم (٤) ويقر تأويل أهل العلم للقرآن والسنة واختلافهم في ذلك طلبا للصواب (٥). وأيضًا فقد قرر العراقي - علانية - في إحدى فتاواه، تلقيب تقي الدين ابن تيمية بـ (الشيخ الإمام) (٦)، وهذا يرادف التلقيب بـ (شيخ الإسلام) (٧). ومعروف أن ابن تيمية كان رائد عقيدة السلف، في عصر العراقي، كما قدمت (٨) وكان تلقيبه - علانية - يمثل ما لقبه العراقي به، مما يعرض قائله للطعن في دينه، وللمخاطرة بحياته (٩)، ومع ذلك سجله له العراقي وثبت عليه. وفي رثائه لشيخه الإسنوي، يقول:

стр. 191

صحيح اعتقاد لم يكن متفلسفًا ولا شأنه إرجاؤها واعتزالها (١). النتيجة: وعلى ضوء ما تقدم يتجلى لنا سلامة عقيدة العراقي بالدلائل والقرائن، وبالتالي توثيقه بموجب القواعد النقدية لعلم الرجال المستندة على أدلة الشرع وطابع العصر وشهادة من لازم الرجل وخبر سلوكه العملي سنين طويلة حتى لقي ربه وعلى ما سجله هو بنفسه كما رأينا في أكثر من مؤلف ومناسبة، وهذا مما يجعلنا نسير على بصيرة واطمئنان في متابعة بقية جوانب شخصيته ثم في بحث تراثه العلمي وتقييمه بإذن الله. د - أخلاق العراقي: ما قدمناه عن أهمية العقيدة بالنسبة لشخصية الحافظ العراقي وتوثيقه ينسحب في غالبه على أخلاقه؛ لأنها في الاعتبار مكملة للعقيدة، سواء ما كان مظهرا تطبيقيا لها، كبعض المظاهر التي أوردناها كدليل على سلامة عقيدته، أو ما كان راجعا لطبيعته الفطرية لتأثره بها، أو ما كان مكتسبا من البيئة والثقافة لالتزامهما بها. لهذا كان لابد من تجليتنا للجانب الخلقي من شخصية الحافظ العراقي استكمالا لتصويرها ولعناصر توثيقها، ونعتمد في هذا أيضًا على ما اعتمدنا عليه بالنسبة للعقيدة. فنجد بالنسبة لعصره أن المقياس المعتبر للأخلاق هو التزام آداب الشريعة الإسلامية والاقتداء بالسلف الصالح ونبذ الغلو والابتداع، وقد تجلى ذلك.

стр. 192

بأجلى صوره ومعانيه في شخص الحافظ العراقي، كما توفرت له البيئة والقدوة الصالحتان المعينتان على ذلك منذ صغره كما أوضحناه، هداه الله للاعتقاد الصحيح، ومنحه الاستعداد الطيب، والطبع المعتدل، والهمة العالية للتمسك والاقتداء الواعي. ومصداق ذلك ما قدمنا في مظاهر اعتقاده وما نُضيفه ها هنا مما شهد به تلاميذه وقرره مؤرخوه؛ فقد اتفقوا على أنه كان دَيِّنا (١) أي شديد التمسك بأحكام الدين وآدابه، خَيِّرا (٢) أي محبًا لحصول الخير للناس، ساعيا في إيصاله لهم، دون أن يمن بذلك أو يتطلع للعوض أو يتعالى؛ فقد كان متواضعا (٣)، بل شديد التواضع حتى لا يرى له على أحد فضلا (٤). ومع ضيق عيشه كما قدمنا، فإنه اتصف بغاية الكرم والإيثار وأنه ليس للدنيا عنده قيمة، ولا يأكل طعامه وحده أبدًا (٥)، وذلك هو جماع حقيقة الزهد (٦) ورضاء النفس بمحصول سعيها. وتخلق أيضًا بالورع والعفاف والصيانة (٧) ومقتضى ذلك تجنبه للشبهات.

стр. 193

ومواقعها، فضلًا عن المحرمات، وترفعه عن الدنايا، وعن الخضوع لشهوات النفس والهوى (١)، ويؤيد هذا أنه لم يُعرف عنه تزلُّف ولا تملُّق لأحد، ولا تنازع على مطلب دنيوي، مع نسبة ذلك إلى كثير من المنتسبين للعلم والصلاح في عصره. واتصف أيضًا بنقاء العرض (٢)، مع وجود البغاء والمفاسد في عصره مترددة بين العلن والخفاء كما قدمنا، وقد أشار تلميذه ابن حجر لهذا في رثائه له حيث يقول: فما فَتَتْهُ كأس بالتشام … ولا ألهاه ظبي باعتناق (٣) ونلاحظ فيما وصل إلينا من تفصيل طباع العراقي وسلوكه ومواقفه أنه قد جمع فيها بين الحسن والإتزان والتكامل، فمع شدة احتياطه في التطهر، لم يخرجه هذا إلى حد الوسوسة (٤)، بينما أدى نحو هذا الاحتياط في العبادة بعض علماء عصره للوسوسة. ومع اتصافه بالإقلال من الكلام (٥) اتصف بأنه عند ضرورة نصرة الحق بالكلمة يكثر الكلام في نصرته (٦).

стр. 194

ومع أنه كان يصدع في كلامه أرباب الشوكة والجاه (١) فإنه كان حلو المحاضرة (٢) يقول النادرة والفكاهة الحسنتين (٣). وإلى جانب اتصافه بالإنجماع على نفسه وتركه لما لا يعنيه (٤) فإنه لم يكن انطوائيا ولا سلبيا، بدليل ما سيأتي في نشاطه العلمي والاجتماعي ومخالطته في ذلك الخاص والعام، وإقامته العلاقات الودية مع فضلاء عصره ومع اتصافه بكثرة السكون والهدوء (٥) وشدة الحياء حتى قل أن يواجه أحدًا بما يكره ولو آذاه وعاداه (٦)، فإنه كان مقدامًا ذا مروءة ونخوة، قوي النفس في الصدع بالحق، لا يأخذه في الله لومة لائم، وإذا قام في أمر لا يرده عنه أحد، ولا يقوم شي دونه، ولا يهاب سلطانا ولا غيره في قول الحق وإن كان مرا (٧). ولا شك أن عفته وغيرته وقوة يقينه بأن النفع والضر بيد الله وحده كل ذلك

стр. 195

مما أعانه على تلك الجرأة المحمودة في الحق. وستأتي له أيضا بعض المواقف في سبيل السنة تدعم ذلك. على أن هذا المسلك القوي لم يصل به إلى التعصب الممقوت، أو يخرجه إلى الغلظة أو الاندفاع، بل صاحبته حنكة، واتزان، فكان يتشدد في موضع الشدة ويلين في موضع اللين (١)، حليما واسع الصدر طويل الروح، لا يغضب إلا لأمر عظيم ويزول في الحال، وليس بينه وبين أحد شحناء، وليس عنده حقد ولا غش ولا حسد (٢) وللناس به أُنس (٣). ومع اتصافه بالظرف (٤) وطيب الروح وخفة الخاطر ولطف الطبع والمزاج (٥) فإن ذلك لم يذهب بوفرة حرمته، وتمتعه بالمهابة والجلالة وكثرة الوقار (٦). هذا مجمل ما شهد به تلاميذ العراقي من أخلاقه الجبلية التي فطره الله عليها، والمكتسبة من بيئته وعلمه. وليس منهم من ادعى الإحاطة بجميعها، بل شُفِعَتْ تلك الأوصاف التفصيلية بعبارات التعميم، كقول تلميذه التقي الفاسي: «وكان كثير

стр. 196

الفضائل والمحاسن» (١). وكقول تلميذه الأقفهسي: «ومحاسنه كثيرة» (٢). وقول تلميذه ابن فهد: «وكان ذا أخلاق حسنة، ومحاسنه جمة» (٣). وكقول تلميذه برهان الدين الحلبي: «وكان كريم الأخلاق حسن الشيمة والأدب ومحاسنه كثيرة» (٤). وقد كان هذا مما جعل الشوكاني يقول: «وقد ترجمه جماعة من معاصريه ومن تلامذته ومن بعدهم، وأثنوا عليه جميعا وبالغوا في تعظيمه» (٥). ويعتبر ما سجله العراقي بنفسه في مؤلفاته وما سيأتي من مواقفه مطابقا لكل ما ذُكر عنه بالتفصيل وأشير إليه بالإجمال. ففي نهاية كتابه في أحاديث الأحكام، عقد عدة أبواب للأخلاق الواردة في السنة والتي ينبغي على المؤمن إلتزامها في نفسه وأهله، ومن بينها ما سبق اتصافه به، كحفظ المنطق والتواضع، والنهي عن الكبر والعجب (٦) ورجاء الله وخوفه (٧). في حين نجد غيره ممن ألف في أحاديث الأحكام بإيجاز كالحافظ المقدسي

стр. 197

في كتابه (عمدة الأحكام) يُخلي تبويبها من ذلك كلية، مع أن شرط العراقي في كتابه، وهو أصح الأسانيد، أضيق دائرة، من شرط المقدسي، في كتابه، وهو اتفاق البخاري ومسلم على ما يورده. فهذا دليل على اهتمام العراقي بالأخلاق واعتبارها جزءًا لا ينفصل من أحكام الإسلام. كما نراه في تأليف آخر يشيد بترفع الصحابة عن الدنيا الدنيَّة وتطلعهم إلى الملأ الأعلى واجتهادهم في عبادة الله (١) ويشيد فيه أيضًا بهمة بعض حكام عصره في إزالة بعض أماكن شرب الخمر بالقاهرة، وكسر مستودعاته، وعَدُّ ذلك من حسناته الكبار (٢). وتجدر الإشارة إلى أن إشادته بهذا العمل، كانت بعد وفاة فاعله، مما يثبت نزاهة قصده وتمجيده للفعل لذاته، ولفاعله في غيبته. كما أثنى في نفس الكتاب على ما أودعه الله في قلب الشيخ تقي الدين القنائي السابق ذكره، من شدة رقة القلب والرحمة لسائر خلق الله (٣). هذا بالإضافة إلى ما سيأتي في مؤلفاته مما خصه بالأخلاق الإسلامية التي لاحظ تخلي معاصريه عنها أو تهاونهم فيها، وما خصه بالدعوة للتأسي بالسلف الصالح، ونبذ الفرقة والنزاع، ومحاربة الابتداع في الدين باسم العلم أو التصوف، ومطالبة ولاة الأمر بالقيام بواجبهم الشرعي في هذا الصدد، كما سيأتي بيان نهوضه بإبطال بعض البدع أيام توليه قضاء المدينة المنورة،

стр. 198

وسيأتي كذلك من نماذج نقده للرجال وتقييمه للجهود العلمية، ما يثبت عفة لسانه ونزاهة ضميره واعتدال نظرته. ومن كل هذا يتضح لنا أن تطابق ما سبق من طباعه وسلوكه الشخصي مع أقواله، وتوافق أخلاقه قولاً وعملاً مع غيرته الدينية واعتقاده الإسلامي الصحيح كما سبق، ومع علمه بالكتاب والسنة كما سنفصله، فلم يكن يقول ما لا يفعل، ولا يُظهر خلاف ما يبطن، أو يناقض مسلكه في حياته عِلْمَه، حتى سأل الله تعالى أن لا يجعل علمه عليه وبالاً (١) وامتدح غير واحد ممن ترجمهم بالجمع بين العلم والعمل. ويتبين لنا إذا أن الله تعالى كما منحه رجاحة العقل ونقاء الضمير، حباه بقوة الإرادة ومضاء العزيمة، مع اعتدال الطبع والإتزان الذي جعل زمام نفسه بيده، فيلين في موضع اللين، ويشتد في موضع الشدة، ويتجرد من التكلف والتنطع والتغالي، ويتحلى بخفة الروح ولطف الدعابة مع احتفاظه بهدوء العالم، ووقاره وظهور مسحة الصالحين عليه. كما يظهر لنا كذلك تأثره المحمود بأسرته وبيئته الجامعتين بين العلم بالكتاب والسنة وبين العمل بمقتضاهما. وقد جاهد نفسه حتى استقرت على ذلك (٢). وعلى أساس هذا كله يمكننا أن نقرّر: سلامة الجانب الخلقي من شخصية.

стр. 199

الحافظ العراقي وتكامله بحيث يعتبر - بلا مبالغة - أنموذجا أخلاقيا طيبًا لأسرته وبيئته، وقدوة رائدة للعلماء العاملين بعلمهم الغيورين على مبادئهم، ومثلا يحتذى رغم ابتعاده عن التمشيخ والادعاءات. وبالتالي يثبت له العنصر المتمم لما قدمناه من عناصر توثيقه وهو السلامة من أسباب الفسق وخوارم المروءة. النتيجة العامة: ومما تقدم عن أوصاف العراقي الظاهرية ومواهبه العقلية وعقيدته وأخلاقه، يثبت لنا بلوغه الغاية في استكمال صفات التوثيق من الضبط والعدالة التي تقضي قواعد علم الرجال بتوافرها في طالب السنة وراويها وحافظها والمتصدي لأعباء نشرها وإحياء علومها باللسان والقلم، كما هو شأن العراقي فيما نواصل عرضه من جوانب شخصيته وآثاره في السنة، والله الموفق.

стр. 200

دراسات العراقي الأولى والعامة بعد أن ثبت لنا صلاحية العراقي لحمل رسالته العلمية يتأتى لنا متابعته عبر مراحلها المختلفة من البداية حتى النهاية، ورصد نتائجها سلبا أو إيجابا في تكامل شخصيته وتنوع آثارها في السنة وعلومها بعون الله. حفظه للقرآن الكريم: وقد سار العراقي في تعليمه على المنهج المتعارف عليه في عصره وموطنه كما بيناه في حالة العصر العلمية. فبعد تعلم القراءة والكتابة شرع في حفظ القرآن الكريم وأتمه وهو في الثامنة من عمره كما أثبت ذلك ولده أبو زرعة بخطه وتناقله عنه المؤرخون (١) وهو سن متوسط بين التبكير والتأخير بالنسبة لعصره، حيث وجد من حفظ القرآن وهو أصغر (٢) أو أكبر (٣) من ذلك بقليل، ولكن لم أجد ذكرًا لمن علمه القراءة والكتابة، وحفظه القرآن، ولا بيانا لمكان ذلك من القاهرة وضواحيها، ولعله تم في مسقط رأسه ومحل إقامة أسرته حينئذ وهي «منشاة المهراني» حيث كانت كما تقدم عامرة ببيوت العبادة. وقد كان يلحق بها - في العادة - مكاتب تمثل المرحلة الإبتدائية في عصرنا، ويتعلم فيها الطفل القراءة والكتابة ويُحفظ القرآن ومبادئ العلوم الإسلامية،.

стр. 201

ثم ينتقل بعد هذا إلى حلقات العلم وشيوخه بالمساجد والمدارس وغيرها كما قدمنا في الكلام على العصر دراسته الفقهية والأصولية: ولما كان علم الفقه في مقدمة علوم العصر كما أشرنا في الكلام عليه أيضًا فإن أول ما ذكره المؤرخون للعراقي بعد حفظ القرآن الكريم، حفظ كتاب «التنبيه» (١). وهو كتاب مشهور موجز في فقه المذهب الشافعي، الذي تمذهب به العراقي كما أسلفنا، وتقع بعض نسخه المطبوعة في ١٦٠ صفحة، وقيمته في تعليم العراقي تظهر من قول مؤلفه (٢) في مقدمته. وهذا كتاب مختصر في أصول المذهب، إذا قرأه المبتدئ وتصوره، تنبه على أكثر المسائل، وإذا نظر فيه المنتهي تذكر به جميع الحوادث إن شاء الله (٣). ولعل هذا مما جعله محل العناية، حفظًا ودراسة وشرحًا، حتى عصر

стр. 202

العراقي، رغم تأليفه في سنة ٤٠٢ هـ (١) ولم أجد من عني بتحديد شيخ عرض عليه العراقي هذا الكتاب بعد حفظه، تبعًا لجريان المنهج التعليمي حينئذ لمختلف العلوم النقلية حتى علم الخط (٢) على منهج المحدثين في تلقيهم السنة وعلومها بالسند من الشيوخ كما سيأتي، ولذلك نجد في ترجمة تقي الدين السبكي شيخ العراقي مثلاً، أنه عرض محافظه من كتاب «التنبيه» المذكور وغيره، أي قرأها من حفظه، على ابن بنت الأعز وغيره من مشاهير عصره (٣). ونجد في ترجمة ابن حجر تلميذ العراقي أيضًا، أنه حفظ كتبا من مختصرات العلوم وعرضها على العادة على جماعة، من أئمة العصر، وكتبوا خطوطهم بذلك (٤). وقد حَصَلْتُ بحمد الله على تحديد العراقي لذلك بالنسبة لنفسه، حيث ترجم لقاضي القضاة وشيخ خانقاه أرسلان، التي ولد بجوارها، وهو علم الدين علي بن محمد الإخنائي الشافعي المتوفى سنة ٧٤٩ هـ. وقال: عرضت عليه (التنبيه) وأخذت عليه عدة دروس فيه (٥) فلعل من ترجموا للعراقي، قد استغنوا بشهرة ذلك عن ذكره، واكتفوا بدلالة ذكر محفوظاته على عرضها، تبعًا لمنهج العصر، حتى إنهم ذكروا حفظه لعدة

стр. 203

كتب أخرى - غير التنبيه - دون إبداء أي تفصيلات عنها (١). واهتم بعضهم فقط بذكر بعض التفصيلات عن كتابين سوى «التنبيه» أحدهما في الحديث وسيأتي. والثاني في الفقه الشافعي أيضًا ويُعرف بـ «الحاوي الصغير» تأليف الإمام عبد الغفار المشهور بالقزويني المتوفى سنة ٦٦٥ هـ (٢) وهو أوسع قليلًا من «التنبيه»، فبعض نسخه الخطية تبلغ ١٢٨ ورقة متوسطة، ويجمع بين وجازة اللفظ ودقة المعنى وحسن التصنيف، ولذا عكف عليه العلماء نظمًا وشرحًا (٣). وكان من شيوخ العراقي من يحث طلابه على الاشتغال به ومن علماء عصره من كان يمتدح بحفظه وتدريسه (٤). وقد أراد العراقي أن يجمع بين حفظه ودراسته، فاتجه بذلك إلى أحد شيوخه وهو الشيخ برهان الدين إبراهيم بن لاجين الرشيدي الذي عُرف بإجادة عدة علوم حتى علم الطب، وإن اشتهر بالتصوف، وكان يدرس لطلبته في الأصول كتاب ابن الحاجب وفي الفقه كتاب الحاوي المذكور، وتوفي بظاهر القاهرة سنة ٧٤٩ هـ (٥) وحكى العراقي أنه قال له: «أريد أن أحفظ الحاوي في شهر، فقال الشيخ: لا يمكن، فأصر العراقي قائلا: لابد

стр. 204

لي من ذلك (١). فما كان من الشيخ إلا أن قال له: إفعل ما بدا لك ولكنك لا تتمه» (٢). ومع هذا لم يتراجع العراقي عن عزمه، حيث قال: «وشرعت في درسه فحفظت النصف في ١٢ يوما، ثم عرض لي ضَعْف، فتركت الدرس ولم يتيسر لي بعد ذلك أن أعود إليه» (٣). قال السخاوي: «وعُدَّ ذلك في كرامات البرهان الرشيدي» (٤). وحفظ العراقي لنصف هذا الكتاب في ١٢ يوما دليل على تمتعه الكبير بملكة الحفظ حينئذ، لأن الحافظ العادي من معاصريه كان يحفظ مثل هذا القدر في نحو ٣ شهور (٥). ولعل هذا ما جعل شيخه الرشيدي يعارضه في تحديد مدة حفظ الكتاب بشهر واحد. وما قرره العراقي بنفسه عن تلك الخطوة التعليمية وموقفه من هذا الكتاب كما ترى، يرفع الشك والتجاوز اللذين وَرَدَا بشأنه في أكثر من مرجع ويصحح تفسير بعض المترجمين للموقف بما يخدش موهبة الحفظ المشهور بها العراقي.

стр. 205

فقد صرح بسبب توقفه عن مواصلة حفظ الكتاب، وهو حدوث ضعف مفاجئ له، ويظهر أنه مَرَضِي بحيث منعه من حضور الدرس فترة. بينما نجد ابن فهد (١) والمناوي (٢) يذكران أن عدم إتمامه لحفظ الكتاب يرجع إلى أنه مله فتركه، وهذا يخالف ما صرح به العراقي؛ لأن تركه للملل من حفظه، غير تركه لضعف منعه منه ومن غيره كحضور الدرس، فالأول يخدش ما قدمناه من تمتعه بقوة الحافظة وسلامتها ما دام بعافية، بعكس الثاني، وقد ظن العراقي نفسه كما أشار ابن حجر عند سياق كلامه المتقدم (٣) أن عروض هذه الوعكة المفاجئة وانشغاله بعدها، بحيث لم يتيسر له العودة لإتمام حفظ الكتاب رغم استعادة نشاطه العلمي، تُعدُّ كرامة لشيخه حال حياته، عندما عارض العراقي توجيهه، وقد صرح السخاوي بهذا كما ذكرنا، وبهذا ينتفى عن العراقي الوصف بالملل من إتمام حفظ الكتاب، كما ينفي عنه ما قد يُفهم من معاندته أو سوء سلوكه مع أساتذته، الأمر الذي يقدح فيما قدمناه من حسن خُلُقه عموما. ويمكننا تفسير تصميمه الأول في مواجهة أستاذه، وشروعه في حفظ الكتاب رغم معارضته، بأنه مجرد إظهار لرغبته القوية في التحصيل لكونه في بداية الطلب، مع إحساسه بقوة حافظته وتمتعه بقوة العزم والإرادة كما قدمنا في مواهبه، ويضاف لذلك أيضًا أن كثرة المحفوظات كانت مقياسا لرفعة قدر صاحبها عالماً أو متعلما، ولا سيما إذا اقترنت بالفهم، وكانت سرعة الحفظ

стр. 206

يمتدح ويكافأ صاحبها (١). كما أن الكتاب نفسه كانت له أهميته كما ذكرنا، ولهذا فإن انصراف العراقي عن إتمام حفظه لم يصرفه كلية عنه؛ بل درسه باستفاضة مكنته من التصدي لشرحه فيما بعد (٢). فلعل تلك الاعتبارات مجتمعة تضع تصرف العراقي في هذه الخطوة التعليمية في إطار معتدل. كذلك يفيدنا تصريحه بأنه حفظ نصف الكتاب في ١٢ يوما ولم يعد ثانية لإتمام حفظه، في قطع شك ابن حجر في أن شيخه أخبره بحفظ النصف في ١٢ أو ١٥ يوما (٣)؛ لأن ابن حجر نفسه هو الناقل لهذا التصريح القاطع بـ ١٢ يوما، ولعله تأكد من ذلك بعد الشك المشار إليه. وينفي تصريح العراقي هذا أيضا ما قطع به المناوي من أنه حفظ أكثر الكتاب، وحفظ النصف في ١٥ يوما (٤). وينفي أيضا: قطع ابن فهد بأنه حفظ أكثر الكتاب في ١٢ يوما وقوله: وقيل إنه حفظ جميعه في ١٥ يوما (٥).

стр. 207

وينفي أيضا: قطع الشوكاني بأنه حفظ الكتاب بأكمله (١) فليتنبه لذلك من يقف على كلام هؤلاء في مصادره المشار إليها أو غيرها. وبعد تحريرنا لوجه الصواب في تلك الخطوة من مسيرة العراقي العلمية وتقييمها، ننتقل معه إلى خطوة أخرى حيث واصل دراسته للفقه وأصوله، فحضر فيهما دروس الشيخ شمس الدين محمد بن أحمد المعروف بابن عدلان وكان شيخ الشافعية في زمانه ومضرب المثل في دراية الفقه وأصوله وتوفي بالقاهرة سنة ٧٤٩ هـ (٢) ولم يكتف بمجرد الحضور المتقطع بل واظب مواظبة تامة على دروس بعض شيوخ عصره وذوي الكفاءة العلمية والخبرة التربوية وحسن الخلق. ويُعبّر المؤرخون عن تلك المواظبة بالملازمة فيقولون (٣): إن العراقي لازم الفقيه الشيخ عماد الدين محمد بن إسحق البلبيسي وقرأ عليه في الفقه، فتفقه به، وهو أحد حفاظ المذهب، وكان يحث على الاشتغال بكتاب (الحاوي) السابق ذكره، صبورًا على الاشتغال بالعلم والتعليم ودروسه لا تمل؛ لكثرة تفننه، فانتفع به خلق كثير وتوفي بالقاهرة سنة ٧٤٩ هـ (٤) ولازم أيضًا الشيخ

стр. 208

جمال الدين الإسنوي مدرس الشافعية بالقاهرة ومفتيهم فأخذ عنه الفقه وأصوله (١) وعظم تأثيره فيه كما سيأتي. وأخذ علم الأصول أيضًا عن الشيخ شمس الدين محمد بن أحمد «ابن اللبان» الذي درس بضريح الإمام الشافعي، وعُرف بالعلم والتصوف، وأثنى عليه العراقي بالجمع بين العلم والعمل، وتخرج به جماعة من الفضلاء وتوفي بالقاهرة سنة ٧٤٩ هـ (٢). كما تفقه أيضًا بأبي الحسن علي بن إبراهيم بن داود بن سليمان العطار الدمشقي (٣) وأخذ الفقه وأصوله عن تقي الدين السبكي والعلائي وابن كثير (٤). ويُعتبر العلائي من شيوخه الذين لازمهم (٥). وسيأتي أخذه علومًا أخرى غير الفقه والأصول عن عدد من هؤلاء الشيوخ أيضًا تبعًا لما جرى به العُرف حينئذ من اشتغال العالم بجانب تخصصه بما يجيده من العلوم الأخرى.

стр. 209

ومن الصعب إن لم يكن من المستحيل على الباحث الآن استيعاب جميع شيوخ العراقي في علم من العلوم التي تلقاها في دراسته العامة التي نحن بصددها، أو في مجال تخصصه وهو علم السنة كما سيأتي، وذلك لاعتراف مؤرخيه بكثرة من تلقى عنهم العلم جدًا، وبعدم الوقوف على مصدر جامع ولو لمعظمهم حتى في عصره، كما سنوضحه في بيان شيوخه في علوم السنة وسنذكر هناك بعض المصادر المشتملة على كثير من شيوخه بصفة عامة. ويذكر المؤرخون أن اجتهاد العراقي في الطلب حفظًا وفهمًا ومواظبة على التلقي عن أئمة العصر جعله يتقدم في علمي الفقه وأصوله بدرجة شهد له بها أبرز شيوخه كما سيأتي، وتميز في الإلمام بهما حتى أقدم على التأليف (١). غير أننا لم نجد أحدًا من المترجمين يُحدّد زمن تصديه للتأليف، ولا زمن تخرجه أو إجازته ولا من خرّجه أو أجازه في هذين العلمين مع أن لهذا أهميته في بيان العمق العلمي له وتوثيقه حيث كان التعليم في عصره كما أشرنا من قبل جاريًا في عمومه على منهج المحدثين في تلقي السنة بالسند المتصل عن الشيوخ، وبناء عليه كان المنهج المعتمد لتلقي العلوم هو قراءة المؤلفات فيها للمتقدمين والمتأخرين على من له سند بها من الأساتذة سواء كانت قراءة من الحفظ أو من الكتاب، أو السماع من الأساتذة، أو من غيرهم بحضرتهم، أو الحصول على إجازتهم أو مناولتهم وغير ذلك من طرق تلقي السنة كما سيأتي، مع إثبات الشيخ ذلك كتابة للطلبة والمستجيزين حتى يثبت لهم اتصال السند.

стр. 210

بمصادر العلم وتصح نسخهم منها، فيحق لهم الاعتماد عليها في نشاطهم العلمي بعد ذلك قضاءًا أو إفتاء أو تدريسا أو تصنيفا، وعندما يلازم الطالب شيخا ويكثر التلقي عنه والبحث بين يديه يَظْهَرُ للشيخ إستيعابه لأصول العلم وفهمه لمسائله وصلاحيته للإستقلال في البحث والإفادة والإفتاء، يكتب له بذلك ويلقبه باللقب العلمي الذي يستحقه، وقد يحصل عليه من أكثر من شيخ في علم واحد، وبالعكس (١) وكلما حصل الطالب ذلك في سن مبكرة وفي فترة قصيرة ومن أكثر من واحد، كلما كان دليلا على همته ونشاطه وعمقه العلمي، وكلما ثقل الوزن العلمي لمن خرَّجه دل ذلك على عظم مكانته العلمية وتوثيقها. ومن أجل ذلك كله كان حرصنا على تحديد زمن تخرج العراقي في الفقه وأصوله، ومن خرجه فيهما من شيوخه، بينما أغفله مؤرخوه قديما وحديثا، ولعلنا نستطيع إعطاء تقدير تقريبي من خلال الرجوع لبداية طلبه والنظر في أحوال شيوخه المتقدمين وطريقة تلمذته لهم. فبالنسبة لأوائل طلبه: يذكر ابن حجر أن والد العراقي كان يحضره عند المشايخ فيَسْمَع منهم وهو ابن عشر سنين (٢). ثم نجد من شيوخ العراقي أربعة وهم: برهان الدين الرشيدي وعماد الدين البلبيسي وابن عدلان وابن اللبان، قد دَرَّسوا بعدة أماكن بالقاهرة وضواحيها حتى توفوا خلال سنة ٧٤٩ هـ، كما قدمناه، فلابد أن يكون العراقي بما عرف من سماعه من الشيوخ من صغره ونشاطه البالغ في التحصيل قد أجيز.

стр. 211

من هؤلاء الأربعة فضلا عن غيرهم قبل تاريخ وفاتهم المذكور. وقد صرح بنفسه فيما تقدم بحفظ نصف «الحاوي» في ١٢ يوما، مع دراسته على الرشيدي، بل مقتضى ما أسلفناه من قراءته على البلبيسي وملازمته له أن يكون قد خرجه على منهج العصر الذي أوضحناه، وكذلك قد ذكر ابن حجر تلمذة العراقي للسبكي قبل انتقال السبكي للشام لتولي قضائها سنة ٧٣٩ هـ (١) واتفق المترجمون للإسنوي - بما فيهم العراقي نفسه - على أنه جلس للتدريس بالقاهرة سنة ٧٢٧ هـ (٢)، وبذلك تهيأ للعراقي من ملازمته له وبحثه عليه ما يكفي لبلوغه مرحلة التخرج عليه في وقت مبكر وإن استمرت تلمذته له إلى قرب وفاته سنة ٧٧٢ هـ كما سيأتي، لأن التخرج مجرد مرحلة دراسية وليست نهاية. وقد ذكر ابن فهد والسخاوي اتجاه العراقي للتخصص في القراءات وانهماكه فيها مدة، ثم عدوله إلى السنة سنة ٧٤٢ هـ، ومقتضى ذلك كله أن يكون قد أجيز بعلم الفقه وأصوله من غير واحد من شيوخه بالقاهرة وضواحيها وتخرج ببعضهم وذلك قبل سنة ٧٤٢ هـ على الأقل، حتى يسوغ اتجاهه للتخصص في علم آخر، وقد كان العراقي آنذاك في السابعة عشرة من عمره، وهو سن ملائم لتخرج أمثاله في عصره، كسراج الدين البلقيني (٣). أما كل من العلائي وابن كثير وأبي الحسن العطار، فهم من شيوخه بالشام،

стр. 212

وقد كانت أولى رحلاته إليها في سنة ٧٥٤ هـ كما سيأتي في طلبه الحديث، وهذا لا يمنع سبق تخرجه على غيرهم كما أوضحنا، ولعل المؤرخين للعراقي وخاصة تلاميذه ومعاصريه لم ينصوا على إجازته وتخرجه اعتمادًا على ذكرهم ما يقتضي ذلك من أخذه عن الشيوخ المتقدمين قراءة وسماعًا وملازمته المشاهيرهم، وبيانهم إبداءه من المباحث القيمة أمام شيخه الإسنوي ما جعله يثني على فهمه، ويمتدحه ويستحسن كلامه في الأصول ويصغي لمباحثه، ويقول: «إن ذهنه صحيح لا يقبل الخطأ» (١). كما قرروا أنه كان عالمًا بالفقه والأصول (٢) وذكروا مؤلفاته الآتية فيهما وتدريسه الفقه في المدرسة الفاضلية، أعظم مدارس القاهرة حينذاك، وفي غيرها (٣) وتصديه للفتوى شفويًا وتحريريًا في حياة شيوخه، وتوليه القضاء كما سيأتي، وكل ذلك لا يكون إلا بعد تحقق الكفاءة والتخرج، فضلا عن الإجازة. وقد وقفت على نص إجازته لتلميذه ابن حجر بالتدريس والفتوى بما علمه من مذهب الشافعي (٤)، وفاقد الشئ لا يعطيه فدل ذلك كله ضمنًا وواقعًا على ثبوت تخرج العراقي في علم الفقه وأصوله وإجازته من شيوخه فيهما بالفتوى والتدريس والتأليف بل كان شيخه الإسنوي يوجه الطلبة إليه ويحثهم على كتابة مؤلفاته (٥).

стр. 213

أبرز شيوخه في الفقه وأصوله وتأثيرهما فيه ولعل أظهر شيوخ العراقي في هذين العلمين مكانة وتأثيرا فيه واعتناء به هما الإمامان: تقي الدين السبكي، وجمال الدين الإسنوي، ولذا فإني سأعرف بهما بإيجاز مع توضيح أثرهما فيه لأنه مقصودنا. أولا: تقي الدين السبكي: هو أبو الحسن علي بن عبد الكافي بن علي السبكي، أحد الأئمة الشافعية المجتهدين في عصره، ولد ب (شبك العبيد) من أعمال المنوفية سنة ٦٨٣ هـ ورحل إلى القاهرة في صباه، فأخذ العلم بها عن كبار الشيوخ، ورحل في طلب الحديث إلى الإسكندرية ثم الشام، وعاد فأقام بالقاهرة مقبلا على التصنيف والفتيا والتدريس بعدة أماكن، فتتلمذ له العراقي وشيخه الإسنوي وغيرهما، وتخرج به فضلاء العصر وانتهت إليه رئاسة المذهب بالديار المصرية، وألف بها معظم مؤلفاته المشهورة في الفقه وغيره كـ «التفسير» و «تكملة شرح المهذب» من حيث وَقَفَ الإمام النووي وغير ذلك، إلى أن كانت سنة ٧٣٩ هـ. فعين لقضاء الشام وانتقل إليها، فقام بالعدل وغاية الإنصاف، كما جلس هناك للتحديث وتولى مشيخة دار الحديث الأشرفية بدمشق، وسمع عليه حينئذ خلائق، منهم الحافظ العراقي أيضا عند رحلته الأولى للشام كما سيأتي. وقبل وفاته بعشرين يوما عاد إلى القاهرة فتوفي بها سنة ٧٥٦ هـ، وقد ترجمه العراقي في وفياته كما يظهر من نقل ابن حجر عنه (١).

стр. 214

وأثره في العراقي يتضح في مظاهر متعددة منها: أخذه عنه الفقه والحديث كما أشرنا، وقراءته عليه بعض مؤلفاته ثم روايتها للتلاميذ عنه (١) ونقل عنه في بعض مؤلفاته (٢) ولما ظهرت بين يديه أمارات نبوغ العراقي وحسن فهمه شهد له بذلك علانية، فنوه بذكره في دروسه بين جموع الطلاب، وأمام الحافظ ابن كثير، وتلك بلا شك رعاية لها وزنها من مثله، إذا عرفنا أنه وجد في عصره بعض الشيوخ الذين إذا لاحظوا ظهور فلاح الطالب منعوه من الحضور عندهم (٣). ومن هنا كانت إشادة السبكي بنبوغ تلميذه العراقي دليلاً على صفاء نفسه كما كان لها أثرها الطيب في تنمية مواهب العراقي، وحفزه على مواصلة الجد في البحث والتحصيل. ومن مظاهر التأثير كذلك: أن العراقي تبع شيخه السبكي في بعض أعماله العلمية وآرائه؛ حيث واصل «تكملة شرح المهذب» في الفقه من حيث انتهى شيخه السبكي كما سيأتي، كما كان السبكي يرى منع تعدد إقامة شعائر الجمعة في أكثر من مكان بمدينة واحدة، وألف في ذلك عدة مؤلفات كما سنشير لها. بينما كان الشيخ سراج الدين البلقيني - من الشافعية أيضًا، وقرين العراقي -.

стр. 215

يرى جواز التعدد، وألف في الرد على السبكي رسالة بعنوان «إظهار المستند في تعدد الجمعة في البلد» (١) وأخرى بعنوان «تكذيب مدعي الإجماع مكابرة على منع تعدد الجمعة في القاهرة» (٢). فمال العراقي إلى رأي شيخه السبكي وألف في ذلك رسالته الآتي بيانها بعنوان: (الإستعاذة بالواحد من إقامة جمعتين في مكان واحد) ثانيًا: جمال الدين الإسنوي: هو الإمام عبد الرحيم بن الحسن بن علي القرشي الأموي، ولد بـ (إسنا) من صعيد مصر في العشر الأخير من ذي الحجة سنة ٧٠٤ هـ ونشأ بها، فقيل له الإسنوي ثم قدم القاهرة سنة ٧٢١ هـ ودرس الفقه على السبكي المتقدم كما درس غيره من العلوم كالأصول واللغة وسمع الحديث وانتصب للإقراء والتدريس والإفادة في الفقه والأصول والحديث وغيرهم من سنة ٧٢٧ هـ إلى قبل وفاته في ١٨ جمادى الأولى سنة ٧٧٢ هـ بيومين فقط، وبذلك صار أكثر علماء الديار المصرية من طلبته، ومنهم سميه الحافظ عبد الرحيم العراقي وتخرج به كثيرون وانتهت إليه رياسة الشافعية في حياته وقد توفر له مع البراعة العلمية صفات المدرس الناجح وأخلاقه، فكان ناصحًا في التعليم حريصًا على إيصال الفائدة للبليد، فصيح العبارة حلو المحاضرة، وقد يذكر التلميذ المبتدئ عنده الفائدة المطروقة فيصغى إليه كأنه لم يسمعها من قبل، جبرًا لخاطره كما كان حسن الشكل جيد التصنيف
следующие страницы →