← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 30167

الحافظ العراقي وأثره في السنة

أحمد بن معبد عبد الكريم

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.

стр. 1926

السنن الأربعة، فبلغ مجموع طرق الأئمة الستة بالحديث عن سليمان التيمي تسعة، فقال: تسعتهم عن سليمان التيمي، به، وذكر حكم الترمذى على الحديث بأنه حسن صحيح (١). ثالثا: التزامه في الكتاب بعلو الإسناد، مع قبوله، وبيانه لنوع العلو، ولبعض لطائف الإسناد. ذكر العراقي من أسباب تأليفه هذا الكتاب - كما قدمت - أن جماعة من طلبة العلم الواردين إلى المدينة النبوية طلبوا منه أن يملى عليهم بعض عوالي مروياته، فقال: «ورغبوا أن يكون ذلك من الأحاديث العالية الإسناد، المتصلة بنقله، فاستخرت الله تعالى في إملاء أربعين حديثا عشارية الإسناد، فهي أعلا ما يقع اليوم للشيوخ مع ثقة رجال الإسناد ووصله» (٢). ومن يراجع الأحاديث الأربعين التي هي موضوع الكتاب الأصلي، يجد سند العراقي بها عشاريا، كما سبق توضيحه، بل إنه ذكر أثرا موقوفا في معنى الحديث رقم (٢٠)، فكان سنده به عشاريا كذلك (٣). وفي آخر الحديث (٤٠) من الكتاب، ذكر أنه وقع له بإسناد آخر تساعيا، مع ضعفه، وساق سنده التساعي به (٤). ثم قال: وقد وقع لنا حديثان آخران في المعجم الصغير للطبراني، بهذا الإسناد، تساعيان، في الثاني منهما نظر، فرأيت إيرادهما مع بيان أمرهما،

стр. 1927

للفائدة، ثم ذكرهما (١). وبذلك يكون ما ذكر في كلامه السابق من أن العشاري الإسناد هو أعلا ما يقع اليوم للشيوخ، يقصد بذلك نفسه، وأقرانه من معاصريه الذين يقاربونه في السن، ويشاركونه في الشيوخ، كالبلقيني وابن الملقن، والهيثمي. وأما قوله في شرحه لألفية المصطلح له: وأعلا ما يقع للشيوخ في هذا الزمان من الأحاديث الصحاح المتصلة بالسماع، ما هو تساعى الإسناد، ثم قال: ولا يقع لأمثالنا من الصحيح المتصل بالسماع إلا عشاري الإسناد، وقد يقع لنا التساعي الصحيح، ولكن بإجازة في الطريق (٢). فمراد العراقي في هذا الموضع بالشيوخ هم شيوخه هو، بدليل قوله عقبه كما ترى: ولا يقع لأمثالنا من الصحيح المتصل بالسماع إلا عشاري الإسناد. ولما كان علو الإسناد عدة أنواع (٣) فقد أشار العراقي في كتابه هذا إلى ثلاثة أنواع. أحدها: علو مطلق، لكن بإسناد منتقد، بمعنى قلة عدد الرواة بين الراوى الأخير، كالعراقي، وبين الرسول ﷺ مع وجود من هو معروف بالكذب أو متهم بالوضع، في الإسناد، وهذا النوع قرر العراقي أنه علو لا يفرح به إلا من هو جاهل، وأنه قد اجتنبه في كتابه هذا (٤). الثاني: علو مطلق بإسناد نظيف خال ممن هو كذاب أو متهم، وهذا ما

стр. 1928

فضله، والتزم الرواية به في عشارياته، وأشار إلى أن ما ورد في فضل علو الإسناد فالمقصود به هذا النوع. لكنه اقتصر في فضل علو الإسناد على تقرير أنه سنة عمن سلف فقط (١) في حين أنه في ألفيته في المصطلح قرر أنه سنة مطلقا، فتنصرف إلى السنة النبوية، وفي شرحه لها ذكر قول الإمام أحمد: (طلب الإسناد العالى سنة عمن سلف)، وأتبعه بتقرير الحاكم أنه ثبت فيه سنة صحيحة، وهي حديث ضمام بن ثعلبة في وفادته على الرسول ﷺ ، فهي سنة تقريرية، ثم أتبع ذلك ببيان أن المذهب المخالف في فضل علو السند، مذهب ضعيف، وهكذا قرر ابن الصلاح وغيره، وذكر السخاوى مع حديث ضمام السابق، حديث عبد الله بن زيد الذي رأى الأذان في المنام، وحكاه للرسول ﷺ فأمره بالقائه على بلال ليؤذن به (٢). وبذلك كان الأولى أن يقول العراقى هنا: إن علو الإسناد سنة نبوية تقريرية، بدلا من الاقتصار على كونه سنة عمن سلف فقط. النوع الثالث: العلو النسبى، أي بالنسبة إلى سند معين، يكون الحديث رواه به أحد الأئمة أصحاب المصنفات الحديثية، كالبخاري ومسلم والإمام أحمد، وغيرهم. وعلو إسناد العراقى في هذا الكتاب نوعان، كل منهما باعتبار. فالأول: وهو العشاري، يعتبر من العلو المطلق، باعتبار قرب العراقي من

стр. 1929

الرسول ﷺ ، بسند متصل خال ممن هو معروف بالكذب، أو متهم بالوضع، كما قدمت. وهذا هو القسم الأول أيضا من أقسام العلو، كما قرره العراقي نفسه (١) وغيره (٢). والثاني: هو العلو المقيد، أو العلو النسبي، أي بالنسبة للقرب من إمام من أئمة الحديث أصحاب المصنفات الحديثية المشهورة التي خرجت الأحاديث التي رواها العراقي بسنده في هذا الكتاب، والتقى سنده مع سند أصحاب تلك المصنفات في راو معين. ويسمى هذا النوع من العلو بعدة أسماء، بحسب الراوى الذي يلتقى فيه الإسنادان، كما سيأتى في الأمثلة. فمنه ما يسمى علو موافقة، وهو أن يلتقى الإسنادان في شيخ مصنف الكتاب الذي اشترك مع العراقى في رواية الحديث، مع علو طريق العراقي بقلة عدد رواته بواحد فأكثر عما لو روى الحديث من طريق صاحب الكتاب المشارك له (٣). ولأجل اتفاقه مع مصنف الكتاب في شيخه، سمى موافقة. ومنه ما يسمى علو بدل، وهو أن يلتقى الإسنادان في شيخ شيخ مصنف الكتاب الذي شارك العراقى في رواية الحديث، مع علو سند العراقي كما

стр. 1930

تقدم (١) ويسمى بدلا، لأن الحديث وقع للعراقي من طريق راو بدل الراوى الذي أخرجه مصنف الكتاب من طريقه. ومنه ما يسمى علو مساواة، وهو أن يكون الرواة في السند من العراقي إلى الصحابي، أو إلى من دونه في غير المرفوع، عددهم متساويا مع عدد رواة إسناد مصنف الكتاب المشارك للعراقي في رواية الحديث إلى الصحابي نفسه أو من دونه (٢). ولأجل هذا التساوى في العدد سمى علو مساواة. فإن علا إسناد أحد المصنفين عن إسناد المساواة مع العراقي براو واحد، سمى علو العراقي علو مصافحة، كأنه لقى هذا المصنف وتحمل الحديث عنه، مع تصافحهما عند ذلك كما هو شأن المتلاقيين (٣). لكن العراقي لم يذكر في هذا الكتاب لنفسه شيئا من علو المساواة، ولا من المصافحة، وإنما ذكر مصافحة واحدة لبعض شيوخ شيوخه، كما سيأتي، لكنه أخرج مساواة لبعض شيوخه، ومصافحة لنفسه في شرحه للألفية (٤). ومثال ما ذكره في كتاب الأربعين هذا من الموافقة، أنه روى الحديث الأول بسنده إلى عمار بن محمد عن الصلت بن قويد الحنفى سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: سمعت خليلي أبا القاسم يقول: لا تقوم الساعة حتى لا تنطح ذات قرن جَمَّاء، ثم قال: رواه الإمام أحمد في مسنده عن عمار بن محمد، فوقع موافقة له عالية (٥).

стр. 1931

فنلاحظ أن إسناد العراقي التقى مع إسناد الإمام أحمد في شيخ أحمد، وهو عمار بن محمد، فصارت موافقة بينهما، ولو روى العراقي الحديث نفسه من طريق الإمام أحمد، زاد إسناده واحدًا، وهو الإمام أحمد، فتعتبر موافقته لأحمد في شيخه موافقة عالية بدرجة (١). ومثال البدل أن العراقى روى الحديث (١٣) من طريق أبي بكر بن عياش عن أبي إسحق عن البراء بن عازب ﵄ قال: خرج رسول الله ﷺ وأصحابه، فأحرمنا بالحج (الحديث). ثم قال: أخرجه ابن ماجه عن محمد بن الصباح، ورواه النسائي في سننه الكبرى في عمل اليوم والليلة عن أبي كريب، كلاهما عن أبي بكر بن عياش، فوقع لنا بدلا لهما عاليا بثلاث درجات (٢) وذلك لكون أبي بكر بن عياش الذي التقى فيه سند العراقى مع سند ابن ماجه والنسائي، يعتبر الحلقة الثالثة في إسنادهما، كما ترى. وقد ذكر العراقي من البدل ما هو عال بدرجتين، وثلاث، وأربع، وخمس وست (٣). وقد يكون الحديث فيه علو الموافقة والبدل معا باعتبار طرق الحديث عند من يعزوه إليه من المصنفات. فقد روى الحديث (٢٦) من طريق أبي عاصم عن يزيد بن أبي عبيد عن

стр. 1932

سلمة ﵁ قال: بايعت رسول الله ﷺ يوم الحديبية (الحديث). ثم قال: أخرجه البخاري عن أبي عاصم، وعن مكي بن ابراهيم، فرقهما، عن يزيد بن أبي عبيد، فوقع لنا موافقة له عالية من طريق أبي عاصم، وبدلا له عاليا من طريق مكي بن ابراهيم (١). وأما المصافحة لبعض شيوخ شيوخه، فقد جاء ذلك في حديث واحد من الأربعين، وهو حديث (٧)، فقد رواه بسنده إلى محمد بن عبد الله الأنصاري عن حميد الطويل عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان ابن لأم سليم يقال له: أبو عمير، كان النبي ﷺ يمازحه (الحديث). ثم قال: أخرجه الإمام أحمد في مسنده، عن محمد بن عبد الله الأنصاري، فوقع موافقة له عالية. ثم قال: ورواه النسائي في سننه الكبرى، في عمل اليوم والليلة عن عمران ابن بكار البراد الحمصي عن الحسن بن خمير عن الجراح بن مليح عن شعبة عن محمد بن قيس عن حميد، بنحوه، فوقع لنا عاليا بست درجات، وكأن شيوخ شيوخنا لقوا النسائي وصافحوه به (٢). وهناك ثمانية أحاديث من هذه الأربعين اقتصر العراقي فيها على العلو العشاري المطلق، ولم يذكر فيها علوا نسبيا (٣). وأما لطائف الإسناد فقد ذكر العراقي منها أمرين: أولهما: التسلسل بالأولية، بمعنى أن يذكر الراوى أن الحديث المذكور هو

стр. 1933

أول حديث سمعه من شيخه الذي يرويه عنه، وقد قال العراقي: «ورأيت أن أقدم قبل الأربعين، إملاء الحديث المسلسل بالأولية، وإن لم يكن عشاريا، ليحصل التسلسل لمن ابتدأ السماع من الصبيان، والغرباء»، ثم ساق الحديث فقال: حدثنا أبو الفتح محمد بن محمد بن ابراهيم بن أبي القاسم … الميدومى، سماعا من لفظه، وهو أول حديث سمعته من لفظه … وساق بقية إسناد الحديث، وفيه تصريح كل واحد ممن فوق الميدومي بأنه أول حديث سمعه من شيخه، حتى الراوى السابع وهو عبد الرحمن بن بشر بن الحكم فقال: حدثنا سفيان بن عيينة وهو أول حديث سمعته منه، ثم توقف التسلسل بالأولية عند سفيان فقال: عن عمرو بن دينار، عن أبي قابوس، مولى عبد الله بن عمرو بن العاص عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: الراحمون يرحمهم الرحمن ﵎ ارحموا من في الأرض، يرحمكم من في السماء (١). أقول: وقد من الله تعالى علي فسمعت هذا الحديث مسلسلا بالأولية، من لفظ عدد من شيوخي رحمهم الله تعالى، وهم بحسب الترتيب الزمنى السماعي منهم: الشيخ عبد الفتاح أبو غدة، ثم الشيخ حمود التويجرى، ثم الشيخ محمد ياسين الفاداني، ثم الشيخ حماد بن محمد الأنصارى، ثم أجازني كل منهم بمروياته عموما، وأثبتوا لي ذلك كتابة، فجزاهم الله تعالى عنا كل خير، وألحقني بهم على خير حال آمين. وسماعي لهذا الحديث من شيخي الشيخ حماد بن محمد الأنصاري سنده

стр. 1934

إلى الحافظ ابن حجر العسقلاني عن شيخه الحافظ العراقي بسنده المذكور في هذا الكتاب (١) ولله الحمد والمنة. الثاني: التسلسل بالآخرية، وهو أن يكون كل راو في الإسناد هو آخر من بقى حيا من الرواة عن شيخه، مطلقا، أو مقيدًا بأحد طرق الرواية، ولاسيما السماع. وقد جاء ذلك عند العراقى في الحديث الأول من الأربعين، فقال: أخبرني أبو الفتح محمد بن محمد بن ابراهيم الميدومي بقراءتي عليه عودًا على بدء (٢)، قال: أخبرنا أبو الفرج عبد اللطيف بن عبد المنعم بن علي بن نصر بن منصور بن الصيقل الحراني، وشيخنا آخر من حدث عنه بالسماع على وجه الأرض. ثم قال العراقي: وأخبرني أبو عبد الله محمد بن اسماعيل بن ابراهيم بن الخباز بقراءتي عليه بدمشق في الرحلة الأولى قال: أخبرنا أحمد بن عبد الدائم ابن نعمة المقدسي، قراءة عليه، وأنا حاضر، وإجازة لما يرويه، وهو آخر من بقى ممن حضر عنده. ثم ساق باقى الإسنادين مسلسلين بالآخرية إلى الصلت بن قويد الحنفى الراوى للحديث عن أبي هريرة، قال: لا تقوم الساعة حتى لا تنطح ذات قرن جماء. ثم قال العراقي: هذا حديث عجيب التسلسل بالآخرية (٣). وقد ذكر العراقي خلال إسناد الحديث أن إسماعيل بن محمد بن اسماعيل الصفار هو آخر من حدث عن الحسن بن عرفة (٤).

стр. 1935

وقد ذكر الحافظ ابن حجر أنه قد قرأ هذا الكتاب بما فيه هذا الحديث، على شيخه العراقي، وبعد مدة وقف في تذكرة الحفاظ على أن على بن الفضل الستورى هو آخر من حدث عن الحسن بن عرفة، فذكر ذلك لشيخه، فذكر له أن سلفه في ذلك الشيخ صلاح الدين العلائي، وأحضر تاريخ بغداد للخطيب فوجد في ترجمة على بن الفضل هذا ما يؤيد ما ذكره الذهبي (١). قال الحافظ ابن حجر: قلت فعلى هذا يكون إسماعيل الصفار هو آخر من حدث عن الحسن بن عرفة بالحديث المذكور، بخصوصه، وقد رجع شيخنا عما قال أولا، وزاد فيه - يعنى في سند الحديث. وهو آخر من حدث عنه بهذا الحديث، ثم قال ابن حجر: ولى مع الشيخ مراجعات كثيرة يطول شرحها (٢). وهذا الموضع يستفاد منه أمور: أحدها: أريحية الحافظ العراقى وصفاء نفسه في تقبل النقد والتصويب من أحد تلاميذه، وهو الحافظ ابن حجر، وأيضا حسن مسلك الحافظ مع شيخه، فلم يمنعه تقديره وإجلاله له من ابداء الصواب لما ظهر له خطؤه فيه، كما لم يخرجه ذلك عن حدود الأدب الواجب مع إسناده، فجاء الرد هادئا، ومؤيدا بالدليل الناصع على موضع التعقب، ولم نعرف أن العلاقة بين الرجلين تكدرت بسبب هذا، ولا غيره من التعقبات العلمية المنصفة التي أبداها ابن حجر، سواء على هذا الكتاب في غير هذا الموضع كما سيأتي، أو على غيره من مؤلفات شيخه، كما تقدمت إشارته إلى ذلك.

стр. 1936

فينبغي أن يكون لكل من الأساتذة والطلاب في كل منهما أسوة حسنة. الأمر الثاني: ما ذكره العراقي من التعويل على شيخه العلائي في موضع الخطأ، قد صرح به في كتابه التقيد والإيضاح، كما سيأتي، ولعله اكتفى بذلك عن التصريح به هنا في كتاب الأربعين العشارية لتأخر تأليفها عن تأليف التقييد والإيضاح. وتعويل العراقي هذا على شيخه العلائى مثال على أن من العلماء المعتبرين كالعراقي من كان يعول على غيره ممن يثق في علمه العلائي، ولكنه مع ذلك يقبل إعادة النظر عند وجود ما يستدعى ذلك، كما فعل العراقي عند معارضة تلميذه ابن حجر له في هذا كما تقدم. لكن إذا قارنا هذا الموضع، ببقية الكتاب، وعناية العراقي بذكر مصادره المتعددة فيه، كما قدمت، فسنجد أن هذا أمر نادر، فلا يقدح مثله في أصل الدقة العلمية المشهود بها للعراقى، كما لا يقدح مثل هذا في القيمة الحديثية للكتاب، وجهود العراقي فيه. الأمر الثالث: أن التصويب الذي ذكر ابن حجر أن شيخه العراقي قد أثبته، لم يوجد في النسخة التى حقق الكتاب وطبع بالاعتماد عليها، ولم يوجد كذلك في النسخة الحلبية التي أثبت عليها القراءة على العراقي بالمدينة المشرفة، ويبدو أن هذا التصويب ذكر في النسخة المصرية، لأن العراقي ذكر فيها ما لم يوجد في النسختين السابق ذكرهما، لكن للأسف أن موضع هذا الحديث في النسخة المصرية مخروم، فلم يمكن الوقوف عليه. ولكن أمكن الوقوف على بديل عنه ولله الحمد، فقد روى العراقى في كتابه التقييد والإيضاح عن شيخيه أبي الفتح الميدومى وأبى عبد الله محمد بن اسماعيل بن ابراهيم.

стр. 1937

الأنصارى، كلاهما من طريق اسماعيل بن محمد الصفار قال حدثنا الحسن بن عرفة أنبأنا خلف بن خليفة عن حميد الأعرج عن عبد الله بن الحارث عن عبد الله ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ يوم كلم الله موسى ﵇، كانت عليه جبة صوف (الحديث) (١). وسند العراقى بهذا الحديث عشارى إلى ابن مسعود، وابن مسعود هو الحادى عشر، وقد عزاه إلى الترمذى عن على بن حجر عن خلف بن خليفة، به، وذكر أنه بهذا الإسناد لا يقع لأحد في عصره أعلا منه على وجه الدنيا من حيث العدد، وأن علوه مطلق بالنسبة له وللترمذي، كما ذكر تسلسله بالآخرية المطلقة، من شيخه أبى الفتح الميدومى إلى «خلف بن خليفة» ونسب إلى شيخه العلائي القول بأن الصفار هو آخر من روى عن الحسن بن عرفة، صاحب الجزء المعروف، كما تقدم في مصادر العراقى (٢). أما في شرحه للألفية فذكر الحديث، ووجوده في جزء ابن عرفة، وذكر علوه المطلق به، بنحو ما تقدم، ثم قال: وكل واحد من شيخنا - يعنى الميدومى - فمن بعده إلى خلف هو آخر من رواه عن شيخه بالسماع من الجزء المذكور (٣) وقد جاء بحاشية إحدى النسخ الخطية لشرح الألفية ما نصه «قوله من الجزء المذكور زاده العراقى بعد قراءة البرهان الحلبي عليه» وبهذا قيد آخرية رواية الصفار عن الحسن بن عرفة، بالسماع من جزئه المذكور، الذى روى العراقي من طريقه حديث أبى هريرة «لا تقوم حتى لا تنطح ذات قرن

стр. 1938

جماء» كما هو في عدد من نسخ الأربعين، وفي المطبوع الآن، والذي روى من طريقه أيضا حديث ابن مسعود السابق ذكره، وهذا التقييد بالسماع من الجزء كله، أعم من التقييد الذي ذكره ابن حجر بحديث واحد، كما سبق، والبرهان الحلبى هو سبط ابن العجمي، من تلاميذ العراقي البارزين، وتقدم في التعريف به أن رحلته إلى مصر التي قرأ فيها شرح الألفية على شيخه أن مع البحث والاستدراك بمثل هذه الزيادة، كانت سنة ٧٨٠ هـ و … ، نحو خمس سنوات، ولكنها مع هذا تعتبر أسبق من قراءة الحافظ ابن حجر للأربعين العشارية، والتي كانت بعد عودة العراقى إلى مصر من المدينة النبوية خلال سنة ٧٩١ هـ، كما تقدم أيضا، وبذلك يكون تقييد الآخرية الذى في شرح الألفية، أسبق وأعم من التقييد الذى حصل في الأربعين العشارية بآخرية سماع الصفار الحديث واحد فقط، بناء على تنبيه الحافظ ابن حجر، كما تقدم. وبهذا يستدل أيضا على أن أريحية العراقى في قبول المراجعة والنقد المفيد كانت مبدأ أصيلا عنده، ولم تكن قاصرة على شخص بعينه. رابعا: بيانه لدرجات الأحاديث، وأحوال الرواة: ذكر العراقي في شرحه لألفيته في المصطلح: إنه لا يقع لأمثاله من الصحيح المتصل بالسماع إلا عشاري الإسناد (١). وقال في مقدمة كتاب الأربعين العشارية هذا: فهي أعلا ما يقع للشيوخ، مع ثقة رجال الإسناد ووصله، فلم يقيد الاتصال بكونه بالسماع، وذلك لأن

стр. 1939

بعض أسانيده متصلة بالإجازة له، أو لبعض من فوقه في الإسناد، كما سيأتى توضيحه. لكنه ذكر شرط ثقة الرواة المقتضى للصحة، وقال في أواخر الكتاب: وقد روينا عدة أحاديث تساعيات لا تصح أسانيدها، ولا فائدة في العلو مع عدم الصحة (١). فمن مجموع ذلك نفهم أنه شرط على نفسه أن يورد في هذه الأربعين، أعلا ما عُرف من الإسناد في عصره لأقرانه وهو العشاري، مع مراعاة الصحة، باتصال السند، وثقة الرواة؛ لكنه في بقية كلامه في مقدمة الكتاب قال: فأوردت فيها الأحاديث الصحاح والحسان، وربما أوردت الغريب إذا كان راويه غير معروف بتعمد الكذب وفعله، ولاشك أن رواية من هو مستور أو مجهول، أولى ممن علم جرحه مفسرا عند أهله (٢). فهذا يدل على أنه لم يقتصر في تلك الأربعين على ذكر الصحيح المتوافر فيه اتصال السند، وثقة الرواة، ولكن يذكر أيضا ما هو حسن، وراويه - كما هو معروف. في المرتبة الأنزل من الثقة مباشرة، وهي مرتبة: «الصدوق» كما صرح به العراقى في غير هذا الموضع، كما سيأتى. وقوله: «ربما أوردت الغريب إذا كان راويه غير معروف بتعمد الكذب» أفاد أنه يذكر أيضا نوعا ثالثا وإن كان قليلا، وهو الضعيف ضعفا غير شديد، لكون راويه ليس معروفا بتعمد الكذب، لكنه متفرد عن المتابع، فلذلك يعتبر غريبا، لكنه ليس منكرا، كما صرح به في غير هذا الموضع كما سيأتى.

стр. 1940

ثم أتبع العراقي ذلك ببيان تفاوت مراتب الضعف بحسب تفاوت أحوال الرواة، فقال: «ولاشك أن رواية من هو مستور أو مجهول أولى ممن علم جرحه مفسرا عند أهله». وفي تقريظ العراقي لكتاب تلميذه ابن حجر «نظم الآلي بالمائة العوالي» قال: نظرت هذه الأحاديث العشاريات المائة المخرجة عن الشيوخ العوالي أحسن تخريج وأضواه، … من الأحاديث الصحاح والحسان والغرائب، التي هي عن النكارة، (مبرأة)، عن الثقات الأثبات، وأهل الصدق، والسُّنَن والصيانة المجزئة … (١) فيلاحظ أنه ذكر ثلاث درجات للأحاديث هي الصحاح ثم الحسان ثم الغرائب غير المنكرة، وقابل الصحاح برواية الثقات الأثبات، والحسان برواية أهل الصدق والصيانة، فصارت الغرائب غير المنكرة دون هاتين، وهي الضعيفة ضعفا خفيفا. ومن المراجعة التفصيلية لكتاب الأربعين للعراقي، وملاحظة كلامه السابق نجد أن الأحاديث في كتابه هذا ثلاث درجات: هي الصحيح والحسن والضعيف القابل للانجبار، مع بيانه خلال ذلك لما تواتر من الصحيح، ولأحوال الرواة المقتضية للصحة أو الحسن أو الضعف، وذلك على النحو التالي: - أ - بيانه للصحيح، والحال رواته، وللمتواتر منه. عندما نراجع كتاب الأربعين للعراقي نجد غالب أحاديثه من الصحيح لذاته، أو لغيره، وقد بين بنفسه ذلك حسب شرطه السابق، وبيانه للصحة متنوع،

стр. 1941

فمنه ما بين صحته بالعزو إلى البخارى ومسلم أو أحدهما، وذلك من بعض طرق الحديث التي تلتقى في أحد الرواه مع طريق العراقي التي أخرج الحديث بسنده منها، وعدد هذه الأحاديث بحسب النسخة المطبوعة حاليا (٢٢) حديثا، فتكون أزيد من نصف أحاديث الكتاب (١) وقد بين الصحة أيضا بالعزو إلى من خرج الحديث وحكم بصحته كالإمام الترمذي، وهما حديثان (٢) وهذه الطريقة في بيان الصحة من فوائد التخريج بالعزو كما تقدم. ومن الأحاديث ما حكم بصحته من جانبه هو دون عزو لغيره، وذلك أربعة أحاديث، مع بيان سبب الحكم بالصحة في اثنين منهم، كما سيأتي، وذكر الحكم بالصحة فقط في اثنين (٣)، كما بين تواتر حديث واحد من الصحيح الذى رواه في هذا الكتاب، وهو الحديث الرابع، فقد رواه بسنده من طريق سليمان التيمي عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار. وقال: هذا حديث صحيح، وأيد ذلك بعزوه إلى البخارى في الصحيح عن أبي معمر عن عبد الوارث بن سعيد عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس، ثم قال: هذا الحديث من أشهر الأحاديث (٤) حتى ذكر مثالا للمتواتر؛ فقد ورد من حديث مائة من الصحابة، أو يزيدون، منهم العشرة المشهود لهم بالجنة،

стр. 1942

ثم قال: وحكى النووى في شرح مسلم عن بعضهم: أنه رواه مائتان من الصحابة، وعقب العراقى على ذلك بقوله: وفيه بعد (١). فمن هذا يستفاد تصحيحه للحديث، وإقراره بلوغ طرقه درجة المتواتر - وهو ما رواه في جميع حلقات سنده جمع أكثر من ثلاثة، ويستحيل عادة اتفاقهم على الكذب (٢)، وإقراره أيضا أن عدد رواته من الصحابة يزيدون على المائة، بما فيهم العشرة المشهود لهم بالجنة، واستبعاده للقول بأن عدد رواته مائتان من الصحابة. وقد قرر هذه الأمور أيضا في شرحه لألفيته في المصطلح (٣). لكن في نكته على كتاب ابن الصلاح قرر خلاف هذا، فعدد (٧٥) صحابيا، وذكر أنهم هم الذين ورد الحديث عنهم باللفظ السابق ذكره، وأن من زادوا عن هؤلاء، فروايتهم في مطلق الكذب عليه ﷺ وأنه لذلك، لا تعتبر رواياتهم من طرق الحديث باللفظ السابق. كما قرر أيضا أنه لا يمكن التواتر في شيء من طرقه، لأنه يتعذر وجود شرط التواتر في الطرفين والوسط من تلك الطرق؛ بل بعض طرقه الصحيحة إنما هي أفراد عن بعض رواتها. وعقب على القول برواية الحديث عن مائتين من الصحابة، بقوله: ولعل هذا محمول على الأحاديث الواردة في مطلق الكذب، لا هذا المتن بعينه (٤) يعنى (من كذب علي متعمدا).

стр. 1943

فيلاحظ من كلامه هذا على الحديث في النكت: أنه ينفى الحكم بتواتره مطلقا، وأنه يذكر محملا للقول بروايته عن مائتين من الصحابة، بدلا من استبعاده مطلقا. وقد نقل البرهان الحلبي كلام شيخه هذا في النكت وأقره (١) لكن كتاب الأربعين هذا يعتبر زمن تأليفه متأخرا بنحو عشر سنوات تقريبا عن تاريخ فراغه من النكت، فيكون ما ذكره هنا في الأربعين هو الذي استقر عليه أخيرا. وهو الموافق لما قرره ابن الصلاح (٢) ووافقه عليه غير واحد، سواء من شيوخ العراقي كابن كثير (٣) أو من أقرانه كالبلقيني (٤) وابن الملقن (٥) ومن بعدهما كابن حجر، مع إشارته إلى ما ذكره شيخه العراقى في نكته، ورده عليه دون تصريح باسمه (٦) وتابعه على ذلك تلميذه السخاوى (٧). أما الحديثان اللذان صححهما العراقى وبين سبب تصحيحهما: فالحديث الأول منهما: حديث (٤) وقد رواه بسنده إلى أنس بن مالك ﵁ أن أم سليم - وهي أم أنس أيضا - ذهبت به إلى رسول الله ﷺ لما قدم المدينة مهاجرا، فقالت: يا رسول الله، هذا أنس غلام لبيب كاتب،

стр. 1944

يخدمك … (الحديث). وقال العراقي عقبه: هذا حديث صحيح، رجاله كلهم ثقات، قال الحافظ أبو نصر الوائلي: ما وقفت له على علة توجب تركه (١). فنلاحظ أنه لم يعز الحكم بالصحة إلى غيره، وأتبعه ببيان ما توافر فيه من شروط الصحة الأساسية وهى ثقة رجال الإسناد، وعدم وجود علة أخرى قادحة، لكنه اعتمد في الشرط الأخير على من سبقه وهو عبيد الله بن سعيد أبو نصر الوائلي السجزى المتوفى سنة ٤٤٠ هـ (٢) وقد ذكر ابن حجر أن السجزى أخرج الحديث وصححه، لكن لم يذكر الكتاب الذي أخرج الحديث فيه، وإنما قال: قال أبو نصر السجزى بعد أن أخرج الحديث الذي رويناه - يعنى هذا الحديث من الطريق الذي رواه العراقي منه -: هذا حديث صحيح، ما وقفت له على علة توجب تركه (٣). فجعل الحكم بالصحة أيضا ممن سبق العراقي إلى تخريج الحديث بالسند نفسه، وهو السجزى. والحديث الثاني: الذي بين العراقى سبب حكمه بصحته، قد رواه بسنده إلى سليمان التيمى عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا هجرة بين المسلمين فوق ثلاثة أيام، وقال: ثلاث ليال. وقال العراقي عقبه: هذا حديث صحيح، رجاله كلهم محتج بهم في الصحيحين (٤).

стр. 1945

ويلاحظ في بيان سبب التصحيح هنا أنه لم يذكر غير حال الرواة فقط المشترط في الصحة، فلعل سكوته عن باقى الشروط لعدم وجود قادح فيها في تقديره. وأيضا الحديثان الآخران اللذان حكم بصحة كل منهما فقط، دون بيان توافر شروط التصحيح، لعل سكوته عن ذلك لعدم وجود قادح في صحة كل منهما في نظره. لكن عندما تراجع الحديث الأول مما بين العراقي سبب تصحيحه، وكذلك الحديث الثاني مما لم يبين توافر شروط التصحيح فيهما، نجد أن هذين الحديثين من رواية حميد الطويل عن أنس بالعنعنة، وقد وصف حميد بالتدليس عن أنس، مع الخلاف في مرتبته، فالعلائى اعتبره من أهل المرتبة الثانية الذين لا تقدح عنعنتهم، لكونه عرف بأنه لا يدلس إلا عن ثقة (١) لكن الحافظ ابن حجر اعتبره من أهل المرتبة الثالثة الذين يترجح قدح عنعنتهم، ووصفه بكثرة التدليس عن أنس (٢) في حين نجد المتقدمين على الحافظ ﵀ منهم وصف حميدا، بمطلق التدليس ومنهم من وصفه بقلته (٣) وجاء عن الحافظ نفسه في الفتح، قوله: اشتهر أن حميدًا كان ربما يدلس عن أنس (٤) ومقتضى هذا عدم قدح عنعنته، وتقدم تصحيحه هو والسجزى لحديثه عن أنس أنه لما قدم رسول الله ﷺ المدينة ذهبت أم أنس به إلى رسول الله ﷺ ليخدمه.

стр. 1946

ونقل أيضا عن الذهبي ما يفيد عدم قدح عنعنة حميد الطويل عن أنس (١) وبهذا يتأيد تصحيح العراقي لرواية حميد عن أنس بالعنعنة، مع توافر باقى شروط الصحة. وروى العراقي الحديث (١٥) من طريق حميد عن أنس أيضا وصححه، مؤيدا ذلك باتفاق البخاري ومسلم على إخراجه في الصحيحين من طريق سالم بن أبي الجعد عن أنس ﵁ (٢). ثم روى الحديث نفسه من طريق آخر وهو طريق عثمان بن سعد قال: سمعت أنس بن مالك، به. وقال: عثمان بن سعد أخرجت (٣) حديثه للمتابعة وفيه لين، وقد أخرج له أبو داود عن أنس ﵁ حديث: «كانت قبيعة سيف رسول الله ﷺ فضة» وسكت عليه فهو عنده صالح (٤) (٥) وقد أفادنا العراقي في هذا الموضع أن الطريق التي تصلح للمتابعة لا يشترط أن تكون صحيحة ولاحسنة، بل يمكن أن تكون ضعيفة ضعفا خفيفا. وأفادنا في هذا الموضع أيضا أن ما كان ضعفه خفيفا هكذا، وعضده طريق

стр. 1947

آخر صحيح لذاته، فإن الضعيف يرتقي إلى الصحة لغيره مباشرة، وليس إلى الحسن فقط، وهذا مما لا نجده مصرحا به عند العراقي في مظنته من مؤلفاته في مصطلح الحديث. فيكون ما ذكره العراقي من سكوت أبي داود، هو حسبما جاء في النسخة التي رجع إليها، فانتقاد فضيلة المحقق له في هذا بإطلاق، أيضا مدفوع. ولعل العراقي اعتنى بذكر تلك المتابعة مع ضعفها، لتصريح المتابع فيها بالسماع من أنس ﵁ في مقابل عنعنة حميد عنه، وإن كان الراجح اتصالها كما قدمت. ب - بيانه للحسن، ولحال رواته. أما الأحاديث التي حسنها العراقي في هذا الكتاب، فمنها حديث حسنه تبعا للترمذي (١). وبقية المواضع وهي الأكثر - لم يعز فيها التحسين لغيره، وقد أعقبها بتعليلات للتحسين، ضمنها بيانا لأحوال بعض رجال الإسناد الذين اقتضى حالهم تحسين الإسناد، مع تطبيقات هامة لقواعد الجرح والتعديل لا نجد تصريحا بها في مظانها من كتب مصطلح الحديث، وكتب الرجال بما في ذلك مؤلفات العراقي نفسه في ذلك. وبذلك يكون لتعليلات العراقي وتطبيقاته في هذا الكتاب، آثارها الهامة في الاستفادة منها في بيان درجات الرواة المشابهين، ودرجات أحاديثهم، ودراسة الأسانيد عموما.

стр. 1948

فمن ذلك أن العراقى روى الحديث الأول من الأربعين، من طريق عمار بن محمد عن الصلت بن قويد الحنفى قال سمعت أبا هريرة ﵁ يقول: سمعت خليلي أبا القاسم ﷺ يقول: (الحديث). ثم قال: وإسناده حسن، وعلل ذلك بقوله: عمار بن محمد، يكنى أبا اليقظان، وهو ابن أخت سفيان الثورى، وثقه يحيى بن معين، وغيره، واحتج به مسلم، ثم قال: والصلت بن قويد ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وروى عنه غير واحد، وأما النسائى فقال: لا أدرى كيف هو؟. ثم قال: وقد صرح الصلت بسماعه له من أبي هريرة، وقال أبو أحمد الحاكم في الكنى: سمع أبا هريرة (١). فنلاحظ أنه علل تحسين الإسناد ببيان حال راويين فيه: أولهما: «عمار بن محمد» فذكر أن يحيى بن معين وغيره قد وثقوه، ثم قال: واحتج به مسلم، وبذلك جمع في بيان حاله بين التوثيق القولي، من ابن معين وغيره، وبين احتجاج مسلم به في صحيحه، وهذا يسمى التوثيق الفعلى، أو التعديل بالرواية (٢) وقد قرر ابن دقيق العيد أن المصحح لحديث الراوى المنفرد به، بمثابة قوله: إنه ثقة (٣) وقد أفادنا العراقي هنا أنه يعتد في بيان حال الراوى بالتوثيق الفعلى بجانب التوثيق القولي، بينما لا نجده يصرح بهذا.

стр. 1949

في مظناته من مؤلفاته في مصطلح الحديث. وعندما نراجع مصادر ترجمة «عمار» هذا نجد مع توثيقه المتعدد بالقول والفعل، أن غير واحد من النقاد قد ضعفه تضعيفا مجملا، وفسر ابن حبان جهة الضعف بقوله: كان ممن فحش خطؤه، وكثر وهمه، فاستحق الترك من أجله (١). ولعل الدارقطني - وهو تلميذ ابن حبان - قد تبعه في وصفه «عمارًا» هذا بأنه متروك (٢). وبهذا يظهر أن عمارًا مختلف فيه، ويُفهم من اقتصار العراقي على ذكر توثيقه القولي والفعلي أنه يرجح توثيقه، في حين اختلف ترجيح الذهبي: بين ثقة وصدوق (٣) وذكر الحافظ ابن حجر ما يفيد الجمع بين الأقوال، فقال: صدوق يخطئ، وكان عابدًا (٤). وهذا يلتقى مع القول بتحسين حديثه فيما لم يتبين خطؤه فيه. وأما الراوى الثاني: وهو «الصلت بن قويد» فذكر العراقي أن ابن حبان ذكره في ثقات التابعين، وأنه روى عنه غير واحد، وعقب على ذلك بأن النسائي قال فيه: «لا أدرى كيف هو؟».

стр. 1950

وقد أفادنا العراقي بتحسين الإسناد: أن الراوى إذا روى عنه أكثر من واحد، ولم يوجد - بعد البحث الكافي - ما يفيد جرحه ولا تعديله، ولكن ذكره ابن حبان في الثقات، ولاسيما إن كان تابعيا، فإنه بمجموع ذلك تزول جهالة عينه وحاله، ويكون حديثه بمرتبة الحسن لذاته، ما لم تكن علة أخرى. وبناء على إشارته السابقة في تقريظ نظم الآلئ، يمكن وصف مثل هذا الراوى أيضا بأنه صدوق، حيث جعل وصف (الثقة) مقابل الصحة، ووصف أهل الصدق والسنن والصيانة المجزئة، مقابل الحسن كما أوضحته هناك وهذا التقعيد والتطبيق المستفاد من صنيع العراقي هنا، لا نجده أيضا مصرحا به في مظناته من مؤلفاته في مصطلح الحديث، مع أنه قد كرره أيضا في كتابه هذا، وفي بعض مؤلفاته الأخرى عند حكمه على بعض الأسانيد بالحسن، كما سيأتي. وعبارة النسائي التي ذكرها العراقى في وصف «الصلت» فيها اختصار، وقد جاءت في نقل الذهبى موضحة، فذكر أن النسائي ساق للصلت حديثه الذي رواه العراقي هنا،، ثم قال النسائي: لا أدرى كيف هو، حديثه منكر (١). فأفاد بذلك أن عبارة «حديثه منكر» معناها هنا أنه منفرد بهذا الحديث، فلم يقف النسائى على متابع له عليه، ولم يجد ما يرفع جهالة حاله، ولذلك قرن مع تلك العبارة، عبارة «لا أدرى كيف هو؟» فتعتبر عبارة «حديثه منكر» ليست بيانا لحاله كما هو معتاد، ولكنها بمثابة تعليل من النسائي.

стр. 1951

لجهالته بحال «الصلت» وهو أنه متفرد بحديثه هذا، فهو إطلاق للنكارة بمعنى مجرد التفرد فقط، لا بمعنى الجرح، بدليل السياق، ولذلك اعتبر الذهبي والعراقى أن عبارة النسائي هذه تفيد جهالته بحال الصلت، لكنهما اختلفا بعد ذلك، فاقتصر الذهبي على الحكم بجهالة «الصلت» تبعا لقول النسائي، فقال: لا يعرف (١) ورأى العراقى أن رواية أكثر من واحد عنه، وعدم وجود ما يفيد جرحه، مع ذكر ابن حبان له في ثقات التابعين، يرفع جهالة حاله، ويجعله في مرتبة من هو صدوق، حسن الحديث، كما تقدم. أما قول العراقي عن الحديث: وقد صرح الصلت بسماعه له من أبي هريرة، وتأييد ذلك بقول أبي أحمد الحاكم، فهو بيان لاستيفاء الحديث اتصال السند الذي هو شرط من شروط الصحيح والحسن لذاتهما، كما هو معروف. وروى العراقي أيضا الحديث (٢٠) من طريق سحامة بن عبد الله، قال: قدم علينا أنس بن مالك ﵁ واسطا، فحدثنا أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ فذكر من أمره حاجة وفقرا (الحديث). وقال: هذا حديث حسن، «وسحامة» بفتح السين والحاء المهملتين. وقد ذكره ابن حبان في الثقات، إلا أنه سمى أباه «عبد الرحمن» وهكذا قال ابن أبي حاتم عن أبيه فيما صدر به كلامه، قال: وقيل: ابن عبيد الله، وقد روى عنه جماعة، وكيع، وأبو عامر العقدى، وآخرون (٢). فيلاحظ أنه علل تحسين الحديث من طريق «سحامة» هذا بنحو ما علل به تحسين الحديث السابق من طريق «الصلت» وهو أن راويه قد ذكره ابن حبان.

стр. 1952

في الثقات، وهو تابعي، وقد روى عنه جماعة، ولم نجد ما يفيد جرحه (١) ونلاحظ هنا أن «سحامة» روى عنه أكثر من اثنين، فوصفه العراقي بأنه «روى عنه جماعة» والصلت لم نجد روى عنه سوى اثنين فقط، فوصفه بأنه «روى عنه غير واحد» وبهذا يستفاد أن الذي يطبق عليه العراقي قاعدة التحسين هذه، هو من روى عنه اثنان على الأقل، وذكره ابن حبان في الثقات، ولاسيما من كان من التابعين، ولم يوجد ما يفيد جرحه. وسيأتي تطبيق العراقي لتلك القاعدة أيضا في غير هذا الكتاب (٢). وكما خالف الذهبي العراقي في حال «الصلت» كما سبق، فقد خالفه أيضا تلميذه ابن حجر في حال «سحامة» هذا، فوصفه بأنه «مقبول» (٣) ومقتضى اصطلاحه في هذا الوصف أن حديثه ضعيف لذاته، فلا يرتقى إلى الحسن إلا بعاضد يقويه. والحديث التاسع والثلاثون، رواه العراقي من طريق عبد الله بن بكار قال: حدثنا عكرمة بن عمار عن الهرماس بن زياد ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم عيد الأضحى، يخطب على بعير، ثم قال: هذا حديث حسن، وعزاه إلى أبي داود من طريق هشام بن عبد الملك الطيالسي، وإلى النسائي من طريق أبي نوح عبد الرحمن بن غزوان، كلاهما عن عكرمة بن عمار به. ثم أشار إلى وجه تحسين الحديث فقال: وعبد الله بن بكار، ذكره ابن حبان.

стр. 1953

في الثقات، وعكرمة بن عمار، احتج به مسلم في صحيحه، ووثقه العجلى والدارقطني، وقال ابن عدى: مستقيم الحديث إذا روى عنه ثقة (١) ويُلاحظ أن مدار طرق الحديث التي معنا على عكرمة بن عمار، وقد ذكر العراقي توثيقه الفعلى باحتجاج مسلم به في صحيحه، وذكر توثيقه القولى عن جماعة، ولم يذكر فيه تجريحا، في حين نجد في مصادر ترجمته وصف غير واحد من النقاد له بضعف ضبطه لبعض مروياته (٢). فظهر أنه مختلفا في توثيقه المطلق الذى اقتصر العراقي عليه، فأفاد ترجيحه له، في حين جمع الذهبي وابن حجر بين الأقوال، فالذهبي مرة قال: ثقة إلا في حديثه عن يحيى بن أبي كثير (٣) ومرة أخرى قال: صدوق مشهور (٤). أما الحافظ ابن حجر فقال في التقريب: صدوق يغلط، وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب (٥) وهذا هو الأقرب لجمع الأقوال في حاله، ويلتقى مع الحكم بتحسين الحديث الذي معنا من طريقه، لأنه ليس من روايته عن يحيى بن أبي كثير، لكن كان مقتضى ترجيح العراقي لتوثيقه المطلق، أن يصحح الحديث، لكون مدار طرقه عليه، كما أسلفت. أما عبد الله بن بكار فلم يذكر العراقي من حاله إلا ذكر ابن حبان له في الثقات، وبالمراجعة نجد أن ابن حبان قد ذكره في الثقات، وروى هذا

стр. 1954

الحديث من طريقه، ولم يتكلم عنه بشيء، ولم يذكر له راويا غير من روى عنه هذا الحديث، وهو أبو يعلى الموصلي، صاحب المسند (١). ولم أجد من ترجم له غير ابن حبان في ثقاته، وأخرج له في صحيحه حديثا توبع عليه (٢) فدل على عدم احتجاجه به بمفرده. وصنيع العراقي هنا يفيد ذلك، حيث ذكر من تخريج الحديث ما دل على متابعة اثنين من الثقات له وهما: هشام بن عبد الملك الطيالسي، أبو الوليد (٣) عند أبي داود، وأبو نوح عبد الرحمن بن غزوان (٤) عند النسائي، فيكون تحسينه للحديث من طريق ابن بكار، تحسينا لغيره. حيث لم يتوافر فيه بقية الشروط التي أشار إليها العراقي فيمن حسن حديثه لذاته، ممن ذكره ابن حبان في الثقات، كما تقدم في الحديثين السابقين، إلا أنه توبع من ثقتين كما تقدم. وقد حكم الحافظ ابن حجر على طريق أحدهما، وهو هشام بن عبد الملك، عند أبي داود، بأنه إسناد صحيح (٥). فكان مقتضى ما تقدم عن العراقى أن يحكم هنا بالصحة لغيره، لا بالحسن؛ لأنه تقدم ذكره متابعة (عثمان بن سعد) وبيان ضعفها الخفيف، وتقرير الحكم بصحة الحديث باعتبار صحة طريق من تابعه (عثمان) من رواة الحديث الثقات (٦).

стр. 1955

أما الحافظ الذهبي فقد أورد حديثنا هذا من طريق أبي يعلى الموصلي عن عبد الله بن بكار، به، وذلك في موضعين من كتابه (سير أعلام النبلاء) وفي أحدهما قال: هذا حديث حسن (١) وفي الموضع الآخر قال: هذا حديث قوى الإسناد (٢). وما قدمته من حال «عبد الله بن بكار» يقتضى أن الحديث من طريقه ضعيف لذاته، وبمراعاة المتابعة الصحيحة يكون صحيحا لغيره، تبعا للقواعد. إلا أن الذي لاحظته بالنسبة إلى العراقى وغير واحد من الحفاظ المعتبرين، أن بعض القواعد التي يقررونها، لا يطرد تطبيقهم لها في كل المواضع المشابهة. وهذا في تقديرى لا يقدح في سلامة القاعدة نفسها، وإنما يقدح في الموضع الذي لا يُراعى فيه تطبيقها فقط، لسهو عارض، أو لغيره، مما لا يقدح أيضا في مكانة هؤلاء الحفاظ العلمية، وسبحان من له الكمال وحده. وقد روى العراقى الحديث (١٣) بسنده من طريق أبي بكر بن عياش عن أبي إسحق عن البراء بن عازب ﵄ قال: خرج رسول الله ﷺ وأصحابه، فأحرمنا بالحج (الحديث) وقال العراقي: هذا حديث حسن، وأتبع ذلك بأمرين: - أولهما: بيان حال أبي بكر بن عياش، لكون مدار طرق الحديث عليه، وقد ذكر قول بعض من وثقه مطلقا، ومن قال فيه: ثقة ربما غلط، ومن أثنى على عدالته في الدين، كما ذكر من تعديله الفعلى أن البخارى احتج به في صحيحه، وأن الترمذى صحح من طريقه، وأن ابن حبان ذكره في الثقات،

стр. 1956

كما ذكر قول ابن عدي: لم أر له حديثا منكرا من رواية ثقة عنه، لكنه ذكر أيضا أن ابن نمير ويحيى القطان قد ضعفاه (١) وبهذا أشار إلى أنه مختلف في توثيقه وتجريحه، وأن الأكثرين على ترجيح الاحتجاج به، وبذلك يكون الحديث من طريقه لا ينزل عن مرتبة الحسن لذاته، ما لم تكن هناك علة أخرى. أما الأمر الثاني: فهو دفع العراقى لمظنة انقطاع الإسناد، ولضعف رواية أبي بكر بن عياش عن أبي إسحق السبيعي، حيث إنه بعد بيان حال ابن عياش كما قدمت قال: وقد صحح الترمذي بهذا الإسناد حديث «كنا نتحدث أن أصحاب بدر بعدة أصحاب طالوت» الحديث (٢). والحديث المذكور قد أخرجه الترمذى فعلا من طريق أبي بكر بن عياش عن أبي إسحق السبيعي عن البراء، به وقال: هذا حديث حسن صحيح (٣). وأبو إسحق السبيعي هو عمرو بن عبد الله، وقد وصف بالاختلاط بآخره، وبالتدليس القادح (٤) وممن وصفه بالتدليس: الترمذى في غير هذا الموضع من جامعه (٥) فتصحيحه للحديث السابق ذكره، يفيد مراعاته لعدم تدليس السبيعي فيه، كما أن تصحيحه لهذا الحديث يفيد أن رواية أبى بكر بن عياش عن السبيعي ليست في وقت اختلاط السبيعي، وهذا استنتاج تطبيقي من مقتضى الشروط

стр. 1957

المعتبرة في الصحيح، ومن حكم الترمذي به على المروى بهذا الإسناد، ومثل هذا لا نجده في مصادر ترجمة كل من أبى بكر بن عياش، وأبي إسحق السبيعي. ويؤيد هذا الاستنتاج تصحيح الذهبي للحديث بهذا الإسناد، كما سيأتي. وفي هذا أيضا معارضة لقول أبي حاتم الرازي: إن سماع أبي بكر بن عياش، من أبي إسحق السبيعي، ليس بالقوى (١). ومما يؤيد معارضة ذلك: أن كلا من البخارى ومسلم قد أخرجا في صحيحيهما عن أبي الأحوص عن أبي إسحق (٢). وقد سئل ابن معين: أبو الأحوص أحب إليك في أبي إسحق، أو أبو بكر بن عياش؟ فقال: ما أقربهما (٣) فسوى بينهما كما ترى في روايتهما عن أبي إسحق، ومقتضاه أن رواية ابن عياش عنه مشاركة الرواية أبي الأحوص في الصحة، وفي كونها قبل اختلاط أبى إسحق، وأيضا جاء عن أبي بكر بن عياش ما يفيد عنايته بتمييز ما سمعه أبو إسحق من شيوخه (٤). وبما تقدم عن العراقي وبما يؤيده يندفع أيضا توقف البوصيري في الحكم على الحديث لأجل عدم وقوفه على حال رواية أبي بكر بن عياش عن السبيعي (٥). أما الإمام الذهبي فأخرج الحديث بسنده المذكور، وقال: هذا حديث صحيح من العوالي (٦).

стр. 1958

ومقتضى هذا ترجيحه لتوثيق أبى بكر بن عياش، في غير ما عرف وهمه فيه، كما يفهم هذا أيضا من تلخيصه لحاله في عدد من كتبه (١). لكنه أنزله إلى مرتبة من يحسن حديثه في غير ما وهم فيه، وذلك في كتابين آخرين من كتبه (٢). وهذا هو الموافق لصنيع العراقي هنا. ومن هذا كله يتضح لنا عمليا أن الراوى المختلف في توثيقه وتجريحه، تختلف أنظار النقاد، بل الناقد الواحد، في تحديد مرتبته، ودرجة حديثه تبعا لذلك. ويؤيد ذلك أيضا أن العراقي أخرج الحديث (٢٧) من طريق سلمة بن وردان، قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ يقول: ارتقى رسول الله ﷺ المنبر فقال: آمين (الحديث) ثم قال: هذا حديث حسن، ثم أتبع ذلك ببيان حال «سلمة بن وردان» لكون مدار الحديث عليه، فقال: وسلمة بن وردان حسن له الترمذى حديثه عن أنس: من ترك المراء وهو باطل (الحديث)، وهو من أفراده عن أنس، فقال: هذا حديث حسن، لا نعرفه إلا من حديث سلمة، ثم قال العراقي: وقال معاوية بن صالح عن ابن معين: ليس حديثه بذاك، وقال أبو حاتم: ليس بقوى، عامة ما يرويه عن أنس منكر (٣). وروى العراقي الحديث (٣٠) أيضا من طريق مسلمة بن وردان عن أنس.

стр. 1959

﵁ خرج رسول الله ﷺ يتبرز فلم يتبعه أحد (الحديث)، وقال العراقي: هذا حديث حسن، وأتبع ذلك بقوله: وسلمة بن وردان، فيه ضعف، وقد حسن له الترمذي أحاديث، كما سيأتي (١). وقوله: كما سيأتي، إحالة إلى حديث (٣٣)، فقد أخرجه من طريق سلمة بن وردان أيضا، وقال: هذا حديث حسن، أخرجه الترمذي عن يوسف بن عيسى عن الفضل بن موسى عن سلمة بن وردان، وقال: هذا حديث حسن، إنما نعرفه من حديث سلمة (٢). ومن هذا تلاحظ أن العراقي يؤكد تقريره لنوع التعديل الفعلي، وإمكان ترجيحه على التجريح القولي، ولو تعدد، فقد ذكر ما يفيد أن الترمذي إذا حسن حديث الراوي مع إشارته لتفرده به عن شيخه، فإن ذلك يفيد تقرير اتصال رواية هذا الشخص عن شيخه، وتحسين حديثه لذاته، ما لم تكن هناك علة أخرى، ودون احتياج إلى ما قد يكون للحديث من شواهد (٣) وأن ذلك يكون بمثابة وصف الترمذي للراوي بأنه صدوق، وما في حكم هذه اللفظة، وقد أفاد العراقي أيضا أن الترمذي يشير إلى تفرد الراوي بالحديث ببعض العبارات الاصطلاحية، كقوله: لا نعرفه إلا من حديث فلان، أو قوله: إنما نعرفه من حديث فلان.

стр. 1960

وقد سبق ابن دقيق العيد، العراقي إلى تقرير هذا بالنسبة إلى تصحيح الترمذى، فذكر أنه لا فرق بين أن يقول الترمذى عن الراوى: (إنه ثقة)، وبين أن يصحح له حديثا تفرد به، ولو كان هذا الراوى لم يُعرف أنه روى عنه غير راو واحد (١) كما قرر الحافظ ابن حجر مثلما قرر شيخه بالنسبة إلى الحسن، فذكر أن من يقول الترمذى عن حديثه: (حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث فلان) فذلك يقتضى أن يكون هذا الراوى عند الترمذى صدوقا معروفا (٢). وبمثل ذلك يتقرر قبول التعديل الفعلى والاعتداد به، من حيث كونه قاعدة عامة يؤخذ بها، أما من حيث تطبيقها فيلزم مراعاة الملابسات الخاصة بكل راو على حدة، مع مجموع ما جاء في حاله من جرح أو تعديل آخر، إن وجد. فإذا فعلنا هذا بالنسبة لسلمة بن وردان، وجدنا أن أكثر النقاد غير الترمذي، قد ضعفوه، مع تفسير بعضهم ذلك بما يتعلق بضبطه، ولاسيما روايته عن أنس ﵁ وهو في الحديث الذى معنا يروى عن أنس، وقد عزا ابن حبان ضعف ضبط سلمة إلى تغير حفظه بعد كبر سنه، ولم أجد من وافق الترمذى على الاحتجاج به بمفرده، إلا ما حكاه ابن شاهين عن أحمد بن صالح المصرى أنه قال: هو عندى ثقة حسن الحديث، حسن الحال، أما ابن سعد فقال: كان عنده أحاديث يسيرة، وكان ثبتا فقيها، ولا يحتج بحديثه، وبعضهم يستضعفه (٣)

стр. 1961

وفي عبارة ابن سعد هذه جمع بين الأقوال في حال سلمة، فأشار إلى أن ما يوصف به من التعديل، يحمل على عدالته في الدين، وما وصف به من تضعيف فيحمل على ضعف ضبطه، بحيث لا يرقى إلى الاحتجاج به بمفرده، وبهذا صرح ابن حبان أيضا في نهاية كلامه عنه (١). وسيأتى عن السخاوى نحو هذا الجمع. وقد رجح تضعيفه مطلقا كل من الذهبى (٢) والهيثمى (٣) وابن حجر مع توقفه في تحسين الترمذى لحديثه هذا لذاته (٤). وبذلك لا يوافق الإمام الترمذى ولا أحمد بن صالح المصرى، على تحسين حديث «سلمة» لذاته، ولا يوافق الحافظ العراقى في متابعته للترمذى على ذلك، لمخالفتهم ما عليه أكثر النقاد من تضعيف «سلمة» من جهة ضبطه، لاسيما في روايته عن أنس بن مالك ﵄ فيكون حديثه ضعيفا لذاته، ويرتقى إلى الحسن أو الصحة بما يعضده. وقد ذكر السخاوى ما يفيد هذا، فذكر الحديث المذكور من طريق «سلمة» عن أنس، وعزاه إلى البزار، وابن أبى شيبة في مسنديهما، وذكر قول البزار: سلمة، صالح، وله أحاديث يستوحش منها، لا يعلم رواها بألفاظه غيره. وعقب السخاوى على ذلك، فقال: قلت: بل هو ضعيف، والظاهر أن قول

стр. 1962

البزار: إنه صالح، عنى به الديانة؛ لكن لحديثه شواهد، كما ترى. وهو عند «تمام» من حديث موسى الطويل عن أنس بمعناه، وسنده ضعيف أيضا، ثم ذكر أن له شواهد، وذكر منها ما يزيد على عشرة، منها ما هو صحيح، وما هو حسن، وما هو ضعيف (١). فيعتبر «سلمة بن وردان» هذا مثالا للراوى المختلف في تعديله وتجريحه وبالتالي في درجة حديثه لذاته، مع ترجح تضعيفه وبالتالي تضعيف حديثه لذاته، وتقويته بما يعضده. وروى العراقي الحديث التاسع والعشرين من طريق يحيى بن عبد الحميد الحماني قال: حدثنا عطوان بن مشكان قال: حدثتني جمرة بنت عبد الله اليربوعية قالت: ذهب بي أبي إلى رسول الله ﷺ (الحديث). ثم قال: هذا حديث حسن، ويحيى بن عبد الحميد الحماني، إمام حافظ، ولكن قد اختلف فيه، فوثقه ابن نمير، وابن معين، واختلف كلام أحمد بن حنبل، فوثقه مرة، ونسبه مرة إلى الكذب، وعطوان روى عنه جماعة، وقال فيه أبو حاتم: شيخ ليس بمنكر الحديث، كتبنا عن رجلين عنه (٢). فيلاحظ هنا أنه أعقب حكمه بالتحسين، ببيان حال راويين فقط من إسناده، هما: يحيى الحماني، وعطوان، إشارة إلى أنهما قد يستشكل بحالهما على حكمه بتحسين الحديث من طريقهما، وقد أشار في بيان حال يحيى إلى أن سبب نزول حديثه إلى درجة الحسن، أنه مع اتصافه بالإمامة والحفظ، فقد اختلف فيه اختلافا قويا، بين توثيقه، وصدقه، وبين تكذيبه وغفلته، وجاء

стр. 1963

في عدة أقوال مفسرة، ما يفيد أن تكذيبه ليس لوضعه الحديث، ولكن لسرقته بعض مرويات غيره، ودعوى سماعه ما لم يسمعه، وكذبه في بدعته، وقد جاء عنه نفسه وعن ابن معين رد ما جرح به، بأنه من بعض حسدته، ومقتضاه عدم قدحه فيه، ولما سبر ابن عدى رواياته قال: لم أر في مسنده، وأحاديثه منكرا، وأرجو أنه لا بأس به (١). وعليه يكون تحسين العراقي للحديث هنا من طريقه متجها مع خلاصة رأى ابن عدى هذه فيه، وقد أشار الذهبى في الديوان إلى إقرار قول ابن عدى فيه، مع إضافته نسبته إلى غلو التشيع (٢) وحديثه هنا كما نرى، ليس مؤيدا لبدعته، وقال عنه الذهبي أيضا: حافظ منكر الحديث (٣). وقال ابن حجر: حافظ، إلا أنهم اتهموه بسرقة الحديث (٤)، وجزم في الفتح بأنه ضعيف (٥) لكن في الإصابة، ذكر ما يفيد الاحتجاج به، كما سيأتي، والعراقي نفسه مع تحسين حديثه هنا، فإنه في كتابه «محجة القرب» ذكر الخلاف فيه بنحو ما ذكره هنا، وقال: وضعفه الجمهور (٦)، وهذا يفيد ترجيحه لتضعيفه. ومن هذا يظهر لنا أن الراوى المختلف في تعديله وتجريحه، بين أكثر من عالم، قد

стр. 1964

يختلف أيضا رأى العالم الواحد في تقرير الراجح من حاله، وبالتالى درجة حديثه، كما ترى، فلابد من الاحتراس والتأنى في استخلاص الراجح في حال الرواة المختلف فيهم، والأخذ بما تقتضى به القواعد والقرائن. وأما «عطوان بن مُشْكان»: فقد ترجم له ابن أبي حاتم، وذكر الرجلين اللذين رويا عنه، وذكر قول أبي حاتم السابق بأنه ليس بمنكر الحديث (١)، ويضاف للراويين عنه المشار إليهما: يحيى الحماني الذي يروى عنه هنا، فيصبح الرواة عنه جماعة، كما ذكر العراقي، وقد اعتبر العراقي أيضا قول أبي حاتم السابق، أنه بمثابة وصفه بأنه صدوق، يُحسن حديثه، بل نقل ابن حجر عن ابن معين أنه قال: لا بأس به (٢). وقد تعقب ابن حجر أيضا قول ابن عبد البر عن حديث «جمرة» هذا بأنه لا يصح، فذكر أنه ليس في إسناده من هو محل نظر غير «عطوان» هذا وأن وصف ابن معين السابق له، يقتضى الاحتجاج به. وبهذا يتأيد حكم العراقي بتحسين الحديث من طريقه كما تقدم. جـ - بيانه للضعيف أو الموضوع، والحال راويهما، ونقده لغيره في هذا بعد أن ذكر العراقى أنه يورد في كتابه هذا الصحاح والحسان، قال: وربما أوردت الغريب إذا كان راويه غير معروف بتعمد الكذب وفعله، ولاشك أن رواية من هو مستور الحال أو مجهول، أولى ممن عُلم جرحه مفسرا عند أهله، ثم قال: واجتنبت إيراد رواية من عُرف بالكذب، كأبي هدبة، وموسى

стр. 1965

الطويل، ودينار الحبشى، ويغنم بن سالم والأشج (١) وهؤلاء الضرب الذين لا يفرح بعواليهم إلا من غلب عليه غباوة جهله (٢) فيستفاد من كلامه هذا، أنه لم يقتصر في كتابه على الصحيح ولكنه يذكر الضعيف أيضا، وإن كان قليلا بالنسبة إلى مجموع أحاديث الكتاب، وهذا فعلا مطابق لواقع الكتاب، كما سيأتي توضيحه. ثم إن العراقي أشار إلى نقاش درجات الضعف، بحسب درجات من يرويه، من مجهول أو مستور، أو مصرح بجرحه المفسر بفعل الكذب في الحديث تعمدا، وقرر أنه اجتنب إيراد حديث من عُرف بتعمد الكذب وفعله في الحديث، وقد وفي العراقى بذلك فعلا، بالنسبة للأربعين العشارية التي هي أصل موضوع الكتاب، وذلك لما هو معروف: أن الحديث إذا انفرد به من ثبت تعمده الكذب في الحديث، كان هذا الحديث بسببه موضوعا، مكذوبًا عليه ﷺ (٣) كما سيأتي بيانه. ومعنى هذا أن ما لم يجتنبه من الضعيف، بل أورد القليل منه في أصل موضوع الكتاب وهو العشاريات، فإنه حرص على أن يكون ضعفه أخف من ضعف من عرف بتعمد الكذب في الحديث.
следующие страницы →