← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 30167

الحافظ العراقي وأثره في السنة

أحمد بن معبد عبد الكريم

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

ثم يضيف إلى ذلك تخريج تلك الروايات بالعزو إلى الصحيحين أو أحدهما أو غيرهما من المصادر الأصلية التي اشتركت مع الإمام مالك، والإمام أحمد في رواية الحديث من الطريق الموصوف بالأصحية المطلقة أو المقيدة. مثال ذلك الحديث الثالث من باب الوضوء، حيث ذكره العراقي هكذا وعن بريدة قال: أصبح رسول الله ﷺ فدعا بلال، فقال: يا بلال بم سبقتني إلى الجنة؟ (الحديث) (١) ثم قال: رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح غريب (٢) وابن حبان (٣). والحاكم في المستدرك، وقال: صحيح على شرط الشيخين (٤). فعند المراجعة نجد أن الحديث قد أخرجه أحمد في مسنده (٥) بالسياق الذي ذكره العراقي، وذلك عن زيد بن الحباب حدثني حسين بن واقد أخبرني عبد الله بن بريدة قال: سمعت أبي فذكر الحديث. وقد ذكر الحاكم أن هذا الإسناد أثبت أسانيد الخراسانيين (٦) والثلاثة الذين عزا العراقي تخريج الحديث لهم وهم الترمذى وابن حبان والحاكم، قد أخرجوا الحديث عن طريق الحسين بن واقد عن عبد الله بن بريدة، به. ولهذا عزا العراقي الحديث إليهم (٧).

стр. 2137

وعليه فإن النسخة الصغرى لكتاب تقريب الأسانيد، والتي أطلق عليها أيضا النسخة الصغرى لأحاديث الأحكام، أو الأحكام الصغرى، هي التي اقتصر العراقي فيها على ذكر الأحاديث المروية له بأصح الأسانيد أو من أصحها فقط مثل الحديث السابق الذي أورده بأصح أسانيد الخراسانيين، كما أوضحته. أما النسخة الكبرى، فإن العراقي أورد فيها أحاديث النسخة الصغرى، وزاد عليها روايات أخرى متعلقة بأبواب النسخة الصغرى، لكنها مروية بطرق أخرى أو بألفاظ أخرى غير الموصوفة بالأصحية المطلقة أو المقيدة، ولكن منها ما هو مخرج في الصحيحين أو أحدهما، أو مخرج في غيرهما كالسنن والمسانيد، من طرق أخرى، منها الصحيح، ومنها الحسن، ومنها الضعيف، كما ستأتي بعض الأمثلة (١). وقد أشار ابن فهد إلى مقدار تلك الزيادات إجمالا كما تقدم، فذكر أن النسخة المختصرة تبلغ نحو نصف حجم الأصل (٢) يعني النسخة الكبرى. وهي في طبعتها الأولى بمفردها قد بلغت (١٧٦) صفحة. ومعنى هذا أن النسخة الكبرى ضعف الصغرى، وأن الزيادات التي في الكبرى تبلغ مثل حجم النسخة الصغرى، وبمقارنتي التفصيلية بينهما وجدت ذلك صحيحا. وقد أحصيت أحاديث النسخة الصغرى بحسب ترقيم العراقي وولده.

стр. 2138

فوجدتها (٢٤٧) حديثا، وذلك بحسب الأسانيد، وقد يكون الإسناد الواحد قد روى به أكثر من متن. وقد طبعت النسخة الكبرى سنة ١٤٢٠ هـ طبعة مرقمة فبلغ عدد رواياتها بحسب الترقيم المتسلسل (١١١١) رواية، لكن في ترقيم هذه الطبعة أخطاء فترقم الرواية الواحدة برقمين على أنها حديثين، وبذلك زاد عدد الأحاديث كثيرا عن العدد الحقيقي (١). وتحتوى النسخة الكبرى أيضا زيادة على الروايات الحديثية، ذكر بعض ما يؤخذ من بعض الأحاديث من الأحكام، وذكر الناسخ والمنسوخ من الأحاديث، وغير ذلك، كما سيأتي في بيان منهج العراقي في الكتاب. موضوع الكتاب، والهدف منه ونقده، وشرط المؤلف في أصله، وأوليته في ذلك. قال العراقي في مقدمة التقريب: وبعد فقد أردت أن أجمع لابني أبي زرعة مختصرا في أحاديث الأحكام، يكون متصل الأسانيد بالأئمة الأعلام، فإنه يقبح بطالب الحديث، بل بطالب العلم أن لا يحفظ بإسناده عدة من الأخبار، يستغني بها عن حمل الأسفار في الأسفار، وعن مراجعة الأصول عند المذاكرة والاستحضار، ويتخلص به من الحرج في الجزم بنقل ما ليست له به رواية، فإنه غير سائغ بإجماع أهل الدراية. ولما رأيت صعوبة حفظ الأسانيد في هذه الأعصار لطولها، وكان قصر.

стр. 2139

أسانيد المتقدمين وسيلة لتسهيلها، ورأيت أن أجمع أحاديث عديدة في تراجم محصورة، وتكون تلك التراجم فيما عُد من أصح الأسانيد مذكورة، إما مطلقا على قول من عممه، أو مقيدا بصحابي تلك الترجمة ولفظ الحديث الذي أورده في هذا المختصر، هو لمن ذكر الإسناد إليه، من الموطأ، ومسند أحمد. ثم قال: ولم أرتبه على التراجم، بل على أبواب الفقه، لقرب تناوله وأتيت في آخره بجملة من الأدب والاستئذان، وغير ذلك (١). وقول العراقي السابق: «في تراجم محصورة» التراجم: جمع ترجمة، والمراد بها هنا رجال إسناد معين إلى أحد الصحابة مثل «مالك عن نافع عن ابن عمر ﵃». كما يدل على ذلك بقية الكلام، وواقع الكتاب. وما ذكره من إجماع أهل الدراية. يعني من المحدثين - على أنه لا يسوغ لأحد أن يجزم بنقل شيء من الأحاديث من مصادرها، دون أن يكون له بها رواية، قد أوضح في مقدمة شرحه «طرح التثريب» أن حاكي هذا الإجماع هو ابن خير الإشبيلي (ت ٥٧٥ هـ) وأقره على ذلك أيضا (٢). وقد سبق للعراقي ذكر ذلك وإقراره أيضا في ألفيته في المصطلح وفي شرحها (٣) وسبق في هذا الكتاب عند دراستي للألفية وشرحها أن رددت على العراقي في هذا، كما رده عليه السخاوي (٤) أيضا فأردت التنبيه لهذا هنا.

стр. 2140

أما باقي كلام العراقي السابق ذكره من مقدمة الكتاب، فإنه يستفاد منه عدة أمور: - أحدها: أن الموضوع الأصلي للكتاب هو ذكر نوع متميز من أحاديث الأحكام الشرعية مبوبة حسب أبواب الفقه من عبادات ومعاملات، وتوابعهما مع إضافة بعض أبواب الآداب وغيرها في آخر الكتاب. وقول العراقي: «الآداب وغيرها» إشارة إلى بعض أبواب العقيدة التي ذكرها أيضا عقب أبواب الآداب، كما سيأتي تفصيله. ثانيها: أن هدف العراقي من تأليف الكتاب على هذا الشكل المختصر، هو مساعدة ولده أبي زرعة على حفظه بأسانيد نفسه المتصلة، ومتونها، دون: عنت ولا مشقة كبيرة، وذلك تحقيقا لما كان متعارفا عليه في عصره: أن من لوازم طالب التخصص في الحديث، فضلا عن طلب غيره من العلوم الشرعية، أن يحفظ طائفة من الأحاديث النبوية بأسانيده التي تحمل بها تلك الأحاديث عن شيوخه. وقد طالت الأسانيد حينئذ بسبب تأخر عصر العراقي وولده، حتى كانت أعلا أسانيدهما المقبولة، مكونة من عشرة رواة بينهما وبين الرسول ﷺ ، كما تقدم في عشاريات العراقي، وكما ذكره من أسانيد ولده العالية بأحاديث هذا الكتاب (١). لأجل هذا رأى العراقي أن يذلل بهذا الكتاب، لولده، بالدرجة الأولى صعوبة حفظ تلك الأسانيد الطويلة أثناء مرحلة الطلب، فاختار لتحقيق هذا:

стр. 2141

الهدف نوعية خاصة من أسانيد المتقدمين من أصحاب المصنفات المسندة، وهي الأسانيد التي عدها غير واحد من العلماء أصح الأسانيد أو من أصحها، وهي لأجل هذا قليلة محصورة العدد، وقد اختار العراقي منها ستة عشر إسنادًا وكل إسناد منها يُسمى في الاصطلاح (ترجمة) (١) وكل ترجمة من هذا العدد اليسير قد روى بها أحاديث عديدة، في المصادر الحديثية المسندة، فاختار منها ما روى بهذه التراجم في مصدرين فقط، وهما مسند الإمام أحمد وموطأ الإمام مالك رواية أبي مصعب. وبذلك صار عدد متون الأحاديث الأصلية في الكتاب يسيرًا أيضا، وهو (٣٤٧) حديثا بحسب ترقيم العراقي وولده كما قدمت. وهو الذي اشتملت عليه نسخة التقريب المختصرة، أو الأحكام الصغرى كما قدمت توضيحه. فأصبح بذلك للعراقي في أحاديث الكتاب الأصلية شرط في الأسانيد، وشرط في المتون، وبمجموعهما يسهم في تيسير حفظ مشتملات الكتاب. أما شرط الأسانيد، فهو: كونها مما عُد أصح الأسانيد مطلقا مثل: مالك عن نافع عن ابن عمر. أو مقيدا مثل: معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة. فقد ذكر الحاكم أن هذا أصح أسانيد اليمانيين (٢). مع الاقتصار على ١٦ إسنادا، أو ترجمة فقط من النوعين. وأما شرط المتون فهو: كونها مما روى بتلك الأسانيد في كتابين فقط هما: مسند أحمد، وإحدى روايات الموطأ. أما النسخة الكبرى من تقريب الأسانيد، فقد زاد فيها العراقي على ما شرطه

стр. 2142

في الصغرى، زيادات كثيرة في الأسانيد والمتون، كما أشرت من قبل، وكما سيأتي بعض أمثلته. وقد حقق الله للعراقي ما قصده من تيسير صعوبة حفظ الكتاب بحمد الله، فسجله بنفسه في مقدمة طرح التثريب فقال: فلما أكملت كتابي المسمى بتقريب الأسانيد وترتيب المسانيد، وحفظه ابني أبو زرعة المؤلّف لَهُ .. (١) ولكن لم يقتصر العراقي على هذا الهدف الخاص بولده، بل أضاف إليه القصد العام أيضا. فقال: والله أسأل: أن ينفع به من حفظه أو سمعه، أو نظر فيه (٢) وقال أيضا: أدام الله النفع به للخاص والعام على ممر الشهور والأعوام (٣). وسيأتي في بيان أثر الكتاب، ما يفيد تحقق هذا بحمد الله. ثالثها: يعتبر العراقي أول من وقفت له على تأليف في أحاديث الأحكام بشرط الأصحية، مطلقا أو مقيدا، كما تقدم. ولم أقف أيضا بعد البحث الموسع على من واصل المسيرة من بعده (٤)، مع الأهمية التي لا تخفى لإبراز هذا النوع من أحاديث الأحكام. وعليه فإن كتاب العراقي هذا يعتبر من أولياته الرائدة التي لم يسبق إلى مثلها، فأحرز بها قصب السبق، وأثبت بها عمليا ريادته لمدرسة السنة النبوية في عصره، وتنوع تأثيره فيها. وفتح آفاق جديدة للنتاج العلمي في تراثها.

стр. 2143

وقد ذكر الحافظ ابن حجر عن هذا الكتاب ما يفيد تقديره العلمي لشرط شيخه العراقي فيه، والحث على تفرغ من هو كفء لإكمال ما بدأه، مع إشارة لبعض النقد له. فقد قال: وقد أخلى كثيرا من الأبواب، لكونه لم يجد فيها بتلك الشريطة، وفاته أيضا جملة من الأحاديث على شرطه، لكونه تقيد بالكتابين (١) للغرض الذي أراده، من كون الأحاديث المذكورة تصير متصلة الإسناد، مع الاختصار البالغ، ثم قال الحافظ: ولو قُدِّر أن يتفرغ عارف لجمع الأحاديث الواردة، بجميع التراجم المذكورة (٢) من غير تقييد بكتاب، ويضم إليها التراجم المزيدة عليها (٣) لجاء كتابا حافلا، حاويا لأصح الصحيح (٤) وقد ذكر السيوطي مما يمكن أن يفرد من أنواع علوم الحديث: معرفة الأصح مطلقا أو في الباب» (٥) فيعتبر كتاب العراقي هذا هو المؤلف الوحيد حتى الآن في هذا النوع حسبما

стр. 2144

أوقفني عليه البحث. وعند المراجعة التفصيلية لكتاب تقريب الأسانيد نجد العراقي قد التزم بشرط الأصحية هذا، مطلقا أو مقيدا في أغلب النسخة الصغرى، بحيث لم يخرج فيه عن الشرط إلا في مواضع قليلة، ومنها موضع نبه عليه هو بنفسه وأجاب عنه بما يفيد حرصه على مراعاة شرطه إلا لداع علمي طارئ. فقد ذكر حديث التطبيق في الركوع هكذا: عن علقمة والأسود عن عبد الله قال: إذا ركع أحدكم فليفرش ذراعيه فخذيه، وليجناً، ثم طبق بين كفيه (الحديث). وفي شرحه للحديث قال: فيه فوائد، الأولى: أن الأسود ليس من الأسانيد التي ذكرتها في هذا الكتاب (١) وإنما وقع في المسند (٢) رواية إبراهيم النخعي عن علقمة والأسود، معا، فذكرته معه، فهو على هذا متصل الإسناد فيما بيننا وبينه، وإنما ذكرته ولم أحذفه (٣) لما تقرر في علوم الحديث، أن الحديث إذا كان عن رجلين فلا يحسن حذف أحدهما وإبقاء الآخر، لاحتمال أن يكون اللفظ لأحدهما، وحمل لفظ الآخر عليه، ويجوز على هذا أن يكون المحذوف هو الذي له لفظ الحديث، فالاقتصار عليه ليس بجيد، وحذفه في حالة كونهما ثقتين أقرب، وأخف ضررًا مما إذا كان أحدهما ضعيفا، وحذف الضعيف، وأُبقي الثقة، فإنه ربما أدى إلى أن يُذكر لفظ الضعيف معزوا إلى الثقة (٤).

стр. 2145

وفي موضع آخر ذكر العراقي حديث الذي تفوته صلاة العصر فقال: وعن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: الذي تفوته صلاة العصر، فكأنما وتر أهله وماله. ثم قال: زاد أبو مسلم الكشي: وهو قاعد (١). فلما شرح أبو زرعة ابن العراقي الحديث قال: هذه الزيادة التي نقلها المصنف ﵀ عن أبي مسلم الكشي، رواها - يعني الكشى - من طريق حماد بن سلمة عن أيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله وهو قاعد (٢). فيلاحظ أن هذه الرواية المشتملة على زيادة كلمة «وهو قاعد» قد ذكرها العراقي في نسخة التقريب الصغرى التي التزم فيها بأصح الأسانيد، لكن بداية إسناد هذه الرواية كما ترى هو: حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع … » ولم يذكر «حماد بن سلمة» ضمن هذا الإسناد موصوفا بالأصحية، وإنما ذكر حماد بن زيد عن أيوب عن نافع به (٣). فيعتبر ذكر العراقي لتلك الزيادة في النسخة الصغرى من طريق حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع به، مما خرج عن شرطه فيها. وقال العراقي أيضا: وعن الزهري أو غيره عن عروة (٤) عن عائشة قالت:

стр. 2146

جاءت فاطمة ابنة عقبة بن أبي ربيعة تبايع النبي ﷺ (الحديث) وقال العراقي في النسخة الكبرى من التقريب: انفرد أحمد بهذا الطريق (١) وقد قال أبو زرعة ابن العراقي في شرحه للحديث: هكذا وقعت هذه الرواية في مسند الإمام أحمد على الشك في راويها عن عروة، هل هو الزهري أو غيره (٢)؟ ومع ذلك، لا يحكم لها بالصحة، للجهل براويها، وما كان ينبغي للشيخ ﵀ أن يذكرها مع الأسانيد الصحيحة، مع أنه ليس فيها ما يدل على تبويبه (٣)، وليست في شيء من الكتب الستة، ولم تشتهر هذه القصة عن فاطمة هذه، وإنما اشتهر شيء من ذلك عن أختها هند بنت عقبة بن ربيعة زوج أبي سفيان بن حرب … . (٤). وهذا النقد وارد في محله فعلا على شرط العراقي باعتبار اقتصاره على إيراد الحديث في النسختين الصغرى والكبرى بهذا الإسناد فقط، وهو مشتمل كما ترى على الشك والإبهام للراوي الآخر المشكوك فيه غير الزهري. لكن أخرج عبد الرزاق الحديث في مصنفه ٦/ ح ٩٨٢٧ و ١١/ ح ٢١٠٢٠ عن معمر الزهري عن عروة عن عائشة، به بلفظه. وبذلك زال الشك والإبهام، مع الثقة الظاهرة لرجال الإسناد بما يقتضي صحته.

стр. 2147

وقد أخرجه ابن حبان في صحيحه (١) من طريق عبد الرزاق، به بلفظه. كما أخرجه البخاري من طريق عبد الرزاق، به مختصرا (٢). وما ذكره أبو زرعة: إن الرواية بلفظها عند أحمد، ليست في شيء من الكتب الستة، وأن القصة لم تشتهر عن فاطمة بنت عتبة وإنما اشتهرت عن أختها هند بنت عتبة … إلخ. فهذا كله لا يمنع من صحتها بإسنادها الخالي من الشك والإبهام كما قدمت. كما أن لها شاهدًا أخرجه الحاكم وصححه وأقره الذهبي (٣). وفيه أن فاطمة هذه كانت مع أختها هند بنت عتبة حين ذهبت لمبايعة الرسول ﷺ وأيضًا ذكر الحافظ ابن حجر: إنه يحتمل تعدد البيعة (٤). فلو أن العراقي ذكر لرواية أحمد هذه بعض ما يعضدها كما ذكرته آنفا لكان انتقاده أخف من الاقتصار عليها بسندها المعلول. وقد فعل مثل هذا في موضع آخر حيث قال: - عن سالم عن أبيه أن النبي ﷺ وقت، وقال مرة: مهل أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن. قال: وذكر لي ولم أسمعه: ومهل أهل اليمن من يلملم. قال: وعن نافع عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: مهل أهل المدينة، .. فذكره، وقال: وبلغني أن رسول الله ﷺ قال: ومهل أهل اليمن من يلملم (٥).

стр. 2148

فيلاحظ أنه أورد رواية: مُهل أهل اليمن يَلَمْلَم مرسلة لتصريح ابن عمر بأنه لم يسمعها من النبي ﷺ . فتكون من هذا الطريق ضعيفة للانقطاع بين ابن عمر وبين النبي ﷺ . وهذا خلاف شرط الصحة فضلا عن الأصحية التي هي شرط العراقي؛ ولكنه بعد اقتصاره على تلك الرواية المنقطعة في نسخة التقريب الصغرى، أتبعها في النسخة الكبرى بقوله: ووصل الشيخان من حديث ابن عباس: ولأهل اليمن يلملم (الحديث) (١) وبذلك تجبر سبب الضعف في الطريقين الأولين، فصارت الأصحية هنا ثابتة بمجموع الطريقين المنقطعين، مع شاهدهما الموصول المتفق على صحته من الشيخين، ولذلك نجد أبا زرعة ابن العراقي عند شرحه لهذا الموضع، لا يتعقب والده بمخالفة شرطه في هذا الحديث (٢). وفي موضع آخر قال العراقي: وعن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : إن الحمى من فيح جهنم فأطفئوها بالماء (الحديث) (٣) وقد أخرج البخاري الحديث نفسه من طريق عبد الله بن وهب عن مالك عن نافع به (٤). وقال الحافظ ابن حجر في شرحه: حديث ابن عمر أخرجه من طريق عبد الله بن وهب عن مالك، وكذا مسلم. وأخرجه النسائي من طريق عبد الرحمن بن القاسم عن مالك. ثم نقل عن الدارقطني في اختلاف الموطآت قوله: لم يروه من أصحاب

стр. 2149

مالك في الموطأ إلا ابن وهب وابن القاسم، وقال: ولم يأت به معن ولا القعنبي ولا أبو مصعب ولا ابن بكير. وقال الحافظ: وكذا قال ابن عبد البر في التقصي. ثم قال: وقد أخرجه شيخنا - يعنى العراقي - في تقريبه من رواية أبي مصعب عن مالك، وهو ذهول منه؛ لأنه اعتمد فيه على الملخص للقابسي، والقابسي إنما أخرج الملخص من طريق ابن القاسم عن مالك. ثم قال الحافظ: وهذا ثاني حديث عثرت عليه في تقريب الأسانيد لشيخنا عفا الله تعالى عنه من هذا الجنس، وقد نبهت عليه نصيحة لله تعالى (١). فمن هذا نلاحظ أن العراقي خالف شرطه في هذا الحديث وفي حديث آخر لم يحدده الحافظ، ووجه المخالفة أنه التزم في أحاديث الموطأ أن يكون سنده بها موصولا من طريق أبي مصعب الزهري عن مالك. في حين أن الحديث الذي معنا وحديث آخر كلاهما لم يروه مصعب عن مالك، وبالتالي لا يكون سند العراقي به إلى مالك موصولا على شرطه. وقد أشار الحافظ ابن حجر إلى إمكان التماس العذر لشيخه العراقي في هذين الحديثين بأنه ذهول منه ونسيان، وجل من لا يسهو. ويبدو أنه كتب هذا التعقب لشيخه العراقي في حياته حيث دعا له بأن يعفو الله عنه، بدلا من الترحم عليه، كما تلطف في بيان قصده من هذا التعقب، وهو النصيحة في أمر ديني لوجه الله تعالى. ويلاحظ أن هذه المواضع السابقة التي تعقب فيها العراقي من جهة شرطه في

стр. 2150

هذا الكتاب، تعتبر قليلة جدا بالمقارنة بمجموع أحاديث الكتاب، وبالتالي لا تقدح في قيمته العلمية، ولا في مكانته المتميزة بين السابق واللاحق من المؤلفات في أحاديث الأحكام. مصادر العراقي في الكتاب بناء على ما تقدم من شرط العراقي في النسخة الصغرى من هذا الكتاب، فإن: مصادره فيها تعتبر محدودة وقليلة، بالمقارنة بمصادره في النسخة الكبرى. ففي النسخة الصغرى عول في أسانيد وألفاظ الأحاديث على كتابين فقط: هما مسند الإمام أحمد وموطأ الإمام مالك - رواية أبي مصعب الزهري عنه. ثم خرج العراقي تلك الروايات بالعزو فقط إلى مصادر أخرى غير الكتابين المذكورين، ولكنها مشاركة لهما أو لأحدهما في سند الحديث ومتنه بلفظ: رواية الكتابين أو بمعناها. وفي مقدمة هذه المصادر التي عزا إليها العراقي: الصحيحان للبخاري ومسلم (١) والسنن الأربعة لكل من أبي داود والترمذي والنسائي، وابن ماجه، وصحيح ابن خزيمة وابن حبان، ومستدرك الحاكم (٢). وهناك مصدر يعتبر حاليا من المفتقد نسخه الخطية، وهو كتاب السنن لأبي مسلم إبراهيم بن عبد الله الكشى أو الكجى المتوفى سنة ٢٩٢ هـ (٣) وقد عزا.

стр. 2151

إليه العراقي رواية في النسختين الصغرى والكبرى (١) ويبدو أن الكتاب كان في متناول يد العراقي وولده أبي زرعة فقد عزا إليه العراقي كما قدمت، ثم قال ولده في الشرح: هذه الزيادة التي نقلها المصنف ﵀ عن أبي مسلم الكشى، رواها من طريق حماد بن سلمة عن أيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر … وساق الرواية (٢) فهذا يدل على توافر الكتاب بين يدي أبي زرعة بحيث نقل عنه الحديث سندا ومتنا. وقد عزا إليه أيضا الحافظ ابن حجر تلميذ العراقي (٣). وما يقال عن وجود نسخة خطية من هذا الكتاب في الخزانة الجرمنية فهو غير صحيح. أما النسخة الكبرى من تقريب الأسانيد، فقد كثرت فيها وتنوعت مصادر العراقي بسبب الزيادات التي اشتملت عليها. فمصادره في الكبرى، هي مصادره في الصغرى كما أسلفت مع زيادة مصادر أخرى كثيرة ومتنوعة، لكنه تارة يصرح باسم المؤلف وباسم كتابه، وهذا هو الأكمل والأدق، وتارة يصرح باسم المؤلف فقط، مع كون مؤلفاته متعددة، ويمكن أن يكون أكثر من واحد منها مظنة لما عزاه العراقي إليه. وذلك مثل الإمام أبو جعفر الطحاوي فقد عزا إليه العراقي باسمه فقط في موضعين، دون تحديد كتاب من كتبه، ولم يوجد المحال به في المظنة القريبة.

стр. 2152

وهي كتاب «شرح معاني الآثار» ولكن وجدته في كتاب «شرح المشكل» له (١) ومثل عزوه للطبراني دون تقييد وبالمراجعة نجد بعض ما عزاه في المعجم الكبير (٢) وبعضه في الأوسط (٣) وفي عزوه لسنن النسائي تارة يطلق ويريد الكبرى (٤). ويعزو للإمام أحمد، وذلك في مسنده من غير الطرق المروية بأصح الأسانيد (٥) والموطأ برواية يحيى بن يحيى (٦). ومسند البزار (٧). والشمائل للترمذي (٨) والسنن للدارقطني (٩) ومعرفة السنن والآثار، والسنن الكبرى كلاهما للبيهقي (١٠) واعتمد أكثر من نسخة من صحيح البخاري مع بيان زيادة إحداهما على الأخرى (١١).

стр. 2153

والمحلى لابن حزم، والوهم والإيهام لابن القطان (١) والسيرة النبوية لابن إسحق (٢)، والناسخ والمنسوخ للحازمي (٣). والعلل للدارقطني (٤) والعلل الكبير للترمذي (٥) وكتب الرجال مثل الكامل لابن عدى (٦) والثقات لابن حبان (٧) وكتب شروح الحديث مثل معالم السنن للخطابي (٨) شرح سنن أبي داود وكتب الأطراف مثل تحفة الأشراف للمزى (٩) ومن المصادر التي عول عليها ما لم توجد له حاليا نسخة خطية كاملة، مثل كتاب التمييز للإمام مسلم (١٠) وغرائب حديث مالك للدارقطني (١١) والعلل للخلال (١٢).

стр. 2154

وبذلك حفظ لنا العراقي من نصوص تلك المصادر ما يصعب علينا الوقوف على أصله، حتى الآن، كما دلّ رجوعه إلى تلك المصادر المتنوعة على عمق خبرته، وسعة اطلاعه التي أهلته ليكون حافظ عصره عن كفاءة وجدارة. تبويب أحاديث الكتاب، ودلالة تراجمه على فقه العراقي للسنة ومقارنته، وتأثره بغيره. المقصود بتبويب الأحاديث: تقسيمها إلى مجموعات، يطلق على كل مجموعة: كتاب كذا، أو باب كذا، بحسب الموضوعات والأحكام التي تدل عليها أحاديث كل مجموعة، فيوضع عنوان عام لكل كتاب، مثل: كتاب الطهارة، ويوضع عنوان خاص متفرع عن العنوان العام مثل: باب الوضوء. والذي يؤلّف، مطالب علميا بأن يكون ما يذكره من أحاديث، يدل بلفظه أو بشيء من معناه على العنوان الذي يضعه للكتاب أو الباب. وكل عنوان لكتاب أو لباب يسمى اصطلاحا «ترجمة لهذا الكتاب، أو لهذا الباب» بمعنى أنه يعبر إجمالا عما تضمنه الحديث أو الأحاديث التي يذكرها المؤلف تحت هذا العنوان من الأحكام، وبذلك نجد أن المحدثين أطلقوا «الترجمة» بمعنى الإسناد المعين، كما تقدم (١)، وأطلقوها كذلك بمعنى عنوان الكتاب أو الباب (٢). ويتحدد المقصود بها بحسب السياق الذي تذكر فيه، كما جرى عليه.

стр. 2155

العراقي في كتابه هذا، فأطلقها بمعنى الإسناد المعين، وفي شرحه لألفية المصطلح أطلقها بالمعنيين، بمعونة دلالة السياق على كل منهما (١). وقرر ابن الصلاح أن العلماء أطلقوا على قولهم: «باب كذا وكذا» اسم الترجمة؛ لكونه يعبر عما يذكر بعده (٢) وأقره على هذا النووى (٣) ويلتقى معهما في هذا غير واحد ممن سبقهما أو لحقهما، لاسيما من ألف في شرح صحيح البخاري أو شرح تراجم أبوابه وعلاقتها بما ذكره تحتها من الأحاديث (٤). واختيار المؤلف العناوين أو تراجم الكتب والأبواب في تأليفه، يدل على فهمه لما تضمنه الحديث أو الأحاديث التي يذكرها تحت هذه التراجم، من أحكام، وعلى رأيه في ذلك. فالترجمة بمثابة قول الفقيه: إن المراد بهذا الحديث العام هو الخصوص، مثلا أو تأويل ظاهره، أو تفصيل مجمله أو تفسير غامضه هو كذا، قال الحافظ ابن حجر: ولهذا اشتهر من قول جمع من الفضلاء: فقه البخاري في تراجمه ها (٥). يعني في عناوينه لكتب وأبواب صحيحه؛ لكونها عبارة عن استنباطاته غالبا، للأحكام الفقهية من الأحاديث وغيرها مما يورده تحت الترجمة.

стр. 2156

وعلى ضوء ذلك نقول هنا: إن من فقه العراقي في السنة ما ذكره في عناوين أو تراجم الكتب والأبواب التي قسم إليها الأحاديث في كتابه «تقريب الأسانيد»، وسيأتي بيان مخالفته أو موافقته لغيره في بعض التراجم، بما يدل على فقهه في ذلك. وقد أشار العراقي إلى تبويب كتابه إجمالا، وهدفه من ذلك فقال: ولم أرتبه على التراجم (١) بل على أبواب الفقه؛ لقرب تناوله، وأتيت في آخره بجملة من الأدب والاستئذان، وغير ذلك (٢). فقوله: ولم أرتبه على التراجم، يعني على الأسانيد التي رويت بها الأحاديث عن الصحابي، كما فعل الضياء المقدسي في كتابه: الأحاديث المختارة مما ليس في الصحيحين (٣). وقوله: «بل على أبواب الفقه» يعني الفروع الفقهية من عبادات كالصلاة، ومعاملات ونظم، كالبيوع والجهاد والأقضية. وقوله: لقرب تناوله، أي أنه قصد بترتيب الكتاب على أبواب الفقه تسهيل الاستفادة به في موضوعه وهو الأحكام الفقهية. وقوله: وأتيت في آخره بجملة من الأدب والاستئذان، إشارة منه إلى أن هذه الأبواب غير داخلة في أبواب الفقه التي سبق ذكره لها، ولكنه ألحقها بها، ولعل ذلك ملاحظة منه لدخولها تحت عموم الأحكام الشرعية، وإن لم تخصص لها أبواب تفصيلية في كتب الفقه.

стр. 2157

وقوله: وغيرها، يعنى غير أبواب الأدب التي ذكرها، وهذه إشارة منه إلى ما ذكره ضمن هذا الملحق أيضا من أبواب متعلقة بأمور الاعتقاد وهي: القدر وأشراط الساعة والبعث وذكر الجنة والنار (١). فهذه الأبواب تعتبر من أصول الدين العقدية، لا من فروعه الفقهية. وما ختم به العراقي كتابه هذا بنسختيه الكبرى والصغرى، من أبواب الأدب والاعتقاد، عندما نقارنه بغيره ممن ألف في أحاديث الأحكام، نجده يقترب كثيرا من منهج سابق له وهو الحافظ عبد الحق الإشبيلي المتوفى سنة ٥٨١ هـ، وذلك في خاتمته أحكامه الكبرى (٢) والوسطى (٣) والصغرى (٤). وهذا يدل على تأثر العراقي به في هذا. لكن الحافظ عبد الحق الإشبيلي يختلف في بداية أحكامه الثلاثة عن الحافظ العراقي، فقد ذكر عبد الحق في بداية أحكامه الثلاثة: كتاب الإيمان، ثم كتاب العلم، وثلث بالطهارة إلخ. أما العراقي فبدأ بكتاب الطهارة، ثم كتاب الصلاة … إلخ. ولعل عدم ذكر العراقي لكتابي الإيمان والعلم، لكونهما ليسا من فقه الفروع من جهة، ومن جهة ثانية ما أشار إليه في مقدمة التقريب من الرغبة في

стр. 2158

الاختصار، لأجل تيسير حفظ أحاديث الكتاب سندا ومتنا (١) ثم إن اشتراط العراقي في أصل أحاديث الكتاب من حيث الإسناد أن تكون بعدد محصور من تراجم الأصحية، ومن حيث المتن أن تكون مما روى بتلك التراجم في كتابين فقط، هما مسند أحمد والموطأ، كما تقدم، جعله ذلك يترك كثيرا من أبواب الأحكام كلية، وأيضا لا يتوسع فيما ذكره منها. وقد أشار الحافظ ابن حجر إلى ذلك، فذكر شرط العراقي السابق في التراجم والمتون، ثم قال: وقد أخلى كثيرا من الأبواب، لكونه لم يجد فيها بتلك الشريطة، وفاته أيضا جملة من الأحاديث على شرطه، لكونه تقيد بالكتابين، للغرض الذي أراده، من كون الأحاديث المذكورة تصير متصلة الإسناد، مع الاختصار البالغ (٢). ويؤيد كلام الحافظ عن اختصار كتاب شيخه هذا، ما نجده في واقع الكتاب، حيث نجد فيه كلا من كتاب الأطعمة وكتاب الصيد، وكتاب الفرائض وكتاب الأيمان وكتاب الشهادات، كلها غير مقسمة إلى أبواب، وإنما اقتصر العراقي على ذكر بعض الأحاديث تحت عنوان كل كتاب، كما أن هناك بعض كتب ذكرها عبد الحق الإشبيلي الذي ظهر لنا تأثر العراقي به في التبويب، ولكن لم يذكرها العراقي مثل كتاب الأشربة (٣) وكتاب اللباس والزينة (٤).

стр. 2159

ونجد أيضا العراقي من أجل الاختصار قد جمع أكثر من كتاب في عنوان واحد مثل قوله: كتاب (العتق والتدبير وصحبة المملوك) (١) وكتاب (الجنايات والقصاص والديات) (٢) وفي الكتب التي قسمها العراقي إلى أبواب، نجد أبوابها عنده يقل عددها كثيرا عن أبوابها عند عبد الحق (٣) وقد لاحظت من تأثر العراقي بعبد الحق، تطابق تراجم عدد من الأبواب عندهما (٤). وذكر أبو زرعة ابن العراقي أن والده في وضعه بعض الأحاديث تحت إحدى تراجم الأبواب، قد اقتدى بأصحابه الشافعية (٥) وفي موضع آخر ذكر موافقته في ذلك لابن بطال شارح صحيح البخاري، وللقرطبي شارح صحيح مسلم (٦) وفي موضع ثالث ذكر موافقته في ذلك لابن عبد البر - صاحب التمهيد في شرح الموطأ، وللقاضي عياض شارح صحيح مسلم في كتابه إكمال المعلم (٧).

стр. 2160

فهذا يدل على استفادته في فقه التراجم ممن سبقه من الفقهاء وشراح الأحاديث. لكن هناك ما يدلنا على أن العراقي كان يعتني بوضع عناوين أو تراجم يستفاد حكمها مما يورده تحتها من الأحاديث حسب فهمه هو، دون تبعية لغيره، حيث وجدته في أحد المواضع ذكر حديثا تحت ترجمة، ثم بدا له أن وضعه تحت غيرها أنسب، فنقله إلى الموضع الأنسب في نظره. فقد ذكر حديث عبد الله بن مسعود ﵁ لما نزلت هذه الآية: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ … ﴾ (١) شق ذلك على الناس، وقالوا: يا رسول الله، فأينا الذي لا يظلم نفسه؟ (الحديث). تحت (كتاب الشهادات). فقال أبو زرعة ولده: «أورده المصنف ﵀ في الشهادات، كأنه للاستدلال به على أن مطلق الظلم والمعصية لا يخرج الإنسان عن العدالة، ولا يبطل الشهادة، لقول الصحابة ﵃ فأينا الذي لم يظلم نفسه؟ وتقرير النبي ﷺ لهم على ذلك، وهو كذلك … » ثم قال أبو زرعة: وكان والدي ﵀ أورد أولا هذا الحديث في (كتاب الطهارة) للاستدلال به على أن التشريك في العبادة مفسد لها، كما أن التشريك في الإلهية مفسد للإيمان، ثم نقله إلى هذا الموضع. يعنى الشهادات - لما ذكرناه. ثم قال أبو زرعة: والاستدلال المذكور أيضا لا بأس به، والشيخ ﵀ لما

стр. 2161

التزم هذه التراجم (١) المحصورة التي قيل: إنها أصح الأسانيد، وقعت له فيها أحاديث، ليست فقهية، فاحتاج إلى مثل هذا، وهو فقه دقيق إن أنصفت، وتكلَّف (٢) إن أسرفت، والعلم عند الله (٣). وفي كتاب الجهاد - أخرج العراقي حديث أبي هريرة بروايتين: - الأولى: والذي نفسي بيده لا يُكلم أحد في سبيل الله، والله أعلم بمن يُكلم في سبيله (الحديث). والثانية: بلفظ «كل كلم يُكلمه المسلم في سبيل الله … (الحديث). والحديث بروايتيه واضح الدلالة على فضل الجهاد في سبيل الله والإصابة بالجراح فيه. وبمقتضاه أورده العراقي تحت كتاب الجهاد (٤) في حين نجد البخاري قد أخرجه في صحيحه تحت كتاب الطهارة - باب ما يقع من النجاسات في السمن والماء (٥) وقد استشكل شراح البخاري هذا، فذكر ابن بطال: أن البخاري فعل هذا لأنه لم يجد حديثا صحيح السند على شرطه في الماء، فاستدل على حكم الماء المائع بحكم الدم المائع، وذلك هو المعنى الجامع بينهما، ولكن خالطه غيره من الشراح في هذا (٦) وبهذا نجد مخالفة العراقي للبخاري في هذا الموضع، مع جلالته وإمامته، لما هو ظاهر من أولوية ذكر الحديث في كتاب الجهاد، ودلالته على عظيم فضله.

стр. 2162

وقد يورد العراقي متن الحديث الواحد في كتابين مختلفين، لاشتمال الفاظه على أكثر من معنى، فيستدل لكل موضع بما يتعلق به من متن الحديث، مع زيادة فائدة، فقد ذكر في (باب الوضوء) حديث بريدة بن الحصيب، وفيه أنه ﷺ أصبح فدعى بلالا، فقال: يا بلال، بم سبقتني إلى الجنة؟ (الحديث) وفيه: فأتيت على قصر من ذهب، مرتفع مشرف، فقلت لمن: هذا القصر؟ قالوا لرجل من العرب، قلت أنا عربي، (الحديث) وفيه: قالوا لعمر بن الخطاب، فقال رسول الله ﷺ : لولا غيرتك يا عمر لدخلت القصر، فقال: يا رسول الله ما كنت لأغار عليك، قال: وقال لبلال: بم سبقتني إلى الجنة؟ قال: ما أحدثت إلا توضأت وصليت ركعتين، فقال رسول الله ﷺ : بهذا. والمتعلق من الحديث بباب الوضوء هو آخره فقط، كما ترى. ولكن جاء في أثنائه قصة غيرة عمر ﵁ (١) فنجد العراقي في كتاب النكاح أخرج القصة فقط من حديث صحابي آخر وهو جابر بن عبد الله، بنحو ما في حديث بريدة السابق، وبذلك لم يعتبر هذا تكرارًا محضا، بل تضمن: فائدة هامة وهي ثبوت القصة من حديث صحابي آخر بسند أصحية آخر (٢) وهو يماثل في هذا صنيع البخاري في بعض مواضع التكرير في صحيحه (٣) وقد علق أبو زرعة على هذا بقوله: وقدم الشيخ - يعنى والده - قصة عمر ﵁ هذه في باب الوضوء من حديث بريدة … ثم قال:

стр. 2163

وإنما ذكرها لما فيها من ذكر الغيرة التي تجري في معاشرة الأزواج كثيرا، والحديث يدل على أن لها أصلا في الشرع، وأنها تراعى في الجملة، ولا تنكر (١). ويلاحظ أن الحديث فيه غيرة الرجال، ولكن المقصود الأكثر في النكاح بيان غيرة النساء بعضهن من بعض، فيعتبر هذا الحديث مثالا لأثر تقيد العراقي في الكتاب بالأسانيد المعينة من الموصوف بالأصحية، فذكر قصة عمر هذه بدلًا من الأحاديث الصحيحة الأخرى التي صرح فيها بغيرة النساء أنفسهن، لا الغيرة من الرجال عليهن (٢). كما يعتبر هذا من أمثلة دقة استنباطه لفقه الحديث، في حدود ما شرطه على نفسه من نوع الأصحية فيما يذكره، ورعاية المناسبة بين المذكور وبين الترجمة التي يعنون بها لما يذكره من الأحاديث. ومن أمثلة دقته في ذلك أيضا اقتصاره من لفظ الحديث المطول على ذكر ما يتعلق بالترجمة التي يذكره تحتها (٣). بعض ما انتقد على العراقي في مناسبة التراجم لما ذكر تحتها من الأحاديث. ولكن رغم ذلك فهناك بعض مواضع قليلة جدا، مما ينتقد على العراقي في هذا، وقد جاء نقده من أولى الناس بالإنصاف معه، وهو ولده أبو زرعة فيما

стр. 2164

شرحه من كتاب التقريب هذا. ففي كتاب النكاح - ذكر العراقي: بابا عنونه: بقوله: (ما يحرم من الأجنبية، وتحرم المؤمنة على الكافر)، وذكر تحته حديث عروة عن عائشة ﵂ قالت: جاءت فاطمة ابنة عقبة بن ربيعة تبايع النبي ﷺ فأخذ عليها: ﴿ألا يشركن بالله شيئا، ولا يزنين﴾ (الآية). وقد تعقبه ولده أبو زرعة بأن هذه الرواية ليس فيها ما يدل على تبويبه، ثم قال: إن قلت لم يُورد الشيخ ﵀ لقوله في التبويب: «وتحريم المؤمنة على الكافر» ما يدل عليه، قلت: «كأن ذلك فهم مما علم من آية الامتحان … » (١). فيلاحظ أن الحديث لم يتضمن التصريح بما يدل على صدر الترجمة، وما ذكره في عجزها حاول ولده التماس دلالة عليه من الآية المذكورة في الحديث، لكن لم يجزم بذلك كما ترى (٢). والأصل أن يكون الحديث المذكور تحت الترجمة - واضح الدلالة عليها أو على بعضها، أو قريب الصلة بها. استنباط العراقي لبعض الأحكام من الحديث لم يقتصر فقه العراقي في أحاديث الكتاب على تراجم كتبه وأبوابه، كما قدمت، ولكنه في النسخة الكبرى منه قد يتبع الحديث بذكر بعض ما يستنبط منه من الأحكام، ويعتبر هذا مما تتميز به النسخة الكبرى من تقريب الأسانيد على النسخة الصغرى منه، لخلوها من هذا، فقد ذكر حديث همام عن أبي

стр. 2165

هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ذروني ما تركتكم (الحديث) وفيه: «فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بالأمر، فأتمروا ما استطعتم». ثم قال العراقي: وقال الشيخان: «فأتوا منه ما استطعتم». وعقب بقوله: واستُدِلَّ بهذا اللفظ على أن من وجد بعض ما يكفيه من الماء للطهارة، فيجب استعماله (١). وقد ينسب الحكم المستنبط إلى غيره دون تعقب منه (٢) فيكون مقرا له. وعموما فإن هذه الاستنباطات مع فائدتها فهي قليلة، كما أن للعراقي أقوالا أخرى في الجمع بين ما ظاهره التعارض أو بيان النسخ وغير ذلك مما سيأتي ضمن عناصر المنهج، وهذا يعتبر كذلك من استنباط العراقي وفقهه في السنة. تخريجه للأحاديث وسوقه لها، واصطلاحاته في ذلك سلك العراقي في تخريجه لأحاديث الكتاب طريقتين: إحداهما: التخريج بالرواية بسنده وسند ولده أبي زرعة. ثانيتهما: التخريج بالعزو إلى المصادر. أما الطريقة الأولى فقد أشار إليها في مقدمة التقريب بقوله: أردت أن أجمع لابني أبي زرعة مختصرا في أحاديث الأحكام، يكون متصل الأسانيد بالأئمة الأعلام (٣). ثم ذكر سنده هو المتصل بأسانيد أحاديث الكتاب المروية في مسند أحمد

стр. 2166

وموطأ مالك بالتراجم الست عشرة الموصوفة بالأصحية، فقال: فما كان فيه من حديث نافع عن ابن عمر، ومن حديث الأعرج عن أبي هريرة، ومن حديث أنس، ومن حديث عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة، فأخبرني به … . وساق سنده عن شيوخه إلى أبي مصعب الزهري عن مالك، ثم ذكر سند مالك الموصوف بالأصحية إلى الصحابة الأربعة السابق ذكرهم. وهذه تراجم أو أسانيد أربعة من الـ ١٦ ترجمة (١). ثم أتبع ذلك بقوله: - وما كان فيه من غير هذه التراجم الأربعة، فأخبرني به … وساق سنده إلى الإمام أحمد في مسنده ثم ساق أسانيد الإمام أحمد في المسند ببقية التراجم الست عشرة الموصوفة بالأصحية وهي (١٢) ترجمة، بعضها عن الصحابة الأربعة السابق ذكرهم، وبعضها عن غيرهم (٢). ولما أراد استفتاح الكتاب بحديث النية، ولم يكن إسناده بأحد تلك التراجم الست عشرة، قال: ورأيت الابتداء بحديث النية مسندا بسند آخر، لكونه لا يشترك مع ترجمة أحاديث عمر … (٣) يعنى الموصوفة بالأصحية. ثم ساق سنده به، وأتبعه بمتنه (٤). أما سند أبي زرعة ابن العراقي المتصل بأحاديث الكتاب المروية بالتراجم الست عشرة، فساقه والده أيضا في بداية طرح التثريب (٥).

стр. 2167

وأما متون أحاديث الكتاب التي رواها العراقي وولده بأسانيدهما المتصلة بالتراجم الست عشرة، فبين مصدرها بقوله: ولفظ الحديث الذي أورده في هذا المختصر، هو لمن ذكر الإسناد إليه، من الموطأ، ومسند أحمد (١). والأحاديث المخرجة بطريقة الرواية هذه، هي التي يقدمها العراقي في الذكر فيسوقها عقب تراجم الكتب والأبواب، في النسختين: الصغرى والكبرى، ثم يتبعها بالروايات والزوائد التي يخرجها بالعزو، كما سيأتي. وأما الطريقة الثانية: وهي التخريج بالعزو، فقد سلكها العراقي في أحاديث الكتاب عموما بنسختيه الكبرى والصغرى. وذلك أن ما خرجه بالرواية بسنده وبسند ولده أبي زرعة، متصلا بالتراجم الست عشرة كما سبق، قد خرجه أيضا بالعزو إلى غير مسند أحمد والموطأ من المصادر التي اتفقت معهما في تخريج تلك الأحاديث بالتراجم المذكورة. ثم خرج بالعزو أيضا ما زاده على تلك الأحاديث في النسخة الكبرى من أحاديث مروية بغير تراجم الأصحية الست عشرة. وجعل لنفسه في التخريج بالعزو عموما اصطلاحات وعبارات تدل على مقصوده، وذكر مجمل ذلك في مقدمة التقريب فقال: فإن كان الحديث في الصحيحين، لم أعزه لأحد، وكان ذلك علامة كونه متفقا عليه (٢)، وإن كان في أحدهما اقتصرت على

стр. 2168

عزوه إليه (١) وإن لم يكن في واحد من الصحيحين، عزوته إلى من خرجه من أصحاب السنن الأربعة (٢) وغيرهم ممن التزم الصحة كابن حبان والحاكم (٣) ثم قال: فإن كان عند من عزوت الحديث إليه زيادة تدل على حكم ذكرتها، وكذلك أذكر زيادات أخر من عند غيره (٤) ثم قال: فإن كانت الزيادة من حديث ذلك الصحابي، لم أذكره (٥)، بل أقول: ولأبي داود، أو غيره كذا، وإن كانت من غير حديثه قلت: ولفلان (٦) من حدث فلان (٧) كذا (٨) ثم قال: وإذا اجتمع حديثان فأكثر في ترجمة واحدة (٩) كقولى: «عن نافع عن ابن عمر»، لم أذكرها في الثاني وما بعده، بل أكتفي بقولي: وعنه (١٠) ما لم يحصل اشتباه (١١)، وقال أيضا: فإن لم يكن الحديث إلا في الكتاب الذي رويته منه، عزوته إليه بعد تخريجه وإن كان

стр. 2169

قد علم أنه فيه، لئلا يلتبس ذلك بما في الصحيحين (١). أما سوق المتون وتخريجها، فسلك العراقي فيه مسلكين: أولهما: ذكر لفظ المصدر الذي روى الحديث فيه، وهذا يشمل الأحاديث التي رواها بسند الأصحية من مسند أحمد والموطأ كما قدمت الإشارة إلى ذلك. ويشمل أيضا ما صرح خلال التقريب بأنه لفظ رواية فلان من أصحاب المصنفات مثل قوله: وفي لفظ البخاري كذا (٢) أو لفظ مسلم كذا (٣) بل إنه قد يعنى ببيان الفرق بحرف واحد بين روايتين، لكونه يؤثر في المعنى مثل قوله: ولأبي داود من حديث حكيم بن حزام: البيعان بالخيار حتى يتفرقا، أو يختار، ثلاث مرار. ثم قال: وهو عند البخاري دون قوله: «أو» (٤). ثانيهما: ما عزاه إلى مصدر أو أكثر ولم يحدد كون اللفظ المذكور هو لفظ رواية واحد، أو أكثر ممن عزا إليهم. وهذا يبين أنه أجراه على قاعدة اصطلاحية. فقال: وحيث عزوت الحديث لمن خرجه (٥) فإنما أريد أصل الحديث، لا ذلك اللفظ (٦)، على قاعدة المستخرجات (٧) وخلاصة ما جاء

стр. 2170

في مبحث المستخرجات عند العراقي وغيره أن الحديث في المستخرج، وفي الكتاب المستخرج عليه، يكون بين روايتيه اختلاف في الألفاظ، زيادة ونقصا، أو اختلاف يسير في المعنى، ولكن أصل الروايتين أو معناهما العام متفق (١). وبهذه القاعدة وجه أبو زرعة عزو والده أحد الأحاديث إلى الصحيحين مع زيادة اللفظ الذي ذكره عما في البخاري (٢). من نقد تخريجه للأحاديث ومخالفته لاصطلاحه في ذلك: من المراجعة التفصيلية لكتاب التقريب تبين لي أن العراقي التزم بمنهجه واصطلاحاته في تخريج أحاديث الكتاب، وذلك في الأغلب، لكن الكمال لله وحده، فقد وقفت على بعض ما يتعقب به العراقي في تخريجه لبعض الأحاديث، حيث ذكر حديث على ﵁ قال: نهى عن مياثر الأرجوان، ولبس القسى، وخاتم الذهب … (الحديث) وعزاه العراقي الأبي داود، فقط (٣). وبالمراجعة نجد الحديث عند أبي داود بإسناد الأصحية مختصرا هكذا: حدثنا يحيى بن حبيب حدثنا روح حدثنا هشام عن محمد عن عبيدة عن على قال: نهى عن مياثر الأرجوان (٤). في حين لو رجعنا إلى سنن النسائي الكبرى نجد الحديث من طريق هشام عن محمد عن عبيدة عن على قال:

стр. 2171

نهى عن مياثر الأرجوان، ولبس القسى وخاتم الذهب (١). ولهذا تعقب أبو زرعة والده العراقي في هذا، فذكر أن أبا داود اقتصر على الجملة الأولى من الحديث، ثم قال: فلو عزاه المصنف (٢) ﵀ للنسائي لكان أولى، لكونه أخرجه بتمامه من هذا الوجه (٣) يعنى بإسناد الأصحية. وعليه يكون التعقب للعراقي في هذا الموضوع في محله (٤). ومما خالف فيه اصطلاحه في التخريج بالعزو، أنه قال: وعن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ نهى عن الوصال (الحديث) وفي آخره: إني أطعم وأسقى. ثم قال: وللبخاري: إني أظل أطعم وأُسقي (٥). فتعقبه ولده أبو زرعة بقوله: وعزو والدي ﵀ في أحكامه الكبرى هذه الرواية للبخاري عقب حديث ابن عمر يقتضي (٦) أنها عنده من حديث ابن عمر، وليس كذلك، وإنما هي عنده من حديث أنس.

стр. 2172

كما ذكرته، هذا الذي وقفت عليه (١). ومن التعقبات ما أشار أبو زرعة إلى أنها وهم من غير والده، ولكن والده تابع غيره فيه (٢). لكن مثل هذه التعقبات وإن كانت في موضعها إلا أنها لا تقدح في بقية الكتاب، ولا في ريادة مؤلفه في علم التخريج في عصره، وريادة كتابه هذا بالأولية في موضوعه كما تقدم. بيان العراقي لدرجات الأحاديث. هذا الكتاب بنسختيه الكبرى والصغرى، بين العراقي فيهما درجات الأحاديث بطرق واصطلاحات متنوعة، وذلك على النحو التالي: - أولا: شرطه في أصل أحاديث الكتاب، حيث شرط كما تقدم أن يورد فيه من أحاديث الأحكام ما هو مروى بست عشرة ترجمة مما وصف بالأصحية مطلقا أو مقيدا، وينتهي مجموعها إلى عشرة من الصحابة هم بحسب ذكره لهم: عبد الله بن عمر، وأبو هريرة وأنس، وعائشة، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وجابر بن عبد الله، وبريدة بن الحصيب، وعقبة بن عامر، ﵃ (٣). وقد روى تلك الأحاديث بسنده موصولا بتلك التراجم، عن هؤلاء.

стр. 2173

الصحابة من مسند الإمام أحمد وموطأ الإمام مالك. وقد تقدم أن عدد تلك الأحاديث (٣٤٧) حديثا وزيادة. ويستفاد من هذا الشرط أمران: - أحدهما: أن أحاديث الكتاب المروية بسند العراقي المتصل، وهي التي يبدأ بها عقب تراجم الكتب والأبواب، تُعد من أصح الصحيح، وإن لم يصرح العراقي بوصف كل منها بذلك. الأمر الثاني: أن الكتابين اللذين اختار العراقي منهما هذه الأحاديث، لم يشترط مؤلفاهما فيهما الصحة، فأثبت العراقي عمليا أن من المصادر التي لم يشترط فيها مؤلفوها الصحة، ما يشتمل على أحاديث من أصح الصحيح، وبذلك لفت الأنظار إلى عدم انحصار الأحاديث الصحيحة في الصحيحين، وغيرهما مما اشترط مؤلفوه فيه الصحة. ثانيا: من بيان العراقي لدرجات الأحاديث أيضا تخريج الحديث بالعزو إلى بعض المصادر التي اشترط مؤلفوها فيها الصحة، وقد أشار إلى اصطلاحه في ذلك كما قدمته في مبحث التخريج، وقد ذكر فيه أن ما يسكت عن عزوه إلى أي مصدر، فهذا يعنى أنه متفق عليه عند البخاري ومسلم، وأماما انفرد به أحدهما عن الآخر، أو أخرجه كل منهما عن صحابي غير الذي أخرجه عنه الآخر، فيصرح بعزوه، وكذلك ما أخرجه غيرهما ممن اشترط الصحة كابن حبان وابن خزيمة كما قدمت أمثلة ذلك في مبحث التخريج أيضا، وكذلك ابن خزيمة وإن لم يذكره في المقدمة (١). ثالثا: بيان درجات الأحاديث بالتصريح بها كالصحة أو الحسن أو الضعف أو غيره.

стр. 2174

وهذا التصريح بالدرجة، تارة ينقله عن غيره كالترمذي (١) والنسائي وابن المنذر وابن خزيمة والخطابي والحاكم والبيهقي وغيرهم (٢). وتارة يذكر درجة الحديث أو ما يدل عليها من جانبه هو، دون عزو لغيره، فيدل ذلك على إصداره للحكم بناء على نظره هو، وخبرته النقدية، كما ستأتي بعض الأمثلة. وأغلب ما تصدى العراقي لبيان درجته بنفسه دون عزو إلى غيره والأحاديث التي في النسخة الكبرى، زيادة على ما في النسخة الصغرى التي هي أصل أحاديث الكتاب كما تقدم. وقد يجمع في بيان درجة الحديث أكثر من طريقة تؤيد درجته، فقد ذكر حديث أبي هريرة بلفظ «إذا استجمر أحدكم فليوتر، من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج» وعزاه إلى أبى داود وابن ماجه وقال: بإسناد حسن، ثم قال: وأخرجه ابن حبان (٣) فقرر من جانبه أن رواية أبي داود وابن ماجه إسنادها حسن، ثم أتبع ذلك بعزو الحديث إلى ابن حبان - يعنى في صحيحه، فأفاد ذلك تصحيح ابن حبان أيضا للحديث بسنده عنده. وبالمراجعة نجد الحديث عند أبي داود (٤) وابن ماجه (٥) من طريق ثور بن

стр. 2175

يزيد عن حصين عن أبي سعيد عن أبي هريرة، به بتمامه. وعند ابن حبان من طريق القعنبي عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج، ومن طريق أبي عامر الخراز عن عطاء كلاهما عن أبي هريرة (١) لكن بدون قوله: «من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج». (٢) وفي بعض الأحاديث جمع العراقي بين بيان الدرجة التي يراها وبين الرد على من خالفه، وهذا أظهر في الدلالة على أثره، وتمكنه في النقد. فقد روى حديث نافع عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: ﴿من أعتق شركا له في عبد﴾ (الحديث) وفي آخره: وأُعتق عليه العبد، وإلا عَتَقَ منه ما عتق. وأشار إلى أن الحديث - بهذا اللفظ - متفق عليه من طريق مالك عن نافع به. ثم ذكر أن الدارقطني والبيهقي رويا الحديث من طريق عبيد الله بن عمر، وإسماعيل بن أمية ويحيى بن سعيد - يعنى القطان - ثلاثتهم عن نافع عن ابن عمر، به مع زيادة في آخره بلفظ «ورق منه ما بقى» ثم قال العراقي: وإسنادهما - يعني الدارقطني والبيهقي - جيد، وقال: وقول ابن حزم: إنها (٣) موضوعة مكذوبة، لا نعلم أحدًا رواها، لا ثقة ولا ضعيف، فمردود عليه. وكذا كلام الطحاوى في راويها إسماعيل بن مرزوق (٤) بقوله: ليس ممن
следующие страницы →