← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 30167

الحافظ العراقي وأثره في السنة

أحمد بن معبد عبد الكريم

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

مفصول كل واحد منهما من الآخر، وإسنادهما واحد. فإن كان الترمذي سمعه من شيخه في مُسنده فهما فيه حديثان، ويحتمل أن شيخه جمعهما له في إسناد واحد، وفيه بُعد. ثم قال العراقي: وقد رواه الحاكم في المستدرك من رواية علي بن المديني عن سفيان، فذكر الجملتين مجموعتين في إسناد واحد، وقال: إن إسناده صحيح. (١) ثم قال العراقي: وقد وقع لي الحديث بلفظ «الرَّحيم» مكان «الرَّحمن» فأردت إيراده لاستيعاب ألفاظ «الفاتحة». وساق الحديث بسنده إلى على بن الحسن الخُلْعى بسنده إلى الحسن بن محمد الزعفراني ثنا سفيان عن عمرو عن أبي قابوس عن ابن لعبد الله بن عمرو بن العاصي عن عبد الله بن عمرو ﵄ يبلغ به النبي ﷺ : الرَّاحمون يرحمهم الرَّحيم، ارحموا أهل الأرض يرحمكم أهل السماء. ثم قال العراقي: هكذا انفرد الحسن بن محمد الزعفراني بقوله فيه (الرَّحيم) وبزيادة ابن عبد الله بن عمرو في الإسناد، ولم يتابع عليه، وقد صرح أبو قابوس بسماعه له من عبد الله بن عمرو كما في رواية الحاكم في المستدرك. ثم شرح العراقي بعض ألفاظ متن الحديث. فذكر أن المراد بـ «من في السماء» الملائكة بدليل رواية يرحمكم أهل السماء.

стр. 2067

كما ذكر ضبط كلمة (شِجْنَة) بالحروف، وذكر الخلاف في ضبط حرف الشين، وقرر أن الصحيح من الأوجه كسرها. ثم بين معناها اللغوى، والمعنى المقصود بها في الحديث، وبين أن لفظ الرحم مشتق من لفظ الرحمن، وقال: ويؤيده قوله تعالى في الحديث الصحيح: أنا الرحمن وهي الرحم، شققت لها من اسمى. ثم أخرج العراقي بسنده حديثا آخر مشتملا على لفظ «الرحيم»، وذلك من طريق أبي يعلى الموصلى بسنده إلى سنان بن سعد عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ والذي نفسي بيده لا يضع الله رحمته إلا على رحيم، قالوا يا رسول الله، كلنا يرحم، قال: ليس برحمة أحدكم صاحبه، يرحم الناس كافة (١). ثم قال: هذا حديث حسن غريب، وسنان بن سعد، قيل فيه: سعد بن سنان، وقيل سعيد بن سنان، وثقه ابن معين وابن حبان، وقال: حدث عنه المصريون وهم يختلفون فيه، وأرجو أن يكون الصحيح: سنان بن سعد، قال: وقد اعتبرت حديثه، فرأيت ما روى عن سنان بن سعد، يشبه أحاديث الثقات، وما روى عن سعد بن سنان، وسعيد بن سنان، فيه المناكير، كأنهما اثنان. ولم يكتب أحمد حديثه لاضطرابهم في اسمه، وقال النسائي: منكر الحديث (٢) ثم قال العراقي: قلت: ولم ينفرد به سنان بن سعد؛ بل تابعه عليه أخشن

стр. 2068

السدوسي عن أنس، رويناه في كتاب الأدب للبيهقي بلفظ: «لا يدخل الجنة منكم إلا رحيم قالوا: يا رسول الله، كلنا رحيم، قال: ليس رحمة أحدكم نفسه وأهل بيته حتى يرحم الناس» (١). ثم قال العراقي: وأخشن هذا ذكره ابن حبان في الثقات (٢) ثم قال: وقد أورد الرافعي في أماليه من حديث ثوبان مرفوعا: إن أرفعكم درجة في الجنة أشدكم رحمه للعامة. وعقب على هذا بقوله: فلم أستحسن إيراده في الإملاء، لأن فيه خمسة رجال على الولاء ما بين ضعيف وكذاب، ومجهول، فإنه من رواية خالد بن الهياج بن بسطام عن أبيه عن الحسن بن دينار عن الخصيب بن جحدر عن النضر وهو ابن شُفى عن أبى أسماء، عن ثوبان، والحسن بن دينار والخصيب متهمان بالكذب. ثم قال: وذكرت بدله حديث أنس المتقدم. ثم أخرج العراقي بسنده حديثا آخر من طريق سليمان التيمي عن قتادة عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ قال في مرضه: أرحامكم أرحامكم. وقال: هذا حديث صحيح، أخرجه ابن حبان في صحيحه (٣) هكذا. وقال: وقد رواه الرافعي في أماليه من رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: صلوا أرحامكم فإنه أبقى لكم في الدنيا والآخرة، ولم يقل: «في مرضه»

стр. 2069

ثم روى العراقي بسنده، حديث جبير بن مطعم المتفق عليه: أن رسول الله ﷺ قال: لا يدخل الجنة قاطع رحم (١) وبين علو سنده به عن سند كل من البخاري ومسلم. ثم روى بسنده إلى مالك قال: بلغني أن عيسى بن مريم ﵇ كان يقول: لا تكثروا الكلام بغير ذكر الله، فتقسو قلوبكم … وفي آخره: فارحموا أهل البلاء، واحمدوا الله على العافية. وبعده ما يلى: - قال شيخنا المملى ﵁: ومما قلته في ذلك … وذكر ثلاثة أبيات شعرية، في معنى ما رواه عن عيسى ﵇. وبذلك انتهى هذا المجلس. التحليل والاستنتاج: ومما عرضته من هذا المجلس بتمامه، يتضح لنا الآتي: - ١ - أن من تلك الأمالي من مستخرج العراقي على أمالي الرافعي ما كان الواحد منها يشتمل على عشرة أحاديث أو أكثر، وبعض الآثار، والأشعار. ٢ - أن العراقي حرص على تخريج ما علا سنده به ما أمكن، من المصافحات والموافقات والأبدال، سواء كان العلو بالنسبة لإسناد الرافعي الذي استخرج العراقي على أماليه، أو بالنسة لأصحاب المصنفات الأصلية السابقة عليهما، فالحديث الأول من هذا المجلس، بعد أن أخرجه العراقي بإسناده، عزاه إلى كل من الترمذي وأبي داود، ثم بين علو سنده عن سند الترمذي علو موافقة (٢).

стр. 2070

وعلو سنده عن سند أبي داود بالحديث نفسه علو بدل (١) وأيضا ذكر علو سنده على سند كل من البخاري ومسلم بحديث جبير بن مطعم المتفق عليه منهما وهو: لا يدخل الجنة قاطع. وأما بالنسبة للإمام الرافعي، فقد أخرج العراقي الحديث الأول في المجلس بسنده إلى سفيان بن عيينة. ثم ذكر أن الرافعي في روايته له في أماليه، بلغ عدد الرواة بينه وبين سفيان، سبعة، ثم قال: فكأني سمعته من الرافعي هـ. وبالمراجعة لسند العراقي بالحديث نجد بين شيخه وبين سفيان سبعة أشخاص، مع تأخر تاريخ إملاء العراقي المستخرجه هذا عن تاريخ وفاة الرافعي قرابة قرنين من الزمان. وهذا يسمى علو المصافحة (٢) ولذا قال العراقي: كأني سمعته من الرافعي. ٣ - أيضا أخرج العراقي في هذا المستخرج عدة أحاديث، بسنده، دون أن يبين علو سنده بها. كما نجده ذكر بعض أحاديث، في المتابعات، مع حذف سنده بها والاكتفاء بالإشارة إليه بقوله: «رويناه» وبعض الأحاديث نجده يخرجها بالعزو فقط إلى مصدرها الأصلى مثل البخاري وابن حبان في صحيحيهما، وأبو داود والترمذي في سننهما، وذلك فيما يذكره للاستشهاد به. بل في بعض روايات حديث (الرحم شجنة من الرحمن) اكتفى بالعزو الإجمالي للصحابى، دون ذكر مصدر لروايته فقال: «ورواه آخرون من الصحابة» وتقدم تخريجى لرواية ثلاثة من الصحابة، من

стр. 2071

مصادر متوافرة لا تخفى على مثل العراقي. ومقتضى هذا أن احتسابنا هذه الأمالي من روايات العراقي المسندة، إنما هو بحسب الروايات الأصلية، لأحاديث أمالى الرافعي التي استخرج العراقي رواياتها بأسانيده هو مثل رواية علو المصافحة السابق ذكرها. ٤ - أن العراقي قد زاد في مستخرجه هذا أحاديث مستقلة، بإسناده، لم يوردها الرافعي في أماليه، مثل حديث عبد الله بن عمرو الذي بلفظ: «الراحمون يرحمهم الرحيم … » (الحديث)، وقد نبه بنفسه على سبب زيادته لهذا الحديث، وهو ذكر لفظ (الرحيم) فيه وهو أحد كلمات سورة الفاتحة، ولكن الرافعي لم يذكر له رواية تشتمل عليه، فذكر العراقي تلك الرواية زيادة على ما أورده الرافعي، تحقيقا لفائدة استيفاء ألفاظ الفاتحة التي لم يورد الرافعي في أماليه ما يشتمل عليها. وقد يكون أصل الرواية عند الرافعي، ولكن تشتمل رواية العراقي المستخرجة عليها، على زيادة تفيد معنى زائدا، مثل عبارة (في مرضه) ﷺ التي جاء في رواية العراقي لحديث أنس (أرحامكم أرحامكم)، ونبه عقبها على أنها لم تذكر في رواية الرافعي، ومثل هذه الزيادة في المتن، وكذا في الإسناد، بزيادة بعض الطرق، معروف في المستخرجات (١). ٥ - كذلك ذكر العراقي أنه استبعد بعض أحاديث أمالي الرافعي لكونه وجد في إسنادها ما يقتضى أنها موضوعة بهذا الإسناد. وذكر بدلها ما ليس موضوعا، وهذا يدل على أنه اجتنب في أماليه إخراج ما يعلم أنه موضوع،

стр. 2072

مثل ما رواه الرافعي من حديث ثوبان مرفوعا: «إن أرفعكم درجة في الجنة، أشدكم رحمة للعامة». فهذا الصنيع من العراقي يعتبر من مميزات مستخرجه هذا على أمالي الرافعي التي استخرج عليها. ٦ - حرص العراقي أيضا على ذكر بعض المتابعات أو الشواهد، العاضدة لرواية بعض الرواة المتكلم فيهم فيما ساقه من أسانيد، وبذلك دفع ما يظن من تفرد كل منهم بما روى، ولتعضيده بما يقوى روايته. فبعد ذكره تصحيح الترمذي لحديث أبي قابوس عن عبد الله بن عمرو بجملتيه كما تقدم، ثم ذكر متابعة أبي العنبس لأبي قابوس، في رواية الجملة الثانية من الحديث، وهي «الرحم شجنة من الله» (الحديث)، وذلك لأن في حال أبى قابوس ما يقتضى ضعف حديثه بمفرده (١). وبعد ذكره لتلك المتابعة ذكر أيضا بعض شواهد الحديث الصحيحة وبمجموعها يتأيد تصحيح الترمذي للحديث. وتقدم أيضا أن العراقي روى بسنده حديث أنس «والذي نفسي بيده لا يضع الله رحمته إلا على رحيم» من طريق سنان بن سعد، وقال: هذا حديث حسن غريب، ثم قال: ولم ينفرد به سنان، تابعه عليه أخشن السدوسي عن أنس. وكما عنى ببيان مثل تلك المتابعة وسابقتها، فإنه عنى أيضا ببيان من تفرد من رجال الإسناد، فلم يوجد له متابع على روايته.

стр. 2073

فقد روى بسنده من طريق الحسن بن محمد الزعفرانى عن سفيان عن عمرو ابن دينار عن أبي قابوس عن ابن لعبد الله بن عمرو بن العاص عن عبد الله بن عمرو ﵄ يبلغ به النبي ﷺ قال: الراحمون يرحمهم الرحيم (الحديث). ثم قال العراقي: هكذا انفرد الحسن بن محمد الزعفراني بقوله فيه: «الرحيم» وبزيادة «ابن عبد الله بن عمرو» في إسناده، ثم قال: ولم يتابع عليه. ٧ - كذلك نجد العراقي قد عنى ببيان درجات أكثر الأحاديث التي أوردها، سواء التي استخرجها بإسناده، أو التي خرجها بالعزو إلى مصادرها، وتنوع بيانه لدرجات الأحاديث، تارة بالعزو إلى من اشترط الصحة كالشيخين وابن حبان، وتارة بذكر قول من أخرج الحديث كالترمذي والحاكم. وتارة بذكر حال راو أو أكثر من رجال الإسناد مثل قوله السابق بتفرد الحسن ابن محمد الزعفراني، بما لم يتابع عليه، مع الاتفاق على ثقته (١) لكن خالف الأرجح في هذه الرواية. وأيضا حديث ثوبان الذي رواه الرافعي في أماليه، أشار العراقي إلى وضعه ببيان أن في سنده خمسة رجال على الولاء، ما بين ضعيف وكذاب، ومجهول، ثم ذكرهم، وهم: خالد بن هياج البساطي، والراجح من حاله أنه ضعيف (٢). وأبوه: وهو هياج البساطى، جزم الذهبي بأنه ضعيف (٣).

стр. 2074

والحسن بن دينار، قد وصف من غير واحد بالكذب، ووصف أيضا بكثرة الغلط (١) ولكن العراقي بعد ذكر الوصف بالكذب في الإجمال، اقتصر في التفصيل على الوصف بتهمة الكذب فقط، وهي أخف من الوصف بصريح الكذب، كما هو معلوم. و «الخصيب بن جحدر» وصفه أيضا غير واحد بالكذب (٢) فوصف العراقي له في التفصيل بتهمة الكذب فقط توسع بدون مستند. وأما المجهول الذي أشار إليه العراقي فهو النضر بن شُفَى، وقد جاء في ترجمة «الخصيب» السابق أن «النضر» هذا لا يُدرى من هو؟ وكذا وصفه ابن القطان بأنه مجهول جدا (٣) - يلاحظ كذلك أن العراقي في مستخرجه هذا لم يقتصر على الأحاديث المرفوعة، ولكن روى بإسناده أحد الآثار المعضلة جدا، لكونها من رواية مالك ابن أنس ﵁ بلاغا عن سيدنا عيسى ﵇، وهي من الاسرائيليات، وإن كانت صحيحة المعنى، لكن سندها إلى عيسى معضل ظاهر الإعضال، ولعل هذا مما جعل العراقي لا ينبه على ضعفها لظهوره. لكن كان الأولى عدم ذكرها حتى لو كانت من أمالي الرافعي المستخرج عليها، فقد ذكر الخطيب أنه مما يجتنب ذكره في الأمالي: الاسرائيليات (٤). - أيضا فإن العراقي عنى بضبط وشرح ما جاء من الألفاظ الغريبة في بعض

стр. 2075

الأحاديث التي أملاها، وهو لفظ (الشجنة) وبين الراجح في ضبطه. وهذا من المطالب العلمية الهامة التي يطلب تحققها في الأمالي (١). ١٠ - أورد العراقي في خاتمة هذا المجلس ثلاثة أبيات شعرية من نظمه، في معنى الرحمة التي اشتمل المجلس على الأحاديث المتعلقة بها، لاشتمال أوائل كلمات الفاتحة على (الرحمن والرحيم). فدل ذلك على ما قدمته عن شخصية العراقي العلمية من تمتعه بموهبة شعرية بجانب اختصاصه الحديثي، وأيضا في ذكره لهذه الأبيات توفية بما استحسنه المحدثون من ختم مجلس الإملاء ببعض الإنشادات الشعرية المفيدة (٢). ١١ - في هذا المجلس أيضا أورد العراقي بعض الروايات من مصادر حديثية، تعتبر حتى الآن مفتقدة أو عزيزة النسخ الخطية، فقد ذكر إحدى الروايات من مسند محمد بن يحيى بن أبى عمر العدني (ت ٢٤٣ هـ) (٣) وقد كان في حياة العراقي موجودا بعض نسخه الكاملة، حتى أتيح للحافظ ابن حجر قراءة معظمه على شيخه العراقي، ثم أخرج زوائده ضمن كتابه المطالب العالية (٤) لكننا اليوم لا نعرف له نسخة خطية في مكتبات المخطوطات عموما المفهرسة. كما ذكر أيضا إحدى الروايات من كتاب فوائد أبي الحسن علي بن الحسن الخلعي المتوفى سنة ٤٩٢ هـ (٥) ونسخها الخطية تعتبر عزيزة المنال حاليا.

стр. 2076

أثر المستخرج على أمالي الرافعي فيما بعده ١ - يعتبر أكثر هذا المستخرج مفتقدا حاليا، بحيث لم أجد شيئا من نسخه الخطية بعد البحث الموسع سوى المجلس السابق دراسته، وثلاث صفحات من بداية مجلس آخر. ولكن كلا المجلسين جاء في افتتاحهما عبارة «حدثنا شيخنا أبو الفضل عبد الرحيم، زين الملة والدين … الخ». فدل ذلك على أنه قد حضر سماع تلك الأمالي وتحملها عن العراقي جماعة من المختصين بالحديث والمهتمين بتحمله بإسناده، ولاسيما العالى منه، سماعا وكتابة حتى عصر العراقي هذا، وعن هؤلاء أنتشرت تلك المرويات فيمن بعدهم. وفي مقدمة هؤلاء الحافظ ابن حجر الذي قرأ على العراقي أكثر أماليه، واستملى عليه كثيرا منها، وكتب عنه بعضها كذلك، وكتب غيره أيضا من شيوخ السخاوي صاحب فتح المغيث (١) وكذا ولي الدين أحمد بن الحافظ العراقي، حيث كان هو المعين رسميا للاستملاء على والده، وفي غيبته كان يستملى غيره وغير ابن حجر (٢) ٢ - ومن آثار تلك بعض النقول التي وقفت عليها. فقد أورد السيوطي في الجامع الصغير حديث «استقيموا ولن تحصوا، واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة، ولن يحافظ على الوضوء إلا مؤمن».

стр. 2077

وعزاه إلى أحمد في مسنده (١) وابن ماجه (٢) والحاكم (٣) والبيهقى (٤) عن ثوبان، وعزاه إلى ابن ماجه (٥) والطبراني عن عبد الله بن عمرو، وإلى الطبراني (٦) عن سلمة بن الأكوع. ورمز له بالصحة (٧). ورواية الحديث عن ثوبان التي عزاها السيوطي إلى أحمد ومن بعده إلى البيهقي قد رويت عند أربعتهم من طريق سالم بن أبي الجعد عن ثوبان به وقال الحاكم هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ولست أعرف له علة يعلل بمثلها مثل هذا الحديث إلا وهم من أبي بلال الأشعري وهم فيه على أبي معاوية - ثم أخرج رواية أبي بلال هذه. ولم يتعقب الذهبي الحاكم في هذا التصحيح في مختصره للمستدرك. ولكن ذكر في غيره ما يتعقب به، كما سيأتي. فإن المناوى في فيض القدير عند شرحه لهذا الحديث، ذكر تصحيح الحاكم السابق ونقل عن المنذري قوله: إسناد ابن ماجه (٨) وقال: وقال الذهبي في المهذب - يعنى مختصر سنن البيهقي - صحيح خرجه ابن ماجه من حديث منصور عن سالم - وهو لم يدرك ثوبان (٩)

стр. 2078

ثم قال المناوي: وقال الحافظ العراقي في أماليه: حديث حسن، رواته ثقات إلا أن في سنده انقطاعا بين سالم وثوبان كما قال ابن حبان (١). ثم ذكر المناوى أن سند الحديث عن عبد الله بن عمرو قال فيه مغلطاي: لا بأس به. ثم قال: قال الدميرى: ذكره - يعنى الحديث - الرافعي في المجلس العشرين في أماليه، وقال ما ملخصه: إنه حديث ثابت (٢). فمن كلام الدميرى هذا يستفاد أنه وقف على المجلس العشرين من أمالي الرافعي التي استخرج عليها العراقي، وقد قام بتلخيص ما فصله الرافعي من الكلام في درجة الحديث، وأفاد بما فصله أن الحديث ثابت - يعنى بمجموع طرقه عن ثوبان وغيره. ثم إن الدميرى ممن تتلمذ للعراقي أيضا (٣). وعندما نراجع عدد كلمات سورة الفاتحة - بالمكرر منها نجد أن الكلمة رقم (٢٠) هي كلمة ﴿المستقيم﴾ فيوافقها بداية لفظ هذا الحديث وهو «استقيموا … .». ومقتضاه أن ما نقله المناوى أولا وعزاه إلى أمالي العراقي أنه قال: حديث حسن الخ. قد أخذه من المجلس العشرين أيضا من مستخرج العراقي هذا على أمالي الرافعي.

стр. 2079

ويعتبر هذا المجلس ضمن المفقود حاليا من هذا المستخرج، ولكن نقل المناوي المذكور عنه يفيد أن بعض نسخه الخطية كانت موجودة، ومستفادا منها حتى عصر المناوي صاحب فيض القدير والمتوفى سنة ١٠٣١ هـ. كما يلاحظ أن حكم العراقي بالتحسين للحديث مع بيان انقطاع الإسناد بين سالم وثوبان، يخالف إطلاق الحافظ المنذري قبله الحكم بتصحيح إسناد ابن ماجه، من هذا الطريق، وكذلك إطلاق الحاكم تصحيحه على شرط الشيخين من الطريق نفسه كما تقدم. ويوافقه في الحكم بانقطاع هذا الطريق المتقدمون، كابن حبان الذي صرح بالنقل عنه، والمعاصرون له كالذهبي فيما تقدم نقله عنه (١) أما حكمه بتحسين الحديث فلأجل متابعة لسالم عن ثوبان، أخرجها ابن حبان في الموضع الذي ذكر فيه ما نقله عنه العراقي من انقطاع طريق سالم عن ثوبان كما تقدم (٢) وفي سند المتابعة «عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان» وهو ممن يحسن حديثه (٣). وأما من صحح الحديث فقد راعى بقية طرقه عن غير ثوبان من الصحابة (٤).

стр. 2080

٢ - كتاب المستخرج على المستدرك على الصحيحين للحاكم أبي عبد الله في مقدمة من ذكر هذا الكتاب وسماه باسم «المستخرج على المستدرك» هو الحافظ العراقي نفسه، وذلك في ترجمة «عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب القرشي» من كتابه «ذيل الميزان» حيث أخرج الحاكم من طريقه عن مقسم عن ابن عباس عن النبي ﷺ في الذي يأتي امرأته وهي حائض، قال: يتصدق بدينار أو بنصف دينار، وصححه ووصف عبد الحميد هذا بأنه ثقة مأمون (١) وقال العراقي: وقد صححه الحاكم وأبو الحسن بن القطان، وضعفه الجمهور كما قلته في المستخرج على المستدرك (٢). فمن ذلك عرفنا أن العراقي سمى كتابه هذا باسم «المستخرج على المستدرك» وعرفنا أنه أنجز منه على الأقل - من أوله إلى الموضع الذي أخرج الحاكم الحديث المذكور فيه وهو أواخر كتاب الطهارة (٣). كما يستفاد من ذكره هذه الإحالة عليه في كتاب ذيل الميزان أنه وصل فيه إلى هذا الموضع قبل كتابته هذه الترجمة من كتاب الذيل، وهي تقع في ثلثه الأخير تقريبا. وتأليف كتاب الذيل متقدم على تاريخ شروع العراقي في أماليه المصرية سنة ٧٩٥ هـ كما تقدم تحقيقه عند الكلام على أماليه. ومقتضاه أنه فرغ من هذا القدر المحال عليه من المستخرج قبل شروعه في

стр. 2081

إملائه على الأقل، ولم يبين لنا العراقي في كلامه السابق مقدار ما أنجزه من هذا المستخرج بعد هذا الموضع الذي أحال عليه وهو أواخر كتاب الطهارة الذي يعتبر ثالث كتب المستدرك بعد كتابي الإيمان والعلم. لكن الحافظ ابن حجر وهو الذي خبر جميع أمالي شيخه، سماعا وكتابة، قد فصل الأمر فيها، فذكر أماليه المستخرجة على أمالي الرافعي، وأتبعها بقوله: ثم شرع في الإملاء من تخريج المستدرك، فكتب منه قدر مجلدة، إلى أثناء كتاب الصلاة، أملى ذلك في نحو ثلاثمائة مجلس، من أول السادس عشر بعد المائة، إلى آخر السادس عشر بعد الأربعمائة، لكن مجلس ٤٠٨ و ٤١٣ إلى آخر مجلس (٤١٦) من الأمالي، ليست من المستخرج (١). وبذلك يكون مجموع ما أملاه العراقي من هذا المستخرج (٢٩٨) مجلسا، فهي نحو ثلاثمائة كما ذكره الحافظ في بداية كلامه. وهي تمثل معظم أمالي العراقي عموما كما ترى. وقد ذكر ابن فهد مثل التفصيل السابق من ابن حجر، لكنه حدد عدد أمالي المستخرج على المستدرك بـ «٣٠١» مجلس (٢)، وهي لا تكون كذلك مع استثناء المجالس الأربعة التي اتفق مع ابن حجر في استثنائها (٣). والحافظ ابن حجر مقدم في هذا، لما قدمته من خبرته الوطيدة بتلك الأمالي. ويتفق معه

стр. 2082

في جملة التفاصيل تلميذه السخاوى (١) وفي تحديد العدد الإجمالي للأمالي أبو زرعة ابن العراقي (٢) وقد وجدت الزبيدي في شرحه للإحياء يقول: قرأت في إصلاح المستدرك للحافظ العراقي، بخطه … وذكر حديث صفوان عسال: ما من خارج يخرج من بيته في طلب العلم (الحديث)» (٣) وقد أخرجه الحاكم في المستدرك (١/ ١٠٠)، وسيأتي بقية كلام الزبيدي عنه في أثر الكتاب فيمن بعده. والمقصود هنا بيان تسمية الزبيدى لهذا المستخرج باسم «إصلاح المستدرك» وقد صرح بأن النسخة التي وقف عليها هي بخط العراقي مؤلف الكتاب، وقد سبق تصريحه بتسميته بـ «المستخرج على المستدرك» فإن كان الزبيدي وجد هذه التسمية على النسخة فلعلها كتبت من بعض من اطلع عليها غيره، أو لعل الزبيدي هو الذي أطلق عليه هذه التسمية لما رآه فيه من تعقبات العراقي المتعددة للحاكم، كما سيأتي في بقية كلامه. ويؤيد هذا أنه لم ينسب تلك التسمية إلى العراقي، ولا إلى غيره. والراجح هي تسمية المؤلف العراقي له باسم «المستخرج على المستدرك» وقد وافقه على ذلك من حضر الإملاء وكتب منه، وهو الحافظ ابن حجر، كما تقدم، وهكذا جاءت التسمية في بعض المجالس الخطية التي وصلت إلينا كما سيأتي. ويفهم مما تقدم أن العراقي لم يكمل هذا المستخرج، بل ولا أنجز منه إلا قدرًا

стр. 2083

قليلا بالنسبة لكتاب المستدرك. فهو عبارة عن كتاب الإيمان وكتاب العلم، وكتاب الطهارة، وقريبا من نصف كتاب الصلاة وتوابعها التي تنتهي عند بداية كتاب الجنائز (١). أنموذج تحليلي من الكتاب. إن البحث الموسع عن نسخ خطية لهذا الكتاب لم يوقفني منه إلا على قطعة يسيرة، عبارة عن سبعة مجالس فقط، من أثنائه، وجميعها مما أملاه العراقي بالمدرسة الفاضلية بالقاهرة (٢). وهي مجالس متفرقة، أولها يعتبر المجلس (٢٦٢) من أمالي هذا المستخرج، وسقط بعده مجلسان (٢٦٣، ٢٦٤)، ويلى ذلك مجالس رقم (٢٦٥)، (٢٦٦)، (٢٦٧)، (٢٦٨) ثم سقط مجلسان (٢٦٩)، (٢٧٠) ثم يلي ذلك مجلس (٢٧١)، ثم سقط مجلس (٢٧٢) ثم يلي ذلك مجلس (٢٧٣). وبنهايته تنتهى هذه القطعة، وهي مخطوطة مصورة بمعهد المخطوطات بالقاهرة (٣) ويوجد لهذه المجالس نسخة أخرى مخطوطة بمكتبة «ليدن» بهولندا، وطبعت هذه المجالس طبعة محققه على تلك النسخة، وقد رجعت إليها في دراستي لهذا المستخرج (٤) مع مراجعة مخطوطة المعهد فيما أشكل. وكل مجلس من تلك المجالس يتضمن حديثا أو حديثين، من أحاديث.

стр. 2084

المستدرك في موضوع واحد. لكن إذا كانت أحاديث الموضوع أكثر، مع تعدد طرقها، ووجود اختلاف للعلماء والرواة فيها، فإن العراقي يقسم إملاءها إلى أكثر من مجلس، وذلك مثل أحاديث الجهر بالبسملة في الصلاة، فقد وجدت المجلس (٢٦٢) وهو الأول من تلك القطعة، يبدأ من أثناء الكلام على الخلاف على المعتمر بن سليمان، ومحمد بن أبي السرى في إسناد حديث أنس في الجهر بها، وقد أحال العراقي منه على بعض وجوه الخلاف التي قدم ذكرها في المجلس السابق عليه، وهو من المفتقد (١)، وقد ابتدأ المجلس (٢٦٢) هذا بما نصه: «يقول: كاتبه العبد الفقير إلى الله تعالى: عبد القادر النعيمي، بسم الله الرحمن الرحيم، أخبرنا شيخنا العلامة أبو عبد الله، محمد بن عبد الرازق بن عبد القادر الأريحي، سماعًا، قال: حدثنا شيخنا العلامة شيخ الإسلام، حافظ الزمان، زين الدين أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين … . العراقي، عامله الله بلطفه، وعفا عنه بمنه وكرمه، إملاءا من لفظه وحفظه، يوم الثلاثاء ٢٨ من جمادى الأول سنة ٨٠٤ هـ بالمدرسة الفاضلية، بالقاهرة المعزية المحروسة، قال: واختلف على المعتمر بن سليمان وعلى محمد بن أبي السرى في إسناد الحديث المتقدم ومتنه، فقيل: عن ابن أبي السرى، وإبراهيم بن محمد الذارع (٢) عن المعتمر عن أبيه عن أنس، في الجهر بها، كما تقدم (٣) يعني في

стр. 2085

المجلس السابق على هذا، وهو مفتقد، كما ذكرت آنفا. وقد تكررت افتتاحية المجلس السابقة، في بداية كل مجلس من تلك المجالس السبعة التي وجدت حاليا من هذا المستخرج. كما أن كل مجلس منها قد ختم بعبارة تتضمن الرقم المتسلسل لكل مجلس ضمن أمالي العراقي عموما، ورقم آخر يتضمن التسلسل للمجلس نفسه ضمن أمالي المستخرج على المستدرك. فالمجلس الثاني من تلك المجالس جاء في آخره ما نصه «آخر المجلس (٣٨١) من الأمالي وهو (٢٦٥) من المستخرج على المستدرك» (١) والمجلس الأول من تلك المجالس يقابل في المستدرك ١/ ٢٣٣ - ٢٣٤/ كتاب الصلاة - حديث الجهر بالبسملة. طريقة العراقي في الاستخراج والتخريج أما طريقة الاستخراج، فهي أنه يروى الحديث بسنده عن شيوخه، بحيث يلتقى سنده مع سند الحاكم بالحديث، في شيخ الحاكم، أو فيمن فوقه، فيسمى الأول موافقة، ويسمى الثاني بدلا، مع العلو، كما هو مقرر في علم المصطلح (٢) وسيأتي في التطبيق، وهذا هو الاستخراج، وهو المقصود الأصلى بالنسبة إلى أحاديث المستدرك، كما أن العراقي يعزو بعض الأحاديث أو الروايات من أحاديث المستدرك، أو ما يتعلق بها، إلى بعض المصادر الأصلية غير المستدرك كالمسانيد أو السنن، ثم يبين التقاء إسناد مؤلفيها مع

стр. 2086

إسناده أيضا في شيخ مؤلف المصدر، أو فيمن فوقه، وهذا أيضا استخراج فرعى، جاء تبعا للاستخراج السابق الأصلى وفي كلتا الحالتين يبين العراقي ما حصل في إسناده هو من علو، بالنسبة الإسناد الحاكم، أو غيره من أصحاب المصادر الأخرى التي عزا إليها الحديث، ويذكر كون هذا العلو بدرجة، أو بدرجتين أو بثلاثة ومن الروايات الفرعية ما يعزوه العراقي فقط إلى بعض المصادر الأصلية، دون بيان التقائه بسنده، هو، ولا علوه، وهذا هو التخريج المجرد، وهو أقل من الاستخراج في الجملة فمثال ما يجمع كلا من الاستخراج بنوعيه، والتخريج: أن العراقي في المجلس (٢٦٥) قال: أخبرني أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الدمشقي بقراءتي عليه بها … . وساق سنده إلى أحمد ابن جعفر القطيعي ثنا عبد الله بن أحمد حدثني أبي ثنا محمد بن جعفر ثنا شعبة عن عمرو بن مرة عن عاصم العنزى عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه ﵁ (١). ثم ذكر (ح) التحويل وقال: وبه - يعني سنده السابق - قال أحمد ثنا يحيى ابن سعيد عن مسعر حدثني عمرو بن مرة عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في صلاة التطوع: الله أكبر كبيرا، ثلاث مرات، والحمد لله كثيرا، ثلاث مرات (الحديث) (٢) ثم ذكر (ح) التحويل - وقال: وبه قال أحمد ثنا عبد الله بن محمد بن أبي

стр. 2087

شيبة - قال عبد الله بن أحمد: وسمعته من عبد الله بن محمد قال: ثنا عبد الله بن إدريس عن حصين عن عمرو بن مرة عن عباد بن عاصم عن نافع ابن جبير عن أبيه، وفيه: أن ذلك في صلاة الضحى (١) ثم قال العراقي: وأخبرني عاليا: الشيخ الصالح أبو محمد عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن نصر المقدسي ﵀ بقراءتي عليه بصالحية دمشق … . وساق سنده إلى الطبراني ثنا أبو مسلم الكشي ثنا أبو الوليد الطيالسي ثنا شعبة عن عمرو بن مرة، عن عاصم - رجل من عنزة - عن نافع ابن جبير بن مطعم عن أبيه ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ دخل في صلاته فقال: الله أكبر كبيرا، ثلاث مرات (الحديث) (٢) وبهذا نجد العراقي قد استخرج هذا الحديث بسنده إلى كل من شعبة ويحيى ابن سعيد القطان، ومحمد بن جعفر. ثم قال العراقي: هذا حديث حسن، مشهور من رواية عمرو بن مرة. أخرجه أبو داود عن عمرو بن مرزوق عن شعبة. وعن مسدد عن يحيى بن سعيد (٣) وأخرجه ابن ماجه عن محمد بن بشار عن محمد بن جعفر (٤) فوقع لنا بدلا لهما (٥)، وعاليا بالنسبة لرواية أبي داود الثانية، وعاليا

стр. 2088

من طريقنا الثاني بالنسبة لرواية ابن ماجة ثم قال العراقي: ورواه ابن حبان في صحيحه (١) ورواه الحاكم من ثلاثة طرق (٢) أحدهما عن القطيعي، فوقع لنا موافقة له عالية بطريقنا الأول (٣) وعاليا بدرجتين، من طريقنا الثاني (٤) (٥) ثم قال العراقي: ورواه - يعنى الحاكم - أيضا من رواية وهب بن جرير، وآدم ابن أبي إياس، كلاهما عن شعبة. وقال - يعنى الحاكم -: وفي حديث وهب ابن جرير عن نافع بن جبير بن مطعم، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه (٦) فيلاحظ أنه بين العلو في مستخرجه على أحد طرق الرواية الأصلية وهي رواية الحاكم عن القطيعي، كما بين علوه في الاستخراج على الروايات المتابعة لها عند أبي داود وابن ماجه. أما الروايات الأخرى فاكتفى بتخريجها بالعزو فقط مثل رواية الحاكم

стр. 2089

الأخيرة، ورواية ابن حبان في صحيحه، وروايات البخارى في تاريخه أيضا، حيث قال بعد ذكر الرواية الأخيرة للحاكم وتصحيحه لها! قلت: وأورد البخاري في تاريخه في ترجمة عاصم بن عمير العنزي، طرق هذا الحديث … الخ وساق مجمل تخريج البخارى لطرقه المختلفة (١). من بيان العراقي لدرجات الحديث، وللصناعة الحديثية، وموقفه من النقاد وقبله: اهتم العراقي أيضا في هذا المستخرج ببيان درجات الأحاديث التي يوردها، سواء بالحكم بالصحة أو الحسن أو الضعف، تارة بالعزو لمن اشترط الصحة كابن خزيمة (٢) وابن حبان (٣)، وتارة بالنقل عمن خرج الحديث كالترمذي (٤) والدارقطني والبيهقي (٥). وتارة يحكم العراقي بنفسه بناء على تطبيق القواعد النقدية، وأقوال غيره من العلماء، وهذا ما يظهر فيه جهد العراقي، وشخصيته العلمية أكثر، كما عنى أيضا بجوانب أخرى من الصناعة الحديثية، مع بيان موقفه ممن سبقه من النقاد، كما يتضح من النماذج التالية: فمن ذلك أنه روى بسنده إلى شعبة عن عمرو بن مرة عن عاصم - رجل من

стр. 2090

عنزة - عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه ﵁ أنه رأى رسول الله ﷺ دخل في صلاته فقال: الله أكبر كبيرا، ثلاث مرات (الحديث). وحكم بأن هذا الحديث حسن مشهور من رواية عمرو بن مرة. ثم ذكر أن البخاري أورد في تاريخه طرقا لهذا الحديث فيها خلاف على عمرو بن مرة في تسمية شيخه، هل هو عاصم العنزي، أو عباد بن عاصم، أو عمار بن عاصم، وذكر قول البخارى بأن تسميته «عمار بن عاصم» لا تصح. (١) ثم ذكر العراقي قول البزار عند ذكره هذا الاختلاف في الاسم: والرجل ليس بمعروف، وقول ابن المنذر: عباد بن عاصم، وعاصم العنزي، مجهولان لا يدرى من هما؟ (٢) ثم ذكر أن الدارقطني أيضا بسط هذا الخلاف في علله، وقال: والصواب قول من قال: عن عاصم العنزى عن نافع بن جبير، به. وأيد العراقي هذا بأن ابن حبان ذكر عاصما هذا في الثقات (٣)، وأخرج الحديث باسمه هكذا في صحيحه (٤). وبذلك أنهى العراقي عرض هذا الخلاف بترجيح في تسمية الراوى باسم (عاصم العنزى) ويدفع القول بتعدده، وبجهالته، وتقرير أنه محتج به بناء على إخراج ابن حبان لحديثه الذي معنا في صحيحه، مع ذكره له في الثقات.

стр. 2091

ومعروف أن مثل هذا الخلاف، من باب العلل الدقيقة التي لا يخوض غمارها، ويفصل القول فيها، إلا جهابذة النقاد، وقد خاضه العراقي كما ترى، وخلص فيه بنتيجة راجحة في تقديره، مع تأيد ذلك بما توافر لديه من أقوال من سبقه من النقاد. ومن ذلك أيضا أنه ساق رواية الطبراني لحديث جبير بن مطعم، وفيها بعد التعوذ من الشيطان الرجيم، من نفخه، ونفثه، وهمزه، قال: نفخه الكبر، ونفثه الشعر، وهمزه الموتة. ثم عقب على ذلك بقوله: وما ذكر في آخر الحديث في تفسير: (نفخه، ونفثه، وهمزه) هو مدرج فيه، وهو قول عمرو بن مرة، كما هو مصرح به في مسند البزار، من رواية شعبة، وحصين، وفي سنن البيهقى (١) من رواية أبي الوليد الطيالسي، عن شعبة والله أعلم (٢). فبين بذلك وجود إدراج في متن الحديث مع عدم التصريح في رواية الطبراني بذلك، وأيد العراقي ذلك بما في غير الطبراني من مصادر الحديث. وعندما نراجع الحديث في طبعة الطبراني الحالية ٢/ (١٥٦٨) نجد فيها ما نصه «قال عمرو: نفخه الكبر … » الخ فلعل لفظ «عمرو» هذا سقط من نسخة العراقي التي نقل منها، وإلا لما احتاج إلى البحث في المصدرين المحال عليهما في تعقبه، وإثبات الإدراج على أساس ما جاء فيهما. ومن ذلك أن العراقي روى بسنده إلى الأسود. وهو ابن يزيد - عن عمر ﵁ أنه حين افتتح الصلاة كبر، ثم قال: سبحانك اللهم وبحمدك …

стр. 2092

(الحديث) وذلك من طريق البيهقي في سننه (١)، ثم قال العراقي: وهو عند مسلم من رواية عبدة ابن أبي لبابة عن عُمر - ولم يسمع منه (٢). وبالتأمل في صنيع العراقي هذا نجد أمرين: أحدهما: بيانه أن رواية الإمام مسلم لهذا الأثر عن عمر ﵁ منقطعة بين عبدة بن أبي لبابة وبين عمر، ومثله جاء عن المنذرى (٣) والمزى (٤) والعلائي (٥) وخالفهم أبو زرعة ابن العراقي فقرر أن «عبدة» قد أدرك عمر ﵁ وأن مسلما اكتفى بالمعاصرة بينهما في إخراج هذا الحديث، على قاعدته (٦)، وهذا معارض بأن شرط مسلم في الاكتفاء بالمعاصرة عدم وجود ناف الحصول اللقاء، وبالنسبة لعبدة هذا، نجد أن حبيب ابن أبي ثابت أكبر منه، ولم يدرك عمر ﵁ فعدم إدراك عبدة له من باب أولى، وهذا دليل تاريخي ينفى حصول اللقاء (٧). الأمر الثاني: أن العراقي قدم على ذكر رواية الإمام مسلم المنقطعة رواية موصولة عن عمر ﵁ من غير طريق عبدة، ثم ذكر بعد ذلك عن الدارقطني قوله: إنها هي المحفوظة (٨).

стр. 2093

فأفاد بذلك انجبار رواية مسلم المنقطعة بتلك الرواية الموصولة عند غيره، وقد أخرجها أيضا الحاكم في المستدرك من تلك الطريق الموصولة وهي طريق الأسود بن يزيد عن عمر به، وصححها (١) وكذا قال البيهقي عند تخريجها: وأصح ما روى فيه: الأثر الموقوف على عمر. ثم إن العراقي بعد عزوه أثر عمر هذا إلى صحيح مسلم قال: وعزاه ابن العربي في العارضة للصحيحين (٢) وليس عند البخاري (٣)، فتعقب بذلك عزو ابن العربي هذا الأثر إلى الصحيحين معا. ومن ذلك أن الحاكم أخرج من طريقين عن أنس ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يجهر في الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم. وقال الحاكم عن الطريقين: رواتهما عن آخرهم ثقات (٤) ثم أخرج رواية ثالثة من طريق حميد عن أنس قال: صليت خلف النبي ﷺ وخلف أبي بكر وخلف عمر وخلف عثمان وخلف علي، فكلهم كانوا يجهرون بقراءة بسم الله الرحمن الرحيم، وقال الحاكم: إنما ذكرت هذا الحديث شاهدا لما تقدمه، [ففي] هذه الأخبار التي ذكرناها معارضة لحديث قتادة الذي يرويه أئمتنا عنه (٥). وقد أخرج العراقي هذا الشاهد من طريق الحاكم (٦) فيعتبر هذا مثالا لما قد

стр. 2094

يرويه صاحب المستخرج من طريق صاحب الكتاب المستخرج عليه، لعدم توافر سند آخر له في مروياته (١) ثم قال العراقي عقب كلام الحاكم السابق: قلت: وقد أنكر الحافظ أبو عبد الله الذهبي في مختصر المستدرك، إخراجه لهذا الطريق الأخير، فقال: أما استحى المؤلف أن يورد مثل هذا الموضوع؟ فأشهد بالله، ولله بأنه كذب (٢). وعقب العراقي على قول الذهبي هذا بقوله: قلت: لم يبين الذهبي مستنده في أنه موضوع كذب؛ فإن كان لمخالفته لرواية الموطأ (٣) عن حميد عن أنس قال: صليت وراء أبي بكر وعمر وعثمان، فكلهم كان لا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم. فعلى (٤) تقدير كونه مردودًا، فنهاية ما يمكن أن يقال: إنه شاذ ولا يلزم بالشذوذ، الحكم بأنه كذب موضوع، وقد أعل الشافعي رواية حميد هذه بأنه قد خالف مالكا فيها سبعة، أو ثمانية، لقيهم هو، موثقين (٥) منهم: سفيان بن عيينة والفزاري والثقفي، قال: والعدد الكثير أولى بالحفظ من واحد، انتهى. ثم قال العراقي: وإسماعيل بن أبي أويس (٦) احتج به الشيخان، ولكن فيه.

стр. 2095

تغفل، قال أحمد: لا بأس به، وقال ابن معين: صدوق ضعيف العقل، وقال أبو حاتم: محله الصدق، مغفل (١). وأتبع العراقي ذلك بقوله: وقد قال الحافظ شمس الدين ابن عبد الهادي في تنقيح التحقيق (٢): إن الحديث ثابت عن مالك، لكن سقط منه لفظ «لا» اهـ يعني قبل «يجهرون». وبهذا يتضح قوة موقف العراقي هذا في النقد المؤيد بالأدلة المعتبرة، في مواجهة الموقف المتشدد من الإمام الذهبي ﵀ في الجزم بكون هذا الحديث موضوعا مكذوبا، وتأكيده هذا الجزم بالقسم، دون ذكره دليلا علميا على ما يقول. فسبحان من لا يغفل ولا يسهو. كما يتضح لنا من أسلوب العراقي في النقد أنه مقتصر على الرد العلمي الملتزم بالموضوعية والهدوء في مواجهة الشدة الظاهرة. فليكن لنا في مثل موقف العراقي هذا وهو رائد مدرسة الحديث في عصره، ومصره، الأسوة الحسنة. ثم إننا عند المراجعة والموازنة نجد أن رفيق العراقي وهو جمال الدين الزيلعي (ت ٧٦٢ هـ) قد اقتصر في رده على قول الذهبي، بذكر قول ابن عبد الهادي فقط (٣). أما سراج الدين عمر ابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) قرين العراقي، فإنه في مختصره لاستدراك الذهبي نقل كلامه السابق في الجزم بوضع الحديث، ثم لم يتعقبه بشيء (٤).

стр. 2096

من مواقف العراقي في مستخرجه من الحاكم: وصف العراقي الحاكم أبا عبد الله في غير هذا المستخرج بأنه متساهل في التوثيق (١) وبأنه أشد تساهلا في التصحيح من ابن حبان (٢) وهناك غير العراقي من انتقد الحاكم أيضا بأنه يخرج بعض الأحاديث ويقول: على شرط الشيخين أو أحدهما، ولم يخرجاه، ويكون الحديث بذلك اللفظ فيهما أو في أحدهما (٣). لكن موقف العراقي السابق في الرد على الذهبي، فيه دفاع عن الحاكم، والذي وقفت عليه من مستخرج العراقي هذا، فيه تعقب منه أيضا للحاكم، في الجانبين المذكورين وغيرهما. فمن ذلك أن العراقي قال: ذكر الحاكم - رحمه الله تعالى - حديث أبي هريرة ﵁ قال: صلى بنا رسول الله ﷺ الظهر، فلما سلم، نادى رجلا كان في آخر الصفوف فقال: يا فلان، ألا تتقى الله، ألا تنظر كيف تصلى؟ (الحديث) من رواية محمد بن إسحق ثنا سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه بهذه السياقة (٤). وعقب العراقي على ذلك بقوله: قلت: بل أخرجه مسلم، من رواية الوليد.

стр. 2097

ابن كثير قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبرى، مع خُلْفٍ في بعض ألفاظه (١) وليس في رواية الحاكم زيادة إلا قوله: إن أحدكم إذا قام يصلى، إنما يقوم يناجي ربه، فلينظر كيف يناجيه. ثم قال العراقي: وهذه الزيادة عند البخاري من رواية معمر عن همام عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: إذا قام أحدكم إلى الصلاة، فلا يبصق أمامه، فإنما يناجي الله ، مادام في مصلاه (الحديث) (٢) قال العراقي: فلا حاجة لاستدراكه (٣). أقول: إن الحاكم قيد استدراكه بالسياقة التي ذكرها، وهي غير موجودة في الصحيحين ولا أحدهما، إلا مفرقة، ومع اختلاف في بعض الألفاظ، كما صرح العراقي بنفسه، وكما يلاحظ فعلا عند مراجعة ما أحال عليه العراقي في الصحيحين، وعليه فإن تعقب العراقي هنا للحاكم ليس في محله. ومن تعقبه أيضا أنه عزا إلى الحاكم في المستدرك من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن عبيد الله بن عمر عن ثابت عن أنس أن رجلا كان يؤمهم بقباء، فكان إذا أراد أن يفتتح سورة يقرأ بها، قرأ قل هو الله أحد، ثم قرأ بالسورة (الحديث)، وذكر قول الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، قال: وقد احتج البخاري أيضا مستشهدًا بعبد العزيز ابن محمد، في مواضع من كتابه (٤).

стр. 2098

ثم تعقبه العراقي بقوله: قلت: إنما روى له البخاري مقرونا بغيره، فلا يقال: احتج به مستشهدا (١) وهذا التعقب من العراقي فيه أمران: أحدهما: بيانه أن الاحتجاج بالراوي يكون في حالة إخراج الشيخين أو أحدهما حديثه مسندا بمفرده، دون عاضد يقويه. أما لو أخرجا أو أحدهما له في التعاليق فقط، أو في الأحاديث المسندة، لكن مع ذكر متابع مقرون به في ذات الإسناد، مثل فلان وفلان عن فلان، أو غير مقرون، مثل ذكر الراوي في طريق وذكر المتابع له في طريق آخر للحديث، مع اتفاقهما في الصحابي. فلا يعتبر الراوي في هذه الحالات محتجا به عندهما أو عند أحدهما. الأمر الثاني: تقرير العراقي أن المتابع لا يسمى شاهدا، لاتفاقه مع متابعه في الصحابي المروى عنه الحديث. والشاهد ما كان حديثه عن صحابي آخر، وهذا هو الأكثر وعليه الجمهور (٢). لكن من يراجع المستدرك يجد أن الحاكم تارة يطلق المتابع والشاهد بالمعنى الذي أشار إليه العراقي والذي عليه الجمهور (٣). وتارة يطلق كل منهما على الآخر وهذا عنده أقل من الأول (٤).

стр. 2099

وقد وجدته في صفحة واحدة يجرى على اصطلاح الجمهور، وعلى خلافه (١) وقد صرح العراقي نفسه في ألفيته وشرحها، وكذا غيره من علماء المصطلح بجواز إطلاق المتابع على الشاهد وبالعكس (٢) أما ما ذكره العراقي عن رواية البخاري للدراوردى فيتفق مع ما ذكره تلميذه ابن حجر، حيث ذكر أن البخاري روى له حديثين قرنه فيهما بغيره، وروى له أحاديث يسيرة أفرده؛ لكنه أوردها بصيغة التعليق في المتابعات (٣) ومقتضى هذا أنه لم يتحقق فيه شرط احتجاج البخارى به على الوجه المعتبر، كما قدمت. لكن الحافظ ابن حجر بعد تفصيل روايات البخاري له كما تقدم قال: «واحتج به الباقون» يعنى بقية الأئمة الستة عدا البخاري، ومقتضى هذا أن مسلما قد احتج به، وبذلك لا يعتبر تعقب العراقي هذا قادحًا في قول الحاكم بأن الحديث المذكور صحيح على شرط مسلم. ومن تعقباته للحاكم أيضا، أنه قد أخرج بسنده إلى يونس بن عبيد عن الزهرى، سمعت أبا الأحوص، مولى بنى ليث يحدثنا في مجلس ابن المسيب - وابن المسيب جالس - أنه سمع أبا ذر ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : لا يزال الله مقبلا على العبد ما لم يلتفت (الحديث) ثم قال العراقي: هذا حديث حسن، وبين علو سنده به.

стр. 2100

ثم قال: ورواه الحاكم من رواية الليث بن سعد عن يونس، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، وأبو الأحوص هذا، مولى ليث، تابعي من أهل المدينة، وثقه الزهري، وروى عنه، وجرت بينه وبين سعد بن إبراهيم مناظرة في معناه (١) وتعقب العراقي الحاكم بقوله: قلت: قال ابن معين فيه: ليس بشيء، وقال النسائي في الكنى: لم نقف على اسمه، ولا نعرفه، ولا نعلم أحدا روى عنه غير ابن شهاب الزهري، وقال أبو أحمد الحاكم: ليس بالمتين عندهم، وقال ابن القطان، لا يعرف له حال، ولا قضى له بالثقة قول الزهري: سمعت أبا الأحوص في مجلس سعيد بن المسيب، وذكره ابن حبان في الثقات، وأما المناظرة التي وقعت بين الزهري وبين سعد بن إبراهيم، فذكرها الحميدي عن ابن عيينة: أن سعد بن إبراهيم قال للزهري: من أبو الأحوص؟ كالمغضب (عليه) حين حدث عن رجل مجهول، فقال له الزهري: أما تعرف الشيخ مولى بني غفار، المدني؟ كان يصلي في الروضة، إنه الذي، وجعل يصفه له، وسعد لا يعرفه (٢). فنلاحظ أن العراقي قد حسن هذا الحديث من طريق أبي الأحوص هذا، ثم ذكر تصحيح الحاكم له، وذكره توثيق الزهري لأبي الأحوص وروايته لهذا الحديث عنه، والإشارة المناظرة الزهري لمن جهل أبا الأحوص وتقريره أنه معروف عنده هو.

стр. 2101

ثم تعقب العراقي الحاكم بذكر ما يفيد تضعيف كل من ابن معين والحاكم أبو أحمد له، وما يفيد قول كل من النسائي وابن القطان الفاسي وسعد بن إبراهيم بجهالته، وذكر عن كل من ابن القطان وسعد بن إبراهيم ما يفيد رد مستند الحاكم في توثيق أبي الأحوص. ثم أتبع العراقي ذلك بأن ابن حبان ذكر أبو الأحوص في الثقات. وعليه يكون حكم العراقي بتحسين الحديث فقط، بناء على أن مداره على أبي الأحوص، وأنه بحسب ما ذكره في حاله، يعتبر مختلفا فيه توثيقا وتجريحا بما لا يقتضي شدة ضعفه، دون ترجيح (١). ومقتضى هذا أنه يتعقب الحاكم في الحكم بصحة الحديث من طريق أبي الأحوص، ويرى إنزاله إلى درجة الحسن، لحال أبي الأحوص. لكن عند مراجعة ما قيل في حال أبى الأحوص، نجد أن توثيقه هو الراجح، لأن الزهري لم يقتصر على مجرد روايته عنه فقط، وإنما لما سأله عنه سعد بن إبراهيم بين له أنه يعرفه بنسبه إلى بنى غفار بالولاء، ويعرف سنه، وهو أنه حين سماعه منه كان شيخا، ووصفه كذلك بما يقتضي عدالته من المواظبة على العبادة، وعدد صفات أخرى له مؤيدة لهذا، وكون سعد - رغم هذا - لم يعرف أبا الأحوص، لا يضره، لأن الزهري إمام ناقد، وهو الذي روى عنه، وذكر ما يقتضى توثيقه عنده، فالعبرة بمعرفته له وتوثيقه، لا بجهالة غيره له،

стр. 2102

ولو كان معاصرا له كسعد بن إبراهيم، أو تاليا له كالنسائي. وقد اعتبر الحاكم مناظرة الزهري هذه توثيقا منه لأبي الأحوص، فقال كما تقدم: وثقه الزهري، وروى عنه. وبذلك يرد قول ابن القطان الفاسي: إن أبا الأحوص، لا يقضي له بالثقة لقول الزهري: «سمعت أبا الأحوص في مجلس سعيد بن المسيب»، لأن هذا ليس هو المستند الأساس في توثيقه، وإنما الأساس ما تقدم من مناظرة الزهري في التعريف به عينا وحالا، وهي كافية. على أن ابن عبد البر اعتبر إصغاء ابن المسيب إلى من يحدث في مجلسه، دليلا على إجلاله له (١) فيعتبر هذا ردا آخر على قول ابن القطان السابق. أما قول ابن معين في أبي الأحوص: «روى عنه الزهري، ليس بشيء» فقد أجاب عنه ابن عبد البر أيضا بقوله: ليس لقول ابن معين أصل غير قول سعد ابن إبراهيم - يعني السابق جوابه، ثم قال: وقد تناقض ابن معين في هذا المعنى، لأنه قيل له: ابن أكيمة (٢) لم يرو عنه غير ابن شهاب الزهري، فقال: يكفيك قول ابن شهاب: حدثني أكيمة، ويلزمه مثل هذا في أبي الأحوص (٣). ثم إن ابن حبان قد ذكره في الثقات (٤) كما في كلام العراقي السابق، وأضاف الحافظ ابن حجر تخريج ابن حبان وابن خزيمة (٥) حديثه هذا.

стр. 2103

وبناء على ما قدمته يتضح رجحان توثيق أبي الأحوص، وبالتالي صحة الحديث من طريقه لا حسنه، الذي أنزله العراقي إليه كما تقدم. ومن الأحاديث ما ذكر العراقي في مستخرجه هذا تصحيح الحاكم الإسناده، ثم تعقبه بتضعيفه، مؤيدا ذلك باتفاق العلماء على ضعف راويه الذي عليه مدار إسناده (١). وبمثل هذا يتأيد تساهله في التصحيح كما تقدم. لكن هناك أيضا من الأحاديث ما ذكر العراقي تصحيح الحاكم له، ولم يتعقبه بشيء، فأفاد ذلك إقراره على تصحيحه (٢). ومنها ما حكم بصحته، وأتبع ذلك بتصحيح الترمذي له، ثم ذكر تصحيح الحاكم، مؤيدا له (٣). وبذلك يتضح أن العراقي تنوع موقفه من تصحيح الحاكم، بناء على ما استقر عليه الأمر عند الإمام الترمذي ومن بعده من إشهار والتزام القسمة الثلاثية للحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، مع تفاوت أفراد كل قسم من الثلاثة.

стр. 2104

وهذا ما قرره في شرحه لألفيته في المصطلح بقوله عن تصحيح الحاكم: فالحق أن ما انفرد بتصحيحه يتتبع، بالكشف عنه، ويحكم عليه بما يليق بحاله، من الصحة أو الحسن أو الضعف (١). وقد أشار الحافظ الذهبي في كلامه عن المستدرك إلى نحو هذا التقسيم لأحاديث المستدرك (٢) لكنه في مختصره للمستدرك لا يتعقبه غالبا في تصحيحه ما يعتبر حسنا لذاته فقط عند أصحاب القسمة الثلاثية، مع أن الذهبي منهم. وقد ذكر الحافظ ابن حجر ما يمكن أن يوجه به عدم تعقب الذهبي للحاكم في هذا بمثل ما تعقبه العراقي، فقد ذكر الحافظ أن الحاكم ممن لا يفرق بين الصحيح والحسن، بل يجعل الجميع صحيحا، تبعا لمشايخه، ومن سبقه بهذا كابن خزيمة وابن حبان، وبالتالي لا يشاحح في هذا، ولكن يناقش فيما يصححه على شرط الشيخين أو أحدهما، ولا يكون كذلك، وهذا يعتبر عمدة مستدركه، كما هو معلوم (٣) وقد تقدم للعراقي بعض تعقبه للحاكم في هذا أيضا. مما يتعقب به العراقي في مستخرجه. بجانب ما قدمته من جهود العراقي وإفاداته الحديثية المتعددة في هذا المستخرج، فإني قد وجدت بعض ما يتعقب به، مع قلته بجانب جهوده وإفاداته.

стр. 2105

فمن ذلك أنه روى بسنده إلى الإمام أحمد في مسنده (١) عن يحيى بن سعيد، بسنده إلى جبير بن مطعم أنه سمع رسول الله ﷺ يقول في صلاة التطوع: الله أكبر كبيرا (الحديث). ثم أحال بسنده السابق إلى أحمد أيضا عن عبد الله بن محمد عن حصين، وقال عبد الله بن أحمد وسمعته (أنا) من عبد الله بن محمد، عن عبد الله ابن إدريس عن حصين عن عمرو بن مرة عن عباد بن عاصم عن نافع بن جبير عن أبيه، ثم قال العراقي: وفيه «أن ذلك في صلاة الضحى (٢) وهذا سهو من العراقي ﵀ فليس في روايات أحمد في المسند ذكر «صلاة الضحى»». لكنها جاءت رواية للطبراني مختصرة من طريق حصين، به، ولم يذكرها العراقي، وهي بلفظ «أن جبير بن مطعم رأى النبي ﷺ يصلى الضحى (٣). وجاءت أيضا في إحدى روايات البخاري في تاريخه ضمن الاختلاف الذي نقله منه العراقي بعد هذا الموضع فيما أملاه في المجلس نفسه» (٤) ومن المعروف أنه ﵀ كان يملى من حفظه، فلعل ذهنه سبق إلى الموضع الذي نقل منه من تاريخ البخاري، مع كونه لم يذكرها فيما نقله. وليس هذا الوهم اليسير مما يقدح فيما قد شهد للعراقي به، من الضبط التام.
следующие страницы →