ولكنه رغم هذا بقى حديث واحد مروى بالإجازة العامة في النسخة المصرية كما هو في غيرها (١) وكذلك أبقى الحديثين اللذين ذكر بدلهما، كما هما لقصد الفائدة، فبهذا التغيير في النسخة المصرية، يتضح أنه تغير رأيه إلى جواز الرواية بالإجازة العامة عند الضرورة، فقط، فتكون حينئذ خيرا من إيراد الحديث بدون سند، وقد قررت هذا أيضا في الجمع بين قوله وصنيعه العملي، وذلك في دراستى السابقة لكتابه التقييد والإيضاح، وبنحو هذا قال تلميذه الحافظ ابن حجر (٢) وتبعه في هذا السيوطى (٣).
أثر الكتاب فيما بعده:
١ - من أهم آثار هذا الكتاب أنه حفظ لنا أنموذجا عمليا واضحا لإحياء سنة إملاء الحديث من حفظ المحدث، وإسماعه من لفظه، لمن حضر لتحمله عنه، كما فعل الرسول ﷺ مع صحابته، ثم صحابته فمن بعدهم إلى زمن …
٢ - أنه يعتبر أنموذجا محفوظا ومتداولا لاتصال أسانيد رواية الحديث، وخاصة بأعلا ما وجد في عصره من الأسانيد، ابتداء من مصدرها الأعلى، وهو الرسول ﷺ وصحابته الكرام، وانتهاء بمن تحمل هذا الكتاب عن العراقي في أواخر القرن الثامن الهجرى، من طلبة علوم السنة وروايتها من مختلف الأعمار، من الصبيان الصغار فمن هو أكبر منهم، ومن مختلف أقطار الاسلام شرقا وغربا ممن وفد على مشكاة النبوة بالمدينة المشرفة، كما أشار العراقي إلى ذلك في مقدمة الكتاب في قوله: «ورأيت أن أقدم قبل الأربعين،
стр. 1997
إملاء الحديث المسلسل بالأولية وإن لم يكن عشاريا، ليحصل التسلسل لمن ابتدأ السماع من الصبيان، والغرباء» (١).
٣ - أن الكتاب بعد إملاء العراقي له على من حضر مجالس الإملاء، صار ضمن مؤلفات علم الحديث الدراسية، فقرئ على العراقي، وسمعه طلابه منه أكثر من مرة، في المدينة النبوية في عدة مجالس بقراءة رفيقه نور الدين الهيثمي، كما تقدم في وصف نسخ الكتاب، وبيان منهج المؤلف فيه، وفي مصر قرئ الكتاب مرة أخرى عليه وسمعه جماعة وذلك بقراءة تلميذه البارز ابن حجر العسقلاني. وذلك في مجلس واحد في ١٢ شوال سنة ٧٩٦ هـ، وأجازهم كذلك، كما جاء بآخر نسخة دار الكتب المصرية السابق ذكرها. وأيضا كتبت من هذا الكتاب عدة نسخ خطية تداولها طلبة العلم والرواية كما تقدم في التعريف بنسخه الخطية.
وقد اتصل سند رواية أحاديث الكتاب إلى عصرنا الحاضر، كما أثبته الشيخ عبد الحي الكتاني في كتابه المعروف «فهرس الفهارس والأثبات» (٢).
٤ - قد استفيد من مضامين هذا الكتاب رواية ودراية، جملة وتفصيلا، وأظهر الأمثلة لتلك الإفادة ما حصل لأحد تلاميذ العراقي البارزين وهو محمد ابن محمد بن محمد بن على الدمشقى المعروف بابن الجزرى، شيخ القراء في عصره المتوفى سنة ٨٣٣ هـ (٣) وقد ألف كتابا في الأربعين العشارية الإسناد لنفسه، وقال في مقدمتها: وكان بعض شيوخنا من كبار الحفاظ ﵏.
стр. 1998
قد جمع أربعين حديثًا عشارية الإسناد، ولم يكن في عصره أعلا منه في أقطار البلاد، فرأيت أن أقتدي به في ذلك، لأني له في كبار شيوخه موافق ومشارك (١).
قال السخاوى: إن ابن الجزرى أشار بذلك إلى شيخه العراقي (٢) وقد كثرت إقامة ابن الجزري في بلاد فارس والروم (٣) وقد قال الحافظ ابن حجر: وقد أوقفنى بعض الطلبة من أهل تلك البلاد على جزء فيه أربعون حديثًا عشاريات - يعنى لابن الجزري - قال ابن حجر: فتأملتها، فوجدته خرجها بأسانيده من جزء الأنصاري وغيره، وأخذ كلام شيخنا - يعنى العراقي - في أربعينه العشاريات بفصه، فكأنه عمل عليها مستخرجا، بعضه بالسماع، وأكثره بالإجازة، ومنه ما خرجه شيخنا من جزء ابن عرفة، فإنه رواه عن ابن الخباز بالقراءة، فأخرجه ابن الجزرى عن ابن الخباز بالإجازة (٤).
وقال ابن حجر أيضا: وخرج - يعنى ابن الجزري - لنفسه أربعين عشارية، لقطها من أربعى شيخنا العراقي وغيرها، فيها أشياء، ووهم فيها كثيرًا، وقد بينت وهمه في كراسة (٥).
وقال السخاوى: إن ابن حجر كتب بخطه على العشاريات الأربعين التي خرجها ابن الجزري لنفسه: هذه قد انتزعها كلها من الأربعين العشارية
стр. 1999
لشيخنا أبي الفضل العراقي، إلا الحديث الحادي عشر، … . وساقه بسند ابن الجزري، ثم قال: وإيراد هذا في المشاريات غلط منه، ثم قال: ووقع له في خطبتها من الأوهام غير ذلك، والله المستعان (١).
ومن هذا يظهر مدى أثر كتاب العراقي في كتاب تلميذه هذا، جملة وتفصيلا.
وقد سبق أن ذكرت بعض ما نقله ابن الجزري في أربعينه هذا عن شيخه العراقي، وتعقيبه عليه.
ومن آثاره أيضا ما سبق من نقل الحافظ ابن حجر أيضا في كتابه لسان الميزان عن هذا الكتاب، وتعقيبه عليه.
وكذا نقله عنه في أربعينه المشارية مع التعقب كما قدمت. ولكن تلك التعقبات اليسيرة لا تغض من قيمة الكتاب وفوائده الحديثية، كما تقدم في دراسة الكتاب.
стр. 2000
ثانيا: تخريج العراقي للأربعين حديثا النووية
أ - نسبة الكتاب إلى العراقى، وبيان عدم الوقوف على تسميته:
اتفق عير واحد ممن ترجم للعراقي، خصوصا من هو من تلاميذه، على نسبة كتاب «تخرج أحاديث الأربعين النووية» إلى العراقي، ولم أجد من ذكر لهذا الكتاب اسما معينا (١) كالاسم الذي ذكره السخاوى لتخريج شيخه ابن حجر لكتاب الأربعين النووية هذا مثلا، كما سيأتي.
ب - التعريف بالكتاب إجمالا، وتاريخ تأليفه، وافتقاد نسخه حاليا.
ذكر غير واحد من تلاميذ العراقي وغيرهم أنه لما عُزل عن وظائفه في المدينة النبوية، أدى فريضة الحج، ثم عاد إلى مصر، وأقام بالقاهرة، وشرع في الأمالي الحديثية بها، من سنة ٧٩٥ هـ إلى أن مات، فأملى أولا أشياء نثريات، ثم أملى على الأربعين النووية تخريجا لها (٢).
وذكر ابن حجر أنه استملى على شيخه العراقى كثيرا من تلك الأمالي، وكتب بعضها، وأن شيخه كان يمليها من حفظه، متقنة محررة مهذبة، كثيرة الفوائد الحديثية (٣)، وتابع ابن حجر على هذا غيره (٤).
стр. 2001
ومما تقدم يتبين لنا الآتى: -
١ - أن تخريج العراقى للأحاديث الأربعين للنووى، كان ضمن أماليه الحديثية بالقاهرة، وكان ترتيبه فيها الثاني، بعد إملائه بعض المجالس النثرية، أى التى تتعلق بموضوعات متفرقة، حسب المناسبات والوقائع، مثل فضل العشر من ذي الحجة، ونحو ذلك مما وجد من تلك الأمالي، كما سيأتى في موضعه.
فبعد أن أملى العراقى عددا من تلك الأمالي في الموضوعات المتفرقة، أملى تخريج الأحاديث الأربعين التي ألفها الإمام النووى، والمعروفة بالأربعين النووية. وقد أملى العراقي تخريجها هذا في مجالس أسبوعية متوالية كل يوم ثلاثاء غالبا (١).
وكتاب الأربعين النووية هذا يعتبر من أشهر كتب الأربعينات، عموما، وأكثرها تداولا بين طلبة العلم وغيرهم، ولذا كثرت العناية بتخريج أحاديثه وشرحها.
وقد اختار النووى أحاديثه من جوامع كلمه ﷺ في الغالب، وهي ما قلت ألفاظه، وكثرت معانيه، والأحكام المستفادة منه، مثل حديث «بني الإسلام على خمس» (الحديث)، وعدة أحاديث الكتاب بالتحديد اثنان وأربعون حديثا (٢) وقد حذف الإمام النووى أسانيد تلك الأحاديث ما عدا الصحابي، واستعاض عن الأسانيد بعزو كل حديث إلى بعض مصادره التى فيها إسناده،
стр. 2002
كما ذكر درجة ما ليس في الصحيحين، صحة أو حسنا.
ومع هذا لاحظ العلماء من بعده حاجة الكتاب إلى زيادة تخريج لطرق أحاديثه، وألفاظها، حتى إن الحافظ ابن حجر مع اطلاعه على تخريج شيخه هذا، قد تصدى أيضا لتأليف تخريج لأحاديثه يسمى (تخريج الأربعين النووية بالأسانيد العلية)، وكذلك فعل السخاوى مع علمه بتخريج شيخه ابن حجر (١).
وقد بحثت كثيرا عن نسخة، أو بعض نسخة لكتاب العراقي هذا، أو حتى بعض نقول منسوبة إليه، فلم يتيسر لى شيء من ذلك، مع أن أماليه عموما - بما فيها هذا الكتاب - قد كتبت عنه في مجالس إملائه.
٢ - ولكن على ضوء ما ذكر عن أمالي العراقى فيما قدمته، وما وقفت عليه من بعض مجالسها، وكذا النظر في أمالي تلميذه ابن حجر المماثلة، يمكن تصور جهود العراقي في الكتاب، ومنهجه الاجمالي فيه، بأن الحديث الذي يذكره النووى في أربعينه من رواية صحابي معين، مثل عمر بن الخطاب، أو أبي هريرة ﵄، يقوم العراقى بتخريج هذا الحديث بطريقتين غالبا:
إحداهما: طريق الرواية بإسناده هو، فيسوقه عن شيوخه إلى صحابي الحديث الذي ذكر النووى الحديث عنه.
وثانيهما: تخريج الحديث نفسه بالعزو الإجمالي فقط، إلى بعض المصادر الأصلية، كما يتكلم عن درجة الحديث من الصحة وغيرها، عند الحاجة، ويذكر أيضا بعض ما يتعلق بالحديث من فوائد إسنادية أو متنيه، حتى يتحقق.
стр. 2003
ما تقدم من قول من حضرها وهو الحافظ ابن حجر: إن العراقي كان يمليها من حفظه متقنة محررة كثيرة الفوائد الحديثية.
وأيضا إملاء العراقي لها من حفظه سندا ومتنا، دليل على تمكنه الحديثي، وسلامة ذاكرته، واستيعابها الدقيق.
стр. 2004
ثالثا: تخريج أربعين حديثا من تساعيات البياني
١ - نسبة الكتاب إلى العراقي، وتحديد المراد «بالبياني» الذي يروي هذه التساعيات:
ذكر هذا الكتاب ضمن مؤلفات العراقي في علم التخريج، كل من أبن فهد المكى - والشيخ عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني.
فابن فهد قال في ترجمته للعراقي: له المؤلفات المفيدة المشهورة في علم الحديث، والتخاريج الحسنة، … ثم عدد مؤلفاته، وتخاريجه حتى قال: وأربعون تساعية، وعشرون ثمانية، كلاهما من رواية البياني (١).
وبمثل عبارة ابن فهد في ذكر هذين الكتابين ذكرهما الكتاني أيضا (٢).
وقد ذكر محقق ذيول تذكرة الحفاظ تعليقا على نسبة البياني هذا فقال: هو أبو محمد عبد الرحيم بن غنائم بن إسماعيل التدمري البياني (٣) وهذا خطأ لاشتراك البياني هذا مع صاحب تلك التساعيات في تلك النسبة، مع كون صاحب التساعيات، والثمانيات السابق ذكرهما شخص آخر هو أبو عبد الله محمد بن إبراهيم بن محمد بن أبي بكر، الأنصاري الخزرجي البياني المقدسي المتوفى سنة ٧٦٦ هـ.
وقد تقدم التعريف به عند ذكر ما ألفه العراقى أيضًا له من فهرست حافل.
стр. 2005
أو ذيل على مشيخته.
وقد تتلمذ له العراقي وولده أبو زرعة ابن العراقي (١).
وسيأتي أيضا ذكره بهذا الاسم في عنوان نسخة كتاب التساعيات إن شاء الله، مع نسبة تأليف الكتاب إلى العراقي.
٢ - ما وقفت عليه من نسخ الكتاب:
وقفت على نسخة خطية لهذا الكتاب بدار الكتب المصرية برقم (٤٣٣) حديث تيمور.
وعدد أوراقها (١١) ورقة، وعدد سطور الصفحات مختلف من ٢٣ سطرا، فأكثر، وخطها رقعة حديث، قليل النقط. ولم يذكر اسم الناسخ، ولا تاريخ النسخ، لكن فيها علامات توثيق أخرى، كما سيأتي توضيحه في بقية دراسة الكتاب.
٣ - عنوان النسخة: جزء فيه أربعون حديثا تساعيات الإسناد.
من مرويات الشيخ المسند أبي عبد الله محمد بن إبراهيم بن محمد بن أبي بكر بن أحمد بن يعقوب بن إلياس الأنصاري الخزرجي البياني المقدسي.
تخريج حافظ العصر أبي الفضل عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن العراقي - رحمه الله تعالى.
٤ - إسناد النسخة:
جاء بأول النسخة بعد البسملة والدعاء بالعون والتيسير، الآتى: -
стр. 2006
أخبرنا الشيخ الإمام العلامة زين الدين عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله ابن محمد الزركشى المصرى الحنبلى شفاها، أنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البياني الخزرجي، إجازة إن لم يكن سماعا لها أو لبعضها.
ثم ذكر الحديث الأول فالثاني، وهكذا.
فمن هذا الإسناد يتأكد لنا أن هذه الأربعين ليست رواية البياني أبي محمد عبد الرحيم، كما ظن محقق ذيول تذكرة الحفاظ، ولكنها رواية بياني آخر هو أبو عبد الله محمد بن إبراهيم، وقد ذكرت رواية الأربعين عنه بسماع بعضها وإجازة جميعها للعلامة زين الدين عبد الرحمن الزركشي، وقد ذكر ابن تغرى بردى في ترجمة أبي عبد الله البياني أن الزركشي هذا هو آخر من تأخرت وفاته ممن سمع على البياني المذكور (١).
٥ - موضوع الكتاب:
هو تخريج أربعين حديثا بإسناد تساعى، بمعنى أن يكون بين أبي عبد الله البياني وبين الرسول ﷺ تسعة أشخاص بما فيهم الصحابي، وقد زاد العراقي حديثا آخر في نهاية الأربعين - كما سيأتي، فأصبح عدد الأحاديث (٤١) حديثاً.
وقد مر معنا أن أعلا أسانيد العراقي الخالية من شدة الضعف هي العشارية، فلما كان البياني من شيوخ العراقي كما أسلفت فإن تساعياته تكون أعلا أسانيد أقرانه المقبولة، وأعلا منها ما يكون ثماني، وسيأتي الكلام عليها عقب كتاب التساعيات هذا.
стр. 2007
ومتون الأحاديث التساعيات هذه، متنوعة الموضوعات، منها ما يتعلق بالعقيدة، ومنها ما يتعلق بالطهارة، ومنها ما يتعلق بالصلاة ومنها ما يتعلق بالصوم ومنها ما يتعلق بالمعاملات ومنها ما يتعلق بالآداب.
٦ - منهج العراقي في الكتاب:
يعتبر منهج العراقي في هذا الكتاب مشابها لمنهجه في أربعينه العشارية، بمختلف عناصره التي سبق تفصيلها، سواء من ناحية المصادر أو التخريج أو بيان نوع العلو، أو درجات الأحاديث، وأحوال الرواة والأسانيد.
ولذلك لا أرى ضرورة لتكرير الكلام في هذا، لكن هناك بعض اختلافات في عناصر المنهج في الكتابين بحكم اختلاف موضوعهما، والأحاديث المخرجة في كل منهما، فيقتضى الأمر بيان ذلك، على النحو التالي:
أولا: المصادر المباشرة في هذا الكتاب ليست شيوخ العراقي، ولكن شيوخ شيخه أبي عبد الله البياني الذين روى عنهم هذه الأحاديث بسند تساعى كما قدمت توضيحه.
أما المصادر غير المباشرة وهي المصنفات الحديثية المشتملة على بقية أسانيد الأحاديث ومتونها، فمعظمها من المصادر التي أخذ العراقي منها عشارياته، وعزا إليها.
ثانيا: في الأربعين العشارية للعراقي جمع بين التخريج بالرواية بإسناده وبين التخريج بالعزو إلى المصادر الحديثية الأصلية، وذلك في أغلب الأحاديث أما هنا ففعل العكس، حيث اقتصر في أغلب الأحاديث على التخريج بالرواية بسند شيخه البياني فقط، فجمع بين نوعى التخريج في (١٥) حديثا فقط (١) من
стр. 2008
مجموع أحاديث الكتاب، وهي (٤١) حديثا.
ومع ذلك تميز تخريجه للخمسة عشر حديثا المشار إليها بأن منها أربعة أحاديث اقتصر في أربعينه العشارية على تخريجها بالرواية فقط في حين نجده قد خرجها في هذه التساعيات بالرواية والعزو إلى بعض المصادر (١).
ثالثا: بيانه لدرجات الأحاديث وأحوال الرواة، مع المقارنة والنقد.
أ - أشار العراقي في عشارياته - كما تقدم - إلى حرصه والتزامه فيها - مع علو الإسناد - بأن يكون صحيحا أو حسنا، وربما يكون ضعيفا غير شديد الضعف، لكنه هنا لم يلتزم بذلك، فأخرج الصحيح أو الحسن بنوعيه أو الضعيف فقط أو الضعيف الشديد الضعف، بل من في سنده بعض من قرر العراقي أنه اجتنب في أربعينه روايتهم، وأنه لا يفرح بعواليهم وأنهم ممن عرف بالكذب اتهم به، وهم: إبراهيم بن هدبة أبو هدبة، ودينار بن عبد الله الحبشي أبو مكيس، وموسى بن عبد الله الطويل، ويغنم بن سالم (٢) وزاد عليهم رواية يعلى بن الأشدق، وحاله مثل حالهم، ولا سيما فيما رواه عن عمه عبد الله بن جراد، وقد زعم أن لعمه هذا صحبة (٣).
والأربعة الأول من هؤلاء الخمسة قد أخرج العراقي من طريقهم بإسناد البياني
стр. 2009
ثمانية أحاديث، أغلبها بدون ذكر متابع (١).
أما الخامس وهو يعلى بن الأشدق فأخرج من طريقه تسعة أحاديث من روايته عن عمه عبد الله بن جراد مرفوعا.
ولم يذكر له متابعا على أى منها (٢).
وعقب عليها بذكر بعض الأقوال في حال يعلى بن الأشدق، مشيرا بذلك إلى درجة تلك الأحاديث التسعة المخرجة من طريق يعلى هذا فقال: ويعلى بن الأشدق يروى عن عمه عبد الله بن جراد عن النبي ﷺ - أحاديث كثيرة مناكير، قاله ابن عدى، قال: وهو وعمه غير معروفين، وقال البخاري: لا يكتب حديثه، وقال أبو زرعة: ليس بشيء (٣).
وبالتأمل في هذه الأقوال نجد أشدها قول البخارى: «لا يكتب حديثه» فهو يفيد شدة ضعفه، بدون وصفه بكذب ولا تهمة به.
لكن عند المراجعة نجد أن قول أبي زرعة الرازى له بقية تفيد وصف يعلى بالكذب والوضع، ولم يذكرها العراقي، والعبارة بأكملها كما حكاها ابن أبي حاتم قال: سئل أبو زرعة عن يعلى بن الأشدق، فقال: هو عندى لا يصدق، وليس بشيء، قدم الرقة فقال: رأيت رجلا من أصحاب النبي ﷺ يقال له: عبد الله بن جراد، فأعطوه على ذلك، فوضع أربعين حديثا وعبد الله بن جراد لا يعرف (٤) فاختصار العراقي لقول أبي زرعة هذا، غير
стр. 2010
مناسب، لعدم دلالة المذكور منه على المحذوف، وهو اتصاف ابن الأشدق بالكذب ووضع الحديث من طريق عمه ابن جراد، والأحاديث التسعة التي أخرجها في تلك التساعيات كلها من رواية ابن الأشدق عن عمه ابن جراد، دون متابع كما تقدم.
وأيضا كل من دينار أبي مكيس، وموسى الطويل، ويغنم بن سالم، قد ذكر العراقي الأقوال في حال كل منهم للإشارة إلى درجة ما أخرجه في هذه التساعيات من طريقهم، لكنه ذكر من تلك الأقوال ما يقتضى ضعف كل منهم فقط، في حين نجده في أربعينه العشارية قرر اتصاف كل منهم بالكذب أو الاتهام به كما تقدم، ونجد في مصادر تراجمهم ما يؤيد ذلك (١).
فكان يلزم أن يذكر من أقوال النقاد أو من خلاصتها ما يدل على حالهم، كما صنع في أربعينه العشارية.
ولا أجد للعراقي عذراً في تخريج عوالى شيخه البياني من طريق هؤلاء الرواة الخمسة دون متابع، إلا قصد التنبيه على حال تلك العوالي، رغم تساهله في ذلك كما رأيت، لكنه ينبه في الجملة إلى عدم اغترار من يقف عليها بعلو أسانيدها:
ب - وقد أخرج العراقي في هذه الأربعين خمسة أحاديث من طريق سلمة بن وزدان (٢) أولها هو الحديث الثامن عشر.
وقد أخرجه بسند البياني من طريق سلمة بن وردان سمعت أنس بن مالك يقول: ارتقى رسول الله ﷺ المنبر فقال: آمين … (الحديث)، وأخرجه.
стр. 2011
أيضا من طريق آخر إلى سلمة بن وردان أنه سمع أنس بن مالك يقول: ارتقى رسول الله ﷺ درجة المنبر (الحديث). وقال العراقي: هذا حديث حسن، وسلمة بن وردان كان ضعفه الجمهور، وحسن له الترمذي ثلاثة أحاديث (١). ثم أخرج العراقي بقية الأحاديث الخمسة التي من طريق سلمة بن وردان، والثالث منها وهو رقم (٢٠) من التساعيات عزاه العراقي إلى الترمذي وذكر قوله: هذا حديث حسن، إنما نعرفه من حديث سلمة.
وهذان الحديثان قد خرجهما العراقي في أربعينه العشارية أيضا من طريق سلمة، وحكم على الحديث الأول منهما بالحسن كما هنا، ونقل تحسين الترمذي للثاني، وتعليله للتحسين كما هو هنا أيضا، وأقره.
لكن عبارة العراقي هنا في تعليله تحسين حديث سلمة، فيها اختلاف عما هناك؛ لأن خلاصة ما قرره هناك أن سلمة مختلف في حاله، فأقوال عدد من النقاد تفيد تضعيفه، وصنع الترمذي يفيد احتجاجه به، حيث حسن له بعض أحايث مما انفرد به (٢).
لكنه هنا في التساعيات قال: وسلمة بن وردان كان ضعفه الجمهور، وحسن له الترمذي ثلاثة أحاديث.
فأفاد بذلك أن الاحتجاج الفعلي المتعدد من الترمذي بسلمة بمفرده، يترجح على قول الجمهور بتضعيفه، ومنهم من فسر الضعف بجهة الضبط كما تقدم. وقد سبق في دراستي للأربعين العشارية للعراقي الرد عليه في ذلك، مؤيدا بأقوال بعض العلماء، فاكتفى هنا بالإحالة على ما تقدم هناك مع إضافة الآتي:
стр. 2012
أن الترمذي لم يطرد تحسينه لحديث سلمة لذاته، حيث إن مجموع ما أخرجه له في جامعه أربعة أحاديث فقط حسب المتوافر لدينا حاليا من طبعاته.
فمنها ثلاثة أحاديث اتفقت على تحسينها الطبعات ونسختان خطيتان موثقتان، مع تعليل التحسين في حديثين بتفرد سلمة بالحديث من هذا الوجه، حسب مبلغ علم الترمذي (١).
أما الحديث الرابع فاختلفت الطبعات فيه، فبعضها جاء فيه: قال الترمذي: حديث غريب من هذا الوجه (٢) وهذه أوثقها (٣) وبعضها قال الترمذي: هذا حديث غريب حسن من هذا الوجه (٤) وبعضها: قال الترمذي: حديث حسن غريب من هذا الوجه من حديث علي، وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ (٥) وفي جميع هذه الطبعات والنسختين المخطوطتين أتبع الترمذي رواية سلمة للحديث برواية أخرى عن محمد بن كامل المروزي قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم الزاهد عن كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ (الحديث). وصححه (٦) وعليه فلا يكون سلمة منفردا بالحديث تفردا مطلقا، بل مقيد بروايته من هذا الوجه من حديث علي ﵁.
стр. 2013
أما رواية سلمة للحديث من هذا الوجه من حديث أبي هريرة، فلم ينفرد بها، بل له متابع، كما ساقه الترمذي بنفسه وصححه، كما ترى.
فيكون الحديث من طريق سلمة وحده ضعيفا، ويرتقى إلى الصحة أو الحسن بمراعاة متابعه.
وعليه يكون الترمذي قد احتج بسلمة في أكثر المواضع، ولكن لم يحتج به بمفرده في الموضع الأخير، وهذا يلتقى مع قول الجمهور بتضعيف سلمة كما قرره العراقي بنفسه فيما تقدم، وعند تعدد قولين أو موقفين للعالم - كما حصل هنا من الترمذي - فيؤخذ من ذلك بما يوافقه عليه الجمهور، وهو تضعيف سلمة، وليس الاحتجاج به بمفرده، الذي رجحه العراقي.
ج - قد ظهر في هذه الأربعين أيضا تطبيق العراقي للحكم بتحسين الحديث لغيره، حسب التعريف الاصطلاحي له عند الترمذي واستقرار عمل من بعده عليه إلى الآن.
فقد أخرج بإسناد البياني حديث أنس ﵁ قال: دخل رسول الله ﷺ المدينة وأنا ابن ثمانى سنين (الحديث) في تكثير الطعام الذي صنعته أم أنس ﵄ على يديه ﷺ ، وذلك من طريق كثير بن عبد الله الأبلى أبو هاشم، وقال العراقي: هذا حديث حسن، وأتبعه بقوله: وكثير بن عبد الله الأبلى قال فيه البخاري وأبو حاتم الرازي: منكر الحديث، ثم قال: قال صاحب الميزان: وما أرى رواياته بالمنكرة جدا (١)، ثم قال أيضا: تابعه - يعني تابع كثير بن عبد الله - حميد الطويل، رواه ابن ماجه عن أحمد بن عبدة عن عثمان بن عبد الرحمن الجمحي عن حميد، به (٢).
стр. 2014
فبين العراقي بذلك أنه وإن كان في الطريق الأول للحديث راو ضعيف، وهو كثير بن عبد الله، فإنه بمتابعة حميد الطويل له، يرتقى الحديث إلى الحسن لغيره.
وبمراجعة إسناد متابعة حميد هذه عند ابن ماجه، نجد فيه عثمان بن عبد الرحمن الجمحي، وخلاصة حاله أنه ليس بالقوى (١) فيكون الحديث: بمجموع الطريقين حسنا لغيره (٢).
وسيأتي مثال آخر لتطبيقه اصطلاح الحسن لغيره أيضا. وقد سبق في دراستي لكتاب المغني عن حمل الأسفار، وغيره أن العراقي قد يذكر مع الحديث الذي يضعفه بعض الطرق الأخرى التي تصلح لجبر ضعفه وترقيته للحسن لغيره، ولكن لا يصرح بتحسين الحديث بمجموع طريقيه كما صرح هنا في هذا الحديث وفيما سيأتي، بل ترك في المغنى وغيره مما سبق استنتاج ذلك للقارئ. فيعتبر صنيعه هنا أولى وأفيد في بيان الطريق العملي لتطبيق تعريف الحسن لغيره، فيساعد القارئ لكتابه هذا من الباحثين في دراسة الأسانيد على فهم تطبيق القاعدة الاصطلاحية للحديث الحسن لغيره.
د - لكن لم يلتزم العراقي بهذا في بقية أحاديث الكتاب التي تحتاج إلى ما يجبر ضعفها.
فالحديث رقم (٣٦) من هذه التساعيات أخرجه العراقي بإسناد البياني من طريق عبد الله بن محمد البغوى ثنا شيبان بن فروخ ثنا سعيد بن سليم عن
стр. 2015
أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ قال الله تعالى: من أخذت كريمتيه في الدنيا لم أرض له ثوابا إلا الجنة (الحديث)، ثم قال: سعيد بن سليم الضبي البصرى ضعفه ابن عدى والأزدى (١) ولم يزد على ذلك، ومقتضاه أن الحديث ضعيف الحال سعيد بن سليم الواقع في إسناده، كما تقدم.
لكن الحافظ ابن حجر تلميذ العراقي أخرج الحديث نفسه في عشارياته من طريق سعيد هذا، وقال: هذا حديث حسن، رواه البخاري من طريق عمرو ابن أبي عمر، والترمذي من طريق أبي ظلال، كلاهما عن أنس بغير هذا اللفظ، وسعيد بن سليم أثبت البخاري سماعه من أنس، وقد تابعه أبو ظلال وعمرو بن عمر ومولى المطلب، وأشعث بن عبد الله، وجماعة، كلهم عن أنس، ولأصله شواهد يقوى بها، والله أعلم (٢).
وبذلك نجد الحافظ ابن حجر لم يقتصر على الطريق العالية الضعيفة ولكن ذكر لسعيد بن سليم عدد ممن تابعه، وذكر أن لأصل الحديث شواهد، وقرر أنه يتقوى بها، يعنى إلى درجة الحسن التي صرح بها في بداية كلامه عن درجة الحديث.
وهذا بلا شك أولى من الاقتصار على ذكر الطريق العالي للحديث، وبيان ضعفه، كما صنع شيخه العراقي آنفا.
كذلك أخرج العراقي الحديث رقم (٦) بسند البياني من طريق يعلى بن الأشدق سمعت النابغة يقول: أنشدت النبي ﷺ :
стр. 2016
بلغنا السماء مجدنا وجدودنا … (الحديث).
ثم قال: ويعلى بن الأشدق قال فيه البخاري: لا يكتب حديثه، وقال أبو زرعة الرازي ليس بشيء (١)، ولم يزد على ذلك. وفي هذا قصور من جهة عدم تخريج الحديث بالعزو لأى مصدر آخر، ومن جهة ما حذفه من كلام أبي زرعة الرازي في حال (يعلى) بما يقتضي وصفه بالكذب والوضع كما قدمت توضيحه أما الحافظ ابن حجر فإنه أخرج الحديث نفسه في عشارياته، من طريق يعلى هذا، وأعقبه بتخريجه بالعزو إلى البزار والحسن بن سفيان في مسنديهما من طريقين عن يعلى بن الأشدق، به.
وعزاه أيضا إلى الدارقطني في المؤتلف والمختلف من طريق الحسن بن عبيد الله حدثني من سمع النابغة الجعدى به.
ثم ذكر قول ابن عبد البر: قد روينا هذا الخبر من وجوه كثيرة عن النابغة الجعدى، من طريق يعلى بن الأشدق وغيره (٢) وعلق الحافظ على ذلك بقوله: قلت: فيان أن للحديث أصلا، فلذلك أخرجته والله المستعان (٣) كما أخرجه أيضا بالعزو إلى الأربعين البلدانية للسلفي، ووصف إسناده بأنه غريب (٤) وهذا أولى من صنيع العراقي السابق ذكره.
هـ - ذكره الوصف بالحسن خلاف الاصطلاح العام، وردّه.
أما الحكم على بعض الأحاديث بالحسن على غير المعنى الاصطلاحي بنوعيه
стр. 2017
كما سبق، فإن العراقي نقله عن أحد الحفاظ المتقدمين، وتعقبه بما يفيد رده.
فالحديث الخامس من هذه الأربعين أخرجه العراقي بإسناد البياني من طريق الحافظ أبي القاسم إسماعيل بن أحمد بن عمر السمرقندي (١) بسنده إلى أبي أمامة الباهلي ﵁ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: اكفلوا لي بست أكفل لكم الجنة (الحديث)، ثم قال: قال الحافظ أبو القاسم ابن السمرقندي: هذا حديث حسن في فضائل الأعمال انتهى. وعقب العراقي على ذلك فقال: وفضال بن جبير ضعفه ابن حبان وابن عدى (٢).
فيلاحظ أن ابن السمرقندي قد حكم على الحديث على غير المعنى الاصطلاحي الذي يراعى فيه حال السند مع حال المتن من جهة عدم النكارة أو الشذوذ، كما هو معروف، فقيد حكمه بموضوع المتن فقط، وهو اشتماله على خصال من فضائل الأعمال، ومعلوم أن هذا القيد ليس داخلا في تعريف الحسن الاصطلاحي، ولذلك تعقب العراقي حكم ابن السمرقندي هذا، فبين أن في سند الحديث ما يخل بتحسينه لذاته، وهو وجود فضال بن جبير في إسناده، مع تضعيف ابن حبان وابن عدى له، ومقتضاه أنه ضعيف لذاته، بغض النظر عن كون متنه في فضائل الأعمال أو في غيرها.
وقد اقتصر العراقي بهذا على رد حكم ابن السمرقندي بالتحسين من طريق فضال هذه.
أما تلميذه ابن حجر فأخرج الحديث نفسه في عشارياته من طريق طالوت بن عباد ثنا فضال بن جبير، به.
стр. 2018
ثم قال: هذا حديث حسن، وذكر حال طالوت بن عباد بما يفيد أنه صدوق، وأنه توبع على هذا الحديث.
ثم قال: وأما فضال فأشار إلى أنه مختلف فيه، فضعفه ابن عدى وابن حبان وغيرهما، وأخرج له الحاكم في المستدرك.
ثم قال: ولحديثه هذا شواهد، منها عن عبادة بن الصامت في صحيح ابن حبان ومستدرك الحاكم.
وعن أنس في مسند أحمد بن منيع والحسن بن سفيان وأبي يعلى ومستدرك الحاكم.
وعن أبى هريرة في المعجم الأوسط للطبراني وغيره وعن الزبير بن عدى مرسلا، في الزهد لسعيد بن منصور (١).
وبهذا أثبت رقى الحديث للحسن لغيره، باعتبار مجموع طرقه كما هو المعنى الاصطلاحي لأحد نوعى الحسن.
وهذا أكمل من صنيع شيخه العراقي في هذه التساعيات كما تقدم ..
وقد أخرج العراقي أيضا الحديث (٣٥) من التساعيات، بإسناد البياني من طريق فضال بن جبير سمعت أبا أمامة الباهلي يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لو جاز لأحد أن يسجد لأحد دون الله لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها تعظيما لحقه عليها، ثم قال: وفضال بن جبير ضعفه ابن حبان وابن عدى (٢).
فأشار بذلك إلى ضعف الحديث من طريقه هذا، كما صنع في الحديث رقم (٦) السابق ذكره.
стр. 2019
وبالمراجعة يظهر أن الحديث له شواهد عن عدد من الصحابة، في مصادر مشهورة يرتقى بها الحديث إلى الحسن لغيره، على الأقل (١).
و - بيانه للانقطاع في موضع التصريح بالتحديث:
مما يتعلق ببيان العراقي لدرجة الأحاديث أنه أخرج الحديث (٢٥) من التساعيات بإسناد البياني قال: أخبرني الشيخ فخر الدين على بن أحمد بن عبد الواحد، وزينب بنت مكى بن على الحرانية فيما أذنا لى أن أروى عنهما قالا: … . وساق الإسناد إلى أبى الفتح يوسف بن عمر بن مسرور القواس قرئ على أبي القاسم ابن بنت منيع وأنا أسمع قيل له حدثكم سلام بن مسكين أنا أبو غالب عن أبي أمامة قال: أتي برؤس الحرورية فنصبت على درج دمشق، فنظر إليها أبو أمامة، وهي منصوبة فقال: شر قتلى تحت ظل السماء (الحديث)، ثم قال العراقي: هكذا نقلت هذا الحديث من خط الحافظ جمال الدين ابن الظاهرى، ونقل منه سماع ابن البخاري، وزينب، على ابن طبرزد، وسنده كما تقدم: أن أبا القاسم ابن بنت منيع قيل له: حدثكم سلام بن مسكين.
وهو منقطع فيما بين أبي القاسم وسلام، فإنه لم يسمع منه؛ بل لم يدركه أصلا، والله أعلم (٢)
стр. 2020
وبالمراجعة نجد ما يؤيد ما قرره العراقي من الانقطاع وعدم الإدراك بين أبي القاسم وسلام، حيث إن أبا القاسم ولد - على الأكثر - سنة ٢١٤ هـ (١) وسلام بن مسكين توفى - على الأكثر - سنة ١٦٧ هـ (٢) فيكون ذكر لفظ التحديث بينهما، سهو أو سبق قلم ممن أثبته.
ولم أجد في مصادر ترجمة الرجلين إشارة إلى الرواية أو التلمذة بينهما، كما لم أجد من نبه على هذا الوهم غير العراقي، فتعتبر هذه إضافة علمية في نقد الأسانيد، والسماعات المدونة بخطوط الحفاظ المعنيين بذلك مثل الحافظ أحمد بن محمد بن عبد الله الظاهرى هذا، المتوفى سنة ٦٩٦ هـ وقد عرف بتأليفه عددا من المشيخات والأثبات (٣)
وهذا المثال يوضح لنا ضرورة التحقق من ثبوت صيغة التحديث وغيرها مما يفيد اتصال الإسناد بين الراوى والمروى عنه، وعدم الاغترار بمجرد وجود تلك العبارات أو رموزها مثل: ثنا، وأنا، وغيرهما، لا سيما في المواضع التي تكون مظنة انقطاع كما في هذا الموضع الذي نبه عليه العراقي، ويعتبر من نقده الداخلي للإسناد.
ويؤيد جزم العراقي بثبوت الانقطاع في هذا الطريق أنه في نهاية هذه الأربعين، زاد حديثا آخر متصلا؛ فقال: حديث آخر ذكرته تعويضا عن الحديث (٢٥) لأجل الانقطاع الذي فيه، وساق حديثا بإسناد البياني التساعي من طريق إبراهيم بن هدبة أبو هدبة الفارسي سمعت أنس بن
стр. 2021
مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لو أن الله أذن للسموات والأرض أن تتكلم، لبشرت الذي يصوم شهر رمضان بالجنة (١).
وعبارة العراقي السابقة تفيد أن قصده الأساسي من ذكر هذا الحديث كونه متصل الإسناد مع علوه، وإن كان علوا لا يُفرح به، كما نبه العراقي بنفسه على ذلك عقب تخريج الحديث، فذكر قول غير واحد من النقاد بأنه باطل، وإسناده مظلم، وأن في سنده إبراهيم بن هدبة، وهو كذاب خبيث، فلا يفرح بعواليه (٢) وسيأتي مزيد بيان لهذا.
ثم إن العراقي بعد بيانه للانقطاع في إسناد البياني بحديث الحرورية رقم (٢٥) كما تقدم، بين أن له طرقا أخرى غير هذا الطريق أخرجها أبو داود الطيالسي (٣) والترمذي وقال حديث حسن (٤) وابن ماجه مختصرا (٥) والحاكم وصححه على شرط مسلم (٦) وأقره الذهبي. وبذلك قرر أن الحديث بمجموع طرقه حسن (٧)
ز - بيانه الإجمالي لدرجة الأحاديث العوالى في عصره، وذكر أقوى مصادرها.
ذكر العراقي الحديث رقم (٤١) وهو آخر حديث في تساعيات البياني
стр. 2022
هذه، وذكر من دلائل بطلان هذا الحديث كونه من رواية إبراهيم بن هدبة، وأنه كذاب خبيث، كما قدمت، ثم أتبع ذلك بقوله: قال صاحب الميزان - يعنى الذهبي -: متى رأيت المحدث يفرح بعوالى أبي هدبة، ويعلى بن الأشدق، وموسى الطويل، وأبى الدنيا (١) وهذا الضرب، فاعلم أنه عامي بعد انتهى.
ثم عقب العراقي على ذلك بقوله: قلت: لم يبق في الدنيا أحاديث صحيحة تساعية، متصلة تروى في زماننا هذا إلا في جزء الأنصاري (٢) والغيلانيات (٣) وجزء الغطريف (٤) وما عداه فكلها ضعيفة (٥).
وهذا البيان الإجمالي لدرجات الأحاديث العوالي، وحصر مصادر الصحيح منها هكذا، لم أجد من ذكرهما غير العراقي، ويعتبر أيضا من مميزات هذا الكتاب. كما أن دلالة عبارته السابقة على عمق خبرته وسعة اطلاعه لا تخفى. وبمراجعة ما تقدم في هذه التساعيات من درجات الأحاديث التي بينها العراقي بنفسه نجد أن القسمة رباعية فالأحاديث التي خرجها من طريق جزء الأنصاري والغيلانيات وجزء الغطريف منها الصحيح ومنها الحسن ومنها الضعيف (٦) والتي خرجها من طريق غيرها منها الضعيف فقط والضعيف جدا والموضوع الباطل، كما قدمت مثاله.
стр. 2023
من مميزات الكتاب:
بناء على ما تقدم من دراسة وتحليل ومقارنة المحتويات هذا الكتاب، يمكن القول بأن من أهم مميزات هذا الكتاب، ما يلى: -
١ - إحياء وضبط عدد من الأسانيد العالية لأحد المسندين الثقات من شيوخ العراقي ومعاصريه، وهو أبو عبد الله البياني، وبيان ما في مروياته من علو الموافقات، أو الأبدال، وقد ظهر أثر ذلك في وصل تلك الأسانيد العالية لهذه المرويات، لمن بعد العراقي، حتى عصرنا الحاضر، كما سيتضح في بيان أثر الكتاب فيما بعده.
٢ - التطبيق العملي لقواعد علم التخريج، والنقد، ودراسة الأسانيد، وبيان درجات الأحاديث على ضوء ذلك، فمن يراجع ما في الكتاب في هذه الجوانب، بعناية، يجد فيها تدريبا عمليا على كيفية التخريج بالرواية، وبالعزو إلى المصادر، وكيفية بيان درجات الأحاديث من الصحة أو الحسن أو الضعف بأنواعه، مع مراعاة أحوال الرواة، والأسانيد.
٣ - تقرير بعض النتائج الحديثية العامة في درجات أسانيد عوالى الأحاديث في عصر العراقي عموما، وبيان أقوى المصادر الحديثية لذلك، وتقدم تنبيهي على أن هذه النتائج لم أقف عليها عند غير العراقي.
بعض المآخذ على الكتاب:
وبجانب تلك المميزات السابقة فإنه توجد بعض المآخذ التي لا تغض من تلك المميزات، وقد سبق أن أشرت خلال بيان عناصر منهج العراقي ومقارنتها إلى أهم تلك المآخذ ومجملها ما يلى: -
١ - عدم تخريج بعض الأحاديث بالعزو إلى مصادرها المشهورة والمتداولة،
стр. 2024
من السنن والمسانيد، حتى يستفاد من ذلك في معرفة كون الحديث له، أو ليس له، من الطرق غير ما رواه البياني به عاليا، وبذلك يمكن معرفة درجة الحديث عموما.
٢ - تخريج بعض العوالي من طريق من عرف بالكذب أو الوضع في الحديث، أو اتهم بذلك، مع تقرير العراقي في هذا الكتاب نفسه، وفي غيره أن مثل تلك العوالي لا يفرح بها، وإن كان قد نبه على حال كل من هؤلاء الرواة عقب ما أخرجه من طريقهم، كما قدمت.
٣ - الاقتصار في عدد من الأحاديث على بيان ضعفها فقط باعتبار حال الإسناد الذي خرجها العراقي به عاليا، في حين توجد طرق أخرى من المتابعات والشواهد يمكن ترقى الحديث بها إلى درجة الحسن لغيره على الأقل.
أثر الكتاب فيما بعده:
أهم ما وقفت عليه من أثر لهذا الكتاب فيما بعده، هو العناية بتداول روايته بكل مشتملاته عن كل من مخرجه العراقي، وشيخه البياني الذي خرج العراقي له من عواليه تلك التساعيات، وعنهما اتصلت روايته إلى عصرنا الحاضر كما سيأتي.
وكذلك تداول بعض العلماء لنسخه، ودراسته، كما سيأتي أيضا، وذلك على النحو التالي: -
١ - جاء في آخر النسخة الخطية التي وقفت عليها لهذا الكتاب، طبقة سماع وقراءة منقولة عن الأصل الذي نسخت منه، مع اختصار.
ونص ما وجدته: «سمع جميع هذه الأربعين التساعيات للبياني على الشيخ الجليل المسند جمال الدين أبي محمد عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن
стр. 2025
سليمان الهيثمي بإجازته من البياني والعراقي، بقراءة أبي الفضل عبد الرحمن ابن أحمد بن إسماعيل القلقشندي».
«وكتب في الأصل - ومنه لخصت -: الشيخ زين الدين رضوان بن محمد بن يوسف العقبى وولده جلال الدين عبد الرحمن - في الخامسة - وغائم بن عبد الله بن غائم الدمسيسى، ويونس بن فارس بن عبد الله القادري، ومحمد ابن علم الدين محمد بن محمد السنباطي العطار - أبوه بباب الزهرية - في يوم الجمعة ثالث شعبان سنة ٨٣٨ هـ بتربة برقوق، وأجاز هـ».
فهذا الملخص لتلك الطبقة والمنقول من خط أبرز السامعين، يستفاد منه تداول القراءة والسماع للكتاب.
فالمسند الجليل جمال الدين الهيثمي وهو متوفى سنة ٨٤١ هـ (١) قد أجيز برواية محتويات الكتاب من المخرجة له وهو البيانى، باعتبارها من مروياته العالية عن شيوخه، وأجيز بها أيضا من مخرجها العراقي باعتبار أنها من مروياته العالية أيضا عن شيخه البياني.
«وبمقتضى هذه الإجازة صارت تلك التساعيات تسمع منه، وتقرأ عليه، كما في هذه الطبقة، حيث قرأها عليه أحد المحدثين في عصره وهو عبد الرحمن ابن أحمد القلقشندي، وهو متوفى سنة ٨٧١ هـ (٢) وبقراءته في التاريخ المذكور، والمكان المذكور من القاهرة، سمع هو وهؤلاء الخمسة المذكورون في الطبقة، على الجمال الهيثمي، وأجازهم كذلك برواية الكتاب عنه».
стр. 2026
وأبرز هؤلاء هو كاتب السماع بخطه كما تقدم وهو زين الدين رضوان العقبى المتوفى سنة ٨٥٢ هـ، وقد لقب بحافظ عصره، وعرف بدراية الأسانيد والشيوخ والمرويات، وقد تتلمذ كثيرا للعراقي ولولده أبي زرعة، وكتب عنهما كثيرا من أماليهما، ثم كان ممن تخرج به الحافظ السخاوي المتوفى سنة ٩٠٢ هـ (١).
وسيأتي أن هذا الكتاب قد روى من طريق كل من العقبي هذا، ثم تلميذه السخاوي.
٢ - جاء بصفحة عنوان النسخة المذكورة من الكتاب أيضا ما نصه «يرويه عن جمع من أصحاب ابن المخرج: سليمان نجل أحمد الزواوي».
والمراد بابن المخرج: أبو زرعة أحمد بن عبد الرحيم العراقي المتوفى سنة ٨٢٦ هـ وهو أيضا من أبرز تلاميذ والده، كما تقدم، وقد سمع كثيرا من البياني صاحب هذه التساعيات (٢) ومقتضاه أنه كان يروي هذه التساعيات عن المخرج وعن المخرج له، وبالتالي رواها عنه جماعة من أصحابه، ثم رواها عنهم سليمان بن خليل الزواوى، وقد ذكر السخاوى مولده سنة ٨٥٢ هـ، ولم يذكر تاريخ وفاته، ولكن ذكر سماعه للحديث وملازمته للسخاوي (٣).
ومن هذا يستفاد انتشار رواية هذا الكتاب عن البياني وعن العراقي فمن بعدهما طبقة بعد طبقة. وسيأتي في الفقرة التالية ما يؤكد هذا.
٣ - كتب على صفحة عنوان الكتاب أيضا بخط الإمام الزبيدي (شارح
стр. 2027
كتاب الإحياء والقاموس) ما نصه «أرويه بالسند إلى الحافظ السخاوي عن أبي النعيم رضوان العقبى عن المخرج له، وكتبه محمد مرتضى الحسنى عفا الله عنه» وكتب أيضا بالجهة العليا اليسرى من صفحة العنوان بخط الزبيدي ما نصه «تقع لنا الأحاديث بستة عشر» يعنى أن أحاديث هذا الكتاب التي إسناد البياني بها تساعى، يكون إسناد الزبيدى بها عن شيوخه إلى الرسول ﷺ عدد رواته ستة عشر شخصا.
والإمام الزبيدي هو محمد مرتضدى بن محمد بن محمد بن عبد الرزاق الحسيني أبو الفيض، خاتمة حفاظ الديار المصرية في عصره، ومن الأشراف بها، وتوفى سنة ١٢٠٥ هـ وكان له عناية فائقة بإحياء علم الرواية في عصره، حتى قال عن نفسه في ألفيته التي ألفها في علم الإسناد:
وقل أن ترى كتابا يُعتمد … إلا ولى فيه اتصال بالسند
أو عالما إلا ولى إليه … وسائط توقفن عله
كما كان له اعتناء خاص بعوالى البياني، فاختصر مشخته، وقال عنه صاحب فهرس الفهارس: إن هذه الشعلة الضئيلة الموجودة الآن في بلاد الإسلام، إنما هي مقتبسة من أبحاثه وسعيه وتصانيفه ونشره، ووصفه تلميذه عبد الرحمن الجبرتي في تاريخه بالحرص على جمع ما أغفله المتأخرون من الأسانيد وتخاريج الأحاديث واتصال طرائق المحدثين المتأخرين بالمتقدمين، وأحيا إملاء الحديث من حفظه على طريقة السلف، وغير ذلك، وقد عده غير واحد ممن ترجم له أنه من المجددين المحدثين على رأس المائة الثانية عشرة، وقد توفى سنة ١٢٠٥ هـ (١).
стр. 2028
وسيأتي ما يفيد نشره لكتاب التساعيات هذا بالرواية وبالنسخ الخطية.
٤ - فقد كتب الزبيدي في آخر نسخة الكتاب السابقة بخطه ما نصه: «قرأها - يعنى التساعيات - على، على بن عبد البر الونائي، وكتب لنفسه منها نسخة، وكتب محمد مرتضى عفا الله عنه» وبذلك يتضح انتشار الكتاب بواسطة الإمام الزبيدي رواية ونسخا، منذ عصر العراقي حتى عصر الإمام الزيدي ثم تلاميذه.
وتلميذه الونائي هذا قد وصف بأنه من نوابغ المصريين في عصره، وأثنى شيخه الزبيدي على ملازمته له ومعرفته بالأسانيد والرجال، وله ثبت مرويات وتوفى سنة ١٢١٢ هـ (١) وقد أثبت له شيخه الزبيدي بخطه كما ترى روايته لهذه التساعيات عنه بقراءة الونائي، وقد اتصلت مروياته عن شيخه الزبيدي بما فيها هذه التساعيات إلى عصرنا الحاضر.
فقد ذكر الشيخ عبد الحي الكتاني أنه يروى ما للونائي عن البرزنجي وأبي النصر الخطيب كلاهما عن محمد الحبشي عن صالح الفلاني عنه (٢) والشيخ عبد الحي من شيوخ شيخنا بالسماع والإجازة، الشيخ محمد ياسين الفاداني ﵀ (٣)
كما ذكر الشيخ عبد الحي أنه يروى ألفية الزبيدى في الأسانيد من طريق كل من الونائي والفلاني (٤)
стр. 2029
كما ذكر أنه يروى ما للحافظ العراقي من مؤلفات بما فيها التساعيات هذه - من طرق منها طريق عبد الرحمن الثعالبي عن أبي زرعة ابن العراقي عن أبيه (١).
стр. 2030
رابعا: تخريج عشرين حديثا من ثمانيات البياني
نسبة الكتاب إلى العراقي، وبيان موضوعه
ذكر تلميذ العراقي ابن فهد المكى أن مما خرجه العراقي عشرين حديثا ثمانيات الإسناد من رواية البياني (١).
وذكره الكتاني ضمن ما يرويه بسنده إلى العراقي، لكن ذكر عنده لفظ «عشرة» (٢) بدل لفظ «عشرين» ويبدو أن هذا تحريف كتابي أو طباعي، ويؤكد كونها عشرين كما ذكر ابن فهد، ما جاء عن العراقي نفسه، وذلك في آخر نسخة كتاب التساعيات السابق حيث قال العراقي: وقد رأيت أن أورد بعدها - يعنى بعد التساعيات. عشرين حديثا ثمانية الإسناد، ليعرف حالها، والله تعالى يوفقنا لصالح العمل، إنه المستعان، وعليه المتكل (٣).
وللأسف أن النسخة انتهت عند هذا، ولم يُذكر فيها ولا بعدها شيء من هذه الثمانيات، فلعلها كانت موجودة بعد التساعيات في الأصل الذي نقلت منه هذه النسخة، ولكن كاتب التساعيات لم ينسخها، أو نسخها ثم فقدت.
ولكن من عبارة العراقي هذه تفيد أن موضوع هذا الكتاب هو: جمع عشرين حديثا من مرويات أبي عبد الله البياني العالية الإسناد، بحيث تكون سلسلة الإسناد من أول شيخ البياني، إلى الرسول ﷺ ثمانية أشخاص، بما فيهم الصحابي الراوى للحديث.
ومقتضى هذا أن سند البياني بهذه الأحاديث أعلا بدرجة واحدة من سنده
стр. 2031
بالتساعيات السابقة. وباعتبار أن العراقي من تلاميذ البياني - كما قدمت - يكون سند العراقي تساعيًا بهذه العشرين.
وقوله عن سبب جمعها: «لِيَعْرِفَ حَالَهَا» فيه إشارة إلى أنه بين درجة كل حديث منها، وأن جميعها من نوع الضعيف. وإن تفاوتت من ضعيف إلى أضعف.
وذلك بناء على ما وجدته من تعبيره بمثل هذه العبارة اعتذارًا عما أورده من مروياته هو من العوالي الضعيفة أو شديدة الضعف باعتبار سندها العالي، حيث إنه في آخر الأربعين العشارية له، السابق دراستها. قال: وقد وقع لنا حديثان آخران في المعجم الصغير للطبراني بهذا الإسناد، تساعيان، في الثاني منهما نظر، فرأيت إيرادهما، مع بيان أمرهما، للفائدة … وساقهما، ثم بين ضعف كل منهما بالإسناد التساعي الذي رواهما به (١).
وبهذا الاعتذار يدفع عن العراقي ما يلاحظ من التعارض بين عنايته بجمع العوالى الضعيفة أو شديدة الضعف، وبين نقده لمن يفرح بإخراج مثلها، كما قدمت في دراسة الأربعين العشارية له.
стр. 2032
خامسا: تخريج أربعين حديثا تساعيات الإسناد من مرويات الميدومي
نسبة الكتاب إلى العراقي وبيان موضوعه.
ذكر تلميذ العراقي ابن فهد المكى مما ألفه شيخه العراقي في التخريج: أربعين حديثا تساعية للميدومى (١) وكذا ذكره السخاوى (٢).
وذكره غيرهما كما سيأتي.
والميدومي: هو محمد بن محمد بن إبراهيم، أبو الفتح الميدومي، وهو أعلا شيوخ العراقي المصريين إسنادا، وقد أكثر العراقي الرواية عنه خصوصا في عواليه، كما قدمت توضيحه في التعريف بشيوخ العراقي، وفي دراسة كتابه «الأربعين العشارية» وقد توفى الميدومي سنة ٧٥٤ هـ (٣).
ومن عنوان هذا الكتاب يُعرف أن موضوعه هو جمع أربعين حديثا من مرويات الميدومي العالية، بحيث تكون سلسلة الإسناد من أول شيخه إلى رسول الله ﷺ تسعة أشخاص، بما فيهم الصحابي الراوي للحديث.
وبناء على كون العراقي من تلاميذ الميدومى الحريصين على الأخذ عنه، تكون هذه الأحاديث عشارية الإسناد بالنسبة إلى العراقي.
وقد ذكر الشيخ الكتاني ﵀ هذا الكتاب ضمن مؤلفات العراقي، ثم ذكر أنه يروى بأسانيده إلى العراقي، عامة ما له من
стр. 2033
مؤلفات بما فيها تساعيات الميدومى هذه (١).
ولكن لم أقف على نسخة لكتاب التساعيات، هذا، ولا على أي شيء من النقول المعزوة إليه.
стр. 2034
سادسا: تخريج أربعين حديثا بلدانية، من مرويات العراقي نفسه
١ - نسبة الكتاب إلى العراقي، وبيان موضوعه، وما أنجزه العراقي منه
ذكر غير واحد من تلاميذ العراقي وغيرهم ممن ترجم له، أن من مؤلفاته في التخريج: أربعين حديثا بلدانية (١).
ومعنى كون هذه الأربعين بلدانية: أن كل حديث منها قد تلقاه العراقي عن أحد شيوخه في بلد معين، ولأجل هذا وصفت بأنها بلدانية وسماه ابن قاضي شهبة والمناوي: الأربعين متباينة البلاد (٢).
وقد يكون البلد كبيرا مثل مكة، والقاهرة، وقد يكون قرية أو ضاحية تتبع بلدا كبيرا مثل حمص وحماه بالنسبة للشام، وقاسيون بالنسبة لدمشق آنذاك، وقد تكون حيا من أحياء بلد كبير مثل «سوق الليل» من أحياء مكة المكرمة. وقد سبق العراقي إلى تخريج هذا النوع من الأربعينات، من كثير من العلماء كابن عساكر (ت ٥٧١ هـ) والسلفي (ت ٥٧٦ هـ) كما لحقه فيه كثيرون، حتى عصرنا الحاضر، حيث ألف شيخنا الفاداني ﵀ (ت ١٤١٠ هـ) أربعين حديثا بلدانية، عن أربعين شيخا من أربعين بلدا (٣) وهي مما أجازني بروايته عنه، والحمد لله.
стр. 2035
والتأليف في هذا النوع له أهميته من وجوه: -
منها: الدلالة على اتساع رحلة المؤلف وعلو همته في طلب الحديث (١).
ومنها: إحياء مراكز علم رواية الحديث والاعتناء به في العالم الإسلامي في عصر مؤلف الأربعين، حتى إن بعض من يعتنى بذلك قد يتفق مع أحد أهل العلم والإسناد، ويذهبان إلى بعض البلاد أو ضواحيها ليسمع الطالب من المسند في هذا الموضع بعض مروياته، ويقيدها عنه، ثم يغادر كل منهما هذا الموضع إلى محل إقامته.
وقد حاول العراقي ذلك أكثر من مرة ليستكمل أربعين بلدا، قال تلميذه ابن حجر: إن العراقي جمع لنفسه أربعين بلدانية، لم تكمل (٢) وقال: رأيتها بخطه وقد زادت على الثلاثين (٣) وعدد ابن خطيب الناصرية سبع عشرة بلدا مما سمع العراقي فيها الحديث عن شيوخه خلال طلبه الحديث بنفسه ورحلاته فيه كما تقدم تفصيله، ثم قال: وبغيرها - يعنى وسمع بغيرها - من البلاد يجمعها الأربعون البلدانية التي خرجها، لكنه لم يكملها، بقى عليه منها أربعة بلاد (٤).
ونحو ذلك عدد السخاوى البلاد ثم قال: وتمام ستة وثلاثين، بحيث أفرد البلدانيات بالتخريج، ورام البروز لبعض الضواحي (٥) ومعه بعض المسندين.