← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 30167

الحافظ العراقي وأثره في السنة

أحمد بن معبد عبد الكريم

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

الأحاديث، وهو أن بيان درجات الأحاديث، وخاصة عند تخريجها بالعزو فقط إلى المصادر، دون ذكر الأسانيد، يعتبر مقصدا عظيما لمن يحتاج الحديث المخرج للاستدلال، أو للاطلاع والمعرفة. وبالتالي يكون على من يتصدى لتخريج الحديث، وخاصة بدون ذكر شيء من أسانيده، أن يعوض القارئ عن الإسناد بذكر درجة الحديث، باعتبار ما يتيسر له من أسانيده، سواء ذكرها أم لم يذكرها. وقد أشار العراقي أيضا بمثل هذا على رفيقه الحافظ الهيثمي في كتابه مجمع الزوائد (١). لكن هذا مشروط بأن يكون المتصدي للتخريج متأهلا تأهيلا كافيا لمهمة الحكم هذه، كما هو الحال بالنسبة للحافظ العراقي. ومن لم تكن لديه الأهلية الكافية فليتق الله في سنة رسوله ﷺ ويقف عند مبلغ علمه، ولو كان عزو الحديث إلى موضعه من مصادره، وإن وجد كلاما عن درجته لأهل العلم المعتبرين ذكره معزوا إلى قائله، ولا يتجاسر على خطورة الحكم بغير علم، لما يترتب على ذلك من إدخاله في السنة ما ليس منها، أو إخراجه ما هو منها. بل إني وجدت العراقي نفسه خلال هذا التخريج قد اقتصر على عزو كثير من الأحاديث إلى ما توافر له من مصادرها الخالية من بيان الدرجة، ولا يبين هو أيضا درجاتها من الصحة أو غيرها، وقد يكون ما يعزو إليه الحديث بعض المصادر المشهورة، والتي بين في مواضع أخرى درجة ما عزاه إليها، مثل: سنن

стр. 1612

أبي داود (١)، والنسائي وابن ماجه (٢)، وقد يكون ما لم يبين درجته قد بينها رفيقه الهيثمي (٣). فلعل العراقي لم يتيسر له حينذاك مراجعة ما يحتاجه الحكم من كتب الرجال وغيرها. وقد يتابعه الشارح على عدم بيان الدرجة أيضا (٤)، ولم أجد في النسخ الخطية الموثقة لهذا التخريج التي أتيحت مراجعتها بياضا متروكا في تلك المواضع التي لم يُذكر فيها بيان درجة الحديث، بحيث يستفاد من ذلك أن العراقي كان ينوى بيان الدرجة في وقت لاحق، كما يلاحظ أنه لم ينبه على ذلك في المقدمة، ولعل ذلك لكون ما لم يبين درجته يعتبر قليلا بجانب ما بين درجته، كما يلاحظ ذلك من يراجع الكتاب بأكمله. ولما يسر الله تعالى لي قراءة هذا التخريج كله تبين لي أن ما ذكره العراقي في مقدمة الكتاب عن بيانه لدرجات الأحاديث، يعتبر مجملا كما هو شأن المقدمات، فذكر أصل التقسيم العام لدرجات الأحاديث حسبما استقر عليه الاصطلاح، وهو الصحة والحسن والضعف، في حين نجده خلال التخريج يصف بعض الأحاديث بأن إسنادها جيد (٥) ويصف بعضا آخر بأن رجاله ثقات، أو رجاله رجال الصحيح، ويصف كثيرا من الأحاديث بأنها موضوعة، أو

стр. 1613

ذُكرت في بعض كتب الأحاديث الموضوعة، أو يُذكر أنها ضعيفة جدا، أو يبيّن بعض علل الحديث الدقيقة مثل تعارض الرفع والوقف، والوصل والإرسال، كما يبين أحوال كثير من الرواة، ويذكر إضافات علمية أخرى من القواعد الاصطلاحية والنقدية التي توضح درجات الأحاديث المقبولة أو المعلولة، بحيث يظهر من خلال ذلك شخصيته العلمية البارزة، وإمامته في الصناعة الحديثية، وجمعه في ذلك بين تقرير قواعد المنهج النقدى للمحدثين، وتطبيقه في تمييز المقبول من المردود، بما له من خبرة مشهودة واطلاع واسع، وإنصاف في التعويل على أئمة الرواية والدراية حتى عصره، مع التعقب المهذب في موضعه، وستأتي أمثلة لذلك كله خلال العرض الآتي لتفصيل منهجه في بيان درجات الأحاديث. وسيَتَّضِح منه أن صنيع العراقي هذا يعتبر غربلة عملية لآلاف الأحاديث التي اشتمل عليها كتاب «الإحياء» ولم تبيَّن درجات أكثرها في مصادره، كما طالت أسانيد الكثير منها فامتدت إلى القرن الخامس الهجري. وتضمن أيضا التوضيح التفصيلي لكل ما وجّه إلى أحاديث الكتاب من انتقادات عامة أو خاصة. وتمثل فيه موقف العراقي الحاسم في مواجهة من زيَّن له هواه الابتداع في أمور الدين، فراح يخلط حقائقه بأباطيل مبتدعة، مروجا لها بأحاديث بعضها مكذوب على صاحب الشرع ف، وبعضها شديد الضعف، وبعضها لم يوجد له أصل في دواوين السنة، بعد البحث والتقصى، كما تقدم. وقد تنوعت طريقة العراقي في بيانه لدرجات الأحاديث التي وجد لها.

стр. 1614

مصدرا، وهي أغلب أحاديث الكتاب، بحيث يطول سرد تفاصيلها، والمادة العلمية التي جمعتها في ذلك تحتمل دراسة مستقلة، لكن الذي يتحقق به المقصود هنا، هو إجمال عناصر طريقة العراقي في بيان درجات الأحاديث، وذكر بعض النماذج، والمقارنات، والنقد في موضعه، بحيث يتوافر للقارئ تصور عام لجهد العراقي في هذا، بما له، وما عليه. وذلك على النحو التالي: - ١ - جعله العزو إلى المصدر المخرج منه الحديث، بمثابة البيان لدرجته، وذلك بالنسبة للكتب التي اشترطت الصحة، أو كانت من مصادر الأحاديث الضعيفة والموضوعة. فإذا عزا الحديث إلى البخاري أو مسلم عزوا مطلقا، كقوله: «حديث: لما توفي عثمان بن مظعون قالت أم سلمة: هنيئا لك الجنة (الحديث)، البخاري من حديث أم العلاء الأنصارية … (١)». وقوله: حديث: دُعَاءُ الرجل الفارسي فقال: أنا وعائشة (الحديث) مسلم من حديث أنس (٢). فيعتبر هذا بيانا منه لدرجة الحديث وهي الصحة تبعا لشرط البخاري أو مسلم، كما هو معروف. فإن كان الحديث في الصحيحين من رواية صحابي واحد أو أكثر، قال: متفق عليه من حديث فلان أو متفق عليه من حديث فلان وفلان يعني صحابي الحديث (٣).

стр. 1615

وَقد يعزو الحديث إليهما عن صحابي واحد، ولا يقول: إنه متفق عليه (١). وقد يقول: أخرجاه من حديث فلان، إشارة إلى الشيخين، دون تقدم ذكرهما في موضع قريب، يوضح عائد الضمير (٢) وعندما يكون الحديث عند كل منهما عن صحابي يبين ذلك (٣) ويميز في العزو إلى الصحيحين، بين الموصول الإسناد، وبين المعلَّق (٤) وقد يميز التعليق المجزوم من غيره (٥). وسيأتي أن التعليق نوع من الانقطاع في الإسناد يقتضي الضعف، وينجبر بوجود الرواية الموصولة، فلذلك عنى العراقي بتمييز المعلق عن الموصول. ويكتفي العراقي أيضاً بالعزو إلى ابن حبان في صحيحه، تارة بالعزو المطلق كقوله: «لابن حبان … » وتارة بالتقييد كقوله: «ابن حبان في صحيحه»، وسواء عزا إليه وحده (٦) أو ذكر معه غيره ممن خرج الحديث، و لم يشترط الصحة، كأبي داود والنسائي، في سننهما وأحمد في مسنده، وغيرهم (٧) وقد يذكره مع غيره ممن اشترط الصحة (٨) وقد يتعقب تصحيحه (٩).

стр. 1616

ويعزو أيضا لابن خزيمة (١) وقد يتعقبه في تصحيحه (٢). ويعزو أيضا إلى المختارة للضياء المقدسي وهي مما اشترط فيه الصحة، كما هو معروف (٣) وإلى بعض المستخرجات على الصحيحين مثل المستخرج على صحيح البخاري للإسماعيلي (٤). والمستخرج على صحيح البخاري أيضا لعمر بن محمد البجيري (٥). وأيضا قد يشير العراقي إلى ضعف الحديث، أو وضعه بالعزو إلى بعض المصادر التي تبين ذلك. مثل عزوه الحديث إلى ابن حبان في الضعفاء (٦). أو ابن عدي وابن حبان في الضعفاء (٧) أو العقيلي في الضعفاء (٨) أو العقيلي في الضعفاء، وابن الجوزي في الموضوعات (٩) أو ابن الجوزي وحده في

стр. 1617

الموضوعات (١) أو أبو الفتح الأزدي (٢). وقد أخذ السيوطي في جامعه الكبير بطريقة الإشارة هذه إلى درجة الحديث، بالعزو إلى عدد من المصادر في الصحة، أو في الضعف، (٣) لكن اكتفاء العراقي في بيان الدرجة بالعزو إلى بعض المصادر بدلا من التصريح بها، يعتبر قليلا جدا بالمقارنة بما صرح بدرجته كما سيأتي. ٢ - التصريح بدرجة الحديث أو ما يدل عليها. يعتبر بيان العراقي لدرجات الأحاديث تصريحا، هو الغالب في كتابه هذا، وتصريحه تارة يكون بالنقل عن غيره من العلماء حتى عصره، سواء مع الإقرار لهم على حكمهم، حيث ينقله ولا يتعقبه بشيء، أو ينقله، ثم يتعقبه بما يظهر له هو، فتتضح لنا بذلك شخصيته الحديثية، وأنه ليس مجرد ناقل ومردد لأحكام غيره. وتارة يبين درجة الحديث دون تصريح بالعزو لغيره، وتارة يذكر ما يدل على على درجة الحديث في الجملة، وإن لم يصرح بها. وسيتضح ذلك كله مما سيأتي من الأمثلة والإحالات التي بالحواشى منعا للتطويل. أ - النقل عن غيره مع الإقرار أو التعقب: وفي نقل العراقي عن غيره يهتم بنقل ما يذكره من أخرج الحديث المطلوب،

стр. 1618

مثل أبي داود (١) والنسائي والترمذي (٢) وقد أكثر النقل عنه كما سيأتي، والعقيلي (٣) وابن عدي (٤) والبيهقي (٥) وابن الجوزي (٦) وغيرهم. وهذا يدلنا دلالة عملية على أن من مطالب تخريج الحديث من مصدره، أن يذكر المخرج ما يجده في مصدر الحديث، من بيان صريح لدرجة الحديث، أو ما يدل على الدرجة، عازيا ذلك إلى المصدر المخرج منه؛ لأن اقتران بيان الدرجة بالحديث في مصدره، له أهمية لا تخفي ومما يؤيد هذا، تعقب المناوي في الفيض، للسيوطي في عدة مواضع لم يذكر فيها ما وجد في المصدر الذي عزا إليه الحديث، من بيان أو إشارة إلى درجة الحديث (٧). وإذا كان من أخرج الحديث جعل من منهجه بيان درجات الأحاديث التي يخرجها، ثم أخرج بعض الأحاديث وسكت عن بيان درجتها، فإن العراقي قد ينبه على سكوته، ثم يتصدى هو لبيان درجة ما سكت عنه هذا الحديث، وقد لا ينبه على هذا السكوت، ولكن يكتفي ببيان درجة المسكوت عنه، كما سيأتي.

стр. 1619

أيضا لما كان أبو داود له اصطلاح فيما سكت عن تضعيفه، فقد عني العراقي بذكر سكوته، وبيان دلالته عنده (١) أو تعقبه بما ذكره غيره من النقاد (٢). والعراقي في نقله بيان الدرجة عن غيره، تارة يكتفي بنقل قول الغير دون تعقب، ومقتضاه إقراره من نقل عنه؛ لأنه نقل عنه في مقام الاحتجاج (٣). غير أنه قد ينقل حكمين مختلفين على حديث واحد، دون تعقب (٤) ففي مثل هذه الحالة، يمكن القول: بأنه لم يترجح للعراقي شيء في هذا الاختلاف. وقد يتعقب العراقي ما ينقله عن غيره في بيان الدرجة، ولو كان هذا الغير قد أخرج الحديث بسنده، كما سيأتي بالنسبة للترمذي والحاكم، وقد يكون تعقبه بذكر قول آخر لغيره، وقد يذكر التعقب من جانبه هو دون عزو لغيره. ومما يوضح بيان العراقي لدرجة الحديث بالنقل ذكر بعض الأمثلة لمن أكثر النقل عنهم كما يلي: - نقله عن الترمذي، وموقفه منه: فمن أكثر النقل عنه الإمام الترمذي خاصة عند تخريجه الحديث من جامعه المعروف (بالسنن). ولما كانت نسخ الجامع - كغيرها من النسخ الخطية للكتب - تختلف في كلام الترمذي عن درجة بعض الأحاديث، فإن العراقي

стр. 1620

حرص في نقله لحكم الترمذي على الحديث، أن يراجع أكثر من نسخة خطية للجامع، فيما يراه بحاجة إلى ذلك. ففي حديث: «إن الله وملائكته وأهل السموات وأهل الأرض … ليصلون على معلم الناس الخير» عزاه العراقي إلى الترمذي في السنن، من حديث أبي أمامة، وذكر أن الترمذي قال عنه: غريب، ثم قال: وفي نسخة: حسن صحيح (١). وبمراجعة نسخ الجامع المطبوعة حاليا نجدها مختلفة، منها ما ذكر «غريب» فقط كما في النسخة الأولى عند العراقي، وأكثرها ذكر فيه «حسن صحيح غريب» (٢). ونقل الزبيدي عن العراقي الاقتصار على قول واحد للترمذي بلفظ «حسن غريب صحيح» (٣). فلعل هذا ما اقتصر عليه في التخريج الكبير؛ لأن الزبيدي ينقل منه، مع التخريج الصغير، كما تقدم، ولكنه تارة يميز المنقول من الكبير عن المنقول من الصغير وتارة لا يميز، ونقله هذا يختلف بالتقديم والتأخير فقط مع أكثر النسخ المطبوعة حاليا، كما أسلفت، فلعل هذه نسخة ثالثة، رجع إليها العراقي عند اشتغاله بالتخريج الكبير. وقد أقر العراقي حكم الترمذي بتصحيح الحديث كما ترى، حيث لم يتعقبه بشيء.

стр. 1621

وأقره أيضا في مواضع أخرى على التحسين (١) أو التضعيف (٢)، وقد لاحظت أن إقراره لأحكام الترمذي هو بالأكثر. ولكنه في مواضع غير قليلة أيضا كانت له مواقف نقدية لحكم الترمذي، حيث يذكر حكمه على الحديث ثم يتعقبه بما يظهر له. ففي حديث عبد الله بن مغفل: «أن عامة الوسواس من البول في المغتسل» عزاه لأصحاب السنن، وقال: قال الترمذي: غريب. ثم عقب على ذلك بقوله: قلت: وإسناده صحيح (٣). وقد أقره شارح الإحياء على ذلك (٤). ووجه التعقب هنا أن كلام الترمذي عقب الحديث: «هذا حديث غريب، لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث أشعث بن عبد الله، ويقال له: الأشعث الأعمى (٥)»، فقرر غرابة رفع الحديث؛ لتفرد أشعث به، ولم يحكم بصحة ولا بغيرها، مع تلك الغرابة. لكن أشار العقيلي إلى ضعف الحديث مرفوعا من طريق أشعث هذا، حيث وصفه بأن في حديثه وهما، وذكر له الحديث المذكور من طريق معمر عن الأشعث عن الحسن عن عبد الله بن مغفل، وهي طريق الترمذي. ثم ذكر

стр. 1622

للحديث طريقا أخرى موقوفة، من رواية شعبة عن قتادة، عن عقبة بن صهبان عن ابن مغفل، وَرَجَّحها على المرفوعة السابقة (١). فاقتضى ذلك تقريره ضعف رواية أشعث المرفوعة. في حين نجد العراقي حكم بصحة إسناد تلك الرواية كما تقدم، وقد سبقه إلى ذلك ابن حبان (٢) والحاكم، ووافقه الذهبي (٣) ولكنه لم يعز الحديث، ولا تصحيح إسناده لأى منهم. وتصحيح ابن حبان والحاكم للحديث دون تعقب من غيرهما، يفيد اتصال رواية الحسن للحديث، وإن كانت بالعنعنة. وفي حديث: (من قال حين يصبح: رضيت بالله ربا) ذكر العراقي ضمن تخريجه، عزوه للترمذي من حديث ثوبان، وقال: «وحَسَّنه» وعقب على ذلك بقوله: وفيه نظر، ففيه (سعيد) بن المرزبان، ضعيف جدا (٤)، وقد أقره شارح الإحياء على هذا التعقب مع التنبيه على أن لفظ الترمذي: من قال حين «يمسي … » بدل «يصبح» وهو كذلك فعلا في المطبوع حاليا من جامع الترمذي، فكان الأولى بالعراقي التنبيه على هذا الفرق المهم، كما يفعل في مواضع أخرى كثيرة، وسيأتي بعضها. والحديث أخرجه الترمذي من طريق سعيد بن المرزبان، وقال: حسن غريب من هذا الوجه (٥).

стр. 1623

وبمراجعة مجموع الأقوال في حال سعيد هذا، نجد غالبها يلتقي مع ما قرره العراقي في خلاصة حاله، وهو أنه «ضعيف جدا»، كما أنه وصف بالتدليس القادح في اتصال الإسناد (١). وعليه يكون تعقب العراقي للترمذي هنا في محله (٢). وقد يكون ما تعقب العراقي به الترمذي أصله لغيره ممن سبقه، ولكنه لا يعزوه إليه. فقد ذكر حديث أبي سعيد الخدري: من قال حين يأوي إلى فراشه: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم (الحديث) وعزاه إلى الترمذي، وذكر قوله عنه: «غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبيد الله بن الوليد الوصافي»، ثم تعقبه العراقي بقوله: قلت: الوصافي وإن كان ضعيف، فقد تابعه عليه (عصام ابن قدامة) وهو ثقة، رواه البخاري في التاريخ، دون قوله: «حين يأوى إلى فراشه» ودون قوله: «ثلاث مرات» (٣) وقد تابعه شارح الإحياء في هذا (٤). وعندما نرجع إلى «الترغيب والترهيب» للمنذري، نجد أن ما تعقب العراقي به الترمذي هو نفسه تعقب المنذري، مع اختلاف يسير (٥)؛ لكن تفصيل العراقي لفرق رواية البخاري في التاريخ، أشار إليه المنذري فقط؛ حيث ذكر: إن

стр. 1624

رواية البخاري في التاريخ، بنحو رواية الترمذي، أما المزى فذكر رواية الترمذي وحكمه بالغرابة، ثم قال: رواه البخاري عن عثمان بن هارون، عن عصام بن قدامة عن عطية (١)، فأطلق العزو إلى البخاري، ولم يقيده بكونه في التاريخ، كما أنه ليس مقصوده العزو إلى الصحيح. وعند مراجعة الحديث في جامع الترمذي نجده عنده عن صالح ابن عبد الله عن أبي معاوية عن الوصافي عن عطية (يعني ابن سعد العوفي) عن أبي سعيد، به. واختلفت نسخ الترمذي في درجته ففي بعضها «حسن غريب لا تعرفه إلا من هذا الوجه من حديث الوصافي، عبيد الله بن الوليد». وفي بعضها كما ذكر العراقي، والمنذري، بلفظ الغرابة فقط دون «التحسين» وكذا البغوي في شرح السنة، والمزي في التحفة (٢)، وهو المناسب لحال الإسناد، كما سيأتي. ومن عزو المنذري والعراقي إلى التاريخ مطلقا، يفهم أن المراد: «التاريخ الكبير» للبخارى، لكني لم أقف على الحديث في مظنته منه، ولا في مظنته من تاريخه في طبعتيه: المعنونة «بالتاريخ الصغير» والمعنونة «بالأوسط». مع أن نقل كل من المنذري، والمزي، والعراقي، لتفاصيل الرواية يشعر باطلاعهم عليها عند البخاري، فلعلها كانت فيما رجعوا إليه من نسخ التاريخ الخطية. ونعم أخرج البخاري في التاريخ الكبير المطبوع حاليا، عن موسى (يعني ابن

стр. 1625

إسماعيل) عن حفص بن عُمَر الشُّنّى قال: حدثني أبي، عُمَر بن مرة، سمعت بلال بن يسار بن زيد، قال: حدثني أبي عن جدي سمع النبي ﷺ : من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحى القيوم، وأتوب إليه، غُفِر له (١) وهذا اللفظ مُقارب لما ذكره العراقي، لكنه كما ترى ليس من حديث أبي سعيد الخدري، ولا في سنده أحد من رواة الطريقين السابقين إليه، بل حديث البخاري هذا من طريق آخر عن صحابي آخر وهو زيد، مولى رسول الله ﷺ ، فلا تتحقق به المتابعة المقصودة. ولو كان هذا الحديث هو مقصود المنذري ومن بعده، لكان عزوه إلى الترمذي أيضاً أولى بدلاً من تاريخ البخاري؛ لأن الترمذي أخرجه عن البخاري، به، مع زيادة في آخره، وقال: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه (٢). وعلى كل فوجه تعقب الترمذي حسب ما عزاه إليه كل من المنذري ومن بعده المزي والعراقي: أنه حكم بتفرد «الوصافي» بالحديث من هذا الطريق، فأشار بذلك إلى ضعفه الحال الوصافي المنفرد به. فأراد الثلاثة تعقبه بدفع تفرد الوصافي بأصل الحديث، لأنه قد تابعه عليه ثقة وهو عصام بن قدامة (٣)، فانجبر بذلك تضعيف الحديث من جهة الوصافي. لكن بقي أن عصام بن قدامة قد تابع الوصافي على رواية الحديث عن عطية العوفي، كما صرح به المزي فيما قدمته، وعطية العوفي كما لخص ابن حجر

стр. 1626

حاله في التقريب: صدوق يخطئ كثيرًا، وكان شيعيا مدلسا (١). وفي طبقات المدلسين قال الحافظ: ضعيف الحفظ، مشهور بالتدليس القبيح (٢) فما زال الحديث لأجله ضعيفًا من حديث أبي سعيد. وبذلك يكون الترمذي متعقبا في حكمه على الحديث بالحسن مع الغرابة حسب بعض نسخ الجامع كما تقدم، ومتعقبا في الحكم بالغرابة من جهة الوصافي. ويمكن أن يشهد لأصل الحديث رواية زيد مولى رسول الله ﷺ التي قدمتها، وفي إسنادها أيضا ضعف، أشار إليه الترمذي بالوصف بالغرابة فقط، كما تقدم (٣). وذكر العراقي حديث أبي موسى الأشعري في تحريم لبس الحرير والذهب على الذكور من المسلمين، دون إناثهم، وعزاه إلى النسائي، والترمذي، وقال: إنه صححه، ثم عقب على ذلك بقوله: قلت: والظاهر انقطاعه بين سعيد بن أبي هند، وأبي موسى، فأدخل أحمد - يعني ابن حنبل - بينهما رجلا لم يسم (٤). والحديث أخرجه الترمذي من طريق سعيد بن أبي هند عن أبي موسى الأشعري، وذكر أن في الباب عن عمر وعلى … وذكر جماعة من الصحابة، ثم

стр. 1627

قال: وحديث أبي موسى، حديث حسن صحيح (١). وهذا التعقب من العراقي بتقريره انقطاع إسناد الرواية التي صححها الترمذي، قد وافقه عليه رفيقيه: الزيلعي (٢) وابن الملقن (٣) والحافظ ابن حجر تلميذ العراقي وابن الملقن (٤) ولكن يمكننا التماس وجه لتصحيح الترمذي للحديث، وذلك بمجموع طرقه التي أشار إليها بذكر أحاديث أخرى في الباب عن جماعة من الصحابة، فيكون حديث أبي موسى صحيحًا لغيره. وقد يذكر العراقي حكم الترمذي على الحديث، ويقره عليه، حيث لا يتعقبه بشيء، ولكنه يكون متعقبا من غير العراقي. فقد ذكر حديث أبي سعيد الخدري: «من شغله القرآن عن ذكري، أو مسألتي، أعطيته أفضل ما أعطى السائلين» وعزاه إلى الترمذي، وذكر قوله عنه: حسن غريب، ولم يتعقبه بشيء (٥). وفي سند الحديث عند الترمذي: محمد بن الحسن بن أبي يزيد، وعطية بن سعد العوفي. وفي ترجمة «محمد بن الحسن» في الميزان، تعقب الذهبي الترمذي في الحكم على هذا الحديث، فقال: حسنه الترمذي، فلم يُحسن (٦).

стр. 1628

يعني لأجل حال محمد بن الحسن هذا. لكنه في السير، قال عنه: بالجهد أن يكون حديثه حسنًا (١). غير أنه في عدد آخر من كتبه ذكر وصفه بالترك (٢) أو بما في حكمه (٣)، وأقوال النقاد فيه تؤيد تضعيفه على الأقل (٤). وقد قرر الزيلعي رفيق العراقي تضعيف الحديث من رواية الترمذي هذه (٥) ومن قبله قال أبو حاتم الرازي: هذا حديث منكر، ومحمد بن الحسن، ليس بالقوي (٦). ثم إن في إسناد الحديث كذلك «عطية بن سعد العوفي» وسبق بيان رجحان القول بتضعيفه، وتدليسه القادح، وقد عنعن هنا. وعليه فإن إقرار العراقي لتحسين الترمذي لهذا الحديث من طريقه المذكور، في غير محله. نقله عن الحاكم، وموقفه منه: وممن أكثر العراقي النقل عنه في الحكم على الأحاديث، الحاكم أبو عبد الله، حيث إن من منهجه - خاصة في المستدرك على الصحيحين - الكلام على

стр. 1629

درجة أكثر الأحاديث، والسكوت عن بعضها، وقد نقل العراقي من أحكامه على ما حكم عليه، مع الإقرار أو التعقب، وكذلك قد يذكر سكوته عما سكت عن بيان درجته، ويبين موقفه هو مما سكت عنه الحاكم. فقد ذكر الغزالي: أن عمر ﵁ قبل الحجر الأسود، وقال: إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ ف يقبلك ما قبلتك، ثم بكى، فالتفت إلى ورائه، فرأى عليا ﵁ وراءه، فقال له: بل هو يضر وينفع، قال: وكيف؟ قال: إن الله تعالى لما أخذ الميثاق على الذرية، كتب عليهم كتابا، ثم ألقمه هذا الحجر، فهو يشهد للمؤمن بالوفاء، ويشهد على الكافر بالجحود (الحديث). فقال العراقي في تخريجه: أخرجاه - يعني البخاري ومسلم - دون هذه الزيادة التي رواها على، ورواه بتلك الزيادة الحاكم، وقال: ليس من شرط الشيخين (١)، ولم يتعقب العراقي الحاكم في ذلك، ومقتضاه إقراره لحكمه المذكور على الحديث، مع أنه كما ترى ليس فيه تحديد صريح لدرجة الحديث، ولذا علق الذهبي على قول الحاكم هذا بأن في سند الحديث «أبا هارون العبدي» ساقط (٢) وبذلك أفاد شدة ضعف الزيادة التي ذكرت في هذا الحديث منسوبة إلى على ﵁. وذكر الغزالي أيضا أن رسول الله ﷺ كان يسجد على الحجر الأسود. فعزاه العراقي إلى البزار والحاكم من حديث عمر ﵁ وذكر أن

стр. 1630

الحاكم صحح إسناده (١) ولم يتعقبه بشيء. وقد تختلف نسخة العراقي من المستدرك عن المطبوع حاليا من المستدرك، في ذكر درجة الحديث، أو سقوطها. فقد ذكر الغزالي: أن (الحجر الأسود ياقوتة من يواقيت الجنة، وله عينان ولسان) (الحديث). فذكر العراقي أن عجز الحديث - يعني ذكر «العينين واللسان للحجر الأسود» - رواه الترمذي وحسنه، وابن حبان والحاكم، وصحح إسناده من حديث ابن عباس. ولم يتعقب العراقي الترمذي ولا الحاكم بشيء في حكمهما السابق، ثم قال: وللحاكم من حديث أنس: إن الركن والمقام، ياقوتتان من يواقيت الجنة، وصحح إسناده (٢) وأقر الحاكم على هذا. وعندما نرجع إلى طبعة المستدرك الحالية نجد فيها الحديث، ولكن بدون كلام للحاكم عن درجة إسناده، لا بتصحيح ولا بغيره. مع أن الذهبي في مختصره المطبوع حاليا مع المستدرك، ذكر تصحيح الحاكم للحديث (٣) فدل ذلك على ثبوت تصحيح الحاكم في نسخة الذهبي، كما ثبت في نسخة العراقي، وإن لم نجده في طبعة المستدرك الحالية.

стр. 1631

لكن الذهبي لم يقر الحاكم على تصحيح إسناد هذا الحديث، كما أقره العراقي، وإنما تعقبه بقوله: قلت: داود، قال أبو داود: متروك (١) وبمراجعة إسناد الحديث في المستدرك تجد فيه فلانا (داود بن الزبرقان)، وقد وصفه أبو داود السجستاني في رواية عنه: بأنه ترك حديثه، ووصفه بنحو ذلك جماعة من النقاد، وجماعة آخرون وصفوه بمطلق الضعف (٢) فيكون الحديث من طريقه دائرًا بين الضعف الشديد، أو الضعف فقط، وبذلك يعتبر سكوت العراقي عن تصحيح الحاكم للحديث من طريقه، في غير محله (٣). ولكنه قد يتعقب تصحيح الحاكم بما لم أجد تعقب الذهبي به، أو غيره ممن قبل العراقي. فقد ذكر حديث: «ليكن بلاغ أحدكم من الدنيا كزاد راكب». وعزاه إلى ابن ماجه والحاكم من حديث سلمان ﵁ مع اختلاف بعض الألفاظ، ثم ذكر أن الحاكم قال: صحيح الإسناد، وعقب عليه بقوله: قلت: هو من رواية أبي سفيان عن أشياخه، غير مُسَمّين (٤) ومعنى ذلك أن في السند إبهاما يقتضي ضعفه. وقد أورد المنذري هذا الحديث في كتابه الترغيب والترهيب، وعزاه إلى الحاكم فقط، وذكر قوله: «صحيح الإسناد» وعلق عليه بقوله: كذا قال (٥).

стр. 1632

وهذه إشارة إلى توقفه في تصحيح الحاكم، لكنه لم يفصح بسبب توقفه. وأيضا ذكر الذهبي تصحيح الحاكم، ولم يتعقبه بشيء (١). وذكر العراقي حديث عائشة ﵂ قلت: يا رسول الله، ﴿الَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا، وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾: هو الرجل يسرق ويزنى؟ قال: لا (الحديث) وعزاه إلى الترمذي وابن ماجه والحاكم، وذكر أن الحاكم قال: صحيح الإسناد. ثم تعقبه بقوله: قلت: بل منقطع، بين عائشة، وبين عبد الرحمن بن (سعيد) ابن وهب (٢). ومقتضى هذا أن إسناد الحديث ضعيف لأجل هذا الانقطاع. ويؤيد هذا قول أبي حاتم الرازي: عبد الرحمن بن سعيد بن وهب، لم يلق عائشة ﵂، وأقره العلائي (٣). في حين نجد الإمام الذهبي يذكر تصحيح الحاكم لإسناد هذا الحديث، ولا يتعقبه بشيء (٤). أما ذكر العراقي لسكوت الحاكم، مع تعقبه أيضا: - فمن ذلك أنه ذكر حديث سعد بن أبي وقاص أنه فى أخرج عمه العباس وغيره من المسجد، وأسكن عليا، وعزاه إلى الحاكم، وأنه سكت عنه، وأن فيه مسلما الملائي ضعيف (٥).

стр. 1633

ومقتضى هذا أن الحاكم سكت عن تضعيف إسناد هذا الحديث، مع وجود «مسلم» هذا فيه، كما يتضح ذلك من مراجعة المستدرك (١) وقد قرر الذهبي أيضا سكوت الحاكم عن درجة الحديث بهذا الإسناد، وتعقبه بقوله: ومسلم متروك (٢). ووصف «مسلما» بالترك، ونحوه في مواضع أخرى من مختصر المستدرك (٣) وفي عدد من مؤلفاته (٤). واقتصر الحافظ ابن حجر على وصفه بمثل ما وصفه به شيخه العراقي، من الضعف فقط (٥) وبذلك يفترق تعقب الذهبي عن العراقي، فباعتبار وصف «مسلم» بمطلق الضعف يكون الحديث من طريقه ضعيفا فقط وينجبر إلى درجة الاحتجاج به، بمتابع أو شاهد مثله في الضعف أو أقوى منه (٦). وباعتبار وصف «مسلم» بأنه متروك أو واه، كما قرره الذهبي، يكون الحديث من طريقه شديد الضعف، فلا ينجبر بمثله من متابع أو شاهد، إلى درجة الاحتجاج (٧).

стр. 1634

وذكر العراقي أيضا حديث عمر ﵁ «أن النبي ﷺ كان إذا مد يديه في الدعاء، لم يردهما حتى يمسح بهما وجهه» وعزاه إلى الترمذي، وذكر أنه قال: غريب، وعزاه إلى الحاكم ثم قال: وسكت عليه، وهو ضعيف (١). فبين بذلك أن الحاكم سكت عن بيان درجة الحديث، وبين هو أنه ضعيف، لكنه لم يبين سبب الضعف كما ترى. أما الذهبي فإنه في تلخيص المستدرك لم يتعقب الحاكم بشيء (٢)، ولكن قال في كتاب السير: أخرجه الحاكم في مستدركه، فلم يصب، «حماد» ضعف (٣). وبمراجعة سند الحديث في المستدرك، نجد فيه فعلا «حماد بن عيسى» (٤) وهو أيضا في سند رواية الترمذي التي نقل العراقي عنه وصفها بالغرابة، وبقية كلام الترمذي التي لم يذكرها العراقي تفيد: أن سبب الغرابة تفرد «حماد بن عيسى» هذا بتلك الرواية، مع قلة حديثه (٥) ووصف الذهبي له بالضعف، موافق الخلاصة أقوال النقاد في حاله (٦) وبذلك يتضح سبب تضعيف الحديث من طريقه، وإن كان العراقي لم يوضحه، كما أوضح غيره، مما تقدم، وما سيأتي.

стр. 1635

وقد يكون تعقب العراقي للحاكم، متفقا مع تعقب الذهبي قبله، ولكن العراقي لا ينسبه إلى الذهبي، ولا إلى غيره. فقد ذكر العراقي حديث «أنه ف قبل الركن اليماني» وعزاه إلى الحاكم، وذكر أنه قال: صحيح الإسناد، ثم تعقبه بقوله: فيه عبد الله بن مسلم بن هرمز، ضعفه الجمهور (١). أما الذهبي فتعقب الحاكم بقوله: و «عبد الله بن مسلم بن هرمز» هذا، ضعفه غير واحد، وقال أحمد: صالح الحديث (٢). فيلاحظ أن عبارة العراقي السابقة، هي ملخص ما ذكره الذهبي، في حال «عبد الله بن مسلم» (٣) لكن العراقي لم يشر إلى استفادته من تعقب الذهبي هذا، مع أنه صرح بالنقل عنه في مواضع أخرى كما سيأتي. نقله درجة الحديث من مصدر غير الذي خرجه منه: قد يكون من أخرج الحديث بسنده لم يتكلم عن درجته من الصحة أو غيرها، فيخرج العراقي الحديث من مثل هذا المصدر بالعزو إليه، ثم يبحث هو بخبرته المشهودة عن مصدر آخر، تكلم عن درجة الحديث نفسه، سواء كان لبعض العلماء المتقدمين على العراقي أو المعاصرين له، فيذكر أقوالهم منسوبة إليهم،

стр. 1636

وبذلك قدم العراقي لنا اصطلاحا عمليا في منهج التخريج، ينبغي الأخذ به في علم التخريج للأحاديث، كما فعله العراقي في كتاب المغني هذا، وفعله غيره أيضا ممن عاصره، كالزيلعي، وابن كثير، والزركشي وابن الملقن وغيرهم، ومن صنيعهم هذا يتقرر اصطلاح عام وهو: أن من لم يجد في المصدر المخرج منه بيانا لدرجة الحديث المطلوب تخريجه، فينبغي له البحث بأقصى ما يمكن عمن يكون تكلم عن درجة هذا الحديث في مصدر آخر معتبر، سواء كان سابقا أو مُعاصرًا، ويذكر قوله، مصرحًا بنسبته إليه، وبموضعه في المصدر المنقول منه، سواء مع الإقرار. لمن نقل عنه، أو التعقب بما يظهر له أنه الصواب، أو الراجح. وقد وجدت نقول العراقي في ذلك شملت المتقدمين والمتأخرين حتى عصره، سواء مع الإقرار أو المخالفة. فنقل عن الإمام أحمد (١) والبخاري (٢) والنسائي (٣) وابن السكن (٤) وعبد الحق الإشبيلي (٥) وأبو بكر بن العربي (٦) وأبو الحسن على بن القطان الفاسي (٧) والنووي (٨) والذهبي (٩).

стр. 1637

وسيأتي كذلك نقول للعراقي عن غيره، فيما يتعلق بأحوال الرواة أو الأسانيد أو المتون التي يستعان بها على بيان درجة الحديث، قبولا أو ردا بيان العراقي للخلاف في درجة الحديث، وموقفه من ذلك: وقد يكون الحديث مما اختلفت آراء العلماء في درجته، بحسب مبلغ علم كل منهم، وما أداه إليه اجتهاده (١) وقد لاحظت أن العراقي في هذا يتنوع موقفه، فتارة يكتفي بذكر الخلاف دون تصريح بترجيح قول معين، وتارة يرجح ما يظهر له رجحانه، وتارة يكون سياق كلامه يشير إلى الترجيح، دون تصريح به. وفي كل ذلك جهد حديثى للعراقي يظهر شخصيته العلمية. فقد ذكر حديث أبي أمامة: «ثلاثة لا تجاوز صلاتهم رؤوسهم» الحديث، وعزاه إلى الترمذي، وذكر قوله فيه: حسن غريب، ثم قال: وضعفه البيهقي (٢) فيلاحظ أنه ذكر ما يفيد تحسين الترمذي للحديث لذاته، وأتبعه بذكر تضعيف البيهقي له، ولم يبين أي القولين أرجح في حين نجد الإمام النووي بعد ذكر هذين القولين، يقول: والأرجح هنا قول الترمذي (٣). وعند مراجعة سند الحديث عند كل من الترمذي والبيهقي نجد مداره على «أبي غالب البصري» عن أبي أمامة

стр. 1638

وقد جعل البيهقي سبب ضعف الحديث هو وجود أبي غالب هذا في إسناده. لكن عند مراجعة مجموع الأقوال في أبي غالب نجدها مختلفة بين توثيق، وجرح مجمل، وقال ابن عدي: لم أر في أحاديثه حديثاً منكراً، وأرجو أنه لا بأس به (١)، وقد صحح له الترمذي والحاكم بعض الأحاديث التي لم أجد له متابعاً عليها (٢)، وعليه فتحسين الترمذي لحديثه هذا، لذاته، غير منتقد، وبه يتأيد ترجيح النووي (٣). وذكر العراقي حديث أبي هريرة: إذا صلى أحدكم فليجعل نعليه بين رجليه، وعزاه إلى أبي داود، ثم قال: بسند صحيح، وضعفه المنذري، وليس بجيد (٤)؛ فيلاحظ أنه حكم بصحة سند أبي داود بالحديث، ثم بين مخالفة المنذري في هذا بتضعيفه الحديث، ثم قرر أن حكمه هذا ليس بجيد، ومقتضاه ترجيحه لحكمه هو بالصحة. وبمراجعة مختصر سنن أبي داود للمنذري، نجد الحديث من طريق يوسف بن ماهك عن أبي هريرة، وعلق المنذري عليه بقوله: في إسناده عبد الرحمن بن قيس، ويشبه أن يكون الزعفراني البصري، كنيته أبو معاوية، ولا يحتج به (٥).

стр. 1639

فدل كلام المنذري هذا على تضعيفه الحديث لأجل وجود «عبد الرحمن» هذا في إسناده. ولكن الحافظ ابن حجر تعقب المنذري بأن هذا ظن منه ليس في موضعه، والصواب أن «عبد الرحمن» الذي في سند أبي داود، هو ابن قيس العتكي، أبو روح، وأنه قد ذكره ابن حبان في الثقات، وصحح حديثه هذا، كما صححه أيضا ابن خزيمة، بخلاف من قصده المنذري، فهو واهي (١). وعليه يترجح ما قرره العراقي من عدم تضعيف الحديث بما ذكره المنذري. لكن الذي يظهر أيضا أن تصحيح العراقي لهذا الإسناد فيه توسع، وبعرضه على القواعد المعتبرة، نجده حسنا لذاته، فقط. وذلك لأن في الإسناد غير «عبد الرحمن العتكي» راو آخر هو «صالح بن رستم، أبو عامر الخزاز» ومجمل الأقوال فيه تقتضي أنه صدوق له مناكير، ولم يعد منها هذا الحديث (٢). أما «عبد الرحمن العتكي» فلم أجد فيه إلا ذكر ابن حبان له في الثقات، وتصحيح كل من ابن خزيمة وابن حبان والحاكم لحديثه المذكور معنا، وإقرار الذهبي له (٣) ومقتضى ذلك أن يكون حديثه في مرتبة الحسن لذاته بالإصطلاح العام، ما لم تكن هناك علة أخرى، لأن هؤلاء الثلاثة يعتبرون الحسن نوعا من

стр. 1640

الصحيح (١)، ولم نجد لغيرهم ما يرقى حال هذا الراوي عن ذلك، كما قدمت. وقد يذكر العراقي الخلاف في درجة الحديث دون تصريح بالترجيح، ولكن من سياق كلامه، يفهم ترجيحه لأحد الأقوال. فمن ذلك أنه ذكر حديث عثمان ﵁: من شهد صلاة العشاء (في جماعة) فكأنما قام نصف ليلة (الحديث) وعزاه إلى مسلم من حديث عثمان ﵁ مرفوعا ثم قال: قال الترمذي: وروى عن عثمان موقوفا (٢)، فعزوه الحديث مرفوعًا إلى مسلم أولا، ثم ذكر القول المعارض عن الترمذي برواية الحديث موقوفا، مما يشير إلى ترجيحه تصحيح مسلم للرواية المرفوعة، وبمراجعة بقية كلام الترمذي عن الحديث، يتضح ذلك. فالترمذي قد شارك مسلما في إخراج الرواية المرفوعة من طريق سفيان عن عثمان ابن حكيم عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن عثمان به، ثم قال: حديث عثمان، حديث حسن صحيح، وذكر روايته موقوفا على عثمان، ثم قال: وروي من غير وجه عن عثمان مرفوعا (٣) فأشار بذلك إلى رجحان صحة الرواية المرفوعة. أما الإمام الدارقطني فاختلف ترجيحه: ففي التتبع (٤) رجح الوقف بأحفظية

стр. 1641

منْ رَوَاهُ، وفي العِلل (١) رجح المرفوع، فيؤخذ من قوله بما وافقه عليه غيره، وهو ترجيح الرفع، كما أشار إليه الترمذي فيما قدمته. وذكر العراقي أيضًا حديث «للسائل حق وإن جاء على فرس» وعزاه إلى أبي داود من حديث الحسين بن علي، وأبيه علي ﵄ ثم قال: وفي الأول - يعني حديث الحسين - يعلى بن أبي يحيى، جهله أبو حاتم، ووثقه ابن حبان. وفي الثاني: - يعني حديث علي - شيخ لم يسم. ثم قال: وسكت عنهما - أي الحديثين - أبو داود. ثم قال: وما ذكره ابن الصلاح في علوم الحديث: أنه بلغه عن أحمد بن حنبل، قال: أربعة أحاديث، تدور في الأسواق، ليس لها أصل، منها: حديث «للسائل حق» (الحديث)، فإنه لا يصح عن أحمد، فقد أخرج حديث الحسين بن علي في مسنده (٢). فمن مجموع كلام العراقي هذا عن الحديث يفهم ترجيحه للقول بأن الحديث له أصل، وأنه مخرج فعلا في مصدرين أصليين مشهورين وهما: سنن أبي داود ومسند أحمد، بإسناديهما (٣). وذلك خلاف ما ذكره ابن الصلاح عن الإمام أحمد، وأقره، بأن الحديث مما ليس له أصل؛ ويعتبر تخريج العراقي للحديث من مسند أحمد، ردًّا عمليًا.

стр. 1642

واضحا، على قول ابن الصلاح. لكن ما ذكره العراقي عن إسنادى الحديث، ثم ذكره سكوت أبي داود عنهما، ليس صريحا في تحديد درجته. غير أنه تعرض لهذا الحديث بطريقيه، في كتابين آخرين له، وهما: شرحه لألفيته في مصطلح الحديث المسماة «بالتبصرة والتذكرة» (١) وكتاب النكت على ابن الصلاح (٢) فقرر أن الرواية الأولى للحديث إسنادها جيد. وأن «يعلى بن أبي يحيى» الذي في هذا الإسناد، وإن جهله أبو حاتم فقد وثقه ابن حبان، وباقى رجال الإسناد ثقات. وأما الرواية الثانية للحديث، التي في سندها رجل لم يسم، فذكر لها شاهدين وبين ضعف كل منهما، وعليه فيرتقى إسنادها إلى الحسن لغيره. ويصبح الحديث بذلك له أصل، ويرقى بمجموع طرقه إلى الاحتجاج به. وما قرره الحافظ العراقي في كتابيه المذكورين عن هذا الحديث، وجدت شيخه الحافظ العلائي سبقه إلى نحوه، وقرر أن «يعلى بن أبي يحيى» ترتفع جهالته بذكر ابن حبان له في ثقاته، لكن حكم على الإسناد بأنه «حسن»، بدلا من حكم العراقي بأنه «جيد» (٣) و «يعلى» قد ذكره ابن حبان في الثقات، وذكر له راويا واحدا، هو «مصعب بن محمد» (٤) وقد روى عنه

стр. 1643

حَديثنا هذا، ولَخَّصَ ابن حجر حال (مُصْعَب) بأنه «لا بأس به (١)». ولا يُسلَّمُ للحافظين: العلائي، وتلميذه العراقي رَحِمَهُما الله ما قرَّراه هنا، من أن مُجرَّد ذكر ابن حِبّان «ليغلى» هكذا في ثقاته، يقتضي رفع جهالة حاله، وحسَّن حديثه، أو جَوْدَتَه، لذاته. وذلك لأن ابن حبان يُدخِلُ في كتابه الثقات مَنْ يُعرَف كونه مُسْلِمَاً مِنْ ظاهر حاله، ولو بالاسم فقط، طالما أنه لا يُعرف فيه جرح، سواء روى عنه واحد أو أكثر (٢). ومثل هذا يُعتَبَر مجهولاً، أو مستور الحال، عند غيره من جمهور النقاد، وحديثه عندهم ضعيف لذاته، ويرتقى إلى الحسن أو الصحيح لغيره، بمتابع أو شاهد مُعتَبَر. وقد أقرَّ العلائي والعراقي ومن جاء بعدهم هذا، تبعاً لإقرارهم تعريف الإمام الترمذي للحسن لغيره بما مُجْمَلُه، أنه: ما رواه مستور لم تتحقق أهليته، وروى حديثه من وجه آخر يُعتضد به، أو أكثر (٣). بل إن ابن حبان نفسه لم يكتف في الاحتجاج بالراوي بمجرد ذكره في كتابه الثقات، وإنما أضاف إلى ذلك أن يوجد في الراوي ما يقتضي صدقه،

стр. 1644

وضَبطُه في الجُملة (١)، وسيأتي للعراقي أيضا أنَّه يَصِفُ بعض الرُّواةِ بجهالة الحال مع ذكر ابن حِبَّانَ له في الثِّقاتِ. و «يعلى بن أبي يَحيَى» هذا، قد اعتمد جهالته التي وصفه بها أبو حاتم الرازي، غير واحد من الأئمَّة ممَّن سَبَقَ العلائي والعراقي، أو عاصرهما، أو تأخر عنهما (٢) نعم هناك ملحظ آخر يُمكِن التعويل عليه في رفع جهالة «يعلى» هذا، والاحتجاج بحديثه، وهو أن ابن خُزَيمة قد أخرج حديثه الذي معنا في صحيحه (٣) ولم أجد من تعقَّبه في ذلك بحجَّةٍ مُعتَبَرة، كما لم أجد متابعا ليعلى على هذا الحديث. فيكون ابن خُزَيمة قد احتجَّ به بمفرده في هذا الحديث، فيُعتَبَر الحديث من طريقه هذا حسنا لذاته، بناء على أن ابن خُزَيمة ممن يُعتَبَر الحسن من قسم الصحيح (٤) ولكن العلائي والعراقي - رحمهما الله - لم ينظر في تحسين أو تجويد سند الحديث من طريق يعلى إلى احتجاج ابن خُزَيمة به في هذا الحديث، بدليل أنهما لم يعزوا الحديث إلى ابن خُزَيمة، مع حرصهما على تقويته، كما ترى، بل اقتصرَا على الاعتماد على ذكر ابن حِبَّان «ليعلى» في كتابه الثقات، وهو غير كاف في الاحتجاج به حتى عند ابن حِبَّان.

стр. 1645

نفسه، كما أسلفت توضيحه (١). وقد يذكر العراقي الخلاف في درجة الحديث، دون تصريح بالترجيح في هذا التخريج الصغير، في حين نجده ذكر في الكبير ما يشير إلى الترجيح، وهذا من مميزات تخريجه الكبير (٢)، الذي نأسف على افتقاد معظمه حتى الآن، كما أسلفت. ب - بيان العراقي لدرجات الأحاديث بدون عزو لغيره، أو بالعزو مع الزيادة: ويعتبر هذان المسلكان أكثر من اقتصاره على النقل عن غيره، كما تقدم، ومقتضى عدم العزو لغيره، أنه هو الذي قرّر درجة الحديث، بناء على خبرته المشهودة بعلمى الرواية والدراية، ومراعاته للقواعد النقدية، المتعلقة بسند الحديث ومتنه. لكني وجدت بعض الأحكام التي لم يعزها إلى غيره، قد شبق إليها من غيره. ومن ذلك حديث أبي أمامة ﵁ «إن سياحة أمتى الجهاد في سبيل الله» فقد عزاه إلى أبي داود، ثم قال: وإسناده جيد (٣)، وقد أخرج أبو داود الحديث من طريق العلاء بن الحارث، عن القاسم بن عبد الرحمن عن

стр. 1646

أبي أمامة، به (١) … وقد سبق العراقي إلى بيان درجة الحديث بهذا الإسناد، حيث أخرجه الحاكم من طريق العلاء، به وصحح إسناده، وأقره الذهبي (٢). أما الإمام النووي فحكم بمثل عبارة العراقي، فقال: إسناده جيد (٣). ومع ذلك لم يعز العراقي هذا الحكم إليه، ولا عزا الحديث كذلك إلى الحاكم، ولا ذكر تصحيحه (٤). وقد تنوع بيانه لدرجة الحديث على أنحاء متعددة، يطول تفصيلها، ومجمله: أنه تارة يقيد الدرجة بسندة واحد عن صحابي واحد، وتارة بيّين الدرجة بأكثر من سندة أو أكثر من طريق عن أكثر من صحابي، وقد يكون الإسناد متأخرا إلى القرن السادس، وتارة يذكر الدرجة من غير تصريح بالتقييد بسند معين، وهذا قليل، وقد يفهم القيد من السياق. وإليك الأمثلة: ذكر العراقي حديث: إن الله ليؤيد هذا الدين بأقوام لا خلاق لهم، وعزاه إلى النسائي من حديث أنس ﵁ ثم قال: بإسناد صحيح (٥). وبالمراجعة يظهر لنا أن النسائي أخرج الحديث في سننه الكبرى (٦) منفردا به.

стр. 1647

عن بقية الستة، فرواه عن محمد بن سهل بن عسكر عن عبد الرزاق، عن رباح بن زيد عن معمر بن راشد عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس به. وهذا إسناد ظاهر الصحة، لثقة رواته (١) وعدم ظهور قادح فيه، وأبو قلابة - هو عبد الله ابن زيد الجرمي - مع ثقته فإنه كثير الإرسال، لكن روايته عن أنس متصلة (٢). وذكر العراقي حديث أمره ف عمر ﵁ أن يزود أربعمائة راكب من تمر كان كربضة بعير، وعزاه إلى أحمد من حديث النعمان بن مقرن، ودكين بن سعيد، ثم قال: بإسنادين صحيحين (٣). وذكر حديث: يبعث زيد بن عمرو بن نفيل أمة وحده، وعزاه إلى النسائي في الكبرى من حديث زيد بن حارثة، وأسماء بنت أبي بكر، ثم قال: بإسنادين جيدين (٤)، ويلاحظ أن الحكم بجودة الإسناد مما لم ينص العراقي عليه في المقدمة، ولكن عُرف باستقراء منهجه خلال الكتاب، كما سيأتي. وذكر حديث: تأويل قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ الآية - هو أن تصل من قطعك (الحديث) وعزاه إلى ابن مردويه - يعن في تفسيره - من حديث جابر، وقيس بن سعد بن عبادة، وأنس. ثم قال: بأسانيد حسان (٥). وذكر حديث: ليس من أخلاق المؤمن الملق إلا في طلب العلم، وعزاه إلى ابن عدي - يعني في كتابه الكامل في الضعفاء - من حديث معاذ، وأبي أمامة.

стр. 1648

﵄ ثم قال: بإسنادين ضعيفين (١). - وذكر حديث أتاني جبريل في كفه مرآة بيضاء فقال: هذه الجمعة (الحديث)، وعزاه إلى الشافعي في المسند، والطبراني في الأوسط، وابن مردويه في التفسير ثم قال: بأسانيد ضعيفة، مع اختلاف (٢). وذكر حديث: إذا أراد الله بعبده خيرًا جعل له واعظا من نفسه، وعزاه إلى أبي منصور الديلمي في مسند الفردوس، من حديث أم سلمة، ثم قال: وإسناده جيد (٣)، وتابعه الشارح على ذلك (٤). وذكر حديث: تحفة المؤمن في الدنيا الفقر، وعزاه إلى محمد بن خفيف الشيرازي في كتاب شرف الفقر، وأبي منصور الديلمي في مسند الفردوس من حديث معاذ بن جبل، ثم قال: بسند لا بأس به. ثم قال: ورواه أبو منصور أيضا، فيه - يعني في مسند الفردوس - من حديث ابن عمر، بسند ضعيف جدا (٥)، وتبعه الشارح كذلك، لكن ذكر في درجة الحديث الأخير: «ضعيف» فقط (٦). وحكم العراقي هذا على حديث أم سلمة، بإسناد أبي منصور الديلمي، بأنه

стр. 1649

جيد، وعلى حديث معاذ بن جبل بسند الديلمي أيضا بأنه لا بأس به، يعتبر ردا عمليا على ما ذكره ابن الصلاح من التوقف عن الحكم بالصحة على الأحاديث بأسانيد المتأخرين؛ لأن أبا منصور الديلمي متوفى سنة ٥٥٨ هـ (١) فإسناداه بالحديثين الأول والثاني، من أسانيد العصور المتأخرة، وقد حكم العراقي على الحديث الأول بأن إسناده جيد، وسيأتي أنه في حكم الصحيح، أو فوق الحسن، ودون الصحيح. وكذلك الحكم على سند الحديث الثاني بأنه «لا بأس به» فهو بمثابة الحسن، وهو مشارك للصحيح في أصل الاحتجاج، وإن كان دونه في القوة، كما هو معروف. أما حكم العراقي على حديث عمر ﵁ بسند الديلمي أيضا أنه (ضعيف جدا) أو (ضعيف) فقط، حسب ما تقدم من اختلاف النسخ، فيمكن القول بأنه مبنى على حال بعض رجال الإسناد المتقدمي الطبقة، بعد الصحابي. وقد وجدت السيوطي ذكر حديث أم سلمة السابق وعزاه إلى الديلمي صاحب مسند الفردوس، وحده، ووجدت في طبعة الجامع الصغير التي مع فيض القدير على هذا الحديث الرمز إلى ضعفه. لكن المناوي في فيض القدير قرر أن السيوطي لم يرمز على الحديث بشيء يدل على درجته، وأشار في التيسير والفيض إلى اطلاعه على لفظ الحديث في مسند الفردوس، وقال في التيسير: وإسناده جيد، كما ذكره العراقي، وقال في

стр. 1650

الفيض: قال الحافظ العراقي وغيره: إسناده جيد، كذا جزم به في المغني (١). ولا أعلم من الذي قصده المناوي بقوله «وغيره» حيث لم أقف على من حكم بجودة إسناد هذا الحديث غير العراقي. وقد نقل الشيخ الألباني ﵀ عن الطبعة التي رجع إليها من كتاب تخريج «الإحياء»: أن العراقي قال عن هذا الحديث: إسناده حسن، وذكر الشيخ إسناد الديلمي بالحديث، وبين من حال بعض الرواة، وغيره، ما يقتضي ضعفه (٢). أما الحديث الثاني وهو حديث معاذ «تحفة المؤمن في الدنيا الفقر» فقد ذكره السيوطي أيضا في الجامع وعزاه إلى الديلمي في مسند الفردوس، ورمز له بالضعف، في الطبعة التي مع الفيض من الجامع، وذكر المناوي في الفيض أن سند الديلمي بهذا الحديث فيه يعقوب بن الوليد المدني، وأن الذهبي في الضعفاء قال: كذبه أحمد والناس، ونقل عن السخاوي قوله: حرف اسمه - يعني يعقوب هذا - على بعض رواة الحديث، فسماه «إبراهيم» وللحديث طرق كلها واهية (٣). وذكر ابن طولون الحديث كما ذكره العراقي، وذكر حكمه على سند حديث معاذ بأن إسناده لا بأس به، وحكمه على سند حديث معاذ بأن
следующие страницы →