ثم تعقب العراقي الحاكم بذكر ما يفيد تضعيف كل من ابن معين والحاكم أبو أحمد له، وما يفيد قول كل من النسائي وابن القطان الفاسي وسعد بن إبراهيم بجهالته، وذكر عن كل من ابن القطان وسعد بن إبراهيم ما يفيد رد مستند الحاكم في توثيق أبي الأحوص.
ثم أتبع العراقي ذلك بأن ابن حبان ذكر أبو الأحوص في الثقات. وعليه يكون حكم العراقي بتحسين الحديث فقط، بناء على أن مداره على أبي الأحوص، وأنه بحسب ما ذكره في حاله، يعتبر مختلفا فيه توثيقا وتجريحا بما لا يقتضي شدة ضعفه، دون ترجيح (١).
ومقتضى هذا أنه يتعقب الحاكم في الحكم بصحة الحديث من طريق أبي الأحوص، ويرى إنزاله إلى درجة الحسن، لحال أبي الأحوص. لكن عند مراجعة ما قيل في حال أبى الأحوص، نجد أن توثيقه هو الراجح، لأن الزهري لم يقتصر على مجرد روايته عنه فقط، وإنما لما سأله عنه سعد بن إبراهيم بين له أنه يعرفه بنسبه إلى بنى غفار بالولاء، ويعرف سنه، وهو أنه حين سماعه منه كان شيخا، ووصفه كذلك بما يقتضي عدالته من المواظبة على العبادة، وعدد صفات أخرى له مؤيدة لهذا، وكون سعد - رغم هذا - لم يعرف أبا الأحوص، لا يضره، لأن الزهري إمام ناقد، وهو الذي روى عنه، وذكر ما يقتضى توثيقه عنده، فالعبرة بمعرفته له وتوثيقه، لا بجهالة غيره له،
стр. 2102
ولو كان معاصرا له كسعد بن إبراهيم، أو تاليا له كالنسائي.
وقد اعتبر الحاكم مناظرة الزهري هذه توثيقا منه لأبي الأحوص، فقال كما تقدم: وثقه الزهري، وروى عنه.
وبذلك يرد قول ابن القطان الفاسي: إن أبا الأحوص، لا يقضي له بالثقة لقول الزهري: «سمعت أبا الأحوص في مجلس سعيد بن المسيب»، لأن هذا ليس هو المستند الأساس في توثيقه، وإنما الأساس ما تقدم من مناظرة الزهري في التعريف به عينا وحالا، وهي كافية. على أن ابن عبد البر اعتبر إصغاء ابن المسيب إلى من يحدث في مجلسه، دليلا على إجلاله له (١) فيعتبر هذا ردا آخر على قول ابن القطان السابق.
أما قول ابن معين في أبي الأحوص: «روى عنه الزهري، ليس بشيء» فقد أجاب عنه ابن عبد البر أيضا بقوله: ليس لقول ابن معين أصل غير قول سعد ابن إبراهيم - يعني السابق جوابه، ثم قال: وقد تناقض ابن معين في هذا المعنى، لأنه قيل له: ابن أكيمة (٢) لم يرو عنه غير ابن شهاب الزهري، فقال: يكفيك قول ابن شهاب: حدثني أكيمة، ويلزمه مثل هذا في أبي الأحوص (٣).
ثم إن ابن حبان قد ذكره في الثقات (٤) كما في كلام العراقي السابق، وأضاف الحافظ ابن حجر تخريج ابن حبان وابن خزيمة (٥) حديثه هذا.
стр. 2103
وبناء على ما قدمته يتضح رجحان توثيق أبي الأحوص، وبالتالي صحة الحديث من طريقه لا حسنه، الذي أنزله العراقي إليه كما تقدم.
ومن الأحاديث ما ذكر العراقي في مستخرجه هذا تصحيح الحاكم الإسناده، ثم تعقبه بتضعيفه، مؤيدا ذلك باتفاق العلماء على ضعف راويه الذي عليه مدار إسناده (١).
وبمثل هذا يتأيد تساهله في التصحيح كما تقدم.
لكن هناك أيضا من الأحاديث ما ذكر العراقي تصحيح الحاكم له، ولم يتعقبه بشيء، فأفاد ذلك إقراره على تصحيحه (٢).
ومنها ما حكم بصحته، وأتبع ذلك بتصحيح الترمذي له، ثم ذكر تصحيح الحاكم، مؤيدا له (٣).
وبذلك يتضح أن العراقي تنوع موقفه من تصحيح الحاكم، بناء على ما استقر عليه الأمر عند الإمام الترمذي ومن بعده من إشهار والتزام القسمة الثلاثية للحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، مع تفاوت أفراد كل قسم من الثلاثة.
стр. 2104
وهذا ما قرره في شرحه لألفيته في المصطلح بقوله عن تصحيح الحاكم: فالحق أن ما انفرد بتصحيحه يتتبع، بالكشف عنه، ويحكم عليه بما يليق بحاله، من الصحة أو الحسن أو الضعف (١).
وقد أشار الحافظ الذهبي في كلامه عن المستدرك إلى نحو هذا التقسيم لأحاديث المستدرك (٢) لكنه في مختصره للمستدرك لا يتعقبه غالبا في تصحيحه ما يعتبر حسنا لذاته فقط عند أصحاب القسمة الثلاثية، مع أن الذهبي منهم.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر ما يمكن أن يوجه به عدم تعقب الذهبي للحاكم في هذا بمثل ما تعقبه العراقي، فقد ذكر الحافظ أن الحاكم ممن لا يفرق بين الصحيح والحسن، بل يجعل الجميع صحيحا، تبعا لمشايخه، ومن سبقه بهذا كابن خزيمة وابن حبان، وبالتالي لا يشاحح في هذا، ولكن يناقش فيما يصححه على شرط الشيخين أو أحدهما، ولا يكون كذلك، وهذا يعتبر عمدة مستدركه، كما هو معلوم (٣) وقد تقدم للعراقي بعض تعقبه للحاكم في هذا أيضا.
مما يتعقب به العراقي في مستخرجه.
بجانب ما قدمته من جهود العراقي وإفاداته الحديثية المتعددة في هذا المستخرج، فإني قد وجدت بعض ما يتعقب به، مع قلته بجانب جهوده وإفاداته.
стр. 2105
فمن ذلك أنه روى بسنده إلى الإمام أحمد في مسنده (١) عن يحيى بن سعيد، بسنده إلى جبير بن مطعم أنه سمع رسول الله ﷺ يقول في صلاة التطوع: الله أكبر كبيرا (الحديث).
ثم أحال بسنده السابق إلى أحمد أيضا عن عبد الله بن محمد عن حصين، وقال عبد الله بن أحمد وسمعته (أنا) من عبد الله بن محمد، عن عبد الله ابن إدريس عن حصين عن عمرو بن مرة عن عباد بن عاصم عن نافع بن جبير عن أبيه، ثم قال العراقي: وفيه «أن ذلك في صلاة الضحى (٢) وهذا سهو من العراقي ﵀ فليس في روايات أحمد في المسند ذكر «صلاة الضحى»».
لكنها جاءت رواية للطبراني مختصرة من طريق حصين، به، ولم يذكرها العراقي، وهي بلفظ «أن جبير بن مطعم رأى النبي ﷺ يصلى الضحى (٣). وجاءت أيضا في إحدى روايات البخاري في تاريخه ضمن الاختلاف الذي نقله منه العراقي بعد هذا الموضع فيما أملاه في المجلس نفسه» (٤)
ومن المعروف أنه ﵀ كان يملى من حفظه، فلعل ذهنه سبق إلى الموضع الذي نقل منه من تاريخ البخاري، مع كونه لم يذكرها فيما نقله. وليس هذا الوهم اليسير مما يقدح فيما قد شهد للعراقي به، من الضبط التام.
стр. 2106
لما كان ينقله أو يحدث به من حفظه إلى أن توقف عن ذلك قبيل موته، كما تقدم ذكره في موضعه.
سبق العراقي إلى الكتاب، ومميزاته وأثره فيما بعده.
من مميزات هذا الكتاب إجمالا أنه يمثل القدر الأكبر من أمالي العراقي الحديثية وقد قال عنها الحافظ ابن حجر إنها كانت كثيرة الفوائد الحديثية، كما سبق ذكره، وأيضا فإن ولى الدين ابن العراقي، وهو ممن حضر تلك الأمالي واستملى الكثير منها على والده، وقد قال: إن أماليه كانت أكثر فائدة من أمالي ابن عساكر، لكون أكثرها مستخرجات على ما هو محتاج إلى الاستخراج عليه (١).
ثم إنى بعد البحث، لم أجد من سبق العراقي إلى تأليف مستخرج على المستدرك، كما لا أعرف من نهض بعده بمحاولة إتمام ما بدأه، فصار بذلك رائدا لم يتكرر، وتحقق له بذلك إضافة جديدة لمسوغات ريادته لمدرسة الحديث في عصره عموماً، يضاف إلى أولياته العلمية، وهي سبقه إلى تخريج أحاديث كتاب إحياء علوم الدين للغزالي، وإلى استخراجه على أمالي الرافعي، كما قدمت.
وسيأتي في بيان أثر الكتاب، بيان السيوطي لمميزات تفصيلية المستخرج العراقي هذا على المستدرك.
وتعتبر المجالس السبعة التي سبق ذكرها ودراسة نماذجها أكبر قدر أمكن الوقوف عليه - حتى الآن - من هذا المستخرج، وهي قليلة جدا بجانب المفقود منه.
стр. 2107
لكن رغم هذا، نجد آثار ظاهرة للكتاب فيما بعده، سواء في علماء الحديث ومروياتهم، أو في المؤلفات الحديثية حتى الآن.
فمن ناحية علماء الحديث ومروياتهم، كان هذا الكتاب كما قدمت يمثل القدر الأكبر من أمالي العراقي الحديثية التي أحيا بها عمليا المنهج الأول والطريقة العليا لتحمل السنة المطهرة وأدائها من فم قائلها، وحفظ صدره، إلى أذن سامعها، مع اتصال سنده العالي بها عبر تسعة قرون، حيث أداها العراقي بسنده العالي عن شيوخه فمن فوقهم إلى الرسول ﷺ في الغالب، وسمع ذلك جماعة الحريصين على الحضور من طلاب الحديث وحفاظه البارزين في عصر العراقي من المصريين وغيرهم (١) سماعا مباشرا لما ألقاه هذا الحافظ الرائد المدرسة الحديث في عصره، مع تبليغ مستمليه أيضا عنه للسامعين، حتى لا يخفى أو يسقط شيء مما يخرج من فم الحافظ العراقي.
وقد مر بنا في نماذج المجالس السبعة اشتمال نسختها الخطية على إثبات سماع أحد حفاظ الشام في عصره لتلك المجالس من لفظ العراقي، ثم تبليغه لغيره بالقراءة عليه، وهو العلامة القدوة شمس الدين أبو عبد الله محمد بن عبد الرزاق بن عبد القادر الأريحي - نسبة إلى «أريحا» بلاد الشام حينذاك - وتعتبر حاليا من بلاد فلسطين، وينسب العلامة شمس الدين هذا أيضا إلى دمشق، وقد جاء في ترجمته أنه قدم مصر، وكتب عن الزين العراقي مجالس من أماليه، وقد أرخت وفاته سنة ٨٧٤ هـ (٢).
стр. 2108
وبذلك انتشرت تلك الأمالى من مستخرج العراقي هذا، داخل مصر وخارجها، واصلة الماضي بالحاضر، جامعة بين علو الإسناد، وإحياء أصول الرواية الأولى، وبين التطبيق العملى للقواعد النقدية للرواة ومروياتهم.
٢ - أما أثر المستخرج في المؤلفات الحديثية من بعده، فيظهر أنموذجه فيما وقفت عليه من نقول متفرقة في بعض المصادر الحديثية المتداولة حتى الآن. وأغلب تلك النقول، قد لاحظت أنها من غير المجالس السبعة التي سبق دراسة نماذجها.
أ - وفي مقدمة ذلك، ما وجدته عند أبرز من حضر تلك الأمالي، واستملى على شيخه منها، وهو الحافظ ابن حجر.
فقد ذكر في كتابه (بذل الماعون في فضل الطاعون) من طريق أبي بلج عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبي موسى الأشعري، ﵁ أن رسول الله ﷺ قال عن الطاعون: «هو وخز أعدائكم من الجن، وهو لكم شهادة». وذكر ضمن تخريجه أن الحاكم قد أخرجه في كتاب الإيمان من المستدرك (١) من طريق أبى بلج، وقال: صحيح على شرط مسلم.
ثم قال ابن حجر: وتعقبه شيخنا في أماليه على المستدرك، فقال: لم يحتج مسلم بـ «أبى بلج» وإنما روى له أصحاب السنن، ولكن للحديث طرق يرتفع بها إلى درجة الصحة … وذكر بقية تعقب شيخه في نحو ثلاثة أسطر (٢).
ولما كان مقتضى تعقب العراقي هذا أنه يضعف الحديث من طريق أبي بلج،
стр. 2109
وحده، فإن الحافظ تعقب شيخه في هذا ببيان أن مجموع ما جاء في حال أبي بلج يقتضي أن حديثه حسن لذاته، وليس ضعيفا، وبمجموع طرقه يرتقي إلى الصحة (١).
ثم ذكر الحافظ بعد ذلك أيضا حديثا آخر متعلقا بالطاعون، ولكن الحاكم أخرجه في كتاب الجهاد من المستدرك، وقال صحيح الإسناد (٢) ويبدو أن العراقي ذكر الحديث مع الحديث السابق ضمن أحاديث كتاب الإيمان، وتكلم عليه أيضا.
فقال الحافظ: وقال لنا شيخنا الحافظ أبو الفضل بن الحسين، فيما أملاه، على المستدرك: هذا حديث رجاله ثقات … وساق بقية كلام العراقي عن ذلك، وتعقبه أيضا في بعض ما قاله (٣).
ثم قال: وأنشد شيخنا في أماليه في معنى الحديث المذكور … وذكر بيتين من شعر العراقي (٤).
ب - ومن ذلك أن فضيلة شيخنا الشيخ عبد الوهاب عبد اللطيف قد حقق كتاب تدريب الراوي للسيوطي، وجعل نسخة خطية بمكتبة الأزهر أصلا في التحقيق، وفي حاشية ص ٥٣ من تلك الطبعة جاء الآتي: -
قال العراقي في مستخرجه على المستدرك ما نصه «لا يحل لطالب العلم أن ينقل عن المستدرك من النسخ التي لا يثق بها حديثا بصيغة الجزم، ولا نسخة
стр. 2110
يوثق بها حينئذ لاسيما في هذا الزمان الذي كثر فيه أن ينسخ كتب العلم من ليس من أهل الملة» أهـ ومن خطه - يعني العراقي. نقلتُ، عن هامش الأصل (١).
ومعنى هذا أن ناقل هذه الحاشية، قد وقف على نسخة المستخرج التي بخط مؤلفه العراقي، وذلك في عصر السيوطى المتأخر عن عصر العراقي كثيرا، حيث توفى السيوطى سنة ٩١١ هـ كما هو معلوم.
وهذا النص ليس مذكورًا في المجالس السبعة السابق ذكرها. وهو يفيد عدم اطمئنان العراقي لنسخ المستدرك التي كانت تكتب في عصره بواسطة غير المسلمين، كما يشير إلى أنه كان يوجد بعض نسخ من المستدرك، كتبت في تاريخ متقدم على عصره، وأنه كان يعتمد على إحدى تلك النسخ الموثقة؛ لأنه كما مر بنا قد جزم بنسبة كثير من الأحاديث إلى المستدرك في مستخرجه هذا، وفي غيره من مؤلفاته. كما قام تلميذه ابن حجر بعمل أطراف المستدرك ضمن كتابه (إتحاف المهرة). ولم أجد من ذكر هذا التقويم العام لنسخ المستدرك الخطية غير العراقي، وكذلك تنبيهه إلى محاذير وجود ظاهرة نسخ كتب العلم الشرعي في عصره بواسطة غير المسلمين ويشابهه في عصرنا الحاضر قيام كثير من المستشرقين وأتباعهم بتحقيق ونشر كتب الحديث وتاريخ رواته.
ج - وقد ذكر السيوطى في شرح ألفيته مستخرج العراقي هذا بما يدل على اطلاعه تفصيلا عليه، وأثنى على مشتملاته، فقال: وأملى الحافظ أبو الفضل
стр. 2111
العراقي عليه - يعنى المستدرك - مستخرجا، وصل فيه إلى أثناء الصلاة، حرر فيه الكلام على أحاديثه تحريرا بالغا (١) ثم نقل بعد ذلك بعض نقول من تحريرات العراقي لدرجات أحاديث المستدرك، أحدها مما تضمنته المجالس السبعة (٢).
كما وجدت السيوطى نقل عن هذا المستخرج في شرحه لسنن أبي داود، وعنه نقل صاحب عون المعبود (٣).
د. تقدم أن الزبيدي شارح الإحياء ذكر كتاب المستخرج هذا باسم (إصلاح المستدرك) وقال إنه وقف عليه بخط العراقي (٤) وقد توفى الزبيدي ﵀ سنة ١٢٠٥ هـ، ومعناه أن نسخة الكتاب التي بخط العراقي كما كانت متداولة في عصر السيوطي، فقد بقيت إلى عصر الزبيدي هذا الذي يعتبر قريبا على عصرنا الحالي سنة ١٤٢٢ هـ.
ثم نقل الزبيدي عن المستخرج رواية العراقي بسنده لحديث صفوان بن عسال في وضع الملائكة أجنحتها لطالب العالم، وذلك من طريق الإمام أحمد (٥) ثم ذكر روايات الحاكم له، وكلامه عن الخلاف فيها رفعا ووقفا، وتصحيحا (٦)
стр. 2112
ثم قال الزبيدي: وقد أورد العراقي على الحاكم في هذا السياق ثمان مؤاخذات، تركتها خوف الإطالة والله أعلم (١).
وأقول ليته ﵀ علم أن تخوفه من هذه الإطالة قد أضاع علينا هذه الثروة العلمية الثمينة في النقد والتمحيص من العراقي لدرجة هذا الحديث وطرقه المختلف فيها عند الحاكم وغيره.
هـ - سبق في النماذج التحليلية ذكر تعقب العراقي في مستخرجه للإمام الذهبي في وصف حديث أنس في إثبات الجهر بالبسملة بإسناد الحاكم أنه موضوع، وأن الحافظ ابن الملقن نقل قول الذهبي بالوضع وأقره.
وعند تحقيق الأخ الدكتور سعد الحميد للقسم الأول من مختصر استدراك الذهبي لابن الملقن، نقل رد العراقي على الذهبي كما قدمته، ثم أتبعه بالدراسة الفعلية لإسناد الحاكم التي تؤيد رد العراقي (٢) فيعتبر هذا امتدادا لتأثير آراء العراقي في مستخرجه، في الدراسات العلمية المعاصرة حول نقد وتمحيص أحاديث مستدرك الحاكم.
стр. 2113
٣ - مختصر كتاب، المائتين، من حديث أبي عثمان الصابوني (١)
نسبة الكتاب للعراقي وموضوعه وحجمه:
ذكر الحافظ ابن حجر كتاب أبى عثمان الصابوني هذا ضمن مروياته عن شيخين من شيوخه مناصفةً، وقال: إن فيه مائتا حديث، ومائتا حكاية، ومائتا قطعة من الشعر (٢) ونقل السيوطي (٣) والزبيدي (٤) منه بعض الأحاديث التي تدل على أن مؤلفه يخرج فيه الأحاديث بأسانيده عن شيوخه، ويتكلم على درجاتها، ولطائف إسنادها.
وقد أورد الغزالي في الإحياء أنه رُوِيَ في خبر من طريق أهل البيت: إذا كان آخر الزمان خرج الناس إلى الحج أربعة أصناف (الحديث). فخرجه العراقي بالعزو إلى الخطيب (البغدادي) من حديث أنس، بإسناد مجهول (٥) ثم قال: ورواه أبو عثمان الصابوني في كتاب «المائتين» فقال: تحج أغنياء أمتي للنزهة، وأوساطهم للتجارة، وفقراؤهم للمسألة (الحديث). ومن ذلك نفهم أن العراقي قد وقف على كتاب الصابوني هذا، ونقل منه
стр. 2114
في تخريجه للإحياء، الذي يعتبر من أوائل مؤلفاته. ثم جاء الزبيدي في شرحه للإحياء، ونقل من الكتاب الحديث السابق بإسناد الصابوني، من ثلاثة طرق عن أنس ﵁، وذكر أن الصابوني بعد إخراج الحديث من تلك الطرق قال: هذا حديث غريب لم أكتبه إلا من هذا الطريق، عن هذا الشيخ. يعنى شيخه أبو سعد الرستمي (١).
وقال الزبيدي: وقد رأيت الحافظ العراقي اختصر «المائتين» في نحو عشر ورقات، فذكر هذا الحديث فيما رأيته بخطه (٢).
فلعل العراقي بعد اطلاعه على كتاب «المائتين» بدا له أن يختصره، فيحذف الحكايات والقصائد الشعرية أو الكثير منها، ويقتصر على ذكر الأحاديث بأسانيد الصابوني، ثم كلامه عن درجاتها، ولطائف أسانيدها بنحو كلامه عن الحديث السابق.
وبذلك جاء هذا المختصر في نحو عشر ورقات، بخط العراقي، وقد وقف الزبيدي على تلك النسخة التي بخط العراقي ونقل منها، كما ترى. وقد توفى الزبيدي سنة ١٢٠٥ هـ.
فدل هذا على وجود تلك النسخة حتى هذا العصر القريب، ولكني لم أقف عليها ولا على غيرها بعد البحث، كما أنى لم أجد من ذكر هذا الكتاب من مؤلفات العراقي غير الزبيدي في كلامه السابق، والموثق بالاطلاع على الكتاب بنفسه، ونقله منه، وبيان أن النسخة التي وقف عليها بخط العراقي نفسه.
стр. 2115
وعلى ضوء ما ذكره الزبيدي، فإن هذا الكتاب يعتبر من كتب التخريج بالعزو إلى الكتاب الأصلي وهو كتاب «المائتين» للصابوني، مع نقل الأحاديث منه بأسانيدها ومتونها، والكلام على درجاتها، كما في الحديث السابق.
ولعل ما كتبته هنا يحفز الباحثين من بعدي على اكتشاف هذا الكتاب، والإفادة منه، إن شاء الله.
стр. 2116
مما نسب خطأ إلى العراقي من كتب التخريج، جزء عوالى ابن الشيخة.
ذكره صاحب كشف الظنون فقال: عوالى ابن الشيخة. وهو الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن مبارك الغزى، المعروف بابن الشيخة المتوفى سنة ٧٩٩ هـ (١)، تخريج شيخ الإسلام، الزين العراقي (٢).
وقد وجد من هذه العوالى نسخة خطية في المكتبة الأحمدية بحلب (٣) في مجموعة برقم (٣١٠) مجاميع.
وذكر مفهرس المكتبة أن هذا جزء فيه أحاديث عوال، وفوائد منتقاة من مسموعات أبي الفرج عبد الرحمن بن أحمد بن المبارك القرشي - الشهير بابن الشيخة، تخريج الحافظ العراقي (٤).
ولما يسر الله تعالى لى الاطلاع على صورة ميكروفيلمية لهذه النسخة، وجدت الكتاب منسوبا في عنوانه وفي نهايته إلى أبي زرعة أحمد بن الحافظ العراقي، وليس إلى والده، وقد نسبه إلى أبي زرعة أيضا الحافظ ابن حجر، ووصفه بأنه لطيف الحجم (٥)، وهذا يطابق واقع تلك النسخة التي وقفت على صورتها، حيث تقع في نحو (٢٠) ورقة من الحجم الصغير.
وعليه يكون ما جاء في كشف الظنون، وفي فهرس المكتبة الأحمدية، وما
стр. 2117
تابعها من نسبة هذا الجزء إلى الزين العراقي والد أبي زرعة، يعتبر خطأ مخالفا للواقع، ولما قرره الحافظ ابن حجر بناءً على اطلاعه على الكتاب.
стр. 2118
تأليف العراقي في كتب الأطراف والتعليق عليها
أ - التعريف بكتب الأطراف، وأهميتها في التخريج.
بناء على ما وقفت عليه من كتب الأطراف مخطوطا، وما هو متداول بين أيدينا مطبوعا (١) يمكن تعريفها - إجمالا - بأنها مؤلفات تتضمن أجزاء من متون الأحاديث الواردة في كتاب أو أكثر من كتب الحديث المسندة، سواء كان هذا جزء المتن المذكور طرفا من بداية المتن، أو من أثنائه، مع ذكر أسانيد تلك المتون مرتبة على مسانيد الصحابة، مع ترتيبهم في الذكر هجائيا، من الألف إلى الياء، حسب أسمائهم، ثم كناهم، ثم ذكر المبهم منهم مثل رجل، وامرأة، مرتبين هجائيا بحسب من روى الحديث عن هذا الصحابي المبهم، ثم ذكر الروايات المرسلة مرتبة بحسب ترتيب الرواة المرسلين لها على حروف المعجم، وفي كل ذلك يُذكر الرجال ثم يليهم النساء.
ومن هذا يظهر لنا أن تسمية تلك الكتب اصطلاحا بكتب «الأطراف»، ليس لكونها تقتصر على أطراف متون الأحاديث فقط، مثل بعض فهارس الكتب المعاصرة، ولكن لكون المقصود الأصلي منها هو الوصول إلى أطراف متون الأحاديث في المواضع المتعددة من كل كتاب، مع جمع طرق كل حديث في الكتاب أو الكتب بطريقة حاصرة، وبذلك تعتبر كتب الأطراف من كتب التخريج للسند والمتن بدقة.
فمتى عرفنا الصحابي الراوي للحديث أمكن معرفة كل أحاديثه، سندا
стр. 2119
ومتنا، مهما تعددت مواضعها في الكتاب أو الكتب التي خصص الأطراف أحاديثها تأليف معين.
ب - كتاب أطراف صحيح ابن حبان، للعراقي، وأهميته، وما أنجزه منه، وأوليته في ذلك.
وعلى ضوء ما تقدم تظهر فائدة تأليف كتاب في جمع أطراف صحيح ابن حبان، فإن طريقة تأليفه على تقاسيم خمسة للسنن، وتنويع لكل قسم منها إلى أنواع بلغ مجموعها أربعمائة نوع، قد جعل ذلك الكشف على موضع أو مواضع الحديث فيه يصعب على الكثيرين، بواسطة تقليب أوراق أجزائه الكثيرة، لاسيما قبل ظهور الطباعة والعناية بالفهرسة العامة لموضوعات كل كتاب.
وقد شهد بهذه الصعوبة كثير ممن طالع صحيح ابن حبان ومارس الحاجة المتكررة إلى تخريج بعض الأحاديث منه كما سيأتي (١).
ولاشك أن اشتغال العراقي بمؤلفاته المتعددة في علم التخريج، للأحاديث، قد أشعره بتلك الصعوبة، وقد مرت بنا بعض أمثلة فاته فيها تخريج بعض الأحاديث من صحيح ابن حبان مع وجوده فيه، واحتياج المقام إلى تقديمه على غيره في تخريج الحديث.
فلعل ذلك مما حفزه إلى تأليف كتاب أطراف صحيح ابن حبان هذا، لتيسير تخريج الحديث منه بواسطة معرفة صحابي الحديث.
وخير ما يوضح أهمية كتاب العراقي هذا بالنسبة لصحيح ابن حبان ما ذكره.
стр. 2120
السيوطي، حيث قال: صحيح ابن حبان ترتيبه مخترع، ليس على الأبواب، ولا على المسانيد، ولهذا سماه «التقاسيم والأنواع» … . ثم قال: والكشف - يعنى الوقوف على موضع الحديث - من كتابه عسر جدا، ولهذا عمل له الحافظ أبو الفضل العرقي أطرافا، فأجاد كل الإجادة، لأن أحق ما عملت الأطراف لمثل هذا الذي لا تدرى مظنة الحديث منه البتة (١).
ويلاحظ أن السيوطى لم يذكر من سبق العراقي إلى مثل هذا الكتاب، وهو من أهل الخبرة المعروفة في هذا، كما أنى رغم البحث الموسع لم أقف أيضا على من سبقه إلى مثله، رغم بالغ أهميته التي أشار إليها السيوطى كما ترى. فيضم هذا إلى أوليات العراقي السابقة من مؤلفاته. ولم أجد تسمية معينة للكتاب بغير «أطراف صحيح ابن حبان» وهذه تسمية عنوان فقط، اعتمادا على موضوع الكتاب، وبها سماه ابن فهد تلميذ العراقي أيضا، وقد تكلم على الكتاب بتفاصيل تفيد الوقوف عليه بنفسه أو بواسطة من وقف عليه، فقد ذكره ضمن مؤلفات العراقي التي لم تكمل فقال: «وأطراف صحيح ابن حبان، بلغ فيه إلى أول النوع الستين من القسم الثالث، … ثم ذكر أنه مسودة (٢)، يعنى أنه لم يبيض، وذلك لكونه لم يكمل».
ومقتضى تحديد ابن فهد هذا لما وصل إليه العراقي في الكتاب، أنه أنجز منه قرابة ثلاثة أرباع الكتاب تقريبا، حيث لا يبقى من أنواعه الأربعمائة، كما قدمت إلا (١٢٠) نوعًا (٣) وعلى ضوء ما قدمت من التعريف بكتب
стр. 2121
الأطراف يفهم أن العراقي قام بترتيب هذا القدر من كتابه على مسانيد الصحابة ﵃ مرتبين هجائيا، مع ذكر ما في القدر المذكور من صحيح ابن حبان، من أحاديث لكل صحابي، مع ذكر أسانيد ابن حبان بتلك الأحاديث وتحديد موضع، أو مواضع كل حديث بذكر القسم والنوع، مثل تحديد ابن فهد السابق مثلا، بالنوع الستين من القسم الثالث من الصحيح، وهكذا.
ظهور أثر فكرة الكتاب، رغم افتقاده حاليا:
ولقد بحثت كثيرا عن نسخة خطية لهذا الكتاب من خلال فهارس المكتبات العالمية المنشورة، فلم أجد، كما لم أجد شيئا من النقول عنه، ويعتبر عدم إكمال العراقي له، وبقاء ما أنجزه منه في مسودته دون تبييض، من أقوى الأسباب لافتقاد نسخ الكتاب حاليا، وافتقاد النقول عنه.
لكن رغم هذا فإن فكرة الكتاب لم تمت، بل قيض الله تعالى لها من ثمار غرس العراقي من حققها كاملة مع الزيادة عليها، وذلك أن أبرز تلاميذ العراقي وملازميه وهو الحافظ ابن حجر قام بتأليف كتابه الكبير «إتحاف المهرة بالفوائد المبتكرة بأطراف العشرة» وجعل من ضمن هذه العشرة أطراف صحيح ابن حبان، وإن كان لم يشر في مقدمته إلى تأليف شيخه العراقي هذا (١) إلا أنه قد شرع في تأليف كتابه «الإتحاف» في حياة شيخه سنة ٨٠٢ هـ أي قبل وفاة العراقي بأربع سنوات، وأكمل منه إلى سنة ٨١٠ هـ أطراف الدارمي وابن
стр. 2122
خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني وابن الجارود (١)
فأقل ما يذكر من أثر كتاب شيخه العراقي في هذا هو فكرة الكتاب، ويبعد عدم معرفة الحافظ بها من شيخه العراقي، نظرًا لطول ملازمته له، وكثرة قراءته عليه منذ سنة ٧٩٦ هـ وما بعدها إلى شوال سنة ٨٠٥ هـ، وهي أواخر حياة العراقي حيث توفي سنة ٨٠٦ هـ، كما هو معروف (٢)
ج - حواشي العراقي على تحفة الأشراف للمزي
١ - نسبتها للعراقي وتاريخ الفراغ منها، ومحتواها العام:
ذكر هذه الحواشي الحافظان: ابن حجر، وولى الدين ابن العراقي، وكلاهما أكثر من اطلع عليها واستفاد منها.
فالحافظ ابن حجر في مقدمة كتابه «النكت الظراف» ذكر من المصادر التي استفاد منها في كتابه: جزءًا جمعه العلامة مغلطاي بن قليج (المتوفى سنة ٧٦٢ هـ) وهو أحد شيوخ العراقي، وبين فيه ما وجده من أوهام للمزي في: تحفة الأشراف … .
ثم قال ابن حجر: ونقلت كثيرًا من هوامش نسخة شيخي حافظ العصر أبي الفضل، ثم وقع لي جزء لطيف بخط الإمام الحافظ القاضي ولي الدين، ابن شيخنا المذكور، جمع فيه بين حواشي والده، وبين جزء مغلطاي، وأضاف إليه من عمله هو شيئا يسيرا … .، ثم ذكر أن كتاب ولى الدين هذا يكون قدر العشر من كتابه «النكت الظراف» (٣)
وقد جاء بحاشية نسخة النكت الظراف قول ناسخها «عمر بن فهد المكي»
стр. 2123
إن الحافظ ابن حجر قال في أول نسخته المنقول منها: نقلته من حواشي نسختي من كتاب الأطراف للمزي في أواخر شهور سنة ٨٣٩ هـ، وكنت كتبت منه شيئا يسيرا في سنة ٨٠٥ هـ انتهى (١).
فمن مجموع ذلك يستفاد نسبة هذه الحواشي للعراقي، وتسميتها بالحواشي لكونها عبارة عن تعليقات متفرقة كتبها العراقي على حواشي نسخته من تحفة الأشراف.
كما يستفاد أن فكرة كتاب ابن حجر «النكت الظراف» والشروع فيه كان في حياة شيخه العراقي، وأنه وقف على حواشيه هذه التي علقها على نسخته من التحفة، وسيأتي ما يفيد أن تعليق العراقي لتلك الحواشي كان سابقا على تاريخ شروع ابن حجر في نكته الظراف، وقد صرح في مقدمتها كما تقدم بأن ما نقله من تلك الحواشي كثير، ولذلك اكتفى بهذا التصريح في المقدمة عن العزو المتكرر خلال الكتاب، ولكنى وقفت على موضع في نحو منتصف الكتاب صرح فيه بالنقل عن شيخه العراقي (٢) كما ذكر في مقدمة النكت كذلك بوقوفه على حواشي شيخه هذه مجموعة مع جزء مغلطاي في كتاب ولي الدين ابن العراقي، وسيأتي التعريف به (٣).
وقد ذكر الحافظ ابن حجر فيما تقدم أن كتاب ولى الدين هذا بالمقارنة بحجم كتابه هو، يكون قدر العشر، ولكن عند الوقوف على الكتابين نجد خلاف ذلك، فالنسخة الخطية لكتاب ابن حجر تقع في (١٧١) ورقة عدد
стр. 2124
أسطر الصفحة (٢٧) سطرا (١) والنسخة الخطية لكتاب ولى الدين تقع في ٩٥ ورقة وعدد أسطر الصفحة ٢٤ سطرًا (٢) وبذلك يبلغ حجم كتاب ولى الدين نصف كتاب ابن حجر على الأقل.
وقد ذكر ولى الدين العراقي في مقدمة كتابه أنه سماه (الإطراف بأوهام الأطراف) (٣) وذكر في مقدمتها أن مراجعته المتعددة لكتاب تحفة الأشراف أظهرت أن الكتاب رغم جلالة مؤلفه وكثرة فوائده، قد وجدت فيه مواضع وهم المؤلف فيها، ومواضع أخرى أهمل ذكر أحاديثها مع وجودها في الكتب الستة. قال: وكثير من تلك المواضع من تثبت والدي ﵀ وحواشيه، فبتدريبه ما نبتدؤه ونثنيه، فجمعت تلك المواضع تسهيلا على المطالع … .. ثم ذكر وقوفه أيضا تصنيف الإمام علاء الدين مغلطاي، واستفادته بما فيه، مع تعقبه فيما لم يوافقه عليه بيانا للحق ومنعا لاغترار غيره به، ثم ذكر ما ضمه إلى ذلك من جمعه هو، لما وقف عليه بنفسه في كتاب المزي، مع تقريره أنه بمجموع ذلك لم يستوعب كل ما في كتاب المزي. بل بقى فيه مواضع سيراجعها ويلحق ما يجده فيها في الموضع المناسب من كتابه هذا، فيما بعد، إن امتد به الأجل إن شاء الله (٤).
وفي آخر الكتاب قال ولى الدين ابن العراقي: وهذا آخر ما تيسر تعليقه، وكان الفراغ منه على يد جامعه أحمد بن عبد الرحيم ابن العراقي يوم الاثنين.
стр. 2125
١٦ شوال سنة ٧٩٥ هـ (١).
ومقتضى هذا أنه قام بتجريد حواشي والده من نسخته، في حياته وأدخلها في كتابه هذا، في حياة والده أيضا.
كما يستفاد من التاريخ المذكور أن العراقي نفسه قد فرغ من تعليق حواشيه المذكورة على نسخته قبل هذا التاريخ.
لكني لاحظت أن ولي الدين لما ذكر والده في مقدمة الكتاب ترحم عليه، وفي الثلث الأخير من الكتاب ذكره بقوله: قال والدي ﵀ فيما نقلته من خطه … (٢).
وفي الثلث الأول من الكتاب ذكره بقوله: نقلت ذلك من خط والدي - أبقاه الله - (٣) وذكره في موضع قبل هذا بصفحات (٤) وفي ستة مواضع أخرى خلال الكتاب، من بعد ثلثه الأول وحتى أواخره، ذكر ولي الدين والده العراقي بدون دعاء له بالبقاء، ولا بالرحمة (٥).
فلعل ما ذكره في آخر الكتاب من تاريخ الفراغ منه سنة ٧٩٥ هـ، مقصود به الفراغ من جملة جمعه وتصنيفه، فيما عدا الموضعين اللذين ترحم فيهما على والده، وهما: المقدمة والموضع السابق ذكره، فيكون قد كتبهما في تاريخ متأخر عن تاريخ الفراغ الإجمالي من الكتاب، وبعد وفاة والده العراقي ﵀ في سنة ٨٠٦ هـ.
стр. 2126
ويؤيد هذا إشارة ولى الدين في المقدمة أنه سيلحق في الكتاب ما يجده حتى بعد كتابة تلك المقدمة (١).
وقد سبق للعراقي نفسه أنه أخر كتابة مقدمة كتاب «المغنى عن حمل الأسفار» عن تاريخ الفراغ من تأليف جملته عدة سنوات، وألحق خلالها فيه بعض ما لم يكن وجده من الأحاديث (٢).
وعليه فإن ترحم ولده ولى الدين عليه في الموضعين المشار إليهما من كتابه «الإطراف»، لا يعكر على ما ذكرته من أن العراقي الوالد قد فرغ من تعليق حواشيه على نسخته من تحفة الأشراف قبل سنة ٧٩٥ هـ التي فرغ فيها ولده من تصنيف مجمل كتابه «الإطراف».
وما ذكره ولده في مقدمة كتابه هذا، وكذلك مراجعتي للكتاب كله تفصيلا، يستفاد من مجموعهما: أن موضوع الكتاب، ومحتواه الإجمالي جانبان: -
الأول: بيان مواضع وهم الإمام المزي فيما ذكره فيها من كتاب التحفة، مع بيان تصويب ذلك.
الثاني: بيان أحاديث، وما يتعلق بها، وجدت في نسخ معتبرة من الصحيحين والسنن الأربعة، وفات الإمام المزي ذكرها في التحفة مطلقا، أو في موضعها المناسب.
ومقتضى هذا أن حواشي العراقي قد تضمنت إجمالا هذين الجانبين، حيث قال ولده في مقدمة كتابه كما تقدم: «وكثير من تلك المواضع من تثبيت.
стр. 2127
والدي، وحواشيه».
والمراد بتثبيت والده، يعنى مراجعة ولى الدين له شفاهة فيما أشكل عليه للتثبت من مقصوده ببعض تعليقاته في تلك الحواشي، ولا يخفى على المختصين بعلوم السنة أهمية هذين الجانبين، ودقتهما في تحرير الاستفادة من كتاب تحفة الأشراف، العديم النظير في بابه.
٢ - أثر حواشي العراقي فيما بعده:
مما تقدم يظهر لنا أن حواشي العراقي هذه على تحفة الأشراف، لم نقف على نسخة لها مجردة مستقلة، وأيضا لم أقف - بعد البحث - على نسخة العراقي من التحفة التي علق عليها تلك الحواشي، مع أنها كانت في حوزته، حين إقامته بالقاهرة، في أواخر حياته، واطلع عليها، وجرد الحواشي منها الحافظان: أبو زرعة ولى الدين ابن العراقي، وابن حجر العسقلاني، وأدخلاها أو أكثرها في مؤلفيهما «الإطراف» و «النكت الظراف» كما مر معنا.
ويعتبر هذا من أبلغ، وأبقى الآثار العلمية الحواشي العراقي هذه فيما جاء بعده من تراث علوم السنة، وتحقيق نصوصها سندًا ومتنا، لا سيما وأن كتابي «الإطراف» و «النكت الظراف» قد طبعا منذ سنوات، وتداولهما طلاب علوم السنة، والباحثون فيها، والمشتغلون بعلم التخريج والتحقيق بمراجعة «تحفة الأشراف» ومصادرها.
стр. 2128
القسم الثاني: تَأْلِيفُ العِرَاقِيِّ وَآرَاؤُهُ فِي فِقْهِ السُّنَّةِ وشرحها وَبَيَانِ غريبها وأثر ذلك
стр. 2129
١ - «تأليفه فيما عُدَّ أصح الصحيح، أو من أصحه، في أحاديث الأحكام» وشرحه.
أولا: تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد
نسبة الكتاب إلى العراقي:
في مقدمة من نسب هذا الكتاب إلى العراقي هو العراقي نفسه كما سيأتي. ثم نسبه إليه غير واحد ممن ترجم له، ولاسيما بعض تلاميذه، وتلاميذ ولده أبي زرعة، فالحافظ ابن حجر تلميذهما نسب الكتاب إلى العراقي (١) وكذلك تلميذهما على بن خطيب الناصرية (٢) وابن فهد المكي (٣). ومن بعدهم ذكره السخاوي (٤). والسيوطى (٥) وصاحب كشف الظنون (٦) وصاحب هدية العارفين (٧) وصاحب فهرس الفهارس (٨) وغيرهم.
стр. 2130
تسمية الكتاب. وبيان مناسبة الاسم للمسمى:
تولى العراقي بنفسه تسمية الكتاب في مقدمة نسختيه الكبرى والصغرى، فقال: وسميته: «تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد (١)» وفي شرحه طرح التثريب قال: فلما أكملت كتابي المسمى بتقريب الأسانيد، وترتيب المسانيد (٢).
وتولى العراقي كذلك بنفسه بيان المناسبة المعنوية بين هذه التسمية وبين هذا الكتاب المسمى بها، فقال: المناسبة بين الكتاب وبين هذه التسمية: أن الأسانيد الطوال قربت، بكونها جمعت في تراجم (٣) محصورة، فصارت قريبة التناول، وأن الأحاديث المرتبة على التراجم، جرت العادة بأن توضع على الحروف في تراجم الرجال (٤)، فرتبت هذه على أبواب الفقه، مع كونها على التراجم، و «المسانيد» جمع مسند … (٥).
وبتسمية العراقي هذه للكتاب ذكره ممن تقدم كل من ابن فهد والسخاوي (٦) وصاحب هدية العارفين والزركلي (٧)، وبه عنونت بعض نسخه الخطية كما سيأتي.
стр. 2131
ولكن ذكره غير واحد بالشطر الأول فقط من هذه التسمية وهو «تقريب الأسانيد»، على جهة الاختصار (١).
وقد عنونت بعض نسخه الخطية بذلك أيضا كما سيأتي.
وهناك بعض نسخ خطية عنونت بعنوان وصفى لمضمون الكتاب فقط مثل «مختصر في أحاديث الأحكام»، ونحو ذلك كما سيأتي.
نسخ الكتاب الخطية:
تفرقت نسخ الكتاب الخطية في مكتبات العالم بالعناوين التالية:
١ - «تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد».
ذكر بهذا العنوان: نسخة في المكتبة الأحمدية بحلب برقم (٣٤٤)(٢) ونسخة بمكتبة لا له لى بتركيا - استانبول برقم [٤٢٤] علم الحديث (٣) ونسخة بمكتبة أيا صوفيا. باستانبول برقم [٤٧٣]. ونسخة بمكتبة برلين برقم [١٣٤٧] (٤).
٢ - مختصر في الأحاديث المتعلقة بالأحكام.
بهذا العنوان: نسخة في المكتبة الظاهرية بدمشق برقم [٢٤٦] علم الحديث.
стр. 2132
٣ - «مختصر في أحاديث الأحكام».
بهذا العنوان: نسخة في مكتبة راغب باشا - باستانبول برقم [١٤٧٠] ضمن مجموعة.
٤ - المختصر للعراقي - نسخة بهذا العنوان بمكتبة فيض الله أفندي باستانبول برقم [٢١٧١] مجاميع رقم (٣)(١).
طبع الكتاب:
طبع الكتاب طبعة أولى بعنوان «تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد» بمطبعة جمعية النشر والتأليف الأزهرية، بتصحيح وتعليق شيخنا الشيخ محمود حسن ربيع ﵀.
ويقع الكتاب في (١٩٠) صفحة بما في ذلك الفهرس، وأُرخت هذه الطبعة في أولها سنة ١٣٥٣ هـ وفي آخرها بـ الأول من رجب الحرام سنة ١٣٥٤ هـ موافق ٢٨ سبتمبر ١٩٣٥. كما ذكر في آخرها أنها النسخة الكبرى من تقريب الأسانيد (٢).
وعن هذه الطبعة طبع الكتاب بعد ذلك أكثر من مرة.
كما طبع الكتاب مرة أخرى مع شرحه «طرح التثريب» وجعل أعلا صفحات الشرح.
كما تضمن الشرح نفسه النسخة الصغرى من التقريب، حيث يُذكر الحديث أو الحديثان منها، في بداية شرحهما، ثم يُذكر الشرح التفصيلي لما
стр. 2133
ذكر من الأحاديث، وتعتبر هذه هي الطبعة الأولى أيضا للنسخة الصغرى من التقريب كما سيأتي، وتاريخ طبعها هو سنة ١٣٥٤ هـ (١) وعنها صور
الكتاب وطبع مع شرحه أكثر من مرة.
تأليف الكتاب في نسختين: كبرى وصغرى، وتاريخ تأليفهما، وبيان محتوى كل منهما إجمالا:
ذكر ابن فهد تلميذ العراقي تقريب الأسانيد هذا ضمن مؤلفات شيخه العراقي فقال: «تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد» في الأحكام، ثم اختصره في نحو نصف حجمه، وشرح قطعة صالحة من الأصل في قريب من مجلد (٢).
وذكر السخاوي في ثبت مروياته ضمن ما سمعه بقراءة غيره على شيخه ابن حجر: قطعة من أول تقريب الأسانيد، المختصر، بقراءة شيخه ابن حجر على مؤلفه العراقي (٣).
وذكر صاحب فهرس الفهارس من مؤلفات العراقي: الأحكام الصغرى والكبرى (٤).
وأطلق أبو زرعة عليهما، تارة: النسخة الصغرى والنسخة الكبرى (٥) وتارة قال: النسخة الكبرى (٦) وتارة قال: النسخة الكبرى من
стр. 2134
الأحكام (١) وتارة قال: الأحكام الكبرى (٢).
وأطلق العراقي نفسه على النسخة الكبرى اسم «الأصل (٣)».
ومن ذلك كله يستفاد أن العراقي ألف في هذا النوع من أحاديث الأحكام كتابين، وسماهما باسم واحد هو «تقريب الأسانيد، وترتيب المسانيد» كما تقدم.
وجعل أحدهما موسعًا في محتواه عن الآخر، كما سيأتي توضيحه، وقد أطلق العراقي على الموسع اسم «الأصل» كما قدمت.
وجعل الثاني مختصرًا لهذا الأصل الموسع، فجاء في نحو نصفه تقريبا. وكان كل منهما يُقرأ على العراقي ويروى عنه على حدة، وقد مر ذكر السخاوي سماعه للمختصر على شيخه ابن حجر بقراءته له على شيخه العراقي.
وذكر أبو زرعة ابن العراقي أنه كان لديه نسخة خاصة به من الأحكام الكبرى وقرأ فيها على والده (٤).
وقد اطلعت من نسختي الكتاب الكبرى والصغرى على الآتي:
١ - النسخة المطبوعة بمفردها بعنوان: «تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد». وقد جاء في آخرها التصريح بأنها النسخة الكبرى للكتاب (٥). وكل ما أحيل في «طرح التثريب» على النسخة الكبرى قد وجدته فعلا فيها.
стр. 2135
وقد طبعت هذه النسخة مرة أخرى بالهامش الأعلا لطرح التثريب، موزعة على أجزائه الثمانية حسب ما يقابلها من الشرح.
٢ - النسخة الصغرى، وهذه ذكرت أحاديثها ضمن طرح التثريب للعراقي، وتكملته لولده أبي زرعة.
حيث إن كلا من العراقي وولده قد جعلا من منهجهما في هذا الشرح البدء بسوق لفظ الحديث كاملا، ثم يتبعانه بالشرح التفصيلي له.
ومما يؤيد أن لفظ تلك الأحاديث التي يسوقانها في بداية شرح كل منها هي عبارة عن النسخة الصغرى لتقريب الأسانيد، أن أبا زرعة حينما يذكر في الشرح بعض الروايات الزائدة ينسبها إلى النسخة الكبرى، ويميزها عما في الصغرى (١) أما العراقي نفسه فيميز ما في الكبرى بقوله: في الأصل كذا (٢).
وبالمراجعة نجد ما ذكر موجودا فعلا في النسخة الكبرى.
كما أني قد استعرضت مواضع كثيرة خلال الشرح كله، للتعرف على ما أورده العراقي وولده أبو زرعة من أحاديث النسخة الصغرى، وما زاداه من روايات من النسخة الكبرى.
وتبين لي الآتي:
أن النسخة الصغرى من تقريب الأسانيد، قد اقتصر العراقي فيها على الأحاديث التي رواها بسنده إلى الإمام أحمد في مسنده، وإلى الإمام مالك في موطئه رواية أبي مصعب، وذلك بالطرق التي عدت أصح الأسانيد أو من أصحها.
стр. 2136
ثم يضيف إلى ذلك تخريج تلك الروايات بالعزو إلى الصحيحين أو أحدهما أو غيرهما من المصادر الأصلية التي اشتركت مع الإمام مالك، والإمام أحمد في رواية الحديث من الطريق الموصوف بالأصحية المطلقة أو المقيدة.
مثال ذلك الحديث الثالث من باب الوضوء، حيث ذكره العراقي هكذا وعن بريدة قال: أصبح رسول الله ﷺ فدعا بلال، فقال: يا بلال بم سبقتني إلى الجنة؟ (الحديث) (١) ثم قال: رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح غريب (٢) وابن حبان (٣).
والحاكم في المستدرك، وقال: صحيح على شرط الشيخين (٤). فعند المراجعة نجد أن الحديث قد أخرجه أحمد في مسنده (٥) بالسياق الذي ذكره العراقي، وذلك عن زيد بن الحباب حدثني حسين بن واقد أخبرني عبد الله بن بريدة قال: سمعت أبي فذكر الحديث.
وقد ذكر الحاكم أن هذا الإسناد أثبت أسانيد الخراسانيين (٦) والثلاثة الذين عزا العراقي تخريج الحديث لهم وهم الترمذى وابن حبان والحاكم، قد أخرجوا الحديث عن طريق الحسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة، به. ولهذا عزا العراقي الحديث إليهم (٧).
стр. 2137
وعليه فإن النسخة الصغرى لكتاب تقريب الأسانيد، والتي أطلق عليها أيضا النسخة الصغرى لأحاديث الأحكام، أو الأحكام الصغرى، هي التي اقتصر العراقي فيها على ذكر الأحاديث المروية له بأصح الأسانيد أو من أصحها فقط مثل الحديث السابق الذي أورده بأصح أسانيد الخراسانيين، كما أوضحته. أما النسخة الكبرى، فإن العراقي أورد فيها أحاديث النسخة الصغرى، وزاد عليها روايات أخرى متعلقة بأبواب النسخة الصغرى، لكنها مروية بطرق أخرى أو بألفاظ أخرى غير الموصوفة بالأصحية المطلقة أو المقيدة، ولكن منها ما هو مخرج في الصحيحين أو أحدهما، أو مخرج في غيرهما كالسنن والمسانيد، من طرق أخرى، منها الصحيح، ومنها الحسن، ومنها الضعيف، كما ستأتي بعض الأمثلة (١).
وقد أشار ابن فهد إلى مقدار تلك الزيادات إجمالا كما تقدم، فذكر أن النسخة المختصرة تبلغ نحو نصف حجم الأصل (٢) يعني النسخة الكبرى. وهي في طبعتها الأولى بمفردها قد بلغت (١٧٦) صفحة. ومعنى هذا أن النسخة الكبرى ضعف الصغرى، وأن الزيادات التي في الكبرى تبلغ مثل حجم النسخة الصغرى، وبمقارنتي التفصيلية بينهما وجدت ذلك صحيحا.
وقد أحصيت أحاديث النسخة الصغرى بحسب ترقيم العراقي وولده.
стр. 2138
فوجدتها (٢٤٧) حديثا، وذلك بحسب الأسانيد، وقد يكون الإسناد الواحد قد روى به أكثر من متن.
وقد طبعت النسخة الكبرى سنة ١٤٢٠ هـ طبعة مرقمة فبلغ عدد رواياتها بحسب الترقيم المتسلسل (١١١١) رواية، لكن في ترقيم هذه الطبعة أخطاء فترقم الرواية الواحدة برقمين على أنها حديثين، وبذلك زاد عدد الأحاديث كثيرا عن العدد الحقيقي (١).
وتحتوى النسخة الكبرى أيضا زيادة على الروايات الحديثية، ذكر بعض ما يؤخذ من بعض الأحاديث من الأحكام، وذكر الناسخ والمنسوخ من الأحاديث، وغير ذلك، كما سيأتي في بيان منهج العراقي في الكتاب.
موضوع الكتاب، والهدف منه ونقده، وشرط المؤلف في أصله، وأوليته في ذلك.
قال العراقي في مقدمة التقريب: وبعد فقد أردت أن أجمع لابني أبي زرعة مختصرا في أحاديث الأحكام، يكون متصل الأسانيد بالأئمة الأعلام، فإنه يقبح بطالب الحديث، بل بطالب العلم أن لا يحفظ بإسناده عدة من الأخبار، يستغني بها عن حمل الأسفار في الأسفار، وعن مراجعة الأصول عند المذاكرة والاستحضار، ويتخلص به من الحرج في الجزم بنقل ما ليست له به رواية، فإنه غير سائغ بإجماع أهل الدراية.
ولما رأيت صعوبة حفظ الأسانيد في هذه الأعصار لطولها، وكان قصر.
стр. 2139
أسانيد المتقدمين وسيلة لتسهيلها، ورأيت أن أجمع أحاديث عديدة في تراجم محصورة، وتكون تلك التراجم فيما عُد من أصح الأسانيد مذكورة، إما مطلقا على قول من عممه، أو مقيدا بصحابي تلك الترجمة ولفظ الحديث الذي أورده في هذا المختصر، هو لمن ذكر الإسناد إليه، من الموطأ، ومسند أحمد. ثم قال: ولم أرتبه على التراجم، بل على أبواب الفقه، لقرب تناوله وأتيت في آخره بجملة من الأدب والاستئذان، وغير ذلك (١).
وقول العراقي السابق: «في تراجم محصورة» التراجم: جمع ترجمة، والمراد بها هنا رجال إسناد معين إلى أحد الصحابة مثل «مالك عن نافع عن ابن عمر ﵃».
كما يدل على ذلك بقية الكلام، وواقع الكتاب.
وما ذكره من إجماع أهل الدراية. يعني من المحدثين - على أنه لا يسوغ لأحد أن يجزم بنقل شيء من الأحاديث من مصادرها، دون أن يكون له بها رواية، قد أوضح في مقدمة شرحه «طرح التثريب» أن حاكي هذا الإجماع هو ابن خير الإشبيلي (ت ٥٧٥ هـ) وأقره على ذلك أيضا (٢).
وقد سبق للعراقي ذكر ذلك وإقراره أيضا في ألفيته في المصطلح وفي شرحها (٣) وسبق في هذا الكتاب عند دراستي للألفية وشرحها أن رددت على العراقي في هذا، كما رده عليه السخاوي (٤) أيضا فأردت التنبيه لهذا هنا.
стр. 2140
أما باقي كلام العراقي السابق ذكره من مقدمة الكتاب، فإنه يستفاد منه عدة أمور: -
أحدها: أن الموضوع الأصلي للكتاب هو ذكر نوع متميز من أحاديث الأحكام الشرعية مبوبة حسب أبواب الفقه من عبادات ومعاملات، وتوابعهما مع إضافة بعض أبواب الآداب وغيرها في آخر الكتاب.
وقول العراقي: «الآداب وغيرها» إشارة إلى بعض أبواب العقيدة التي ذكرها أيضا عقب أبواب الآداب، كما سيأتي تفصيله.
ثانيها: أن هدف العراقي من تأليف الكتاب على هذا الشكل المختصر، هو مساعدة ولده أبي زرعة على حفظه بأسانيد نفسه المتصلة، ومتونها، دون: عنت ولا مشقة كبيرة، وذلك تحقيقا لما كان متعارفا عليه في عصره: أن من لوازم طالب التخصص في الحديث، فضلا عن طلب غيره من العلوم الشرعية، أن يحفظ طائفة من الأحاديث النبوية بأسانيده التي تحمل بها تلك الأحاديث عن شيوخه.
وقد طالت الأسانيد حينئذ بسبب تأخر عصر العراقي وولده، حتى كانت أعلا أسانيدهما المقبولة، مكونة من عشرة رواة بينهما وبين الرسول ﷺ ، كما تقدم في عشاريات العراقي، وكما ذكره من أسانيد ولده العالية بأحاديث هذا الكتاب (١).
لأجل هذا رأى العراقي أن يذلل بهذا الكتاب، لولده، بالدرجة الأولى صعوبة حفظ تلك الأسانيد الطويلة أثناء مرحلة الطلب، فاختار لتحقيق هذا: