← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 30167

الحافظ العراقي وأثره في السنة

أحمد بن معبد عبد الكريم

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

«عطية» ولم يوقف لها على ترجمة بأى من ذلك، ولعل هذا ما جعل العراقي يتوقف فيها، كما تقدم. لكن الخرائطي قد أخرج حديثها الذي معنا في كتابه «مساوئ الأخلاق» (١) من طريق موسى بن إسماعيل التبوذكى حدثنا الهنيد بن القاسم، به، وجاءت تسميتها في هذا الإسناد «رابطة» وقد ذكرها ابن سعد في الطبقات فقال: ريطة الحنفية، روت عن عائشة ﵂، وأخرج من طريق ميسرة عنها قالت: أمتنا عائشة في الصلاة، فقامت وسطنا، ولم يذكر فيها جرحا ولا تعديلا (٢) ومن رواية ابن سعد هذه، ورواية ابن أبي الدنيا والخرائطي للحديث الذي معنا، نجد أنه قد عُرف اسم ونسب «ريطة» هذه، وعرف أيضا أنه روى عنها اثنان، فترتفع جهالة عينها، وتبقى جهالة حالها. ويظهر بذلك تحريف اسمها من بعض النساخ لكتابي ابن أبي الدنيا السابقين. ولأجله لم يتيسر للعراقي ﵀ الوقوف على ترجمة لها، فتوقف عن الحكم على إسناد هذا الحديث. ولم أجد من ترجم لها ممن حقق كتابي ابن أبي الدنيا السابقين، أما باقي رجال الإسناد: - فهم: - عبيد الله بن جرير بن جبلة، أبو العباس، العتكى، قال الخطيب: كان ثقة (٣)؟ وموسى بن إسماعيل، التبوذكى، المنقرى، ثقة على الراجح (٤)

стр. 1682

وهنيد بن القاسم بن عبد الرحمن، ذكره ابن أبي حاتم (١) وابن حبان في الثقات (٢) ولم يذكرا راويا عنه غير موسى التبوذكي، كما لم يذكرا فيه جرحا ولا تعديلا. وعليه، فهو مجهول. وبذلك يكون الحديث بهذا الإسناد ضعيفا لأجل «هنيد» هذا، و «ريطة بنت خالد» التي روى هو عنها الحديث، كما تقدم. الإشارة إلى الحديث ببيان وجود راو مبهم في السند، أو معدل على الإبهام: وقد صرح العراقي بذلك في عدة مواضع مما وقع الإبهام في سنده مثل «رجل من بنى فلان» و «عمة فلان» ونحو ذلك، وقد يبين اسم المبهم ولا يبين عينه ولا حاله، وقد يذكر التعديل على الإبهام مثل «من لا أتهم»، ومقتضى هذا كله ضعف الحديث من الطريق الذي وقع فيه شيء من ذلك (٣) وإن لم يصرح العراقي بوصف الضعف (٤).

стр. 1683

الإشارة إلى درجة الحديث بوصف الراوي بأنه «متكلم فيه»: قد يشير العراقي إلى درجة الحديث بذكر أحد رجال الإسناد، ولا يصفه بلفظ اصطلاحي معين يوضح مرتبة ضعفه، ولكن يقول: فيه، فلان، «متكلم فيه»، أو «تكلم فيه فلان» وهذه العبارة تعتبر جرحا غير مفسر، كما ذكر الذهبي (١) وهي بمفهومها العام، متسعة الدلالة، كما ترى. ولكن الذي لاحظته في كتب الرجال عند إطلاقها هكذا، بدون قرينة أخرى، أن الراوي تكلم فيه بعض النقاد بما لا يقتضي شدة ضعفه. وبنحو هذا أطلقها العراقي في بعض المواضع: - فقد ذكر حديث: «إن بُدلاء أمتي لم يدخلوا الجنة بصلاة ولا بصيام» (الحديث) وعزاه إلى الخرائطي في مكارم الأخلاق من حديث أبي سعيد (الخدري) نحوه، ثم قال: وفيه «صالح المري» متكلم فيه (٢) وأقره الشارح (٣). ثم في موضع آخر ذكر حديثا أخرجه الحاكم من طريق «صالح المري» هذا وقال: مستقيم الإسناد، تفرد به صالح المري، وهو أحد زهاد البصرة اهـ. فتعقب العراقي الحاكم فقال: لكنه ضعيف في الحديث (٤) فاستفدنا من ذلك مقصوده بوصفه لصالح في الموضع الآخر بأنه «متكلم فيه» وبمراجعة مصادر ترجمة «صالح» هذا نجد الأقوال فيه مختلفة، والأكثرون على تضعيفه ضعفا

стр. 1684

غير شديد، من جهة ضبطه (١). لكن لم يطرد إطلاق العراقي لتلك العبارة بمعنى الضعف غير الشديد، خلال الكتاب كله: فقد ذكر حديث سعيد بن عامر: يدخل فقراء المسلمين الجنة، قبل الأغنياء بخمسمائة عام (الحديث) وعزاه إلى الطبراني مع بعض اختلاف، ثم قال: وفي إسناده يزيد بن أبي زياد، تكلم فيه (٢). ووصفه بذلك أيضا في موضع آخر (٣). و «يزيد بن أبي زياد» هذا، هو القرشي الدمشقي الشامي، وقد وصف بالصلاح والفقه، لكن الأكثرين على أنه شديد الضعف. فيتجه ذلك إلى شدة ضعف ضبطه للحديث (٤) مع أن العبارة كما أشرت، لا يستفاد منها ذلك، بدون قرينة. وعليه فكان ينبغي على العراقي أن لا يقتصر عليها في بيان حال هذا الراوي، المشار به إلى درجة الحديث من طريقه. وذكر العراقي في موضع آخر، حديث: «لا تتكلفوا للضيف» وعزاه بنحوه، إلى أبي بكر بن لال في مكارم الأخلاق، من حديث «سلمان»

стр. 1685

﵁، ثم قال: وفيه محمد بن الفرج الأزرق، متكلم فيه (١) وأقره الشارح (٢). وبمراجعة ما جاء في حال (محمد) هذا، نجد أنه تكلم في جرحه مجملا، ومفصلا، وعارض ذلك توثيق الخطيب له، وذكر ابن حبان له في الثقات مع بيان أنه من شيوخ شيوخه، ورد غير واحد على ما تجرح به، وقرر الخطيب أن أحاديثه عموما، صحاح مستقيمة (٣). وعليه يكون اقتصار العراقي على وصفه بأنه (متكلم فيه) مخالف لما يفيده الإطلاق العام لهذه العبارة، ومخالف أيضا للراجح من حال هذا الراوي، والذي يشير إلى حسن حديثه - على الأقل - ما لم تكن هناك علة أخرى. ومما وصف العراقي الراوي فيه بأنه «تكلم فيه فلان»، أنه ذكر حديث الحسن (البصري): «هل منكم من يريد أن يُذهب الله عنه العمى؟» وعزاه إلى ابن أبي الدنيا، والبيهقي - في شعب الإيمان - من طريق الحسن، مرسلا، ثم قال: وفيه إبراهيم بن الأشعث، تكلم فيه أبو حاتم (٤). وبالمراجعة نجد أن ابن أبي حاتم قال: سألت أبي عن إبراهيم بن الأشعث، وذكرت له حديثا رواه عن معن عن ابن أخي الزهري عن الزهري، فقال: هذا حديث باطل، موضوع، كنا نظن بإبراهيم بن

стр. 1686

الأشعث الخير، فقد جاء بمثل هذا (١) وبالنظر لمن فوق إبراهيم، في سلسلة هذا الإسناد السابق، نجد أن «مُعنَّا - وهو ابن عيسى - والزهري، كلاهما ثقتان، وابن أخي الزهري - هو محمد بن عبد الله ابن مسلم - لخص ابن حجر حاله بأنه «صدوق له أوهام (٢)» وبذلك يكون الثلاثة أرفع حالا من «إبراهيم» ومقتضى كلام أبي حاتم السابق، أنه جعل عهدة هذا الحديث الذي حكم ببطلانه، راجعة إلى إبراهيم، فيكون هذا جرحا شديدا له، يصل إلى تهمة الكذب في نظر أبي حاتم، في حين نجد بعض تلاميذ «إبراهيم» قد وثقه، ونجد غير أبي حاتم تكلم فيه برواية المناكير، وبعض الوهم، وهذا أخف تضعيفا، من قول أبي حاتم السابق (٣) فاقتصار العراقي على تكلم أبي حاتم في «إبراهيم» يشير إلى اختيار قول أبي حاتم فيه، مع أنه أشد الأقوال فيه، كما أوضحت، فيكون العراقي قد تشدد في هذا الموضع، في الإشارة لتضعيف الحديث بكون راويه تكلم فيه أبو حاتم، بما تقدم ذكره (٤) وعموما فإن العراقي لم يكثر خلال الكتاب من استعمال عبارة «متكلم فيه» ولا عبارة «تكلم فيه فلان»، ولكن الأكثر هو التصريح بالألفاظ الاصطلاحية في وصف الراوي المشار به إلى درجة الحديث، كما سيأتي توضيحه خلال الفقرات التالية».

стр. 1687

تصريح العراقي بوصف الراوي ببعض الألفاظ الاصطلاحية، إشارة إلى درجة الحديث من طريقه: مما جرى عليه العراقي في بيان درجة الحديث، ذكره راويا أو أكثر من إسناد الحديث، ومن يذكره، يصفه بلفظ اصطلاحي يدل على درجة ضعفه، وبالتالي يدل على درجة ضعف الحديث من هذا الطريق، وتارة ينسب اللفظ لقائله، وتارة لا ينسبه، وتارة يسوق القول بنصه، وتارة بمعناه. فمن ذلك أنه ذكر حديث: «ينادى مناد من تحت العرش يوم القيامة» (الحديث) وعزاه إلى سباعيات أبي الأسعد القشيري من حديث أنس، ثم قال: وفيه الحسين ابن داود البلخي، قال الخطيب: ليس بثقة (١). ومما عبر فيه العراقي عن قول الناقد، ولم يسق لفظه، أنه ذكر حديث «أكثروا على من الصلاة في الليلة الغراء واليوم الأزهر» وعزاه إلى الطبراني في الأوسط من حديث أبي هريرة، ثم قال: وفيه عبد المنعم بن بشير، ضعفه ابن معين وابن حبان (٢). وبالمراجعة نجد أن لفظ ابن معين: «أتيت عبد المنعم، فأخرج إلى أحاديث أبي مودود، نحوا من مائتي حديث، كذب، فقلت: يا شيخ، أنت سمعت

стр. 1688

هذه من أبي مودود؟ قال: نعم، قلت: اتق الله، فإن هذه كذب، وقمت، ولم أكتب عنه» (١). وقول ابن حبان لفظه: منكر الحديث جدا، يأتي عن الثقات بما ليس من حديث الأثبات، لا يجوز الاحتجاج به بحال (٢). ومن ذلك تلاحظ أن لفظ كل منهما يفيد شدة ضعف «عبد المنعم» هذا، في حين ما عبر به العراقي عن قولهما يفيد مجرد ضعفه فقط. وبذلك تختلف درجة ضعف حديث «عبد المنعم» من ضعيف جدا، إلى ضعيف فقط، وسيأتي بيان تفريق العراقي نفسه بين الضعيف فقط، والضعيف جدا، وهكذا هما متفاوتان في الاصطلاح العام كما سيأتي توضيحه. ولهذا فإنه ينبغى على من يريد تحرير القول في واحد من الرواة أو الأسانيد، أو المتون، أن يطالع أقوال النقاد بألفاظهم التي نقلت عنهم، ولا يكتفي بنقل العراقي أو غيره لها بالمعنى، كما في المثال السابق. ويعتبر نقل العراقي السابق لقولى ابن معين وابن حبان بالمعنى، متوسعا فيه، كما أوضحته. وأما وصفه للرواة ببعض الألفاظ الاصطلاحية دون عزوها لغيره، فهذا كثير، ومنه: أنه ذكر حديث «رحم الله عبدا تكلم فغنم» (الحديث) وعزاه إلى البيهقي في الشعب من حديث أنس، ثم قال: بسند فيه ضعف؛ فإنه من رواية إسماعيل ابن عياش عن الحجازيين (٣).

стр. 1689

فيلاحظ أنه ضعف الحديث، من رواية أنس، ﵁ بهذا الإسناد، وعلل ذلك بحال إسماعيل في روايته عن الحجازيين، ومعناه أن شيخه في هذا الإسناد حجازى. وبمراجعة سند الحديث عند البيهقي نجد شيخ إسماعيل فيه هو «عمارة بن غزية» وهو أنصارى مدنى (١). وبمراجعة الأقوال في حال «إسماعيل» نجد ما ذكره العراقي، قد قرره جماعة من النقاد المعتبرين (٢) وهذا يعتبر تطبيقا منه لمراعاة قاعدة الجرح المقيد في الحكم على مرويات الراوي؛ لأن إسماعيل وإن ضعف في روايته عن الحجازيين، فهو محتج به، في روايته عن الشاميين (٣) كما أن العراقي في هذا الموضع ذكر الضعف المطلق بمعناه الاصطلاحي، وهو الضعف الخفيف، الذي يقبل الانجبار بمثله، أو بما هو أقوى منه (٤) لكنه لم يطرد منهجه على هذا في كل الكتاب، بل خرج عنه في مواضع، فمن ذلك أنه ذكر حديث «من أحب قوما على أعمالهم، حشر في زمرتهم» وعزاه إلى ابن عدي في الكامل، من حديث جابر، ثم قال: وفيه إسماعيل بن يحيى التيمي، ضعيف (٥). ومقتضى هذا أن يكون الحديث من طريق «إسماعيل» هذا، ضعفه غير

стр. 1690

شديد، لكن عند مراجعة الأقوال في «إسماعيل» المذكور، نجده موصوفا بوضع الحديث، وبالكذب، وبأن عامة ما يرويه بواطيل، مع ذكر بعضها في مصدر ترجمته (١). وعليه فاقتصار العراقي على وصفه بمطلق الضعف، غير متوافق، لا مع خلاصة الأقوال في حال هذا الراوي، ولا متوافق مع المرتبة الاصطلاحية للفظ «الضعف» المطلق، ودرجة حديث الراوي الموصوف به. وقد لخص الذهبي حاله بأنه «متروك» كأبيه (٢)، فأقل أحوال حديثه أنه شديد الضعف، لا ضعيفه فقط. وأيضا وجدت حكم العراقي على بعض الرواة الذين أشار بوصفهم إلى درجة الحديث من طريق كل منهم، قد تغير، من موضع لآخر في كتاب المغني نفسه. فمن ذلك أنه ذكر حديث «إن في النار توابيت، يجعل فيها المتكبرون»، وعزاه إلى البيهقي في الشعب، من حديث أنس ثم قال: وفيه أبان بن أبي عياش، وهو ضعيف (٣). وذكره في حديث آخر وذكر أنه «ضعيف» أيضا (٤). ثم ذكره في حديث آخر بعد هذين الموضعين، وذكر أنه ضعيف جدا (٥) والمتناسب مع خلاصة الأقوال في حال «أبان» هو القول الأخير بأنه ضعيف

стр. 1691

جداً (١) وتكرر مثل هذا في مواضع أخرى من الكتاب (٢). ومن المعروف أن هناك تفاوتاً بين مرتبة «ضعيف» ومرتبة «ضعيف جداً» وقد غاير العراقي نفسه خلال الكتاب بينهما كما سيأتي توضيحه، فإطلاقه كلا اللفظين على راو واحد، غير مناسب للاصطلاحات المقررة لمراتب الألفاظ النقدية. لكن هذا الاختلاف في الحكم على الراوي الواحد، يعتبر قليلاً بالمقارنة بما لم يختلف حكم العراقي عليه عند تكرره في هذا الكتاب. إشارة العراقي لدرجة الحديث بوصف راويه بأنه «مختلف فيه»، أو ذكر ما يفيد الخلاف فيه، دون تصريح بالراجح: ومن المعروف أن الراوي المختلف في بيان حاله جرحا وتعديلا، يحتاج إلى عمق في البحث، ودقة في النظر، على ضوء قواعد النقد، حتى تستخلص النتيجة في حاله، جمعاً، أو ترجيحاً، وعلى ضوء ذلك تتحد درجة حديثه، ومثل هذا لا يتاح إلا لأفذاذ العلماء والنقاد، ومنهم من جعل حصول الخلاف في حال الراوي عموماً، يقتضي الحكم بتحسين حديثه لذاته، ما لم تكن فيه علة أخرى (٣)، ولكن هذا توسع، لا يستقيم تعميمه على كل المختلف فيهم. وقد حسن العراقي بعض الأسانيد التي فيها أحد الرواة مختلفاً فيه، مع

стр. 1692

ترجيح الاحتجاج به بمرتبة الحسن لذاته، عند العلماء ما لم توجد علة أخرى، مثل: عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده (١)، وشريك بن عبد الله النخعي (٢)، وأقر تحسين الترمذي لحديث من طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده (٣). لكنه أطلق وصف «مختلف فيه» على بعض الرواة الذين لا يترجح تحسين حديثهم لذاته، سواء عند غيره من العلماء، أو عنده هو، في موضع آخر من كتاب المغني نفسه. فمن وصفه بأنه «مختلف فيه»: «عمارة بن زاذان» مشيرا بذلك لدرجة الحديث من طريقه، وبمراجعة مصادر ترجمته نجد أقوال العلماء على ترجيح تضعيفه (٤) ومنهم من ترجح لدى غير العراقي من العلماء أنه متروك الحديث، مثل «حفص بن سليمان الأسدي، أبو عمر المقرى» مع إمامته في القراءة (٥). وأما «نجيح بن عبد الرحمن السندى، أبو معشر» فقد وصفه العراقي في موضع من المغني بأنه «اخْتُلِفَ فيه» (٦) ثم وصفه في موضع آخر بأنه

стр. 1693

«ضعيف» (١). وهذا هو المتفق مع عامة الأقوال في حاله، في الحديث (٢). ووصف العراقي أيضا (ليث بن أبي سليم) بأنه «مختلف فيه» في مواضع (٣)، ثم قال في موضع: «ضعفه الجمهور» (٤) ووصف (الربيع بن صبيح السعدى) في موضع بأنه «مختلف فيه» (٥) ووصفه في موضع آخر بأنه «ضعيف جدا» (٦) ومن ذلك يظهر أن تعقيب العراقي على الحديث بأن في سنده الراوي الفلاني، «مختلف فيه» لا يستفاد منه وحده، تحديد العراقي درجة معينة للحديث، ولكنه يشير بذلك إلى أن الحديث بهذا الاسناد، يحتاج إلى بحث ونظر، حتى تحدد درجته قبولا، أو ردا. وهناك عدد آخر من الرواة، ذكر الاختلاف في حالهم، من عالم واحد، أو من أكثر من عالم، دون أن يصرح بترجيح شيء من هذا الاختلاف، مع كونه أشار بذكر هذا الاختلاف في حال الراوي، إلى درجة الحديث من طريقه (٧) وبذلك كان المقام يقتضي الترجيح.

стр. 1694

لكن لعل العراقي حين تكلم على هؤلاء الرواة، سواء من وصفهم بوصف «مختلف فيه» أو من ذكر الخلاف فيهم دون ترجيح، لم يكن ظهر له رأى راجح في كل منهم، بدليل من صرح في بعض المواضع بما ظهر له في حالهم، كما قدمت، وبدليل أن منهم من رجح فيه غيره، أو جمع بين الأقوال، مثل «سعد بن سنان» (١) ثم إن هناك عددًا آخر من الرواة المختلف فيهم، ذكرهم العراقي مشيرا بهم إلى درجة الحديث من طريق كل منهم، وتأمل الخلاف في كل منهم، وذكر ما ترجح لديه في حال كل منهم، وعلى ضوء ذلك تستفاد درجة الحديث عنده من طريق كل منهم، كا يدلنا ذلك على شخصيته النقدية، وكفاءته، واجتهاده في اختيار ما يترجح لديه، من وجوه الاختلاف، وعلى درايته بنقد الرواة، ومراتبهم تقعيدًا وتطبيقا فبعض الأحاديث ذكر أن في سندها فلانا ضعفه الجمهور (٢)، وبعضها ذكر أن في سندها فلانا أجمعوا على ضعفه (٣) أو فلانا أجمعوا على تركه (٤). وبعض الرواة ذكر بعض الأقوال بتضعيفه، وعارضها بالأقوال المرجحة لتوثيقه، فدل ذلك على اختياره التوثيق.

стр. 1695

قد ذكر حديث فضل: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ … ﴾ (الآيتين)، وعزاه إلى المستغفري في الدعوات من حديث علي، ﵁، وإلى ابن حبان في الضعفاء - في ترجمة «الحارث بن عمير» وذكر قول ابن حبان: إن الحديث موضوع، لا أصل له، وقوله: إن الحارث يروي عن الأثبات الموضوعات، ثم عقب على ذلك، بأن «الحارث» هذا وثقه حماد بن زيد، وابن معين، وأبو زرعة، وأبو حاتم (الرازيان) والنسائي، وذكر أن البخاري روى له تعليقا (١). فمن تعقب العراقي هذا بذكر جماعة الموثقين للحارث، في مواجهة شدة تضعيف ابن حبان له، يستفاد أن العراقي يرى ترجيح قول الموثقين له، لأكثريتهم، لاسيما أن فيهم من عرف بالتشدد في التوثيق وهو النسائي وأبو حاتم، وفيهم أيضا من هو أكبر سنا من الحارث، بحيث شاهده وعرفه عن قرب، وهو حماد بن زيد، وبذلك رد قول ابن حبان بتجريح الحارث، مع كونه مفسرا، لما عرف من تشدده في الجرح. وهذا المسلك من العراقي يتمشى مع قاعدة الترجيح بالأكثر، مع ضميمة قرينة التشديد التي أشرت إليها في جانبي التوثيق والتجريح. ثم إن العراقي قد سئل عن هذا الحديث الذي معنا بخصوصه، فضمن إجابته تضعيف ابن حبان واثنين آخرين معه وهما الحاكم والذهبي، وعارض ثلاثتهم بذكر جماعة الموثقين للحارث بالقول وبالرواية عنه، والاحتجاج بروايته (٢).

стр. 1696

أما الإمام الذهبي، فذكر جماعة الموثقين للحارث الذين ذكرهم العراقي، وعقب على ذلك بقوله: وما أراه إلا بين الضعف، وأيد ذلك بقول ابن حبان وبقول للحاكم أيضا بنحوه (١). فأفاد ذلك ترجيحه للقول بتضعيفه المفسر، على قول الأكثرين بتوثيقه والرواية عنه. ومقتضى هذا أنه أخذ بالقول بتقديم الجرح المفسر مطلقا، وفي كتابه المغني في الضعفاء، أشار إلى هذا الترجيح (٢)، ولما ذكر الحارث في كتابه «من تكلم فيه بما لا يوجب الرد» صدر الترجمة بقوله: «لا يحتج به» (٣). أما الحافظ ابن حجر، فاتجه إلى الجمع بين الأقوال بدلا من الترجيح، كما دفع ما وجه إلى الحارث من تضعيف شديد؛ ففي التقريب قال: وثقه الجمهور، وفي أحاديثه مناكير ضعفه بسببها الأزدي وابن حبان، وغيرهما، فَلَعَلّهُ تغير حفظه في الآخر (٤). فجعل توثيق الجمهور له، محمولا على أول أمره، وتضعيف من ضعفه، محمولا على ضعف ضبطه، في أواخر عمره. وفي غير كتاب التقريب، ذكر الحافظ نسبة ابن حبان له إلى رواية الموضوعات، وحكمه على ما روى من طريقه بالبطلان، ثم أجاب عن ذلك بأنه إفراط من ابن حبان، وبأن حديثنا هذا الذي انتقده على الحارث، علته ممن دون الحارث في الإسناد، وهو أبو صالح محمد بن أبي الأزهر، المعروف

стр. 1697

بابن زنبور، لأنه وإن وثقه بعض العلماء فقد ضعفه بعضهم، وقد روى عن الحارث مناكير، لكنها لا تصل إلى درجة الوضع، بل تعتبر ضعيفة فقط، وبذلك اعتبر ذكر ابن الجوزي للحديث الذي معنا في الموضوعات، أنه إفراط منه (١). وهذا الصنيع من ابن حجر، بالجمع بين الأقوال، أولى من ترجيح التوثيق مطلقا، كما صنع شيخه العراقي، ومن ترجيح التضعيف مطلقا كما صنع الإمام الذهبي، وذلك لما في الجمع من إعمال مجموع الأقوال. وقد تابع ابن حجر عليه كل من السيوطي (٢) وابن عراق (٣). وبعض الرواة نجد الحافظ العراقي يقتصر على أحد الآراء الواردة فيهم، مع توافر بقية الآراء في مصادره التي رجع إليها، فدل هذا على اختياره لما ذكره من الآراء، دون غيره، واختياره تبعا لذلك درجة حديث الراوي المذكور على ضوء ما اقتصر عليه في حال راويه. ومن ذلك أنه ذكر حديثين من طريق «الحارث بن عبد الله الأعور» وعقب على كل منهما بقوله: فيه الحارث الأعور، وهو ضعيف (٤) وبمراجعة الآراء في الحارث، نجدها مختلفة، ومتفاوتة بين تقوية، وتضعيف، وتكذيب (٥). فاقتصار العراقي على تضعيفه، يعتبر اختيارا منه، وسطًا، وقد نسب الذهبي

стр. 1698

توهين (الحارث) إلى الجمهور (١)، ولخص حاله بقوله: شيعي لين (٢) وبنحوه لخصه ابن حجر (٣). ولكني لاحظت أن العراقي قد يختار في الحكم على الراوي المشار به إلى درجة الحديث، خلاف الراجح من الأقوال في حاله. فقد ذكر حديث (من أحب قوما على أعمالهم حشر في زمرتهم يوم القيامة) وعزاه إلى ابن عدي، من حديث جابر ﵁ ثم قال: وفي طريقه «إسماعيل ابن يحيى التيمي» ضعيف (٤). وبمراجعة الأقوال في حال (يحيى) هذا، نجدها تدور بين: الوصف بالكذب، مطلقا، وبين الوصف برواية الأحاديث الموضوعة، والباطلة عن الثقات، والكذب في الرواية عنهم، وقال الذهبي: مجمع على تركه، وأقره الحافظ ابن حجر (٥). فالحكم على هذا الراوي وعلى الحديث من طريقه بمجرد الضعف، خلاف ما اتفق عامة النقاد عليه في حاله، كما قدمت. وقد سبق للعراقي وصف بعض الرواة بعبارة الإجماع على تركه، كما أنه يفرق بين الضعف والترك في غير هذا الموضع (٦) كما سيأتي. فعدم ذكره لهذا:

стр. 1699

في حال (يحيى) هذا، يشير إلى اختياره عدم وصفه بالترك، وإن كان هو الراجح من الأقوال كما أسلفت. وذكر العراقي أيضا حديث «ارحموا ثلاثة … » (الحديث) وعزاه إلى ابن حبان في الضعفاء من رواية «عيسى بن طهمان عن أنس» ثم قال: وعيسى ضعيف (١)، ومقتضى الاقتصار على هذا، أن الحديث من طريقه ضعيف، لأجله. ولكن عندما نراجع الأقوال في حال «عيسى» هذا، نجد أن عامة النقاد على توثيقه، ماعدا ابن حبان، حيث أورد هذا الحديث في ترجمته، وقال: ينفرد بالمناكير عن أنس، ويأتى عنه بما لا يشبه حديثه، كأنه يدلس، عن أبان ابن أبي عياش، ويزيد الرقاشي، عنه، لا يجوز الاحتجاج بخبره (٢). ولم أجد من وافق ابن حبان على قدحه في عيسى هذا، وقد وضع الذهبي في الميزان رمز «صح» أمام ترجمته، للإشارة إلى رجحان توثيقه في نظره (٣) وفي الكاشف جزم بأنه «ثقة» (٤) وفي (معرفة من تكلم فيه بما لا يوجب الرد) قال: صدوق، قال ابن حبان وحده، لا يجوز الاحتجاج به (٥)، وقد اعتبر الحافظ ابن حجر قول ابن حبان: إفحاشا في حق عيسى هذا، وأجاب عن حديثنا هذا، بأن

стр. 1700

الآفة فيه ممن دون عيسى في الإسناد، وليس منه (١) كما أن الزبيدي وجد بحاشية إحدى نسخ كتاب المغني هذا الخطية تعقبا من الحافظ ابن حجر لشيخه العراقي، في تضعيف عيسى هذا، فقال: عيسى، ثقة، لم يتكلم فيه غير ابن حبان، وقد احتج به البخاري، والنسائي (والآفة) - يعني في هذا الحديث - ممن دونه (٢). وعليه فإن أخذ العراقي هذا بقول ابن حبان وحده في تضعيف عيسى هذا، وجعله هو سبب ضعف الحديث، مردود عليه، كما ترى. الوصف بما يتعلق بحال الإسناد، للإشارة به إلى درجة الحديث: أما ما ذكره العراقي من أوصاف للإسناد، مشيرا بها إلى درجة الحديث بالإسناد الموصوف، فأوصاف متعددة، وأكثرها يرجع إلى أنواع الانقطاع التي تقع في سلسلة السند، ويسمى كل منها باسم اصطلاحي، كما سيأتي. وبعض الأوصاف يرجع إلى ما يحصل في طرق الحديث من اختلاف على بعض الرواة في الإسناد، كالاختلاف بالرفع والوقف، أو بالوصل والإرسال، وغير ذلك. فمثل هذا الاختلاف منه ما يكون سببا في ضعف الحديث، وإعلاله، فأشار العراقي إلى ضعف بعض الأحاديث بما وجد في طرقها من هذا الاختلاف، كما سيأتي. فمما يتعلق بانقطاع السند: الإرسال، بنوعيه: الظاهر، والخفي، والأول هو المشهور، عند الإطلاق، وهو ما لم يُذكر فيه الصحابي، فيرفع التابعي

стр. 1701

الحديث إلى الرسول ﷺ (١)، ويذلك يضعف المتن المروي بهذا الإسناد، ما لم يوجد له طريق آخر ينجبر به ضعف الإسناد المرسل (٢). ولكن العراقي يقيد حكمه - في الغالب - ببعض أسانيد الحديث، ثم إن أتيح له طرق أخرى ذكرها، ليستفيد الباحث بما يصلح منها الجبر ما في الطريق الأخرى من انقطاع بالإرسال أو غيره. وفي بعض المواضع التي أشار العراقي فيها إلى درجة الحديث يوصف سنده بالإرسال، أشار إلى أن مراده به النوع الاصطلاحي المشهور، الذي لم يذكر فيه الصحابي كما قدمت. وقد يشير إلى أن الحكم بالإرسال من استنتاجه هو، بحكم خبرته بطبقات الرواة، وبقواعد المصطلح، فيضيف بذلك أثرا علميا لخدمة السنة، وتمحيص مروياتها، بما لا نجده في مصدر الرواية التي حكم هو عليها. فقد ذكر حديث «تسعة أعشار الرزق في التجارة» وعزاه إلى إبراهيم الحربي، في غريب الحديث، من حديث نعيم بن عبد الرحمن، ثم قال: ورجاله ثقات، و «نعيم» هذا قال فيه ابن مندة: ذكر في الصحابة، ولا يصح، وقال أبو حاتم الرازي، وابن حبان: إنه تابعي، فالحديث مرسل (٣) فيلاحظ أنه استنتج الحكم بالإرسال على ضوء أقوال العلماء: بأن رافعه تابعي، لا صحابي.

стр. 1702

وذكر حديث الأوزاعي مع المنصور، وموعظته له، وعزاها إلى ابن أبي الدنيا، وغيره، من طريق متكلم في أحد رواته، ثم قال: وقد رأيت سرد الأحاديث المذكورة في الموعظة، لنذكر: هل لبعضها طريق غير هذا الطريق؟، وليعرف صحابي كل حديث، أو كونه مرسلا؟ (١)، ثم ذكر من تلك الأحاديث: حديث عروة بن رويم: كانت بيد رسول الله ﷺ جريدة، يستاك بها، ويروع بها المنافقين (الحديث) وعزاه إلى ابن أبي الدنيا في «مواعظ الخلفاء» ثم قال: وهو مرسل، و «عروة بن رويم» ذكره ابن حبان في ثقات التابعين (٢). وذكر حديث: إذا استقر أهل الجنة في الجنة (الحديث) وعزاه إلى البزار من رواية الحسن عن أنس، ثم قال: ورواه الأصفهاني في الترغيب والترهيب، مرسلا، دون ذكر أنس (٣). وقد يحكم بالإرسال على سبيل الاحتمال، لعدم توافر دليل الجزم لديه (٤) وقد يضم إلى وصف الحديث بالإرسال، بيانا لدرجة الإسناد، إلى من أرسل الحديث، ففي أحد الأمثلة التي تقدمت، ذكر أن رجال الإسناد إلى من أرسل الحديث ثقات (٥). وفي موضع آخر ذكر العراقي حديث يزيد الرقاشي: كانت صلاة رسول الله ﷺ مستوية (الحديث) وعزاه إلى ابن المبارك في الزهد، ولغيره من طريقه،

стр. 1703

ثم قال: وهو مرسل ضعيف (١). فيزيد الرقاشي، تابعي، وخلاصة حاله أنه ضعيف، كما ذكر الذهبي (٢) وابن حجر (٣)، وعلى هذا وصف العراقي الحديث بأنه مرسل، باعتبار كون التابعي هو الذي رفعه إلى الرسول ﷺ ، وبأنه ضعيف باعتبار أن هذا التابعي ضعيف (٤). وفي موضع آخر ذكر حديث ابن أبي مليكة: أن النبي ﷺ قال: زوروا موتاكم (الحديث)، وعزاه إلى ابن أبي الدنيا في (أهوال) القبور، ثم قال: هكذا، مرسلا، وإسناده حسن (٥). وابن أبي مليكة الذي رفع الحديث: هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، ثقة من كبار التابعين (٦). وفي موضع آخر ذكر حديث «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد من الله إلا بعدا»، وعزاه إلى كتاب الطاعة والمعصية لعلى بن معبد، من حديث الحسن، ثم قال: مرسلا، بإسناد صحيح (٧). ويلاحظ أن العراقي - في الغالب - يذكر التابعي الذي أرسل الحديث،

стр. 1704

فيكون المراد بتحسين أو تصحيح الإسناد المرسل، أن السند من أوله إلى التابعي الذي أرسل الحديث، مستوفي شروط الحسن أو الصحة، لذاته، وإن كان كل منهما ضعيفا، من حيث عدم اتصاله إلى الرسول ﷺ وتكون فائدة الحكم بالحسن أو الصحة للإسناد إلى التابعي: إمكان الاحتجاج بالمروى، عند من يحتج بالمرسل الذي ليست له علة سوى الإرسال، وأيضا بيان صلاحية هذا المرسل للاعتضاد بغيره، بحيث يرتقى بما يوجد له من عاضد مثله في المرتبة أو أقوى منه، إلى درجة الحسن أو الصحة، فيحتج به من لا يحتج بالمرسل، بمفرده، وقد يصف العراقي إحدى روايات الحديث بالإرسال، ثم يذكر معها بعض ما يجبر ضعفها من الشواهد (١) ويترك ملاحظة ذلك للقارئ. وأما النوع الثاني الذي ذكره العراقي من المرسل، فهو المسمى بالمرسل الخفي، وقد عرفه هو بنفسه بأن يروى الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه منه، أو عمن لقيه ولم يسمع منه، أو عمن عاصره ولم يلقه، وقد بين العراقي أيضا سبب وصفه بـ «الخفي» فقال: فهذا قد يخفي على كثير من أهل الحديث، لكونهما - أي الراوي والمروى عنه - جمعهما عصر واحد (٢) ويلاحظ أن العراقي قد أدخل في التعريف رواية المدلس، في قوله: «أن يروى الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه منه» مع أنه في هذا التخريج وغيره، يذكر التدليس وحده على رواية الراوي عمن سمع منه ما لم يسمعه منه كما

стр. 1705

سيأتي. وقد أخرج تلميذ العراقي ابن حجر العسقلاني وغيره عبارة (راوية الراوي عمن سمع منه، ما لم يسمعه منه) من تعريف الإرسال الخفي، الذي ذكره العراقي، لكن يميزوا الإرسال الخفي عن التدليس، واعتمد هذا السخاوي (١). وقد ذكر العراقي نوع الإرسال الخفي في حديث لحكيم بن حزام قال: «بايعت رسول الله ﷺ على ألا أخر إلا قائما» فعزاه إلى أحمد والنسائي، ثم قال: وفيه إرسال خفي (٢). ولم يوضح العراقي كما ترى، الإرسال الخفي الذي في سند الحديث، ولكن بمراجعة إسناده عند كل من النسائي وأحمد، نجدهما أخرجاه من طريق يوسف بن ماهك عن حكيم بن حزام. وقد ذكر الإمام أحمد أن رواية يوسف عن حكيم مرسلة، وصححه العلائي (٣) وتاريخ وفاة يوسف على ما رجحه الذهبي، وقال به الأكثرون سنة ١١٣ (٤) وهو … ... … من أقران عطاء بن أبي رباح، وقد ولد عطاء أيام خلافة عثمان ﵁ (٥). وحكيم عاش إلى سنة ٥٤ هـ أو بعدها، كما قال الحافظ ابن حجر (٦)،

стр. 1706

وبذلك يكون إدراك يوسف ومعاصرته الحكيم ظاهرة، لكن لم يوقف على سماعه منه، فتحقق بذلك الإرسال الخفي بينهما، ومقتضاه ضعف روايته عنه، لعدم اتصالها، على الراجح. وقد يعبر العراقي بذكر عدم السماع بدلا من ذكر اسم «الإرسال الخفي»، فقد ذكر حديث «من انقطع إلى الله، كفاه الله كل مؤنة» (الحديث)، وعزاه إلى الطبراني في الصغير، وابن أبي الدنيا، ومن طريقه البيهقي في الشعب، كلهم من رواية الحسن عن عمران بن حصين، ثم قال العراقي: «ولم يسمع منه … » (١) يعني لم يسمع الحسن - وهو ابن يسار البصري - من عمران بن حصين، والحسن قد ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب ﵁، أي سنة ١٩ هـ تقريبا (٢) في حين توفي عمران بن حصين سنة ٥٢ هـ (٣)، فإدراك الحسن - وهو في سن تمكنه من السماع، لعمران بن حصين، حاصل، ولكن اختلف في سماعه منه، والأكثرون على نفي صحة سماعه منه (٤) وقد وصف البيهقي روايته عن عمران بأنها مرسلة (٥) وبناء على حصول المعاصرة، دون السماع، ينطبق على هذا الإرسال تعريف المرسل الخفي، كما تقدم، لكن العراقي لم يسمه بذلك كما سمى نظيره في المثال السابق (٦).

стр. 1707

وقد يطلق العراقي الإرسال على ما يعتبر مُعضلا في الاصطلاح، وهو ما سقط من إسناده اثنان فأكثر، من موضع واحد، ممن فوق بداية الإسناد (١). فقد ذكر حديث «لا تشغلوا قلوبكم بذكر الدنيا» وعزاه إلى البيهقي في الشعب، من طريق ابن أبي الدنيا، من رواية محمد بن النضر الحارثي، مرفوعا، وقال: إنه مرسل (٢)، وتبعه الشارح (٣). و «محمد بن النضر» هذا يعتبر ممن تبع أتباع التابعين (٤)، وقد رفع الحديث إلى الرسول ﷺ فيكون سقط بينهما أكثر من راويين، مع التوالى، فيكون الإسناد معضلا، وليس مرسلا، كما ذكره العراقي. ومما ذكره مشيرا به إلى درجة الحديث (الانقطاع)، وقد يذكر معه ما يدل على أن مراده به المعنى الاصطلاحي المعروف وهو: ما سقط من إسناده راو واحد غير الصحابي (٥) سواء كان السقط في موضع أو أكثر، خلال الإسناد (٦). ومقتضاه ضعف الحديث بهذا الإسناد، لفقد الاتصال، وهذا الانقطاع يطلق عليه أيضا اسم «الإرسال» بغير معناه الاصطلاحي المشهور، والسابق ذكره، وستأتي بعض الأمثلة لذلك. وقد يصرح العراقي بالمعنى الاصطلاحى للانقطاع كما قدمت تعريفه، وقد

стр. 1708

يحدد موضع الانقطاع في الإسناد، بما يفيد إرادته هذا المعنى فقد ذكر حديث: أنه ﷺ علم أبا بكر ﵁ أن يقول: اللهم إني أسألك بمحمد نبيك (الحديث) في الدعاء لحفظ القرآن، وعزاه إلى أبي الشيخ بن حبان، في كتاب الثواب، من رواية عبد الملك بن هارون بن عنترة عن أبيه، أن أبا بكر أتى النبي ﷺ ، ثم قال العراقي: وعبد الملك وأبوه، ضعيفان، وهو منقطع بين هارون، وأبي بكر (١). و «هارون بن عنترة» هذا يقال له أيضا «هارون بن أبي وكيع» وهذا الانقطاع لم أجد من ذكره غير العراقي، ولعله استنتاج منه، كما أسلفت الإشارة إلى ذلك، وذلك بناء على نظره في طبقة «هارون» هذا، حيث ذكره ابن حبان في ثقاته، ضمن أتباع التابعين، فيكون بينه وبين أبي بكر الصديق ﵁ راو آخر، وهو التابعي (٢) وبهذا يتحقق تعريف الانقطاع الاصطلاحي، كما سبق، وعلى ضوء هذا المثال، يمكن تفسير مراد العراقي بالانقطاع في غير هذا الموضع مما يماثله، دون أن يبين فيه العراقي مقصوده (٣). وقد ذكر أيضا حديث «هذان - يعني الذهب والحرير - حرامان على ذكور أمتي» وعزاه إلى النسائي، والترمذي بنحوه، من حديث أبي موسى الأشعري، وذكر أن الترمذي صححه، ثم عقب على تصحيحه بقوله: قلت: الظاهر انقطاعه بين سعيد بن أبي هند، وأبي موسى الأشعري، ثم

стр. 1709

دلل لذلك بقوله: فأدخل أحمد بينهما رجلا لم يُسم (١). ويلاحظ أن تقرير هذا الانقطاع تعقب به العراقي تصحيح الترمذي للحديث، وهكذا فعل رفيقه الزيلعي (٢) وتلميذ العراقي الحافظ ابن حجر (٣) ثم الشيخ الألباني في الإرواء (٤). وقد سبق هؤلاء جميعا أبو حاتم الرازي وابن حبان، والدارقطني (٥). ولكن يمكن الجواب عن تصحيح الترمذي للحديث، أنه باعتبار شواهده، المروية عن جماعة من الصحابة، كما أشار بنفسه إلى ذلك، حيث قال عقب هذا الحديث: وفي الباب عن عمر، وعلى … وذكر تمام ثلاثة عشر صحابيا (٦). وعليه فكان الأولى بالعراقي أن يشير إلى ذلك، بدلا من الاقتصار على ذكر ما يضعف الحديث من رواية أبي موسى، وحدها. في حين سلك رفيقه الزيلعي مسلك ذكر عدد من طرق الحديث الأخرى، التي تشهد له (٧) وتابعه مع التوضيح والإضافة: الشيخ الألباني في الإرواء (٨). وذكر العراقي حديث: إذا غضب أحدكم، وهو قائم فليجلس (الحديث)،

стр. 1710

من حديث أبي ذر، وعزاه إلى أبي داود، ثم قال: وفيه عنده انقطاع، سقط منه أبو الأسود (١). وذلك لأن الحديث عند أبي داود من طريق أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبي ذر، وقد قال أبو داود عقبه: إن أبا حرب لا يحفظ له سماع من أبي ذر (٢)؟ وقد أخرج الإمام أحمد الحديث في مسنده (٥/ ١٥٢) من طريق أبي حرب ابن أبي الأسود، عن أبيه، عن أبي ذر، فدل ذلك على سقوط أبي الأسود من سند أبي داود. فيعتبر بيان العراقي هنا للانقطاع، مستفادا من مصدر تخريجه للحديث، وهو سنن أبي داود، وإن كان العراقي لم يصرح بذلك. وذكر حديث عائشة: قلت: يا رسول الله ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ هو الرجل يسرق ويزني؟ قال: لا، (الحديث) وعزاه إلى الترمذي، والحاكم، وذكر قول الحاكم: صحيح الإسناد، ثم تعقبه بقوله: بل منقطع بين عائشة وعبد الرحمن ابن سعيد بن وهب - يعني الراوي له عنها (٣). وهذا التعقب من العراقي، لم أجده ضمن تعقبات الذهبي في مختصره لمستدرك الحكم، رغم ما سيأتي عنه بعد قليل. فيعتبر هذا إضافة من العراقي لتنقية ما صححه الحاكم في المستدرك.

стр. 1711

ومن قبل العراقي ذكر أبو حاتم الرازي: أن عبد الرحمن هذا، لم يلق عائشة، وأقره على هذا العلائي شيخ العراقي (١). ومعروف أن نفي اللقاء وحده لا يقتضي نفي المعاصرة، وبالتالي ينطبق على رواية عبد الرحمن هذا عن عائشة اسم المرسل الخفي، كما تقدم، وقد وصف أبو حاتم نفسه رواية عبد الرحمن هذا عن عائشة بالإرسال (٢) لكن الذهبي في الكاشف: ذكر أنه قيل: إن عبد الرحمن، لم يدرك عائشة (٣) وهذا هو المناسب لتعريف الانقطاع، اصطلاحا، كما تقدم، فلعل العراقي أخذ بما ذكره الذهبي في الكاشف، مع أنه في مختصر المستدرك لم يتعقب الحاكم في تصحيحه (٤). ذكر الإعضال، مشارا به إلى درجة الحديث: وذكر العراقي أيضا «الإعضال» مشيرا به إلى درجة الحديث، ويعرف الإعضال اصطلاحا، بأنه: ما سقط من إسناده اثنان فصاعدا، مع التوالي، من أي موضع كان في الإسناد، سواء سقط الصحابي والتابعي، أو التابعي وتابعه، أو اثنان قبلهما، بشرط كون السقط من موضع واحد، في كل الأحوال (٥) وله قسم ثان، وهو رواية تابع التابعي عن التابعي، ما هو موقوف عليه (٦).

стр. 1712

وقد يقرن العراقي وصف الإعضال بما يدل على المقصود الاصطلاحي به. ولما كان وصف الإعضال في السند، يقتضي ضعف الحديث، بهذا الإسناد، فإن العراقي إذا توافر لديه، من طرق الحديث الأخرى، عاضد يجبر ضعف الطريق المعضل، فإنه يذكره، للإشارة إلى صلاحية الحديث للاحتجاج بمجموع العاضد والمعضود، لكنه لا يصرح بدرجة الحديث التي ارتقى إليها بمجموع ما ذكره من طرقه، فيترك استنتاج ذلك للقارئ نفسه. وإليك بعض الأمثلة الموضحة، لما أجملته: فقد ذكر العراقي حديث: كان رسول الله ﷺ يقول عند ختم القرآن: اللهم ارحمني بالقرآن (الحديث)، وعزاه إلى أبي منصور المظفر بن الحسين الأرجاني، في فضائل القرآن، وأبي بكر بن الضحاك في الشمائل، كلاهما من طريق أبي ذر الهروى، من رواية داود بن قيس معضلا (١). وبمراجعة كتب التراجم، نجد راويين كل منهما يقال له: «داود بن قيس» وكلاهما من أتباع التابعين، كما ذكر ابن حبان (٢) ولم يتضح لي المقصود منهما في إسناد هذا الحديث، لكن باعتبار طبقتهما هذه، تعتبر رواية كل منهما عن النبي ﷺ معضلة، على الاصطلاح، كما تقدم، لعدم ذكر الصحابي والتابعي فيها (٣).

стр. 1713

وذكر حديث «ما أبالي ما رددت به الجوع» وعزاه إلى أبي الحسن بن الضحاك المقرى - في الشمائل، من رواية الأوزاعي قال: قال رسول الله ﷺ (الحديث)، ثم قال: وهذا معضل (١)، فيعتبر حكمه هذا بالإعضال استنتاج منه، طبقا لتعريف المعضل الاصطلاحي، كما تقدم، وذلك لأن الأوزاعي - وهو عبد الرحمن ابن عمرو - إمام أهل الشام، المعروف، وقد ذكره ابن حبان في أتباع التابعين (٢) وقد رفع الحديث منه مباشرة إلى النبي ﷺ ، دون ذكر التابعي، ولا الصحابي. ثم إن العراقي أتبع الحديث بما يشهد لمعناه، فقال: ولمسلم من حديث جابر: أن النبي ﷺ سأل أهله الأدم، فقالوا: ما عندنا إلا خل، فدعا به (الحديث) (٣) وبذلك يرتقي الحديث إلى درجة الصحيح لغيره، باعتبار شاهده الصحيح هذا، وإن لم يصرح العراقي بذلك، كما أشرت لذلك فيما تقدم. وذكر حديث «لا يستكمل عبد الإيمان، حتى يكون قلة الشيء أحب إليه من كثيره» (الحديث)، وقال: ذكره صاحب الفردوس، من رواية علي بن أبي طلحة مرسلا، ولم يخرجه ولده في مسند الفردوس، ثم قال: وعلي بن أبي طلحة، أخرج له مسلم، وروى عن ابن عباس؛ لكن روايته عنه مرسلة، فالحديث إذن معضل (٤). ويلاحظ أن العراقي وصف رواية علي بن أبي طلحة،

стр. 1714

أولا بأنها مرسلة، ثم عرف بحاله، وبطبقته التي تدل على أنه يعتبر من أتباع التابعين، وعقب على ذلك باستنتاج: أن روايته هذه للحديث معضلة، لعدم ذكر التابعي والصحابي فيها. وبذلك يكون قوله الأول: إن روايته للحديث مرسلة، مقصود به، مجرد عدم الاتصال، وليس الإرسال بمعناه الاصطلاحي المشهور، ثم حدد في آخر كلامه نوع الانقطاع، وأنه إعضال، بناء على طبقة على بن طلحة، ويؤيده ما ذكره ابن حبان في الثقات (١). وذكر العراقي أيضا حديث أنه ﷺ كان إذا نزل بأهله الضيق، أمرهم بالصلاة (الحديث)، وعزاه إلى الطبراني في الأوسط، من حديث محمد بن حمزة، عن عبد الله بن سلام، قال: كان النبي ﷺ (الحديث)، ثم قال العراقي: ومحمد بن حمزة بن يوسف بين عبد الله بن سلام، إنما ذكروا له روايته عن أبيه عن جده، فيبعد سماعه من جد أبيه (٢). والمراد بجد أبيه: (عبد الله بن سلام) الذي يروى عنه هنا هذا الحديث، ومقتضى كلام العراقي أن الإسناد هنا معضل؛ لأنه سقط منه راويان متواليان، هما: «حمزة» والد محمد، و «يوسف» جده (٣). وفي النسخة الخطية التي بين أيدينا، للمعجم الأوسط للطبراني، جاء سند الحديث من طريق عبد الله بن المبارك عن معمر عن محمد بن حمزة، عن

стр. 1715

عبد الله بن سلام، به، موافقا لما ذكره العراقي، وبين إعضاله. وهكذا أخرجه أبو نعيم في الحلية ٨/ ١٧٦ عن الطبراني، بسنده إلى ابن المبارك، به. وأخرجه البيهقي في الشعب (١) من طريق سعيد بن منصور عن عبد الله بن المبارك، به. لكن لما رجعت إلى النسخة الخطية لسنن سعيد بن منصور (ق ١٥٤/ أ) وجدت الإسناد بعد ابن المبارك هكذا «عن معمر عن حمزة بن عبد الله بن سلام»، قال: كان النبي ف (الحديث). ولم أجد في الرواة من يقال له «حمزة بن عبد الله بن سلام»، فلعله وقع من الناسخ في هذا الموضع سقط، وتحريف. وقد أخرج البيهقي الحديث أيضا في موضع متأخر عن السابق، في الشعب، ووقع في السند فيه تحريف صوبه المحقق، بناء على الموضع المتقدم (٢). وعلى هذا مشى فضيلة الأخ الدكتور/ محمود الطحان في تحقيقه للمعجم الأوسط للطبراني، وقد قرر الطبراني عقب الحديث: أنه لا يروى عن عبد الله بن سلام إلا بهذا الإسناد (٣)، وبنحوه قال أبو نعيم (٤) في تحقيق المعجم الأوسط في

стр. 1716

طبعته المصرية (١) وكذا في تحقيق «مجمع البحرين» (٢) حصل تصرف من الأخوة المحققين في سند الحديث في صلب الكتاب، حيث أثبتوا الراويين الساقطين في موضع الإعضال، وذلك بين حاصرتين، دون مستند صحيح لذلك. وأيضا ذكر السيوطي أن سند الحديث عند البيهقي في الشعب: صحيح (٣). ونسب الزبيدي التصحيح للبيهقي لكن لم أجد للبيهقي كلاما عن الحديث في الموضعين اللذين خرجه فيهما في الشعب. وقد حاول الزبيدي ﵀ توجيه تصحيح البيهقي للسند، مع ثبوت الإعضال فيه كما تقدم - فقال: وكأنه أثبت سماعه - يعني محمد بن حمزة - من أبي جده، أو أنه سقط في سياق الطبراني: «عن أبيه» (٤). وتقييد الزبيدي ﵀ السقط بأنه من سياق الطبراني، يفيد أنه لم يراجع السند في الشعب، لأنه فيه كما في الطبراني، كما أسلفت. وذكر العراقي حديث «أن عطاء بن يسار قال: إن رجلا قال للنبي ﷺ أكذب على أهلي؟ قال: لا خير في الكذب (الحديث) وعزاه لابن عبد البر في التمهيد، مرسلا، من رواية صفوان ابن سليم عن عطاء بن يسار، مرسلا، ثم قال: وهو في الموطأ، عن صفوان بن سليم، معضلا، من غير ذكر عطاء

стр. 1717

ابن يسار (١)، يعني أن يكون سقط منه التابعي والصحابي، معا، فيكون معضلا اصطلاحيا، كما تقدم. ويلاحظ في هذا المثال تمييز العراقي بين المرسل والمعضل الاصطلاحيين. ذكر العراقي التعليق في الإسناد، للإشارة به إلى درجة الحديث: مما أشار به العراقي أيضا إلى درجة الحديث من طريق معين، وصفه بالتعليق من هذا الطريق، فيفيد ذلك ضعفه من هذا الطريق، لانقطاع إسناده بالتعليق، فقد عُرِفَ المعلق كما ذكر العراقي وغيره بأنه ما سقط من بداية إسناده من ناحية مؤلف الكتاب المعزو إليه الحديث، أو راو أو أكثر، حتى لو أسقط الإسناد كله، وذكر الرسول في فقط (٢). ويوجد التعليق في كثير من الحديث الأصلية المسندة، ولكن الإمام البخاري أورده في صحيحه أكثر من غيره من الأئمة، مع وصله له في موضع آخر من الصحيح، وهذا هو الأكثر، وقد يذكر تعليقا فقط، مع كونه موصولا عنده في غير الصحيح، أو موصولا عند غيره، وقد يكون التعليق بعبارة جازمة مثل «قال» أو «ذكر» أو بعبارة تفيد التضعيف مثل «يُرْوَى» أو «يُذْكَر»، وبمراعاة الطريق الموصولة، تكون درجة الحديث بمجموع الطريقين، حسن أو صحيح (٣). فمن ذلك: حديث: «يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه

стр. 1718

وزن ذرة من إيمان» وعزاه إلى البخاري تعليقا من حديث أنس، ثم قال: وهذا عندهما - يعني البخاري ومسلما - متصل بلفظ «خير» بدل «إيمان» وذكر للرواية التي فيها لفظ «الإيمان» بعض الشواهد من الصحيحين (١). وعليه تكون الرواية المعلقة بمراعاة بقية الطرق الموصولة صحيحة لغيرها (٢) وقد يكون التعليق عند البخاري قد وصله غيره، فيبينه العراقي، فقد ذكر حديث: عليكم بالسواك (الحديث)، وعزاه إلى البخاري بقوله: تعليقا مجزوما من حديث عائشة، ثم أتبع ذلك بعزوه إلى النسائي وابن خزيمة، وقال: موصولا (٣) ونحو هذا ذكر ابن الملقن - قرين العراقي - مع زيادة، لكن لم يصرح بأن رواية النسائي وابن خزيمة قد وصلت تعليق البخاري (٤). وقد يذكر الرواية الموصولة شاهدا، للمتن وإن لم تبين اتصال التعليق، فقد ذكر حديث الزهري: «مضت السنة أن يُصلّى لكل أسبوع ركعتين» وعزاه إلى البخاري تعليقا، ثم أتبعه بذكر شاهد من حديث ابن عمر، وعزاه إلى الصحيحين (٥). ويلاحظ أن الزهري من التابعين المعروفين، وقول التابعي: «من السنة كذا .. » مختلف في كونه مرفوعا مرسلا، أو موقوفا متصلا إلى قائله، وهو التابعي؟

стр. 1719

وقد رجح النووي والمؤلف القول بأنه موقوف متصل (١) وقد علقه البخاري عن الزهري، كما ذكره العراقي مع بيان الشاهد له من الصحيحين، كما قدمت. وقد يذكر المعلق في غير الصحيحين، ثم يتبعه ببيان من وصله، فقد ذكر حديث عبد الرحمن بن غنم عن عشرة من الصحابة «تعلموا ما شئتم أن تعلموا، فلن يأجركم الله حتى تعملوا» وقال: علقه ابن عبد البر، وأسنده ابن عدي، وأبو نعيم، والخطيب في اقتضاء العلم للعمل، من حديث معاذ فقط، بسند ضعيف، ورواه الدارمي موقوفا على معاذ، بسند صحيح (٢). ومما ذكره العراقي يستفاد أن الحديث بمجموع ما ذكره من طرقه معلقا وموصولا يرتقي إلى الصحيح لغيره. ذكر العراقي أيضا «البلاغ» مشيرا به إلى درجة الحديث وبعض ما ينتقد عليه، فيه: والبلاغ: هو ما يقول فيه الراوي: بلغنى كذا، أو بلغني عن فلان كذا، وكلا العبارتين تفيدان الانقطاع في الإسناد بين من يقول: «بلغنى» ومن فوقه في الإسناد، بحسب من يظهر لنا سقوطه في موضع الانقطاع، يكون الاسم الاصطلاحي لهذا الانقطاع، كما سيأتي في المثال. وأشهر من عُرف بالرواية بلفظ «بلغنى» هو الإمام مالك ﵀ في موطئه، وإن كان قد عبر بذلك غيره. فقد ذكر العراقي حديث عبد الله بن عبيد بن عمير: بلغني أن رسول الله

стр. 1720

ف قال: إن الميت يقعد، وهو يسمع خطو مشيعيه (الحديث) وعزاه إلى ابن أبي الدنيا في كتاب القبور، له ثم عقب على تلك الرواية بقوله: هكذا مرسلا، ورجاله ثقات، ثم قال: ورواه ابن المبارك في الزهد إلا أنه قال عنه: «بلغني» ولم يرفعه (١). و «عبد الله بن عبيد» هذا قد روى عن عدد من الصحابة، وتوفي سنة ١١٣ هـ، فإدراكه للصحابة متحقق، ووصفه العجلى بأنه تابعي مكى ثقة، وعده الحافظ ابن حجر من أواسط التابعين كما في التقريب (٢). فرواية ابن أبي الدنيا التي رفع «عبد الله» فيها هذا الحديث، يعتبر بلاغه فيها إرسالا، كما وصفه العراقي، وحسب الاصطلاح المشهور في المرسل. وأما روايته الثانية التي عند ابن المبارك، والتي فيها «بلغنى: أن الميت» (الحديث) ولم يرفعها، يمكن اعتبارها منقطعة بينه، وبين من بلغه عنه الحديث، سواء أكان صحابيا أم تابعيا، ولو كان والده «عبيد بن عمير»، كما ذكر روايته عنه الزبيدي في الإتحاف، بنحو تلك الرواية (٣) .. أما بلاغات الإمام مالك، فهي منقطعة أيضا، ولكن يختلف اسم الانقطاع فيه بحسب من أضيف إليه البلاغ، فتارة يقول مالك: بلغني: أن سعيد بن المسيب مثلا، وتارة يقول: بلغنى عن جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ وتارة يقول: بلغنى أن رسول الله ف قال كذا (٤).
следующие страницы →