← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 30167

الحافظ العراقي وأثره في السنة

أحمد بن معبد عبد الكريم

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وإن كان مميزا كتب من السامعين وحدد الجمهور سن الخامسة للتمييز (١) ومنذ الولادة حتى الخامسة تُسمى مرحلة الحضور أو الإحضار، لكونها بواسطة من يُحضر الطفل مجلس السماع ويتولى كتابة اسمه في الطبقة لإثبات حضوره (٢) أما ما بعد الخامسة، وحتى يستقل الشخص بتصريف شئونه فتُسمى مرحلة الإسماع، لكونها أيضًا بتوجيه غيره وإشرافه، وبموجب هذا التسجيل الكتابي يثبت للشخص تحمله للمرويات التي أخضرها أو أُسْمِعَها واتصال سنده بها حرصا على بقاء سلسلة الإسناد لكي يحق له الاعتماد على ذلك في رواية ما تحمله، إلى الآخرين بعد بلوغه وتأهله لهذا (٣)، كما يحصل له بثبوت ذلك التحمل المبكر علو الإسناد، ويستدل منه على عراقة اتصاله بعلم السنة (٤). وفي عصر العراقي لم يكن يعتد بثبوت هذا التحمل أو غيره من وجوه التحمل الآتية بغير الإثبات الكتابي للشخص بذلك (٥) حتى لو ادعى الشخص أنه حضر أو سمع أو أجيز ولم يُقدّم إثباتا كتابيًا لم يقبل ذلك منه، في الغالب. ولذلك حرص العراقي نفسه، وغيره من المترجمين لحفاظ السنة على بيان توفر أو افتقاد كل من مرحلتي الإحضار والإسماع هذين بالنسبة لهم، كما ذكره عن الميدومي شيخ العراقي، وكذا حرصوا على تحديد ما حضره، أو

стр. 247

أسمعه الشخص من المرويات، وتاريخ ذلك ومكانه إن تيسر (١). وعند استقلال الشخص بنفسه يبدأ مرحلة ثالثة هي الطلب بنفسه، حيث يطوف على شيوخ بلده، ثم يرحل خارجه لغيرهم، ويباشر السماع والقراءة وغيرهما من وجوه التلقي الآتية، وإثبات ذلك بنفسه. وفي تلك المرحلة يلازم الطالب من استطاع ملازمته من الشيوخ حتى يتخرج ولو بأحدهم كما أشرنا من قبل، وكلما كانت تلك المراحل مستكملة ومرور الطالب بها مبكرًا، كلما دلّ ذلك على عناية القائمين بأمره، بجانب الدلالة على نبوغه واجتهاده الشخصي، كما يتيح له ذلك فرصة النضج العلمي المبكر، واستحقاق درجات المحدثين وألقابهم الآتي بيانها بجدراة. والطريقة الثانية لتلقي السنة وعلومها: القراءة على الشيخ ويسميها أكثر المحدثين عرضًا، باعتبار أن القارئ يعرض على الشيخ ما يقرؤه، كعرض القرآن على المحفظ (٢) ويثبت اتصال السند بها للقارئ والسامعين كتابيًا بمثل طريقة إثبات السماع المتقدمة. والطريقة الثالثة: الإجازة كقول الشيخ للطالب: أجزت لك، أو للجماعة: أجزت لكم رواية كتاب كذا، من تأليفي أو روايتي بسندي فيه: أو يذكر السند، أو ما اشتمل عليه

стр. 248

فهرست مروياتي، ويثبت ذلك كتابيًا أيضًا، وأنواع الإجازة متعددة، وهي عمومًا أقل درجة من السماع (٢)، والذي نحتاجه فيما نحن بصدده: الإجازة للطفل منذ ولادته، سواء أخضر مجلس المجيز أو كان غائبًا، وبثبوتها الكتابي يصح تحمله ويتصل سنده بالمجاز به ليؤديه لغيره بعد تأهله كما قدمنا في الحضور والإسماع، وأجاز العلماء ذلك أيضًا حرصًا على بقاء سلسلة الإسناد المخصوصة بها الأمة (٣)، كما أن سند الطفل المجاز يصبح عند تأهله للأداء عاليًا لقدم تاريخ إجازته حينذاك (٤)، وربما يكون المجيز قد توفي مع انفراد المجاز منه ببعض المرويات، فيصبح هو الوسيلة الوحيدة لوصل السند بتلك المرويات بعد شيخه، ولهذا يذكر العراقي أن بعض كتب السنة انقطع سنده من بعض البلاد لعدم وجود إجازة به لأحد من سكانها (٥)، كما يذكر ابن حجر أن أخا الحافظ الذهبي لأمه من الرضاع استجاز له سنة مولده من بعض شيوخ عصره، فانتفع الذهبي بعد ذلك بتلك الإجازة انتفاعًا شديدًا (٦) وبذلك يظهر لنا احتياج طالب الحديث إلى عناية من ذويه بطلبه منذ ولادته، حتى ينشأ ويشب في رحابه، ويحصل ميزة المحدثين بعلو السند وكثرة الرواية بجانب الدراية. والطريقة الرابعة: المناولة ولها عدة صور، كأن يمسك الشيخ كتابًا من تأليفه أو تأليف غيره، ويناوله

стр. 249

لتلميذه ويأذن له في روايته عنه، أو نسخه أو مقابلة نسخته عليه، ونحو ذلك (١) ويثبت ذلك كتابيا أيضًا. والطريقة الخامسة: المكاتبة كأن يكتب الشيخ، أو يُكلّف ثقة غيره بكتابة شئ من مروياته أو مؤلفاته لبعض الحاضرين أو الغائبين ويُوقع له بذلك (٢). والطريقة السادسة: إعلام الشيخ للطالب بأن هذا الكتاب تأليفه، أو روايته بسنده، دون أن يأذن له بروايته وهذه الطريقة مختلف في الاعتماد عليها في الرواية ولكل دليله دون مرجح (٣) والطريقة السابعة: الوصية بالكتاب. كأن يوصي الشيخ قبل موته أو سفره لشخص برواية بعض مروياته، أو مؤلفاته، والخلاف فيها أكثر من السابقة لضعفها عنها (٤). والطريقة الثامنة: الوجادة وهي أن يجد الشخص بخط من عاصره أو لم يعاصره مرويات أو مؤلفات له دون أن يكون له منه إجازة ونحوها. وهذه الطريقة لا تفيد اتصال السند للواجد بالموجود، ولكن تكون روايته له منقطعة السند سواء كان ما وجده موثقًا بالتأكد أنه بخط المؤلف أو مصححا.

стр. 250

بمقابلته أو بمقابلة ثقة آخر على أصل صحيح أو لم يكن موثقا غير أنه في حالة التوثيق يعبر في الرواية بالجزم كقوله: «وجدت بخط فلان أو في كتاب فلان». وفي حالة عدم التوثيق يعبر بصيغة غير جازمة كقوله: «وجدت عن فلان أو بلغني عنه، أو ذكر الكاتب أنه خطه ويسوق ما يريد بروايته بالسند الوارد في الكتاب فلو عبر بصيغة لا توضح الوجادة كقوله: عن فلان، أو قال فلان كان مدلسا» (١). وهكذا حكم النقل من مصنفات المؤلفين في السنة وعلومها، فإن ثبت للناقل كون النسخة التي يريد النقل منها موثقة، أو كان من العلم بحيث لا يخفى عليه السقط والتحريف وخلل السياق، نقل بصيغة الجزم، مثل: قال فلان كذا وذكر كذا، وإن لم تكن موثقة أو لم يكن عالماً، عبر بصيغة لا تقتضي الجزم بنسبة المنقول، كبلغني كذا، أو وجدت في نسخة الكتاب الفلاني كذا. وقد أشار ابن الصلاح إلى توسع أهل العلم في زمانه في هذا بحيث ينقلون من المصنفات بصيغة الجزم عموما دون تفريق بين الموثق منها وغيره (٢). وأقول: إن هذا ما يجري عليه كثير من أهل العلم في عصرنا الحاضر. أما العراقي فيطالب بالدقة العلمية، حيث يقرر أنه لا يحل لمن لم يتعلم علم الحديث عن أهله، نقل حديث من الكتب ولو من الصحيحين، ما لم يعتمد

стр. 251

على من يعلم ذلك من أهل الحديث (١)، وأنه يقبح بطالب الحديث، بل بطالب العلم عمومًا أن ينقل بصيغة الجزم ما ليست له به رواية مسندة، وينقل إجماع علماء الرواية على أنه لا يصح لمسلم أن يقول: «قال رسول الله ﷺ كذا حتى يكون عنده ذلك القول مرويا، ولو على أقل وجوه الروايات التي قدمناها وأقر ذلك (٢) وعلى ضوء ذلك كله يظهر لنا أن علماء السنة قد وضعوا المنهج المتكامل والدقيق لتلقيها وانتقالها مع علومها المختلفة موثقة نامية مصححة الأصول والمصادر من جيل إلى جيل؛ ولذلك أخذ أئمة العلوم النقلية الأخرى في تلقي علومهم وتوثيقها بمنهج علماء السنة هذا كما أشرنا لذلك من قبل» (٣). كما ظهر لنا أن تدوين السنة وعلومها في مؤلفاتها المتداولة حتى الآن لا يغني عن تلقيها مع علومها من أفواه العلماء والتدرب عليها في فنونها واصطلاحاتها على يديهم. الموقف الثالث: متى بدأ طلب العراقي للسنة؟ وتأثير والده السلبي وتعليله: مما تقدم عن مراحل طلب السنة وعلومها وعن أصول تلقيها بالسماع والإجازة، يتبين لنا أن طالب السنة يحتاج إلى عناية من ذويه منذ ولادته، بحيث يوجد من يهتم بتحصيل إجازات العلماء ذوي السند العالي له،

стр. 252

وبإحضاره مجالسهم لإسماع الحديث أو إملائه، مع إثبات اسمه في الطباق وغير ذلك مما أشرنا إليه. حتى إذا شب هذا الوليد وبدأ يطلب بنفسه وجد له رصيدًا مشجعا من المرويات، وارتباطا متصلا بعدد من الأسانيد العالية. فإذا جئنا بعد ذلك إلى الحافظ العراقي، ونظرنا في بداية طلبه للسنة وجدنا أقرب الناس إليه وهو ولده ولي الدين أبو زرعة يقول: «إن أقدم سماع وقفت عليه له مؤرخ في سنة ٧٣٧ هـ» (١) وأقره على هذا غيره من تلاميذ والده وغيرهم (٢)، ومعنى ذلك أنه قد مضى من عمر العراقي (١٢) عاما تقريبا لم يوقف على إثبات كتابي بتلقيه فيها شيئًا من الحديث. ولما كان هذا الإثبات هو مناط الحكم، وسند الرواية فيما بعد، فإن افتقاده ضيع رصيد العراقي، من السند العالي في المرحلتين المبكرتين من مراحل الطلب، وهما الإحضار والإسماع كما بينا، فلم يوجد له إثبات حضور أصلا، ولا سماع مُبَكِّر أو حتى إجازة، ويعتبر هذا غاية في الدلالة على تأخره في الاتصال بالسنة كتابيًا، وعدم الاعتناء به في ذلك إذا ما قيس بمعاصره الحافظ الذهبي، في تحصيله إجازة بعض العلماء في سنة ولادته بعناية أخيه من الرضاع كما قدمنا وإذا قيس أيضًا بما سيأتي من إحضار العراقي نفسه لولده أبي زرعة مجالس الحديث عند ذوي الإسناد العالي في سنة ولادته أيضًا وإثبات ذلك له كتابيًا.

стр. 253

ولما كان العراقي كما أسلفنا، قد تمتع بالمواهب والإستعدادات الذاتية الملائمة لطلب السنة والاشتغال بها، مع توفر علمائها ذوي الإسناد العالي في مسرح حياته كما سلف أيضًا، لما كان الأمر كذلك، فإن تلاميذه ومن بعدهم يُحَمِّلُون والده وحده مسئولية هذا الإختلال أو التقصير في الطلب خلال مدة الإثنى عشر عاما المذكورين، باعتبار أنها فترة يكون دور ولي الأمر فيها أكبر من دور الطالب نفسه بحكم صغره كما سبق توضيحه. ومما يصور مدى مسئولية والده، أن العراقي أُتيح له في الواقع وعلى يد والده فرصتا مرحلتي الإحضار، والإسماع المبكرتين، لكن والده لم يعن بالتسجيل الكتابي لذلك، وهو وسيلة الإثبات المعتمدة حينذاك كما بينا. فبالنسبة لمرحلة الإحضار، نجد أن والده كما قدمنا كان يعمل بخدمة الشيخ تقي الدين القنائي ويُحضر معه ولده عبد الرحيم هذا في طفولته كثيرا عند الشيخ تقي الدين، الذي كان يلاطفه ويكرمه (١). وما كان أسهل على والده حالتئذ - لو شاء - أن يطلب من الشيخ إجازة لولده بشئ من مروياته لأنه كان من ذوي الإسناد العالي الموثق، كما كان المحدثون يترددون عليه للسماع منه لعلو سنده. وما كان أسهل على والد العراقي أيضًا - لو اهتم - أن يثبت اسم ولده بالحضور ضمن هؤلاء المترددين في طبقات سماعهم. ولكن الذي حدث أن العراقي بعد ما كبر وعرف قواعد الطلب وميزة الاتصال المبكر بالسند العالي، أكثر البحث بنفسه عن إثبات كتابي بحضوره.

стр. 254

المتعدد ضمن من ترددوا على الشيخ لسماع الحديث فلم يجد شيئاً. وفي ذلك يقول السخاوي: «وتكرر إحضار أبيه له إلى التقي (القنائي) فكان يلاطفه ويكرمه، وعادت بركته عليه ولكنه كان يتوقع وجود حضور له على التقي المشار إليه، لكونه كان كثير الكون عنده مع أبيه، وكان أهل الحديث يترددون إليه للسماع منه لعلو سنده، فإنه سمع من أصحاب السلفي، فلم يظفر بذلك» (١) ويوافق السخاوي في هذا ابن فهد تلميذ العراقي (٢). وقول السخاوي: «فلم يظفر بذلك»، وكذا قال ابن فهد: «لكنه لم يقف على شئ من ذلك»، يدلان صراحة على اهتمام العراقي بهذا وحرصه على وجود إثبات له ببعض المرويات العالية في تلك المرحلة، لكن لم يُوقِفه البحث على شي ولو حتى إجازة، كما تدل عبارة النفي المطلق على ذلك. ولم يكن تأكده الفعلي من تعدد حضوره، ومكثه الطويل في مجالس الشيخ مغنيا عن وجود الإثبات الكتابي بذلك، فضاعت عليه فرصة علو سنده في مرحلة الحضور هذه بتهاون والده كما ترى. ويدل عدم قيامه بالإستجازه له من الشيخ، أو إثبات حضوره سماع الحديث عنده مع تيسر ذلك جدا كما أوضحنا، على أنه لم يكن يقصد بإحضاره عند الشيخ تحصيل الإسناد الحديثي له، بل التبرك بالجلوس مع الشيخ، حيث كان بجانب عُلو سنده في الحديث، يعتبر من خيرة الصالحين في زمانه. والمعروف في قواعد الطلب أن حضور مجالس الحديث حتى بالنسبة

стр. 255

للشخص المميز، إما أن تكون لمجرد الاستفادة أو البركة، وإما أن تكون بقصد الطلب والاشتغال بالسنة. فالأولان لا يعتد بهما في التحمل واتصال السند، ولذا يقول ابن حجر عن شيخه البلقيني: «وسمع من الأحاديث في مجالس الحديث شيئًا كثيرًا غالبه بغير اعتناء بطلبه» (١). وأما الثاني فهو المعتمد؛ لأن القصد هو مدار اعتبار الأعمال بالإضافة إلى التسجيل الكتابي الموثّق، كما اصطلح عليه بعد التدوين للسنة وعلومها، ليكون ذلك مستندًا بالتحمل للمرويات، عند أدائها للغير على نحو ما تقدم توضيحه. ولهذا فإني لم أجد للعراقي رواية عن الشيخ تقي الدين القنائي هذا فيما قرأته من مؤلفاته وهو معظمها، وخصوصًا ما أورد فيها أسانيده العالية كما سيأتي، بل وجدته فقط ذكر في «تكملته لشرح الترمذي» بعض ما أخبره به والده عن أخلاق الشيخ وحسن طباعه ومعاملته، كما قدمت ذكره في هذا الباب، فلو كان له رواية عنه لناسب المقام الإشارة إليها. وتجدر الإشارة إلى أن افتقاد العراقي فرصة علو السند في تلك المرحلة أو في تاليتها، لم يحمله على إدعاء شئ منه، كما حدث من بعض معاصريه، حيث كان ذلك مما يفتخر به حينئذ (٢)، وهذا يدل على ثقته وأمانته العلمية، وبعده عن هذا النوع من التدليس، وعندما ندع مرحلة الحضور في الطفولة.

стр. 256

إلى مرحلة الإسماع بعد سن التمييز ألا وهو الخامسة، نجد أيضًا لوالد العراقي تأثيره السلبي بالنسبة لإسماع ولده الحديث، وربطه بأهله، فرغم أنه بعد حفظ القرآن في الثامنة من عمره كما تقدّم، وجهه للدراسات العامة المتقدمة وطاف به فعلا على الشيوخ وأسمعه منهم، إلا أنه اتجه به إلى نوعية معينة من الشيوخ والمجالس، وهم شيوخ التصوف ومجالسهم الوعظية، لمجرد الاستفادة الشخصية، وبدون قصد الطلب كما أوضحنا. حتى إن من كان منهم له بجانب مجالس الوعظ والتذكير، مجالس للتحديث، وتمتع بعلو السند، نجد حضور العراقي عليه حينئذ يقتصر على مجالس الوعظ فقط، دون مجالس التحديث. ويذكر لنا العراقي بنفسه ذلك حيث يترجم للشيخ محمد بن إبراهيم الجعبري المتوفى في ٢٤ من المحرم سنة ٧٣٧ هـ فيذكر أنه سمع صحيح مسلم من الرضي ابن البرهان، وسمع أيضًا من النجيب، ثم يقول: إنه حدث ووعظ وذكر، وسمع منه ناصر الدين الفارقي، ثم يذكر صلته هو به فيقول: «وقد حضرت مجلسه للتذكير غير مرة» (١). وبالتأمل يظهر لنا أن العراقي ما كان أحرصه وأحراه أن يذكر حضوره مجالس تحديث الجعبري، وظَفَرَه بالسماع منه مثلما ذكر سماع الفارقي، وذلك لأن الفارقي هذا أحد شيوخ العراقي في الحديث، فيكون في مشاركة العراقي له في السماع من الجعبري ميزة مساواته لشيخه في الإسناد. كما أن النجيب الذي أثبت العراقي سماع الجعبري منه، هو عبد اللطيف.

стр. 257

ابن عبد المنعم المعروف بالنجيب الحراني، وكان مسند الديار المصرية في عصره، وفي زمن العراقي كان السماع من تلاميذ النجيب كالجعبري هذا يعد من مقاييس علو الإسناد كما سيأتي. فلو أن العراقي وقف على ما يثبت سماعه الحديث منه لذكره وروى عنه لتحصيل هاتين الميزتين، ولكنه اكتفى بذكر حضوره المتعدد المجلس تذكيره ووعظه فقط، وهذا لا يثبت له سندا بتلقي الحديث عنه، كما لم نجد له رواية عنه ولذلك عقب ابن حجر على كلام العراقي السابق بقوله: قلت: «كان شيخنا ابن عشر سنين حينئذ، وكان أبوه يحضره عند المشايخ، فسمع منهم - أي بغير قصد الطلب بل للاستفادة الشخصية كما أشرت -» قال: «ولو كان أبوه من أهل الفن تحصل له الإسناد العالي القديم» (١). وهذا تصريح واضح الدلالة على التأثير السلبي لوالد العراقي في مرحلة الإسماع هذه أيضا، وتعبير ابن حجر بالإسناد العالي القديم، تعبير فني واع؛ لأنه سيأتي سماع العراقي من أحد أصحاب النجيب غير الجعبري، وهو الميدومي، فإذا قيل: إنه عوض بذلك ما فاته من علو الجعبري، كان في وصف علو الجعبري بالقدم رد على ذلك، لأن الجعبري، متوفى سنة ٧٣٧ هـ كما هو مذكور، بينما الميدومي متوفى سنة ٧٥٤ هـ فامتاز علو الجعبري بالقدم كما ترى، وأهل الفن يقدمون الأقدم (٢). أما تعليله تفويت والد العراقي تلك الفرصة على ولده بأنه لم يكن من أهل

стр. 258

الفن، فيعكر عليه قول ولي الدين ابن العراقي في ترجمته لجده هذا: إنه سمع الحديث من زينب بنت شكر، وغيرها، وحَدَّث، وسمع منه والدي، وحدثني عنه (١) وتحديده السابق لأقدم سماع لوالده بسنة ٧٣٧ هـ، يفيد أن سماعه هذا من جده كان أحدث من ذلك، لكن إثباته أنه سمع الحديث من غير واحد وحدَّث به غير واحد، ومنهم ولده عبد الرحيم، يدل على درايته - على الأقل - بقواعد التحمل والأداء التي قدمتها، وهي قوام معرفة الطلب وتحصيل الأسانيد، بل قد ذكر العراقي عن أعلا شيوخه سندا كما سيأتي وهو الميدومي: أن والده لم يحضره مجالس السماع إلا بعد سن الخامسة، فلم يوجد له حضور أصلا، مع أن والده ليس من أهل الفن فحسب، بل كان شيخ دار الحديث الكاملية بالقاهرة (٢) وذَكَرَ نحو هذا عن غيره (٣). ولهذا فإني أفضّل تعليل السخاوي ذلك بعدم عنايته فقط بشأن ولده في طلب الحديث لا بجهله للفن (٤). وقد سبق تعليلي لتهاونه في هذا الجانب بأنه كان يريد توجيه ابنه نفس وجهته وهي الصوفية، لا التعمق في طلب الحديث والاشتغال به وإلا لاهتم بإثبات فُرص حضوره وسماعه التي أتيحت له فعلا بالنسبة لتقي الدين القنائي والجعبري وغيرهما ممن أشار لهم ابن حجر في كلامه السابق، وعندما نقرن بين ما قرره ابن حجر من طواف والد العراقي به للسماع في العاشرة من عمره،

стр. 259

وبين ما قرره ولي الدين ابن العراقي وغيره من أن أقدم سماع وقف عليه له سنة ٧٣٧ هـ نجد أن هذا السماع متأخر عامين عن وقت طوافه للسماع، ولا شك أنه كان فيها مواصلا للتردد على الشيوخ، إما لسماع دروس بعضهم الوعظية والحديثية بقصد الاستفادة لا الطلب، وإما للإشتغال بمبادئ ما قدمناه من علم الفقه وغيره، وقد كان بإمكانه بحكم توافر المحدثين وتوفر الاستعداد لديه كما تقدم، تحصيل كثير من المرويات والمسموعات العالية وإثبات ذلك كتابيا، لكن هكذا كان تأثير توجيه والده حينئذ وجهة غير حديثية. ويؤكد ابن حجر مرة ثانية افتقاد العراقي عمومًا من يعتني بوصله بتحصيل المرويات الحديثية بسندها عن الشيوخ على الوجه المطلوب رغم توفر رغبته الشخصية فيقول: «وكان قد حفظ التنبيه، واشتغل بالعلوم وأحب الحديث، لكن لم يكن له من يُخرجه على طريقة أهل الإسناد» (١)، لكن سيأتي أن هذا الافتقاد ليس على إطلاقه حيث توفر للعراقي فيما بعد من خرجه في علم الحديث وإن لم يقرر ذلك ابن حجر. أما السخاوي فيبين لنا نوعية أقدم سماع، الذي وقف عليه ولي الدين ابن العراقي حيث يقول إن والد العراقي أسمعه في سنة ٧٣٧ هـ من الأمير سنجر الجاولي (المتوفى سنة ٧٤٥ هـ (٢))، والقاضي تقي الدين محمد الإخنائي المالكي (المتوفى سنة ٧٥٠ هـ) (٣)، وغيرهما من ذوي المجالس الشهيرة مما

стр. 260

ليس في العلو بذاك … ، ثم قال: ولو كان أبوه ممن له عناية لأدرك بولده السماع من مثل يحيى بن المصري، آخر من روى حديث السلفي عاليا بالإجازة (١). ويلتقي مع السخاوي في هذا ابن فهد، حيث يقول: «وقصارى ما حضره قديما على قاضي القضاة تقي الدين الأخنائي المالكي، والأمير سنجر الجاولي وغيرهما في صغره قبل طلبه بنفسه، سماعات نازلة» (٢). وقد ظهر لي أن وصفهما سماعات تلك الفترة، بعدم العلو إنما هو بحسب الغالب، لأن العراقي نفسه قد أورد بعض مروياته عن الأخنائي المذكور ضمن أعلا مرويات عصره بالسند المتصل بالثقات، مع تأخر وفاته كما ترى نحو خمس سنين عن الجاولي (٣). ويقول ابن حجر: «وأول ما أُسْمِعَ الشيخ الحديث: على سنجر الجاولي وتقي الدين الأخنائي» (٤)؛ غير أن ما تقدم عنه أيضًا من ذكر الطواف به على الشيوخ للسماع منهم وهو في العاشرة من عمره، أي قبل إسماعه من الشيخين المذكورين بعامين، يفيد أن هذه ليست أولية مطلقة، وإنما المراد أن هذا أول إسماع له للحديث أمكن الوقوف على إثباته كتابيا كما صرح به ولي الدين ابن العراقي في قوله: «وأقدم سماع وقفت عليه له في سنة ٧٣٧ هـ» (٥) وهذا أدق من تعبير ابن حجر بالأولية المطلقة؛ لأن عدم الوقوف على الشئ لا يعني عدمه.

стр. 261

التقويم العام لمرحلتي الإحضار والإسماع: إلا أن الذي يظهر من كل ما تقدم: أن العراقي قد افتقد في مرحلتي الإحضار والإسماع هذين من يعتني بطلبه للحديث على طريقة أهل الإسناد كما أوضحنا، وأن مسئولية ذلك التقصير تقع على كاهل ولي أمره وموجهه حينذاك وهو والده ﵀، ولعل له في ذلك عذرًا لا نعلمه. ولكني أرى أن ذلك وإن فوت عليه كثيرًا من جانب الرواية، فإنه لم يفوّت عليه جانب الدراية لما تلقاه بعد سن التمييز وحفظ القرآن كما تقدم، سواء ما تلقاه خلال مجالس التذكير والعظة التي تعتبر نوعًا من التثقيف العام المعتمد على الكتاب والسنة، أو ما تلقاه من دراسته المبادئ العلوم التي ابتدأ بها نشاطه العلمي: من فقه وأصول ولغة، والتي كان لابد له من الاشتغال بتحصيل قسط كاف منها كما أوضحنا. مرحلة طلب العراقي الحديث بنفسه، ومتى بدأت؟: يفهم من إثبات أقدم سماع له سنة ٧٣٧ هـ على الجاولي والإخنائي وغيرهما كما تقدم، ومن متابعة خطواته التعليمية بعد هذا، أنه تجاوز مرحلة الإسماع بتوجيه والده إلى السعي بنفسه هو للسماع، وإختيار الشيوخ للتلقي عنهم، ويوضح ذلك تصريح ابن قاضي شهبة (١) والغزي (٢) لسماعه الحديث على ناصر الدين محمد بن سمعون وهو أقدم شيوخه في القراءات كما تقدم، ولذا استدل تقي الدين السبكي على قدم إشتغال

стр. 262

العراقي بالحديث بأخذه عن ابن سمعون هذا (١). كذلك نجد ابن فهد بعد ذكره أقدم سماع وجد للعراقي في سنة ٧٣٧ هـ وأن أول اشتغاله كان في القراءات والعربية يقول: «وكان متشوقًا للأخذ عن الأستاذ أبي حيان والاجتماع به فبلغه عنه سوء خلق، وحَطَّ على الفقراء - يعني الصوفية - فغير عزمه عن ذلك غيرة للفقراء، لِصُحبته إياهم، وخدمته لهم، فحصل له بذلك العناية التامة» (٢). وقد أورد السخاوي أيضًا هذا الموقف ضمن نشاط العراقي في سماع الحديث حين اشتغاله بالقراءات، فقال: «بل كان هَمُّه حين اشتغاله في القراءات بالتوجه لأبي حيان فصده عن ذلك حسن قصده» (٣). ودلالة موقفه هذا من أبي حيان على تعاطفه حينئذ مع أهل التصوف، بحكم بيئته وتوجيه والده له من الصغر كما تقدم، لم يمنعه - فيما بعد - من نقد ما رآهم مخالفين فيه للكتاب والسنة، كما سيأتي. أما ما نحتاجه هنا فهو دلالة الموقف بوضوح على بلوغ العراقي في حياة أبي حيان الأندلسي المتوفى في أوائل سنة ٧٤٥ هـ (٤) مرحلة الطلب للحديث.

стр. 263

بنفسه والسعي للشيوخ، وانتقاء من يقبل على التلقي منه أو يعرض عنه مهما كانت شهرته العلمية، كأبي حيان الذي تتلمذ له كبار شيوخ العراقي كالسبكي والإسنوي. كما أن هذا الموقف يشترك مع ما ذكرنا من سماع العراقي من ابن سمعون في الدلالة على أن تلقيه للحديث في بداية طلبه بنفسه، لم يكن مكثفا، لوقوعه خلال اشتغاله بغيره من العلوم السابقة، بل وخلال اتجاهه للتخصص بالقراءات التي كان منهمكا في تحصيلها كما أسلفنا. ولما كان الطلب على هذا النحو غير مركز، ولا يحقق الهدف المقصود لصاحبه، وهو التبريز في علم الحديث الذي أحبه العراقي وتعلق به، فإن جمهور المؤرخين للعراقي يقررون أنه في عام ٧٤٢ هـ تحول من الإنهماك في علم القراءات لكي يتخصص فيها، إلى الإقبال بكليته على طلب الحديث على وجهه المطلوب، والتفرغ له، ويعتبرون هذا التاريخ هو البداية الحقيقية لطلبه بنفسه، دون ما تقدم ذلك من التلقي غير المنتظم، ويلاحظ أن العراقي في تلك السنة كان في السابعة عشر من عمره، وهو من ملائم لتلك المرحلة من الدراسة التي تحتاج بجانب الحفظ إلى الفهم والوعي، كما أنه يعتبر سنا وسطًا بالنسبة لعصره، فقد بدأ شيخه ابن جماعة الطلب بنفسه في السادسة عشر من عمره (١) وطلب معاصره المزي في العشرين (٢)

стр. 264

الموقف الرابع: «متى التقى ابن جماعة بالعراقي ووجهه للسنة؟، والرد على ابن حجر ومن تبعه»: ويصرح ابن فهد أن العراقي في هذا التاريخ أيضًا التقى بالشيخ عز الدين ابن جماعة، الذي مثل عامل التحول الأساسي لاتجاهه، فيذكر ابن فهد أن ابن جماعة نهى العراقي عن الانهماك في علم القراءات، وأشار عليه بالاشتغال في علم الحديث، فأقبل حينئذ عليه، وطلب بنفسه، وذلك في سنة ٧٤٢ هـ (١). وذكر السخاوي نحو هذا، لكنه عاد فأقر شيخه ابن حجر على خلافه كما سنوضحه. ويتفق ابن خطيب الناصرية تلميذ ولي الدين ابن العراقي ومعاصره، ابن تغري بردي مع ابن فهد على أن العراقي صرف همته من القراءات إلى علم الحديث، وطلبه بنفسه قراءة وسماعًا في سنة ٧٤٢ هـ، غير أنهما لا يذكران التقاءه بابن جماعة كلية، ولا يحددان دافعا آخر لميله إلى الحديث وصرف همته لطلبه، فلعلهما تركا ذكر هذا اللقاء اختصارًا، كابن حجر حيث ذكره عند التوسع في ترجمة العراقي، وحذفه عند الإيجاز (٢). ويدل لذلك أيضًا أن سياقهما لخطوات طلبه منذ سنة ٧٤٢ هـ موافق لما ذكره ابن فهد والسخاوي (٣)، وبذلك ينتهي رأي الجميع إلى ما صرح به ابن فهد آنفًا.

стр. 265

غير أن الحافظ ابن حجر لا يريد إيقاف التقصير في طلب شيخه العراقي للسنة عند حد مرحلتي الطفولة والصبا المتقدمتين، واللتين انتهيتا معه إلى رجوع غالب المسئولية فيهما على والد العراقي لقيامه بأمره فيهما. وإنما ينتقل إلى هذه المرحلة التي يُعد العراقي مسئولاً عنها، وهي مرحلة طلبه بنفسه، فيقرر: أنه وإن كان قد بدأ الطلب بنفسه فعلا سنة ٧٤٢ هـ فسمع الحديث وقرأه على بعض الشيوخ، إلا أنه تراخى عن الجد في ذلك، ولم يتنبه لطلب الحديث على وجهه إلا بعد هذا التاريخ بنحو عشر سنوات، ثم تبعه في هذا غير واحد كما سنوضحه. وإذا كانت الأدلة قد توفرت لدينا لإقرار وجود تقصير غير متعمد، فيما قبل بدء طلب العراقي بنفسه سنة ٧٤٢ هـ، فإنه قد توفرت لدينا الأدلة هنا على العكس، وهو رد ما قرره الحافظ ابن حجر ومن تبعه، من نسبة العراقي اللغفلة عن الطلب، والتراخي فيه، خلال تلك الفترة الطويلة من طلبه للسنة بنفسه. ولعل ابن حجر أدرك صعوبة التسليم له بهذا القرار الذي يهز فيه، بل يحاول نسف عشر سنوات تقريبًا من نشاط أستاذه في مجال تخصصه بعد اعترافه بوضع قدمه على الطريق قبلها، فلجأ إلى عزل وتوهين الحقائق التي تصادم قراره، ثم قدم دليلا واحدًا عليه، وهو عدم وجود سماع للعراقي من كثيرين من ذوي الإسناد العالي، الذين تواجدوا في تلك الفترة وكان بإمكانه سماعهم. أما الحقائق المصادمة لهذا: فأولها: وجود وقائع كثيرة للطلب، سجلها العراقي نفسه، فضلا عن غيره،

стр. 266

خلال نفس الفترة، وذلك بالسماع والقراءة اللذين هما أقوى وأظهر وجوه الطلب كما قدمنا. وثانيها: ثبوت تخرجه في علم الحديث خلال تلك الفترة على أحد الحفاظ الذين يعترف ابن حجر ومن تبعه، بتلمذة العراقي عليه. وثالثها: وجود نتائج لنشاط العراقي الحديثي بإسماعه لغيره، والتأليف الضخم الجيد فيه. ورابعها: التقاؤه بعز الدين ابن جماعة، محوله الأول للتفرغ للسنة. فبالنسبة لوقائع طلب العراقي بالسماع والقراءة، نجد ابن حجر يعتبرها مجرد جرعات يسيرة، وإن دلت على قدم تلقيه للسنة، لكنها متفرقة في غضون اشتغاله ببقية العلوم، وبالتالي لا يعدها طلبا للحديث على وجهه المطلوب، وبالنسبة لنشاط العراقي التأليفي وتحديثه المبكر، يُعده تشاغلا عن الطلب، ثم يورد دليله المشار إليه. وعبارته في هذا الصدد، بعد ذكره ملازمة العراقي للشيوخ في الفقه والقراءات يقول: «وسمع في غضون ذلك من عبد الرحيم بن شاهد الجيش، وابن عبد الهادي، وعلاء الدين التركماني، وقرأ بنفسه على شهاب الدين ابن البابا، وتشاغل بالتخريج، ثم تنبه للطلب بعد أن فاته السماع من مثل يحيى ابن المصري، آخر من روى حديث السلفي عاليا بالإجازة، ومن الكثيرين أصحاب ابن عبد الدايم والنجيب، وابن علاق» (١). وقد ذكر صاحب (شذرات الذهب) هذا الكلام بنصه دون عزوه.

стр. 267

لابن حجر، وأقره (١). ويقول ابن حجر أيضًا، بعد ذكره إسماع العراقي من الإخنائي، والجاولي في المرحلة السابقة: «ثم أُسْمِعَ على ابن شاهد الجيش، وابن عبد الهادي، وتقي الدين السبكي، وعلاء الدين التركماني، هذا ما وجدنا له قديما بعد طلبه .. وكان قد لهج بتخريج أحاديث الإحياء وله من العمر نحو العشرين، وذكر في شرح ألفيته: أن أبا محمود المقدسي سمع منه شيئًا في تلك السنة، سنة ٧٤٥ هـ (٢). وذكر أيضًا مرافقة العراقي للإمام الزيلعي في الاشتغال بالتخريج المتقدم، وتعاونهما معا، واعتبر كل هذه الأنشطة قبل تنبه العراقي لطلب الحديث على وجهه» (٣): وردنا عليه من وجوه: ١ - أنه إذا كان لم يجد سماعًا قديما للعراقي إلا على ابن شاهد الجيش وابن عبد الهادي والسبكي وابن التركماني، فإني قد وجدت له سماعا على من هو أقدم وفاة من هؤلاء جميعا وهو: محمد بن أحمد بن تمام الحنبلي الخياط المتوفى في ١٣ ربيع الأول سنة ٧٤١ هـ حيث قال العراقي عنه: «روى لنا

стр. 268

عن خلق نحو مائة وخمسين شيخا» (١). أما عدم الإعتداد بالسماع والقراءة المتقدمين بحجة وقوعهما أثناء اشتغاله بالعلوم الأخرى فيرده ما ذكره السخاوي وغيره بالنسبة للعلم الذي يعترف ابن حجر نفسه بأنه آخر علم اشتغل به العراقي قبل الاتجاه للسنة وهو علم القراءات، فقد ذكر السخاوي أن العراقي رغم توغله فيه قبل التحول للسنة، فإنه لم يكمل القراءات السبع إلا على التقي الواسطي في إحدى مجاوراته بمكة (٢) وذلك في سنة ٧٦٨ هـ كما ذكر ابن الجزري (٣) فلو كان العراقي منذ سنة ٧٤٢ هـ التي يعترف ابن حجر بسماعه للحديث بنفسه وقراءته فيها، مشتغلا عن الطلب حتى بآخر علم كان متوغلا في تحصيله للتخصص به قبل التحول للسنة، لما تأخر إكماله لتلقي القراءات السبع تلك المدة التي تقرب من ٢٦ عاما، وإنما الذي يُفهم من هذا هو العكس، أي انشغاله بطلب السنة والعمل في حقلها عما عداها، خاصة وأن الواسطي الذي انتهز العراقي فرصة مجاورته معه بمكة، مصري الدار والإقامة قبل وبعد المجاورة حتى الوفاة (٤)، بل إن ابن البابا الذي يعترف ابن حجر بقراءة

стр. 269

العراقي عليه الحديث حينئذ، كان قارئًا بالسبع، فكان من السهل إكمالها عليه بجانب دراسته للحديث عليه تبعًا لعادة العصر؛ ولكنه لم يفعل. ٣ - قد تقدم ذكر تشوق العراقي أثناء اشتغاله بالقراءات لأخذ الحديث عن أبي حيان الأندلسي المتوفى أوائل سنة ٧٤٥ هـ، وكان من آخر وظائفه مشيخة الحديث مع شهرته. كما ذكر العراقي نفسه تلقيه الحديث عن إبراهيم الرشيدي شيخه في القراءات والفقه (١) وأورد بعض ما رواه عنه في تأليفه (٢) وأثبت أيضًا قراءته على الإسنوي شيخه في الفقه والأصول بعض مسموعاته من كتب الحديث كما قدمناه. فاهتمامه بالأخذ عن المشاهير لدرجة التشوق، وأخذه الفعلي المتعدد في هذه الأثناء، ينافي الوصف بالتراخي في الطلب، حين يتحول كلية للتخصص بالسنة غاية ما هناك أنه يقال: «إن تحوله للسنة وتركيز نشاطه في مجالها، كما تفيده مثل هذه الشواهد، لم يجعله ينفض يده كلية من بقية العلوم التي كان مشتغلا بها من قبل، وليس لأحد أن يطلب منه ذلك؛ لأن معظمها يخدم تخصصه، ويعينه على التقدم والإنتاج فيه كما سبق بيانه، والعبرة في التخصص بتركيز النشاط في مجاله، دون هجر بقية العلوم، خاصة ماله اتصال به، ومساعدة عليه، كما فعل العراقي». وقد كانت عادة العصر جارية بالاشتغال بأكثر من علم بجانب التخصص،

стр. 270

حتى كان البرهان الرشيدي شيخ العراقي في الفقه والقراءات والحديث كما أسلفنا، معروفًا بعلم الطب وممارسته، وعرف أيضًا الحافظ ابن البابا أول من قرأ العراقي عليه الحديث، بعلم الطب والموسيقى كما سيجيء. أما ولع العراقي واشتغاله بتخريج (إحياء علوم الدين)، ومرافقته في ذلك الإمام كالزيلعي، وسماع محدّث متقدم عنه في الطلب كالمقدسي، كل ذلك وهو في نحو العشرين من عمره، أي بعد طلبه بنفسه وتفرغه للسنة في سنة ٧٤٢ هـ بنحو ثلاث سنوات، إن دل على شيء، فإنما يدل على التقدم الكبير لصاحبه في الطلب، وجده في الاشتغال بالفن، لكن الحافظ ابن حجر يعتبره تشاغلًا عن الطلب، حتى لا يتصادم مع دعوى التراخي التي أطلقها، ولا شك أن ذلك مجافاة منه للحقيقة والواقع كما ترى. ويواجه ابن حجر أيضًا بحقيقة تخرج شيخه العراقي في علم الحديث خلال تلك الفترة، وهذا ينافي دعوى التراخي والتشاغل عن الطلب، فما يكون منه إلا أن ينفي تَخَرَّجَ العراقي كلية، حتى لا يصادم مدعاه، فيقول كما قدمنا: «إن العراقي اشتغل بالعلوم، وأحب الحديث، لكن لم يكن له من يُخرجه على طريقة الإسناد» (١). ثم يأتي إلى من تخرج على يديه وهو الحافظ علاء الدين التركماني، فيكتفي بذكر سماع العراقي منه فقط، كما مرت نصوصه، وكما ذكر في تراجمه المتعددة للتركماني (٢).

стр. 271

ولقد كان ابن حجر أولى بإثبات حقيقة تخرج شيخه العراقي، نظرا لما سيأتي من تخرجه هو به في الفن، وفاقد الشئ لا يعطيه. ويرد أيضا على الحافظ ابن حجر في هذا ما قرره غير واحد من معاصريه وتلامذته: أن العراقي تخرج في علم الحديث بعلاء الدين بن التركماني هذا كما سيأتي تفصيله، وهو متوفى في نهاية سنة ٧٤٩ هـ كما ذكر العراقي نفسه، أو أوائل سنة ٧٥٠ هـ كما ذكر ابن حجر (١). وعليه يكون العراقي قد تخرج به خلال الفترة المشار إليها، وهذا ينفي ما يدعيه الحافظ ابن حجر من افتقاد العراقي من يخرجه، وتراخيه وتشاغله عن طلب السنة على الوجه المطلوب خلال الفترة من سنة ٧٤٢ هـ إلى ٧٥٢ هـ. وبالنسبة لالتقاء العراقي بابن جماعة وتوجيهه له نحو التفرغ للسنة، كان لابد لابن حجر أيضا أن يضعه في الزمان والإطار الذي يطابق مدعاه، نظرا لأنه معترف مع غيره، بأن ابن جماعة كان المحول الأول للعراقي نحو الاختصاص بالسنة، وأنه ركز نشاطه فعلا لملازمة طلبها ودراستها على أتم وجه بلا تراخ ولا تشاغل، منذ توجيه ابن جماعة له، فلو سلم بما اتفق عليه ابن فهد وغيره، من أن توجيهه للعراقي كان سنة ٧٤٢ هـ لبطلت دعوى التراخي والتشاغل، أو ما يمكن تسميته بعدم المنهجية في الاشتغال والتحصيل الذي قام به العراقي فعلا خلال تلك الفترة. لهذا أسرع الحافظ ابن حجر إلى تقرير أن التقاء ابن جماعة بالعراقي وتوجيهه للسنة لم يكن في سنة ٧٤٢ هـ، كما صرح ابن فهد وكما يفهم من سياق

стр. 272

غيره، بل كان متأخرا عن ذلك مدة السنوات العشر التي يريد نسبة العراقي فيها للتراخي والتشاغل، ثم عمد إلى شواهد نشاطه وتحصيله فيها، فاعتبرها بعيدة عن المنهجية، حتى تَتَجَرَّدَ من قيمتها، وذلك بتقريره ضمن دواعي توجيه ابن جماعة للعراقي نحو الحديث، ما رأى من حرصه على الحديث وتحصيله، لكن على غير المنهج المطلوب، ثم أعقب ذلك بدليله الوحيد على تلك الدعوى العريضة، وعبر عن ذلك كله، بعد ذكر خطوات العراقي السابقة من الاشتغال بالعلوم والسماع للحديث، وتأليف التخريج فقال: «وكان مفرط الذكاء» فأشار عليه القاضي عز الدين ابن جماعة بطلب الحديث؛ لما رآه مكبًا على تحصيله، وعرفه الطريق في ذلك، فطلبه على وجهه بعد الخمسين، ولو كان طلب قبل ذلك لأدرك الإسناد العالي، فإنه كان يمكنه السماع من ابن المصري خاتمة أصحابه ابن الجميزي (١)، وابن رواج (٢) بالإجازة، ومن جمع من أصحاب النجيب، وابن عبد الدايم (٣). وقد نقل ابن قاضي شهبة (٤) والغزي (٥) ذلك دون عزوه لابن حجر، وأقراه، وعبر ابن حجر أيضًا عن ذلك بعد أن ذكر إفتقاد العراقي لمن يُخرجه في الحديث، ثم اشتغاله المبكر بتخريج «الإحياء» والسماع الحديث لغيره سنة

стр. 273

٧٤٥ هـ واشتغاله بالقراءات فقال: (ثم نبهه القاضي عز الدين ابن جماعة لما رأى من حرصه على الحديث، وجمعه على طريقة أهله، فحبب له ذلك ولازمه، وأكب عليه من سنة اثنتين وخمسين، أي وسبعمائة). فأعلا من أخذ عنه بنفسه أبو الفتح الميدومي، مع أنه كان يمكنه أن يأخذ من خلق كثير من أصحاب النجيب، ممن هو أكثر سماعًا من الميدومي (١)، وقد أخذ السخاوي هذا الخيط من شيخه ابن حجر ومده فقال في بيان طلب العراقي بعد توجيه ابن جماعة له: «فمن شيوخه بالقاهرة الميدومي، وهو من أعلا شيوخه سندا، وليس عنده من أصحاب النجيب غيره، وبذلك استدل شيخنا على تراخي جده في الطلب عن سنة اثنتين وأربعين، أي وسبعمائة، - التي كان ابتداء قراءته فيها - عشر سنين؛ لأنه لو استمر من الأوان الأول لأدرك جمعًا من أصحاب النجيب، وابن عبد الدايم وابن علاق وغيرهما» (٢). أما الشوكاني فذكر إكباب العراقي على الحديث منذ سنة ٧٥٢ هـ دون عزوه ذلك لابن حجر، وأقره (٣). وردنا على ابن حجر ومن تبعه في تقدير تأخر لقاء ابن جماعة بالعراقي وصرفه للتخصص بالسنة عشر سنين تقريبا من سنة ٧٤٢ هـ إلى سنة ٧٥٢ هـ نبدؤه من نفس بيان ابن حجر لموقف ابن جماعة من العراقي حينذاك؛ حيث يذكر كما مر، أنه عرفه الطريق لطلب الحديث، وجمعه على طريقة أهله فطلبه على وجهه، وهذا يطابق حالة بدء الطلب المعترف منه ومن غيره

стр. 274

صراحة وضمنا، بأنه كان في سنة ٧٤٢ هـ، لاحالة الجد فيه بعد ممارسة أهم وجوهه من السماع والقراءة بنفسه - ولو بصفة متقطعة، كما يدعي ابن حجر - طيلة عشر سنين، ويزداد عدم التطابق بين ما ذكره ﵀ وبين حالة العراقي في سنة ٧٥٢ هـ التي يدعي هو ومن تبعه حدوث التوجيه فيها، إذا راعينا ما تقدم إثباته، من تخرج العراقي في علم الحديث قبل نهاية سنة ٧٤٩ هـ على الأقل، وشروعه في التأليف فيه، وإسماعه، منذ سنة ٧٤٥ هـ؛ إذ كيف يتخرج شخص في علم على يد أهله، قبل أن يعرف الطريق الصحيح لطلبه ودون أن يجري على منهج أهله. وكيف يثق مُحدِّث في درجة شيوخ العراقي، في السماع منه، ويثق آخر في التعاون العلمي معه، وهو بهذه الحالة التي يصوره عليها ابن حجر حينذاك؟، وكيف يحوز تأليفه في هذه الآونة ثناء كبار شيوخه كما سيأتي، وهو صادر ممن لم يتمرس بعد بالفن، ولم يطلبه على وجهه؟ ومن أجل هذا وما سيظهر غيره في عرضنا لأنشطة العراقي تلك، يُعد ما قرره ابن حجر ومن تبعه بشأن العراقي في تلك الفترة مبالغا فيه كثيرًا، ومناقضا لواقع حاله وأعماله. وأما دليل ابن حجر ومن تبعه على دعوى التأخر والتشاغل بعدم تحصيل العراقي للسماع الكثير من ذوي السند العالي مع إمكانه، فهو دليل منظور فيه. فبالنسبة ليحيى ابن المصري، يرجع فوات سماعه منه لمرحلة ما قبل طلبه بنفسه، وهو غير مسئول عنها كما أوضحنا، ولذلك أرجع السخاوي مسئولية فوات السماع من ابن المصري وأمثاله إلى والد العراقي لا إليه هو (١).

стр. 275

ولئن كان قد فاته بتقصير غيره السّماع من ابن المصري هذا، لحديث السّلفي عاليا بالإجازة كما يبين ابن حجر والسّخاوي (١)، فإنه استطاع بجده في الطلب بنفسه، السّماع من التّاج بن موسى، آخر من كان يروي حديث السّلفي بالسّماع المتّصل، كما بين السّخاوي (٢) والسّماع ولو نزل، خير من الإجازة العالية (٣). وبالنّسبة لعدم سماعه من كثيرين من أصحاب النّجيب، فإن ابن فهد قد ذكره أيضا، لكن لم يعتبره دليلا ولا بعض دليل على تأخر العراقي في طلب الحديث على وجهه، طيلة عشر سنين كما اعتبره ابن حجر ومن تبعه (٤). بل لقد سمع من العراقي وهو دون العشرين من عمره بعض من سمع على النّجيب هذا كما سيأتي. ونستطيع نحن أيضا بعد ابن فهد القول: بأن فوات سماعه من كثيرين من أصحاب ابن عبد الدايم وابن علاق وغيرهم من ذوي الإسناد العالي، لا ينهض دليلا ولا بعض دليل على تأخر العراقي في الطلب بالصورة التي يراها ابن حجر كما أوضحتها، وذلك لوجود أنشطته الأخرى خلال تلك المدة، سواء في مجال الطلب والتّحصيل، أو في مجال الإنتاج كما أشرنا، وكما سيأتي تفصيله، وهي أنشطة لا يضيرها كما أوضحنا تهوين ابن حجر لبعضها وإلغاؤه للبعض الآخر، ومجموعها كاف لرد دعواه هو ومن تبعه، وكاف في

стр. 276

الدلالة على تركز نشاط العراقي في علوم السنة، وتقدمه في تحصيلها أكثر من دلالة كثرة الأسانيد العالية التي هي من الفروع لا من الأصول. حتى لقد عدها الحافظ ابن كثير شيخ العراقي قليلة الجدوى بالنسبة لباقي علوم السنة (١). بل إن ابن حجر نفسه انتقد انشغال المتأخرين بها عن الأهم من باقي علوم السنة، وقال ابن دقيق العيد: «أن رغبتهم فيها أدت إلى خلل كثير في الصنعة، بالإعراض عمن طلب العلم بنفسه بتمييزه، إلى من أُجْلِسَ صغيرا لا تمييز له، ولا ضبط ولا فهم، طلبا للعلو وتقدم السماع» (٢). فإذا كان قد فاته في هذه المرحلة الإكثار من الرواية العالية، فإنه لم يفته الأهم، وهو الدراية الجيدة حيث تمرس بالبحث في كتب السنة وتتلمذ لأهل الفن حتى تأهل للتخرج في علومها على يد بعضهم ورافق بعضهم في التأليف الجيد الضخم كما سيأتي. كما لم يفته تحصيل كثير من المرويات بالسماع وغيره من طرق التلقي، ولو بالوجادة، كما يظهر من مئات المراجع وأمهات مصادر السنة التي اعتمد عليها في تخريج (الإحياء الكبير) الذي فرغ من مسودته كما سيأتي سنة ٧٥١ هـ أي قبل التاريخ الذي يدعي الحافظ ابن حجر ابتداء طلبه الجاد فيه بعام تقريبا. على أن ما أثاره ابن حجر ومن تبعه حول تلك المرحلة من مسيرة العراقي في

стр. 277

مجال السنة حتى اضطرنا لإطالة الوقوف معه للرد والتصحيح، ينبغي التنبيه إلى أنه لا ينال من تكوين الشخصية الحديثية المتكاملة للعراقي. وذلك لأنه بالإضافة لما أشرنا له من أنشطة تنوب بكفاءة عن كثرة السند العالي، فإن ابن حجر نفسه قد أدرك - فيما يبدو - إتساع دعوى التراخي عن الطلب التي أطلقها، وما نتج عنها من تناقض مع الواقع، فضيقها بالاستدراك عليها بذكر نهوض العراقي للأخذ بكثرة عن عدد من الشيوخ يعتبرون خاتمة الرواة عن أصحاب السند العالي المتقدم إستدلاله بهم على دعواه وأمثالهم فقال: لكنه أدرك لما طلب: الميدومي خاتمة أصحاب النجيب فأكثر عنه، ثم رحل فأدرك ابن الخباز خاتمة أصحاب ابن عبد الدايم وهو أيضًا خاتمة أصحاب ابن علاق (١)، والمرداوي خاتمة أصحاب الكرماني، فأخذ عنهم وعن غيرهم (٢). وبهذا الاستدراك خفف من حدة ما أثاره قبل، حول شيخه في تلك المرحلة، وهون من تأثيره، حتى على جانب الرواية عنده، وكأنه يقول: إنه وإن فاتته كثرة الرواية بتلك الأسانيد العالية، فلم يفته أصل العلو كلية. وسيأتي أيضًا شهادته مع غيره، بأن ذلك لم يحل دون استحقاق العراقي لقب الحافظ الكامل بجدارة. ومما ينبغي ذكره كذلك، أن ابن حجر نفسه تعرض في بداية طلبه للعلم عمومًا وللسنة خصوصًا لإهمال وتراخ معترف بهما بلا شك منه، ومن غيره، وبصورة لا يُذكر بجانبها ما تعرض له شيخه (٣).

стр. 278

ومع ذلك إستطاع بهمته تعويض ما فاته، حتى صار حافظ الدنيا بعد شيخه. ولست أستبعد أن يكون لإحساسه الشخصي بما تعرض له في حياته دخل في إثارة مثله بالنسبة لشيخه، كإشارة ذكية منه إلى أن ذلك لا يضيره أمام ناقديه، كما لم يضر شيخه المتفق على إمامته في علوم السنة، ثم إن العراقي قد أدرك بجانب خاتمة أصحاب الأسانيد العالية المتقدم ذكرهم، الجيل التالي لهم، وضاعف جهده في الأخذ عن ثقاته حتى شهد له تلميذه تقي الدين الفاسي بأن مسموعاته وشيوخه ليست كثيرة فحسب، بل في غاية الكثرة (١). ثم أمد الله له في العمر بعد وفاة عامة شيوخه، فانفرد بكثير من مروياته، وصار كثير من أسانيده أعلا ما يوجد في عصره مطلقا على وجه الأرض، مع الثقة والاتصال كما تقدم نقله عنه غير مرة (٢). وشهد له به غير واحد من تلاميذه البارزين، مثل ابن حجر نفسه، الذي خرج له كثيرًا من عواليه كما سيأتي، ومثل سبط ابن العجمي الذي لازمه - كابن حجر. نحوا من عشر سنين، فقد قال عنه إنه انفرد بالمعرفة في فن الحديث مع العلو (٣)، ومثل محمد ابن الجزري عالم القراءات والحديث المتوفى سنة ٨٣٣ هـ (٤)، والمشارك له في الأخذ عن بعض شيوخه، حيث يقول: إنه لم يكن في عصره أعلا منه في أقطار البلاد (٥).

стр. 279

النتيجة العامة: وبعد أن حاولت وضع تلك المرحلة الأولى من طلب العراقي للسنة بنفسه في إطارها المعتدل، ورددت بالأدلة ما ألصق بها من هنات، أستطيع القول: بأن العراقي لم يتأخر اهتمامه بطلب الحديث على الوجه المطلوب إلى سنة ٧٥٢ هـ كما ذهب إلى ذلك ابن حجر ومن تبعه، بل بدأ الطلب بجد قبل ذلك بنحو عشر سنوات، فكانت سنة ٧٤٢ هـ هي السنة الحاسمة التي وضع فيها نشاطه في علوم السنة في إطاره ومساره الصحيحين، حيث التقى فيها بشيخه عز الدين بن جماعة، وتحول على يديه من التوغل في علم القراءات إلى التخصص بعلوم السنة، وإن أعطى غيرها من العلوم بعض عنايته ووقته، لكنه ركز جهوده في محيط السنة، وانطلق في طلبها بكل همة وحرص، وعلى الوجه المطلوب، من سماع وقراءة وكتابة وحفظ وفهم، حتى تخرج وألف، ثم رحل وواصل تقدمه في مجالها بخطى ثابتة كما سنفصله.

стр. 280

دراسة العراقي لعلوم السنة وتخرجه فيها وشيوخه وعلى ضوء ما تقدم نجد أن العراقي لما استجاب لإشارة شيخه عز الدين ابن جماعة في سنة ٧٤٢ هـ بصرف همته للإختصاص بالسنة، فإن الشيخ بين له، المنهج الصحيح لطلبها حتى يلتزمه، وجمعه على الطريقة المعتادة لأهل الحديث حينئذ (١) حتى يلازمهم، وباشر بنفسه التدريس له، وأدام العناية به كما سنفصله. ومنذ ذلك التوجيه التاريخي في حياة العراقي، بدأ المرحلة الأساسية لدراسة السنة، واستمر فيها نحو ١٢ عامًا حتى سنة ٧٥٤ هـ حيث كانت أولى رحلاته الدراسية خارج مصر كما سيأتي. وفي تلك المرحلة لازم العراقي فعلا أهل الحديث أساتذة وطلابا، وجرى على منهج الطلب المعتاد والمصطلح علميا عليه (٢). فبعد تصحيح النية، واستعانة الله تعالى، وتوطيد العزم، ومعرفة كيفية الطلب، اتجه بلا توان إلى القراءة بنفسه، والسماع، وملازمة الشيوخ الثقات وذوي الإسناد العالي في موطنه، مع العناية بعلوم الدراية بجانب الرواية. ويظهر أن العراقي انتقل في هذه الأثناء من منشاة المهراني التي ولد بها على شاطئ النيل إلى الإقامة بظاهر القاهرة في أقصى جنوبها الشرقي، وذلك.

стр. 281

بخانقاة للصوفية، كانت تقع فيما بين قلعة صلاح الدين الحالية، وقبة النصر تجاه جبل المقطم، وقد أنشأها الأمير المملوكي طَغَيْتُمر، أو طغاي تمر بن عبد الله النجمي الدويدار المتوفى قتيلا سنة ٧٤٨ هـ، ورتب بها عدة من الصوفية وجعل شيخهم برهان الدين الرشيدي (١)، وهو شيخ العراقي في الفقه والقراءات، والحديث كما قدمنا، فكان العراقي على ما يبدو ممن ترتب بها، كما يشير لذلك تلميذه ابن حجر في ترجمة نور الدين الهيثمي صهر العراقي ورفيق عمره فيقول: «ولد سنة ٧٣٥ هـ ونشأ بالصحراء بجوار خانقاه طغيتمر، واتفق أن شيخنا العراقي كان قد أقام بها، فخدمه، وهو - أي الهيثمي - ابن عشر سنين أو أكثر بقليل (٢)، وقد يسرت له تلك الإقامة الجديدة التردد على علماء السنة، ومُسنديها بمدينتي مصر والقاهرة؛ نظرًا لقرب هذا المكان من معظم مدارس ومساجد المدينتين، ويجدر هنا التنبيه إلى أن تلك الخانقاه التي ارتبطت بها حياة العراقي ونشاطه العلمي تعددت تسميتها منذ عصره، حتى من الشخص الواحد في الكتاب الواحد (٣)، فاشتبهت لذلك على بعض

стр. 282

المحققين في عصرنا بخانقاة أرسلان الدوادار، التي وُلِد العراقي ونشأ أيضًا بجوارها في منشاة المهراني كما تقدم، فعدهما واحدة (١)، والصواب أنهما اثنتان: الأولى كانت في أقصى جنوب شرق القاهرة بالصحراء، والثانية في أقصى جنوب غرب القاهرة على شاطئ النيل كما مر ذكره، وقد مُحيت الأولى من الوجود كالثانية» (٢). وقد طالت إقامة العراقي بخانقاه طغيتمر هذه، إلى أن عُين بقضاء المدينة المنورة سنة ٧٨٨ هـ كما سيأتي، فارتبطت بها حياته الأسرية والعلمية خلال تلك الفترة، فأشار لولادة ابنه أحمد بها سنة ٧٦٢ هـ (٣) وأثبت فراغه من شرح «ألفيته في المصطلح بها سنة ٧٧١ هـ، فخلد ذكرها فيه (٤) وسيأتي سماعه هو

стр. 283

وبعض أولاده أحد كتب علوم السنة بها سنة ٧٧٤ هـ ودفنت خلفها زوجته الأولى سنة ٧٨٣ هـ كما سبق ذكره». وقد بدأ العراقي دراسته للسنة على العادة بحفظ كتاب «مختصر في الحديث» وهو كتاب «الإلمام بأحاديث الأحكام» (١) تأليف إمام عصره، تقي الدين بن دقيق العيد المتوفى سنة ٧٠٢ هـ، وقد جمعه مما صححه، أو زكى رواته أحد من أئمة الحديث، مع حذف السند للاختصار، وهو يقع في مجلد عادي مخطوط وقد كان في عصر العراقي محل عناية الدارسين ومعتمد العلماء (٢) حتى أوصى الذهبي طلاب الحديث الاهتمام بحفظه ودرسه (٣). ولهذا بدأ العراقي بحفظه، وذكر لتلميذه ابن حجر أنه حفظ منه ٤٠٠ سطر في يوم واحد، فاستدل ابن حجر وغيره بذلك على تمتع العراقي بجانب فرط الذكاء، بملكة الحفظ وسرعته (٤). وقد ذكر العراقي أنه قرأ أكثر هذا الكتاب على شهاب الدين أحمد بن أبي الفرج المشهور بابن البابا المتوفى في العشر الأخير من شوال سنة ٧٤٩ هـ (٥)،

стр. 284

وأقره تلميذه ابن فهد (١). ولعل تلك القراءة صاحبت حفظه للكتاب، كما فعل فيما حفظه من كتاب «الحاوي الصغير» في الفقه، حيث اشتغل بحفظه أثناء دراسته على شيخه الرشيدي كما تقدم. وقد ذكر المؤرخون أن ابن البابا كان أول شيخ قرأ العراقي عليه الحديث عند طلبه بنفسه ٧٤٢ هـ (٢)، فلعلهم يقصدون إلى قراءته هذه لمعظم «الإلمام» عليه، ويضيف العراقي إلى القراءة قوله: «واستفدت منه كثيرًا» (٣). وهذه العبارة صريحة في بيان نشاطه منذ بدأ الطلب بنفسه سنة ٧٤٢ هـ في تحصيل علوم السنة من علمائها على الوجه المطلوب، بعكس ما يدعي ابن حجر ومن تبعه؛ حيث كان ابن البابا كما سيأتي يعمل بتدريس الحديث، ومن حفاظه الجامعين بين الرواية والدراية، كما يعتبر كتاب «الإلمام» المذكور من عوالي مسموعاته؛ لأنه من تلاميذ ابن دقيق العيد مؤلف الكتاب (٤)، وبين قراءة العراقي عليه سنة ٧٤٢ هـ، ووفاة ابن دقيق العيد سنة ٧٠٢ هـ نحو ٤٠ سنة، وهذا يُعرف في الاصطلاح بالعلو بتقدم وفاة المروي عنه (٥). فتكون قراءة العراقي عليه دليل حرصه على تحصيل عوالي المرويات أولا كما

стр. 285

تقضي قواعد طلب الحديث (١)، ولعل هذا أيضا يفسر لنا لماذا كان الحافظ ابن البابا أول من قرأ العراقي عليه الحديث، ولم يكن عز الدين ابن جماعة صاحب الفكرة والتوجيه الأول؛ لأن من آداب المحدث أن يوجه الطالب للرواية إلى من يعلم أنه أرجح منه في المطلوب، من علو السند، أو اتصال روايته بالسماع، وغير ذلك من المرجحات (٢). فلا يبعد إذن أن تكون قراءة العراقي لهذا الكتاب على ابن البابا واستفادته الكثيرة منه بتوجيه من ابن جماعة نفسه ضمن بيانه للعراقي المنهج الصحيح لطلب السنة كما قدمنا، وهذا أيضا مما يرد دعوى ابن حجر: أن العراقي لم يطلب الحديث على وجهه منذ البداية، وأنه لم يلتق بابن جماعة إلا مؤخرا، وسيأتي تلقيه عنه عوالي مروياته. وبعد تلك البداية المعتادة نجد العراقي يجري على قواعد الطلب أيضا، فيبادر بسماع صحيح البخاري لترجيحه، ولما في تبويبه من فقه السنة، ثم بسماع صحيح مسلم (٣). فبالنسبة لصحيح البخاري، سمعه بالقاهرة على عبد الرحيم بن عبد الله بن يوسف الأنصاري المعروف بابن شاهد الجيش، والمتوفى في ٧ من ربيع الأول سنة ٧٤٦ هـ، وهو آخر من حدث بصحيح البخاري عاليا من طريق المصريين (٤).
следующие страницы →