← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 30167

الحافظ العراقي وأثره في السنة

أحمد بن معبد عبد الكريم

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

من هؤلاء الأربعة فضلا عن غيرهم قبل تاريخ وفاتهم المذكور. وقد صرح بنفسه فيما تقدم بحفظ نصف «الحاوي» في ١٢ يوما، مع دراسته على الرشيدي، بل مقتضى ما أسلفناه من قراءته على البلبيسي وملازمته له أن يكون قد خرجه على منهج العصر الذي أوضحناه، وكذلك قد ذكر ابن حجر تلمذة العراقي للسبكي قبل انتقال السبكي للشام لتولي قضائها سنة ٧٣٩ هـ (١) واتفق المترجمون للإسنوي - بما فيهم العراقي نفسه - على أنه جلس للتدريس بالقاهرة سنة ٧٢٧ هـ (٢)، وبذلك تهيأ للعراقي من ملازمته له وبحثه عليه ما يكفي لبلوغه مرحلة التخرج عليه في وقت مبكر وإن استمرت تلمذته له إلى قرب وفاته سنة ٧٧٢ هـ كما سيأتي، لأن التخرج مجرد مرحلة دراسية وليست نهاية. وقد ذكر ابن فهد والسخاوي اتجاه العراقي للتخصص في القراءات وانهماكه فيها مدة، ثم عدوله إلى السنة سنة ٧٤٢ هـ، ومقتضى ذلك كله أن يكون قد أجيز بعلم الفقه وأصوله من غير واحد من شيوخه بالقاهرة وضواحيها وتخرج ببعضهم وذلك قبل سنة ٧٤٢ هـ على الأقل، حتى يسوغ اتجاهه للتخصص في علم آخر، وقد كان العراقي آنذاك في السابعة عشرة من عمره، وهو سن ملائم لتخرج أمثاله في عصره، كسراج الدين البلقيني (٣). أما كل من العلائي وابن كثير وأبي الحسن العطار، فهم من شيوخه بالشام،

стр. 212

وقد كانت أولى رحلاته إليها في سنة ٧٥٤ هـ كما سيأتي في طلبه الحديث، وهذا لا يمنع سبق تخرجه على غيرهم كما أوضحنا، ولعل المؤرخين للعراقي وخاصة تلاميذه ومعاصريه لم ينصوا على إجازته وتخرجه اعتمادًا على ذكرهم ما يقتضي ذلك من أخذه عن الشيوخ المتقدمين قراءة وسماعًا وملازمته المشاهيرهم، وبيانهم إبداءه من المباحث القيمة أمام شيخه الإسنوي ما جعله يثني على فهمه، ويمتدحه ويستحسن كلامه في الأصول ويصغي لمباحثه، ويقول: «إن ذهنه صحيح لا يقبل الخطأ» (١). كما قرروا أنه كان عالمًا بالفقه والأصول (٢) وذكروا مؤلفاته الآتية فيهما وتدريسه الفقه في المدرسة الفاضلية، أعظم مدارس القاهرة حينذاك، وفي غيرها (٣) وتصديه للفتوى شفويًا وتحريريًا في حياة شيوخه، وتوليه القضاء كما سيأتي، وكل ذلك لا يكون إلا بعد تحقق الكفاءة والتخرج، فضلا عن الإجازة. وقد وقفت على نص إجازته لتلميذه ابن حجر بالتدريس والفتوى بما علمه من مذهب الشافعي (٤)، وفاقد الشئ لا يعطيه فدل ذلك كله ضمنًا وواقعًا على ثبوت تخرج العراقي في علم الفقه وأصوله وإجازته من شيوخه فيهما بالفتوى والتدريس والتأليف بل كان شيخه الإسنوي يوجه الطلبة إليه ويحثهم على كتابة مؤلفاته (٥).

стр. 213

أبرز شيوخه في الفقه وأصوله وتأثيرهما فيه ولعل أظهر شيوخ العراقي في هذين العلمين مكانة وتأثيرا فيه واعتناء به هما الإمامان: تقي الدين السبكي، وجمال الدين الإسنوي، ولذا فإني سأعرف بهما بإيجاز مع توضيح أثرهما فيه لأنه مقصودنا. أولا: تقي الدين السبكي: هو أبو الحسن علي بن عبد الكافي بن علي السبكي، أحد الأئمة الشافعية المجتهدين في عصره، ولد ب (شبك العبيد) من أعمال المنوفية سنة ٦٨٣ هـ ورحل إلى القاهرة في صباه، فأخذ العلم بها عن كبار الشيوخ، ورحل في طلب الحديث إلى الإسكندرية ثم الشام، وعاد فأقام بالقاهرة مقبلا على التصنيف والفتيا والتدريس بعدة أماكن، فتتلمذ له العراقي وشيخه الإسنوي وغيرهما، وتخرج به فضلاء العصر وانتهت إليه رئاسة المذهب بالديار المصرية، وألف بها معظم مؤلفاته المشهورة في الفقه وغيره كـ «التفسير» و «تكملة شرح المهذب» من حيث وَقَفَ الإمام النووي وغير ذلك، إلى أن كانت سنة ٧٣٩ هـ. فعين لقضاء الشام وانتقل إليها، فقام بالعدل وغاية الإنصاف، كما جلس هناك للتحديث وتولى مشيخة دار الحديث الأشرفية بدمشق، وسمع عليه حينئذ خلائق، منهم الحافظ العراقي أيضا عند رحلته الأولى للشام كما سيأتي. وقبل وفاته بعشرين يوما عاد إلى القاهرة فتوفي بها سنة ٧٥٦ هـ، وقد ترجمه العراقي في وفياته كما يظهر من نقل ابن حجر عنه (١).

стр. 214

وأثره في العراقي يتضح في مظاهر متعددة منها: أخذه عنه الفقه والحديث كما أشرنا، وقراءته عليه بعض مؤلفاته ثم روايتها للتلاميذ عنه (١) ونقل عنه في بعض مؤلفاته (٢) ولما ظهرت بين يديه أمارات نبوغ العراقي وحسن فهمه شهد له بذلك علانية، فنوه بذكره في دروسه بين جموع الطلاب، وأمام الحافظ ابن كثير، وتلك بلا شك رعاية لها وزنها من مثله، إذا عرفنا أنه وجد في عصره بعض الشيوخ الذين إذا لاحظوا ظهور فلاح الطالب منعوه من الحضور عندهم (٣). ومن هنا كانت إشادة السبكي بنبوغ تلميذه العراقي دليلاً على صفاء نفسه كما كان لها أثرها الطيب في تنمية مواهب العراقي، وحفزه على مواصلة الجد في البحث والتحصيل. ومن مظاهر التأثير كذلك: أن العراقي تبع شيخه السبكي في بعض أعماله العلمية وآرائه؛ حيث واصل «تكملة شرح المهذب» في الفقه من حيث انتهى شيخه السبكي كما سيأتي، كما كان السبكي يرى منع تعدد إقامة شعائر الجمعة في أكثر من مكان بمدينة واحدة، وألف في ذلك عدة مؤلفات كما سنشير لها. بينما كان الشيخ سراج الدين البلقيني - من الشافعية أيضًا، وقرين العراقي -.

стр. 215

يرى جواز التعدد، وألف في الرد على السبكي رسالة بعنوان «إظهار المستند في تعدد الجمعة في البلد» (١) وأخرى بعنوان «تكذيب مدعي الإجماع مكابرة على منع تعدد الجمعة في القاهرة» (٢). فمال العراقي إلى رأي شيخه السبكي وألف في ذلك رسالته الآتي بيانها بعنوان: (الإستعاذة بالواحد من إقامة جمعتين في مكان واحد) ثانيًا: جمال الدين الإسنوي: هو الإمام عبد الرحيم بن الحسن بن علي القرشي الأموي، ولد بـ (إسنا) من صعيد مصر في العشر الأخير من ذي الحجة سنة ٧٠٤ هـ ونشأ بها، فقيل له الإسنوي ثم قدم القاهرة سنة ٧٢١ هـ ودرس الفقه على السبكي المتقدم كما درس غيره من العلوم كالأصول واللغة وسمع الحديث وانتصب للإقراء والتدريس والإفادة في الفقه والأصول والحديث وغيرهم من سنة ٧٢٧ هـ إلى قبل وفاته في ١٨ جمادى الأولى سنة ٧٧٢ هـ بيومين فقط، وبذلك صار أكثر علماء الديار المصرية من طلبته، ومنهم سميه الحافظ عبد الرحيم العراقي وتخرج به كثيرون وانتهت إليه رياسة الشافعية في حياته وقد توفر له مع البراعة العلمية صفات المدرس الناجح وأخلاقه، فكان ناصحًا في التعليم حريصًا على إيصال الفائدة للبليد، فصيح العبارة حلو المحاضرة، وقد يذكر التلميذ المبتدئ عنده الفائدة المطروقة فيصغى إليه كأنه لم يسمعها من قبل، جبرًا لخاطره كما كان حسن الشكل جيد التصنيف

стр. 216

ومن مؤلفاته القيمة: كتاب «المهمات في شرح كتابي الرافعي الكبير والروضة في الفقه» ويقع في ٨ مجلدات (١). وكتاب «الهداية إلى أوهام الكفاية» في مجلدين متوسطين وقد نقل في هذين الكتابين إجابة العراقي له على بعض ما سأله عنه (٢). و «الكوكب الدري في تخريج مسائل الفقه على قواعد النحو»، وهو واضح الدلالة على اعتماد التشريع على اللغة، و «التمهيد في استخراج المسائل الفرعية من القواعد الأصولية» (٣) وتقع بعض نسخه الخطية في ١٠٦ ورقة. و «طبقات الشافعية»، طبعت حديثا في مجلدين (٤) وقد ذكر فيها العراقي وهو حي ولقبه بحافظ العصر (٥). وتأثيره في العراقي له شواهد متعددة منها: أنه لازمه طويلا وظلت صلته به قوية حتى ودعه لمثواه الأخير، وتتلمذ له حتى ظهرت مواهبه العلمية بين يديه فأفسح له الإسنوي صدره، وأعطاه الفرصة لعرض مباحثه في علم الأصول عليه مع إصغائه له وتعقيبه عليه بالاستحسان، والثناء على فهمه وصحة ذهنه.

стр. 217

كما سبق ذكرنا له، ومثل هذه العناية كما تدل على أريحية الأستاذ ونجابة التلميذ، فإنها في نفس الوقت ذات تأثير قوي في تشجيع التلميذ ودفعه إلى الأمام وإعطائه الثقة بنفسه لكي يجد في مواصلة البحث ويدلي بآرائه دون تهيب من مخالفة الغير، طالما كان مستندًا للدليل المعتبر، وبث مثل هذه الروح وتشجيعها أمر له قيمته الكبرى في عصر العراقي الذي كانت الدعوة فيه للتقليد هي الغالبة، ولقد ظهر أثر تشجيعه على ابداء ما يراه صوابا في مواجهة الغير، في عامة نتاجه العلمي حتى بالنسبة لشيخه الإسنوي نفسه كما سنعرض له في محله، وقد بلغ من إعجاب العراقي وتأثره بشيخه الإسنوي أنه ألف له ترجمة مستقلة في كراسة كما ستأتي، وقد أشار فيها لفضله عليه، وأشاد بعلمه وسلوكه حتى اعتبره مجدّد الدين ومذهب الشافعي في عصره، كما عده من الأولياء ذوي الكرامات (١). وقد لاحظت توافق كثير من أخلاق العراقي التي قدمناها، مع ما ركز عليه من أخلاق شيخه، مما يوحي بتأثره به في ذلك. ومن تأثير الإسنوي في العراقي أيضًا ما صرح به من تلقيه عنه أشهر مؤلفاته المتقدمة في الفقه وأصوله حيث قال: وقرأت عليه أيضًا من مصنفاته: «التمهيد» و «الكوكب» وقرأت عليه قطعة صالحة من «المهمات» (٢). ثم إنه مدح هذا الكتاب بقوله:

стр. 218

أبدت مهماته إذ ذاك رتبته إن المهمات فيها يعرف الرجل (١) وهذا دليل خبرته بالكتاب؛ بل أنه ألف كتابا في الاستدراك عليه يُسمّى «المهمات أو التتمات» كما سيأتي، وهو دليل على بحث هذا الكتاب الضخم وهضمه جيدًا، حتى يتسنى له الاستدراك عليه، وسنورد بعض النماذج الدالة على ذلك عند ذكر الكتاب في مؤلفات العراقي كما أنه أورد في ترجمته المتقدم ذكرها عددًا من آرائه الفقهية المتفرقة في مؤلفاته، وهذا يدل على اطلاعه التفصيلي عليها واستفادته بها، ويؤيد ذلك أيضًا ما نجده في مؤلفاته من النقول المعزوة للأسنوي أو لمؤلفاته وإقرارها أو مناقشتها (٢). ومن أثره فيه أيضًا: سماعه الحديث منه، حيث قال: «وحضرت أجزاء من مسموعاته» (٣) وأورد في ترجمته له بعض ما سمعه من شعره (٤). وكما أثر الإسنوي في تكوين شخصية العراقي العلمية والخلقية، فإنه أثر في دعم مكانته العلمية ونتاجه العلمي، بعد أن تأكدت له كفاءته، فراح يحث الناس على دراسة العلم على يديه، وعلى كتابة مؤلفاته وتداولها، وقدم نفسه - وهو إمام العصر - دليلا للثقة بتلميذه، وراح يجني ثمار غرسه الطيب فكان يسأله ويدون ما يجيبه به في مؤلفاته الشهيرة كما ذكرنا (٥) وأثنى في «طبقاته» على «تكملة شرح الترمذي» ولقبه فيها وفي غيرها بحافظ العصر.

стр. 219

كما سيأتي، ومثل هذه الأعمال والمواقف لها أثرها الخالد في دعم شخصية العراقي العلمية وتوثيق نتاجه العلمي ونشره. مكانة العراقي الفقهية والأصولية على ضوء ما تقدم من دراسات العراقي للفقه والأصول وتأثير أبرز شيوخه فيه وشهادتهم له بصواب النظر وجودة الفهم وتوثيقهم لعلمه ومؤلفاته، يمكننا أن نقرر أنه وإن لم يتخصص في هذين العلمين إلا أنه شارك المتخصصين فيهما من شيوخه فضلا عن أقرانه مشاركة جيدة، فقام بما سنفصله من الفتوى والتدريس في حياة شيوخه وتولى القضاء والتأليف في العلمين تتميما لأعمال البارزين من شيوخه كالسبكي والإسنوي، ومن أئمة المذهب كالبيضاوي والنووي كما قدم بحوثا متعددة وجيدة في الفقه والأصول عند تناول ما يتصل بهما في مؤلفاته في السنة وعلومها، وظهر في هذه المجالات العلمية والعملية إلمامه بأصول المذهب وفروعه. وبرزت شخصيته الفقهية والأصولية واضحة بجانب من اعتمد عليهم أو ناقش آراءهم من المتقدمين والمتأخرين حتى شيوخه وأئمة عصره كما سنوضحه في محله. فلا غرابة أن نجد السيوطي وغيره يعدونه من المجتهدين في عصره (١) فمع ما قدمناه من فرض الحكام الانتساب لأحد المذاهب الأربعة فإنه كان من أئمة العصر من يوصف بالجمع بين الاجتهاد المطلق، والمقيد بأصول المذهب المنتسب إليه، فوصف بذلك من شيوخ العراقي: السبكي والإسنوي كما

стр. 220

أشرنا في ترجمتهما، ومن أقرانه: سراج الدين البلقيني المتوفى سنة ٨٠٥ هـ فجاء في ترجمته: أنه قد جمع الله فيه بين وصفي الاجتهاد من الإطلاق والتقييد وذلك بتمكنه من استخراج العلم بالاستنباط من الدليل بالرأي السديد، ومن تخريج الفروع على قواعد الإمام الشافعي (١). ومن يتتبع نشاط العراقي العلمي وآثاره يجد أنه قد توفر له في كثير من المسائل والأحكام ما توفر الشيوخه وأقرانه من حقيقتي الاجتهاد المطلق والمقيد بأصول مذهبه الشافعي. أما حقيقة الاجتهاد المطلق، فلما سيأتي له من الفتوى واستنباط بعض الأحكام بالاعتماد رأسا على أدلة الكتاب والسنة وما تفرع عنهما من أصول التشريع (٢) سواء وافقه في ذلك أو خالفه غيره من المتقدمين أو المتأخرين حتى شيوخه وأقرانه وأئمة عصره، وتلك هي حقيقة الاجتهاد المطلق كما ذكرت في وصف البلقيني المتقدم، وفي اصطلاح العلماء (٣)، وهو مطلوب شرعا وثابت بالنسبة لمن تأهل له من المتأخرين كما كان مطلوبا وثابتا بالنسبة لأصحاب المذاهب الأربعة وغيرهم من المتقدمين، والفارق المميز: أن اجتهاد المتقدمين بحكم سبقهم الزمني والعلمي، كان كليا شاملا للنظر في عامة المسائل التي هي محل نظر، ووضع قواعد عامة تفرع عليها الأحكام، وبذلك كان لهم مذهب كامل.

стр. 221

أما اجتهاد المتأخرين فهو جزئي، ينصب على النظر في بعض المسائل والأحكام بناءً على القول الراجح بتجزؤ الاجتهاد (١). وأما توفر حقيقة الاجتهاد المقيد بالمذهب، فلما سيأتي له أيضًا في بحث مؤلفاته: من الترجيح والتضعيف والتخطئة والتصويب لآراء وترجيحات من تقدمه من الأئمة، وهذا ما تضمنته حقيقة الاجتهاد في المذاهب (٢) كما تضمنت بيان أحكام الوقائع المتجددة والمسائل الفرعية استنادا على أصول المذهب وقواعده، كما تقدّم في وصف البلقيني، وقرره العلماء، وهذا ما قام به العراقي بحكم توليه القضاء على مذهب الشافعي عدة سنين كما سيأتي دراسته لعلوم اللغة والأدب وأهم شيوخه ومكانته فيها ١ - دراساته وأهم شيوخه في ذلك: لما كانت اللغة العربية قد اختارتها المشيئة الإلهية وعاء للقرآن الكريم وسنة النبي الخاتم ﵊ وما تفرع عنهما من العلوم، كان لابد للباحث فيهما، وفيما يتصل بهما من العلوم، فضلا عن التخصص، أن يحصل من علوم اللغة و آدابها ما يمكنه من الضبط والفهم السليمين لنصوص الكتاب والسنة ولما تعلق بهما أو اعتمد عليهما كالفقه وأصوله والتفسير وعلوم القرآن، وعلم مصطلح الحديث وشرحه واستنباط أحكامه، وقد قدمنا في صدر هذه الرسالة إشارة الإمام

стр. 222

الشافعي ﵁ إلى ذلك وَذَكَرَ نحوه أيضًا علماء أصول الحديث. قال ابن الصلاح: (فحق على طالب الحديث أن يتعلم من النحو واللغة ما يتخلص به عن شين اللحن والتحريف ومعرتهما)، وأقره العراقي وغيره (١) بل إن الشافعي ﵁ يقرر: أن على كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب الذي جعله الله لسان من ختم به نبوته، وأنزل به آخر كتبه أقصى ما يستطيع تعلمه، حتى ينطق به بالشهادة، ويقرأ القرآن ويؤدي الشعائر والعبادات، وما زاد على ذلك كان خيرا له (٢). من أجل ذلك كان لابد للعراقي من دراسة عامة لعلوم اللغة وآدابها. ولم يكن لشخصيته العلمية أن تتكامل، ولا لرسالته في خدمة السنة أن تنجح بدون تلك الدراسة. ومع هذا فإن أكثر مؤرخيه لم يعرضوا كلية لبيان هذا الجانب من دراسته، ومن تعرض له كان شديد الإيجاز (٣) ومجمل ذلك مع الإيضاح من جانبنا، أن من العلوم التي اشتغل العراقي بتحصيلها في البداية قبل التخصص في السنة علوم (العربية)، فأخذها عن جماعة منهم: ناصر الدين محمد بن أبي الحسن بن عبد الملك بن سمعون، والشيخ برهان الدين الرشيدي، الذي أخذ عنه الفقه أيضًا كما تقدم، والسراج عمر بن محمد بن علي الدمنهوري،

стр. 223

شيخ القراء، وكان ضنينا بعلمه وتوفي سنة ٧٥٢ هـ (١). والشهاب أحمد بن يوسف بن عبد الدايم المعروف بالسمين، وكان أديبا بارعا في النحو والقراءات وتوفي سنة ٧٥٦ هـ (٢). ولم أجد من عني بذكر بعض المراجع اللغوية التي درسها العراقي، ولا بتحديد زمن شروعه في تلك الدراسات أو إجازته أو تخرجه ولا ببيان من أجازه من الشيوخ أو خرجه على منهج العصر، مع أن لذلك كله أهمية، كما أشرنا من قبل، في تقييم الشخصية العلمية وتوثيقها، ولعلنا حين ننظر إلى أنه اتجه للتخصص في السنة ٧٤٢ هـ (٣) نجد في ذلك إشارة إلى أنه اشتغل بتلك العلوم ضمن ما اشتغل به قبل هذا التاريخ. ومن المؤكد بحسب قواعد الطلب وعادة العصر أنه أجيز بما درسه منها على الشيوخ المتقدمين قبل وفاتهم في التواريخ المتقدمة وهي سنة ٧٤٩ هـ بالنسبة للرشيدي، وسنة ٧٥٢ هـ بالنسبة للدمنهوري، وسنة ٧٥٦ هـ بالنسبة للسمين، أما ابن سمعون فهو أقدم شيوخ العراقي عموما (٤) وبذلك تكون إجازته منه أسبق من الجميع. مكانته في اللغة وعلومها: على أن القصور في إيضاح جوانب دراسة العراقي لعلوم اللغة وأدبها لا ينبغي أن يفهم منه ضآلة محصوله منها، بدليل ما وصلنا من رصد النتيجة العامة.

стр. 224

لتلك الدراسة، وما أمكن الوقوف عليه من نتاجه ونشاطه العلميين فبالنسبة للنتيجة العامة نجد من تلاميذه - وهم أخبر به - التقي الفاسي يقرر: أنه كان عارفًا بعلوم «العربية» عمومًا (١) وينص ابن فهد والبرهان الحلبي على علمه بالنحو واللغة والغريب (٢)، ويضيف البرهان الحلبي أن له نظما وسطًا وقصائد حسان (٣) وبذلك تكتمل الشهادة له بالدراية اللائقة لعامة فروع اللغة وأدبها. وبالنسبة لنتاجه ونشاطه العلميين، فإن فيهما مصداق ذلك واضحا وسنورد هنا بعض الأمثلة العامة لما سيأتي تفصيله في محله، وبعض النماذج التفصيلية لغيره. فمن ذلك: ما قدمناه من بلوغه في الفقه وأصوله درجة الباحث المجتهد، وهي درجة لا يتأهل لها إلا بمعرفة جيدة للدلالات المنطوقة والمفهومة لما تضمنته آيات وأحاديث الأحكام من الألفاظ والعبارات والأساليب، وما في كل منها من الحقيقة والمجاز، والخصوص والعموم والأمر والنهي والتوكيد وغير ذلك، وهذا يتوقف على معرفة قدر كاف من فقه اللغة وغريبها، وشعرها ونثرها ونحوها وصرفها وبلاغتها من بيان ومعان وبديع (٤). كذلك سيأتي تأليفه في غريب الحديث، ونظمه ألفية في غريب القرآن الكريم مع ترتيب ذلك ترتيبا فنيًا على حروف المعجم، ورتب أيضًا عددًا من

стр. 225

مؤلفاته في الرجال على حروف المعجم، مما يمثل ظاهرة معجمية في نتاجه العلمي. ويضاف لذلك ما سنعرض له في بحث مؤلفاته المختلفة في علوم السنة وشروحها من أبحاثه القيمة في المعاني اللغوية وفي الجوانب النحوية والصرفية والبلاغية والعروضية، وكلها تظهر إلمامه الجيد بتلك العلوم وتنبهه لدقائقها، ومناقشته لكثير من آراء أئمتها ترجيحًا وتضعيفًا، وإطلاعه الواسع على مصادرها المتعددة واعتماده المناسب عليها (١). ملامح أسلوبه النثري: ويظهر لنا من مؤلفاته بصفة عامة، ومما وقفنا عليه من خطبه التي أداها خلال اشتغاله بذلك، تقلله كثيرًا من نزعة السجع، والصناعة اللفظية اللتين سادتا في عصره، بحيث لم يلجأ لذلك إلا في مقدمات بعض كتبه، وفيما وقفت عليه من خطبه الوعظية، وهذا استعمال في محله، خاصة وأننا نلاحظ خلوه من التكلف والركاكة، واختياره للألفاظ الدقيقة المعاني والعبارات القوية المترابطة، مثل قوله في مقدمة «تكملة شرح الترمذي»: «الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وأشهد أن لا إله إلا الله شهادة تبيض وجوه آتيها إذا اربَدَّتْ وجوه أبيها فارتدت كالحات» (٢) ومثل قوله في بعض خطبه الوعظية: «ابن آدم: ما هذه الغفلة ونُذُرِ الرحلة بك قد ألمت، وما هذه المهلة ومدة النقلة قد أظلت، استبطأت المنايا، فكأنك بها والله قد حلت، واغتررت بشبابك وصحتك، كأنك بقدمك والله قد زلت … فرحم الله عبدا حاسب

стр. 226

نفسه على الذرة والخطوة، وما عزمت عليه وهمت، وناقشها على النّقير والقِطْمِير، وما أظهرت وأكنَّت» (١). ونلاحظ أيضًا رعايته لمقام الكلام وحال المخاطب به، فيتخير العبارة والمضمون المناسبين (٢) ويوجز أو يتوسط أو يتوسع، ويُطْنِب وينتقد من خالف ذلك (٣) وعندما يلاحظ أنه أوضح ما قد يعدو واضحًا أو استطرد بما يخرج عن الموضوع، ينبه على وجهة نظره فيما أقدم عليه (٤). درايته بقواعد النظم، وشعره العلمي، ومكانة السنة فيه: أما درايته بعلمي العروض والقوافي، وتمتعه بالملكة الشعرية، فيوضحها نتاجه من الشعر العلمي والأدبي، إلا أن أكثر شعره، هو الشعر العلمي الذي كان سائدًا في عصره، ومعظم أعماله في ذلك منظومات ضخمة، كل واحدة منها تزيد على ألف بيت، وغالبها في علوم السنة رواية ودراية كما سيأتي، بالإضافة إلى منظومات أقل حجمًا وأبيات متفرقة ضمنها بعض المعلومات التي تحتاج للضبط بالحفظ، وقد وقفت منها على ٣٥ بيتًا تتناول ٩ موضوعات، أكثرها متعلق بعلم السنة أيضًا، فمنها: بيتان في فضل الصحابة العشرة المبشرين بالجنة وأسمائهم (٥) وبيتان في فضل سبعة من الصحابة كانوا يشبهون

стр. 227

النبي ﷺ (١)، وبيتان في آداب طالب الحديث (٢)، وخمسة أبيات في ضبط سماع عمر بن محمد بن معمر بن طبرزد لسنن أبي داؤد (٣)، وبيتان في وفاة التاج محمد بن أحمد المعروف بابن موسى السكندري في سنة ٧٩٨ هـ، وكان آخر من يروي بها حديث السلفي بالسماع المتصل (٤)، وبيتان في معاني كلمة القنوت في اللغة (٥)، وبيتان في طبقات العرب العرباء (٦)، وسبعة أبيات في الألغاز العلمية، بعث بها لتلميذه ابن حجر يطلب حلّها فأجابه، بالحل في ٧ أبيات أيضاً (٧)، وأحد عشر بيتا في بيان المجددين للدين على رأس كل قرن، منذ القرن الخامس الهجري إلى عصره، ذيل بهم على ٦ أبيات رواها الحاكم في المجددين من زمن عمر بن عبد العزيز إلى زمنه (٨). وكما عني تلاميذ العراقي فمن بعدهم من العلماء بمنظوماته العلمية الكبيرة، عنوا أيضا بتلك الأبيات المتفرقة فتلقاها عنه تلاميذه وسجلوها في مؤلفاتهم

стр. 228

التي انتشرت وشاعت ورووها عنه لتلاميذهم، ونسجوا على منوال بعضها. مثال ذلك: نظمه في العشرة المبشرين بالجنة حيث قال: وأفضل أصحاب النبي مكانة … ومنزلة من بشروا بجنان سعيد زبير، سعد عثمان عامر … علي، ابن عوف، طلحة العمران وقد تلقاهما عنه ولده ولي الدين، وكتب بخطه: وأنشدني سيدي والدي حافظ الإسلام أبو الفضل عبد الرحيم من لفظه لنفسه: .. وذكر البيتين، ثم قرأهما من خطه، ونقلهما تلميذه ابن خطيب الناصرية في مجموعه مع غيرهما (١). وقد نسج على منوالهما ابن حجر تلميذ العراقي فقال: لقد بشر الهادي من الصحب زمرة … بجنات عدن كلهم فضلا اشتهر سعيد، زيد، سعد، طلحة، عامر … أبو بكر، عثمان، ابن عوف، علي، عمر (٢) كما أن من هذه المتفرقات ما قد سبق العراقي لنظم معناها، مثال ذلك قوله في آداب طالب الحديث: إذا قرأ الحديث علي شخص … وأمل مبيتي ليروج بعدي فماذا إنصاف لأني … أريد بقاءه ويريد فقدي فقد سبقه لمعناه الحافظ الذهبي حيث يقول:

стр. 229

إذا قرأ الحديث علي شخصي … وأخلى موضعا لوفاه مثلي فما جازاني بإحسان لأني … أريد حياته ويريد قتلي (١) لكن شعر العراقي العلمي بصفة عامة أجود من شعر غيره في الموضوعات المماثلة كما ستأتي مقارنته في محله. شعره الأدبي ومكانة السنة فيه، تأثيرًا وتأثرًا: وقد تجاوزت شاعرية العراقي النظم في علوم السنة وغيرها إلى النظم الأدبي؛ لكن لم يظهر لنا تكسبه أو تزلفه بشعره لدى حاكم، أو ذي منصب، أو جاه أو مال، رغم ما كان يعانيه من ضيق العيش كما أسلفنا، وهذا يؤكد ما تقدم في أخلاقه، من التحلي بعفة النفس والورع والقناعة، فبرئ من نفاق القلب والقلم؛ ولذا فإن شعره الأدبي قد انصب - بحسب الاستقراء - على جانبين: أولهما جانب الموعظة والأخلاق المتضمنة في الكتاب والسنة وذلك مثل قوله: اتقوا الله جودوا … من يجد ليس بمفتون لن تنالوا البر حتى تنفقوا … مما تحبون (٢) ويلاحظ أن البيت الثاني مقتبس - بنصه - من القرآن الكريم ﴿آية ٩٢ آل عمران﴾. أما السنة النبوية: فمن أظهر الأمثلة على تضمين معانيها في شعره، وربطه بإنتاجه فيها إيراده الكثير من نظمه في أماليه الحديثية العديدة، وذلك تبعا لما جرى به الاصطلاح من ختم مجالس الإملاء ببعض الأشعار.

стр. 230

الأخلاقية المناسبة (١)، فكان العراقي يورد عقب ما يمليه من الأحاديث والآثار ما يناسب معناها في صورة شعرية من نظمه (٢)، وذلك مثلما فعل في المجلس ٤١٣ من أماليه، حيث أملاه فيما يتعلق بطول العمر، وختم بقصيدة من نظمه في نفس الموضوع تزيد على ٢٠ بيتا ومطلعها: بَلَغْتُ في ذا اليوم من الهرم … تهدم العمر كسيل العرم (٣) وأملى أيضا المجلس ٤١٦ وهو الأخير من أماليه، فميا يتعلق بالاستسقاء وأدعيته المأثورة، وذلك بسبب توقف النيل حينئذ، ثم ختمه بقصيدة في نفس المعنى أولها: أقول لمن يشكو توقف نيلنا … سل الله يمدده بفضل وتأييد وآخرها: وأنت فغفار الذنوب وساتر الـ … عيوب وكشاف الكروب إذا نودي (٤) وقد دون تلاميذه تلك القصائد المتعددة ضمن أماليه الحديثية ورووها كذلك عنه لمن بعدهم، بحيث رافقت نتاجه في السنة في تداوله وانتشاره، حاوية لعنصري التأثر والتأثير، ويعتبر المترجمون تلك الأمالي هي المصدر الجامع لكثير.

стр. 231

من نظمه (١) وهذا يدل أيضًا على احتضان السنة للشعر الأدبي الهادف، وعلى ارتباط العلوم الإسلامية والعربية بعضها ببعض ارتباطا أصيلا. أما الجانب الثاني الذي تناوله العراقي في شعره الأدبي فهو المعاني والمشاعر الإنسانية الرفيعة التي لا تنافي أيضًا روح الكتاب والسنة، مثل تعبيره عن عاطفة الأبوة بالنسبة لولده أبي زرعة لما ظهر نبوغه العلمي وهو شاب ودرس في حياة والده وشيوخه فقال: دروس أحمد خير من دروس أبه … وذاك عند أبيه منتهى أربه (٢) ومثل تعبيره عن الحنين إلى وطنه مصر وأحبابه فيها كما قدمنا البيتين في نسبته لمصر. وعندما مَدَحَ كما هو شأن الشعراء، مدح العلم، مثل البيت الذي قدمناه في مدحه لكتاب المهمات لشيخه الإسنوي، ومدح أيضًا بعض أقرانه من العلماء المشهود لهم بالعلم والفضل، كسراج الدين البلقيني الذي مدحه بمقطوعة يقول فيها: الله يبقي شيخ المسلمين لنا … غناء عن الماضين للمتجدد (٣) ثم كان رثاؤه أيضًا لبعض أفاضل شيوخه وأصدقائه.

стр. 232

فرثى شيخه الإسنوي المتقدم ذكره بقصيدة تبلغ ٢٦ بيتا، مطلعها: تنكرتِ الدنيا فلستُ أخالُها … لِفَقْدِكُم إلا تداني زوالِها وقد أشاد فيها بمآثره العلمية والخلقية مثل قوله: لقد فجعتنا الحادثات بشخصه فآثاره فينا يدوم اتصالها (١) كما رثى صديقه البار العالم إبراهيم الإبناسي المتوفى سنة ٨٠٢ هـ بقصيدة دالية، ذكر ابن حجر في المجمع أنها عدة أبيات، ولم يذكر شيئًا من محتواها لكنه كتب لابن قاضي شهبة أنها قصيدة طويلة، وأنه قرأها بخط شيخه العراقي، فوجده أثنى فيها على الأبناسي كثيرا (٢). فلعل ما ذكره في المجمع، كان قبل وقوفه عليها، ويلاحظ أنه لم يوجه انتقادًا لشيخه فيها، مع خبرته بأدب العصر (٣)، بينما ذكر عن شيخ آخر له أنه كان يحب الآداب، ولكن ما كان يدرك الوزن، وأنه راجعه في بعض أبيات أنشدها أمامه وبَيَّنَ له موضع الخطأ فيها، وقرر نقص بضاعته في ذلك (٤)، ويُعد مدح العراقي لأقرانه، ورثاؤه لمن رحل عنه إلى دار البقاء دليلا على ما قدمناه في أخلاقه من صفاء النفس والوفاء والعرفان. وقد حظي شعر العراقي في هذا الجانب أيضًا بالتداول والانتشار، وأقرب دليل على ذلك، أن النماذج التي قدمناها له، وغيرها مما اطلعت عليه أكثرها موجود في مؤلفات حديثية وعلمية لغيره، ولمن بعد عصره بفترة.

стр. 233

وعلى ضوء هذه النماذج وغيرها مما وقفت عليه أو أشار له المترجمون للعراقي، أو الناقلون عنه يتضح لنا أن الشعر الأدبي له في مجموعه قليل جدا بالنسبة لشعره العلمي، حيث يتدرج من البيت والبيتين إلى القصيدة التي تجاوز العشرين بيتا، بينما يصل العلمي في تدرجه إلى ما فوق الألف بَيْتٍ، ولعدة منظومات كما ستأتي. وبالنسبة للخصائص الفنية للشعر، تفوق جودة شعره العلمي أيضًا شعره الأدبي؛ ذلك أنه رغم جودة الألفاظ والعبارات التي يستعملها بحكم درايته اللغوية واقتباسه من الكتاب والسنة، وتأثره بمعانيهما، كما أشرنا، رغم ذلك فإنه يعوزه كثيرا الحبكة الشعرية، وسبك الأسلوب، وتركيب الصورة الخيالية المبتكرة، بواسطة المجازات والتشبيهات والإستعارات، حتى وجدناه في النماذج السالفة يحول الآية القرآنية كما هي إلى بيت منظوم دون تصرف من جانبه مطلقا، كما أني وجدت تعليقا لشخص مجهول، مقابل الأبيات السبعة التي ذكرت عنه في رثاء البلقيني بما نصه «سامحك الله يا شاعر، لو رثيته نثرا!» (١) وهذا يدل على إحساس المعلّق بأن عبارة الأبيات يعوزها الحبك والترابط، وما وجدناه من شعره مشتملا على التصوير القوي للمشاعر والمشاهد، وجدناه مسبوقا إليه، وذلك مثل قوله في الحنين لمصر: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة … بمصر ففيها من أحب نزول وهل أردن يوما موارد نيلها … وهل يبدون لي روضة ونخيل؟

стр. 234

ففي البيت الأول تظهر مشاعر حنينه القوي للعودة لمصر والتقائه بأحبابه فيها. وفي البيت الثاني يجسد التصوير الماثل في ذهنه لمشاهد الطبيعة الرائعة بمصر، والمتمثلة في نيلها العظيم، وما أحفّ به من رياض نضرة، ونخيل باسقات، تطالع الناظر من بعيد بخضرتها الدائمة، ومنظرها العجيب. لكننا نفاجأ بأن العراقي لم يبتكر ذلك، وإنما هو ناسج على منوال سابق له (١). إلا أن هذا لا يعني جمود ملكته الشعرية أو أحاسيسه وتذوقه، بدليل إقباله على بعض أشعار عصره الجيدة، كقصيدة أديب عصره، برهان الدين القيراطي التي رثى بها الإسنوي شيخ العراقي، وهي تقارب مائة بيت ومطلعها: نعم قُبضت روح العلا والفضائل … بموت جمال الدين صدر الفضائل وقد تلقاها عنه العراقي على طولها، ثم أنشدها عنه لولده أحمد (٢). كما تتلمذ لابن نباتة أديب عصره، وروى عنه بعض أشعاره كما سيأتي، فهذا دليل على انفعاله بالشعر الجيد وتذوقه له، كما يظهر في شعره أيضًا إحساسه بأحداث عصره وتعبيره عنها بوضوح، مثل قوله في رثاء الإستوي: لقد كان مأوى للغريب وملجأ … لذي عثرة حتى تراه يقالها (٣) فهذا تعبير منه عما قدمناه من أحداث عصره التي جعلت موطنه مصر ملجأ للغرباء وذوي الحاجة، مثل أسرته هو (٤)، فأشاد بموقف شيخه من تلك.

стр. 235

الظاهرة، وأحس بمشاعر من عانوا الغربة والحاجة، كما قال عن شيخه أيضًا في تلك المرثية: صحيح اعتقاد لم يكن متفلسفًا ولا شَانَهُ إرجاؤها واعتزالها (١). وهذا تعبير واضح عن الصراع المذهبي الذي اشتد في عصره بين الطوائف والفرق الإسلامية، وإظهاره لشعوره المؤيد لاعتقاد أهل السنة والجماعة في مواجهة الفرق المذكورة، حيث جعلهم جميعًا بمنأى عن الاعتقاد الصحيح وجعل مذاهبهم شين لصاحبها، ومثل هذا في عصره الذي تقاتلت فيه تلك الفرق بالسيف كما أسلفنا يعد غاية في جرأة التعبير عن الرأي والحق. ولعل هذا ما جعل تلميذه برهان الدين الحلبي المعروف بسبط ابن العجمي يقول في تقييم شعره عموما: «إن له نظما وسطًا، وقصائد حسان». وهذا الحكم الإجمالي له أهميته إذا عرفنا أن قائله من الشهود على أدب العصر، وقد لازم شيخه العراقي نحو عشر سنين في أواخر حياته، حيث النضج والاكتمال، وشارك في استملاء مجالسه الحديثية التي تضمنت كثيرًا من نظمه كما أسلفنا (٢) وعبارةُ السِّبْطِ على وجازتها، دقيقة جامعة، حيث تشير إلى أن نظم العراقي الأدبي في طابعه العام متوسط كما وكيفا، ومنه قصائد حسان الكم والكيف، وهذا مطابق لما قدمناه من النماذج وتحليلها. وبذلك يتقرر لنا أن العراقي وإن كان ألم بقواعد النظم، وطرق باب الشعر الأدبي، وأعمل ملكته في أغراض متعددة منه، وأجاد في بعض قصائده إلا

стр. 236

أنه لم يكن هو الميدان الذي ظهرت فيه موهبته العلمية، وإبداعه الفني، ويعد شعره العلمي أجود وأسلوبه النثري أقوى. كما يتقرر لنا أن شعره الأدبي في عمومه ارتبطت معانيه وأسلوبه وأغراضه بثقافته النابعة من الكتاب والسنة تأثرًا وتأثيرًا، وأنه عبر فيه بوضوح عن شخصيته بأفكارها القويمة ونبالة أخلاقها وعواطفها، كما وَظّفَ شِعْرَه في حمل معاني السنة ونشرها. من مراجع شعر العراقي: أكثر ما وصل إلينا مجموعا من شعره هو الشعر العلمي، الذي بقيت لنا مؤلفاته فيه وخاصة ما يتعلق منها بعلوم السنة كما سيأتي. أما الأبيات العلمية المتفرقة التي أشرنا إليها، والشعر الأدبي عموما فلم أقف في بحثي الموسع على مصدر جامع حتى لمعظمه، نظرا لأن أماليه الحديثية التي تضمنت كثيرًا منه، وبعض مؤلفاته الأخرى التي أودعها بعضه، تعد في حكم المفقودة، ويمكن الوقوف على نماذج منه متعددة ومتكاملة من المؤلفات في السنة وعلومها لأشهر تلاميذه: كابن حجر وسبط ابن العجمي، ومن عاصرهم أو أخذ عنهم، كشهاب الدين الغزي والسخاوي والسيوطي وهذا ما جعلني أعاني كثيرًا في البحث حتى حصلت على النماذج السالفة النتاجه العلمي من هذه الجوانب، لأقدمها في أقرب صورها للتكامل بعد أن فرّقتها تطاول الزمن، ومر عليها غالب السابقين في صمت، وبعضهم في إيجاز خاطف، لا يعطي الأبعاد المطلوبة، وبالله التوفيق.

стр. 237

القسم الثالث اختصاص العراقي بعلوم السنة وشيوخه وتلاميذه ومكانته

стр. 238

اتجاهه للاختصاص بعلم القراءات، ثم عدوله إلى السنة، ومرشحاته لذلك جرى منهج التعليم في عصر العراقي على أن العالم بجانب دراسته العامة يعمد إلى التخصص في علم معين، لميل شخصي أو لتوجيه موجه، فيركز نشاطه العلمي في دائرته حتى يُعرف به في الوسط العلمي، ويُعد من أهله المرجوع إليهم فيه، وإن شارك في غيره من العلوم بتدريس أو تأليف. وقد جرى العراقي على هذا المنهج، فبجانب تحصيله ومشاركته فيما قدمنا من علوم الفقه وأصوله واللغة بفروعها، اتجه للاختصاص بعلم القراءات (١) فأخذها عن جماعة ممن لازمهم وأخذ عنهم غيرها من العلوم المتقدمة، كبرهان الدين الرشيدي، الذي أخذ عنه الفقه والعربية، وكبقية شيوخه المتقدمين في علوم العربية، وهم: ناصر الدين بن شمعون - بالشين المعجمة، أو السين المهملة (٢) - والشهاب أحمد السمين، والسراج عمر الدمنهوري (٣). ويذكر ابن فهد والسخاوي والمناوي أن العراقي بما عرف عنه من الجد

стр. 239

والنشاط في التحصيل، قد انهمك في علم القراءات هذا حتى توغل فيه (١)؛ لكن لم أجد لهم ولا لغيرهم عناية بتحديد زمن اتجاه العراقي للقراءات، ولا بإعطاء تفصيلات عما درسه منها، أو عن مدى توغله، مع أن لذلك أهمية أكثر كما أشرت إليه في دراساته العامة؛ نظرًا لأن هذا هو العلم الذي تحول منه للاختصاص بالسنة كما سيأتي. لكن إذا نظرنا لما قرره ابن فهد والسخاوي وغيرهما (٢): أنه تحول من القراءات إلى الحديث سنة ٧٤٢ هـ، أمكننا القول: «إنه اتجه لعلم القراءات قبل هذه السنة بفترة تكفي لوصفه بالتوغل فيه، كما أن الإمام تقي الدين السبكي يذكر أن أحد شيوخ العراقي في القراءات، وهو ناصر الدين بن شمعون يعتبر من القدماء، وأشار لأخذه عنه الحديث أيضًا (٣)، وممن قرأ عليه محمد بن أحمد بن خلف المتوفى سنة ٧٤١ هـ» (٤). ولما كان العراقي قد تتلمذ للسبكي قبل سنة ٧٣٩ هـ هذه كما تقدم، فإن وصف السبكي نفسه لابن سمعون بالقدم يدل على أخذ العراقي عنه قبل سنة ٧٣٩ هـ هذه على الأقل وذلك يلائم وصفه بالتوغل في سنة ٧٤٢ هـ، على أن هذا التوغل كما سيأتي لم يصل إلى درجة إتمامه القراءات السبع المعروفة.

стр. 240

قبل عدوله إلى التخصص بالسنة. التقاء العراقي بشيخه ابن جماعة وتوجيهه للتخصص في السنة: ويذكر ابن فهد والسخاوي والمناوي أنه أثناء توغله هذا في علم القراءات تدخل في حياته العلمية مؤثر جديد حول مسارها نحو التفرغ لعلوم السنة، وكان ذلك المؤثر هو قاضي القضاة عز الدين عبد العزيز بن جماعة، وأنه لما رأى توغله في القراءات نهاه عن ذلك وقال له: إنه علم كثير التعب قليل الجدوى، وأنت متوقد الذهن، أو أراك متوقد الذهن، جيد القريحة، فاصرف نفسك أو همتك (١) إلى الحديث. ويذكر ابن فهد أن ابن جماعة بعد أن بين للعراقي وجهة نظره في عدم التناسب بين مواهبه وبين علم القراءات قال له: ينبغي صرف الهمة إلى غيره، وأشار عليه بالاشتغال في علم الحديث (٢). وهذا يفيد أن ابن جماعة لم يحدد له علم الحديث ابتداء، وإنما ترك له اختيار علم آخر بنفسه، ويظهر أن العراقي لما اقتنع بوجهة نظر شيخه استشاره فيما يراه ملائما لعقليته على ضوء رأيه فيها، فأشار عليه بعلم الحديث، وهذا أليق من جعل التحديد صادرا ابتداء من ابن جماعة، كما ذكر السخاوي والمناوي؛ لأن في الأول دليلا على إتاحة فرصة الاختيار للعراقي، وإشراكه فيه، بعكس الثاني، ولعل المناوي والسخاوي اختصرا الموقف، وإن كان ما

стр. 241

ذكراه أفيد من اكتفاء غيرهما بالقول: إنه اشتغل أولا بعلم القراءات، ثم مال إلى الحديث، وصرف الهمة إليه، دون ذكر أي سبب لذلك الميل (١). أما ابن حجر فيذكر أن ابن جماعة لم يُرشّح العراقي لعلم الحديث بالذات رعاية المناسبة عقليته له فحسب، بل لما رأى أيضا من حرصه على الحديث وتحصيله، لكن على غير وجوه الطلب المتعارفة كما سنبينها، وفي ذلك يقول: «وكان أي العراقي مفرط الذكاء، فأشار عليه القاضي عز الدين ابن جماعة بطلب الحديث، لما رآه مكبا على تحصيله، وعرفه الطريق في ذلك» (٢) كما يذكر أنه عرف سابق حبه للحديث، فيقول: «واشتغل بالعلوم وأحب الحديث، لكن لم يكن له من يُخَرِّجُه على طريقة أهل الإسناد» (٣). وهكذا يظهر لنا أن اتجاه العراقي للتخصص في علوم السنة، لم يكن ضربة لازب، ولا تحولا مفاجئا من أجل وظيفة، أو نصيب من الأوقاف، ونحو ذلك مما عرف عن كثيرين في عصره، كما لم يكن أمرا مسوقا إليه بغير دافع أو كفاءة؛ بل كان مرجعه الاعتبار العلمي البحت، والتناسب العقلي والنفسي، والإختيار الموفق، فتوفرت له كل العوامل الأساسية، ولم يكن ينقصه غير عنصر التوجيه الذي هيأه له الله تعالى، على يد الشيخ عز الدين ابن جماعة، فاكتملت له بذلك عناصر النجاح والتفوق، فهو ثقة ظاهر التوثيق، كامل كما قدمنا، ومحب للسنة وعلومها، ومشهود له بقوة الحافظة المُمَكِّنَةِ من استيعاب المرويات، وبقوة الذكاء الممكنة من الفهم والاستنباط.

стр. 242

وقد توجه إلى التفرغ لهذا المجال باختياره القائم على المشورة الواعية الأمينة التي أخذ صاحبها على عاتقه تعبيد الطريق أمام تلميذه، والإسهام الفعلي في تكوين شخصيته الحديثية، والإشادة بها كما سنفصله. وتعتبر هذه هي الخطوة الثانية في حياة العراقي العلمية التي تدخل فيها بعض شيوخه، حيث سبقها اعتراض شيخه الرشيدي على عزمه أن يحفظ كتاب (الحاوي الصغير) في شهر، مع دراسته كما قدمنا. ويظهر أنه بجانب اقتناعه بوجهة نظر شيخه ابن جماعة قد استفاد من التجربة السابقة، فاستجاب له، بل طلب مشورته، أو النيابة عنه كلية في اختيار عِلْمٍ مُلائم له، ولما أشار عليه بعلم الحديث أقبل فورًا بكليته عليه (١). وقبل أن نتابع تفاصيل هذا الإقبال نرى الأمر يحتاج لعدة مواقف: الموقف الأول: أن وصف ابن جماعة لعلم القراءات بأنه كثير التعب في التحصيل، وقليل الجدوى في المحصول، وإقرار العراقي له على ذلك، لا ينبغي أخذه على ظاهره المنافي لأهمية علم القراءات وخطورتها المستمدة من مكانة متعلقها وهو القرآن الكريم؛ لأنه لا يعقل خفاء ذلك - على كلا الرجلين أو تهاونهما فيه؛ وإنما قصد (ابن جماعة): أنه عِلْمٌ قوامه الرواية، ومجال الاجتهاد العقلي في مسائله محدود، وبالتالي فإن صاحب الذهن المتوقد كالعراقي يكون إنتاجه فيه محدودًا، بينما لو اتجه إلى علم يجمع بين الرواية والدراية والاستنباط كعلم الحديث، تكون فائدته أعم ومجهوده أظهر.

стр. 243

ويؤيد هذا أن ابن جماعة أتبع ما ذكره عن علم القراءات بقوله للعراقي: «وأراك متوقد الذهن جيد القريحة». فدل ذلك على أن قصده الأساسي تنبيهه إلى عدم التناسب بين مواهبه وبين الاشتغال بعلم القراءات، وهذا لا غبار عليه، وقد فهمه العراقي هكذا وأقره عليه. الموقف الثاني: كيف كانت تطلب علوم السنة في عصر العراقي ورأيه في ذلك: فنحن في حاجة لذلك لمعرفة مسلكه في الطلب، ومدى جريه على أصوله ومبلغه في التحصيل، وفي هذا نقول: «إن علوم السنة رواية ودراية رغم تدوينها في مؤلفات جامعة وعلى مناهج عديدة حتى عصر العراقي، إلا أنه ظل الاعتماد على المدونات، والاستفادة بها، يستلزمان الرجوع إلى العلماء في كل جيل إلى عصر العراقي، بل وإلى الآن»، وذلك لأمرين: أحدهما: إثبات صحة النسخ المتداولة من مدونات السنة وعلومها، بمقابلتها بمعرفة هؤلاء العلماء وخبرتهم، على أصولها الموثقة، بكونها بخط المؤلف، أو مقروءة عليه ونحو ذلك من الموثقات المبسوطة في كتب المصطلح. ولهذا قرر العلماء أن من لم يأخذ علوم السنة من أفواه العلماء الضابطين وتعلمه من بطون الكتب فحسب، كان من شأنه التحريف ولم يفلت من التبديل والتصحيف (١) ويقول العراقي: «فقلما سلم من التصحيف من أخذ

стр. 244

العلم من الصحف من غير تدريب المشايخ» (١)، كما أشار أيضا إلى أهمية ذلك بتقريره أن نسخ «المعجم الأوسط» للطبراني مع تداولها فإن كثيرا منها مغلوط لعدم اتصالها بالسماع من مؤلفها لمن بعده (٢) والأمر الثاني: هو تلقي محتوى تلك المدونات عمن لهم بها سند متصل إلى مؤلفها الذي يكون بدوره مثبتا سنده المتصل بما فيها إلى مصدره الأول، سواء كان الرسول ﷺ أو من دونه من الصحابة والتابعين والأئمة، ولم يكن المحدثون يلتفتون إلى نسخة الكتاب ما لم يذكر الراوي سنده المتصل بما فيها (٣). ويشير ابن خلدون - معاصر العراقي - إلى عمل المحدثين في عصره فيقول: وإنما تنصرف العناية لهذا العصر إلى تصحيح الأمهات المكتوبة وضبطها بالرواية عن مصنفيها، والنظر في أسانيدها إلى مؤلفيها، وعرض ذلك على ما تقرر في علم الحديث من الشروط والأحكام، لتتصل بالأسانيد محكمة إلى منتهاها (٤). وبذلك نرى أن تدوين السنة وعلومها لم يغن عن التلقي الشفاهي لها عن العلماء، بل تعاون حفظ الصدور وحفظ السطور والكتابة والمشافهة على نقل عامة كتب السنة وعلومها موثقة مضبوطة عبر الأجيال، واحتفظت الأمة على الدوام بخصوصيتها الفاذة، وهي اتصال سندها بأصول دينها وثقافتها من

стр. 245

الكتاب والسنة وعلومها إلى مصادرها الأولى من الرسول ﷺ فمن بعده. ومن أجل ذلك اصطلح علماء السنة منذ فجرها إلى عصر العراقي فما بعده، على طرق معينة لتلقي السنة وعلومها، مدونة أو شفهية، وقد أشار إليها ابن الصلاح بقوله: «أقسام طرق نقل الحديث وتحمله ومجامعها ثمانية» (١). وقال العراقي: «وجوه الأخذ للحديث وتحمله عن الشيخ ثمانية» (٢) وأشار إليها القاضي عياض بقوله: «إعلم أن طريق النقل ووجوه الأخذ وأصول الرواية على أنواع كثيرة ويجمعها ثمانية ضروب» (٣) ثم فصلوها: وأولها: وأوثقها السماع من لفظ الشيخ (٤). ويقتضي ذلك أن يسجل الشيخ بنفسه أو بواسطة شخص ثقة من الحاضرين اسم الشيخ وأسماء السامعين، إما في سجل خاص، أو على أحد أوراق الكتاب المسموع، وتاريخ ذلك ومكانه، ويُوقع الشيخ بإثبات هذا السماع، ويُسمى ذلك طبقة السماع (٥). فإن كان في الحاضرين طفل غير مميز أثبت في الطبقة اسمه أيضًا، وأنه حضر فقط، لعدم تمييزه لما سمع.

стр. 246

وإن كان مميزا كتب من السامعين وحدد الجمهور سن الخامسة للتمييز (١) ومنذ الولادة حتى الخامسة تُسمى مرحلة الحضور أو الإحضار، لكونها بواسطة من يُحضر الطفل مجلس السماع ويتولى كتابة اسمه في الطبقة لإثبات حضوره (٢) أما ما بعد الخامسة، وحتى يستقل الشخص بتصريف شئونه فتُسمى مرحلة الإسماع، لكونها أيضًا بتوجيه غيره وإشرافه، وبموجب هذا التسجيل الكتابي يثبت للشخص تحمله للمرويات التي أخضرها أو أُسْمِعَها واتصال سنده بها حرصا على بقاء سلسلة الإسناد لكي يحق له الاعتماد على ذلك في رواية ما تحمله، إلى الآخرين بعد بلوغه وتأهله لهذا (٣)، كما يحصل له بثبوت ذلك التحمل المبكر علو الإسناد، ويستدل منه على عراقة اتصاله بعلم السنة (٤). وفي عصر العراقي لم يكن يعتد بثبوت هذا التحمل أو غيره من وجوه التحمل الآتية بغير الإثبات الكتابي للشخص بذلك (٥) حتى لو ادعى الشخص أنه حضر أو سمع أو أجيز ولم يُقدّم إثباتا كتابيًا لم يقبل ذلك منه، في الغالب. ولذلك حرص العراقي نفسه، وغيره من المترجمين لحفاظ السنة على بيان توفر أو افتقاد كل من مرحلتي الإحضار والإسماع هذين بالنسبة لهم، كما ذكره عن الميدومي شيخ العراقي، وكذا حرصوا على تحديد ما حضره، أو

стр. 247

أسمعه الشخص من المرويات، وتاريخ ذلك ومكانه إن تيسر (١). وعند استقلال الشخص بنفسه يبدأ مرحلة ثالثة هي الطلب بنفسه، حيث يطوف على شيوخ بلده، ثم يرحل خارجه لغيرهم، ويباشر السماع والقراءة وغيرهما من وجوه التلقي الآتية، وإثبات ذلك بنفسه. وفي تلك المرحلة يلازم الطالب من استطاع ملازمته من الشيوخ حتى يتخرج ولو بأحدهم كما أشرنا من قبل، وكلما كانت تلك المراحل مستكملة ومرور الطالب بها مبكرًا، كلما دلّ ذلك على عناية القائمين بأمره، بجانب الدلالة على نبوغه واجتهاده الشخصي، كما يتيح له ذلك فرصة النضج العلمي المبكر، واستحقاق درجات المحدثين وألقابهم الآتي بيانها بجدراة. والطريقة الثانية لتلقي السنة وعلومها: القراءة على الشيخ ويسميها أكثر المحدثين عرضًا، باعتبار أن القارئ يعرض على الشيخ ما يقرؤه، كعرض القرآن على المحفظ (٢) ويثبت اتصال السند بها للقارئ والسامعين كتابيًا بمثل طريقة إثبات السماع المتقدمة. والطريقة الثالثة: الإجازة كقول الشيخ للطالب: أجزت لك، أو للجماعة: أجزت لكم رواية كتاب كذا، من تأليفي أو روايتي بسندي فيه: أو يذكر السند، أو ما اشتمل عليه

стр. 248

فهرست مروياتي، ويثبت ذلك كتابيًا أيضًا، وأنواع الإجازة متعددة، وهي عمومًا أقل درجة من السماع (٢)، والذي نحتاجه فيما نحن بصدده: الإجازة للطفل منذ ولادته، سواء أخضر مجلس المجيز أو كان غائبًا، وبثبوتها الكتابي يصح تحمله ويتصل سنده بالمجاز به ليؤديه لغيره بعد تأهله كما قدمنا في الحضور والإسماع، وأجاز العلماء ذلك أيضًا حرصًا على بقاء سلسلة الإسناد المخصوصة بها الأمة (٣)، كما أن سند الطفل المجاز يصبح عند تأهله للأداء عاليًا لقدم تاريخ إجازته حينذاك (٤)، وربما يكون المجيز قد توفي مع انفراد المجاز منه ببعض المرويات، فيصبح هو الوسيلة الوحيدة لوصل السند بتلك المرويات بعد شيخه، ولهذا يذكر العراقي أن بعض كتب السنة انقطع سنده من بعض البلاد لعدم وجود إجازة به لأحد من سكانها (٥)، كما يذكر ابن حجر أن أخا الحافظ الذهبي لأمه من الرضاع استجاز له سنة مولده من بعض شيوخ عصره، فانتفع الذهبي بعد ذلك بتلك الإجازة انتفاعًا شديدًا (٦) وبذلك يظهر لنا احتياج طالب الحديث إلى عناية من ذويه بطلبه منذ ولادته، حتى ينشأ ويشب في رحابه، ويحصل ميزة المحدثين بعلو السند وكثرة الرواية بجانب الدراية. والطريقة الرابعة: المناولة ولها عدة صور، كأن يمسك الشيخ كتابًا من تأليفه أو تأليف غيره، ويناوله

стр. 249

لتلميذه ويأذن له في روايته عنه، أو نسخه أو مقابلة نسخته عليه، ونحو ذلك (١) ويثبت ذلك كتابيا أيضًا. والطريقة الخامسة: المكاتبة كأن يكتب الشيخ، أو يُكلّف ثقة غيره بكتابة شئ من مروياته أو مؤلفاته لبعض الحاضرين أو الغائبين ويُوقع له بذلك (٢). والطريقة السادسة: إعلام الشيخ للطالب بأن هذا الكتاب تأليفه، أو روايته بسنده، دون أن يأذن له بروايته وهذه الطريقة مختلف في الاعتماد عليها في الرواية ولكل دليله دون مرجح (٣) والطريقة السابعة: الوصية بالكتاب. كأن يوصي الشيخ قبل موته أو سفره لشخص برواية بعض مروياته، أو مؤلفاته، والخلاف فيها أكثر من السابقة لضعفها عنها (٤). والطريقة الثامنة: الوجادة وهي أن يجد الشخص بخط من عاصره أو لم يعاصره مرويات أو مؤلفات له دون أن يكون له منه إجازة ونحوها. وهذه الطريقة لا تفيد اتصال السند للواجد بالموجود، ولكن تكون روايته له منقطعة السند سواء كان ما وجده موثقًا بالتأكد أنه بخط المؤلف أو مصححا.

стр. 250

بمقابلته أو بمقابلة ثقة آخر على أصل صحيح أو لم يكن موثقا غير أنه في حالة التوثيق يعبر في الرواية بالجزم كقوله: «وجدت بخط فلان أو في كتاب فلان». وفي حالة عدم التوثيق يعبر بصيغة غير جازمة كقوله: «وجدت عن فلان أو بلغني عنه، أو ذكر الكاتب أنه خطه ويسوق ما يريد بروايته بالسند الوارد في الكتاب فلو عبر بصيغة لا توضح الوجادة كقوله: عن فلان، أو قال فلان كان مدلسا» (١). وهكذا حكم النقل من مصنفات المؤلفين في السنة وعلومها، فإن ثبت للناقل كون النسخة التي يريد النقل منها موثقة، أو كان من العلم بحيث لا يخفى عليه السقط والتحريف وخلل السياق، نقل بصيغة الجزم، مثل: قال فلان كذا وذكر كذا، وإن لم تكن موثقة أو لم يكن عالماً، عبر بصيغة لا تقتضي الجزم بنسبة المنقول، كبلغني كذا، أو وجدت في نسخة الكتاب الفلاني كذا. وقد أشار ابن الصلاح إلى توسع أهل العلم في زمانه في هذا بحيث ينقلون من المصنفات بصيغة الجزم عموما دون تفريق بين الموثق منها وغيره (٢). وأقول: إن هذا ما يجري عليه كثير من أهل العلم في عصرنا الحاضر. أما العراقي فيطالب بالدقة العلمية، حيث يقرر أنه لا يحل لمن لم يتعلم علم الحديث عن أهله، نقل حديث من الكتب ولو من الصحيحين، ما لم يعتمد
следующие страницы →