← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 30167

الحافظ العراقي وأثره في السنة

أحمد بن معبد عبد الكريم

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

وذكر العراقي أيضا حديثا بلفظ: «وإن أصاب فله عشرة أجور» يعنى المجتهد في حكم شرعي وعزاه إلى أحمد والحاكم، وذكر أن الحاكم قال: هذا حديث صحيح الإسناد، ثم قال: وتعقبه الذهبي بتضعيفه بالفرج بن فضالة (١). وبالمراجعة، نجد أن الحديث قد أخرجه الإمام أحمد في المسند، والحاكم في المستدرك وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه بهذه السياقة (٢). وفي سندهما «فرج بن فضالة»، ونجد الذهبي تعقب تصحيح الحاكم فقال: قلت: فرج ضعفوه (٣). و «فرج» هو ابن فضالة بن النعمان التنوخي، مختلف فيه، جرحًا، وتعديلا، ولكن الأكثرين على تضعيفه، مع إشارة بعضهم إلى ضعفه من جهة ضبطه، فيحمل توثيق من وثقه على عدالته دينا وصلاحا (٤). ويعتبر العراقي بذكره تعقب الذهبي هذا، قد خالف الحاكم، ورد عليه تصحيحه لهذا الحديث، وهكذا ضعفه تلميذ العراقي الحافظ ابن حجر (٥). في حين نجد كلا من الزركشي وابن الملقن في تخريجهما لأحاديث المنهاج يذكران تصحيح الحاكم للحديث، دون تعقبه بشيء (٦) مع وجود ما يقتضى

стр. 1892

التضعيف في سند الحديث، وهو فرج بن فضالة كما قدمت. ثامنا: أهم مميزات الكتاب: مما قدمت من عناصر الدراسة والتحليل والمقارنة لجهود العراقي في هذا الكتاب، يتضح لنا أنه تميز ببعض الجوانب على تخريج غيره من معاصريه وغيرهم لأحاديث وآثار الكتاب. وأهم تلك المميزات ما يلى: - ١ - أنه تعرض لتخريج حديث «اختلاف أمتي رحمة» فعزاه إلى البيهقي في المدخل من حديث ابن عباس بلفظ «أصحابي» يعنى بدل لفظ «أمتى» ثم قال: ورواه آدم بن أبي إياس، في كتاب «العلم والحلم» بلفظ «اختلاف أصحابي لأمتى رحمة» وقال: وهو مرسل ضعيف، ثم قال: وذكره البيهقي في رسالته الأشعرية، بهذا اللفظ، بغير إسناد (١). والرواية المذكورة بمعنى اللفظ المطلوب، باعتبار أن اختلاف أصحابه ﷺ في حكم اختلاف الأمة (٢). وقد تعرض لتخريج الحديث نفسه، قرين العراقي ابن الملقن، فقال: هذا الحديث لم أر من خرجه مرفوعا، بعد البحث الشديد عنه، وإنما نقله ابن الأثير في مقدمة جامعة من قول مالك، وفى المدخل للبيهقي عن القاسم ابن محمد أنه قال: اختلاف أمة محمد رحمة، ثم قال: ورأيت بخط بعضهم أن الحليمي قال: قوله ﵇: «اختلاف أمتي رحمة» أى.

стр. 1893

في الحرف والصنائع (١). فتلاحظ من مقارنة التخريجين، أنهما اتفقا على عدم وجود رواية مرفوعة للحديث المطلوب بلفظه، ثم تميز تخريج العراقى بذكر رواية بمعناه، مع بيان درجتها بأنها مرسلة ضعيفة، وقد زاد الوصف بالإرسال على ما ذكره في بيان درجة هذا الحديث نفسه في كتابه «المغنى عن حمل الأسفار»، السابق دراسته (٢). فأشار العراقي بذلك إلى أن الحديث ضعيف، من جهة انقطاع سنده بالإرسال، ومن جهة أحد رواته بالضعف. وعند المراجعة نجد أن الأمرين موجودان فعلا في الإسناد المذكور، فقد أخرجه البيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى وكذلك الخطيب البغدادي في الكفاية كلاهما من طريق سليمان بن أبي كريمة عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس، مرفوعا (٣). وفي هذا الإسناد رواية «الضحاك» وهو ابن مزاحم الهلالي، صاحب التفسير، والراجح أنه لم يلق ابن عباس، فروايته عنه مرسلة، بمعنى أنها منقطعة (٤) وقال الحافظ ابن حجر في خلاصة حال الضحاك: صدوق كثير الإرسال (٥)، وسليمان بن أبي كريمة ضعفه أبو حاتم، وأشار ابن عدى إلى أن

стр. 1894

ضعفه من جهة ضبطه (١). وجويبر بن سعيد الأزدى، راوى التفسير، لم أجد من اتهمه بالكذب (٢). ولخص ابن حجر حاله بأنه ضعيف جدا (٣). فالحديث بهذا الإسناد ضعيف جدا. ولكن هذا أولى مما قاله ابن السبكي: إن الحديث بلفظ «اختلاف أمتى رحمة» لا أصل له (٤). ومن قول والده تقى الدين السبكي - شيخ العراقي -: إنه لم يقف للحديث على سند صحيح ولا ضعيف ولا موضوع (٥)، يعنى بلفظ «اختلاف أمتى رحمة»، لأن الحديث الذي ذكره العراقى بمعنى هذا اللفظ، كما تقدم. ٢ - تميز تخريج العراقى أيضا أنه ذكر بدل الآيات القرآنية، حديث «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة»، مخرجا بالعزو إلى الشيخين من حديث أبي هريرة، وحديث عبد الله بن قرط: «إن أعظم الأيام عند الله يوم النحر … » (الحديث) وعزاه إلى أبي داود والنسائي، وإلى ابن حبان بنحوه (٦) وذلك مقابل إشارة مؤلف المنهاج إلى تفضيل الشارع لبعض الأزمنة. فى حين ذكر قرينه ابن الملقن مقابل ذلك دليلين من القرآن الكريم (٧) وهو وإن

стр. 1895

كان مقدما على السنة في الاستدلال، إلا أن موضوع التخريج هو ذكر الأحاديث التي تتعلق بمضامين الكتاب، ولو كان هناك ما هو بمعناها في القرآن الكريم. أما الشيخ الغماري ﵀ فلم يذكر في مقابل تفضيل الشارع للأزمنة شيئا، لا من القرآن ولا من الحديث (١). ٣ - ذكر صاحب المنهاج من أمثلة ما نهى الشارع عنه: بيع الحصاة، والملاقيح، والربا (٢). فذكر ابن الملقن حديثا في النهى عن بيع الحصاة، وأحاديث في النهي عن بيع الملاقيح، ولم يذكر شيئا في النهى عن الربا (٣) وذكر الغماري الأحاديث المشتملة على النهى عن الملاقيح فقط، ولم يذكر شيئا في النهي عن بيع الحصاة ولا فى النهى عن الربا (٤) أما العراقي فذكر الأحاديث المشتملة على النهى عن بيع الحصاة، وبيع الملاقيح، والنهي عن الربا (٥)، فجاء تخريجه في هذا الموضع أكمل من تخريج رفيقه ابن الملقن، ومن بعده الغماري. ٤ - يعتبر ما قدمته أيضا في مبحث اختلاف العراقي مع غيره في درجات الأحاديث، من مميزات هذا التخريج.

стр. 1896

تاسعا: من المآخذ على الكتاب: رغم جهود العراقي الحديثية في هذا الكتاب، وما ذكرته له من مميزات، فإنه لم يخل من المآخذ، كما هو شأن كل جهد بشرى، وبهذا يتوازن تقويم الكتاب، وبيان أثره الحديثي. وأهم تلك المآخذ، ما يلى: - ١ - لقد شرط العراقى فى مقدمة الكتاب أن يبين درجة الأحاديث التي يخرجها، من الصحة والضعف، مع الاختصار فى ذلك، كما سبق توضيحه، وقد وفي العراقي بشرطه هذا في أكثر الكتاب، ولكن هناك أحاديث وآثار قليلة بالنسبة لمجموع أحاديث الكتاب وآثاره، وقد خرجها بالعزو إلى بعض مصادرها، ولكن لم يتكلم على درجة كل منها بشيء. وأكثر ما وقع ذلك في المبحث الذي خصصه في آخر الكتاب لتخريج ما في المنهاج من الآثار غير المرفوعة إلى النبي ﷺ . وقد بلغ مجموع الأحاديث التي لم يبين العراقى درجتها خلال الكتاب كله، خمسة أحاديث (١) ومنها حديث عزاه إلى الترمذى، وقد قال الترمذى إنه حسن صحيح، فلم يذكر العراقي حكم الترمذى هذا، ولا غيره (٢) مع اعتنائه خلال باقى الكتاب وغيره من كتبه بذكر أحكام الترمذي وغيره، مع الاقرار

стр. 1897

أو التعقب، كما قدمت، وقد ذكر حكم الترمذى على هذا الحديث كل من الزركشي (١) وابن الملقن (٢) والغماري (٣) ومنها حديث بين العراقي بنفسه درجته في تخريج (الإحياء) السابق دراسته (٤). وهناك أربعة مواضع ذكر العراقي في تخريج الحديث أكثر من رواية، وبين درجة بعض الروايات، وبعض الروايات لم يذكر درجتها (٥) فلعله اكتفى بما بين درجته، من باب الاختصار الذي جعله من منهجه في هذا الكتاب. وأما الآثار التي لم يبين درجتها فبلغ عددها تسعة آثار (٦). ٢ - قال العراقي: إن حديث «ما اجتمع الحلال والحرام إلا وغلب الحرام، على الحلال» لم يجد له أصلا، وتقدم بيان أن له أصلا ضعيفًا، موقوفا على ابن مسعود، وشاهدًا صحيحًا بمعناه. وذكر أثر أبي بكر ﵁ في الكلالة، إنها ماعدا الوالد والولد، وقال: إنه لم يجده (٧) وهو موجود في عدة مصادر أصلية، ومعروفة، ومن مصادر العراقي في هذا الكتاب وغيره (٨).

стр. 1898

وهناك أثران أوردهما العراقي، ولم يتعرض لتخريجهما، مع وجود ما هو بمعناهما (١). ٣ - هناك أكثر من عشرين موضعا في كتاب «منهاج الوصول»، أشير في معظمها إلى أحاديث مرفوعة، ولكن لم يتعرض العراقي لذكرها كما ذكر الأثرين السابقين، وبالتالي لم يتعرض لتخريج شيء منها، في حين ذكر ابن الملقن بعضها وخرجه، وذكر أكثرها الشيخ عبد الله الغماري، وخرجها (٢). تعقيب: ولعل مرجع تلك المآخذ ما ذكره تلميذ العراقي وخريجه «سبط ابن العجمي»، حيث قال: وقد أخبرني أنه عمل تخريج أحاديث البيضاوي، بين الظهر والعصر (٣) فهذا الوقت لا يتسع لأكثر من كتابة ما أورده العراقي في هذا.

стр. 1899

الكتاب، اعتماداً على ذاكرته التي عُرف بقوة حفظها، وسعة استيعابها، مع بعض المراجعات اليسيرة لما يتسع الوقت المذكور لمراجعته من المصادر المتعددة التي عزا إليها. كما أن هذه المآخذ لا تطغى على ما اشتمل عليه الكتاب - رغم صغر حجمه - من الفوائد والمميزات السابق ذكرها. ولم تحجب هذه المآخذ أيضاً آثاره الحديثية فيما بعده، كما سأشير إلى بعضها في المبحث التالي. عاشراً: أثر الكتاب فيما بعده: ما إن فرغ العراقي من تأليف كتابه هذا، حتى بدأ يؤتي ثماره، ويحقق آثاره فيما بعده من حفاظ السنة، والمؤلفات فيها. فإن إحدى نسخه الخطية الموثقة، وهى نسخة مكتبة «داماد ابراهيم باشا السابق ذكرها»، قد جاء في آخرها طبقة سماع للكتاب مؤرخة في يوم الجمعة العشرين من جمادى الآخرة سنة ٨٦٧ هـ، يقول كاتبها: «الحمد لله رب العالمين، وبعد فقد قرأ على جميع هذا المؤلف، الشيخ الفاضل العالم البارع الأوحد: ناصر الدين، نصر الله بن عماد الدين إسماعيل الإربلي الشافعي، نفع الله به، يقراءتي له على شيخنا الإمام العلامة الحافظ، برهان الدين، ابراهيم بن محمد بن خليل، سبط ابن العجمي الحلبي ﵀، بقراءته له على مخرجه، الحافظ زين العراقي - رحمه الله تعالى - فسمعه ولد القارى، الشيخ زين الدين عمر … » وذكر جماعة من الشيوخ، ثم قال: وصح ذلك وثبت يوم الجمعة .. وذكر التاريخ السابق، ثم قال: وأجزت لهم ما يجوز لي، وعنى

стр. 1900

روايته، قال ذلك وكتبه محمد بن ابراهيم بن محمد السلامي عفا الله عنه (١). وأيضا نسخة الكتاب التي كانت محفوظة في مكتبة حلب - بسوريا، كما سبق، فقد جاء في وصفها أنها منقولة عن نسخة عن نسخة سبط ابن العجمي الذي نقلها عن نسخة شيخه المصنف، وتقدم أيضا أن نسخة الكتاب الخطية المحفوظة في إحدى مكتبات الهند، قد نقلت من نسخة كتبت في حياة المؤلف. فيستفاد من مجموع ذلك أن العراقي بعدما أنجز كتابه هذا قام بمدارسته مع طلابه، وهم بدورهم فعلوا ذلك مع طلابهم، كما يستفاد أن العراقي أذن لطلابه بتداول الكتاب للاستفادة منه والإفادة لغيرهم رواية ودراية. وبذل لبعضهم نسخته الخاصة لينقلوا منها لأنفسهم نسخا، ويتداولونها، وهم بدورهم فعلوا ذلك مع طلابهم. وهذا يدل على حصول الإقبال على الكتاب من طلاب السنة وعلومها، مع وجود مثيل له من تأليف قرين العراقي ابن الملقن، وبذلك حصل انتشار نسخ الكتاب الخطية في حواضر العالم الإسلامي، كما تقدم في التعريف بها، فوجد بعضها في مصر حيث أقام العراقى وأنجز الكتاب ودرسه، وبعضها في الشام حيث نقلها خريجه سبط ابن العجمي، حافظ حلب، والشام، وبعضها فى تركيا التي كانت دار الخلافة الإسلامية، وحاضرة ثقافته، وتراثه العلمي.

стр. 1901

وبعضها في بلاد المغرب العربي حيث ذكر الشيخ الكتاني ﵀ وجود نسخة من هذا الكتاب لديه، عليها خط أبي زرعة أحمد بن العراقي، وقد ألحقت مكتبة الشيخ بخزانة القرويين بفاس، كما قدمت. وبعضها في بلاد الهند، كما قدمت أيضا. وتقدم أن سبط ابن العجمي وجدت له تعليقات على نسخته من الكتاب، دلت على بحثه المضامينه، والتعليق عليه بما رآه متمما لفائدته. ثم اتسعت دائرة انتشار الكتاب أكثر، وانتشار آثاره تبعا لذلك، وهذا من خلال طبعاته الثلاث السابق ذكرها. وكما انتشر الكتاب مخطوطا ومطبوعا، وتداوله حفاظ الحديث وطلابه، فقد انتشرت النقول عنه في المؤلفات الحديثية التي عاصرته أو جاءت بعده. وتلك النقول في غالبها مما ذكره الناقل للاعتماد عليه، وإقراره، وتارة يكون النقل بالعزو إلى الكتاب منسوبا إلى العراقي، وتارة بالعزو إلى العراقي فقط دون ذكر الكتاب، ولكنه يعرف بمقارنة المنقول بما في الموضع الموافق له في الكتاب، وتارة يكون النقل من الكتاب بدون واسطة، وتارة يكون بواسطة مصدر وسيط وإن لم يصرح به الناقل، ولكن يعرف ذلك بالقرائن، وأغلبه يكون ممن هو متأخر كثيرا عن عصر العراقي أو معاصر لنا. فمن أمثلة النقول المباشرة ما وجدته بحواشى نسخة دار الكتب المصرية المخطوطة من كتاب (تذكرة المحتاج لأحاديث المنهاج) لابن الملقن قرين العراقي، فقد وجدت بحواشيها تعليقات من أولها إلى آخرها عبارة عن نقول عن تخريج أحاديث المنهاج للعراقي، دون تصريح باسم الكتاب، ولكن تارة.

стр. 1902

يقول: قال العراقي، وتارة يقول: عند العراقي كذا، وتارة يقول: عبارة العراقي كذا، وتارة ينقل ما ذكره العراقي في تخريج الحديث وفي نهايته يذكر لفظة «عراقي» إشارة إلى أن الكلام المذكور منقول عن العراقي، وبمقارنة تلك النقول كلها وجدتها في كتاب العراقي هذا. ويعتبر المنقول بحواشي تلك النسخة أكثر ما وجدته من النقول عن هذا الكتاب. ونقل عنه شهاب الدين أحمد بن أبي بكر البوصيري المتوفى سنة ٨٤٠ هـ، وهو أحد كبار تلاميذ العراقي، وذلك في كتابه مصباح الزجاجة في زوائد ابن ماجه، وختم ما نقله بقوله: قاله شيخنا العراقي ﵀ (١) ونقل عنه الحافظ محمد بن عبد الرحمن السخاوى المتوفى سنة ٩٠٢ هـ (٢). ونقل عنه السيوطي المتوفى سنة ٩١١ هـ (٣) والمناوي المتوفى سنة ١٠٣١ هـ وهو من أحفاد العراقي من جهة الأم (٤). وممن يعتبر نقله بواسطة، سواء صرح بها أم لم يصرح: العجلوني صاحب

стр. 1903

كشف الخفاء (١) والملا على قارى (٢). والشيخ عبد الله بن الصديق الغماري (٣).

стр. 1904

تأليف العراقي في تخريج بعض الأربعينات الحديثية وفي عواليها التعريف بالأربعينات الحديثية وعواليها الأربعينات هي مؤلفات حديثية، صغيرة الحجم، حيث يشتمل كل منها على أربعين حديثا، أو أزيد قليلا، مع تنوع مقاصد ومناهج مؤلفيها، من حيث السند أو المتن أو كليهما (١). وقد راجعت عددا من كتب الأربعينات، فوجدت اتفاق مؤلفيها على أن الدافع الذي حثهم على تأليف هذا النوع أمران: أولهما: الحديث المروي عن جماعة من الصحابة (٢) في فضل وجزاء من حفظ للأمة المحمدية أربعين حديثا من أمر دينها، وسنة نبيها ﷺ ، مع تقرير بعضهم أن الحديث وإن كان في طرقه مقال، فإنه يتقوى بعضها ببعض، وإن لم ترق إلى درجة الصحة، لكن يمكن الأخذ بها في موضوعها هذا، لأنه ليس فيه فرض (٣).

стр. 1905

وقرر كل من الرهاوي والسلفي ومن تابعهما: أن هذه التقوية تصل إلى الصحة المفيدة للعلم (١). ويرى الإمام النووي، والحافظ ابن حجر وغيرهما: أن مجموع طرق الحديث - على كثرتها - تتقوى ببعضها، لكن بحيث ترتقي بمجموعها من شدة الضعف التي في مرتبة المردود المنكر الذي لا يجوز العمل به بحال، إلى رتبة الضعيف الذي يجوز العمل به في فضائل الأعمال، وأضاف النووي: أن معنى الحديث مندرج أيضا تحت عموم ما صح من الأحاديث في أمره ﷺ بالتبليغ عنه، وبالنضرة لمن فعل ذلك (٢). وذكر العراقي حديث الأربعين هذا، وعزاه إلى ابن عبد البر في جامع بيان العلم من حديث ابن عمر وأنس، وذكر تضعيف ابن عبد البر لروايته عنهما، ولم يتعقبه بشيء (٣)، أما الزبيدي فذكر أن للحديث شاهدا قويا مع ضعفه، وهو من حديث أبي سعيد الخدري، وعزاه إلى ابن النجار في تاريخه، وقرر إجمالا: أن الحديث بمجموع طرقه عن هؤلاء الثلاثة من الصحابة، وغيرهم، كما قدمت، يكون حسنا أو صحيحا (٤). الأمر الثاني: الذي حث المؤلفين للأربعينات هو تأسي اللاحق منهم، بمن

стр. 1906

سبقه إلى ذلك من سلف الأمة الصالح (١). ومن العلماء من ألف بعض الأربعينات بنفسه، من مروياته عن شيوخه، ومنهم جمعها لغيره، مخرجة من مرويات هذا الغير بأسانيده عن شيوخه، وفي هذين النوعين، نجد من يراعى علو الإسناد، فيطلق عليها ما يفيد ذلك، كالسباعيات والثمانيات والتساعيات والعشاريات وسيأتي بيان ما للعراقي من تأليف في ذلك. ومنهم من يراعى البلاد التي أخذ صاحب الأربعين الأحاديث فيها عن شيوخه، فتسمى الأربعين البلدانية، وللعراقي تأليف في ذلك أيضًا، كما سيأتي، ومن هذين النوعين أيضا ما يجمع فيه بين التخريج بالرواية بإسناد صاحب الأربعين، وبين التخريج بالعزو إلى بعض مصادر الحديث الأصلية، ولاسيما الصحيحين، والسنن الأربعة، ومنهم من يختار الأربعين حديثا من مصنفات الحديث الأصلية، مع حذف الأسانيد، ماعدا الصحابي، ثم يذكر تخريجها بالعزو الإجمالي إلى مصدر أو أكثر من المصادر الأصلية، مثلما فعل النووى في أربعينه المعروفة، كما سيأتى. ومنهم من لا يذكر في أربعينه تخريجا، لا بالرواية بأسانيده، ولا بالعزو إلى شيء من المصادر، مثلما نجده في «الأربعين في اصطناع المعروف» للحافظ المنذري، ومن الأربعينات ما يذكر فيها درجة الأحاديث من الصحة وغيرها، ومنها ما لا يذكر فيه ذلك،

стр. 1907

كأربعين المنذري السابقة. ومن العلماء من يرى بعض كتب الأربعين التي ألفها غيره، تحتاج إلى تخريج أحاديثها وبيان درجاتها من الصحة أو غيرها، أو شرحها، وبيان مشتملاتها من الحكم والآداب، فيتصدى لذلك. وقد أسهم العراقي في موضوع الأربعينات هذا بالتأليف، والتخريج، وذلك على النحو التالي:

стр. 1908

أولا: تخريج الأربعين حديثا العشارية الإسناد، للعراقي ١ - نسبة الكتاب إلى العراقي: ذكر غير واحد ممن ترجم للعراقي، من تلاميذه، وغيرهم، أن من مؤلفاته كتاب الأربعين حديثا العشارية الإسناد، وأنه هو الذي خرجها لنفسه (١). ٢ - تسمية الكتاب وتاريخ تأليفه: ذكر صاحب فهرس الفهارس أن لديه نسخة عتيقة مسموعة من هذا الكتاب في كراسين، وقال: عنوانها «كتاب الأربعين العشاريات الإسناد»، ونقل نحو نصف صفحة من مقدمة الكتاب (٢). وهذا العنوان مأخوذ بالمعنى من قول العراقي في المقدمة: «فاستخرت الله تعالى في إملاء أربعين حديثا عشاريات الإسناد … » (٣). فلا تعتبر هذه تسمية صريحة منه للكتاب، ولكنه بيان لموضوعه. وفي نسخة خطية أخرى للكتاب، سيأتي ذكرها، جاء عنوان الكتاب هكذا «الأربعين العشاريات السامية، مما وقع لشيخنا من الأخبار العالية» وهذه يمكن اعتبارها تسمية صريحة للكتاب، لكنها ليست من العراقي نفسه، وإنما

стр. 1909

من أحد تلاميذه، لقوله فيها: «لشيخنا» كما نرى. وسيأتي ذكر تلميذه هذا، وذكر كلامه الذى يشير إلى هذا العنوان. أما تاريخ تأليف الكتاب، فقد ذكر ابن فهد: أن هذه الأربعين كانت أول أمالي العراقي الحديثية، وأنه أملاها بالمدينة الشريفة، بين قبره ﷺ ومنبره (١)، ولكن لم يحدد تاريخ الشروع أو الانتهاء من إملائها. وقد حدده تلميذ للعراقي كان من أوائل من طلب منه هذا الإملاء، وحضره، وهو عبد الرحيم بن عبد الكريم بن نصر الله القرشى الجرهي الشيرازي المتوفى سنة ٨٢٨ هـ، وكان من أهل شيراز، من بلاد إيران الحالية، وبلاد فارس قديما (٢). وقد ذكر أنه وفد على المدينة النبوية ولقى الحافظ العراقي، فوجده أوحد دهره علما وفضلا، ونعم بسماع الحديث المسلسل بالأولية منه، في يوم الأربعاء ١٧ صفر سنة ٧٩٠ هـ، ثم لازمه للسماع منه والقراءة عليه من مؤلفاته المفيدة صباحا ومساءا، عدة أشهر، وفي خلالها طلب بنفسه من شيخه العراقي أن يملى عليه هو ومن يحضر من طلبة العلم معه بعض ما اتصل بالعراقي من الأسانيد العشارية السامية، ويحدثهم بما وقعت له من الأخبار العالية، ثم قال تلميذ العراقى هذا: فأجابنا ﵁ وعن مُخَلِّفيه - لما رأى ذلك متعينا عليه، وعلم أنه قربة من الله فانتدب إليه، ورسم أن يملى أربعين حديثا … . وكان ابتداء الإملاء المبارك، يوم السبت، من رجب الفرد سنة ٧٩٠ هـ، بالروضة الشريفة … ، ثم رأى - فسح الله في مدته - أن يفتتح.

стр. 1910

هذا الجزء أيضًا بالحديث المذكور - أعنى المسلسل بالأولية - عودًا على بدء، فأملاه علينا من لفظ الشريف، مبتدئا بسم الله ﵎، والثناء عليه، وذكر - يعنى العراقي - مقدمة، فقال: … (١). وساق مقدمة الكتاب، ثم بقيته إلى آخره. ومما ذكره هذا التلميذ الشيرازي يظهر لنا أن بين سماعه وحده الحديث المسلسل بالأولية من شيخه العراقى في ١٧ صفر سنة ٧٩٠ هـ، وبين شروعه في إملاء كتاب الأربعين العشارية، والمسلسل بالأولية، في رجب سنة ٧٩٠ هـ، توجد مدة أربعة أشهر وبعض شهر، وأنه خلال هذه المدة قام بجمع أحاديث الكتاب حسب الشرط المطلوب، فانتقاها من مروياته الكثيرة بحيث يكون في إسناد كل حديث بينه وبين الرسول ﷺ عشرة أشخاص، وعمل لذلك مقدمة، وكتب لذلك كله نسخة خطية وقعت في جزء حديثى، كما وصفه مشاهده تلميذ العراقي هذا، ثم شرع العراقى في إملاء مشتملات الكتاب تفصيلا ابتداء من التاريخ السابق ذكره، واستمر في إملاء بقيته في مجالس أسبوعية، بحيث يعقد في كل أسبوع مجلسًا واحدا، ويملى فيه حديثا أو حديثين من حفظه، كما أشار تلميذه هذا بقوله: «من لفظه» وكما هو معروف في طريقة الأمالي الحديثية، وسيأتي تفصيل أكثر عند بيان أمالي العراقي الحديثية عموما. ويلاحظ أن هذا التلميذ الشيرازي ذكر تاريخ بداية العراقي في إملاء مشتملات الكتاب في يوم السبت من شهر رجب سنة ٧٩٠ هـ، ولم ييين

стр. 1911

تاريخ فراغه من إملائه، حتى نعرف المدة الإجمالية التي استغرقها في إملائه كله، ولم أجد من ذكرها، لكن وجدت ما يفيد فراغ العراقي من إملاء الكتاب كله قبل ليلة الأحد الخامس من جمادي الأولى سنة ٧٩١ هـ، حيث إن هناك نسخة خطية للكتاب، غير نسخة الشيرازى هذه، وهي النسخة الحلبية الآتى ذكرها، وقد أثبت في حواشيها، وآخرها أنها قرئت على العراقي بواسطة رفيقه الهيثمى في ستة مجالس، سادسها - وهو الأخير - كان في ليلة الأحد الخامس من جمادي الأولى سنة ٧٩١ هـ بالمدينة الشريفة، ومقتضاه أن فراغ العراقي من إملائها على السامعين، كان قبل مجالس قراءتها عليه بواسطة الهيثمي في التاريخ المذكور. كما يلاحظ أن المجلس الأخير لقراءتها عليه كان يوم الأحد، في حين كان ميعاد الإملاء السابق كل يوم سبت، ويلاحظ أيضًا أن مجالس قراءة الكتاب على العراقى تعتبر قليلة العدد حيث بلغت ستة مجالس فقط، بينما مجالس الإملاء المتعارف عليها تكون مرة واحدة في الأسبوع، وبالتالي يكون العراقي قد استغرق في إملائه لهذا الكتاب فترة أطول من فترة قراءته عليه السابق ذكرها. من نسخ الكتاب الخطية، وطبعه: يوجد للكتاب عدة نسخ خطية مفرقة في أنحاء العالم، شرقا وغربا، وسأذكر بعضها، لكون الكتاب قد طبع الآن محققا، كما سيأتي. ١ - نسخة بدار الكتب المصرية برقم (١٥٧٨) حديث دار الكتب، وعدد أوراقها (٢١) ورقة، وبها خرم بعد الورقتين الأوليين، مع اختلال ترتيب الورقة الثانية عن موضعها الأصلى، كما أن حواشى بعض الأوراق مقصوص عند تجليدها بواسطة من لا خبرة له بالمخطوطات، وبذلك ضاع بعض نصوص

стр. 1912

الكتاب، وبعض الأوراق أصابها تلويث أيضا، وعدد سطور الصفحات مختلف بين ١٤، ١٥ سطرا. ٢ - نسخة بالمكتبة الأحمدية بحلب، تحت رقم (٣٠٦) مجاميع وهي رقم (٥) في المجموعة، وعدد أوراقها (١٩) ورقة، وعنوانها هكذا «هذه أربعون حديثا عشارية الإسناد، ألفها ﵀، بالمدينة المنورة، وذلك في سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، والله أعلم» فلم يذكر اسم المؤلف عليها كما ترى وجعل تاريخ قراءتها عليه هو تاريخ التأليف ولذلك جاء في فهرس المكتبة الأحمدية الذي أعده الشيخ راغب الطباخ ﵀ قوله: «أربعين حديثا عشارية الإسناد، تأليف الحافظ العراقي أو ابن حجر» وكتب عقب ذلك عبارة «تراجع». فلما وقفت على النسخة وقابلتها بنسخة دار الكتب المصرية السابق ذكرها، وجدت توافقهما في الجملة، وبذلك يرتفع تردد الشيخ الطباخ ﵀ في نسبة الكتاب للعراقي. ٣ - نسخة بمكتبة جوته بألمانيا، ذكرها بروكلمان، وذكر أنها منسوبة في فهرس المكتبة خطأ للترمذى، وذكر رقمها هكذا (١/ ٦١٣) (١). ويبدو أن هذه النسخة هي التي اعتمد عليها الشيخ الفاضل/ بدر البدر في تحقيق الكتاب كما سيأتي. وهي تقع في (٣٤) ورقة، وخطها نسخ جيد. وقد وصفها الشيخ بدر في مقدمة تحقيقه للكتاب، والذي أود التنويه عنه.

стр. 1913

بشأنها أمران: - أحدهما: أني لاحظت استعمال الناسخ للفصل بين فقرات النص، علامة الفاصلة التي نستعملها حاليا في الإملاء الحديث للغرض نفسه، فيعتبر هذا أنموذجا لتأصيل استعمال بعض علامات الترقيم المعاصر. وثانيهما: أن تلك النسخة اشتملت في بدايتها على مقدمة للشيخ عبد الرحيم الشيرازي تلميذ العراقي، أوضح فيها بعض الأسباب التي دعت العراقي إلى تأليف الكتاب، وحدد تاريخ شروعه في إملائه، ومكان ذلك كما قدمت. ٤ - نسخة الشيخ عبد الحي الكتاني، صاحب فهرس الفهارس، ﵀. وقد ذكرها في فهرسه، كما قدمت، ووصفها بأنها نسخة عتيقة مسموعة، يعنى عليها إثبات سماعها على مؤلفها العراقي (١). ومكتبة الشيخ الكتاني قد ألحقت بعد وفاته بالخزانة العامة بالرباط، ويرمز في فهرسها إلى محتويات تلك المكتبة برمز (ك) ولعل هذه النسخة هي التي ذكرها الشيخ محمد بن الحسين العراقي في مقدمة تحقيقه لكتاب شرح ألفية العراقي في المصطلح، حيث ذكر كتاب الأربعين هذا وقال: اطلعت على نسخة منه بالخزانة الكتانية (٢). طبع الكتاب: حين أعددت هذا البحث قبل أكثر من عشرين سنة كان اعتمادى في دراسة هذا الكتاب هو ما أمكن اطلاعى عليه من نسخه الخطية السابقة، بعد نسخى

стр. 1914

لها بيدى حيث كان التصوير الورقى للمخطوطات غير منتشر، ولكني الآن وجدت الكتاب مطبوعا بتحقيق الشيخ الفاضل: بدر بن عبد الله البدر، من الكويت، وهو محقق معروف الاعتناء بكتب السنة المطهرة، فجزاه الله خيرا، وقد نشر الكتاب بواسطة دار ابن حزم في بيروت سنة ١٤١٣ هـ مع كتاب الأربعين في الجهاد والمجاهدين، لعفيف الدين محمد بن عبد الرحمن المقرى، وكتاب العراقى هو الكتاب الثانى منهما، وعدد صفحاته (٢٥٦) صفحة بما فيها الفهارس، ومقدمة المحقق، وذلك من ص ١٠١ - ٢٥٦، وقد حقق الشيخ (بدر) كتاب الأربعين هذا بالاعتماد على نسخة واحدة هي النسخة الألمانية السابق ذكرها، وقام مشكورا بخدمة الكتاب على وجه لائق، فقدم له بمقدمة عرف فيها بالحافظ العراقي بإيجاز مناسب، وبين منهجه في الكتاب باختصار، وذكر أهم مصادر العراقي فيه، ووصف النسخة الخطية التي اعتمد عليها، كما علق على الكتاب بتخريج أحاديثه من مصادر العراقي وغيرها، مع التعريف بما اقتضاه الأمر من الرواة، وبيان درجات بعض أحاديث الكتاب، بعد ذكره بعض طرقها التي لم يذكرها العراقي، كما عمل عدة فهارس مفيدة تيسر الاستفادة بمشتملات الكتاب، وهناك بعض ملحوظات يسيرة ظهرت لى على نص الكتاب، مرجعها إلى كون النسخة التي اعتمد فضيلة المحقق عليها واحدة، وقد صوبت بعضها خلال الأمثلة الآتي ذكرها. ولكني استفدت عموما من تلك الطبعة في تعديل بعض جوانب دراسة الكتاب الآتى ذكرها؛ كما أحلت على تلك الطبعة في خلال الدراسة، بجانب ما هو لدى من نسخ الكتاب الخطية في موضع الحاجة.

стр. 1915

كما أني أعددت الكتاب على ضوء بقية نسخه التي لدى، لطبعة ثانية إن شاء الله. أسباب تأليف الكتاب، وموضوعه: ذكر الشيرازي تلميذ العراقي في تقديمه لهذا الكتاب كما أسلفت، أنه خلال ملازمته لشيخه العراقي طلب منه أن يملي عليه، وعلى من يحضر معه بعض الأحاديث التي اتصل إسناده بها عاليا، ويحدثهم بها، فأجابه الشيخ بما تضمنه هذا الكتاب، وبذلك يكون طلب الشيرازي هذا هو السبب الأول لتأليف العراقي هذا الكتاب، والسبب الثاني هو التقرب إلى الله تعالى، وقد ذكر الشيرازي هذين السببين فقال: «فأجابنا ﵁، وعن مُخَلَّفيه - لما رأى ذلك متعينا عليه، وعلم أنه قربة من الله فانتدب إليه» (١). ثم قال الشيرازي: «وَرَسَم - أى العراقي - أن يملي أربعين حديثا مقتفيا طرق السلف الصالح، ونعمت المسالك، ومتكلا على دعائه عليه أفضل الصلوات والتسليمات، وأكمل البركات والتحيات، بالنضرة لم سمع مقالته فأداها كذلك» (٢). فهذان سببان أيضا. وقد أشار العراقي في مقدمته للكتاب إلى بعض هذه الأسباب التي ذكرها تلميذه، وأضاف سببا آخر، وهو ابتداؤه إحياء سنة إملاء الحديث على طلابه، بعد أن كانت منقطعة قبل ذلك، كما سيأتى توضيحه عند ذكر أمالي العراقي الحديثية عموما (٣).

стр. 1916

وأما الموضوع الأساسى للكتاب، ومشتملاته العامة، فقد ذكر الشيرازى والعراقي أنه تضمن أربعين حديثا عشارية الإسناد، فيرويها العراقي بسنده المتصل عن شيوخه فمن فوقهم، حتى يصل إلى الرسول ﷺ ويكون عدد سلسلة إسناد كل حديث، عشرة أشخاص، أولهم شيخ العراقي، وآخرهم الصحابى الذى رفع الحديث إلى الرسول ﷺ . ثم ألحق العراقي بالحديث رقم عشرين أثرًا موقوفا على عبد الملك بن مروان، في معنى الحديث المذكور، وساقه بسند عشاري أيضا، إلى عبد الملك بن مروان، كما أتبعه برواية بيت من الشعر، وحديث آخر معلق، كلاهما في معنى الحديث المذكور (١). ورأى العراقي أن يضيف إلى تلك الأربعين، على سبيل الفائدة، حديثا في بدايتها، وهو الحديث المسلسل بالأولية، وإن لم يكن عشاريا، ولكن يذكر العراقي أنه أول حديث سمعه من شيخه أبى الفتح الميدومي، وهكذا يذكر من فوق الميدومى، أن هذا أول حديث سمعه من شيخه حتى ينتهى تسلسل الأولية إلى سفيان بن عيينة (٢)، وزاد العراقي أيضا في آخر العشاريات إسنادا تساعيًا للحديث الأربعين، وبعده حديثين تساعيين أيضا، بحيث نجد رجال الإسناد من شيخ العراقي حتى الرسول ﷺ عددهم تسعة أشخاص، وبنهاية الحديث الثاني منهما ينتهى الكتاب (٣) أما مقدمة الكتاب فضمنها العراقي أهم أسباب تأليفه له كما قدمت، وأهمية علو الإسناد، ومجمل عناصر منهجه في

стр. 1917

الكتاب، كما سيأتي تفصيله. وأما متون أحاديث الكتاب فموضوعاتها متنوعة، فالحديث المسلسل بالأولية، موضوعه الرحمة، والحديث الأول من العشاريات موضوعة إحدى علامات الساعة، والثاني في حكم القصاص في القتل، وهكذا، بحيث يمكن القول: إن متون أحاديث الكتاب تشمل أزيد من أربعين موضوعا من عقائد أو عبادات أو معاملات أو أخلاق، لكن لم يتعرض العراقي لبيان ذلك، لأن الغرض الأصلى هو جمع وتخريج الروايات بأسانيد عالية، مع بيان نوع العلو في كل منها، ودرجة الإسناد من حيث الصحة أو غيرها، كما سيأتي. منهج العراقي في الكتاب، عرضا، وتحليلا مقارنا، وتقويما. أولا: مصادر العراقي في الكتاب: أ - المصادر المباشرة للعراقى فى هذا الكتاب، هم شيوخه الذين تلقى عنهم أحاديثه، وساق سنده بها عنهم، فيه، وقد بلغ عددهم ٢٨ شيخا، بحسب الطبعة الحالية للكتاب، وأكثر من روى عنه فى هذه الأربعين هو شيخه مسند وقته بمصر محمد بن محمد إبراهيم الميدومي المتوفى سنة ٧٥٤ هـ، سواء بمفرده، أو مع ذكر شيخ أو أكثر معه، عند تعدد طرق العراقي بالحديث، وقد ذكر الحافظ ابن حجر: إن الميدومي أعلا شيخ عند شيخه العراقي من المصريين، وقد أكثر عنه (١) وأما باقى شيوخه الذين روى عنهم في الكتاب، فغالبهم من قدماء شيوخه ببلده مصر، وبغيرها من البلاد التي رحل إليها، وسمع بها المرويات في رحلاته الأولى، كما تقدم تفصيلها، ويستفاد من روايته عنهم

стр. 1918

في هذا الكتاب أنهم أعلا شيوخه إسنادا، باعتبار أن تلك العشاريات هي أعلا أسانيد العراقي المقبولة، بل ذكر هو أن العشاريات هي أعلا ما يقع في حياته لغيره من الشيوخ المعاصرين له، كما سيأتي (١). ب - المصادر الوسيطة، ومن المعروف أن المرويات قد دونت قبل عصر العراقى في مصنفاتها المعروفة، من جوامع وسنن ومسانيد ومعاجم وأجزاء ونسخ، وأمالي، وغير ذلك، ولذا فإن مرويات العراقي عن شيوخه كانت عبارة عن تلك المدونات، فتلقاها كما هي عن شيوخه بالسماع وغيره، بالأسانيد التي تحمل شيوخه بها تلك المدونات عن شيوخهم فمن فوقهم حتى أصحاب تلك المدونات، كالبخاري ومسلم وغيرهما، بأسانيدهم التي في تلك المدونات. وبهذا صار للعراقى مصادر من تلك المدونات المتقدمة على شيوخه، وهي عبارة عن كتب الرواية الأصلية، كالكتب الستة (٢) وبعض المسانيد (٣) وبعض المصادر الأخرى التي تميز مؤلفوها بعلو الإسناد، وما في سنده نوع تفرد أو غرابة. فقد روى أحد عشر حديثا من طريق عبد الله بن ابراهيم بن أيوب بن ماسى البزار، وقد كان ثقة كثير الرواية، معمرا، حيث توفي سنة ٣٦٩ هـ عن خمس وتسعين سنة (٤) ولذا كانت مروياته عالية الإسناد، ومنها جزء معروف

стр. 1919

بفوائد ابن ماسى (١) وقد أخرج العراقي من هذا الجزء أكثر من ربع أحاديثه العشارية (٢). وقد أشار الذهبى إلى علو إسناده بما يرويه من جزء الفوائد هذا (٣). وأخرج العراقي في الأربعين من طريق الطبراني في معاجمه: الكبير، والأوسط، والصغير، ستة أحاديث (٤) وقد عرف الطبراني بأنه كان في زمانه فردا في الروايات العالية الإسناد، كما ذكر الذهبي (٥) كما عنى الطبراني أيضا ببيان أنواع التفرد فيما يرويه (٦). وأخرج العراقي من طريق الحسن بن عرفة أربعة أحاديث (٧). وقد توفى الحسن بن عرفة سنة ٢٥٧ هـ، وكان مُسند وقته، ثقة، وعُمر طويلا فبلغ عمره (١١٠) سنين، وذكر الذهبى أنه في سنة ٧٣٥ هـ وما قبلها، انتهى إلى ابن عرفة علو الإسناد (٨) وله جزء حديثي معروف، وهو الذي تؤخذ منه العوالى، وتروى من طريقه (٩) وقد أخرج العراقي من طريقه

стр. 1920

أربعة أحاديث، وُجِدَتْ في هذا الجزء (١). وأخرج من طريق أبي طالب محمد بن ابراهيم بن غيلان البزار المتوفى سنة ٤٤٠ هـ، وقد خرج له الدارقطني من مسموعاته أحد عشر جزءا حديثيا عرف بالأجزاء الغيلانيات، أو «الفوائد الغيلانيات» قال الكتاني: هي من أعلا الحديث وأحسنه (٢) وقد أخرج العراقي من طريقه ثلاثة أحاديث (٣) ومن الأجزاء الحديثية المعروفة بعلو إسنادها: جزء حديث سفيان بن عيينة (٤) وقد أخرج العراقي منه حديثين (٥). وأخرج أيضا من طريق أبي نعيم أحمد بن عبد الله الأصبهاني المتوفى سنة ٤٣٠ هـ وقد ذكر الذهبي أن أبا نعيم كان حافظا مبرزا عالى الإسناد، تفرد في الدنيا بشيء كثير من العوالى (٦) وقد أخرج العراقي من طريقه ثلاثة أحاديث (٧) وأخرج حديثين من طريق عبد الملك بن محمد بن عبد الله، المعروف بأبي القاسم بن بشران المتوفى سنة ٤٣٠ هـ، وكان كما ذكر الذهبي مسند العراق في زمانه (٨) والحديثان موجودان في أماليه، مع تقريره علو سنده بهما (٩).

стр. 1921

وأخرج العراقي أيضا ثلاثة أحاديث من طريق أبي الغنائم النرسي (١) وهو المسند المعمر صاحب العوالي محمد بن علي بن ميمون المتوفى سنة ٥١٠ هـ وله مشيخة، وتسمى معجم شيوخ أيضا، وهو مظنة تلك الأحاديث (٢) وأخرج حديثا واحدا من طريق أحمد بن علي بن المثنى، المعروف بأبي يعلى الموصلي صاحب المسند، ومعجم شيوخه، المتوفى سنة ٣٠٧ هـ، عن ٩٧ سنة، قال الذهبي: انتهى إليه علو الإسناد (٣). والحديث الذي رواه العراقي من طريقه موجود في معجم شيوخه (٤) وقال الذهبي عن هذا الحديث من طريق أبي يعلى: هذا حديث عالي، تساعى لنا (٥) وأخرج العراقي حديثا واحدا من طريق أبي أحمد محمد بن أحمد بن الغطريف، الغطريفي المتوفى سنة ٣٧٧ هـ (٦) وله جزء حديثي يعرف بجزء الغطريف، وهو من مرويات العراقي، وقد حدث به (٧). وأخرج حديثا واحدا من طريق أبي عمرو إسماعيل بن نجيد السلمي المتوفى سنة ٣٦٦ على الأكثر، وله جزء حديثي يعتبر مظنة هذا الحديث الذي أخرجه

стр. 1922

العراقي من طريقه (١). كما أن العراقي اعتمد أيضا على مصادر علم الرجال لبيان أحوال الرواة: الذين يحتاج إلى بيان حالهم في الحكم على الحديث بالصحة أو الحسن أو الضعف، وتارة يصرح باسم الكتاب مع اسم مؤلفه كابن حبان في الثقات (٢) أو في الضعفاء (٣) والذهبى في الميزان (٤) والوفيات (٥) وابن دريد في الاشتقاق (٦) وابن قتيبة في المعارف (٧) والنووى في شرح مسلم (٨). وقد يذكر اسم المؤلف فقط، دون تحديد كتابه، اعتمادا على خبرة القارئ، وهذا هو الكثير (٩). ومما تقدم نلاحظ أن العراقي قد اختار مصادره الأساسية في الكتاب، وهى مصادر الأحاديث العشارية الإسناد، اختيارا دقيقا، بحيث يتحقق بها الغرض المطلوب، وهو علو الإسناد، سواء كانت مصادر مشهورة مثل معاجم الطبراني الثلاثة، أو غير مشهورة مثل كتب الأمالي وبعض الأجزاء الحديثية السابق ذكرها.

стр. 1923

ثانيا: طريقة العراقي في تخريج أحاديث الكتاب جمع العراقى في تخريج الأحاديث في هذا الكتاب بين طريقتين: - الأولى: تخريجه للحديث بالرواية بسند نفسه، فيبدأ بقوله: أخبرني، أو أخبرنا، أو حدثني أو حدثنا، فلان بن فلان من شيوخه، ويذكر طريقة تحمله للحديث كالسماع والقراءة، وموضع تحمله كقوله: بجامع بني أمية بدمشق، أو بتاران، قرية من قرى طرابلس، أو بالقاهرة، أو بمصر، أو بدار الحديث الكاملية، أو بثغر الاسكندرية، وقد يذكر الزمن، كالرحلة الأولى، أو الثانية - يعنى إلى الشام. ثم يسوق باقي السند من فوق شيخه إلى الصحابي الذي يرفع الحديث إلى الرسول ﷺ أو إلى من دون الصحابي في الأثر الموقوف، وبهذا يعتبر الكتاب مصدرًا معتمدا للحديث المروى فيه بسند العراقي، ما لم يوجد المصدر الذي رواه العراقي من طريقه، مثل كتب الأمالي والأجزاء والفوائد التي تقدم ذكرها في مصادره. الثانية: طريقة التخريج بالعزو إلى بعض المصادر الأصلية الأخرى التي يكون السند فيها أنزل من سند العراقي العشاري، ويلتقى الإسنادان في راو معين يكون هو المدار للإسنادين، ويسوق العراقى سند الحديث في هذا المصدر المعزو إليه، حتى المدار الذي يلتقى فيه كل من سند العراقي وسند المصدر، وعلى ضوء عدد الرواة بين مصنف المصدر وبين المدار، يكون نوع العلو في سند العراقي، من كونه موافقة أو بدلا أو مساواة، كما سيأتي. وإذا عزا الحديث إلى أكثر من مصدر، ساق إسنادهم إلى المدار. كما سيأتي مثاله، وفائدة ذكر التخريج بالعزو بجانب التخريج بالرواية، أن

стр. 1924

التخريج بالعزو يساعد في بيان درجة الحديث عموما، لكون المصدر المعزو إليه مما التزمت فيه الصحة كالبخاري ومسلم، أو لكون مؤلفه يعنى ببيان درجة الحديث كالترمذي، أو لكون رجال الحديث في هذا المصدر توجد مصادر المعرفة أحوالهم، فيمكن معرفة درجة الحديث بعد مراجعة تراجمهم، كالسنن الأربعة ومسند الإمام أحمد. بخلاف سند العراقي العشاري الذي روى الحديث به، فإنه مظنة وجود بعض الرواة ممن فوق شيوخ العراقي، يصعب الوقوف على تراجمهم، بل منهم من صرح العراقي نفسه بأنه لم يعرفه، كما سيأتى. وبالتالي قد لا يتيسر بيان درجة الحديث باعتبار سنده العشاري وَحْدَه، وقد يكون فيه من هو معروف الحال بالضعف، فينجبر ضعفه بطريق الحديث الذي في المصدر المعزو إليه. وفي تخريج الحديث بالرواية وبالعزو، نجد العراقي يعني بجمع ما يذكره من الطرق إلى المدار الذي تلتقى فيه. ففى طريقة الرواية نجد أكثر الأحاديث التي رواها له فيها طريقان أو أكثر، حيث يرويها عن شيخين من شيوخه، أو أكثر ويسوق إسناده عن كل منهم إلى المدار الذي تلتقى فيه الطرق. ففي الحديث الثالث يقول: أخبرني أبو حفص (عمر) (١) بن عثمان بن سالم بن خلف بن فضل المقدسي - بظاهر دمشق.

стр. 1925

وأبو الوفاء محمود بن عبد الحميد بن سليمان الوراق - بها. قالا: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبد الواحد المقدسي، قال: أخبرنا عمر بن محمد بن معمر الدارقرى، قال: أخبرنا أبو المواهب أحمد بن محمد ابن عبد الملك بن ملوك الوراق، والقاضي أبو بكر محمد بن عبد الباقي ابن محمد الأنصارى ح. وأخبرني أبو الفتح محمد بن محمد بن ابراهيم الخطيب، قال أخبرنا عبد اللطيف بن عبد المنعم الحراني، قال: أخبرنا ضياء بن أبي القاسم بن الخريف، قال أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الباقي الأنصارى، قال هو وأبو المواهب: أخبرنا القاضي أبو الطيب طاهر بن عبد الله الطبرى، قال: حدثنا أبو أحمد محمد بن أحمد بن الغطريف … (١). فنلاحظ أنه جمع روايته للحديث عن شيخيه على مدارهما، وهو أبو الحسن المقدسي. وجمع رواية كل من أبى المواهب والأنصاري على مدارهما وهو أبو الطيب الطبري وفي الحديث الثامن، رواه بإسناده من طريق سليمان التيمي عن أنس ﵁، مرفوعا. ثم خرجه بالعزو مع بيان درجته فقال: هذا حديث صحيح، أخرجه الأئمة الستة، فرواه البخاري عن محمد بن كثير عن سفيان الثوري، وعن آدم عن شعبة، ورواه مسلم عن محمد بن عبد الله بن نمير عن حفص بن غياث، وعن أبي كريب عن أبي خالد الأحمر … وساق طرق الحديث عند أصحاب

стр. 1926

السنن الأربعة، فبلغ مجموع طرق الأئمة الستة بالحديث عن سليمان التيمي تسعة، فقال: تسعتهم عن سليمان التيمي، به، وذكر حكم الترمذى على الحديث بأنه حسن صحيح (١). ثالثا: التزامه في الكتاب بعلو الإسناد، مع قبوله، وبيانه لنوع العلو، ولبعض لطائف الإسناد. ذكر العراقي من أسباب تأليفه هذا الكتاب - كما قدمت - أن جماعة من طلبة العلم الواردين إلى المدينة النبوية طلبوا منه أن يملى عليهم بعض عوالي مروياته، فقال: «ورغبوا أن يكون ذلك من الأحاديث العالية الإسناد، المتصلة بنقله، فاستخرت الله تعالى في إملاء أربعين حديثا عشارية الإسناد، فهي أعلا ما يقع اليوم للشيوخ مع ثقة رجال الإسناد ووصله» (٢). ومن يراجع الأحاديث الأربعين التي هي موضوع الكتاب الأصلي، يجد سند العراقي بها عشاريا، كما سبق توضيحه، بل إنه ذكر أثرا موقوفا في معنى الحديث رقم (٢٠)، فكان سنده به عشاريا كذلك (٣). وفي آخر الحديث (٤٠) من الكتاب، ذكر أنه وقع له بإسناد آخر تساعيا، مع ضعفه، وساق سنده التساعي به (٤). ثم قال: وقد وقع لنا حديثان آخران في المعجم الصغير للطبراني، بهذا الإسناد، تساعيان، في الثاني منهما نظر، فرأيت إيرادهما مع بيان أمرهما،

стр. 1927

للفائدة، ثم ذكرهما (١). وبذلك يكون ما ذكر في كلامه السابق من أن العشاري الإسناد هو أعلا ما يقع اليوم للشيوخ، يقصد بذلك نفسه، وأقرانه من معاصريه الذين يقاربونه في السن، ويشاركونه في الشيوخ، كالبلقيني وابن الملقن، والهيثمي. وأما قوله في شرحه لألفية المصطلح له: وأعلا ما يقع للشيوخ في هذا الزمان من الأحاديث الصحاح المتصلة بالسماع، ما هو تساعى الإسناد، ثم قال: ولا يقع لأمثالنا من الصحيح المتصل بالسماع إلا عشاري الإسناد، وقد يقع لنا التساعي الصحيح، ولكن بإجازة في الطريق (٢). فمراد العراقي في هذا الموضع بالشيوخ هم شيوخه هو، بدليل قوله عقبه كما ترى: ولا يقع لأمثالنا من الصحيح المتصل بالسماع إلا عشاري الإسناد. ولما كان علو الإسناد عدة أنواع (٣) فقد أشار العراقي في كتابه هذا إلى ثلاثة أنواع. أحدها: علو مطلق، لكن بإسناد منتقد، بمعنى قلة عدد الرواة بين الراوى الأخير، كالعراقي، وبين الرسول ﷺ مع وجود من هو معروف بالكذب أو متهم بالوضع، في الإسناد، وهذا النوع قرر العراقي أنه علو لا يفرح به إلا من هو جاهل، وأنه قد اجتنبه في كتابه هذا (٤). الثاني: علو مطلق بإسناد نظيف خال ممن هو كذاب أو متهم، وهذا ما

стр. 1928

فضله، والتزم الرواية به في عشارياته، وأشار إلى أن ما ورد في فضل علو الإسناد فالمقصود به هذا النوع. لكنه اقتصر في فضل علو الإسناد على تقرير أنه سنة عمن سلف فقط (١) في حين أنه في ألفيته في المصطلح قرر أنه سنة مطلقا، فتنصرف إلى السنة النبوية، وفي شرحه لها ذكر قول الإمام أحمد: (طلب الإسناد العالى سنة عمن سلف)، وأتبعه بتقرير الحاكم أنه ثبت فيه سنة صحيحة، وهي حديث ضمام بن ثعلبة في وفادته على الرسول ﷺ ، فهي سنة تقريرية، ثم أتبع ذلك ببيان أن المذهب المخالف في فضل علو السند، مذهب ضعيف، وهكذا قرر ابن الصلاح وغيره، وذكر السخاوى مع حديث ضمام السابق، حديث عبد الله بن زيد الذي رأى الأذان في المنام، وحكاه للرسول ﷺ فأمره بالقائه على بلال ليؤذن به (٢). وبذلك كان الأولى أن يقول العراقى هنا: إن علو الإسناد سنة نبوية تقريرية، بدلا من الاقتصار على كونه سنة عمن سلف فقط. النوع الثالث: العلو النسبى، أي بالنسبة إلى سند معين، يكون الحديث رواه به أحد الأئمة أصحاب المصنفات الحديثية، كالبخاري ومسلم والإمام أحمد، وغيرهم. وعلو إسناد العراقى في هذا الكتاب نوعان، كل منهما باعتبار. فالأول: وهو العشاري، يعتبر من العلو المطلق، باعتبار قرب العراقي من

стр. 1929

الرسول ﷺ ، بسند متصل خال ممن هو معروف بالكذب، أو متهم بالوضع، كما قدمت. وهذا هو القسم الأول أيضا من أقسام العلو، كما قرره العراقي نفسه (١) وغيره (٢). والثاني: هو العلو المقيد، أو العلو النسبي، أي بالنسبة للقرب من إمام من أئمة الحديث أصحاب المصنفات الحديثية المشهورة التي خرجت الأحاديث التي رواها العراقي بسنده في هذا الكتاب، والتقى سنده مع سند أصحاب تلك المصنفات في راو معين. ويسمى هذا النوع من العلو بعدة أسماء، بحسب الراوى الذي يلتقى فيه الإسنادان، كما سيأتى في الأمثلة. فمنه ما يسمى علو موافقة، وهو أن يلتقى الإسنادان في شيخ مصنف الكتاب الذي اشترك مع العراقى في رواية الحديث، مع علو طريق العراقي بقلة عدد رواته بواحد فأكثر عما لو روى الحديث من طريق صاحب الكتاب المشارك له (٣). ولأجل اتفاقه مع مصنف الكتاب في شيخه، سمى موافقة. ومنه ما يسمى علو بدل، وهو أن يلتقى الإسنادان في شيخ شيخ مصنف الكتاب الذي شارك العراقى في رواية الحديث، مع علو سند العراقي كما

стр. 1930

تقدم (١) ويسمى بدلا، لأن الحديث وقع للعراقي من طريق راو بدل الراوى الذي أخرجه مصنف الكتاب من طريقه. ومنه ما يسمى علو مساواة، وهو أن يكون الرواة في السند من العراقي إلى الصحابي، أو إلى من دونه في غير المرفوع، عددهم متساويا مع عدد رواة إسناد مصنف الكتاب المشارك للعراقي في رواية الحديث إلى الصحابي نفسه أو من دونه (٢). ولأجل هذا التساوى في العدد سمى علو مساواة. فإن علا إسناد أحد المصنفين عن إسناد المساواة مع العراقي براو واحد، سمى علو العراقي علو مصافحة، كأنه لقى هذا المصنف وتحمل الحديث عنه، مع تصافحهما عند ذلك كما هو شأن المتلاقيين (٣). لكن العراقي لم يذكر في هذا الكتاب لنفسه شيئا من علو المساواة، ولا من المصافحة، وإنما ذكر مصافحة واحدة لبعض شيوخ شيوخه، كما سيأتي، لكنه أخرج مساواة لبعض شيوخه، ومصافحة لنفسه في شرحه للألفية (٤). ومثال ما ذكره في كتاب الأربعين هذا من الموافقة، أنه روى الحديث الأول بسنده إلى عمار بن محمد عن الصلت بن قويد الحنفى سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: سمعت خليلي أبا القاسم يقول: لا تقوم الساعة حتى لا تنطح ذات قرن جَمَّاء، ثم قال: رواه الإمام أحمد في مسنده عن عمار بن محمد، فوقع موافقة له عالية (٥).
следующие страницы →