وفي عبارة ابن سعد هذه جمع بين الأقوال في حال سلمة، فأشار إلى أن ما يوصف به من التعديل، يحمل على عدالته في الدين، وما وصف به من تضعيف فيحمل على ضعف ضبطه، بحيث لا يرقى إلى الاحتجاج به بمفرده، وبهذا صرح ابن حبان أيضا في نهاية كلامه عنه (١).
وسيأتى عن السخاوى نحو هذا الجمع.
وقد رجح تضعيفه مطلقا كل من الذهبى (٢) والهيثمى (٣) وابن حجر مع توقفه في تحسين الترمذى لحديثه هذا لذاته (٤).
وبذلك لا يوافق الإمام الترمذى ولا أحمد بن صالح المصرى، على تحسين حديث «سلمة» لذاته، ولا يوافق الحافظ العراقى في متابعته للترمذى على ذلك، لمخالفتهم ما عليه أكثر النقاد من تضعيف «سلمة» من جهة ضبطه، لاسيما في روايته عن أنس بن مالك ﵄ فيكون حديثه ضعيفا لذاته، ويرتقى إلى الحسن أو الصحة بما يعضده.
وقد ذكر السخاوى ما يفيد هذا، فذكر الحديث المذكور من طريق «سلمة» عن أنس، وعزاه إلى البزار، وابن أبى شيبة في مسنديهما، وذكر قول البزار: سلمة، صالح، وله أحاديث يستوحش منها، لا يعلم رواها بألفاظه غيره.
وعقب السخاوى على ذلك، فقال: قلت: بل هو ضعيف، والظاهر أن قول
стр. 1962
البزار: إنه صالح، عنى به الديانة؛ لكن لحديثه شواهد، كما ترى. وهو عند «تمام» من حديث موسى الطويل عن أنس بمعناه، وسنده ضعيف أيضا، ثم ذكر أن له شواهد، وذكر منها ما يزيد على عشرة، منها ما هو صحيح، وما هو حسن، وما هو ضعيف (١).
فيعتبر «سلمة بن وردان» هذا مثالا للراوى المختلف في تعديله وتجريحه وبالتالي في درجة حديثه لذاته، مع ترجح تضعيفه وبالتالي تضعيف حديثه لذاته، وتقويته بما يعضده.
وروى العراقي الحديث التاسع والعشرين من طريق يحيى بن عبد الحميد الحماني قال: حدثنا عطوان بن مشكان قال: حدثتني جمرة بنت عبد الله اليربوعية قالت: ذهب بي أبي إلى رسول الله ﷺ (الحديث).
ثم قال: هذا حديث حسن، ويحيى بن عبد الحميد الحماني، إمام حافظ، ولكن قد اختلف فيه، فوثقه ابن نمير، وابن معين، واختلف كلام أحمد بن حنبل، فوثقه مرة، ونسبه مرة إلى الكذب، وعطوان روى عنه جماعة، وقال فيه أبو حاتم: شيخ ليس بمنكر الحديث، كتبنا عن رجلين عنه (٢).
فيلاحظ هنا أنه أعقب حكمه بالتحسين، ببيان حال راويين فقط من إسناده، هما: يحيى الحماني، وعطوان، إشارة إلى أنهما قد يستشكل بحالهما على حكمه بتحسين الحديث من طريقهما، وقد أشار في بيان حال يحيى إلى أن سبب نزول حديثه إلى درجة الحسن، أنه مع اتصافه بالإمامة والحفظ، فقد اختلف فيه اختلافا قويا، بين توثيقه، وصدقه، وبين تكذيبه وغفلته، وجاء
стр. 1963
في عدة أقوال مفسرة، ما يفيد أن تكذيبه ليس لوضعه الحديث، ولكن لسرقته بعض مرويات غيره، ودعوى سماعه ما لم يسمعه، وكذبه في بدعته، وقد جاء عنه نفسه وعن ابن معين رد ما جرح به، بأنه من بعض حسدته، ومقتضاه عدم قدحه فيه، ولما سبر ابن عدى رواياته قال: لم أر في مسنده، وأحاديثه منكرا، وأرجو أنه لا بأس به (١).
وعليه يكون تحسين العراقي للحديث هنا من طريقه متجها مع خلاصة رأى ابن عدى هذه فيه، وقد أشار الذهبى في الديوان إلى إقرار قول ابن عدى فيه، مع إضافته نسبته إلى غلو التشيع (٢) وحديثه هنا كما نرى، ليس مؤيدا لبدعته، وقال عنه الذهبي أيضا: حافظ منكر الحديث (٣).
وقال ابن حجر: حافظ، إلا أنهم اتهموه بسرقة الحديث (٤)، وجزم في الفتح بأنه ضعيف (٥) لكن في الإصابة، ذكر ما يفيد الاحتجاج به، كما سيأتي، والعراقي نفسه مع تحسين حديثه هنا، فإنه في كتابه «محجة القرب» ذكر الخلاف فيه بنحو ما ذكره هنا، وقال: وضعفه الجمهور (٦)، وهذا يفيد ترجيحه لتضعيفه.
ومن هذا يظهر لنا أن الراوى المختلف في تعديله وتجريحه، بين أكثر من عالم، قد
стр. 1964
يختلف أيضا رأى العالم الواحد في تقرير الراجح من حاله، وبالتالى درجة حديثه، كما ترى، فلابد من الاحتراس والتأنى في استخلاص الراجح في حال الرواة المختلف فيهم، والأخذ بما تقتضى به القواعد والقرائن.
وأما «عطوان بن مُشْكان»: فقد ترجم له ابن أبي حاتم، وذكر الرجلين اللذين رويا عنه، وذكر قول أبي حاتم السابق بأنه ليس بمنكر الحديث (١)، ويضاف للراويين عنه المشار إليهما: يحيى الحماني الذي يروى عنه هنا، فيصبح الرواة عنه جماعة، كما ذكر العراقي، وقد اعتبر العراقي أيضا قول أبي حاتم السابق، أنه بمثابة وصفه بأنه صدوق، يُحسن حديثه، بل نقل ابن حجر عن ابن معين أنه قال: لا بأس به (٢).
وقد تعقب ابن حجر أيضا قول ابن عبد البر عن حديث «جمرة» هذا بأنه لا يصح، فذكر أنه ليس في إسناده من هو محل نظر غير «عطوان» هذا وأن وصف ابن معين السابق له، يقتضى الاحتجاج به.
وبهذا يتأيد حكم العراقي بتحسين الحديث من طريقه كما تقدم.
جـ - بيانه للضعيف أو الموضوع، والحال راويهما، ونقده لغيره في هذا
بعد أن ذكر العراقى أنه يورد في كتابه هذا الصحاح والحسان، قال: وربما أوردت الغريب إذا كان راويه غير معروف بتعمد الكذب وفعله، ولاشك أن رواية من هو مستور الحال أو مجهول، أولى ممن عُلم جرحه مفسرا عند أهله، ثم قال: واجتنبت إيراد رواية من عُرف بالكذب، كأبي هدبة، وموسى
стр. 1965
الطويل، ودينار الحبشى، ويغنم بن سالم والأشج (١) وهؤلاء الضرب الذين لا يفرح بعواليهم إلا من غلب عليه غباوة جهله (٢) فيستفاد من كلامه هذا، أنه لم يقتصر في كتابه على الصحيح ولكنه يذكر الضعيف أيضا، وإن كان قليلا بالنسبة إلى مجموع أحاديث الكتاب، وهذا فعلا مطابق لواقع الكتاب، كما سيأتي توضيحه.
ثم إن العراقي أشار إلى نقاش درجات الضعف، بحسب درجات من يرويه، من مجهول أو مستور، أو مصرح بجرحه المفسر بفعل الكذب في الحديث تعمدا، وقرر أنه اجتنب إيراد حديث من عُرف بتعمد الكذب وفعله في الحديث، وقد وفي العراقى بذلك فعلا، بالنسبة للأربعين العشارية التي هي أصل موضوع الكتاب، وذلك لما هو معروف: أن الحديث إذا انفرد به من ثبت تعمده الكذب في الحديث، كان هذا الحديث بسببه موضوعا، مكذوبًا عليه ﷺ (٣) كما سيأتي بيانه.
ومعنى هذا أن ما لم يجتنبه من الضعيف، بل أورد القليل منه في أصل موضوع الكتاب وهو العشاريات، فإنه حرص على أن يكون ضعفه أخف من ضعف من عرف بتعمد الكذب في الحديث.
стр. 1966
وبمراجعة ما حكم العراقي عليه بالغرابة فقط خلال الكتاب، نجد أن مراده بالغريب: ما تفرد به راو مجهول وهذا في موضع واحد (١) أو ما تفرد به راو مصرح بتضعيفه ضعفا يقبل الانجبار بما يعضده وهذا في (٣) مواضع، ولم يراع ما يوجد للحديث أو لبعضه من شاهد يعضده، ويدفع غرابته (٢) مع أنه في تقريظه لكتاب «نظم اللآلئ» لتلميذه ابن حجر، راعى ذلك فقال: والغرائب التي هي عن النكارة مبرأة (٣).
لكنه في كتابه هذا اقتصر على الحكم بالغرابة للطريق التي روى هو منها الحديث فقط، دون نظر لما قد وجده غيره من الشواهد، وقد أيد حكمه في ثلاثة أحاديث بذكر وصف الترمذي لكل منها بالغرابة المقيدة بالوجه الذي رواه العراقي منه (٤).
ولما كان العراقي من أئمة الاصطلاح تأليفا، وتطبيقا، في دراسة الأسانيد والحكم عليها، خلال مؤلفاته بما فيها هذا الكتاب نفسه، فإنه كان ينبغي أن لا يقتصر على وصف الغرابة المجردة، ويترك استنتاج اتصاف الإسناد بالضعف للقارئ، بناء على ما يذكره من حال الراوى المنفرد، بل كان الأولى أن يصرح في إجمال منهجه بذلك، فيقول مثلا: «وربما أوردت الغريب الضعيف إذا كان راويه غير معروف بتعمد الكذب … الخ» وقد فعل مثل هذا في غير هذا الكتاب، كما سيأتي في موضعه، وفعل هذا الذهبي أيضا في حكمه.
стр. 1967
على الحديث الأربعين عند العراقي، ومثله الحديث الأول مما زاده على الأربعين من الثلاثة التساعيات، ونقل العراقي حكم الذهبي المصرح بالتفرد والضعف، وأقره (١).
كما ينبغي أيضا أن يراعى أن أكثر تلك الأحاديث التي وصفها بالغرابة، قد وجد لها من الشواهد ما يرقى بعضها إلى الحسن، وبعضها إلى الصحة (٢). وبمقتضى هذا تخرج عن دائرة الضعف، وترقى إلى درجة الاحتجاج بها.
أما ما أشار العراقي إلى ضعفه بغير وصف الغرابة، فهو قليل، فمنه طريق للحديث الأول، حيث أخرجه أولا بسنده، من طريق الصلت بن قويد عن أبي هريرة، وحسنه، ثم ذكر طريقا آخر للحديث، عزاها لعبد الله بن أحمد في زياداته على المسند عن إبراهيم بن عبد الله الهروي، وذكر في سندها بين الصلت بن قويد، وبين أبي هريرة «أبا أحمر» وتعقب العراقي ذلك بأنه وهم من إبراهيم الهروي، ثم قال: وسبب الوهم: أن الصلت كنيته «أبو أحمر» كما قال يحيى بن معين والنسائي وأبو أحمد الحاكم، وابن حبان في الثقات، ثم بين أن إبراهيم مختلف فيه تضعيفا وتوثيقا، ولكنه خلاف لا ينزله إلى درجة الضعف في عامة رواياته، ولكن ما يظهر خطؤه فيه فقط، مثل تلك الرواية، فتضعف بخصوصها (٣).
ومجموع الآراء في حال إبراهيم، وخلاصتها يؤيد ذلك (٤).
стр. 1968
لكن هذه الرواية لم أجدها في طبعات المسند الحالية، وقد ذكرها الحافظ في التعجيل، وأشار إلى سبق العلائي إلى ذكرها في مسلسلاته وتبعية العراقي في ذلك لشيخه العلائى، ولم يتعقبهما بشيء (١) مع أنه لم يذكر هذه الرواية في كتابه «المسند المعتلى» في أطراف المسند.
وقد بين العراقي بهذا أن تلك الرواية بزيادة راو في الإسناد، لا تعلى الرواية الأخرى الخالية من الزيادة والتي حكم بحسنها، لكون الوهم في رواية الزيادة هذه ظاهر، ويقتضى ضعفها.
وروى العراقي أيضا متابعة للحديث الخامس عشر كما تقدم، وبين ضعفها الخفيف الذي ارتقى بالطريق الصحيحة للحديث إلى الصحيح لغيره، كما قدمت (٢).
وروى العراقي الحديث الأربعين من طريق جعفر بن حميد عن عمر بن أبان قال: أراني أنس بن مالك الوضوء (الحديث)، وذكر قول الطبراني: لم يرو عمر (٣) بن أبان عن أنس حديثا غير هذا، ثم قال: هذا حديث غريب، أخرجه الطبراني هكذا في معجميه، الصغير (٤) والأوسط (٥) وأورده الحافظ أبو عبد الله الذهبي في الميزان، في ترجمة (جعفر بن حميد) (٦) وقال: تفرد به.
стр. 1969
عنه الطبراني، وعمر بن أبان لا يدرى من هو؟ والحديث ثماني لنا على ضعفه (١).
فأفاد الذهبي بهذا جهالة كل من: عمر بن أبان، وجعفر بن حميد، وصرح بضعف الحديث من طريقهما، وبتفرد الطبرانى به عن جعفر، وعلى ضوء ذلك حكم العراقي على الحديث بأنه غريب، مع إقراره الذهبي على تضعيفه. وقد أوضح بصنيعه هذا ما أشار إليه في مقدمة الكتاب من أنه ربما ذكر حديثا غريبا، يكون ضعفه خفيفا لجهالة أو ستر راويه، وعدم جرحه بتعمد الكذب.
ونلاحظ أنه لم يذكر العراقي ولا الذهبي لهذا الحديث ما يدفع غرابته ويجبر ضعفه من متابع أو شاهد، في حين يوجد له شاهد بنحوه من حديث على ﵁ أخرجه البزار في مسنده، وقال الحافظ ابن حجر عنه: إسناده مقارب (٢).
فيمكن به دفع الغرابة، وارتقاء الحديث إلى الحسن لغيره.
وأيضا تثليث الوضوء ماعدا مسح الرأس، له عدة شواهد (٣) وقد أخرج ابن حجر هذا الحديث في عشارياته من طريق الطبراني، به ثم قال: هذا حديث غريب من هذا الوجه، وذكر كلام الذهبى السابق عن كل من: جعفر وعمر ابن أبان، وتضعيف الحديث لأجلهما، وعقب على ذلك بقوله: و «عمر بن أبان» ذكره ابن حبان في الثقات (٤) وكذا ذكر الهيثمي رفيق العراقي (٥).
стр. 1970
ويبدو أن هذا اشتباه منهما، فإن ابن حبان ذكر ممن اسمه (عمر بن أبان) في الثقات، راويين، أحدهما في التابعين (١) والثاني في أتباع التابعين (٢) ولكن ماذكره عن كل منهما لا ينطبق على الذى معنا.
ولعل مما يؤيد هذا أن ابن حجر لما ذكر عمر بن أبان هذا في اللسان، أقر حكم الذهبي بجهالته، ولم يذكر أن ابن حبان قد ذكره في الثقات (٣) وأيضا تعقب ابن الجزرى ما ذكره الذهبى عن راوبي هذا الحديث، وتضعيفه له فقال: رحم الله الذهبي، ما أسرعه إلى التضعيف والجرح، أما جعفر بن حميد فلا يضره تفرد الطبراني عنه، بل رفع عنه الجهالة، ولا نعلم أحدا تكلم فيه، وأما عمر بن أبان فقد ذكره ابن حبان في الثقات، فحكمه على الحديث بالضعف غير مسلم (٤).
وما قدمته بشأن ذكر (عمر بن أبان) في ثقات ابن حبان، يفيد اشتباه الأمر على ابن الجزرى كذلك، ويؤيد الحكم بضعف الحديث بسنده هذا، كما ذكر الذهبي والعراقي، لكنهما متعقبان بوجود شواهد للحديث ترقيه إلى: الحسن لغيره، كما قدمت، ولم يذكر أي منهما شيئا منها.
أما الضعيف الذي ذكره العراقى فيما زاده على الأربعين، وهو الأحاديث الثلاثة التساعية، فالأول منها، رواه بسنده، من طريقه السابق، لكن بإسناد
تساعى، فيكون أعلا درجة من إسناده العشارى به (٥) وقد اكتفى العراقي عن
стр. 1971
الكلام على رواته، وتضعيفه بما تقدم، وبالتالي يتعقب بما قدمت أيضا من وجود شواهد عاضدة له، لم يذكر العراقي منها شيئا.
وأما الحديث الثانى من التساعيات فهو من الشديد الضعف الذي كثرت طرقه، فأشار العراقى إلى أنه يتقوى بذلك، كما سأوضحه.
فقد قال العراقي: وقد وقع لنا حديثان آخران في المعجم الصغير للطبراني بهذا الإسناد - يعنى إسناده إلى الطبراني فمن فوقه - تساعيان، في الثاني منهما نظر، فرأيت إيرادهما مع بيان أمرهما للفائدة.
ثم ساق سنده التساعي بالحديث الأول منهما إلى الطبراني قال: حدثنا محمد بن أحمد بن يزيد القصاص قال: حدثنا دينار بن عبد الله - مولى أنس - حدثني أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ طوبى لمن رآني (الحديث).
ثم قال: حديث ضعيف، رواه الطبراني هكذا في معجميه الصغير (١) والأوسط (٢)، ثم قال: وقد رواه عن أنس جماعة من الضعفاء المتهمين، منهم: يغنم بن سالم بن قنبر (٣) وأبو هدبة ابراهيم بن هدبة (٤) وموسى الطويل (٥) ودينار الحبشى، هذا (٦) وكلهم كذابون، متهمون بالوضع (٧).
стр. 1972
ويلاحظ هنا أن العراقي وصف الحديث بالضعف فقط، مع تعليل ذلك بأن رواته الأربعة عن أنس كذابون متهمون بالوضع بما فيهم دينار بن عبد الله الحبشى مولى أنس الذى روى العراقي الحديث من طريقه.
وقد كان مقتضى وصفهم بالكذب أن يكون الحديث من طريق كل منهم موضوعا، وليس ضعيفا فقط، كما ذكر العراقي.
لكن من شروط الحكم بالوضع كما قدمت أن يكون الراوى المعروف بتعمد الكذب في الحديث، قد تفرد به، فلم نجد له متابعا ولا شاهدا، وبوجود المتابعات، وبعض الشواهد - كما سيأتى - لهذا الحديث، انتفى شرط الحكم بوضعه، فلا يكون موضوعا.
ومتابعة الأربعة المعروفين بالكذب بعضهم بعضا على رواية الحديث، أصبح كل منهم متهما فقط بالنسبة لهذا الحديث لمشاركة مثله له في روايته، وبهذا الاعتبار جمع لهم العراقي هنا مع الاتصاف بالكذب، الاتهام بالوضع. مع:
اقتصاره في مقدمة الكتاب على وصفهم الأصلي وهو الكذب فقط كما قدمت.
وباعتبار متابعة الثلاثة المذكورين، لرابعهم الذى روى العراقي الحديث من طريقه وجدناه حكم بضعف الحديث فقط.
وبذلك أفادنا قاعدة تطبيقية فى مجال دراسة الأسانيد والحكم عليها لانجد بيانها في مظانها من مؤلفاته في المصطلح، فصنيعه هذا يستفاد منه أن الحديث إذا روى من طريق من هو معروف بالكذب في الحديث، أو متهم بذلك، ولكنه لم ينفرد به، بل وجد له بعض المتابعات - ولو من مثله - أو الشواهد، فإنه في تلك الحالة لا يحكم بوضعه، ولكن ينظر فيما وُجد له من متابعات أو
стр. 1973
شواهد، فإن وجد منها عدد اثنين فأكثر ممن هو معروف بالكذب أو متهم به، فلا يصلحون لترقية الحديث إلى درجة الحسن لغيره، ولكن يصلحون لترقيته داخل دائرة الضعف، فيتحول من كونه منكرا موضوعا، إلى كونه بمجموع طرقه هذه ضعيفا فقط، كما تقدم في عبارة العراقي.
وقد جاء نحو هذا عن تلميذ العراقى الحافظ ابن حجر، وتابعه عليه غيره. فقد ذكر الحافظ تعليل المنذرى لحكم السلفى بصحة حديث «من حفظ على أمتى أربعين حديثا»، بقوله: لعل السلفى كان يرى أن مطلق الأحاديث الضعيفة، إذا انضم بعضها إلى بعض أخذت قوة.
وعقب الحافظ على هذا فقال: قلت: لكن تلك القوة لا تخرج هذا الحديث عن مرتبة الضعف، ولكن الضعف يتفاوت، فإذا كثرت طرق حديث، رجح على حديث فرد، فيكون الضعيف الذى ضعفه ناشئ عن سوء حفظ رواته إذا كثرت طرقه، ارتقى إلى مرتبة الحسن، والذى ضعفه ناشئ عن تهمة أو جهالة، إذا كثرت طرقه ارتقى عن مرتبة المردود المنكر الذي لا يجوز العمل به بحال، إلى رتبة الضعيف الذي يجوز العمل به في فضائل الأعمال (١).
أقول: وقد جاء نحو هذا عمن عاصر السلفى ووقف على قوله بتصحيح هذا الحديث في أربعينه (٢) وهو الحافظ أبو القاسم ابن عساكر (٥٧١ هـ) حيث روى الحديث المذكور بسنده من حديث كل من أبي الدرداء، وابن عباس، وابن مسعود، وفى أسانيده بتلك الأحاديث من نسب إلى الكذب
стр. 1974
والوضع (١) ثم ذكر أن الحديث روى أيضا عن ١٦ صحابيا وسرد أسماءهم، وعقب على الجميع بقوله: في أسانيدها كلها مقال، ليس فيها، ولا فيما تقدمها للتصحيح مجال، لكن الأحاديث الضعيفة إذا ضم بعضها إلى بعض أخذت قوة، لاسيما ما ليس فيه إثبات فرض (٢).
وبهذا خالف قول معاصره السلفى بتصحيح الحديث، بمجموع طرقه الكثيرة، ولكن أثبت له بمجموعها قوة تجعله يصلح دليلا لما ليس بفرض مثل الآداب والفضائل ونحوهما، وهذا كما ترى قريب مما ذكره الحافظ ابن حجر في تعقب السلفى كما قدمت.
وأيضا الإمام النووى قد حكم بأن هذا الحديث بمجموع طرقه ضعيف وأقره الحافظ ابن حجر (٣).
وقال في الفتح: الكثرة الواهية تفيد (٤) وفى النكت على ابن الصلاح ذكر تفاوت مراتب الصحيح والحسن، والاستفادة منها عند التعارض، ثم قال: وكذلك أقول في الضعيف، إذا روى بأسانيد كلها قاصرة عن درجة الاعتبار بحيث لا يُجبر بعضها ببعض، إنه أمثل من ضعيف روى بإسناد واحد كذلك، وتظهر فائدة ذلك في جواز العمل به، أو منعه مطلقا (٥).
وقال السيوطي: وأما الضعف لفسق الراوى أو كذبه، فلا يؤثر فيه موافقة
стр. 1975
غيره له، إذا كان الآخر مثله، لقوة الضعف، وتقاعد الجابر، ثم قال: نعم يرتقى بمجموع طرقه عن كونه منكراً أو لا أصل له، صرح به شيخ الإسلام - يعنى ابن حجر (١). ثم قال السيوطى: بل ربما كثرت الطرق حتى أوصلته إلى درجة المستور، أو السيء الحفظ، بحيث إذا وجد له طريق آخر فيه ضعف قريب محتمل، ارتقى بمجموع ذلك إلى درجة الحسن (٢).
وذكر السخاوى نحو ذلك، لكن بدون عزو شيء منه لشيخه ابن حجر، مع أنه مثل لما كثرت طرقه على النحو المذكور بحديث «من حفظ على أمتى أربعين حديثا» (٣) وهو الحديث الذى علق عليه الحافظ بكلامه السابق، والمتضمن لما ذكر السيوطى والسخاوى، ولعل عدم عزو السخاوى شيئا لشيخه، لكونه لم يأخذ بكل ما ذكره، كما يلاحظ ذلك من مقارنة كلاميهما.
أما البقاعي في نكته الوفية التى ذكر أن معظمها مستفاد مما حضره من دروس شيخه ابن حجر، فإنه ذكر ما ذكره السيوطى - فيما قدمته - وأضاف قائلا: وقد جعلنا مجموع تلك الطرق الواهية بمنزلة الطريق التي فيها ضعف يسير، فصار ذلك بمنزلة طريقين، كل منهما ضعفه يسير (٤) وما قرره كل من السخاوى والبقاعي والسيوطى من مرحلة الترقى إلى الحسن لغيره، يلتقى مع صنيع العراقي بالنسبة لبقية طرق حديث أنس هذا، حيث إنه بعد حكمه
стр. 1976
بضعفه باعتبار مجموع الطرق الأربعة التي عرف رواتها بالكذب والاتهام بالوضع، أتبع ذلك بذكر متابعة أخرى وبين ضعفها فقط، فقال: وقد روى أحمد في مسنده من رواية جسر عن ثابت البناني عن أنس مرفوعا: طوبى لمن رآني (الحديث)، ثم قال: و «جسر» هو ابن فرقد، ضعفه ابن معين والنسائي (١).
ثم ذكر العراقي شاهدين آخرين للحديث وبين ضعف كل منهما. فقال في أولهما: ورواه أحمد هكذا من حديث أبي أمامة، من رواية أيمن عنه، ثم قال: وأيمن هذا لا أعرفه (٢) فأشار إلى ضعف هذا الشاهد لجهالة «أيمن» المذكور، حسب علمه.
ولكن لا يسلم هذا للعراقي ﵀ فقد ذكر تلميذه ابن حجر «أيمن» هذا في اللسان وذكر تبعا للميزان وصفه بأنه شيخ مجهول، ثم قال: شيخنا في آخر أربعينه العشارية: لا أعرفه، ثم تعقب هذا فقال: قلت: وقد ذكره ابن حبان في الثقات فقال: هو أيمن بن مالك الأشعرى (٣)، ثم ذكر ابن حجر أن حديثه الذى معنا وهو «طوبى لم رآني» قد اختلف فيه على همام على وجهين أحدهما: عن قتادة عن أيمن عن أبي أمامة، والثاني: عن قتادة عن أيمن عن أبي هريرة، وذكر أن ابن حبان أخرج في صحيحه الحديث بالوجهين وصححهما، ولم يذكر الحافظ ولا غيره جرحا في «أيمن بن موسى»
стр. 1977
هذا (١) فمقتضى قاعدة التعديل الفعلى التى أقرها العراقى خلال هذا الكتاب نفسه، كما قدمت، وأقرها غيره كما قدمت أيضا، يكون أيمن هذا بناء على تصحيح ابن حبان لحديثه منفرداً، معروف العين والحال عنده، دون معارض، ويكون حديثه الذى معنا حسنا لذاته، وليس ضعيفا كما أشار العراقى، وقد قال رفيقه الهيثمى عن رواية أحمد التى من طريق أيمن: رجالها رجال الصحيح غير أيمن بن مالك الأشعرى، وهو ثقة (٢) ولا يطعن هذا في قاعدة التعديل الفعلى، ولكن يتعقب العراقى بعدم تطبيقه لها في هذا الموضع كما طبقها في غيره، مما تقدم، ويبدو أنه ﵀ لم يقف على الحديث في صحيح ابن حبان، بدليل أنه لم يعزه إليه، في حين وقف عليه تلميذه ابن حجر، فتعقب شيخه وغيره في وصف «أيمن» بالجهالة، وأقر تصحيح ابن حبان للحديث من طريقه.
أما الشاهد الثانى: فقد ذكره العراقى بقوله: ورواه - يعنى أحمد في مسنده - من حديث أبى سعيد الخدري نحوه، من رواية ابن لهيعة عن دراج عن أبى الهيثم عن أبى سعيد (٣).
وفي إسناده كما ترى رواية ابن لهيعة له بالعنعنة، ورواية دراج أبي السمح عن أبي الهيثم فيها ضعف كما في التقريب (٤) وبذلك يكون هذا الشاهد ضعيفا.
стр. 1978
فإذا مشينا على عدم تعقب العراقى في تضعيفه رواية «أيمن بن موسى» نجد أنه بمجموع ما ذكره لهذا الحديث من المتابعات الأربعة والشاهدين، أشار إلى أنه يتقوى إلى درجة الحسن لغيره، حيث إنه صدر كلامه عن هذا الحديث والذي بعده بقوله: (في الثاني منهما نظر) ومعناه أن أولهما وهو حديث أنس هذا ليس في قبوله نظر عنده.
كما أن للحديث متابعة خامسة لم يذكرها العراقي (١).
وقد كان الأولى من إشارة العراقى هذه المجملة إلى قبول الحديث بمجموع ما ذكره له من متابعات وشواهد، أن يصرح بتحسينه لغيره على الأقل، لتوافر ما يحقق شرط الحسن لغيره في طرقه كما تقدم.
لكن قد مر بنا في بيانه لدرجات الأحاديث في كتابه (المغنى عن حمل الأسفار) أنه كان يفعل مثل هذا أيضا، فيذكر من طرق الحديث ما يرقيه إلى الصحة أو الحسن لغيره، ويترك استنتاج ذلك للقارئ الخبير. وقد أفادنا العراقي بهذا التطبيق العملى أن تلك الطرق الثلاثة التي ضعفها يسير في تقديره، يرتقى الحديث ولو بواحد منها، عن درجة الضعف اليسير التي أوصله إليها متابعة جماعة المتهمين، إلى درجة الحسن لغيره، فأصبح ليس في قبوله نظر.
ولا يعكر على هذا ما سبق تعقب العراقى فيه من كون أحد الشاهدين اللذين ذكرهما للحديث يترجح أنه حسن لذاته، فإن هذا تعقب جزئى لا يقدح في أصل ما أفاده تطبيق العراقي هنا، واتفق معه غيره في مثله، من أن الطرق الكثيرة التي لا يصلح كل منها بمفرده للاعتبار، وإن لم يتقو مجموعها إلى
стр. 1979
درجة الاحتجاج، لكنه يتقوى إلى درجة الضعف اليسير الذي يصلح للاعتبار.
وبهذا يمكن التوفيق بين من يقول: إن مثل هذه الطرق، ولو كثرت فلا تجبر مثلها ولا تنجبر به، لشدة ضعف كل منها.
وبين من يقول: إنها تجبر وتنجبر، فيحمل القول الأول على نفى الجبر والانجبار بالمثل إلى درجة الحجية، ويحمل القول الثاني على إثبات الجبر والانجبار بالمثل من أضعف إلى ضعيف يعتبر به فقط.
أما الحديث الثانى التساعي الذي قال العراقي: إن فيه نظرا، وهو يعتبر الحديث الثالث والأخير من التساعيات التي زادها على الأربعين العشارية، فقد رواه من طريق الطبراني أيضا قال: أخبرنا عبيد الله بن رماحس القيسي، برمادة الرملة سنة ٢٧٤ قال: حدثنا أبو عمرو زياد بن طارق - وكان قد أتت عليه (١٢٠) سنة قال: سمعت أبا جرول زهير بن صرد الجشمي يقول: لما أسرنا رسول الله ﷺ يوم حنين (الحديث) بقصته، وشعره، قال الطبراني: لم يرو عن زهير بن صرد بهذا التمام إلا بهذا الإسناد، تفرد به عبيد الله بن رماحس (١).
ثم قال العراقي: هذا حديث غريب، أخرجه الطبراني هكذا في معاجمه الثلاثة، وشيخه عبيد الله بن رماحس، روى عنه جماعة منهم أبو سعيد بن الأعرابي، ثم قال: قال أبو عبد الله الذهبي في الميزان: ما رأيت للمتقدمين فيه جرحا، وما هو من المعتمد عليهم، ثم نقل عن الذهبي أيضا قوله: ثم رأيت الحديث الذي رواه - يعنى حديثنا هذا - له علة قادحة، قال أبو عمر بن
стр. 1980
عبد البر، في شعر زهير - يعنى الذى في هذا الحديث -: رواه عبيد الله بن رماحس عن زياد بن طارق، عن زياد بن صرد بن زهير عن أبيه عن جده زهير بن صرد، فعمد عبيد الله إلى الإسناد فأسقط رجلين منه، وما قنع بذلك حتى صرح أن زياد بن طارق قال: حدثني زهير، ثم نقل العراقي عن الذهبي قوله: زياد ابن طارق، نكرة، لا يُعرف، تفرد عنه عبيد الله بن رماحس، ثم قال: وإنما ذكرت هذه الأحاديث التساعية، لبيان أمرها، خصوصا هذا الأخير الذي فيه إسقاط رجلين، ثم أشار إلى انتقاد كل من: الحافظ الشريف الحسيني، لايراد هذا الحديث في ثمانيات النجيب، وأبو الفتح ابن سيد الناس اليعمري، لا يراده في ثمانيات «مؤنسة خاتون» وسباعياتها (١).
ومن كلام العراقي هذا على الحديث يظهر معنى إشارته السابقة إلى أن فيه نظراً، ففي سنده ما يقتضى ضعفه سواء من جهة إعضاله بسقط راويين، أو من جهة ضعف عبيد الله بن رماحس، وجهالة زياد بن طارق مع التفرد عن المتابع والشاهد.
لكن تلميذ العراقي الحافظ ابن حجر تعقبه في هذا، حيث أخرج الحديث نفسه في أول الأربعين العشارية له، وذلك من طريق الطبراني، به، ثم قال: هذا حديث حسن غريب، وعزاه إلى ابن قانع في معجم الصحابة له عن عبد الله ابن على الخواص عن عبيد الله - يعنى ابن رماحس - شيخ الطبراني. وإلى الضياء المقدسي في المختارة، من طريقين عن الطبراني، عن عبيد الله بن رماحس، به، وذكر قول الضياء عقب الحديث: «زهير» لم يذكره البخاري.
стр. 1981
ولا ابن أبي حاتم في كتابيهما، ولا زياد بن طارق، وقد روى محمد بن إسحق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده نحو هذه القصة والشعر، وساقه من طريق الطبراني بتمامه (١) وعقب الحافظ على ذلك، فقال: قلت: ولا أعلم للحافظ ضياء الدين في تصحيحه سلفا، لكن رواته لم يجرحوا، وقد صرح كل منهم بالسماع من شيخه، فهو فرد غريب، لا وجه لتضعيفه، ثم ذكر ما تقدم نقل العراقي له في تضعيف الحديث من كلام ابن عبد البر والذهبي، ووصفه بأنه تحكم بلا دليل، ورده من جانبه هو بالدليل، ثم ذكر كلام شيخه العراقي بإقراره لما ذكره كل من ابن عبد البر والعراقي، وتقدم لكل من الشريف الحسيني وابن سيد الناس، وقال: إنه قلد في ذلك الحافظ أبا عبد الله الذهبي (٢).
لما تعرض الحافظ ابن حجر لهذا الحديث أيضا في عدد من كتبه (٣) وتوسع أكثر في اللسان (٤) فبين طرق الحديث ورد إعلال كل من ابن عبد البر والذهبي له، وكذا في الأربعين المتباينة بشرط السماع (٥) وفيهما بين أن الحديث حسن لغيره بشاهده الذي رواه ابن إسحق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده،
стр. 1982
ويفهم ذلك أيضا من كلامه في الفتح (١).
أما في الأربعين العشارية له فقال: حسن غريب، وهو فرد غريب لا وجه لتضعيفه (٢) وهذا يفيد تحسينه لذاته.
وعلى أى من القولين، يكون اقتصار العراقي على الحكم يضعف هذا الحديث مطلقا، مردود، لرد ما ضعفه لأجله، كما تقدم، وقول الحافظ ابن حجر: إنه فرد غريب، يرده ما ذكره الحافظ نفسه من شاهده الذي رواه ابن إسحق كما تقدم.
د - إشارته إلى الحديث الموضوع، وذكر بعض رواته، ونقده لمن يفرح بمواليهم.
أما الحديث الموضوع فلم يذكر العراقي شيئا منه في هذا الكتاب، بل أشار صراحة إلى استبعاده فقال: واجتنبت إيراد رواية من عرف بالكذب، كأبى هدبة، وموسى الطويل، ودينار الحبشى، ويغنم بن سالم والأشج، وهؤلاء الضرب الذين لا يفرح بمواليهم، إلا من غلبت عليه غباوة جهله (٣).
وقد أعاد ذكر هؤلاء الرواة الخمسة في الكلام على الحديث التساعي الذي رواه من طريق أحدهم وهو دينار الحبشى، وذكر متابعة: كل من: يغنم وأبو هدبة، وموسى الطويل له، كما تقدم، وذكر أنهم كذابون متهمون بالوضع (٤).
стр. 1983
ولا يعتبر ذكره هذا الحديث من طريقهم إخلالا بشرطه في اجتناب رواية هؤلاء وأمثالهم، لأن هذا ليس من الأربعين العشارية التي هي الموضوع الأصلي للكتاب، ولكنه من التساعيات التي زادها للفائدة فقط، ثم إن هذا الحديث لم يتفرد به دينار الحبشى، بل وجد له متابعات وشواهد، ذكر منها العراقي ما يرقيه إلى الحسن لغيره، ولذلك قرر العراقي نفسه أنه ليس في قبوله نظر، كما قدمت توضيحه.
أما ما تفرد به بعض هؤلاء الموصوفين بالكذب، وأمثالهم، فبين أنه يوجد من طريقهم أحاديث تكون بالنسبة له ولأقرانه أعلا إسنادا، فتكون تساعية مثلا، ولكن لا يصح سندها، ثم يقول: ولا فائدة في العلو مع عدم الصحة (١) ويقول إن هؤلاء الرواة المعروفين بالكذب، وأضرابهم، لا يفرح بعواليهم إلا من غلب عليه غباوة جهله بقواعد النقد، وبخطورة الكذب على رسول الله ﷺ (٢).
وقد ذكر ممن وقع منه ذلك معاصريه اثنين هما: الحافظ الشريف عز الدين الحسيني (المتوفى سنة ٧٦٥ هـ) في كتابه «ثمانيات النجيب الحراني»، والحافظ أبو الفتح ابن سيد الناس اليعمري (المتوفى سنة ٧٣٤ هـ) في كتابيه «ثمانيات المسندة» مؤنسة خاتون بنت الملك العادل (٣) وسباعياتها (٤).
وذكر أيضا الحافظ ابن حجر أن شيخه وقرين العراقي، سراج الدين بن الملقن (المتوفى سنة ٨٠٤ هـ) كان عنده عوالى كثيرة، ومع ذلك فقد
стр. 1984
عقد مجلس الإملاء، فأملى الحديث المسلسل بالأولية ثم عدل إلى أحاديث «خراش» (١) وأضرابه من الكذابين، فرحا بعلو الإسناد، وعقب ابن حجر على ذلك بقوله: وهذا مما يعيبه أهل النقد، ويرون أن النزول أولى من العلو في هذا الموضع، إذا كان العالى من رواية الكذابين، وذلك لأنه عندهم كالعدم (٢).
وعبارة العراقي السابقة بأنه لا يفرح بعوالى الكذابين إلا من غلبت عليه غباوة جهله، تعتبر شدة في النقد لم نعهدها منه، والمحمل المناسب لها هو ما وصف به من الشدة في الحق، كما تقدم في دراسة شخصيته، ويتفق موقفه هذا مع ما قرره النقاد المعتبرون من قبله ومن بعده، من أن العبرة في العلو مع قلة عدد رجال الإسناد، سلامتهم من تعمد الكذب أو الاتهام به، كما أشار الحافظ ابن حجر في عبارته السابقة.
خامسا: من القواعد والفوائد وآراء العراقي خلال الكتاب.
خلال ما تقدم من عناصر منهج العراقى في هذا الكتاب، ذكرت بعض القواعد والتطبيقات التي أوردها العراقي تبعا لما يتعلق بها من مشتملات الكتاب، وهنا سأورد بعض النماذج الأخرى لقواعد وفوائد وآراء أشار إليها العراقي أيضا خلال الكتاب، حتى يستفاد بها فيما يماثلها.
فمن ذلك: جمعه بين أوجه الاختلاف من الثقات على الراوى الثقة الذي يكون عليه مدار طرق الحديث، وذلك بحمل الخلاف على تعدد شيوخ المدار،
стр. 1985
وبالتالي صحح الطرق المختلفة للحديث. فقد روى الحديث السابع من طريق محمد بن عبد الله الأنصاري عن حميد الطويل عن أنس بن مالك ﵁ أنه كان ابن لأم سليم يقال له: أبو عمير، كان النبي ﷺ يمازحه (الحديث). وقال: هذا حديث صحيح، أخرجه الإمام أحمد في مسنده عن محمد بن عبد الله الأنصاري، ثم قال: ورواه النسائي في سننه الكبرى، في عمل اليوم والليلة، عن عمران بن بكار البراد الحمصي، عن الحسن بن خمير عن الجراح بن مليح عن شعبة عن محمد بن قيس عن حميد، بنحوه. ثم قال: وقد اختلف في هذا الحديث على شعبة، فرواه الجراح بن مليح والد وكيع، عنه. يعنى عن شعبة - هكذا وخالفه آدم بن أبي إياس، وعبد الله ابن إدريس الأودي، ويزيد بن زريع، فرووه عن شعبة عن أبي التياح - واسمه - يزيد بن حميد الضبعي - عن أنس. وعزاه إلى الأئمة الستة خلا أبا داود، من رواية شعبة، هكذا وقال: وهو المحفوظ. ثم قال: ورواه سعيد بن عامر عن شعبة عن قتادة عن أنس، وعزاه إلى النسائي في اليوم والليلة أيضا. ثم قال: ورواية الأنصاري - يعنى التي رواها العراقي بسنده كما تقدم - له عن حميد عن أنس صحيحة (١). فأصبح هناك تعارض في ظاهر الأمر بين حكمه هذا بصحة الوجه المخالف لأكثر الثقات، وبين وصفه ما رواه أكثر الثقات بأنه هو المحفوظ، وتصحيح الشيخين وغيرهما له.
стр. 1986
وقد اقتصر المزى هنا على الأخذ بقاعدة الترجيح بالأكثر، فوصف روايتهم بأنها هي المحفوظة (١) ومقتضاه إعلاله للوجه المخالف الذي صححه العراقي، وذلك لكونه مخالف للمحفوظ، فيكون شاذا، وإن كان رجال إسناده ثقات.
لكن العراقي بين أنه يمكن دفع هذا التعارض الظاهري والشذوذ، بالجمع بين وجهى الخلاف، وذلك بحمله على تعدد شيوخ شعبة، وتعدد تحديثه عنهم، فيكون الكل محفوظا.
وذلك أنه بعد الحكم بصحة رواية الأنصارى، قال: ولا مانع أن يكون لشعبة فيه ثلاثة شيوخ، فحدث به مرة عن هذا، ومرة عن هذا، ومرة عن هذا، والله أعلم (٢).
وقد أخذ تلميذه ابن حجر بهذا الجمع، دون عزوه لشيخه العراقي أو لغيره (٣).
٢ - ويلاحظ أنه خلال تخريج العراقى لوجوه الخلاف في هذا الحديث، عزا بعضها إلى (عمل اليوم والليلة للنسائي)، وقرر أن هذا الكتاب يعتبر من كتب سننه الكبرى، وهذا يرد ما يظنه بعض المشتغلين بالحديث من أن هذا كتابا مستقلا عن السنن، متابعة منهم لصنيع المزى في تهذيب الكمال، حيث أفرده برمز خاص، دون بيان وجه لذلك، كما قال الحافظ ابن حجر (٤) وقد كرر العراقي صنيعه هذا أيضا في تخريج الحديث (١٣)(٥).
стр. 1987
٣ - لما أخرج الحديث (١٣) من طريق أبى بكر بن عياش، بين خلاصة حاله كما قدمت، ثم تعرض لمبحث آخر، وهو تحقيق الخلاف في اسم هذا الراوى، فقال: وقد اختلف في اسمه على ثلاثة عشر قولا، فقيل اسمه شعبة، وصححه أبو زرعة الرازى، وقيل اسمه سالم، وقيل عبد الله، وقيل غير ذلك، ثم قال: والصحيح أن اسمه كنيته، صححه ابن حبان (١) وابن عبد البر (٢) وابن الصلاح (٣) والمزى (٤) والذهبي (٥).
فيلاحظ أنه مع ذكر مجمل الأقوال، ذكر تصحيح من قبله لوجهين، ثم رجح منهما ما صححه الأكثرون.
٤ - في الحديث رقم (٢٠) ذكر العراقي أن والد «سُحَامة» أحد رواة الحديث، قد اختلف في تسميته، وأن ابن حبان سماه «عبد الرحمن» ثم قال: وهكذا قال ابن أبى حاتم عن أبيه فيما صدر به كلامه، ثم ذكر أن ابن أبى حاتم قال أيضا: وقيل عبيد الله (٦).
فتقريره أن ابن أبى حاتم صدر كلامه بما يوافق ما ذكره ابن حبان، وذكره القول الثانى في التسمية بعبارة «قيل»، يعتبر استنتاجا منه لكون ابن أبى حاتم يرجح التسمية (بعبد الرحمن) التى ذكرها ابن حبان، ويضعف القول الثاني بأن اسمه «عبيد الله».
стр. 1988
وهذا تطبيق من العراقي لقاعدة قررها وطبقها أيضا في نكته على ابن الصلاح، كما تقدم في موضعه (١) وهي: أن تصدير العالم كلامه بأحد الآراء يفيد ترجيحه له على غيره، وقد زاد هنا فبين أمرا آخر وهو: أن حكاية أحد الأقوال بلفظ «قيل» يفهم منه تضعيفه إذا وجدت قرينة مؤيدة، مثل قرينة التصدير بالقول المخالف.
وبذلك يفهم من مجموع ما ساقه العراقى عن الخلاف في اسم والد «سحامة» هذا أنه يرجح كونه «عبد الرحمن»، استنتاجا من صنيع ابن أبى حاتم في ذكر الخلاف في هذا وتطبيق بعض قواعد الترجيح في هذا، فيمكننا الاستفادة من هذا فيما يتناسب معه من مواقع اختلاف الأقوال، وقد مشى الحافظ ابن حجر على مقتضى هذا الترجيح في ترجمة «سحامة» في التهذيب ٣/ ترجمة (٧٤٩) ولكنه عكس في التقريب/ ترجمة (٢٢١١).
٥ - اعتباره قول النسائي في الراوى: «لا بأس به» أنه توثيقا له عنده، مع ما هو معروف من أن النسائي يستعمل في التوثيق اللفظ الصريح في ذلك، وهو لفظ ثقة. فقد ذكر العراقي الأقوال في حال «اسماعيل بن موسى الفزاري» ومما ذكره قوله: «ووثقه النسائي، فقال: ليس به بأس» (٢) ولم أجد تصريحا من النسائي بأنه يقصد بهذا اللفظ التوثيق، وقد ذكر هذا اللفظ عنه كل من المزى (٣) والذهبي (٤) وابن حجر (٥) ولم يذكروا أنه يعتبر توثيقا عنده، فيعتبر هذا
стр. 1989
إستنتاجا من العراقي، يفيدنا به أن التوثيق عند النسائى مراتب، فمنه مرتبة يصرح فيها بلفظ: «ثقة» ومنه مرتبة يصف الراوى فيها بأنه «ليس به بأس» فيكون توثيقا أدنى من الصريح، فيستفاد من تفاوته هذا عند الاختلاف في حال الراوى، كما يستفاد بذلك في تقدير حال الراوى عند النسائي حين يصفه بهذه اللفظة وحدها.
٦ - روى العراقي الحديث رقم (١٨) بسنده إلى عكراش بن ذؤيب أن قومه بعثوه بصدقاتهم إلى رسول الله ﷺ فقدم المدينة ولقى الرسول ﷺ وسلمه الصدقات (الحديث). وقد علق العراقى على هذا الحديث بذكر الخلاف في آخر من مات من الصحابة مطلقا، في جميع بلاد الإسلام، مع بيان الراجح والمرجوح من ذلك بالدليل، وقد أفاض في تناول هذا الموضوع بنحو صفحتين (١).
وقد تناول العراقي هذا المبحث نفسه في كتاب سابق على هذا الكتاب، وهو التقييد والإيضاح (٢)، وما ذكره هنا متقارب مع ما ذكره هناك، فلعله أعاده هنا مراعاة لمن تلقوا عنه هذا الكتاب في مجالس إملائه بالمدينة النبوية لكونهم من الغرباء الوافدين من مختلف الأقطار، وقد لا يكون توافر لهم كتابه الآخر الذي بين فيه ذلك.
ولما كان هذا المبحث لم أتعرض له في دراسة كتاب التقييد والإيضاح، فإنه يمكن هنا بيان أهم ما يستفاد منه من تقعيد وآراء للعراقي في هذا الموضوع.
فقد ذكر صحبة صحابي هذا الحديث وهو عكراش بن ذؤيب، ثم ذكر أن
стр. 1990
ابن قتيبة (الدينوري) ذكر في كتابه المسمى بـ «المعارف» (١) أن عكراشا هذا حضر مع علي ﵁ وقعة الجمل، وأن عليا مسح على رأسه، وأن عكراشا عاش بعد ذلك مائة سنة (٢).
وذكر أن ابن دريد ذكر هذا في كتابه المسمى «الاشتقاق» (٣) وأنه أخذه مما ذكره ابن قتيبة في كتابه «المعارف» وأن بعض المتأخرين على ابن دريد احتج بهذا في اعتراض له على ابن الصلاح في قوله في كتاب علوم الحديث له: إن آخر الصحابة موتا على الإطلاق هو أبو الطفيل عامر بن واثلة، مات سنة ١٠٠ هـ، وبنى اعتراضه على ما يستنتج من قول ابن دريد: إن عكراشا عاش بعد موقعة الجمل مائة سنة، فيكون هو آخر الصحابة موتا على الإطلاق، وليس أبا الطفيل، كما ذكر ابن الصلاح.
ثم تصدى العراقي لرد هذا الاعتراض، فقال: وهذا مردود، إجماعا، وابن دريد لا يعتمد عليه في ذلك، وإنما حكى حكاية بغير إسناد، محتملة للتأويل، ثم ذكر كذلك أن ابن قتيبة حكى هذا بغير إسناد، ثم ذكر دليل الإجماع فقال: وقد أجمع أهل الحديث أن أبا الطفيل آخر من مات من الصحابة، وذكر خمسة من الأئمة النقاد قرروا آخرية وفاة أبي الطفيل مطلقا، وقال: وغيرهم، ثم قال: ولم أر لغيرهم خلاف ذلك إلا عن جرير بن حازم، فإنه قال: آخرهم موتا سهل بن سعد ثم قال: وكأنه أخذه من قول سهل بن سعد: لو مت لم تسمعوا أحدا يقول: قال رسول الله ﷺ ، وإنما كان خطاب سهل.
стр. 1991
ابن سعد لأهل المدينة، وإنما أراد جرير بن حازم ذلك - يعنى آخرية من مات بالمدينة فقط، بدليل أن وهب بن جرير بن حازم روى عن أبيه قال: كنت بمكة سنة ١١٠ هـ، فرأيت جنازة فسألت عنها فقالوا هذا أبو الطفيل.
قال العراقي: وقد مات سهل قبل ذلك بمدة طويلة، وأكثر ما قيل في موته أنه سنة ٩١ هـ، فعلى هذا يكون الإجماع (واقعا) (١) على أن آخرهم موتا أبو الطفيل، وإنما اختلفوا في سنة وفاته، ثم ذكر ثلاثة أقوال أخرى، ثالثها أنه سنة ١١٠ هـ وقال: وصححه أبو عبد الله الذهبي في الوفيات.
ثم قال: والدليل على كذب من ادعى أنه بقى بعد سنة ١١٠ هـ قوله ﷺ في الحديث الصحيح، في السنة التي مات فيها: أرأيتكم ليلتكم هذه على رأس مائة سنة منها، لا يبقى أحد على وجه الأرض، وعزا الحديث إلى البخاري في صحيحه، ثم قال: فعلى هذا لم يبق أحد بعد سنة ١١٠ هـ.
ثم قال: وكيف يظن عاقل أنه يعيش واحد من الصحابة إلى بعد الثلاثين ومائة في بلد من البلاد أو فى حى من الأحياء، ولا يعرف به أحد من أهل العلم، ولا يقصده أحد من أهل الحديث، ولا يسمع منه أحد، وإنما انفرد عنه ابنه عبيد الله بالرواية، هذا ما لا يقع في الذهن إمكانه، مع حرص أهل العلم على طلب الصحابة والسماع منهم، والله أعلم (٢).
فمن خلال هذا المبحث يستفاد الآتي: -
أولا: إشارة العراقي إلى أن المتأخر إذا ذكر قولا موافقا لقول غيره ممن سبقه، فيمكن اعتباره مستفيدا ذلك ممن سبقه، ولو لم يصرح المتأخر بأخذه من
стр. 1992
المتقدم، وذلك لأن جرير بن حازم لم نجد تصريحه بأخذ قوله مما يفيده قول سابقه سهل بن سعد، وكذلك ابن دريد (سنة ٣٢١ هـ) لم يصرح بأنه أخذ ما ذكره من قول سابقه ابن قتيبة (٢٧٦) هـ ولا من غيره (١).
وهذه الإشارة من العراقي، قد أقرها وأخذ بها الكثير من العلماء والباحثين، قديما وحديثا في إثبات التأثير والتأثر بين السابق واللاحق من العلماء، والمدارس العلمية (٢) وإن تفاوتت الأنظار في ذلك.
ثانيا: أهمية الاختصاص في تقدير آراء العلماء، فلا يعتد بقول المخالف إذا لم يكن من أهل الاختصاص المتعلق بهذا القول، وإن كان له مكانته المعروفة في غير هذا الاختصاص، كابن قتيبة، وابن دريد، فلم يعتد بقولهما المخالف في مبحث الصحابة المذكور، وإن كان لكل منهما منزلته العلمية في غير ذلك.
ثالثا: أن العلم المستفاد من المرويات يتوقف قبوله على ثبوت إسناد له يعول عليه، فإذا ثبت الإسناد، وتعارض مضمون المتن مع مساويه في القوة، فينظر في محمل معتبر لمضمونه يمكن على ضوئه الجمع بين المتعارضين في الظاهر، وذلك أن العراقي انتقد ما ذكره ابن قتيبة وابن دريد بعدم ذكر إسناد لما حكياه، مع كونه من باب الرواية، ثم ذكر أنه لو فرض وجود سند معتبر لما ذكراه، فإنه يمكن حمل القول بأن عكراشا عاش بعد الجمل مائة سنة، على معنى أنه عمره كله، وتم بالفترة التي بعد الجمل مائة سنة، وبذلك يتفق مع القول المجمع عليه بأن آخر الصحابة موتا على الإطلاق هو أبو الطفيل، ويندفع بذلك التعارض بينهما.
стр. 1993
وأيضا بعد ثبوت سند قول سهل بن سعد، أمكن حمله على من خاطبهم به، وهم أهل المدينة النبوية فقط، فلا يعارض الآخرية العامة لوفاة أبي الطفيل، ولا ينقضى الإجماع على ذلك، كما لا ينقضه الخلاف في تحديد سنة وفاة أبي الطفيل، كما سبق.
رابعا: أن الصحيح من الأقوال قد يخالف المشهور منها، فقد ذكر العراقي أن القول المشهور في وفاة أبي الطفيل هو سنة مائة، ثم حكى قولا آخر بأنه بقى إلى سنة ١١٠ هـ، وذكر تصحيح الذهبي له، وأقره.
خامسا: أن المسائل النقلية ينبغى العناية بما يؤيدها من الشواهد الواقعية المعقولة، كما أشار إلى ذلك العراقى في إتباعه الرواية التي صح سندها بقوله: «وكيف يظن عاقل أنه … الخ».
٧ - من أنواع تحمل الحديث المعتد بها في اتصال الإسناد، تحمله بالإجازة، ولكنها أقل درجة من السماع من لفظ الشيخ ومن القراءة عليه، فتعتبر مرتبة ثالثة من أنواع التحمل، ولها عدة أنواع بلغ بها العراقي وغيره تسعة أنواع (١).
وذكر العراقي أن النوع الثالث منها: الإجازة بتعميم المجاز له، وتعرف بالإجازة العامة، حيث يقول المجيز: أجزت لجميع المسلمين، أو لمن أدرك زماني، أو لكل أحد، ونحو ذلك، أن يروى عنى جميع مروياتي، أو يحدد بعضها، وهذا النوع كما ترى فيه توسع ظاهر، ولذلك اشتد الخلاف فيه فأجازه جماعة ورووا به، ورده جماعة أكثر، كما فصله العراقي
стр. 1994
وغيره (١) وقال العراقى في شرحه للألفية: وقد قرأت بها عدة أجزاء على الوجيه عبد الرحمن العوفي بإجازته العامة من عبد اللطيف القبيطي، وأبي إسحق الكاشغري، وابن رواج والسبط - يعنى سبط السلفي - وآخرين من البغداديين والمصريين، ثم قال: وفي النفس من ذلك شيء، وأنا أتوقف عن الرواية بها، ثم أجاب عن تحمله بها فقال: وأهل الحديث يقولون إذا كتبت فقمش - أي اجمع جمعا عاما - وإذا حدثت ففتش - أى تخير وانتق ما تحدث به (٢) وفي (التقييد والإيضاح) ذكر ممن قرأ بها شيخه العلائي على أبي العباس بن نعمة بإجازته العامة من داود بن معمر الفاخر، ثم قال: وبالجملة ففى النفس من الرواية بها شيء، والاحتياط، ترك الرواية بها، والله أعلم (٣).
لكن في هذا الكتاب تعدد صنيع العراقي، ففي بداية تأليفه له وإملائه، وقراءته عليه بالمدينة حتى جمادى الأولى سنة ٧٩١ هـ كما تقدم نجده قد روى فيه بالإجازة العامة في ثلاثة أحاديث، جميعها عن شيخه العوفي السابق ذكره له، وأولها من رواية العوفى عن ابراهيم بن عثمان الكاشغري إذنا عاما قال أخبرنا محمد بن عبد الباقي بن أحمد بن البطى وعلى بن عبد الرحمن بن محمد المعروف بتاج القراء قالا … الخ (٤).
والحديثان الآخران من رواية العوفى أيضا قال أخبرنا أبو القاسم عبد الرحمن
стр. 1995
ابن مكي بن عبد الرحمن بن أبي سعيد فيما أذن لنا عموما أن نروى عنه قال: أخبرني جدى لأمى الحافظ أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد السلفي … الخ (١).
وقد ذكر السخاوي صنيع العراقي هذا (٢) وذكره تلميذه ابن الجزري وعقب عليه بقوله: والعجب أنه قال في شرح ألفيته؛ وفي النفس من ذلك شيء وأنا أتوقف عن الرواية به (٣) ويبدو مما تقدم عن ظروف تأليف الكتاب وإملائه بالمدينة النبوية، أن العراقي اضطره إلى ذلك ضيق الوقت وبعده عن مكتبته الخاصة وغيرها، لكنه لما رجع إلى مصر حيث مكتبته الخاصة التي كانت غنية بالكتب والأجزاء الحديثية كما تقدم في التعريف بها، وكذلك وفرة المراجع الحديثية في المكتبات العامة بمصر آنذاك، مع شيء من سعة الوقت، كل ذلك ساعد العراقي على البحث في مرويات أخرى له عالية الإسناد، وخالية من الإجازة العامة، بل ومن الإجازة عموما؛ فعمل نسخة أخرى من هذه الأربعين وهي النسخة المصرية السابق ذكرها، فجاء فيها قيامه في ربيع الآخر سنة ٨٠٠ هـ بإلحاق حديثين بديلين عن حديثين مما فيه الرواية بالإجازة العامة، خاليين من الإجازة عموما (٤).
وفيها أيضا إبدال حديثين مشتملين على إجازة خاصة (٥).
стр. 1996
ولكنه رغم هذا بقى حديث واحد مروى بالإجازة العامة في النسخة المصرية كما هو في غيرها (١) وكذلك أبقى الحديثين اللذين ذكر بدلهما، كما هما لقصد الفائدة، فبهذا التغيير في النسخة المصرية، يتضح أنه تغير رأيه إلى جواز الرواية بالإجازة العامة عند الضرورة، فقط، فتكون حينئذ خيرا من إيراد الحديث بدون سند، وقد قررت هذا أيضا في الجمع بين قوله وصنيعه العملي، وذلك في دراستى السابقة لكتابه التقييد والإيضاح، وبنحو هذا قال تلميذه الحافظ ابن حجر (٢) وتبعه في هذا السيوطى (٣).
أثر الكتاب فيما بعده:
١ - من أهم آثار هذا الكتاب أنه حفظ لنا أنموذجا عمليا واضحا لإحياء سنة إملاء الحديث من حفظ المحدث، وإسماعه من لفظه، لمن حضر لتحمله عنه، كما فعل الرسول ﷺ مع صحابته، ثم صحابته فمن بعدهم إلى زمن …
٢ - أنه يعتبر أنموذجا محفوظا ومتداولا لاتصال أسانيد رواية الحديث، وخاصة بأعلا ما وجد في عصره من الأسانيد، ابتداء من مصدرها الأعلى، وهو الرسول ﷺ وصحابته الكرام، وانتهاء بمن تحمل هذا الكتاب عن العراقي في أواخر القرن الثامن الهجرى، من طلبة علوم السنة وروايتها من مختلف الأعمار، من الصبيان الصغار فمن هو أكبر منهم، ومن مختلف أقطار الاسلام شرقا وغربا ممن وفد على مشكاة النبوة بالمدينة المشرفة، كما أشار العراقي إلى ذلك في مقدمة الكتاب في قوله: «ورأيت أن أقدم قبل الأربعين،
стр. 1997
إملاء الحديث المسلسل بالأولية وإن لم يكن عشاريا، ليحصل التسلسل لمن ابتدأ السماع من الصبيان، والغرباء» (١).
٣ - أن الكتاب بعد إملاء العراقي له على من حضر مجالس الإملاء، صار ضمن مؤلفات علم الحديث الدراسية، فقرئ على العراقي، وسمعه طلابه منه أكثر من مرة، في المدينة النبوية في عدة مجالس بقراءة رفيقه نور الدين الهيثمي، كما تقدم في وصف نسخ الكتاب، وبيان منهج المؤلف فيه، وفي مصر قرئ الكتاب مرة أخرى عليه وسمعه جماعة وذلك بقراءة تلميذه البارز ابن حجر العسقلاني. وذلك في مجلس واحد في ١٢ شوال سنة ٧٩٦ هـ، وأجازهم كذلك، كما جاء بآخر نسخة دار الكتب المصرية السابق ذكرها. وأيضا كتبت من هذا الكتاب عدة نسخ خطية تداولها طلبة العلم والرواية كما تقدم في التعريف بنسخه الخطية.
وقد اتصل سند رواية أحاديث الكتاب إلى عصرنا الحاضر، كما أثبته الشيخ عبد الحي الكتاني في كتابه المعروف «فهرس الفهارس والأثبات» (٢).
٤ - قد استفيد من مضامين هذا الكتاب رواية ودراية، جملة وتفصيلا، وأظهر الأمثلة لتلك الإفادة ما حصل لأحد تلاميذ العراقي البارزين وهو محمد ابن محمد بن محمد بن على الدمشقى المعروف بابن الجزرى، شيخ القراء في عصره المتوفى سنة ٨٣٣ هـ (٣) وقد ألف كتابا في الأربعين العشارية الإسناد لنفسه، وقال في مقدمتها: وكان بعض شيوخنا من كبار الحفاظ ﵏.
стр. 1998
قد جمع أربعين حديثًا عشارية الإسناد، ولم يكن في عصره أعلا منه في أقطار البلاد، فرأيت أن أقتدي به في ذلك، لأني له في كبار شيوخه موافق ومشارك (١).
قال السخاوى: إن ابن الجزرى أشار بذلك إلى شيخه العراقي (٢) وقد كثرت إقامة ابن الجزري في بلاد فارس والروم (٣) وقد قال الحافظ ابن حجر: وقد أوقفنى بعض الطلبة من أهل تلك البلاد على جزء فيه أربعون حديثًا عشاريات - يعنى لابن الجزري - قال ابن حجر: فتأملتها، فوجدته خرجها بأسانيده من جزء الأنصاري وغيره، وأخذ كلام شيخنا - يعنى العراقي - في أربعينه العشاريات بفصه، فكأنه عمل عليها مستخرجا، بعضه بالسماع، وأكثره بالإجازة، ومنه ما خرجه شيخنا من جزء ابن عرفة، فإنه رواه عن ابن الخباز بالقراءة، فأخرجه ابن الجزرى عن ابن الخباز بالإجازة (٤).
وقال ابن حجر أيضا: وخرج - يعنى ابن الجزري - لنفسه أربعين عشارية، لقطها من أربعى شيخنا العراقي وغيرها، فيها أشياء، ووهم فيها كثيرًا، وقد بينت وهمه في كراسة (٥).
وقال السخاوى: إن ابن حجر كتب بخطه على العشاريات الأربعين التي خرجها ابن الجزري لنفسه: هذه قد انتزعها كلها من الأربعين العشارية
стр. 1999
لشيخنا أبي الفضل العراقي، إلا الحديث الحادي عشر، … . وساقه بسند ابن الجزري، ثم قال: وإيراد هذا في المشاريات غلط منه، ثم قال: ووقع له في خطبتها من الأوهام غير ذلك، والله المستعان (١).
ومن هذا يظهر مدى أثر كتاب العراقي في كتاب تلميذه هذا، جملة وتفصيلا.
وقد سبق أن ذكرت بعض ما نقله ابن الجزري في أربعينه هذا عن شيخه العراقي، وتعقيبه عليه.
ومن آثاره أيضا ما سبق من نقل الحافظ ابن حجر أيضا في كتابه لسان الميزان عن هذا الكتاب، وتعقيبه عليه.
وكذا نقله عنه في أربعينه المشارية مع التعقب كما قدمت. ولكن تلك التعقبات اليسيرة لا تغض من قيمة الكتاب وفوائده الحديثية، كما تقدم في دراسة الكتاب.
стр. 2000
ثانيا: تخريج العراقي للأربعين حديثا النووية
أ - نسبة الكتاب إلى العراقى، وبيان عدم الوقوف على تسميته:
اتفق عير واحد ممن ترجم للعراقي، خصوصا من هو من تلاميذه، على نسبة كتاب «تخرج أحاديث الأربعين النووية» إلى العراقي، ولم أجد من ذكر لهذا الكتاب اسما معينا (١) كالاسم الذي ذكره السخاوى لتخريج شيخه ابن حجر لكتاب الأربعين النووية هذا مثلا، كما سيأتي.
ب - التعريف بالكتاب إجمالا، وتاريخ تأليفه، وافتقاد نسخه حاليا.
ذكر غير واحد من تلاميذ العراقي وغيرهم أنه لما عُزل عن وظائفه في المدينة النبوية، أدى فريضة الحج، ثم عاد إلى مصر، وأقام بالقاهرة، وشرع في الأمالي الحديثية بها، من سنة ٧٩٥ هـ إلى أن مات، فأملى أولا أشياء نثريات، ثم أملى على الأربعين النووية تخريجا لها (٢).
وذكر ابن حجر أنه استملى على شيخه العراقى كثيرا من تلك الأمالي، وكتب بعضها، وأن شيخه كان يمليها من حفظه، متقنة محررة مهذبة، كثيرة الفوائد الحديثية (٣)، وتابع ابن حجر على هذا غيره (٤).