← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 30167

الحافظ العراقي وأثره في السنة

أحمد بن معبد عبد الكريم

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

ثم إن الزبيدي خرج رواية عبد الله بن سلام المشار إليها بقوله: وروى أحمد ومن طريقه الطبراني، ثم صاحب الحلية، من طريق عبد الجليل بن عطية عن شهر (بن حوشب) عن عبد الله ابن سلام، قال: خرج رسول الله ﷺ على ناس من أصحابه، وهم يتفكرون في خلق الله … فذكر نحوه، مختصرا (١). أما صاحب كشف الخفاء ومزيل الإلباس فقد قال: قال النجم: إن العراقي قال في جزء له: رويناه من حديث عبد الله بن سلام، أنه ﷺ خرج على قوم ذات يوم، وهم يتفكرون … وساق الرواية بطولها كما جاءت في الإحياء (٢). ولعل ما نقله العجلوني هذا، تحريف عما ذكره العراقي في الموضع السابق، ويلاحظ أن العجلوني ناقل له بقوله: «قال النجم» … ، ولعل مراده بالنجم: محمد بن محمد بن محمد، نجم الدين، الغزى العامري الدمشقي الشافعي المتوفى سنة ١٠٦١ هـ، فإن له كتابا باسم «إتفاق ما يحسن من بيان الأخبار الدائرة على الألسن» جمع فيه أحاديث مما دار على الألسن، مع بيان ما يصح منها، وما يخشن، وما لم يرد عن سيد البشر .. (٣).

стр. 1542

فلعله هو مظنة هذا النقل، مع تحريفه السابق. والصواب أن هذا ليس تخريجا من العراقي للحديث، كما رأيت، ولكن تسويد بذكر بعض المعلومات، التي لم يكملها، أما الحديث الخامس، فقد قال الغزالي: قال النبي ﷺ : من شبع ونام، قسا قلبه، ثم قال: لكل شيء زكاة، وزكاة البدن الجوع. فأورد العراقي هذا في المغنى كما هو، ثم قال: ابن ماجه من حديث أبي هريرة: لكل شيء زكاة، وزكاة الجسد الصوم، وإسناده ضعيف (١). وبهذا يكون العراقي قد خرج الشطر الأخير من الحديث فقط، وسكت عن صدره وهو «من شبع ونام، قسا قلبه»، وقد علق الزبيدي على هذا بقوله: وأما الجملة الأولى من الحديث، فلم اقف لها على أصل (٢) فلعل العراقي سكت عنها لأجل عدم قوفه لها على أصل كذلك. ويلاحظ أن تلك الأحاديث الخمسة، كلها داخلة تحت ما التزم العراقي بالتعرض لتخريجه بمقتضى شرطه، كما أن الذى تعقبه الشارح بتخريجه، حديث واحد منها، وهو الحديث الرابع فقط، وقد خرجه من مصادر معروفة خرج العراقي منها كثيرا من الأحاديث، خلال كتابه هذا. ثانيا: أحاديث وردت في الإحياء، مصرحا بها، أو مشارًا إليها، ولكن لم أجدها مذكورة في المغنى أصلا، ولو بدون تخريج.

стр. 1543

فهذه تعتبر بحسب ما أوقفنى عليه البحث - مما فات العراقي تخريجه، وعدد هذا النوع من الأحاديث خلال الإحياء كله، يعتبر قليلا جدا، بالنسبة لمجموع ما خرجه العراقي من أحاديثه. وقد وجدت الإمام الزبيدى شارح الإحياء، صرح في عدد منتلك الأحاديث، بأن العراقي قد أغفلها، واعتذر عنه في بعضها باحتمال أنها لم تكن في نسخته من الإحياء، ثم تصدى هو لتخريج بعضها، وشارك العراقي في عدم عدم التصدى لتخريج بعضها، مع وجودها في نسخته من الإحياء، وإليك نماذج لما ذكرت؛ فمن ذلك أن الغزالي عند كلامه عن الإمام مالك، قال: وروى أن أبا جعفر المنصور، منعه من رواية الحديث فى طلاق المكره، ثم دس عليه من يسأله، فروى على ملأ من الناس: (ليس على مُستكرَه طلاق)، فضربه بالسياط، ولم يترك رواية الحديث. ولم يتعرض العراقي لتخريج ذلك. (١) وعدم وقوع طلاق المكره، في معناه أكثر من حديث مرفوع، ولكنها ليست من رواية مالك (٢). وفيه معناه أيضا عدد من آثار الصحابة والتابعين (٣) وقد روى مالك في موطئه بعض تلك الآثار عن كل من ابن عمر وابن الزبير، ولفظ رواية ابن عمر: ليس ذلك بطلاق - يعنى طلاق المكره (٤). وهو بنحو اللفظ الذي ذكره الغزالي.

стр. 1544

وبذلك أصبح لما ذكره الغزالي محمل من الحديث الموقوف، ومحمل من الحديث المرفوع، فتدخل فى شرط العراقي، وتحتاج إلى تخريج يتميز به ما ثبت من ذلك من رواية مالك، وكان سببا فى بلائه، وما رواه غيره. ومع ذلك لم يتعرض العراقى لتخريج هذا الموضع كما ترى. أما شارح الإحياء الإمام الزبيدى فقد تعرض لهذا بأمرين: - أحدهما: تنبيهه على أن الصحيح أن الذى منع مالكا من رواية حديث طلاق المكره، وآذاه في ذلك، هو جعفر بن سليمان الهاشمي، أمير المدينة في خلافة أبي جعفر المنصور، وليس المنصور نفسه، ايد ذلك بما رواه أبو نعيم في الحلية ٦/ ٣١٦ (ترجمة مالك بن أنس). ثانيهما: أنه ذكر حديثا واحدًا مرفوعا مما استدل به القائلون بعدم وقوع طلاق لمكره، وهو ما رواه أبو داود وأحمد والحاكم وغيرهم من حديث عائشة ﵂ مرفوعا: لا طلاق ولا عتاق في إغلاق. وذكر أن المراد «بالإغلاق» الإكراه، وقيل الغضب، كما بين ضعف الحديث المذكور (١) وبذلك لم يتعرض لما رواه مالك من أثر ابن عمر وابن الزبير، كما قدمته. كما أنه لم يتعقب العراقي بعدم تعرضه لتخريج شيء في هذا الموضع. وفي موضع قال الغزالي: فقد كان ﷺ ، مأمورًا بالدعوة … فلم يتعرض العراقي لتخريج ما يدل على ذلك (٢).

стр. 1545

في حين أورد الشارح في مقابل ذلك حديثا مرفوعا فقال: وأخرج أبو يعلى وابن عدى من حديث عمر بن الخطاب ﵁ رفعه: بعثت داعيا ومبلغا … (الحديث) وإسناده ضعيف (١) فيعتبر هذا مما فات العراقي تخريجه، مع دخوله فى شرطه، ولكن الشارح، لم يتعقبه بذلك. وفي موضع قال الغزالي: قال ابن مسعود: نهينا أن نجيب دعوة من يباهي بطعامه (٢). ومن المعروف أن قول الصحابي: «نهينا عن كذا» له حكم الرفع على الصحيح، (٣). وبذلك يكون هذا من شرط العراقي في الكتاب، ولكن لم يعرض له بشيء (٤) وقد تعرض له الشارح بقوله: رواه صاحب القوت (٥). وقد أخرجه أبو نعيم في الحلية ١٠/ ٧٣ من طريق عكرمة عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ نهى أن يؤكل طعام المتباهين. ومن طريق عكرمة عن ابن عباس مرفوعا - أخرجه أبو داود (الأطعمة) - حديث (٣٧٥٤) والحاكم في المستدرك - كلاهما بلفظ «أنه ﷺ نهى عن طعام المتبارين أن يؤكل - وقال الحاكم ٤/ ١٢٩ (الأطعمة) صحيح الإسناد، وأقره الذهبي

стр. 1546

وهذه الرواية بمعنى ما في الحلية. وذكر الغزالي بعد هذا فى الموضع السابق: أن النبي ﷺ قال: إن من سنة الضيف أن يشبع إلى باب الدار. فلم يتعرض العراقي لتخريجه (١). وقد علق مصحح طبعة مصطفى الحلبى على هذا الموضع بأن العراقي لم يخرج هذا الحديث (٢). وقد أخرجه الشارح بالعزو إلى سنن ابن ماجه من حديث أبي هريرة، بنحوه، وبين أن في إسناده - كما قال البيهقي: على بن عروة، وهو متروك (٣). وقال الغزالي عقب هذا ايضا: قال أبو قتادة: قدم وفد النجاشي على رسول الله ﷺ فقام يخدمهم بنفسه فقال له أصحابه: نحن نكفيك (الحديث). ولم يتعرض العراقي لتخريج هذا أيضا (٤) وتعقبه بذلك مصحح طبعة مصطفى الحلبي (٥) ولم يتعرض شارح الإحياء أيضا لتخريج الحديث المذكور (٦). والحديث قد أخرجه البيهقى فى دلائل النبوة من طريق أبي قتادة قال: قدم

стр. 1547

وفد النجاشي … فذكره بلفظه، وأخرجه ايضا من حديث أبي أمامة، بنحوه (١) وكتاب الدلائل للبيهقى من مصادر كل من العراقي والزبيدي في تخريج كثير من أحاديث الإحياء، كما يعرف ذلك من مراجعة كتابيهما. وأورد الغزالي في موضع آخر أن النبي ﷺ كان يعجبه الثياب الخضر فلم يتعرض له العراقي (٢). وقد قال الشارح: أغفله العراقى، ثم تصدى هو لتخريجه (٣). وفي موضع ذكر الغزالي: حديث ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطنه … وفيه: فثلث طعام، وثلث شراب، وثلث للنفس. وقد قام العراقي بتخريجه (٤). ثم جاء في موضع بعد هذا بكثير قول الغزالي: وفي بعض الألفاظ: «ثلث للذكر» بدل «للنفس». فلم يتعرض العراقي لتخريج رواية «ثلث للذكر» هذه (٥). وقد علق الشارح عليها بقوله: هكذا أورده صاحب القوت - يعنى قوت القلوب لأبى طالب المكى - ثم قال: ورواية هذا اللفظ، أغفلها العراقي (٦).

стр. 1548

ولم يتعرض هو لتخريجها من مصدر آخر غير القوت. وفي موضع قال الغزالي: وقد قسم النبي ﷺ نساءه على مثل هذه الأ قسام: فبعضهن كان يعطيها قوت سنة، عند حصول ما يحصل، وبعضهن قوت أربعين يوما، وبعضهن يوما وليلة، وهو قسم عائشة وحفصة فلم يتعرض العراقي لتخريج شيء من ذلك (١). وكذلك الشارح (٢). وفي موضع قال الغزالي: وعن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: لما ورد موسى ﵇ ماء مدين، كانت خضرة البقل تثر في بطنه من الهزال. فلم يتعرض العراقي لتخريج ذلك (٣) ولا تعرض له الشارح أيضا (٤). وقد قدمت في اختلاف نسخ الإحياء في ذكر، أو سقط بعض الأحاديث أنه جاء في نسخ الإحياء التي بين أيدينا قول الغزالي: وقال ﷺ : ﴿إِنَّ اللّهَ عِنْدَ لِسَانِ كُلِّ قَائِل﴾ (الحديث) وأنه لم يوجد تخريج الحديث عند العراقي في المغني، وأن الشارح قام بتخريجه من مصادره، ثم بين إغفال العراقي لتخريجه، والتمس له عذرا، فقال: وهذا الحديث أغفله العراقي، وكأنه سقط من نسخته، وهو ثابت عندنا في سائر النسخ (٥). وهناك مواضع أخرى مماثلة لما ذكرت مما فات العراقي، وهو على

стр. 1549

شرطه (١) وفيما ذكرته كفاية لتوضيح هذا النوع. ثالثا: أحاديث مصرح بها أو مشار إليها، وتتكرر في الإحياء أكثر من مرة، فقد يخرج العراقي الحديث في موضع، وعند تكرره في موضع آخر يذهل عن التعرض له مرة أخرى، إما بإعادة تخريجه، وإما بالإحالة على موضع تخريجه له، وقد نبه العراقي في مقدمة الكتاب على حصول هذا الذهول منه (٢)، وتقدم توضيح مثل هذا الذهول في مبحث «تخريج العراقي للأحاديث المكررة … » لكن من يقف على الحديث في أحد المواضع التي لم يتعرض العراقي فيها له بتخريج أو إحالة، يظن أنه قد فاته تخريجه كلية، فينتقده في ذلك، مع أنه يكون في الواقع قد خرج الحديث، لكن في موضع آخر، ولم يقف عليه من ينتقده، ومما ساعد على ذلك أنه قد يكون تخريجه للحديث ليس في الموضع الأول لوروده في الإحياء. ففي موضع ساق الغزالي بعض معجزاته ﷺ ، وذكر منها «ما تفجر من بين أصابعه من الماء». فلم يتعرض العراقي في هذا الموضع لتخريج الحديث المشتمل على هذه

стр. 1550

المعجزة، ولا نبه على أنه قد خرجه في موضع آخر (١). ثم بعد هذا بعدة أبواب بلغت قرابة مئتى صفحة، ذكر الغزالي حديثا طويلا لعمر بن الخطاب ﵁ في تعداد فضائل وخصائص للرسول ﷺ ، استهلها بقوله: بأبي أنت وأمى يارسول الله، لقد كان جذع تخطب عليه، فلما كثر الناس، اتخذت منبرا لتسمعهم، فحن الجزع لفراقك … إلى أن قال: لئن كان موسى بن عمران أعطاه حجرا تنفجر منه الماء، فماذا بأعجب من أصابعك حين نبع منها الماء، ﷺ … «الحديث بطوله. فقام العراقي بتخريج فقرات الحديث، ومنها قوله: وحديث نبع الماء من بين أصابعه، متفق عليه، من حديث أنس، وغيره … » (٢). لكن لما كان الموضع الذي خرج فيه الحديث متأخرا عن الموضع الأول، كما ترى، فإن الشارح علق على الحديث في الموضع الأول بقوله: وقد فات العراقي هذا الحديث، فلم يذكره في تخريجه، ونحن نذكر - بعون الله تعالى - من رواه من الصحابة، ومن أخرجه، فنقول: … ثم ساق تخريجه بتوسع، عن سنة من الصحابة، وبدأ بمن خرج العراقى الحديث عنها بالعزو إلى الصحيحين، وهما أنس وجابر كما تقدم، لكن لم ينسب ذلك للعراقي (٣) فلما جاء الموضع المتأخر الذي خرج فيه العراقي الحديث نقل الشارح تخريج العراقي له، دون تنبه لانتقاده الأول له (٤).

стр. 1551

وفي موضع قال الغزالي - كما في نسختين من الإحياء - وقال ﷺ : خير الطعام، ما كثرت عليه الأيدى. فلم يتعرض العراقي لتخريج هذا الحديث في هذا الموضع (١). ولم يوجد هذا الحديث بنسخة الزبيدى من الإحياء، ولذلك لم يوجد عنده شيء عنه (٢). وقد علق مصحح طبعة مصطفى الحلبى، على هذا الحديث بقوله: لم يتكلم عليه العراقي لسقوطه من نسخته، كما لم يذكره الشارح، فليتأمل. اه مصححه. أقول: وجَزْمُ المصحح بسقوط هذا الحديث من نسخة العراقي، لا يسلم له؛ لعدم وقوفه على نسخة العراقي من الإحياء، ولكن عدم وجود الحديث في نسخة الزبيدى، وكذلك عدم وجود تخريج العراقي له في نسخة الزبيدي من المغنى، كلاهما يجعلان احتمال السقط واردا، ولكن هناك احتمال آخر وهو أن العراقي تعرض لتخريج حديث بنحوه بعد هذا الموضع بكثير، ثم ذهل عن الإحالة بأنه سيأتى (٣)، كما أحال في مواضع أخرى على ما سيأتي، وقد أوضحت ذلك في مبحث «تخريج العراقي للمكرر … » وفي موضع قال الغزالي: قال أبو الدرداء لكعب (الأحبار): أجزلي عن

стр. 1552

أخص آية - يعنى في التوراة - فقال: يقول الله تعالى: طال شوق الأبرار إلى لقائي … (الحديث) بطوله، وفى آخره: قال ابو الدرداء: أشهد أنى سمعت رسول الله يقول هذا. فلم يتعرض له العراقي بشيء (١). وقد أورد الغزالي قبل هذا الموضع بكثير - الحديث مختصرا فقال: وبقوله: ﵊ حكاية عن ربه، لقد طال شوق الأبرار إلى الصلاة والسلام - حكاية عن ربه، لقد طال شوق الأبرار إلى لقائي، وأنا إلى لقائهم أشد شوقا. فتصدى العراقي لتخريجه في هذا الموضع المتقدم (٢) ولكنه عند تكرره في الموضع الثاني لم يحل على السابق، ولا تعرض لتخريجه، كما أسلفت. وقد نقل الشارح في الموضع الأول عن العراقي تخريجه للحديث، دون زيادة (٣) لكن عند تكرره في الموضع الثاني تعقبة بقوله: أغفله العراقي، والذى رواه أبو الدرداء مرفوعا هو قوله: يقول الله تعالى: من طلبني وجدني، ومن طلب غيرى ولم يجدني (٤). رابعا: أحاديث أوردها الغزالى في الإحياء، ونقلها العراقي في المغنى، وعلق عليها بأنه لم يجدها، أو بأنه لم يجد لها أصلا، هكذا بإطلاق، أو مع تقييد

стр. 1553

يتعلق بالسند مثل قوله: لم أجد له إسنادا، أو يتعلق بالمتن، مثل قوله: لم أجده بهذا اللفظ. ثم قام العلماء من بعده بتعقبه بما وجدوه من ذلك. حتى ألف بعضهم فيما فات العراقي في هذا التخريج، وسيأتي توضيح ذلك في موضعه إن شاء الله.

стр. 1554

٢ - «عدد أحاديث الإحياء التي خرجها العراقي في المغني، وترقيمها» قدمت في مبحث التخريج الكبير ما ذكره ابن فهد من أن القدر الذي قرئ على العراقي مما بيضه منه، ينتهي إلى قوله فى أواخر كتاب «الحج»: الحديث الثامن والعشرون، قال ﷺ : ولم يصبر على شدتها ولأوائها أحد إلا كنت له شفيعا يوم القيامة (١) وهذا يدل صراحة على أن العراقي قام في التخريج الكبير بترقيم وإحصاء أحاديث الإحياء التي خرجها في كل باب على حدة، ويجمع جملة أحاديث الأبواب كان يمكننا الحصول على عدد أحاديث الكتاب كله التي خرجها العراقي، إلا أن التخريج الكبير كما قدمت في حكم المفقود حاليا، ولما كان هذا التخريج الصغير طابعه الأساسي هو الاختصار، فإن العراقي لم يتعرض فيه لترقيم وإحصاء الأحاديث التي خرجها، وقد فعل قرينه ابن الملقن مثل ذلك، حيث إنه في تخريجه الكبير لأحاديث شرح الرافعي الكبير، رقم بالتسلسل، الأحاديث التي خرجها في كل باب من أبواب الكتاب على حدة، بالإضافة إلى أنه بين في مقدمة التخريج، العدد الإجمالي لأحاديث وآثار الكتاب التي خرجها فقال: إنها تزيد على أربعة آلاف بالمكرر (٢) أما في مختصره لهذا التخريج والذي سماه «خلاصة البدر المنير» فإنه لم يرقم أحاديث الكتاب التي خرجها، ولكن اكتفى بذكره في المقدمة الإحصاء الإجمالي للأحاديث والآثار المخرجه في الكبير، بنحو ما ذكره في مقدمة التخريج الكبير (٣) وهذا بلا شك أفضل من عدم ذكر ذلك.

стр. 1555

الإحصاء كما فعل العراقي، معرفة العدد الإجمالي للأحاديث المخرجة في الكتاب، تعد دليلا واضحا على قيمته في علم التخريج وعلى أثر وجهد صاحبه فيه، ولهذا رأيت أن أقوم من جانبي بإحصاء عدد الأحاديث التي خرجها العراقي في هذا التخريج الصغير، حيث إني لم أجد من سبقني إلى ذلك، وقد اعتمدت في الإحصاء على الترقيم المسلسل للأحاديث في كل صفحة من الكتاب في طبعته الحلبية السابق التعريف بها، فوجدت جملة أحاديث الكتاب خمسة وتسعين وخمسمائة وأربعة آلاف حديث (١)، مع ملاحظة أنه يدخل في هذا العدد الأحاديث التي قال العراقي إنه لم يجدها (٢) والأحاديث التي تكرر ورودها في الإحياء وتكرر تخريج العراقي لها أو تنبيهه على تكررها كما سيأتي، ويدخل في هذا العدد أيضا الأحاديث المتقطعة؛ حيث يذكر الغزالي جزءا من حديث للاستدلال به، ثم يورد جزءا آخر من نفس الحديث للاستدلال أيضا به، دون أن يشير إلى كونه جزء من الحديث السابق، فيذكرهما العراقي في التخريج على أنهما حديثان، ولكن ينبه على أنهما واردان في كتاب السنة حديثا واحدا، مثال ذلك: أن الغزالي في الإحياء قال: قال رسول الله ﷺ : العلماء ورثة الأنبياء، فخرجه العراقي من حديث أبي الدرداء (٣) ثم قال الغزالي عقب ذلك بقليل: وقال ﷺ : «يستغفر للعالم ما في المسوات والأرض»، فقال العراقي في تخريجه: حديث «يستغفر

стр. 1556

للعالم ما فى السموات والأرض، هو بعض حديث أبى الدرداء المتقدم (١). ويدخل فى العدد المذكور أيضا الأحاديث المجموعة حيث يذكر الغزالى حديثين أو أكثر فى سياق واحد دون فصل أو تمييز، فيذكر العراقى ذلك فى التخريج على أنه حديث واحد كما ذكره الغزالى، ولكن يبين أنه فى واقع كتب السنة يعتبر أكثر من حديث، فقد قال الغزالى: وفى الحديث: من قال أنا مؤمن فهو كافر، ومن قال أنا عالم فهو جاهل، فقال العراقى فى تخريجه: أخرجه الطبرانى فى الأوسط بالشطر الأخير منه من حديث ابن عمر، وفيه ليث بن أبى سليم تقدم، والشطر الأول روى من قول يحيى بن أبى كثير، رواه الطبرانى فى الأصغر بلفظ: من قال أنا فى الجنة فهو فى النار، وسنده ضعيف (٢) وقال الغزالى: وروى أن جبريل ﵇ نزل على رسول الله ﷺ فقال: يا محمد: إن الله يقرأ عليك السلام ويقول: أتحب أن أجعل هذه الجبال ذهبا، وتكون معك أينما كنت؟ فأطرق رسول الله ساعة ثم قال: يا جبريل، إن الدنيا دار من لا دار له، ومال من لا مال له، ولها يجمع من لا عقل له، فقال له جبريل: يا محمد ثبتك الله بالقول الثابت». فقال العراقى فى تخريجه: هذا ملفق من حديثين … وذكرهما (٣) وفى موضع آخر قال عما أورده الغزالى: لم أجده بهذا اللفظ مجموعا، ثم خرج فى مقابله حديثين (٤) وفى موضع ثالث قال الغزالى: وروى أنعمر بن الخطاب

стр. 1557

شمع بعد موت رسول الله ﷺ يبكى ويقول: بأبي أنت وأمى يارسول الله … وساق حديثا طويلا ذكر فيه عمر ﵁ حنين الجذع إلى رسول الله ﷺ ، ونبع الماء من بين أصابعه، والإسراء به، وكلام الشاة المسمومة له، وأنه أُدْمِى وجهه وكُسِرَتْ رَبَاعِيتُه فقال: اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون، وأنه لبس الصوف، وركب الحمار، وأردف خلفه، ووضع طعامه على الأرض، ولعق أصابعه، فقال العراقي في تخريجه لهذا: هو غريب بطوله من حديث عمر، وهو معروف من أوجه أخرى … وخرج في مقابلة عشرة أحاديث، ومع ذلك فهي معدودة حديثا واحدا تبعا لصنيع الغزالي في إيرادها سياقا واحدا (١) كما يدخل ف الإحصاء الذي ذكرته أيضا، ما أشار الغزالي نفسه إلى تعدده، ولكنه اعتبر حديثا واحدا؛ لكون الإشارة إليه واحدة، كقول الغزالي عن صيام الدهر: إن الأخبار وردت بكراهته، فقال العراقي في تخريجه: الأحاديث الدالة على صيام الدهر … وخرج ثلاثة أحاديث (٢) بل إن الغزالي أورد قول ابى طالب المكي: إن الكبائر سبع عشرة، جمعتها من جملة الأخبار، فقال العراقى: الأخبار الواردة ف الكبائر … وذكر واحدا وعشرين حديثا مرفوعا، وأربعة آثار، ولكن الجميع معدود حديثا واحدا؛ لكونه ورد جملة واحدة في مقابل إشارة واحدة من الغزالي (٣) وبذلك ترى أن الإحصاء الإجمالى الذي ذكرته، تعتبر الأحاديث المخرجة فعلا أكثر منه بمئات، بحيث يجاوز العدد الإجمالي للأحاديث المخرجة خمسة آلاف

стр. 1558

حديث، بينما تخريج ابن الملقن لشرح الرافعى بلغ أربعة آلاف فقط كما تقدم، وهذا يصور لنا مدى ما بذله العراقى من المضنى والمفيد في علم التخريج عموما وفي خدمة كتاب الإحياء خصوصا، على امتداد عشرات السنين قضاها برغم أعبائه ومهماته العلمية السابقة والآتية، قضاها حلا وترحالا مصبحا وممسيا في البحث والتنقيب عن هذه الآلاف المؤلفة من الأحاديث، وتخريج ألفاظها وأسانيدها من مئات المصادر كما قدمت، إيضاحه، ثم الكشف عن رواة تلك الأحاديث وبيان حالها متنا وسندا، كما سأفصله فيما يلى من مباحث.

стр. 1559

ما صرح العراقي بأنه لم يجده، أو عبر عن ذلك بعبارة اصطلاحية ذكرت فيما فات العراقي تخريجه من أحاديث كتاب «الإحياء»، أن هذا الفائت متنوع: فمنه ما وجد في «الإحياء» ولم أجد العراقي تعرض له في كتاب «المغني» مطلقا. ومنه ما وجدت العراقي ذكره في «المغني» وترك موضع الكلام في تخريجه بياضا. ومنه ما ذكر بعض المعلومات عنه، ولم يكمل تخريجه. وهنا أريد أن أبين الآتي: أولا: أن هناك أحاديث ذكرت في كتاب الإحياء، ولكن العراقي صرح بنفسه أنه لم يجدها. فقد قال في مقدمة كتابه «المغني»: «وحيث لم أجد ذلك الحديث - يعني المطلوب تخريجه - ذكرت ما يغني عنه غالبا، وربما لم أذكره» (١). فمن هذا يتضح أن هناك أحاديث وردت في «الإحياء»، وبحث عنها العراقي بحثه المعروف بالتوسع والدقة، ولكن لم يقف عليها في المصادر التي أتيحت له رغم كثرتها وتنوعها - كما تقدم في بيان مصادره - وأنه حيال تلك الأحاديث، تعدد موقفه: فتارة يذكر مما وقف عليه هو، ما يمكن - في نظره - الاستغناء به في الاستدلال للموضع الذي ورد فيه الحديث الذي لم يجده. ومن يلاحظ مصاعب البحث في المصادر في عصر العراقي قبل ظهور.

стр. 1560

الطباعة والفهرسة الدقيقة، يستطيع تصور الجهد الكبير والمشكور الذي بذله العراقي في هذا، وجمعه بين العلم بنصوص الأحاديث، وبين فقهها (١). وتارة لا يجد العراقي الحديث المطلوب، ولا يذكر ما يقوم مقامه ويفهم من قوله: «وربما لم أذكره» أن الأحاديث التي لم يجدها ولم يذكر من جانبه بديلا عنها، تعتبر قليلة، بجانب ما ذكر بديلا عنه. ولقد استعرضت كتاب العراقي كله، فوقفت على أكثر من مائة موضع، مما قال فيه: «لم أجده» أو «لم أره» أو «لم أقف عليه» مطلقا، أو مقيدا. وقد تنوعت عبارته عن ذلك: فتارة يطلق القول بأن الحديث المطلوب تخريجه، «لم يجده» أو «لم يقف عليه»، ثم يسكت، فلا يذكر شيئا (٢)، وهذا في أقل المواضع. وتارة يقيد عدم وجوده للحديث المطلوب، بأمر يتعلق بالسند، مثل قوله: «لم أظفر له بإسناد» أو «لم أره» أو: لم أجده، من حديث فلان (٣)، وقد يقيد بأمر يتعلق بالمتن، مثل قوله: «لم أجده بهذا اللفظ» (٤) أو لم أجده

стр. 1561

هكذا (١) أو بهذا السياق (٢). وقد تعقب العراقي في بعض الأحاديث التي قرر إنه لم يجدها مطلقا أو مقيدا. فمن ذلك: أن الغزالي ذكر حديث سهيل بن عمرو أن رسول الله ﷺ لما قدم مكة وضع يده على باب الكعبة، والناس حوله فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له صدق وعده (الحديث) وفيه: يا معشر قريش ما تقولون وما تظنون؟ وقد قال العراقي: لم أجده (٣). وقد تعقبه الزبيدي في الشرح ٨/¬٤١ فقال: قلت: بل رواه أحمد بن زنجويه في كتاب الأموال من طريق ابن أبي حسين، فساقه بنحوه. أقول: وهو فعلا في كتاب الأموال لابن زنجويه برقم (٤٥٦). وهناك موضع آخر مشابه لهذا (٤). ولكن بالتتبع ظهر لي أن المتعقب على العراقي في ذلك قليل، والأكثر أقره الشارح وغيره عليه، كما ستأتي الإشارة إلى ذلك في أثر الكتاب.

стр. 1562

ثانيا: قد عبَّر العراقي كذلك عما لم يجده من الأحاديث بعبارة اصطلاحية وهي قوله: «غريب» مع الإطلاق أو التقييد أيضا. ولكنّه لم ينبه على ذلك في المقدمة ضمن عناصر منهجه. وهذه العبارة قد استعملها غير العراقي ممن اشتغل بتخريج أحاديث كتب الفقه وغيره من العلوم الشرعية. فممن سبقه إلى ذلك الإمام النووي (ت ٦٧٦) هـ في كتابه المجموع شرح المهذب في الفقه الشافعي (١) ولكنه أيضا لم يبين مراده بهذه العبارة الاصطلاحية في مقدمة كتابه المذكور بحسب استعراضي لها (٢) ولكن الحافظ ابن حجر ذكر تعبير النووي بتلك العبارة وقال: إنه يستعملها فيما لم يجده (٣) فلعل الحافظ وقف على بيان النووي لذلك في موضع آخر، أو استنتجه من خلال النظر في المواضع التي استعملها فيها. ومن معاصري العراقي استعملها أيضا رفيقه في الاشتغال بالتخريج كما تقدم، وهو عبد الله بن يوسف الزيلعي (ت ٧٦٢ هـ). كما نجده في كتابه نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية، فيقول عن بعض الأحاديث: غريب (٤) أو غريب بهذا اللفظ (٥) أو غريب جدا (٦) وكذلك

стр. 1563

في تخريجه لأحاديث كتاب الكشاف في تفسير القرآن للزمخشرى (١) ولم أجد تصريح الزيلعي بمراده بهذه العبارات بنفسه، ولكن الحافظ قاسم بن قطلوبغا (ت ٨٧٩) نسب ذلك إليه فقال: إنه يقول لما لم يجده: حديث غريب، ثم عقب ابن قطلوبغا على هذا بقوله: وهو اصطلاح غريب (٢). أقول: ولعل هذا مما جعل الحافظ ابن حجر عند اختصاره (لنصب الراية) يعدل عن هذه اللفظة إلى التصريح بالمقصود بها؛ ففي المواضع التي يستعملها الزيلعي، ولا يجد ابن حجر بدوره الحديث، فإنه يقول: «لم أجده» يدل قول الزيلعي: غريب (٣). واستعمل هذه العبارة بهذا الاصطلاح أيضا قرين العراقي: عمر بن علي، المعروف بابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ)، ولكنه نبه في مقدمة كتابه «خلاصة البدر المنير» على ذلك فقال: مشيرا بقولي: متفق عليه إلى … ، وبقولي: غريب أنى لا أعلم من رواه (٤). ويعتبر ابن الملقن بهذا، هو الوحيد ممن تقدم ذكرهم الذي وقفت على تصريحه بمقصوده بهذه العبارة الاصطلاحية، وقد ذكر الحافظ ابن قطلوبغا

стр. 1564

استعمال الزيلعي لهذه العبارة الاصطلاحية، ووصف ذلك بأنه اصطلاح غريب كما تقدم، ثم قال: فعله أيضا العلامة أبو حفص عمر بن الملقن، في تخريج أحاديث الرافعي، فالله أعلم هل تواردا - يعني الزيلعي وابن الملقن - أو أخذ أحدهما من الآخر (١). أقول: فلعل ابن قطلوبغا لم يكن وقف حينذاك على سبق النووي (ت ٦٦٧ هـ) لكليهما كما قدمت، أما وقوفه على استعمال العراقي لهذا فهو مؤكد، لأن له تأليفا في الاستدراك عليه في تخريج أحاديث الإحياء هذا كما سيأتي، ومقتضاه اطلاعه التفصيلي، وبعناية على كتاب «المغني» هذا، وقد استعمل فيه العراقي هذا الاصطلاح كما ترى. ولعل عدم تنبيه العراقي عليه كما فعل قرينه ابن الملقن، لأن العراقي رأى أنه اصطلاح معروف عند من قبله، وبين معاصريه، كما أوضحته، بخلاف ما قرره ابن قطلوبغا، بحسب اطلاعه هو. وسيأتي أيضا أن العراقي في بعض المواضع قرن بين لفظ «غريب» هذا وبين قوله: «لم أجده» فأشار بذلك إلى مقصوده الاصطلاحي بلفظ «غريب». في باقى المواضع، وإن كانت هي الأكثر. ثم إلى راجعت المواضع التي استعمل فيها العراقي هذا الاصطلاح فوجدتها أقل من مواضع قوله عن الحديث المطلوب تخريجه: لم أجده، أو لم أره، ونحوهما، مع الإطلاق والتقييد، كما أسلفت. ووجدت استعماله للفظة «غريب» هذه الاصطلاحية مطلقة، في مواضع

стр. 1565

قليلة (١) ومقيدة بما يتعلق بالسند (٢) أو المتن (٣)، وذلك في غالب المواضع، كما أنه في تلك المواضع المقيدة، يذكر ما يراه بديلا عما ذكره الغزالي، أو بديلا عن بعضه. وقد لاحظت في بعض المواضع أنه قرن بين لفظة «غريب» وعبارة «لم أجده» فأفاد بذلك في توضيح مراده بلفظة «غريب» (٤) وأنه يقصد بها أنه لم يقف على ما ذكره الغزالي، مطلقا، أو مقيدا فتكون عنده بمعنى عبارة «لم أجده» التي سبق الكلام عنها. ولاحظت كذلك أن شارح الإحياء الإمام الزبيدي قد وافق العراقي في غالب ما استعمل فيه لفظة «غريب» الاصطلاحية، هذه. ولكن تعقبه في بعض المواضع، حيث قال الغزالي: «وفي حديث آخر: ثلاث من أوتيهن فقد أوتي مثل ما أوتى آل داود: العدل، في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر، وخشية الله في السر والعلانية، فقال العراقي: غريب بهذا اللفظ، والمعروف ثلاث منجيات، فذكرهن بنحوه» (٥).

стр. 1566

وقد تعقبه الزبيدي بقوله: قلت: ليس بغريب؛ بل رواه هكذا الحكيم في النوادر، من حديث أبي هريرة (١). ومراده بالحكيم (الترمذي الحكيم) وبالنوادر: كتابه المعروف بنوادر الأصول. ويلاحظ أن هذا الكتاب من مصادر العراقي في كتابه هذا (٢) فلعله لم يراجعه في هذا الحديث، وقد عزا السيوطي وغيره الحديث إلى الحكيم في النوادر (٣). وفي موضع قال الغزالي: وفي حديث معاذ بن جبل ﵁ أن النبي ﷺ قال: إن العبد ليسأل يوم القيامة عن كل شيء، حتى عن كحل عينيه … (الحديث). فقال العراقي: لم أجد له إسنادا (٤). ثم كرر الغزالي الحديث في موضع آخر (٥) فأحال العراقي بتخريجه على حديث قبله قال عنه: لم أقف له على أصل (٦).

стр. 1567

وقد تعقب الزبيدي العراقي في الموضع الأول بقوله: قلت: بل رواه أبو نعيم في الحلية بلفظ: يا معاذ … (الحديث) وفيه: إن المؤمن ليسأل يوم القيامة عن جميع سعيه، حتى عن كحل عينيه (١) وفي الموضع الثاني أعاد الشارح تعقبه السابق مع بعض تصرف (٢) أقول: والحديث فعلا في الحلية لأبي نعيم، يرويه بسنده، في موضعين، من طرق عن معاذ، وأحد الموضعين باللفظ السابق ذكر الزبيدي له (٣) ويلاحظ أن كتاب الحلية أيضا من المصادر التي رجع العراقي إليها كثيرا في تخريجه هذا، فسبحان من لا يسهو، ولا يغفل. كما أن مما يؤيد كون العراقي لم يكن اعتماده في هذا التخريج على عمل رفيقه وتلميذه الهيثمي في ترتيب أحاديث الكتب أو جمع زوائدها، كما تقدم ذكر ذلك والجواب عنه. لأن كتاب «الحلية» قد قام الهيثمي بتجريد أحاديثه ثم ترتيبها على الأبواب، وكان العراقي هو الذي يوجهه في ذلك وغيره من مؤلفاته كما تقدم في ترجمته ضمن تلاميذ العراقي. فكان مقتضى استعانة العراقي بعمل الهيثمي في هذا، أن يحصل منه على تلك الرواية المسندة للحديث في موضعين من الحلية، كما تقدم، بدلا من نفيه الجازم بأنه لم يجد لها إسنادا، كما سبق ذكره.

стр. 1568

بيان العراقي لما لم يجد له أصلا من أحاديث الإحياء تحليلا ومقارنة ونقدا قال العراقي في مقدمة كتابه هذا «وأبين ما ليس له أصل في كتب الأصول (١)» ومعنى هذا أنه جعل من عناصر منهجه في الكتاب الاعتناء ببيان هذا النوع مما ذكر في «الإحياء» على أنه حديث. وقد سبق العراقي غير واحد من الأئمة المعتبرين - حتى عصره - في استعمال عبارة «لا أصل له» أو «ليس له أصل» في نقد الأحاديث، وتمييز المردود منها من المقبول. فاستعملها الإمام البخاري في وصف حديث إسناده منكر، فقال: هذا لا أصل له (٢) ونقل ذلك العراقي عنه في تخريجه هذا (٣). وكذلك الترمذي ذكر حديث قتادة عن أنس في النهي عن أن ينتعل الرجل وهو قائم، وقال: إنه لا يصح عند أهل الحديث، ولا نعرف لحديث قتادة عن أنس أصلا (٤). وعبارة العراقي السابق التي ذكرها في مقدمة الكتاب فيها إجمال؛ حيث لم يبين مراده بـ «الأصل» في قوله: «ليس له أصل» ولا مراده بكتب الأصول التي يقرر أن الحديث ليس له أصل فيها.

стр. 1569

وهذا الإجمال لا يتضح تفصيله إلا بمراجعة صنيع العراقي عمليا خلال الكتاب، في كافة المواضع التي استعمل فيها هذا الاصطلاح. وقد وفقني الله تعالى لمراجعة تلك المواضع كلها، بعون منه ، فاستبان لي ما يلي: - ١ - أن عبارتي: «لا أصل له» و «ليس له أصل» قد استعملهما العراقي مطلقين، واستعملهما مقيدين، والأكثر هو الاستعمال المقيد. ومراده «بالأصل» في حالة الإطلاق يتنوع تبعا للسياق، فتارة يظهر أن مراده به «الإسناد»، وهذا هو الكثير، وتارة يظهر أن مراده: المتن، وتارة يظهر أن مراده السند والمتن معا. فيكون معنى: «ليس له أصل» إما: ليس له إسناد مطلقا، وإما: له إسناد؛ ولكنه منكر، أو موضوع أو شديد الضعف (١) وإما أنه لم يوقف له على سند ولا متن باعتباره حديثا. ويتحدد المقصود من ذلك بقرينة السياق، والموضع المذكور فيه العبارة كما سيأتي. ولكل من تلك الإطلاقات وجه، فبالنسبة للإسناد، يعتبر هو الأصل الذي يخرج الحديث منه، ويعتمد على حلقاته في القبول أو الرد، فإذا لم يوجد للحديث إسناد مطلقا يمكن وصفه بأنه: ليس له أصل، وقد جاء ما يؤيد كون الإسناد هو أصل الحديث عن جماعة من أئمة النقد والرواية،

стр. 1570

كالزهري وابن عيينة وحماد بن زيد، وابن المبارك، وأبي سعيد الحداد، وغيرهم (١). وأيضا إذا وجد للحديث سند، ولكن وجد فيه، أو في المتن، أو فيهما، ما يقتضي النكارة أو الوضع، أو شدة الضعف، فيمكن وصفه بأنه ليس له أصل، وقد تقدم إطلاق البخاري والترمذي الوصف على ما له إسناد، ولكنه منكر لا يصح، ومن باب أولى إذا لم يوقف للحديث على سند ولا متن باعتباره حديثا. وعليه، فعندما يوصف الحديث في هذا التخريج بأنه «ليس له أصل» بدون قيد يوضح المراد، فإنه ينظر في السياق الوارد فيه وصف الحديث بهذا، ويحدد على أساسه مقصود العراقي بأنه لا أصل له. أما إذا قيد العراقي الوصف بقيد معين مثل قوله: ليس له أصل في الحديث المرفوع (٢) أو لم أجد له أصلا بهذا اللفظ (٣) فيكون المقصود ما أفاده القيد المذكور. ٢ - أن مراد العراقي بكتب الأصول في عبارته التي ذكرها في المقدمة، يعني الكتب التي يذكر فيها الحديث مرويا بسند مؤلفه، سواء كان الإسناد مقبولا أم مردودا، كما سيتضح من الأمثلة الآتية بعد.

стр. 1571

٣ - من الأمثلة التي يدل سياقها على أن المقصود «بالأصل» هو الإسناد، ما ذكره الغزالي بقوله: وفي خبر آخر: إن الأطفال يجتمعون في موقف القيامة عند عرض الخلائق للحساب .. فذكر الخبر مطولا. فقال العراقي: لم أجد له أصلا يعتمد عليه (١) وقد ذكر الشارح قول العراقي هذا، دون تعقب، وذكر أن صاحب قوت القلوب - وهو أبو طالب المكي - أورد الحديث بطوله، وقال في بدايته: وروينا في خبر غريب … وساقه. فبهذا يتضح أن المتن قد ذكر عند صاحب القوت على أنه خبر مروي، ولكن لم يذكر له إسنادا، فيحمل قول العراقي السابق عن الحديث، على أنه لم يجد له إسنادا. وذكر الغزالي من الحديث القدسي: لقد طال شوق الأبرار إلى لقائي (الحديث). فقال العراقي: لم أجد له أصلا، إلا أن صاحب الفردوس خرجه من حديث أبي الدرداء، ولم يذكر له ولده في مسند الفردوس إسنادا (٢). وذكر الشارح قول العراقي هذا، وأقره (٣). فمقصود العراقي هنا كما ترى أنه لم يجد للحديث إسنادا، مطلقا، وإن كان وجد متنه، في كتاب الفردوس على أنه حديث من رواية أبي الدرداء، مرفوعا (٤).

стр. 1572

وذكر الغزالي من حديث جابر ﵁: كان إبليس أول من ناح، وأول من تغنى. فقال العراقي: لم أجد له أصلا من حديث جابر، وذكره صاحب الفردوس من حديث علي بن أبي طالب، ولم يخرجه ولده في مسنده (١). وقد ذكر الشارح قول العراقي هذا، ثم أتبعه بقول تلميذ العراقي الحافظ ابن حجر بعد عزو الحديث نفسه إلى أبي شجاع الديلمي في الفردوس: لم أقف له على أصل، ولا ذكر له ولده أبو منصور في مسنده سندا (٢) فاتفق قول الحافظ ابن حجر مع شيخه العراقي كما ترى على أن المراد بالأصل هنا هو الإسناد. ثم ذكر الشيخ الألباني الحديث، وكلام العراقي عنه بكامله، وقرر على أساسه: أن الحديث لا أصل له (٣). ومما يحمل فيه المقصود «بالأصل» على المتن ولو كان له سند: أن الغزالي ذكر حديث ابن عباس: إن لله ملكا على بيت المقدس ينادي كل ليلة: من أكل حراما لم يقبل منه صرف ولا عدل. فقال العراقي: لم أقف له على أصل، ولأبي منصور الديلمي في مسند الفردوس، من حديث ابن مسعود: من أكل لقمة من حرام، لم تقبل منه صلاة أربعين ليلة (الحديث) وهو منكر (٤).

стр. 1573

وقد ذكر الشارح قول العراقي وأقره (١) وذكر الحافظ ابن حجر أنه رأى حديث ابن مسعود هذا عند الديلمي من طريق حامد الهروى عن الفضل بن عبيد الله اليشكرى عن مالك بن سليمان - يعني الهروى قاضى هراة - بسند صحيح إلى ابن مسعود. ثم قال: لا يُعرف إلا من رواية الفضل عن مالك بن سليمان، وقال إنه حديث منكر (٢) يعني لتفرد الفضل به عن مالك بن سليمان، وكلاهما ضعفه غير واحد، ووصف الفضل بأنه يروى العجائب، ومالك بن سليمان بأنه يروى مناكير (٣) وبذلك لم ينفع الحديث صحة السند من فوقهما إلى ابن مسعود. فمن ذلك ترى أن العراقي ذكر في معنى الحديث المطلوب تخريجه رواية مسندة، ووصفها بالنكارة، ووافقه على ذلك تلميذه ابن حجر، فصار ذكره لهذه الرواية المسندة قرينة تدل على أن قوله عن رواية ابن عباس المطلوب تخريجها: «لم أقف لها على أصل» مقصود به متنها الذي ذكره الغزالي؛ لأن ما في معناها، وإن كان منكرا، قد وجد له إسناد. ومثال ما يُحمل الوصف فيه على السند والمتن معًا، بدليل السياق: - أن الغزالي ذكر عن النبى ﷺ مثال: إن لي حرفتين اثنتين، فمن أحبهما فقد أحبنى، ومن أبغضهما فقد أبغضني: الفقر والجهاد. فقال: العراقي: لم أجد له أصلا (٤).

стр. 1574

فهذا السياق يدل على أن العراقي لم يجد لهذا الحديث ذِكرا، لا بإسناد، ولا بدون إسناد، وقد أقره الشارح على هذا (١). ولذلك قد يقرن العراقي عبارة «لا أصل له» بوصف «البطلان» دون إشارة إلى وجود سند للحديث، أو ذكر لمتنه، ولو بدون سند في أي مصدر. فقد قال الغزالي: روى أن رسول الله ﷺ كان يطوف بالبيت، فإذا رجل متعلق بأستار الكعبة (الحديث مطول، في ذم البخيل). فقال العراقي: الحديث بطوله، باطل لا أصل له (٢) ووافقه الشارح (٣). وقد يقرن الوصف بالبطلان بعبارة «لا أصل له»، لما يكون له سند، ولكنه محكوم بوضعه، حتى من العراقي نفسه في موضع آخر من تخريجه هذا. فقد ذكر الغزالي أن رسول الله ﷺ قال: يا أبا هريرة، أتريد أن تكون رحمة الله عليك حيا وميتا … ؟ (الحديث). فقال العراقي: هذا باطل، لا أصل له (٤). وقد علق الشارح عقب ذكر كلام العراقي هذا بقوله: قلت: هذا الحديث من جملة الأحاديث التي يقول فيها: يا أبا هريرة، افعل كذا وكذا، يا أبا هريرة لا تفعل كذا وكذا، والنسخة بتمامها حكموا بوضعها، ثم قال: وقد مر من هذه النسخة حديث: فضل التهليل، نبهنا هناك على وضعه (٥).

стр. 1575

أقول: وحديث التهليل هذا الذي أشار الشارح إليه، قد ذكره الغزالى في صدر حديث طويل: أن النبي ﷺ قال: يا أبا هريرة: إن كل حسنة تعملها توزن يوم القيامة، إلا شهادة أن لا إله إلا الله (الحديث)، فقال العراقي: وصية أبي هريرة هذه موضوعة، ثم خرج آخر الحديث من مصادر أخرى (١) وأقره الشارح (٢) فصار المأخوذ من مجموع كلام العراقي عن الحديث في الموضعين: أنه يطلق عبارة (لا أصل له) على ما له سند، ولكنه موضوع، ويعرف ذلك من قرينة الموضع الذي يذكر فيه ذلك، حيث قرن عبارة «لا أصل له»، بوصف البطلان كما ترى، ثم عُرف أن الحديث مذكور ضمن نسخة موضوعة، كما بينه الشارح. أما ما وصفه العراقي بأنه لا أصل له مع تقييد ذلك ببعض القيود التي توضح مقصوده فهذا هو الأكثر كما قدمت، وقد سبق ذكرى لبعض الأمثلة، فأكتفي هنا بمثال آخر حيث قال الغزالي: إنه ﷺ كان يأكل البطيخ بالخبز وبالسكر. فقال العراقي بعد الكلام على الخبز: وأما أكل البطيخ بالسكر؛ فإن أريد بالسكر: نوع من التمر والرطب مشهور، فهو الحديث الآتي بعده - يعني حديث أكل البطيخ بالرطب - وإن أريد به: السكر الذي هو «الطَّبَرْزَد» - يعني السكر الأبيض الصُّلْب (٣) فلم أر له أصلا، إلا في حديث منكر معضل، رواه أبو عمر النوقاني في كتاب البطيخ، من رواية محمد بن علي بن الحسين: أن

стр. 1576

النبي ﷺ أكل بطيخا بسكر. وفيه موسى بن ابراهيم المروزي، كذبه يحيى ابن معين (١) وقد أقره الشارح (٢). فيلاحظ أن العراقي في هذا الموضع لم يطلق القول بأنه: «لم ير للحديث أصلا» ولكن قيده بما ذكره فيلاحظ أن العراقي في هذا الموضع لم يطلق القول بأنه: «لم ير للحديث أصلا» ولكن قيده بما ذكره في بقية كلامه، وهو أنه وجد له أصلا منكر المتن، ومعلول الإسناد، وتسميته لهذا أصلا، يؤيد ما قدمته من أنه قد يقصد بالأصل ما له إسناد ولو كان معلولا بما يصل لدرجة الوضع، كما يفيده مجموع الأقوال في موسى بن ابراهيم المروزي الذي في سند هذا الحديث (٣)، ويؤيد هذا المثال أيضا ما قدمته من أنه يريد بكتب الأصول: كل ما روى فيه الحديث بإسناد مؤلفه، سواء كان إسنادا مقبولا أم مردودا. ٤ - إن حكم العراقي على الحديث بأنه ليس له أصل، إنما هو باعتبار مبلغ علمه هو، وما أداه إليه بحثه وتنقيبه بأقصى وسعه فيما أتيح له من المصادر العديدة، كما أشرت في مبحث مصادره. ولذلك نجده خلال هذا التخريج يكثر من التقييد بهذا، فيقول: لم أجد له أصلا (٤).

стр. 1577

أو: لم أقف له على أصل (١). أو: لم أر له أصلا (٢) وعليه فإن عبارته المطلقة في مقدمة الكتاب بقوله: وأبين ما ليس له أصل (٣)، وقوله كذلك خلال الكتاب عن عدد من الأحاديث: لا أصل له (٤) دون تقييد، فيحمل هذا الإطلاق على ما قيده بمبلغ علمه وغاية ما أمكنه هو الوقوف عليه. وقد مر في مبحث ما قال: إنه لم يجده، تعقبه ببعض ما هو موجود في بعض المصادر التي رجع إليها مرارًا في غير الحديث المتعقب. وبذلك فإنه لا لوم عليه فيما وصفه بأنه لا أصل له، مع الإطلاق أو التقييد، ثم بحث غيره عنه، فوجده، أو وجد أصله الذي يفيد معناه العام، أو وجد بعضه، ولو في بعض المصادر التي يكون العراقي قد رجع إليها في هذا الكتاب، في بعض الأحاديث الأخرى، لأنه وقف عند مبلغ علمه، ومن وقف عند مبلغ علمه فقد أنصف. وستأتي بعض الأمثلة لما يتعقب فيه العراقي، ومنها موضع تيسر لشخصي الضعيف الوقوف عليه في أحد مصادر العراقي المتكررة في هذا التخريج، ولكنه قال: لم أجد له أصلا، ولم أجد من تعقبه في ذلك غيري. ٥ - إن المواضع التي يصف العراقي الحديث المطلوب فيها بأنه لم يقف له على أصل، قد يذكر بديلا عنه أو عن بعضه حسب فهمه هو لمعنى الحديث.

стр. 1578

المطلوب، وقد يكون البديل الذي يذكره ضعيفا ضعفا غير شديد، وقد يكون صحيحا. فقد ذكر الغزالي عن معاذ بن جبل ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: إن الله حف الإسلام بمكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ومن ذلك حسن المعاشرة .. (الحديث) وعدد فيه أكثر من أربعين خصلة. فقال العراقي: الحديث بطوله، لم أقف له على أصل، ويغنى عنه حديث معاذ الآتي بعده بحديث (١) وحديث معاذ الآخر الذي أحال عليه العراقي قد ذكره الغزالي فعلا بعد هذا بحديث، وفيه: أنه ﷺ قال: يا معاذ: إني أوصيك … وذكر كذلك نحو أربعين خصلة بنحو ما ذُكر في الحديث السابق، وقد خرجه العراقي بالعزو إلى أبي نعيم في الحلية، والبيهقى في الزهد، ثم أحال به على موضع آخر تقدم، وبالرجوع إليه وجدت العراقي زاد عزوه إلى الخرائطى في مكارم الأخلاق، ثم قال: وإسناده ضعيف (٢) وقد لا يذكر العراقي البديل عما لم يجد له أصلا، وإنما يذكر ما يعارضه، وكأنه بهذا يؤكد عدم وجود أصل للحديث، بذكر ما يرده أو يخالفه. فقد قال الغزالي: وقال سفيان الثورى: يستحب أن يصلى بعد عيد الفطر اثنتى عشرة ركعة، وبعد عيد الفطر ست ركعات، وقال: هو من السنة. فقال العراقي: لم أجد له أصلا في كونه سنة، وفي الحديث الصحيح ما يخالفه، وهو أنه ﷺ : لم يصل قبلها، ولا بعدها، ثم ذكر أن قول تابعي

стр. 1579

التابع، كالثوري: من السنة كذا، يعتبر مقطوعا (١). وفي موضع آخر ذكر الغزالي أنه جاءه أعرابي وهو ﷺ متغير اللون … (الحديث) وفيه كون المسيح الدجال يأتى الناس بالثريد وقد هلكوا جوعا. فقال العراقي: هو حديث منكر، لم أقف له على أصل، ويرده قوله ﷺ في حديث المغيرة بن شعبة المتفق عليه حين سأله ﷺ عما يقال: إن المسيح الدجال معه جبل خبز ونهر ماء، قال: هو أهون على الله من ذلك، وفي رواية لمسلم أنهم يقولون: إن معه جبالا من خبز ولحم، الحديث، نعم في حديث حذيفة وأبي مسعود المتفق عليهما: أن معه ماء ونار (الحديث) (٢). ٦ - قد يكون غير العراقي قال عن الحديث الوارد في الإحياء: إنه ليس له أصل، أو إنه لم يجد له أو لبعضه إسنادا، مع الإطلاق أو التقييد بأمر معين. وقد وجدت موقف العراقي من ذلك متنوعا: - أ - فتارة ينقل قول غيره، من المتقدمين أو المتأخرين - حتى عصره، ولا يتعقبه، وبذلك يعتبر موافقا لغيره على هذا. فقد ذكر الغزالي أن الرسول ﷺ قال: ومن سر أخاه المؤمن فقد سر الله تعالى. فقال العراقي: وروى ابن حبان والعقيلي في الضعفاء من حديث أبي بكر الصديق: من سر مؤمنا فإنما سر الله (الحديث)، قال العقيلي: باطل لا أصل له (٣)

стр. 1580

وقد أخرج العقيلي الحديث بسنده (١). ولم يتعقب العراقي قول العقيلي هذا بشيء، وكذلك الزبيدي (٢). وذكر الغزالي أيضا أن الرسول ﷺ قال: عليكم بدين العجائز. فقال العراقي: قال ابن طاهر في كتاب التذكرة: هذا اللفظ تداوله العامة، ولم أقف له على أصل يرجع إليه من رواية صحيحة ولا سقيمة، حتى رأيت حديثا لمحمد بن عبد الرحمن بن البيلماني عن ابن عمر عن النبي ﷺ إذا كان في آخر الزمان واختلفت الأهواء، فعليكم بدين أهل البادية والنساء، وابن البيلماني له عن أبيه عن ابن عمر نسخة كان يتهم بوضعها. انتهي. ثم قال العراقي: وهذا اللفظ من هذا الوجه رواه ابن حبان في الضعفاء في ترجمة ابن البيلماني، والله أعلم (٣). ويلاحظ أن العراقي أقر ابن طاهر على ما ذكره، وأضاف بيان تخريج ابن حبان للحديث بسنده في كتابه المجروحين، وهذا يؤيد ما قدمته من إطلاق وصف «لا أصل له» على الحديث، ولو كان له إسناد، لكن في رواته من نُسب إلى وضع الحديث مثل محمد بن البيلماني في الحديث المذكور. وقد اتفق التاج ابن السبكي مع العراقي في إقرار قول ابن طاهر عن هذا الحديث (٤).
следующие страницы →