← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 30167

الحافظ العراقي وأثره في السنة

أحمد بن معبد عبد الكريم

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

النبي ﷺ أكل بطيخا بسكر. وفيه موسى بن ابراهيم المروزي، كذبه يحيى ابن معين (١) وقد أقره الشارح (٢). فيلاحظ أن العراقي في هذا الموضع لم يطلق القول بأنه: «لم ير للحديث أصلا» ولكن قيده بما ذكره فيلاحظ أن العراقي في هذا الموضع لم يطلق القول بأنه: «لم ير للحديث أصلا» ولكن قيده بما ذكره في بقية كلامه، وهو أنه وجد له أصلا منكر المتن، ومعلول الإسناد، وتسميته لهذا أصلا، يؤيد ما قدمته من أنه قد يقصد بالأصل ما له إسناد ولو كان معلولا بما يصل لدرجة الوضع، كما يفيده مجموع الأقوال في موسى بن ابراهيم المروزي الذي في سند هذا الحديث (٣)، ويؤيد هذا المثال أيضا ما قدمته من أنه يريد بكتب الأصول: كل ما روى فيه الحديث بإسناد مؤلفه، سواء كان إسنادا مقبولا أم مردودا. ٤ - إن حكم العراقي على الحديث بأنه ليس له أصل، إنما هو باعتبار مبلغ علمه هو، وما أداه إليه بحثه وتنقيبه بأقصى وسعه فيما أتيح له من المصادر العديدة، كما أشرت في مبحث مصادره. ولذلك نجده خلال هذا التخريج يكثر من التقييد بهذا، فيقول: لم أجد له أصلا (٤).

стр. 1577

أو: لم أقف له على أصل (١). أو: لم أر له أصلا (٢) وعليه فإن عبارته المطلقة في مقدمة الكتاب بقوله: وأبين ما ليس له أصل (٣)، وقوله كذلك خلال الكتاب عن عدد من الأحاديث: لا أصل له (٤) دون تقييد، فيحمل هذا الإطلاق على ما قيده بمبلغ علمه وغاية ما أمكنه هو الوقوف عليه. وقد مر في مبحث ما قال: إنه لم يجده، تعقبه ببعض ما هو موجود في بعض المصادر التي رجع إليها مرارًا في غير الحديث المتعقب. وبذلك فإنه لا لوم عليه فيما وصفه بأنه لا أصل له، مع الإطلاق أو التقييد، ثم بحث غيره عنه، فوجده، أو وجد أصله الذي يفيد معناه العام، أو وجد بعضه، ولو في بعض المصادر التي يكون العراقي قد رجع إليها في هذا الكتاب، في بعض الأحاديث الأخرى، لأنه وقف عند مبلغ علمه، ومن وقف عند مبلغ علمه فقد أنصف. وستأتي بعض الأمثلة لما يتعقب فيه العراقي، ومنها موضع تيسر لشخصي الضعيف الوقوف عليه في أحد مصادر العراقي المتكررة في هذا التخريج، ولكنه قال: لم أجد له أصلا، ولم أجد من تعقبه في ذلك غيري. ٥ - إن المواضع التي يصف العراقي الحديث المطلوب فيها بأنه لم يقف له على أصل، قد يذكر بديلا عنه أو عن بعضه حسب فهمه هو لمعنى الحديث.

стр. 1578

المطلوب، وقد يكون البديل الذي يذكره ضعيفا ضعفا غير شديد، وقد يكون صحيحا. فقد ذكر الغزالي عن معاذ بن جبل ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: إن الله حف الإسلام بمكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ومن ذلك حسن المعاشرة .. (الحديث) وعدد فيه أكثر من أربعين خصلة. فقال العراقي: الحديث بطوله، لم أقف له على أصل، ويغنى عنه حديث معاذ الآتي بعده بحديث (١) وحديث معاذ الآخر الذي أحال عليه العراقي قد ذكره الغزالي فعلا بعد هذا بحديث، وفيه: أنه ﷺ قال: يا معاذ: إني أوصيك … وذكر كذلك نحو أربعين خصلة بنحو ما ذُكر في الحديث السابق، وقد خرجه العراقي بالعزو إلى أبي نعيم في الحلية، والبيهقى في الزهد، ثم أحال به على موضع آخر تقدم، وبالرجوع إليه وجدت العراقي زاد عزوه إلى الخرائطى في مكارم الأخلاق، ثم قال: وإسناده ضعيف (٢) وقد لا يذكر العراقي البديل عما لم يجد له أصلا، وإنما يذكر ما يعارضه، وكأنه بهذا يؤكد عدم وجود أصل للحديث، بذكر ما يرده أو يخالفه. فقد قال الغزالي: وقال سفيان الثورى: يستحب أن يصلى بعد عيد الفطر اثنتى عشرة ركعة، وبعد عيد الفطر ست ركعات، وقال: هو من السنة. فقال العراقي: لم أجد له أصلا في كونه سنة، وفي الحديث الصحيح ما يخالفه، وهو أنه ﷺ : لم يصل قبلها، ولا بعدها، ثم ذكر أن قول تابعي

стр. 1579

التابع، كالثوري: من السنة كذا، يعتبر مقطوعا (١). وفي موضع آخر ذكر الغزالي أنه جاءه أعرابي وهو ﷺ متغير اللون … (الحديث) وفيه كون المسيح الدجال يأتى الناس بالثريد وقد هلكوا جوعا. فقال العراقي: هو حديث منكر، لم أقف له على أصل، ويرده قوله ﷺ في حديث المغيرة بن شعبة المتفق عليه حين سأله ﷺ عما يقال: إن المسيح الدجال معه جبل خبز ونهر ماء، قال: هو أهون على الله من ذلك، وفي رواية لمسلم أنهم يقولون: إن معه جبالا من خبز ولحم، الحديث، نعم في حديث حذيفة وأبي مسعود المتفق عليهما: أن معه ماء ونار (الحديث) (٢). ٦ - قد يكون غير العراقي قال عن الحديث الوارد في الإحياء: إنه ليس له أصل، أو إنه لم يجد له أو لبعضه إسنادا، مع الإطلاق أو التقييد بأمر معين. وقد وجدت موقف العراقي من ذلك متنوعا: - أ - فتارة ينقل قول غيره، من المتقدمين أو المتأخرين - حتى عصره، ولا يتعقبه، وبذلك يعتبر موافقا لغيره على هذا. فقد ذكر الغزالي أن الرسول ﷺ قال: ومن سر أخاه المؤمن فقد سر الله تعالى. فقال العراقي: وروى ابن حبان والعقيلي في الضعفاء من حديث أبي بكر الصديق: من سر مؤمنا فإنما سر الله (الحديث)، قال العقيلي: باطل لا أصل له (٣)

стр. 1580

وقد أخرج العقيلي الحديث بسنده (١). ولم يتعقب العراقي قول العقيلي هذا بشيء، وكذلك الزبيدي (٢). وذكر الغزالي أيضا أن الرسول ﷺ قال: عليكم بدين العجائز. فقال العراقي: قال ابن طاهر في كتاب التذكرة: هذا اللفظ تداوله العامة، ولم أقف له على أصل يرجع إليه من رواية صحيحة ولا سقيمة، حتى رأيت حديثا لمحمد بن عبد الرحمن بن البيلماني عن ابن عمر عن النبي ﷺ إذا كان في آخر الزمان واختلفت الأهواء، فعليكم بدين أهل البادية والنساء، وابن البيلماني له عن أبيه عن ابن عمر نسخة كان يتهم بوضعها. انتهي. ثم قال العراقي: وهذا اللفظ من هذا الوجه رواه ابن حبان في الضعفاء في ترجمة ابن البيلماني، والله أعلم (٣). ويلاحظ أن العراقي أقر ابن طاهر على ما ذكره، وأضاف بيان تخريج ابن حبان للحديث بسنده في كتابه المجروحين، وهذا يؤيد ما قدمته من إطلاق وصف «لا أصل له» على الحديث، ولو كان له إسناد، لكن في رواته من نُسب إلى وضع الحديث مثل محمد بن البيلماني في الحديث المذكور. وقد اتفق التاج ابن السبكي مع العراقي في إقرار قول ابن طاهر عن هذا الحديث (٤).

стр. 1581

أما السخاوي والزبيدي، فحاولا إثبات أصل للحديث بما لا ينهض، والأكثر على ما أقره العراقي وابن السبكي (١). وقال الغزالي: قال نبينا ﷺ : احذروا الدنيا، فإنها أسحر من هاروت وماروت. فذكر العراقي تخريجه بالعزو إلى ابن أبي الدنيا، والبيهقي في الشعب من طريقه، من رواية أبي الدرداء الرهاوي، مرسلا، وقال البيهقي: إن بعضهم قال: عن أبي الدرداء عن رجل من الصحابة، قال الذهبي: لا يدرى من أبو الدرداء، قال: وهذا منكر لا أصل له (٢) وقد أقر العراقي الذهبي على هذا، فلم يتعقبه بشيء، وكذلك أقرهما الزبيدي (٣) والحافظ ابن حجر في اللسان ٦/¬٤٤ ترجمة (٤١٦). وقد نقل الشيخ الألباني كلام العراقي كاملا بما فيه ما نقله عن الذهبي، وأتبعه بإقرار الحافظ في اللسان، وأقر الجميع، وجزم بأن الحديث: منكر لا أصل له (٤).

стр. 1582

ب - وتارة يذكر العراقي قول غيره عن الحديث بأنه لم يجد له أصلا، أو أنه غير معروف، ثم يتعقب ذلك بذكر ما يرى أنه يمكن اعتباره أصلا للحديث معروفا. فقد ذكر الغزالي: أنه ﵊ قال: ادَّهِنُوا غِبًا. فقال العراقي: قال ابن الصلاح: لم أجد له أصلا، وقال النووي: غير معروف، ثم أتبع ذلك قائلا: وعند أبي داود والترمذي والنسائي من حديث عبد الله بن مغفل: النهي عن الترجل إلا غبا، بإسناد صحيح (١). وقد أقر الزبيدي العراقي على ذلك (٢). وتقرير العراقي أن حديث عبد الله بن مغفل هذا يصلح أصلا للفظ الحديث الوارد في الإحياء، يعتبر استنباطا فقهيا منه، على ضوء ما يستفاد من تضمن النهي عن الشيء أمراً بضده، أو بأحد أضداده (٣) وقد بوب النسائي على حديث ابن مغفل ونحوه فقال: «الترجل غبا (٤)». وذكر الغزالي أيضا حديث: الصلاة عماد الدين، فمن تركها فقد هدم الدين.

стр. 1583

فخرجه العراقي بالعزو إلى البيهقي في الشعب بسند ضَعَّفَه، من حديث عمر، قال الحاكم: عكرمة لم يسمع من عمر، قال البيهقي: أُراه ابن عمر. ثم قال العراقي: ولم يقف عليه ابن الصلاح فقال في مشكل الوسيط: إنه غير معروف (١). وقد أقر الشارح العراقي على ذلك (٢) وبمراجعة لفظ الحديث عند البيهقي يتضح أنه مقارب لما ذكر في الإحياء، كما قدمته (٣). وكذلك وافق الزيلعي رفيقه العراقي في تخريج الحديث بالعزو إلى شعب الإيمان للبيهقي، والكلام عليه بنحو ما تقدم، وأضاف عزوه لأبي القاسم الأصبهاني في الترغيب والترهيب من حديث على ﵁، مختصرًا بلفظ «الصلاة عماد الإسلام» وذكر أن في سنده الحارث (يعني الأعور) ضعيف جدا، ثم قال: وذهل ابن الصلاح في كتابه «مشكل الوسيط» فقال: «إن هذا الحديث غير صحيح ولا معروف». فقد روى من وجهين كما بيناه، وكأنه لم يظفر به أصلا (٤). أما السخاوي فأضاف: أن النووي قال في التنقيح عن هذا الحديث: إنه منكر باطل (٥).

стр. 1584

وفيما تقدم رد لقول ابن الصلاح: إن الحديث غير معروف، ورد لقول النووي هذا بأنه منكر باطل. أما قول ابن الصلاح إنه حديث غير صحيح، فمسلم له، ولعل هذا ما جعل العراقي يقتصر من كلام ابن الصلاح على قوله: إن الحديث غير معروف، لأنه هو الذي يتعقب فيه بما تقدم من وجود الحديث بنحوه، وبشطره الأول، وإن كان إسناد الروايتين مضعف كما تقدم. ج - وأكثر ما لاحظت، هو اختلاف العراقي مع معاصره التاج ابن السبكي، في بيان ما لم يجد له إسنادا أو أصلا. فقد قدمت أن ابن السبكي عقد فصلا للكلام على أحاديث الإحياء، وقد أشار إليه مرة بقوله: وسنعقد فصلا للأحاديث المنكرة في كتاب الإحياء (١). ثم عنون الفصل نفسه بقوله: وهذا فصل جمعت فيه جميع ما وقع في كتاب (الإحياء) من الأحاديث التي لم أجد لها إسنادا (٢). وقد قدمت أن الأحاديث التي ذكرها ابن السبكي في هذا الفصل بحسب إحصائي لها تبلغ قرابة ألف حديث بالمكرر، ومقتضى عنوان الفصل المذكور، أن جميع الأحاديث التي أوردها ابن السبكي في هذا الفصل لم يجد لها أصلا؛ لكنه خلالها قد خرج نحو مائة حديث تخريجا إجماليا، وذلك بعزو بعضها كاملا، أو عزو بعض ألفاظها إلى مصدر أو أكثر من المصادر الحديثية، ومنها: الصحيحان والسنن الأربعة ومسند أحمد وغيرها.

стр. 1585

وقد يذكر الحديث ويقول عن بعض ألفاظه: غريب لا يعرف (١) أو: لم أجده (٢) ولكن لا يذكر المصدر الذي وجد فيه بقية الحديث، أو يقول عن حديث من فعله ﷺ : لم أجده إلا من قوله (٣) ولكن لا يذكر المصدر الذي وجد فيه قوله ﷺ . وقد يقول عن الحديث: لم أجده بهذا اللفظ (٤) أو لم أره بهذا اللفظ (٥) لكن لا يذكر مصدرًا لما وجده. وبقية الألف حديث وهي الأكثر، يوردها فقط دون تعليق، إشارة إلى دخولها تحت العنوان الأصلى الذي وضعه لهذا الفصل وهو: أنه لم يجد لذلك إسنادا. وقد أشار ابن السبكي إلى تخريج العراقي لأحاديث الإحياء بما يدل على اطلاعه عليه واستفادته منه، ومع ذلك لاحظت اختلافه مع العراقي في بيان ما لم يجد له إسنادا أو أصلا، فهناك عدد غير قليل ذكره ابن السبكي ضمن ما لم يجد له إسنادا، وقد وجد العراقي له أو لبعضه إسنادا، وخرجه بالعزو إلى ما تيسر له من المصادر، ولا سيما الصحيحين. فمن ذلك أن الغزالي ذكر في «الإحياء» أنه ﷺ قال: كلموا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟ (٦).

стр. 1586

فذكره ابن السبكي ضمن ما لم يجد له إسنادا (١). أما العراقي فخرجه في تخريجه الكبير والصغير، ففي الكبير ذكر أن البخاري أخرجه موقوفا على على ﵁، وقال العراقي: إن هذا الوقف - هو الصواب، بلفظ: حدثوا الناس، والباقى سواء، وهكذا رواه البيهقى في المدخل، بتقديم: «أتريدون؟» على «حدثوا». ورفعه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس، من طريق أبي نعيم، ثم قال: وسيأتي في آخر الباب الخامس من حديث ابن عمر موقوفا: أمرنا أن نكلم الناس على قدر عقولهم، أى قدر ما تحتمله عقولهم، وهو شاهد جيد، ويأتي الكلام عليه هناك اهـ (٢). أما في الصغير، فاكتفي بعزوه إلى البخاري موقوفا على على، ثم قال: ورفعه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس من طريق أبي نعيم (٣). والحديث أخرجه البخاري في صحيحه - فعلا - موقوفا على على ﵁ بلفظ: حدثوا الناس … والباقى سواء، كما ذكر العراقي (٤) كما أنه في الفردوس بنحوه (٥) وقد عز إليه ابن السبكي غير هذا الحديث (٦).

стр. 1587

فإيراده ﵀ الحديث ضمن ما لم يجد له إسنادا، مع وجوده مسندا في صحيح البخاري، فضلا عن غيره من المصدرين الآخرين، قصور ظاهر. أما عدم استفادته ذلك من تخريج العراقي، مع اطلاعه عليه، فلعل اطلاعه كان متأخرا عن زمن كتابته لهذا الفصل. وذكر الغزالي أن الرسول ﷺ كان يسمع كلام جبريل ﵇ ويشاهده، ومن حوله لا يسمعونه، ولا يرونه (١). فذكر ابن السبكي ذلك ضمن ما لم يجد له إسنادا (٢). أما العراقي فخرج الحديث بالعزو إلى البخاري ومسلم من حديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ يوما: يا عائشة، هذا جبريل يقرئك السلام، فقلت: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته، ترى ما لا أرى. ثم قال العراقي: قلت: وهذا هو الأغلب، وإلا فقد رأى جبريل جماعة من الصحابة، منهم: عمر، وابنه عبد الله، وكعب بن مالك، وغيرهم (٣) وقد نقل الشارح كلام العراقي بأكمله، ولم يتعقبه بشيء (٤) وما ذكرته عن المثال السابق يقال عن هذا المثال، بالنسبة لما يؤخذ على ابن السبكي ﵀. وأقتصر على هذين المثالين لظهورهما، وكفايتهما في الدلالة على أحقية العراقي فيما خالفه فيه ابن السبكي، ولقد جمعت ما يزيد على مائة موضع مما ذكره ابن السبكي ضمن ما لم يجد له إسنادا، ولكن العراقي خرج ذلك من

стр. 1588

مصدر أو أكثر من المصادر المسندة، ومنها مصادر مشهورة متداولة، مما رجع إليها ابن السبكي نفسه، في موضع آخر. ومثل هذا يدل بوضوح، على جهد العراقي الذي بذله في بيان الأصل - ولاسيما من المحتج به، لما قرر غيره أنه لم يجد له إسنادا، ولو معلولا. كما أن هذا الاختلاف الكثير من ابن السبكي يقتضينا أن ننتبه من يقف على فصله المذكور، أن لا يتابعه فيما قرر أنه لم يجد له إسنادا. حتى يقارن ذلك بما في تخريج الحافظ العراقي هذا، بالدرجة الأولى، وأيضا يبحث بنفسه في المصادر الأخرى حتى يتثبت من القول الراجح في وجود أصل للحديث من عدمه. ٧ - إن الإطلاق والتقييد في قول العراقي: «إنه لم يجد للحديث أصلا» يحتاج إلى الدقة في مراعاته عند إرادة الاستفادة منه، ونقله عن العراقي، وذلك لما يلي: - أ - فقد تكون عبارة العراقي في هذا التخريج المختصر مطلقة، ولكنها فيما نقل عن تخريجه الكبير مقيدة، فينبغي حمل ما أطلق في المختصر، على ما قيد في الكبير. فقد ذكر الغزالي عن حديث «طوبى للغرباء» أنه سئل: ومن الغرباء؟ فقال: هم المتمسكون بما أنتم عليه اليوم. فقال العراقي في تخريجه الكبير: لم أقف له على إسناد، إلا أن في أثناء حديث أبي الدرداء، وأبي أمامة، وواثلة، وأنس وفيما أخرجه الطبراني في الكبير، وأبو بكر الآجري في كتاب «صفة الغرباء» ذكر افتراق الأمم كلهم.

стр. 1589

على الضلالة، إلا السواد الأعظم، قالوا: وما السواد الأعظم؟ قال: من كان على ما أنا عليه وأصحابي (الحديث) (١) فقد قيد العراقي كما ترى، أن ما لم يقف له على إسناد، هو اللفظ المذكور في الإحياء، أما ما هو بمعناه فموجود في المصدرين المذكورين، وبذلك يعتبر معنى الحديث موجودًا بإسناده في المصدرين المذكورين. لكنه في التخريج المختصر قال عن الحديث باللفظ الوارد في الإحياء: لم أر له أصلا (٢) وفقط، فصارت عبارته مطلقة كما ترى، ومن يقتصر على الرجوع إلى المختصر وحده، يبقى نقله هكذا مطلقا، كما فعل الشيخ محمد أمين السويدى العراقي في كتابه «الموضوعات في الإحياء» (٣). ومن وقف على ما نقل عن تخريج العراقي الكبير يجد التقييد السابق، كما فعل الزبيدي في شرحه للإحياء (٤) ب - وأيضا فإن نسخ التخريج المختصر نفسه قد اختلفت في وجود الإطلاق والتقييد، فقد ذكر الغزالى حديث «إن المسجد لينزوى من النخامة، كما تنزوى الجلدة على النار» فجاء في المطبوع قول العراقي عن الحديث: لم أجد له أصلا (٥). أما في نسخة مكتبة طلعت الخطية (٨/ أ) وكذا نسخة الزبيدي جاء كلام

стр. 1590

العراقي هكذا: لم أر له أصلا في المرفوع، وإنما هو من قول أبي هريرة، رواه ابن أبي شيبة في مصنفه (١) وقد نقل الشيخ محمد أمين السويدى في كتابه السابق العبارة المطلقة، حسب النسخة التي أتيحت له من التخريج الصغير (٢). في حين نقل الزبيدي من النسخة التي ذُكر فيها التقييد كما قدمت. والحديث موجود فعلا في مصنف ابن أبي شيبة من طريقين، موقوفا على أبي هريرة (٣). أما ابن عراق فقد أود الحديث بنحوه في أثناء حديث مطول، وعزاه إلى أبي منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث أنس، مرفوعا، وعقب عليه بقوله: قلت: في سنده من لم أعرفه. ثم ذكر الرواية التي في الإحياء وعقب عليها بقوله: قال العراقي في تخريجه: لا أصل له مرفوعا، وإنما هو من قول أبي هريرة، والله أعلم (٤) فلعل نسخته هو الآخر من تخريج العراقي جاءت هكذا بذكر التقييد، دون ذكر مصدر الرواية الموقوفة على أبي هريرة. ج - وقد يرد الحديث في الإحياء مرة، فيخرجه العراقي، ثم يورده الغزالي مرة أخرى مع زيادة فيه عن الرواية الأولى، فيحكم العراقي على الثانية بأنها لا أصل لها بتلك الزيادة، فيسهو الناقل عن ذلك، ويعمم الحكم على الروايتين بأنهما لا أصل لهما.

стр. 1591

فقد ذكر الغزالي أنه ﷺ قال: (إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن) فخرجه العراقي بالعزو إلى أحمد - يعني مسنده - من حديث أبي هريرة في أثناء حديث بلفظ (وأجد نفس ربكم من قبل اليمن)، ورجاله ثقات (١). ثم كرر الغزالي الحديث مرة أخرى بعد هذا بكثير، وزاد فيه: أن الرسول ﷺ أشار بهذا الحديث إلى «أُويس القرني» ﵀. فقال العراقي: حديث: إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن، أشار به إلى أويس القرني، تقدم في قواعد العقائد، لم أجد له أصلا (٢) فقوله: لم أجد له أصلا، متجه إلى الرواية المشتملة على زيادة الإشارة بالحديث إلى أويس القرني، بدليل تخريجه السابق للحديث بدون تلك الزيادة. ولم يتنبه الشيخ على قارى إلى هذا، فذكر الرواية الخالية من الزيادة ضمن الأحاديث الموضوعة في كتابيه: الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة (٣)، و «المصنوع في معرفة الحديث الموضوع» (٤) وقال في الكتابين: قال العراقي: لم أجد له أصلا. ومِنْ بَعد القاري جاء الشيخ محمد بن علي الشوكاني، فذكر في كتابه «الفوائد المجموعة، في الأحاديث الموضوعة» الحديث بروايته الخالية من الزيادة أيضا، وقال: قال - يعني العراقي - في المختصر: لم أجده (٥) ولم

стр. 1592

يتنبه أحد ممن حقق الكتب الثلاثة إلى وهم كل من القاري والشوكاني في هذا، رغم ما ذكروا من التعليقات المفيدة على الحديث في حواشي الكتب الثلاثة. أما الإمام ابن السبكي فأورد الحديث في الفصل الذي عمله لبيان ما لم يجد له إسنادا من أحاديث «الإحياء» كما تقدم، وفي الموضع الأول الذي ذكر الغزالي الحديث فيه بدون الزيادة، عده ابن السبكي ضمن ما لم يجد له إسنادا (١) وفي الموضع الثاني الذي ذكر الغزالي فيه الحديث مع الزيادة، عده ابن السبكي ضمن ما لم يجد له إسنادا أيضا (٢). والصواب ما جرى عليه العراقي، كما قدمت من أن الحديث بدون الزيادة ثابت وله أصل كما في مسند أحمد وغيره (٣) ولكنه مع الزيادة لم يجد العراقي له أصلا، ولم أجد من تعقبه في ذلك. د - وقد يحدث اختصار أو تصرف في نقل كلام العراقي من تقييد، إلى إطلاق. فقد ذكر الغزالي أنه ﷺ قال: عند ذكر الصالحين تتنزل الرحمة. فقال العراقي: ليس له أصل في الحديث المرفوع، وإنما هو قول سفيان بن عيينة، كذا رواه ابن الجوزي في مقدمة صفة الصفوة (٤).

стр. 1593

ولم يتعقب الشارح العراقي في ذلك (١)، وكذلك السخاوي، مع إضافة قول شيخه ابن حجر: لا أستحضره مرفوعا، واعتبر ذلك في معنى قول شيخه العراقي السابق (٢). أما الشوكاني فأورد الحديث في كتابه «الفوائد المجموعة» مرتين: - الأولى في (كتاب الأدب وغيره) فقال: (حديث: إنها تنزل الرحمة عند ذكر الصالحين) قال العراقي وابن حجر: لا أصل له (٣). والمرة الثانية في خاتمة الكتاب ضم أحاديث متفرقة، فقال: حديث: عند ذكر الصالحين تنزل الرحمة. قال العراقي وابن حجر: لا أصل له في المرفوع وإنما هو من قول سفيان ابن عيينة (٤). فتلاحظ اختلاف نقل الشوكاني ﵀ لقول العراقي وابن حجر، من إطلاق إلى تقييد، في هذين الموضعين، من كتاب واحد، مع أن الثابت عنهما هو التقييد فقط، كما تقدم، فلذلك يلزم الانتباه والتثبت من نص عبارة العراقي في الإطلاق، والتقييد، حتى لا ينسب إليه ما لم يقله، خاصة في هذا الحكم الخطير الذي يترتب عليه اعتبار الحديث موضوعا، أو غير موضوع، أو مرفوعا إلى الرسول ﷺ أو غير مرفوع، بحسب مبلغ علم

стр. 1594

العراقي وغاية بحثه (١). ٨ - بعض ما يذكره الغزالي على أنه حديث ولا يجد العراقي له إسنادًا، يكون معناه صحيحًا في الواقع، فيبين العراقي ذلك للتنبيه على أنه ليست العبرة بسلامة معنى المتن فقط، وإنما لابد مع ذلك أن يثبت له إسناد أيضًا، برفعه صراحة أو حكمًا إلى الرسول ﷺ . فقد ذكر الغزالي أن أنسا ﵁ قال: فلم يَدَعْ - يعني الرسول ﷺ نصيحة جميلة إلا وقد دعانا إليها، وأمرنا بها، ولم يدع غِشًّا أو قال: عيبا، أو قال: شَيْئًا، إلا حَذَّرْناه، ونهانا عنه. فقال العراقي: لم أقف له على إسناد، وهو صحيح من حيث الواقع (٢). وقد أقر الزبيدي العراقي على ذلك (٣). ٩ - سبق بياني لما قال العراقي عنه من أحاديث الإحياء: «إنه لم يجده» أو «لم يره» أو «لم يقف عليه» مع الإطلاق أو التقييد، وقد لاحظت أنه يقول عن الحديث الواحد، مرة: «لم أجده» ومرة «لا أصل له»، فأفاد ذلك أن استعماله للعبارتين من تنويع العبارة، فقط، ومراده بهما واحد. فقد قال الغزالي: قال ﷺ : أفضل الأعمال ما أكرهت عليه النفوس.

стр. 1595

فقال العراقي: لا أصل له مرفوعا، وإنما هو من قول عمر بن عبد العزيز، هكذا رواه ابن أبي الدنيا في كتاب محاسبة النفس (١). ثم كرر الغزالي الحديث بعد هذا، فقال العراقي: تقدم، ولم أجده مرفوعا (٢)؟ ٩ - إن العراقي كما اختلف مع من سبقه أو عاصره في ما لم يجدوا له إسنادا أو أصلا من الأحاديث، وتعقب خلال تخريجه هذا غير واحد في ذلك كما قدمت، أيضا قد تعقبه غير واحد بذكر ما يعتبر أصلا لما قرر هو أنه لم يجد له أصلا، فقد قال الغزالي: قال ﷺ : «الوضوء على الوضوء نور على نور». فقال العراقي: لم أجد له أصلا (٣). وذكر السخاوي الحديث، ثم قال: ذكره في الإحياء، فقال مخرجه - يعني العراقي -: لم أقف عليه، وسبقه لذلك المنذري، وأما شيخنا - يعني ابن حجر - فقال: إنه حديث ضعيف، رواه رزين في مسنده. ثم ذكر السخاوي أن في معناه أيضا، حديث: من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات (٤). وذكر الزبيدي ما قرره السخاوي، وأقره (٥). وقال الغزالي: ولم أر في الكتب خبرا مرويا في ترتيب قلم الأظفار، ولكن

стр. 1596

سمعت أنه ﷺ ، بدأ بمسبحته اليمنى، وختم بإبهامه اليمنى، وابتدأ في اليسرى بالخنصر إلى الإبهام. فقال العراقي: لم أجد له أصلا، وقد أنكره أبو عبد الله المازري في الرد على الغزالي، وشنع عليه به (١) وقد سبق النووي العراقي فذكر انتقاد المازري للغزالي بسبب هذا الحديث، وما يستفاد منه، وأجاب عن الغزالي في بعض ما انتقده به المازري ثم قال: وأما الحديث الذي ذكره، فباطل، لا أصل له (٢) ثم نقل الحافظ ابن حجر خلاصة كلام النووي وأقره، وأضاف: أنه لم يثبت في ترتيب الأصابع عند القص شيء من الأحاديث (٣). أما السخاوي فأجاب عن الغزالي بقوله: ولا اعتراض عليه ﵀ فإنه أعلم بأنه لم يجده - يعني الحديث - في الكتب، وإنما سمعه بلاغا، وأتى به مع ذلك بصيغة التمريض. ثم ذكر قول النووي السابق عن الحديث، وكذا قول العراقي، وعقب عليهما بقوله: وقد وقفت في مسند الفردوس على حديث أخرجه من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رفعه: من أراد أن يأمن الفقر، وشكاية العمى والبرص، والجنون، فليقلم أظفاره يوم الخميس بعد العصر، وليبدأ بخنصر اليسرى.

стр. 1597

ثم قال: وهو واه جدا، مع أن في سنده من لم أعرفه (١). وقد ذكر ابن عراق هذا الحديث، وكلام السخاوي عنه، وأقره (٢). أما الحافظ الذهبي فأشار إلى الرواية التي ذكرها الغزالي، وأطلق عليها اسم الأثر، ثم قال: هو أثر موضوع (٣). لكن ذكر السخاوي للرواية السابقة من حديث أبي هريرة تعقيبا على قول النووي والعراقي السابقين، يدل على أنه اعتبرها استدراكا عليهما، مع تقريره شدة ضعفها. ومما يؤيد هذا أن العراقي يخرج بعض أحاديث الإحياء، ويحكم عليها بشدة الضعف، أو الوضع، كما سيأتي، ولا يقول: إنه لم يجد لها أصلا (٤). وذكر الغزالي: أنه يستحب للحاج أن يضع يده على الرمانة السفلى، التي كان رسول الله ﷺ يضع يده عليها عند الخطبة. فقال العراقي: لم أقف له على أصل، وذكر محمد بن الحسن بن زبالة في تاريخ المدينة: أن طول رمانتى المنبر اللتين كان يمسكهما ﷺ بيديه الكريمتين إذا جلس شبر وأُصبعان (٥). وقد تعقب الزبيدي العراقي في هذا بقوله: قلت: بل وجدت له أصلا، قال.

стр. 1598

ابن سعد في الطبقات: أخبرنا عبد الله بن (مسلمة) القعنبي، وخالد بن مخلد البجلي قالا: حدثنا أبو عوانة عبد العزيز مولى الهذيل عن يزيد بن عبد الله ابن قسيط قال: رأيت أناسا من أصحاب رسول الله ﷺ إذا دخلوا المسجد، أخذوا برمانة المنبر الصلعاء التي تلى القبر بميامنهم، ثم استقبلوا القبلة يدعون. (الحديث) (١). والحديث فعلا في طبقات ابن سعد، كما ذكر الزبيدي (٢). ويعتبر الزبيدي أكثر من وقفت على تعقب له على العراقي في هذا، سواء بالنقل عن غيره، أو من جهته هو (٣) وذلك لأنه جعل من منهجه في شرح الإحياء ذكر كلام العراقي على الأحاديث، في تخريجه المختصر هذا أو في غيره.

стр. 1599

وذكر الغزالي في الإحياء: أن ميمون بن مهران: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ صاح سلمان الفارسي. ووضع يده على رأسه، وخرج هاربا ثلاثة أيام لا يقدرون عليه. فقال العراقي: لم أقف له على أصل (١). وقد نقل الزبيدي قول العراقي، وأعقبه بذكر قصة أخرى لميمون بن مهران نفسه أنه سمع الحسن البصري يقرأ قوله تعالى ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ، ثُمَّ جَاءَهُم مَا كَانُوا يُوعَدُونَ، مَا أَغْنَى عَنْهُم مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ فسقط ميمون على الأرض وهو يتفحص برجليه كالشاة المذبوحة، وعزا ذلك إلى الحلية (٢). أما الرواية التي ذكرها الغزالي عن سلمان الفارسي فلم يذكر الزبيدي عنها شيئا، ولم أجد من تعقب العراقي بذكر أصل لها. لكني وجدت القرطبي عند تفسيره للآية قال: ويُروى أن سلمان الفارسي ﵁ لما سمع هذه الآية: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ فر ثلاثة أيام من الخوف لا يعقل … (الحديث) (٣) ولم يعز القرطبي هذه الرواية إلى مصدر، أما السيوطي فقال: أخرج الثعلبي عن سلمان الفارسي، لما سمع قوله تعالى: «وإن جهنم لموعدهم أجمعين» فر ثلاثة أيام هاربا من الخوف، لا يعقل (الحديث) (٤)

стр. 1600

وقد راجعت أكثر من نسخة خطية من تفسير الثعلبي - سورة الحجر - فلم أجد هذه الرواية، وتفسير الثعلبي من المصادر التي خرج العراقي منها بعض الأحاديث في كتابه هذا، فلعل النسخة التي اعتمد عليها منه لم يوجد فيها الحديث، مثل النسختين اللتين رجعت إليهما. وتعتبر النسخة التي وقف عليها السيوطي أكمل في هذا الموضع من غيرها. وعموما فإن هذه التعقبات التي تعقب العراقي فيها بالنسبة لما لم يتعقب فيه، تعتبر قليلة.

стр. 1601

بيان العراقي لدرجات الأحاديث، وأهميته وموقفه من الغزالي في هذا يعتبر بيان درجة الحديث من الصحة وغيرها أمرا بالغ الأهمية، ولا سيما في مقام الاستدلال به، وفي عصر الغزالي وما بعده، حيث لم يلتزم الأكثرون في مؤلفاتهم بذكر الأحاديث بكامل إسنادها، وما ذكر فيه الإسناد، لم يعد ذكره كافيا للكثيرين، إلا بمعرفة شروط ممن يذكرون الإسناد، أو بيانهم التفصيلي لدرجات الأحاديث المسندة. وقد أورد الغزالي في كتاب (الإحياء) آلاف الأحاديث، بقصد الاستدلال بها على ما تضمنه كتابه من أمور العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق، والتصوف، مع ما لابسه من بدع ومخالفات شرعية، خصوصا في عصر الغزالي، وما بعده، حتى عصر العراقي، كما ستأتي بعض الإشارات إلى ذلك. ورغم ما تمتع به الغزالي في عصره من مكانة علمية كبيرة، فإنه قد عرف أيضا بأنه لم يكن له يد باسطة في علم الحديث (١). وجاء في ترجمته أنه سمع الصحيحين (٢) وبعض سنن أبي داود (٣)، وطالع الصحيحين. وقد تكلم في (الإحياء) عن عدد قليل جدا من الأحاديث التي استدل بها، فأشار إلى صحة بعضها، وضعف بعضها، ولكن الغالب ذكره للأحاديث

стр. 1602

مجردة عن الإسناد، وقد يذكر صحابي الحديث، وقد لا يذكر لفظ الحديث، ولكن يشير إلى معناه، كما تقدم بيان شيء من ذلك في شرط العراقي في تخريجه هذا. وقد ظهر لي من صنيع الغزالي خلال كتابه «الإحياء» أنه يعتمد تصحيح البخاري ومسلم، أو أحدهما، أو غيرهما ممن رأى أهليته لذلك. ولكنه أضاف إلى ذلك أمرا آخر، وهو أنه يجيز الحكم بصحة متن الحديث، إذا وجد المعناه محتمل شرعي، ولو لم يوقف له على إسناد مطلقا، أو لم يوقف عليه في أي كتاب من كتب الحديث. ولعل هذا مما جعله يعول كثيرا في نقل الأحاديث التي أوردها في «الإحياء» على مصادر غير حديثية، مثل: «قوت القلوب» لأبي طالب المكني (١) و «الرسالة» لأبي القاسم القشيري وغيرهما من كتب الصوفية والفقهاء (٢) ولذلك وقع في الكتاب كثير من الأحاديث التي قرر العراقي وغيره كما تقدم، أنه لا أصل لها، أو لم توجد في كتب الأحاديث بأنواعها، أو وجدت في كتب الموضوعات كما سيأتي. وقد كان هذا محل انتقاد شديد للغزالي كما سيأتي. وقد وقف الحافظ العراقي من ذلك كله موقف المحدث الناقد المنصف. فأقر الغزالي على ما يتفق مع القواعد النقدية عند المحدثين، ورد عليه ما يخالفها، بالدليل المعتبر، في هدوء واتزان، وعفة لسان، وذلك مما يجعله أسوة حسنة ينبغي الاقتداء بها لمن بعده من النقاد.

стр. 1603

ويتضح ذلك من خلال تخريجه وحكمه على ما أورده الغزالي أو أشار إليه من الأحاديث عموما، ومن خلال ما ذكره الغزالي من درجات بعض الأحاديث خصوصا. فقد قال الغزالي: والدليل على هذا التفصيل، ما روي في الصحيح مفصلا في لفظ الحديث: قال رسول الله ﷺ قالت الملائكة ﵈: رب ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة (الحديث). فقال العراقي: قال المصنف: هو في الصحيح، وهو كما قال، في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة (١). وذكر الغزالي أن ابن مسعود ﵁ قال: الغناء ينبت في القلب النفاق (الحديث)، ثم قال: ورفعه بعضهم إلى رسول الله ﷺ وهو غير صحيح. وقد خرج العراقي الحديث بالعزو إلى أبي داود في رواية ابن العبد من السنن، وإلى البيهقي مرفوعًا، وموقوفًا، وقال العراقي: قال المصنف - يعني الغزالي - والمرفوع غير صحيح، ثم أضاف العراقي قائلا: لأن في إسناده من لم يُسم (٢).

стр. 1604

فتعليله هذا لعدم صحة الرواية المرفوعة، يفيد إقراره لحكم الغزالي السابق بعدم صحة رواية هذا الحديث مرفوعا (١). ومن أمثلة ما خالف العراقي فيه ما قرره الغزالي أنه ذكر الاكتحال في كل عين ثلاثا، وقال: وقد نقل ذلك في الصحيح. فذكر العراقي ذلك، وعقب عليه بقوله: قلت: هو عند الترمذي وابن ماجه، من حديث ابن عباس، قال الترمذي: حديث حسن (٢) وبذلك قدم الرد العملي لقول الغزالي: إن ذلك نقل في الصحيح. وقد حاول شارح الإحياء التماس محمل لقول الغزالي بصحة الحديث المنقول في ذلك، ولكنه محمل غير معتبر (٣). وذكر الغزالي حديث «ذكاة الجنين ذكاة أمه»، ووصفه بأنه صح في الصحاح من الأخبار، صحة لا يتطرق احتمال إلى متنه، ولا ضعف إلى سنده. وذكر العراقي أن الغزالي أخذ هذا من قول الإمام الحرمين في كتاب الأساليب له، ثم تعقب ذلك بأن الحديث المذكور رواه أبو داود والترمذي وحسنه، وابن ماجه وابن حبان من حديث أبي سعيد، والحاكم من حديث أبي هريرة، وقال: صحيح الإسناد، وعقب على تصحيح الحاكم بقوله: وليس كذلك،

стр. 1605

ثم قال: وللطبراني من حديث ابن عمر، بسند جيد، وقال عبد الحق: لا يحتج بأسانيدها كلها (١). فبين العراقي بذلك من واقع المصادر الحديثية، أن في تصحيح الحديث خلافا، وليس كما جزم الغزالي بنفي تطرق احتمال الضعف إليه، تبعا لمن سبقه إلى ذلك. وذكر الغزالي صفة خيمة المؤمن في الجنة، وعزاه إلى البخاري في صحيحه، فتعقبه العراقي بقوله: عزاه المصنف للبخاري، وهو متفق عليه من حديث أبي موسى الأشعري (٢). وهذا ليس تعقبا في التصحيح، ولكن في الاقتصار في تخريج ما في الصحيحين على العزو ولأحدهما فقط، حيث يفهم منه انفراد أحد الصحيحين به عن الآخر (٣). وذكر الغزالي القول بأن حد الغنى المانع من السؤال أربعون درهما، وقال في دليله: لما رواه عطاء بن يسار - منقطعا - أنه قال: من سأل وله أوقية فقد ألحف في السؤال. فذكر العراقي في تخريجه أن أبا داود والنسائي أخرجا الحديث من رواية عطاء عن رجل من بني أسد، متصلا وليس بمنقطع كما ذكر المصنف؛ لأن الرجل صحابي، فلا يضر عدم تسميته، وأخرجه أبو داود والنسائي وابن

стр. 1606

حبان من حديث أبي سعيد (١) ووافقه الشارح (٢). فرد العراقي قول الغزالي بأن سند الحديث منقطعًا، وتبعا لذلك رد ما يقتضيه الانقطاع من ضعف الحديث، وأيد ردَّه بالدليل الاصطلاحي، وهو أن إبهام اسم الصحابي لا يضر، كما بين تصحيح ابن حبان للحديث من رواية صحابي آخر وهو أبو سعيد الخدري ﵁. وقال الغزالي: لما صحَّ قوله ف ﷺ : «المؤمن يَذْبَحُ على اسم الله تعالى، سَمَّى أو لم يُسمّ … » فقال العراقي في تخريج هذا: قال المصنف: إنه صح، قلت: لا يعرف بهذا اللفظ، فضلًا عن صحته، ثم ذكر ثلاثة أحاديث في الموضوع، بألفاظ أخرى، وبين ضعف كل منها (٣). وقد نقل شارح الإحياء عن النووي وابن حجر ما يؤيد قول العراقي هذا في رد ما قرره الغزالي من ورود حديث باللفظ الذي ذكره (٤)، كما وافق العراقي في نقده هذا للغزالي تاج الدين ابن السبكي (٥)، وسراج الدين ابن الملقن، قرين العراقي (٦). وقال الغزالي أيضًا: «ولم أر في الكتب خبرا مرويا في ترتيب قلم الأظفار،

стр. 1607

ولكن سمعت أنه في بدأ بمسبحته اليمنى، وختم بإبهامه اليمنى، وابتدأ في اليسرى بالخنصر إلى الإبهام». ثم قال: ولما تأملت هذا، خطر لي من المعنى ما يدل على أن الرواية فيه صحيحة، إذ مثل هذا المعنى لا ينكشف ابتداءا إلا بنور النبوة … ثم قال: إذ الشرع يستحب إدارة الطهور وغيره على اليمنى، وبعد سرد الترتيب في قلم الأظفار قال: «وهذه الدقائق في الترتيب تنكشف بنور النبوة، في لحظة واحدة». وقد قدمت أن العراقي قال عن الحديث المذكور: لم أجد له أصلا، ثم قال: وقد أنكره أبو عبد الله المازري في الرد على الغزالي، وشنع عليه به (١). وفي طرح التثريب شرح تقريب الأسانيد، ذكر العراقي أيضا كلام الغزالي السابق عن هذا الحديث، ثم قال: وقد تعقبه في ذلك الإمام أبو عبد الله المازري في كتاب وقفت عليه له، في الرد عليه، وبالغ في هذا المكان في إنكار هذا عليه، وقال: إنه يريد أن يخلط الشريعة بالفلسفة، قال العراقي: «هذا حاصل كلامه، وبالغ في تقبيح ذلك، والأمر في ذلك سهل … » (٢). أقول: وكتاب المازري المذكور لم أقف عليه، وكلام العراقي في المغني، وفي طرح التثريب، يفهم من مجموعه أمران: - الأول: أن ما قرره الغزالي من تجويز تصحيح ما يُنسب إلى الرسول ف على أنه حديث، إذا كان له محمل شرعي، وإن لم يوجد له إسناد، ولا وجد في

стр. 1608

كتاب من كتب الحديث. فإن العراقي لا يقره على ذلك، وقد تقدم ما يؤيد موقفه هذا أيضًا، حيث ذكر الغزالي عن أنس ﵁ أن الرسول ﷺ «لم يدع نصيحة جميلة إلا وقد دعاهم إليها، وأمرهم بها». فقال العراقي في تخريج ذلك: لم أقف له على إسناد، وهو صحيح من حيث الواقع (١) فبين بذلك أن العبرة ليست بصحة معنى الحديث في الواقع فقط، ولكن لابد من وجود إسناد صحيح بنسبة متن الحديث إلى الرسول ﷺ . الثاني: يشير العراقي إلى أن الرد على ما يظهر خطؤه مطلوب ممن تأهل لذلك، ولكن بدون قبح ولا تشدد. وليس قوله: «إن الأمر في ذلك سهل» موجهه إلى مسألة التصحيح بدون إسناد؛ لأن رده على ذلك صرح به في بداية كلامه، بوضوح هادئ؛ ولكن مراده أن ما التمسه الغزالي من وجه مشروع لترتيب تقليم أظافر اليدين، أمر مناسب في عمومه، وبالتالي لا ينبغي توجيه النقد القبيح إليه، بل يكتفي ببيان: الخطأ وتصويبه بأسلوب عفيف وواضح. ويؤيد ذلك ما قرره الإمام النووي قبل العراقي، فقد ذكر النووي أن المازري: ذكر في إنكاره على الغزالي كلاما لا أوثر ذكره - يعني لقبحه كما وصفه العراقي بعد اطلاعه عليه كما قدمت - ثم قال النووي: والمقصود أن الذي ذكره الغزالي لا بأس به، إلا في تأخير إبهام اليمني، فلا يقبل قوله فيه؛ بل يقدم اليمنى بكمالها، ثم يشرع في اليسرى، وأما الحديث الذي ذكره،

стр. 1609

فباطل لا أصل له (١). فاتفق بذلك النووي والعراقي على رد الخطأ، وبيان الصواب، وتجنب القبح والشدة في ذلك. وهذا هو المشلك الأمثل للنقد العلمى الأمثل، والذي ينبغي لنا التأسى فيه بكل من الإمام النووي، والحافظ العراقي - رحمهما الله. وقول العراقي في طرح التثريب: إنه لم يثبت في كيفية تقليم الأظفار حديث يُعمل به (٢). لا يعارضه ما تعقبه به السخاوي بذكر حديث واه في ذلك، كما قدمت، لأنه ليس مما يعمل به على الراجح (٣). وفي مبحث معجزاته، وآيات صدقه ﷺ . قال الغزالي: فلنذكر من جملتها ما استفاضت به الأخبار، واشتملت عليه الكتب الصحيحة: … ثم ذكر في هذا المبحث زيادة على أربعين حديثا بعضها باللفظ، وبعضها بالمعنى. وقد قام العراقي بتخريجها، مبينا ما هو مخرج منها في الصحيحين أو أحدهما، وما هو مخرج عند غيرهما بسند صحيح، أو جيد، وهذا أكثرها، كما بين أن بعض ما ذكره الغزالي ضعيف، أو ضعيف جدا، وهذا أقلها (٤).

стр. 1610

فكان هذا نقدا عمليا مفصلا لحكم الغزالي العام بالصحة على كل ما أورده في هذا الموضوع. وعموما فإن الأحاديث التي وصفها الغزالي بالصحة أو عدم الصحة، قليلة جدا بالنسبة لمجموع الآلاف التي أوردها دون بيان لِدَرَجَاتِها، ولا عزوها إلى مصدر يمكن مراجعتها فيه، وإن كان قد عُرف بالاستقراء إكثاره النقل من كتاب «قوت القلوب» لأبي طالب المكي، ولا يعني فيه أبو طالب بذكر أسانيد الأحاديث التي يوردها، مع كونه من المتقدمين. ولهذا، كانت حاجة كتاب (الإحياء) إلى تخريج أحاديثه عموما وبيان درجاتها، أمرا ضروريا، وكان أول من عرف قيامه بهذا هو الحافظ العراقي، كما قدمت. وكما جعل العراقي من منهجه في هذا التخريج، بيان ما لا أصل له من أحاديث «الإحياء» كما قدمت، فإنه قد جعل من منهجه أيضا بيان درجات الأحاديث التي وجد لها مصادر أصلية أو فرعية. فقال في مقدمة الكتاب، وهو يبين العناصر العامة لمنهجه: «فاقتصرت على ذكر طرف الحديث، وصحابيه، ومخرجه، وبيان صحته أو حسنه، أو ضعف مخرجه؛ فإن ذلك هو المقصود الأعظم عند أبناء الآخرة؛ بل وعند كثير من المحدثين، عند المذاكرة والمناظرة (١) والمقصود بأبناء الآخرة هم الذين آثروا ثوابها على غيره، من حظوظ الدنيا مهما عظمت». وفيما ذكره العراقي كما ترى - تقرير اصطلاح هام في علم تخريج

стр. 1611

الأحاديث، وهو أن بيان درجات الأحاديث، وخاصة عند تخريجها بالعزو فقط إلى المصادر، دون ذكر الأسانيد، يعتبر مقصدا عظيما لمن يحتاج الحديث المخرج للاستدلال، أو للاطلاع والمعرفة. وبالتالي يكون على من يتصدى لتخريج الحديث، وخاصة بدون ذكر شيء من أسانيده، أن يعوض القارئ عن الإسناد بذكر درجة الحديث، باعتبار ما يتيسر له من أسانيده، سواء ذكرها أم لم يذكرها. وقد أشار العراقي أيضا بمثل هذا على رفيقه الحافظ الهيثمي في كتابه مجمع الزوائد (١). لكن هذا مشروط بأن يكون المتصدي للتخريج متأهلا تأهيلا كافيا لمهمة الحكم هذه، كما هو الحال بالنسبة للحافظ العراقي. ومن لم تكن لديه الأهلية الكافية فليتق الله في سنة رسوله ﷺ ويقف عند مبلغ علمه، ولو كان عزو الحديث إلى موضعه من مصادره، وإن وجد كلاما عن درجته لأهل العلم المعتبرين ذكره معزوا إلى قائله، ولا يتجاسر على خطورة الحكم بغير علم، لما يترتب على ذلك من إدخاله في السنة ما ليس منها، أو إخراجه ما هو منها. بل إني وجدت العراقي نفسه خلال هذا التخريج قد اقتصر على عزو كثير من الأحاديث إلى ما توافر له من مصادرها الخالية من بيان الدرجة، ولا يبين هو أيضا درجاتها من الصحة أو غيرها، وقد يكون ما يعزو إليه الحديث بعض المصادر المشهورة، والتي بين في مواضع أخرى درجة ما عزاه إليها، مثل: سنن

стр. 1612

أبي داود (١)، والنسائي وابن ماجه (٢)، وقد يكون ما لم يبين درجته قد بينها رفيقه الهيثمي (٣). فلعل العراقي لم يتيسر له حينذاك مراجعة ما يحتاجه الحكم من كتب الرجال وغيرها. وقد يتابعه الشارح على عدم بيان الدرجة أيضا (٤)، ولم أجد في النسخ الخطية الموثقة لهذا التخريج التي أتيحت مراجعتها بياضا متروكا في تلك المواضع التي لم يُذكر فيها بيان درجة الحديث، بحيث يستفاد من ذلك أن العراقي كان ينوى بيان الدرجة في وقت لاحق، كما يلاحظ أنه لم ينبه على ذلك في المقدمة، ولعل ذلك لكون ما لم يبين درجته يعتبر قليلا بجانب ما بين درجته، كما يلاحظ ذلك من يراجع الكتاب بأكمله. ولما يسر الله تعالى لي قراءة هذا التخريج كله تبين لي أن ما ذكره العراقي في مقدمة الكتاب عن بيانه لدرجات الأحاديث، يعتبر مجملا كما هو شأن المقدمات، فذكر أصل التقسيم العام لدرجات الأحاديث حسبما استقر عليه الاصطلاح، وهو الصحة والحسن والضعف، في حين نجده خلال التخريج يصف بعض الأحاديث بأن إسنادها جيد (٥) ويصف بعضا آخر بأن رجاله ثقات، أو رجاله رجال الصحيح، ويصف كثيرا من الأحاديث بأنها موضوعة، أو

стр. 1613

ذُكرت في بعض كتب الأحاديث الموضوعة، أو يُذكر أنها ضعيفة جدا، أو يبيّن بعض علل الحديث الدقيقة مثل تعارض الرفع والوقف، والوصل والإرسال، كما يبين أحوال كثير من الرواة، ويذكر إضافات علمية أخرى من القواعد الاصطلاحية والنقدية التي توضح درجات الأحاديث المقبولة أو المعلولة، بحيث يظهر من خلال ذلك شخصيته العلمية البارزة، وإمامته في الصناعة الحديثية، وجمعه في ذلك بين تقرير قواعد المنهج النقدى للمحدثين، وتطبيقه في تمييز المقبول من المردود، بما له من خبرة مشهودة واطلاع واسع، وإنصاف في التعويل على أئمة الرواية والدراية حتى عصره، مع التعقب المهذب في موضعه، وستأتي أمثلة لذلك كله خلال العرض الآتي لتفصيل منهجه في بيان درجات الأحاديث. وسيَتَّضِح منه أن صنيع العراقي هذا يعتبر غربلة عملية لآلاف الأحاديث التي اشتمل عليها كتاب «الإحياء» ولم تبيَّن درجات أكثرها في مصادره، كما طالت أسانيد الكثير منها فامتدت إلى القرن الخامس الهجري. وتضمن أيضا التوضيح التفصيلي لكل ما وجّه إلى أحاديث الكتاب من انتقادات عامة أو خاصة. وتمثل فيه موقف العراقي الحاسم في مواجهة من زيَّن له هواه الابتداع في أمور الدين، فراح يخلط حقائقه بأباطيل مبتدعة، مروجا لها بأحاديث بعضها مكذوب على صاحب الشرع ف، وبعضها شديد الضعف، وبعضها لم يوجد له أصل في دواوين السنة، بعد البحث والتقصى، كما تقدم. وقد تنوعت طريقة العراقي في بيانه لدرجات الأحاديث التي وجد لها.

стр. 1614

مصدرا، وهي أغلب أحاديث الكتاب، بحيث يطول سرد تفاصيلها، والمادة العلمية التي جمعتها في ذلك تحتمل دراسة مستقلة، لكن الذي يتحقق به المقصود هنا، هو إجمال عناصر طريقة العراقي في بيان درجات الأحاديث، وذكر بعض النماذج، والمقارنات، والنقد في موضعه، بحيث يتوافر للقارئ تصور عام لجهد العراقي في هذا، بما له، وما عليه. وذلك على النحو التالي: - ١ - جعله العزو إلى المصدر المخرج منه الحديث، بمثابة البيان لدرجته، وذلك بالنسبة للكتب التي اشترطت الصحة، أو كانت من مصادر الأحاديث الضعيفة والموضوعة. فإذا عزا الحديث إلى البخاري أو مسلم عزوا مطلقا، كقوله: «حديث: لما توفي عثمان بن مظعون قالت أم سلمة: هنيئا لك الجنة (الحديث)، البخاري من حديث أم العلاء الأنصارية … (١)». وقوله: حديث: دُعَاءُ الرجل الفارسي فقال: أنا وعائشة (الحديث) مسلم من حديث أنس (٢). فيعتبر هذا بيانا منه لدرجة الحديث وهي الصحة تبعا لشرط البخاري أو مسلم، كما هو معروف. فإن كان الحديث في الصحيحين من رواية صحابي واحد أو أكثر، قال: متفق عليه من حديث فلان أو متفق عليه من حديث فلان وفلان يعني صحابي الحديث (٣).

стр. 1615

وَقد يعزو الحديث إليهما عن صحابي واحد، ولا يقول: إنه متفق عليه (١). وقد يقول: أخرجاه من حديث فلان، إشارة إلى الشيخين، دون تقدم ذكرهما في موضع قريب، يوضح عائد الضمير (٢) وعندما يكون الحديث عند كل منهما عن صحابي يبين ذلك (٣) ويميز في العزو إلى الصحيحين، بين الموصول الإسناد، وبين المعلَّق (٤) وقد يميز التعليق المجزوم من غيره (٥). وسيأتي أن التعليق نوع من الانقطاع في الإسناد يقتضي الضعف، وينجبر بوجود الرواية الموصولة، فلذلك عنى العراقي بتمييز المعلق عن الموصول. ويكتفي العراقي أيضاً بالعزو إلى ابن حبان في صحيحه، تارة بالعزو المطلق كقوله: «لابن حبان … » وتارة بالتقييد كقوله: «ابن حبان في صحيحه»، وسواء عزا إليه وحده (٦) أو ذكر معه غيره ممن خرج الحديث، و لم يشترط الصحة، كأبي داود والنسائي، في سننهما وأحمد في مسنده، وغيرهم (٧) وقد يذكره مع غيره ممن اشترط الصحة (٨) وقد يتعقب تصحيحه (٩).
следующие страницы →