بالتساعيات السابقة. وباعتبار أن العراقي من تلاميذ البياني - كما قدمت - يكون سند العراقي تساعيًا بهذه العشرين.
وقوله عن سبب جمعها: «لِيَعْرِفَ حَالَهَا» فيه إشارة إلى أنه بين درجة كل حديث منها، وأن جميعها من نوع الضعيف. وإن تفاوتت من ضعيف إلى أضعف.
وذلك بناء على ما وجدته من تعبيره بمثل هذه العبارة اعتذارًا عما أورده من مروياته هو من العوالي الضعيفة أو شديدة الضعف باعتبار سندها العالي، حيث إنه في آخر الأربعين العشارية له، السابق دراستها. قال: وقد وقع لنا حديثان آخران في المعجم الصغير للطبراني بهذا الإسناد، تساعيان، في الثاني منهما نظر، فرأيت إيرادهما، مع بيان أمرهما، للفائدة … وساقهما، ثم بين ضعف كل منهما بالإسناد التساعي الذي رواهما به (١).
وبهذا الاعتذار يدفع عن العراقي ما يلاحظ من التعارض بين عنايته بجمع العوالى الضعيفة أو شديدة الضعف، وبين نقده لمن يفرح بإخراج مثلها، كما قدمت في دراسة الأربعين العشارية له.
стр. 2032
خامسا: تخريج أربعين حديثا تساعيات الإسناد من مرويات الميدومي
نسبة الكتاب إلى العراقي وبيان موضوعه.
ذكر تلميذ العراقي ابن فهد المكى مما ألفه شيخه العراقي في التخريج: أربعين حديثا تساعية للميدومى (١) وكذا ذكره السخاوى (٢).
وذكره غيرهما كما سيأتي.
والميدومي: هو محمد بن محمد بن إبراهيم، أبو الفتح الميدومي، وهو أعلا شيوخ العراقي المصريين إسنادا، وقد أكثر العراقي الرواية عنه خصوصا في عواليه، كما قدمت توضيحه في التعريف بشيوخ العراقي، وفي دراسة كتابه «الأربعين العشارية» وقد توفى الميدومي سنة ٧٥٤ هـ (٣).
ومن عنوان هذا الكتاب يُعرف أن موضوعه هو جمع أربعين حديثا من مرويات الميدومي العالية، بحيث تكون سلسلة الإسناد من أول شيخه إلى رسول الله ﷺ تسعة أشخاص، بما فيهم الصحابي الراوي للحديث.
وبناء على كون العراقي من تلاميذ الميدومى الحريصين على الأخذ عنه، تكون هذه الأحاديث عشارية الإسناد بالنسبة إلى العراقي.
وقد ذكر الشيخ الكتاني ﵀ هذا الكتاب ضمن مؤلفات العراقي، ثم ذكر أنه يروى بأسانيده إلى العراقي، عامة ما له من
стр. 2033
مؤلفات بما فيها تساعيات الميدومى هذه (١).
ولكن لم أقف على نسخة لكتاب التساعيات، هذا، ولا على أي شيء من النقول المعزوة إليه.
стр. 2034
سادسا: تخريج أربعين حديثا بلدانية، من مرويات العراقي نفسه
١ - نسبة الكتاب إلى العراقي، وبيان موضوعه، وما أنجزه العراقي منه
ذكر غير واحد من تلاميذ العراقي وغيرهم ممن ترجم له، أن من مؤلفاته في التخريج: أربعين حديثا بلدانية (١).
ومعنى كون هذه الأربعين بلدانية: أن كل حديث منها قد تلقاه العراقي عن أحد شيوخه في بلد معين، ولأجل هذا وصفت بأنها بلدانية وسماه ابن قاضي شهبة والمناوي: الأربعين متباينة البلاد (٢).
وقد يكون البلد كبيرا مثل مكة، والقاهرة، وقد يكون قرية أو ضاحية تتبع بلدا كبيرا مثل حمص وحماه بالنسبة للشام، وقاسيون بالنسبة لدمشق آنذاك، وقد تكون حيا من أحياء بلد كبير مثل «سوق الليل» من أحياء مكة المكرمة. وقد سبق العراقي إلى تخريج هذا النوع من الأربعينات، من كثير من العلماء كابن عساكر (ت ٥٧١ هـ) والسلفي (ت ٥٧٦ هـ) كما لحقه فيه كثيرون، حتى عصرنا الحاضر، حيث ألف شيخنا الفاداني ﵀ (ت ١٤١٠ هـ) أربعين حديثا بلدانية، عن أربعين شيخا من أربعين بلدا (٣) وهي مما أجازني بروايته عنه، والحمد لله.
стр. 2035
والتأليف في هذا النوع له أهميته من وجوه: -
منها: الدلالة على اتساع رحلة المؤلف وعلو همته في طلب الحديث (١).
ومنها: إحياء مراكز علم رواية الحديث والاعتناء به في العالم الإسلامي في عصر مؤلف الأربعين، حتى إن بعض من يعتنى بذلك قد يتفق مع أحد أهل العلم والإسناد، ويذهبان إلى بعض البلاد أو ضواحيها ليسمع الطالب من المسند في هذا الموضع بعض مروياته، ويقيدها عنه، ثم يغادر كل منهما هذا الموضع إلى محل إقامته.
وقد حاول العراقي ذلك أكثر من مرة ليستكمل أربعين بلدا، قال تلميذه ابن حجر: إن العراقي جمع لنفسه أربعين بلدانية، لم تكمل (٢) وقال: رأيتها بخطه وقد زادت على الثلاثين (٣) وعدد ابن خطيب الناصرية سبع عشرة بلدا مما سمع العراقي فيها الحديث عن شيوخه خلال طلبه الحديث بنفسه ورحلاته فيه كما تقدم تفصيله، ثم قال: وبغيرها - يعنى وسمع بغيرها - من البلاد يجمعها الأربعون البلدانية التي خرجها، لكنه لم يكملها، بقى عليه منها أربعة بلاد (٤).
ونحو ذلك عدد السخاوى البلاد ثم قال: وتمام ستة وثلاثين، بحيث أفرد البلدانيات بالتخريج، ورام البروز لبعض الضواحي (٥) ومعه بعض المسندين.
стр. 2036
من شيوخ شيخنا (١)، ليكملها أربعين، فما تيسر، كما ذكر السخاوى أيضا أن العراقي هم بالرحلة إلى كل من تونس وبغداد فلم يقدر له هذا (٢).
أما تلميذ العراقي ابن فهد فقال: وقد خرج لنفسه أربعين بلدانية، لم تكمل، بلغ بها ستة وثلاثين بلدا (٣).
فمن ذلك يستفاد أن العراقي قد ألف معظم كتابه الأربعين البلدانية، ولم يتح له إكمال البلاد التي سمع الحديث بها أربعين، حتى يكمل الكتاب، ورغم محاولته ذلك بقى عليه أربعة بلاد، حتى يكمل عدد البلاد التي سمع الحديث بها أربعين، وبالتالى صار عدد ما أنجزه من الكتاب ستة وثلاثين حديثا فقط، كل حديث منها سمعه من شيخ في بلد، أو ضاحية، ثم دونها جميعا في هذا الكتاب.
ولكنى لم أقف لهذا الكتاب على أي نسخة خطية، ولا نقول منه.
٢ - مشتملات الكتاب، ودرجة أحاديثه إجمالا.
عامة من ترجم للعراقي لم يذكروا شيئا عن مادة هذا الكتاب العلمية تفصيلا، ما عدا ابن فهد المكي - تلميذه بالمكاتبة والإجازة - فإنه خلال بيانه لمؤلفات شيخه العراقي قال: وأربعين بلدانية، انتخبها من صحيح ابن حبان (٤) وقوله «انتخبها» يعنى: اختارها، وبذلك يستفاد أن الأحاديث الستة والثلاثين التي أودعها العراقي في كتابه هذا؛ جميعها مما أخرجه ابن حبان في.
стр. 2037
صحيحه، ولعل ابن فهد استفاد هذا من قول العراقي في طرح التثريب عند ترجمته لابن حبان: خرجت له من صحيحه أربعين حديثا بلدانية (١) ومن يطالع صحيح ابن حبان يجده يذكر في كثير من الأحاديث اسم البلد التي سمع فيها هذا الحديث من شيخه، فلعل العراقي اختار من بلدانيات ابن حبان، ما وقع له أيضا بلدانيا، وعلى ضوء مراجعة الأربعينات البلدانية التي ألفها غيره، يمكن القول: إن العراقي في كتابه هذا يذكر سنده برواية الحديث عن شيخه المعين، ويذكر اسم البلد التي سمع الحديث فيها منه، ويسوق باقي إسناد الشيخ إلى أن يصل إلى ابن حبان بسنده في صحيحه للحديث المذكور سماعه له من شيخه في بلد معين، وهكذا، ومن ذلك يستفاد أن درجة أحاديث هذا الكتاب كلها مما هو صحيح عند ابن حبان، بمقتضى إخراجه في صحيحه.
٣ - أثر الكتاب فيما بعده
رغم أنني لم أقف للكتاب على نسخة، ولا وقفت على نقول عنه، كما قدمت، إلا أن تلميذ العراقي ابن فهد قد انفرد أيضا بذكر ما يدل على أثر الكتاب فيمن بعده، فذكر أن شيخه أبا حامد بن ظهيرة المكي قرأ العشرة الأحاديث الأول من هذا الكتاب على مؤلفه الحافظ العراقي، وحدد تاريخ هذه القراءة هكذا «سنة أربع وسبعمائة» (٢).
وقد أشار محقق ذيل تذكرة الحفاظ لابن فهد الذي ورد فيه هذا القول، إلى استشكال هذا التاريخ، وهو محق في استشكاله، لأن ابن ظهيرة هذا هو:
стр. 2038
جمال الدين أبو حامد، محمد بن عبد الله بن ظهيرة المكي، وقد ولد سنة ٧٥١ هـ، وتوفى سنة ٨١٧ هـ (١) والتاريخ السابق لا يتفق مع تاريخ مولده، بل ولا مولد شيخه العراقي مؤلف الكتاب.
ولكن هناك قرينة يمكن على ضوئها تصويب هذا التاريخ بأنه سنة ٧٧٤ هـ، والقرينة التي يمكن الاستدلال بها ما تقدم في رحلات العراقي الحجازية، من أنه في الرحلة الرابعة له، قرأ ابن ظهيرة هذا عليه بعضا من شرحه على ألفيته في المصطلح، في مجالس آخرها في ٢٤ ذي القعدة سنة ٧٧٣ هـ.
وكتب العراقي حينذاك بخطه إجازة لابن ظهيرة هذا، ولغيره ممن حضر القراءة عليه، بما يجوز له وعنه روايته.
فلعل العراقي بقي بمكة من أواخر ذى القعدة سنة ٧٧٣ هـ إلى بداية ٧٧٤ هـ وبالتالي واصل ابن ظهيرة القراءة عليه، وكان مما قرأه حينذاك العشرة الأحاديث الأولى من هذا الكتاب، وتحملها هو ومن حضر عن العراقي بتلك القراءة عليه.
بل إن فهد بعد ذكره لقراءة ابن ظهيرة هذه العشرة على العراقي، ذكر في موضع ثان من ترجمته للعراقي إن ابن ظهيرة قرأ على العراقي كل ما أنجزه من هذه الأربعين، وهو ستة وثلاثون حديثا كما سبق (٢) فلعله استكمل قراءة الباقي بعد قراءة العشرة الأول، وبذلك تعتبر قراءة ابن ظهيرة هذه على العراقي لما أنجزه من هذا الكتاب، هي الثمرة الأولى من ثماره وآثاره في الرواية والدراية، لاسيما مع سماع غير ابن ظهيرة ممن حضر، مثلما حصل في قراءته.
стр. 2039
السابقة على العراقي في شرحه لألفيته في المصطلح.
وأيضا الحافظ ابن ظهيرة هذا قد ذكر العراقي في معجم شيوخه مع مروياته عنه (١).
وذكر في ترجمته أنه تصدر لإفادة الطلاب بمكة من سنة ٧٧٠ هـ، فازدحموا عليه، وحدث بغالب مسموعاته، ولاسيما ما تضمنه معجم شيوخه هذا (٢) بمن فيهم العراقي، ومروياته عنه.
وبذلك اتصل أثر الكتاب عن طريق الحافظ ابن ظهيرة فضلا عن غيره ممن حضر معه القراءة على العراقي.
стр. 2040
تخريجه للأمالي الحديثية
أولا: سبق أن ذكرت الأمالي الحديثية للعراقي ضمن وظائفه العلمية وأثرها في علوم السنة، ونشاطه في ذلك خارج مصر وداخلها، حيث إنه بدأ إحياءه لسنة إملاء الحديث بالمدينة النبوية، ثم استكمل ذلك بمصر على مدى عشر سنوات، كما تقدم.
وقدمت هناك مفهوم الإملاء، وسببه وأهميته في الرواية، وكيفية وخطوات إعداد العراقي له، وغير ذلك.
فلا حاجة لإعادة شيء من ذلك.
ولكني أتناول هنا تلك الأمالي من جوانب أخرى. وذلك على النحو التالي: -
١ - الأمالي المتفرقة وأثرها:
والمقصود بهذا النوع من الأمالي ما تناول العراقي في كل مجلس أو أكثر منه موضوعا معينا غير متقيد في ذلك بكتاب معين، وإنما يكون الإملاء بمناسبة معينة، كما سيأتي (١) والذي وقفت عليه من ذلك كاملا، قليل، وبعضها، وقفت على نقول منه في مؤلفات غيره من تلاميذه فمن بعدهم. وذلك كما يلي:
أ - الحديث المسلسل بالأولية، وشرحه:
ومعنى التسلسل بالأولية أن الحديث المذكور يكون هو أول حديث سمعه العراقي من شيخه الذي يرويه عنه، وهكذا يكون أول حديث أيضا سمعه شيخه فمن فوقه في الإسناد (٢).
стр. 2041
فيقول العراقي فيه: حدثنا أبو الفتح محمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي القاسم … . البكري، الميدومى، سماعا من لفظه، وهو أول حديث سمعته من لفظه، قال: حدثني أبو الفرج عبد اللطيف بن عبد المنعم بن على بن نصر الحراني، وهو أول حديث سمعته من لفظه … . وهكذا يستمر تصريح كل راو بأن هذا الحديث هو أول حديث سمعه ممن فوقه في الإسناد حتى قول عبد الرحمن بن بشر بن الحكم حدثنا سفيان بن عيينة، وهو أول حديث سمعته منه، ثم يتوقف التسلسل، فيرويه سفيان عن عمرو بن دينار عن أبي قابوس مولى عبد الله بن عمرو بن العاصى عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن النبي ﷺ قال: الراحمون يرحمهم الرحمن ﵎، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء … » ولا يُذكر في هذا الحديث تسلسل الأولية من سفيان فمن فوقه (١).
ويبدو أن العراقي كما استفتح أماليه الحديثية في المدينة النبوية بهذا الحديث، فإنه استفتحها أيضا في القاهرة بالحديث نفسه، تحقيقا للسبب الذي ذكره للاستفتاح به في أمالي المدينة حيث قال: ليحصل التسلسل لمن ابتدأ السماع من الصبيان، والغرباء (٢).
ومما يدل على أن العراقي قد استفتح أماليه القاهرية بهذا الحديث أمران: -
أولهما: أن العراقي في المجلس (٨٦) من تلك الأمالي ذكر حديث الرحمة هذا من رواية عبد الله بن عمرو بإسناد غير مسلسل بالأولية، ثم قال: وقد
стр. 2042
تقدم إيراد هذا الحديث مسلسلا في المجلس الأول من الإملاء، بإسناد آخر (١) إشارة إلى الإسناد المسلسل بالأولية كما قدمت.
ثانيهما: أن على بن خطيب الناصرية، تلميذ العراقي وولده أبي زرعة بمصر، قال في مجموع له: فائدة، نقلتها من خط الحافظ أبي الفضل العراقي، من المجلس الأول من إملائه: سأل سائل عن قوله ﷺ في حديث عبد الله بن عمرو: «الراحمون يرحمهم الرحمن»، ما الحكمة في قوله: «الراحمون» الذي هو جمع راحم، ولم يقل: «الرحماء» جمع «رحيم» الذي هو الغالب في الاستعمال؟ …
ثم ذكر الجواب عن ذلك في نحو عشرة أسطر، وفيه نقل العراقي عن غيره ما يوضح جواب السائل، ويتضمن شرح ألفاظ الحديث.
وبمراجعة الحديث في بداية أمالى العراقي بالمدينة لا نجد فيه إلا رواية الحديث بسنده المسلسل فقط مع تخريجه غير مسلسل بالعزو إلى أبي داود والترمذي وقال حسن صحيح (٢).
وبمراجعة ما وجدته من أمالي العراقي القاهرية يتضح أنه كان يجعل لكل مجلس موضوعا، فيفهم مما قدمته أن العراقي قد خصص المجلس الأول من أماليه القاهرية لإملاء الحديث المسلسل بالأولية، وذلك بروايته بإسناده كما أسلفت، مع التعليق عليه بالشرح لما سأله عنه بعض السامعين، وبيان ما تيسر له من الفوائد الحديثية، كما هو شأن مطالب الأمالي.
ويفهم من كلام تلميذه ابن خطيب الناصرية السابق أن العراقي كان يكتب.
стр. 2043
تلك الأمالي بخطه بعد إعدادها
وقد اعتبر الشيخ عبد الحي الكتاني ﵀ هذا المجلس من أمالي العراقي تأليفا مفرداً له، فذكر روايته لهذا الحديث من طرق، منها: طريق المسندة أم محمد زينب بنت زين الدين العراقي، والرئيسة أم المكارم أنس، زوجة الحافظ ابن حجر، وأبى الفتح محمد بن أبي بكر المراغى، والحافظ ابن حجر، أربعتهم عن الحافظ زين الدين العراقي بسنده السابق (١).
وذكر جماعة ممن أفرد هذا الحديث بالتأليف، وذكر من بينهم الحافظ العراقي (٢).
ب - ما كان العراقي يستفتح به مجالس إملائه، وتحديد يوم الإملاء وإعداد مادته العلمية وحفظها، والمقارنة الإجمالية لها.
ذكر السخاوي أن شيخه ابن حجر كان يستفتح مجلس الإملاء بقراءة سورة الأعلى، وقد سئل عن الحكمة في خصوص سورة الأعلى، دون غيرها، فقال: قد تبعت في ذلك شيخنا العراقي، ثم قال: وفيها من المناسبة قوله ﴿تعالى﴾: ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾ وقوله: ﴿فذكر﴾ وقوله: ﴿صحف إبراهيم وموسى﴾ (٣).
فقول الحافظ ابن حجر: تبعت في ذلك شيخنا العراقي، يدل على أن العراقي كان يستفتح مجلس إملائه بقراءة هذه السورة، بنفسه أو بغيره.
стр. 2044
كما يدل هذا على تأثير الحافظ ابن حجر في أماليه، بشيخه العراقي في أماليه الحديثية هذه.
وقد قدمت عند الكلام على تلك الأمالي ضمن الوظائف العلمية للعراقي، ووصف ابن حجر لأمالي شيخه بأنه كان يمليها من حفظه متقنة محررة مهذبة كثيرة الفوائد الحديثية، وقد وصف السخاوي أمالي شيخه ابن حجر تلميذ العراقي بمثل تلك العبارة (١).
كما اتفق الحافظ ابن حجر مع شيخه العراقي أيضا في اليوم المحدد للإملاء وهو يوم الثلاثاء من كل أسبوع، كما يلاحظ هذا من تاريخ بعض المجالس من إملاء كل منهما (٢).
وهذا أيضا من دلائل تأثير العراقي في تلميذه الحافظ ابن حجر.
وإن كان السخاوي بعدما أثبت بعض علامات التأثير هذه، فضل أمالي الحافظ على شيخه العراقي في عبارة مهذبة فقال:
ومن رام التفضيل بين مجالسه - يعني ابن حجر - ومجالس شيخه - يعني العراقي فلينظرهما، فالذي عندي - مع اعتقادي جلالة شيخه علما وعملا وإتقانا، أنها أمتن وأتقن (٣).
جـ - المجلسان العاشر والحادي عشر من الأمالي المتفرقة «عرض وتحليل».
وهذان المجلسان لم أجد لهما نسخة، ولكن وجدت في شرح ألفية السيرة النبوية للعراقي تأليف تلميذه محب الدين أبي الفتح محمد بن أحمد بن
стр. 2045
محمد بن عماد المصرى المعروف بابن الهائم المتوفى سنة ٧٩٨ هـ (١)، ما سأذكره من النقول عنهما فيما يلي: -
ذكر ابن الهائم هذا حديث ابن عباس: «ولد رسول الله ﷺ يوم الفيل» وعزاه إلى الجزء الأول من حديث يحيى بن معين (٢) وعقب عليه بقوله: قال شيخنا الناظم - فسح الله في مدته. في المجلس العاشر من أماليه: وإسناده جيد عال (٣).
وفي هذا الشرح أيضا - ضمن أدلة ولادته ﷺ مختونا، قال الشارح: ومنها ما رويناه عن شيخنا الناظم - فسح الله في مدته - بالإجازة، في المجلس الحادى عشر - من أماليه، قال: أنا أبو الفتح محمد بن إبراهيم الميدومي … . وساق سنده إلى الحسن عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ ولد مختونا.
ثم قال: قال شيخنا أبقاه الله عقب إملائه هذا الحديث: هذا حديث في إسناده مقال، ومحمد بن كثير الكوفى مشاه يحيى بن معين، فقال: ليس به بأس، وضعفه الجمهور، وإسماعيل بن مسلم البصرى، نزيل مكة، كان رجلا عابدا، لكنه ضعيف أيضا، والحسن لم يسمع من أبي هريرة على المشهور. انتهى.
ثم ذكر ابن الهائم حديثا آخر من أدلة ولادته ﷺ مختونا.
فقال: ومنها ما رواه الحافظ أبو الحسين محمد بن جميع الغساني في معجم.
стр. 2046
شيوخه من حديث عطاء عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ ولد مختونا مسرورا (١).
وعقب على هذا فقال: قال شيخنا في المجلس الحادى عشر من أماليه: وفي إسناده جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، تأمر القضاء بسر من رأى، وهو ضعيف جدا (٢).
فمن هذه النقول يتضح الآتى: أولا: أن هذين المجلسين من الأمالي المتفرقة، حيث يتناول كل منهما موضوعا معينا.
فالمجلس العاشر متعلق بتحديد تاريخ مولده ﷺ . والمجلس الحادي عشر متعلق بولادته مختونا مربوط السرة، وهذان من صفاته ﷺ الخلقية.
ثانيا: أن العراقي كان يراعى شروط الإملاء من حيث اختيار ما يكون إسناده به عاليا، مع بيان درجته، فقال في حديث ابن عباس في المجلس العاشر: إسناده جيد عال.
وقد روى في المجلس الحادى عشر حديث أبي هريرة عن شيخه الميدومى، وهو من أعلا أسانيده.
ثالثا: أن بيان العراقي لدرجات الأحاديث التي كان يمليها تارة بعبارة اصطلاحية مثل قوله السابق: إسناده جيد، وتارة ببيان ما في سند الحديث، أو بعض رجاله من أقوال، وذلك بعبارة مختصرة ومفيدة، كما في كلامه السابق عن حديث أبي هريرة من حيث انقطاع سنده، بعدم سماع الحسن.
стр. 2047
من أبي هريرة على المشهور، ومن حيث بيان ضعف راويين من رجاله. ومثل حكمه على حديث ابن عباس: بأن في إسناده جعفر الهاشمي، وأنه ضعيف جدا.
رابعا: إن ما كان يمليه من الأحاديث في الموضوع الذي يتناوله، منها ما يكون في درجة المحتج به بمفرده، مثل حديث تاريخ ولادته ﷺ . ومنها ما يكون ضعيفا، أو ضعيفا جدا، مثل الحديثين الآخرين.
وبذلك اشتملت تلك الأمالى على ما ذكره المترجمون للعراقي من الفوائد الحديثية المحررة، كما هو شأن أمالي الحفاظ النقاد.
خامسا: أن تلك الأمالي كان لها فعلا، أثر علمى فيمن بعد العراقي، كما ترى، فرغم افتقاد نسخة خطية لمجموع تلك الأمالي، فقد وجدت النقول الكثيرة عنها في مؤلفات تلاميذ العراقي، مثل ابن الهائم هذا، ومثل الحافظ ابن حجر (١).
كما وجدت نقول أيضا منها في مؤلفات من جاء بعد العراقي من المحدثين والحفاظ غير تلاميذه (٢).
د - المجلس الثاني والثمانون من الأمالي، وأثره. «عرض وتحليل ومقارنة»
وهذا المجلس قد طبع في آخر كتاب التقييد والإيضاح مع مقدمة ابن الصلاح في مصر سنة ١٣٨٩ هـ/ نشر المكتبة السلفية بالمدينة المنورة. ص ٤٧٣ - ٤٧٥.
стр. 2048
وقد أرخ تاريخ إملائه في يوم الثلاثاء ٢ من ذي الحجة سنة ٧٩٦ هـ. ومن هذا التاريخ يظهر أن العراقي قد أملاه بمناسبة زمانية كريمة وهي «حلول العشر الأول من شهر ذي الحجة».
وقد جاء في بدايته أن العراقي حدث به جماعة الحاضرين إملاء من حفظه ولفظه (١).
وقد روى العراقي فيه ثلاثة أحاديث بإسناده عن شيوخه، وهي في فضل العمل - وخاصة ذكر الله تعالى بالتسبيح والتهليل - في عشر ذي الحجة.
وقد اختار العراقي في هذا المجلس تخريج حديث اختلف النقاد في حاله، فتصدى لتحقيق القول في ذلك، وبيان موقفه من أقوال النقاد قبله.
فقد أخرج بسنده إلى أحمد بن على بن سعيد المروزي قال: حدثنا ابن شاهين قال: حدثنا خالد عن يزيد عن مجاهد عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ما من أيام أعظم عند الله، ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتحميد والتسبيح والتكبير.
ثم قال: هذا حديث رجاله مخرج لهم في الصحيح، فابن شاهين، واسمه: إسحق، احتج به البخاري. وخالد هو ابن عبد الله الواسطى، اتفقا عليه. ويزيد وهو ابن أبي زياد، روى له مسلم في المتابعات، وعلق له البخاري. ثم قال: والحديث أوله مشهور من حديث ابن عباس، وآخره غريب من حديثه.
стр. 2049
وإنما يعرف آخره من حديث ابن عمر، كما سيأتي. أهـ
والمراد بآخره قوله ﷺ : «فأكثروا فيهن من التهليل». ثم بين العراقي أن أول الحديث مع شهرته من حديث ابن عباس، فهو صحيح من حديثه أيضا، حيث عزاه إلى البخاري وأبي داود والترمذي وابن ماجة، كلهم من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، دون قوله في آخره: فأكثروا (الحديث)، وزاد فيه ذكر الجهاد، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب.
ثم أخرج بسنده إلى أبي عوانة عن يزيد بن أبي زياد عن مجاهد، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ ما من أيام أفضل عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من أيام العشر، فأكثروا فيهن من التسبيح والتهليل.
ثم قال العراقي: هذا حديث حسن، ويزيد بن أبي زياد، أخرج له مسلم في المتابعات، كما تقدم.
ثم قال: (وحكى البيهقي) (١) في شعب الإيمان عن أحمد بن حنبل أنه قال: ما قال فيه أحد هذا الكلام الأخير إلا أبو عوانة.
يعني: فأكثروا فيهن (الحديث).
ثم اعترض عليه البيهقي بأنه رواه أيضا محمد بن فضيل، وأبو سعد مسعود، كلاهما عن يزيد بن أبي زياد.
وعقب العراقي على ما ذكره البيهقي بقوله: قلت: وقد وقع لنا من طريق محمد بن فضيل … وساق رواية ابن فضيل بإسناده، ثم قال: وأما رواية أبي سعد مسعود، عن يزيد بن أبي زياد، فرواها البيهقي في شعب الإيمان. هـ (٢).
стр. 2050
أقول: ورواية محمد بن فضيل أحال بها البيهقي على كتاب الدعوات له، ولكني لم أجدها في طبعته الحالية، في مظنتها منه لكني وجدت ابن أبي شيبة قد أخرجها في مصنفه عن محمد بن فضيل به (١).
أما رواية أبي سعد مسعود فقد أخرجها البيهقي في الشعب، كما أشار العراقي، وذلك عقب ما ذكره من قول الإمام أحمد بتفرد أبي عوانة بذكر «فأكثروا فيهن .. » (الحديث).
فأشار بذلك إلى رد قول الإمام أحمد بتفرد أبي عوانة بهذه الزيادة.
وأبو عوانة: هو الوضاح بن عبد الله اليشكرى، من الأثبات/ التقريب (٧٤٥٧). فتفرده غير قادح، بل أخرج روايته أبو عوانة في مستخرجه كما سيأتي.
ثم إن العراقي أضاف ما لم يذكره البيهقي وهو: أن يزيد بن أبي زياد، شيخ أبي عوانة قد توبع أيضا على هذه الزيادة من أحد الثقات، بإسناد جيد. فقد قال العراقي: قلت: وتابع يزيد بن أبي زياد عليه موسى بن أبي عائشة - أحد الثقات - عن مجاهد، رواه خيثمة بن سليمان الأطرابلسي، بإسناد جيد (٢).
أقول: والأطرابلسي هذا من محدثى طرابلس الشام المعروفين الثقات وقد توفى سنة ٣٤٣ هـ، ولم يصلنا من مؤلفاته إلا القليل (٣). ولم أجد الحديث
стр. 2051
المذكور فيما طبع من أجزائه الحديثية، وإن كان العراقي قد عوضنا عن ذلك: بحكمه على إسناد الحديث عنده بأنه جيد. لكني وجدت الحديث قد أخرجه أبو عوانة في مستخرجه على صحيح مسلم في كتاب الصيام - كما في إتحاف المهرة ٨/ حديث (١٠١٢٠) قال: حدثني أبو يحيى بن أبي مسرة ثنا عبد الحميد بن غزوان ثنا أبو عوانة عن موسى بن أبي عائشة عن مجاهد بن جبر عن عبد الله بن عمر به.
ومعروف أن صحيح أبي عوانة هذا أشهر، وأقوى عموما من كتاب خيثمة الأطرابلسي الذي عزا العراقي هذه الرواية إليه، كما تقدم، فلعله حين أعد أحاديث هذا المجلس للإملاء لم يتح له مراجعة صحيح أبي عوانة، وإلا فإن العزو إليه أولى حسب قواعد التخريج الاصطلاحية التي نقد العراقي بها غيره (١).
وبمجموع ما ذكره العراقي من عند البيهقي، وما أضافه هو من جانبه، من طرق حديث ابن عمر، والحكم على الذي ذكره بأن إسناده جيد، مع توثيق المتابع وهو موسى بن أبي عائشة، يثبت بكل هذا أن رواية زيادة «التسبيح والتهليل» وإن كانت غريبة من حديث ابن عباس، فهي معروفة من حديث ابن عمر هذا.
وقد أخرجه أبو عوانة في صحيحة، كما قدمت.
ومجموع طريقيه: التي أخرجها العراقي، والتي أخرجها أبو عوانة في صحيحه، يرتقى الحديث بتلك الزيادة إلى الحجية.
стр. 2052
فالطريق الأولى فيها يزيد بن أبي زياد الهاشمي، وهو وإن أخرج له مسلم في المتابعات كما ذكر العراقي آنفًا، لكن غاية ما يترجح في حاله أنه صدوق تغير بآخره (١).
والطريق الثانية في إسنادها أبو يحيى بن أبي مسرة، وعبد الحميد بن غزوان وما قيل في حال كل منهما (٢) مع تخريج أبي عوانة للحديث في صحيحه من طريقهما، يمكن ترقية حال كل منهما إلى مرتبة من يحسن حديثه لذاته على الأقل.
وبذلك يكون حكم العراقي بجودة هذا الإسناد، مقارب لحال راوييه هذين مع ثقة باقي رجاله.
الاستنتاج:
وعلى ضوء ما تقدم، فإنه يستفاد مما أورده العراقي في هذا المجلس عن الحديث المذكور من رواية ابن عمر وابن عباس، فوائد: -
منها: تخريج العراقي للحديث بإسناده العالى عن شيوخه، مع التخريج بالعزو إلى بعض المصادر الأصلية من كتب الصحيح والسنن.
ومنها: الصناعة الحديثية التطبيقية لقواعد نقد الرواة ودراسة الأسانيد، ومصطلحات الحكم على الأحاديث.
فمن ذلك تقريره أن حديث ابن عباس أوله مشهور عنه وآخره غريب عنه
стр. 2053
أيضا، فاجتمع في وصفه الشهرة والغرابة المقيدتين باعتبار طرق روايته عن ابن عباس، كما حكم بالحسن والجودة على طريقين للحديث. وأيضا بين أن الحكم بتفرد بعض الرواة مطلقا بزيادة في الحديث عن باقي الرواة، يمكن بتتبع الطرق الوقوف على ما يدفع هذا الحكم بالتفرد، ولو كان من بعض نقاد الحديث الكبار، كالإمام أحمد هنا ﵀.
كما أن العراقي زاد على ما أورده البيهقي من متابعات، مع بيان جودة إسناد ما زاده، وبذلك دفع ما كان يمكن ظنه من تفرد يزيد بن أبي زياد بما في آخر الحديث، وأثبت تقوية طريقه المذكور.
ومن ذلك أن العراقي مع سعة علمه واطلاعه الذي مكنه من الزيادة على البيهقي، قد فاته عزو الحديث إلى مصدر مشهور مما اشترط فيه الصحة وهو مستخرج أبي عوانة على صحيح مسلم كما تقدم.
ولكن مع ذلك يعتبر هذا المجلس بما قدمته عنه أنموذجا واضحا لما وصفت به أمالي العراقي الحديثية من فوائد حديثية لا توجد مجتمعة في غيرها، حيث لم أجد بعد البيهقي من جمع طرق الحديث المذكور وزاد على ما ذكره منها غير العراقي في هذا المجلس، مع بيانه لآثار هذه الطرق في دفع الغرابة والضعف عن الحديث. كما أسلفته.
٢ - الإملاء لكتاب مستقل من مؤلفات العراقي.
أ - تخريج طرق حديث «الموت كفارة لكل مسلم».
أولا: المراد بطرق الحديث:
نقل السخاوى عن كتاب سماه «الذخائر»: أن طرق الحديث معرفة ما تضمنته من الأحكام مع معرفة رواته، ثم قال: وهذا مخالف لاصطلاحهم.
стр. 2054
يعني المحدثين - فإنهم إنما يريدون بالطرق: تعداد الأسانيد، والوجوه (١) للحديث الواحد.
ثم قال: وقال صاحب الوافي: المراد بطرقه، معرفة الصحيح والضعيف والغريب، ومعرفة أسماء الرجال، وعدالتهم وجرحهم، وتعرف معانيه (٢).
والمؤلفات التي بين أيدينا من تأليف المتقدمين والمتأخرين إلى عصر العراقي في جمع طرق حديث (٣) أو أكثر تدل على أن المراد بطرق الحديث، ذكر أسانيده الكاملة، وطرقه المتفرعة عن الأسانيد في أي حلقة من رجالها. وبيان درجاتها. وذكر ألفاظ المتون المروية بتلك الأسانيد والطرق.
وذكر ما يتطلبه المقام من التعريف بالرواة، وشرح ألفاظ المتون، وغير ذلك (٤).
ثانيا: إملاء العراقي كتاب «طرق حديث: الموت كفارة لكل مسلم»
١ - نسبته إلى العراقي، وموضوعه، وأثره.
يعتبر العراقي في مقدمة من نسب هذا الكتاب إلى نفسه فقد ذكر الغزالي:
стр. 2055
هذا الحديث في الإحياء (١) فذكر العراقي في تخريجه له، قول ابن العربي في سراج المريدين: إنه حسن صحيح، ثم قال: وضعفه ابن الجوزى (٢) وقد جمعت طرقه في جزء (٣) ومقتضى هذا أنه ألف هذا الجزء قبل فراغه من التخريج المختصر للإحياء الذي ذكر فيه هذا، وتاريخ فراغه منه متقدم كثيرا عن تاريخ أماليه المصرية هذه.
فلعله كان مؤلفا من قبل، ثم بدا له أن يمليه ضمن تلك الأمالي، حيث إنه تكلم عن الكتاب نفسه في كتاب آخر.
وهو رده على موضوعات الصغاني كما سيأتي في موضعه.
وقد أشار إلى أن ما أورده في هذا الجزء قد رواه بإسناده كما هو المعروف في عامة أماليه.
فقد ذكر أبو الحسن الصغاني هذا الحديث ووصفه بالوضع فذكر العراقي أنه قد سبقه إلى ذلك ابن الجوزى ثم تعقبهما بقوله: قلت: وقد رويناه من حديث جماعة من الصحابة، يحصل من مجموعها أنه حديث حسن، رواه أبو نعيم في الحلية (٤) والبيهقي في شعب الإيمان (٥) والخطيب في تاريخ بغداد (٦) من حديث أنس. ورواه القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب سراج المريدين، وقال عقبه: إنه حديث حسن صحيح.
стр. 2056
ثم قال العراقي: وقد جمعت طرقه في جزء مفرد (١).
ونسب هذا الجزء أيضاً للعراقي تلميذه ابن فهد (٢)، ونسب إليه تلميذه ابن حجر وغيره، مع تقرير أنه من ضمن أماليه الحديثية كما سيأتي.
ولم أقف على شيء من نسخ هذا الكتاب، ولكن وقفت على بعض نصوصه، كما سيأتى، وهي تفيد أن موضوع هذا الجزء هو جمع طرق الحديث المذكور برواياته عن جماعات من الصحابة، مع سوق طرقهم بإسناد العراقي عن شيوخه، والكلام على درجته. على ضوء ما توافر له من طرقه. وكلام العراقي السابق في تعقبه للصغاني وابن الجوزى يفيد أيضا ذلك.
أما السخاوى فقد ذكر الحديث وعزاه إلى البيهقي في الشعب، والقضاعي من حديث يزيد بن هارون عن عاصم الأحول، عن أنس، به مرفوعا، وصححه أبو بكر بن العربي.
وقال العراقي في أماليه: إنه ورد من طرق يبلغ بها رتبة الحسن، ولم يصب ابن الجوزى في ذكره في الموضوعات، وتبعه الصغاني (٣)، وذكر السيوطي نحوا من ذلك وعزاه إلى العراقى في أماليه (٤).
وبهذا نجد تصريح السخاوى بأن العراقي قد أورد الحديث في أماليه، ونقل عنها كلامه السابق عن درجته. فأفاد ذلك وقوفه بنفسه على موضع الحديث في تلك.
стр. 2057
الأمالي، وهكذا يستفاد من نقل السيوطي. وقد تابعهما على هذا غير واحد (١).
أما الحافظ ابن حجر فأخرج الحديث بسنده هو عن شيخه أحمد بن الحسن (بن محمد بن محمد، المقدسي السويداوى) (٢)، بسنده إلى أبي نعيم في الحلية، من طريق أحمد بن عبد الرحمن السقطى عن يزيد بن هارون أنا عاصم الأحول عن أنس ابن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : الموت كفارة لكل مسلم.
وعزاه إلى الخطيب البغدادى في تاريخه عن أبي نعيم أيضا، وذكر أن ابن الجوزى أورده في الموضوعات من هذا الوجه، وقال: هذا حديث لا يصح (٣)، وذكر أن ابن طاهر المقدسي سبق ابن الجوزى إلى ذلك، وأنه بالغ في إنكار الحديث. ثم ذكر بعض الطرق الأخرى للحديث، ثم قال: وقد جمع شيخنا الحافظ أبو الفضل بن العراقي طرقه في جزء.
ثم قال: والذي يصح في ذلك حديث حفصة بنت سيرين عن أنس ﵁ بلفظ: الطاعون كفارة لكل مسلم، أخرجه البخاري (٤) ثم بين أن أحمد السقطي الذي في طريق الحديث السابق ليس بمعروف عند أهل النقل وأن الأزدى وهاه، ثم ذكر أن للحديث طريقا أخرى، ذكرها في موضع آخر من اللسان (٥) وذكر له أيضا طريقا أخرى في موضع آخر من اللسان (٦)
стр. 2058
ولعلّ هذا ما جعله يقول كما نقل السخاويّ عنه: إنّه لا يتهيّأ الحكم عليه بالوضع مع وجود هذه الطرق (١).
ومن مجموع ما تقدّم يستفاد أنّ النقّاد قبل العراقيّ قد اختلفوا في درجة هذا الحديث، فمنهم من حكم بأنّه حسن صحيح، وهو ابن العربيّ، ومنهم من حكم بوضعه كابن الجوزيّ وابن القيسرانيّ، وأبو الحسن الصغانيّ، فقام العراقيّ بجمع ما توافر له من طرقه عن جماعة من الصحابة، وأملاها بأسانيده عن شيوخه، مع تقرير أنّ مجموعها يرتقي إلى الحسن لغيره، وبذلك ردّ القول بوضعه، والقول بصحّته، وأثبت له درجة وسطا بينهما وهي الحسن.
وقد نقل هذا عن العراقيّ غير واحد ممّن جاء بعده، دون تعقّب، فدلّ هذا على تأثير مضمون هذا الجزء من أماليه فيمن بعده (٢) ويظهر من نقول من تقدّم ذكرهم عن العراقيّ أنّه لم يتعرّض لشرح متن الحديث، مع كون ظاهره مشكلاً، ولذا نقل السخاويّ عن شيخه ابن حجر قوله بأنّ الحديث ليس على ظاهره، بل هو محمول على موت مخصوص، إن ثبت الحديث (٣).
ونقل الزبيديّ عن ابن الجوزي أنّ في بعض طرق الحديث ما يفهم أنّ المراد بالموت الطاعون، فإنّهم كانوا في الصدر الأوّل يطلقون الموت ويريدونه به (٤). وذكر صاحب تنزيه الشريعة نحو ذلك دون عزوه لابن الجوزي (٥).
стр. 2059
ب - إملاء العراقي «كتاب تخريج الأربعين حديثا النووية»
وقد سبق ذكره ضمن تأليف العراقي في تخريج بعض الأربعينات الحديثية وعواليها.
ج - تأليف العراقي في المستخرجات، وإملاؤه لما ألفه، وأثره.
تعريف الاستخراج، والمستخرج، وأهميته:
يستفاد من مجموع ما ذكرته مراجع علم المصطلح، وما يوافقها من صنيع العراقي فيما استخرجه: أن الاستخراج هو أن يأتي أحد حفاظ الحديث إلى كتاب من كتب الحديث الأصلية، وهي التي يروى مؤلفوها أحاديثها بأسانيدهم، فيقوم المستخرج بإيراد أحاديث مثل هذا الكتاب حديثا حديثا بأسانيد لنفسه، من غير طريق مؤلف الكتاب المستخرج عليه، بشرط أن يلتقى معه في شيخه، أو فيمن فوقه من رجال الإسناد، حتى لو لم يلتقيا إلا في الصحابي المروى عنه الحديث، ويفضل أن لا يلتقى سند المستخرج مع سند المستخرج عليه في راو فوق شيخه إلا لعذر مثل ضيق مخرج الحديث، أو لفائدة، كعلو السند الذي هو جل مقصد المستخرجين، أو زيادة مهمة على ما في رواية الأصل، ونحو ذلك.
فإذا لم يجد مؤلف المستخرج طريقا خاصا به، إلى شيخ مؤلف الأصل، أو من فوقه، ساغ له أن يروى الحديث من طريق مؤلف الأصل نفسه، اضطرارًا أو يحذف مثل هذا الحديث كلية من مستخرجه، أو يعلقه عن أحد رجال إسناد مؤلف الأصل المستخرج عليه (١).
стр. 2060
وعلى ضوء هذا التعريف الوصفي للاستخراج، يمكن تعريف المستخرج بأنه: الكتاب الذي ألفه صاحبه على منهج الاستخراج، وشروطه المذكورة.
وتبدو أهمية المستخرجات فيما يتحقق بها من فوائد حديثية. في كل من المتن والإسناد، وقد ذكر الحافظ ابن حجر من ذلك عشرة فوائد، أكثرها تشترك فيه المستخرجات على غير الكتب التي اشترط مؤلفوها الصحة، ولاسيما البخاري ومسلم، وذكر البقاعي أن غير شيخه ابن حجر قد أوصل فوائد المستخرجات إلى قرابة خمس عشرة فائدة (١).
وما سيأتي من تأليف العراقي في ذلك سنوضح بعض مشتملاته من تلك الفوائد إن شاء الله:
١ - كتاب: المستخرج على كتاب الأمالي الشارحة لأبى القاسم الرافعي (٢)
وكتاب أمالي الرافعي هذا لم أقف على نسخة له، ولكن وصفه وبين قيمته الحديثية اثنان ممن وقفوا عليه، ونقلا عنه، أحدهما: ابن السبكى في ترجمته
стр. 2061
للرافعي (١) وثانيهما قرين العراقي ومعاصره سراج الدين عمر بن على المعروف بابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) وهو أكثر تفصيلا وأدل على تداول الكتاب في عصر العراقي، وقد قال ابن الملقن: أمالي إمام الملة والدين أبي القاسم الرافعي … . وهي مفيدة جدا، لم أر أحدا مشى على منوالها، فإنه أملاها في ٣٠ مجلسا، ذكر في كل مجلس منها حديثا بإسناده، على طريقة أهل الفن، ثم تكلم عليها بما يتعلق بإسناده، وحال رواته، وغريبه، وعربيته، وفقهه ودقائقه، ثم يختمه بفوائد وأشعار وحكايات، ورتبها ترتيبا بديعا على نظم كلمات الفاتحة، بإرداف كلمة (آمين)؛ لأنها بها (٣٠) كلمة (*) فاشتمل الحديث الأول على كلمة (اسم) والثانى على اسم «الله» العظيم، والثالث على «الرحمن» وهلم جرا، إلى آخرها، وهذا ترتيب بديع، ومن نظر في الكتاب المذكور عرف حذر هذا الإمام، وحكم له بتقدمه في هذا العلم خصوصا (٢)
أما كتاب العراقي فقد ذكره ضمن أماليه غير واحد ممن ترجم له: في مقدمتهم تلميذه ابن حجر وهو ممن سمع تلك الأمالي واستملى بنفسه على شيخه عددا منها، وقد ذكر أن العراقي بعد إملائه المجالس المتفرقة، أملى
стр. 2062
على الأربعين النووية السابق ذكرها، ثم أملى على أمالي الرافعي، كما أشار إلى أن أمالي العراقي من بدايتها إلى نهاية أماليه على أمالي الرافعي تبلغ (١١٥) مجلسا (١) ونحو هذا ذكر تلميذه ابن فهد (٢) ومن بعدهما السخاوى (٣).
موضوع الكتاب، وأهميته:
وعلى ضوء ما تقدم من تعريف المستخرج، والتعريف بكتاب الرافعي المستخرج عليه، يمكن القول بأن موضوع مستخرج العراقي عليه، هو روايته لأحاديث أمالي الرافعي هذه بأسانيد له عن شيوخه، بحيث يلتقى سنده في كل حديث مع سند الرافعي في شيخه أو فيمن فوقه في إسناد الحديث المستخرج، كما سيتضح مما سأذكره من أحد النماذج وتحليله، بعد قليل إن شاء الله.
ومقتضى كون أمالى الرافعي هذه قد بلغت ثلاثين مجلسا، كما تقدم، أن يكون مستخرج العراقى هذا عليها قد بلغ ثلاثين مجلسا أيضا، وفي كل مجلس يذكر حديث أو أكثر في معنى كلمة من كلمات الفاتحة الثلاثين، وسيأتى في أثر الكتاب ما يؤيد هذا.
وقد أشار ولى الدين أبو زرعة أحمد بن العراقي إلى أهمية مستخرج والده هذا، ومستخرجه الآتى على مستدرك الحاكم، بقوله: إنها أكثر فائدة من أمالي الحافظ ابن عساكر (ت ٥٧١ هـ)، لكون أكثرها مستخرجات على ما هو محتاج إلى الاستخراج عليه (٤).
стр. 2063
ومما يؤيد هذا أن البحث الموسع لم يوقفنى على تأليف آخر لغير العراقي في الاستخراج على أمالي الرافعي هذه.
أنموذج تحليلى من الكتاب:
رغم البحث الموسع فإنى لم أقف من هذا الكتاب إلا على (٨) ثماني ورقات خطية، ضمن مجاميع المكتبة الظاهرية بدمشق تحت رقم (٣٩٦٣) عام.
وهي عبارة عن ثلاث صفحات من المجلس رقم (٨٤) من أمالي العراقي المصرية، وهو يعتبر المجلس الأول أو الثانى على الأكثر من المستخرج على أمالي الرافعي وهو من ق ١٨٧/ ب - ١٨٨/ ب من المجموعة.
وقبله يوجد مجلس كامل من الأمالي وهو رقم (٨٦) من الأمالي المصرية للعراقي، ويعتبر المجلس الثالث أو الرابع من المستخرج وهو من ق ١/ ٧٥ - ٢/ ٨٠ من المجموعة وقد جاء في أوله (المجلس السادس والثمانون من أمالي شيخنا أبي الفضل الحافظ أبقاه الله تعالى) فدل هذا على أن نسخة هذا المجلس مكتوبة بخط أحد تلامذة العراقي، وفي حياته، حيث دعى له بطول البقاء، وكذلك الصفحات الثلاثة السابق ذكرها من المجلس (٨٤).
ولما كان المجلس (٨٦) هو الذي وجدته بأكمله، فقد جعلته أنموذجا العرض وتحليل هذا المستخرج على النحو التالي: -
بدأ هذا المجلس بالبسملة، ثم الصلاة على النبي ﷺ .
وبعدها قال: حدثنا شيخنا الإمام حافظ الوقت، أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين بن العراقي - أبقاه الله تعالى - إملاءا … وسماعا لباقيه، وذلك في يوم الثلاثاء ١٥ شهر الله المحرم سنة ٧٩٧ هـ بالمدرسة القراسَنقُرِيَّة (١) من القاهرة المعزية.
стр. 2064
قال: أخبرني الشيخ الصالح أبو محمد عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن نصر المقدسي ﵀ بقراءتي عليه بصالحية دمشق … . وساق سنده إلى محمد بن يحيى بن أبي عمر العدنى ثنا سفيان عن عمرو بن دينار قال أخبرني أبو قابوس مولى عبد الله بن عمرو، عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض، يرحمكم من في السماء.
ثم قال العراقي: وبه - يعني سنده السابق - إلى عمرو بن دينار عن أبي قابوس سمع عبد الله بن عمرو يقول: قال رسول الله، ﷺ : الرحم شجنة من الله، فمن وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله.
ثم قال العراقي: هذا حديث صحيح، أخرجه الترمذي عن محمد بن يحيى ابن أبي عمر، جمع الحديثين في متن واحد (١).
وأبو داود عن أبي بكر بن أبي شيبة ومسدد، مقتصرا على الحديث الأول (٢) جميعا (٣) عن سفيان بن عيينة.
فوقع لنا موافقة عالية للترمذي، وبدلا عاليا، لأبي داود.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
ثم قال العراقي: وقد رواه أبو القاسم الرافعي في أماليه من طريق الترمذى، بالجملتين معا (٤) فوقع بينه وبين سفيان سبعة رجال، فكأني سمعته من الرافعي.
стр. 2065
ثم ذكر العراقي قول الرافعي: إن الأشهر رواية جملتي الحديث، وهما: ذكر الرحمة، وذكر الرحم، مفصولين، بإسنادين مختلفين.
وقوله: إن الجملة الثانية أشهر من الأولى، وأنها تروى عن النبي ﷺ برواية جماعة من الصحابة، منهم: أبو هريرة، وعبد الرحمن بن عوف.
ثم عقب العراقي على هذا فقال: قلت: وقد تابع أبا قابوس على رواية الجملة الثانية: أبو العنبس واسمه: محمد بن عبد الله بن قارب عن عبد الله ابن عمرو، رويناه في مسند أبى داود الطيالسي (١) وفي كتاب الأدب المفرد للبخاري (٢)، وأما حديث أبي هريرة فرواه البخاري (٣) في صحيحه، وأما حديث عبد الرحمن بن عوف، فرواه أبو داود (٤) والترمذي (٥) وصححه ابن حبان في صحيحه (٦).
ثم قال العراقي: ورواه آخرون من الصحابة (٧).
ثم تعقب العراقي الإمام الترمذي بقوله: وما أدرى لم جمع الترمذي بين هاتين الجملتين، وهما في مسند شيخه ابن أبي عمر، حديثان.
стр. 2066
مفصول كل واحد منهما من الآخر، وإسنادهما واحد.
فإن كان الترمذي سمعه من شيخه في مُسنده فهما فيه حديثان، ويحتمل أن شيخه جمعهما له في إسناد واحد، وفيه بُعد.
ثم قال العراقي: وقد رواه الحاكم في المستدرك من رواية علي بن المديني عن سفيان، فذكر الجملتين مجموعتين في إسناد واحد، وقال: إن إسناده صحيح. (١)
ثم قال العراقي: وقد وقع لي الحديث بلفظ «الرَّحيم» مكان «الرَّحمن» فأردت إيراده لاستيعاب ألفاظ «الفاتحة».
وساق الحديث بسنده إلى على بن الحسن الخُلْعى بسنده إلى الحسن بن محمد الزعفراني ثنا سفيان عن عمرو عن أبي قابوس عن ابن لعبد الله بن عمرو بن العاصي عن عبد الله بن عمرو ﵄ يبلغ به النبي ﷺ : الرَّاحمون يرحمهم الرَّحيم، ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء.
ثم قال العراقي: هكذا انفرد الحسن بن محمد الزعفراني بقوله فيه (الرَّحيم) وبزيادة ابن عبد الله بن عمرو في الإسناد، ولم يتابع عليه، وقد صرح أبو قابوس بسماعه له من عبد الله بن عمرو كما في رواية الحاكم في المستدرك.
ثم شرح العراقي بعض ألفاظ متن الحديث.
فذكر أن المراد بـ «من في السماء» الملائكة بدليل رواية يرحمكم أهل السماء.
стр. 2067
كما ذكر ضبط كلمة (شِجْنَة) بالحروف، وذكر الخلاف في ضبط حرف الشين، وقرر أن الصحيح من الأوجه كسرها.
ثم بين معناها اللغوى، والمعنى المقصود بها في الحديث، وبين أن لفظ الرحم مشتق من لفظ الرحمن، وقال: ويؤيده قوله تعالى في الحديث الصحيح: أنا الرحمن وهي الرحم، شققت لها من اسمى.
ثم أخرج العراقي بسنده حديثا آخر مشتملا على لفظ «الرحيم»، وذلك من طريق أبي يعلى الموصلى بسنده إلى سنان بن سعد عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ والذي نفسي بيده لا يضع الله رحمته إلا على رحيم، قالوا يا رسول الله، كلنا يرحم، قال: ليس برحمة أحدكم صاحبه، يرحم الناس كافة (١).
ثم قال: هذا حديث حسن غريب، وسنان بن سعد، قيل فيه: سعد بن سنان، وقيل سعيد بن سنان، وثقه ابن معين وابن حبان، وقال: حدث عنه المصريون وهم يختلفون فيه، وأرجو أن يكون الصحيح: سنان بن سعد، قال: وقد اعتبرت حديثه، فرأيت ما روى عن سنان بن سعد، يشبه أحاديث الثقات، وما روى عن سعد بن سنان، وسعيد بن سنان، فيه المناكير، كأنهما اثنان.
ولم يكتب أحمد حديثه لاضطرابهم في اسمه، وقال النسائي: منكر الحديث (٢)
ثم قال العراقي: قلت: ولم ينفرد به سنان بن سعد؛ بل تابعه عليه أخشن
стр. 2068
السدوسي عن أنس، رويناه في كتاب الأدب للبيهقي بلفظ: «لا يدخل الجنة منكم إلا رحيم قالوا: يا رسول الله، كلنا رحيم، قال: ليس رحمة أحدكم نفسه وأهل بيته حتى يرحم الناس» (١).
ثم قال العراقي: وأخشن هذا ذكره ابن حبان في الثقات (٢) ثم قال: وقد أورد الرافعي في أماليه من حديث ثوبان مرفوعا: إن أرفعكم درجة في الجنة أشدكم رحمه للعامة.
وعقب على هذا بقوله: فلم أستحسن إيراده في الإملاء، لأن فيه خمسة رجال على الولاء ما بين ضعيف وكذاب، ومجهول، فإنه من رواية خالد بن الهياج بن بسطام عن أبيه عن الحسن بن دينار عن الخصيب بن جحدر عن النضر وهو ابن شُفى عن أبى أسماء، عن ثوبان، والحسن بن دينار والخصيب متهمان بالكذب.
ثم قال: وذكرت بدله حديث أنس المتقدم.
ثم أخرج العراقي بسنده حديثا آخر من طريق سليمان التيمي عن قتادة عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في مرضه: أرحامكم أرحامكم.
وقال: هذا حديث صحيح، أخرجه ابن حبان في صحيحه (٣) هكذا.
وقال: وقد رواه الرافعي في أماليه من رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: صلوا أرحامكم فإنه أبقى لكم في الدنيا والآخرة، ولم يقل: «في مرضه»
стр. 2069
ثم روى العراقي بسنده، حديث جبير بن مطعم المتفق عليه: أن رسول الله ﷺ قال: لا يدخل الجنة قاطع رحم (١) وبين علو سنده به عن سند كل من البخاري ومسلم.
ثم روى بسنده إلى مالك قال: بلغني أن عيسى بن مريم ﵇ كان يقول: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فتقسو قلوبكم … وفي آخره: فارحموا أهل البلاء، واحمدوا الله على العافية. وبعده ما يلى: -
قال شيخنا المملى ﵁: ومما قلته في ذلك …
وذكر ثلاثة أبيات شعرية، في معنى ما رواه عن عيسى ﵇. وبذلك انتهى هذا المجلس.
التحليل والاستنتاج:
ومما عرضته من هذا المجلس بتمامه، يتضح لنا الآتي: -
١ - أن من تلك الأمالي من مستخرج العراقي على أمالي الرافعي ما كان الواحد منها يشتمل على عشرة أحاديث أو أكثر، وبعض الآثار، والأشعار.
٢ - أن العراقي حرص على تخريج ما علا سنده به ما أمكن، من المصافحات والموافقات والأبدال، سواء كان العلو بالنسبة لإسناد الرافعي الذي استخرج العراقي على أماليه، أو بالنسة لأصحاب المصنفات الأصلية السابقة عليهما، فالحديث الأول من هذا المجلس، بعد أن أخرجه العراقي بإسناده، عزاه إلى كل من الترمذي وأبي داود، ثم بين علو سنده عن سند الترمذي علو موافقة (٢).
стр. 2070
وعلو سنده عن سند أبي داود بالحديث نفسه علو بدل (١)
وأيضا ذكر علو سنده على سند كل من البخاري ومسلم بحديث جبير بن مطعم المتفق عليه منهما وهو: لا يدخل الجنة قاطع. وأما بالنسبة للإمام الرافعي، فقد أخرج العراقي الحديث الأول في المجلس بسنده إلى سفيان بن عيينة. ثم ذكر أن الرافعي في روايته له في أماليه، بلغ عدد الرواة بينه وبين سفيان، سبعة، ثم قال: فكأني سمعته من الرافعي هـ.
وبالمراجعة لسند العراقي بالحديث نجد بين شيخه وبين سفيان سبعة أشخاص، مع تأخر تاريخ إملاء العراقي المستخرجه هذا عن تاريخ وفاة الرافعي قرابة قرنين من الزمان.
وهذا يسمى علو المصافحة (٢) ولذا قال العراقي: كأني سمعته من الرافعي.
٣ - أيضا أخرج العراقي في هذا المستخرج عدة أحاديث، بسنده، دون أن يبين علو سنده بها.
كما نجده ذكر بعض أحاديث، في المتابعات، مع حذف سنده بها والاكتفاء بالإشارة إليه بقوله: «رويناه»
وبعض الأحاديث نجده يخرجها بالعزو فقط إلى مصدرها الأصلى مثل البخاري وابن حبان في صحيحيهما، وأبو داود والترمذي في سننهما، وذلك فيما يذكره للاستشهاد به. بل في بعض روايات حديث (الرحم شجنة من الرحمن) اكتفى بالعزو الإجمالي للصحابى، دون ذكر مصدر لروايته فقال: «ورواه آخرون من الصحابة» وتقدم تخريجى لرواية ثلاثة من الصحابة، من