بخانقاة للصوفية، كانت تقع فيما بين قلعة صلاح الدين الحالية، وقبة النصر تجاه جبل المقطم، وقد أنشأها الأمير المملوكي طَغَيْتُمر، أو طغاي تمر بن عبد الله النجمي الدويدار المتوفى قتيلا سنة ٧٤٨ هـ، ورتب بها عدة من الصوفية وجعل شيخهم برهان الدين الرشيدي (١)، وهو شيخ العراقي في الفقه والقراءات، والحديث كما قدمنا، فكان العراقي على ما يبدو ممن ترتب بها، كما يشير لذلك تلميذه ابن حجر في ترجمة نور الدين الهيثمي صهر العراقي ورفيق عمره فيقول: «ولد سنة ٧٣٥ هـ ونشأ بالصحراء بجوار خانقاه طغيتمر، واتفق أن شيخنا العراقي كان قد أقام بها، فخدمه، وهو - أي الهيثمي - ابن عشر سنين أو أكثر بقليل (٢)، وقد يسرت له تلك الإقامة الجديدة التردد على علماء السنة، ومُسنديها بمدينتي مصر والقاهرة؛ نظرًا لقرب هذا المكان من معظم مدارس ومساجد المدينتين، ويجدر هنا التنبيه إلى أن تلك الخانقاه التي ارتبطت بها حياة العراقي ونشاطه العلمي تعددت تسميتها منذ عصره، حتى من الشخص الواحد في الكتاب الواحد (٣)، فاشتبهت لذلك على بعض
стр. 282
المحققين في عصرنا بخانقاة أرسلان الدوادار، التي وُلِد العراقي ونشأ أيضًا بجوارها في منشاة المهراني كما تقدم، فعدهما واحدة (١)، والصواب أنهما اثنتان: الأولى كانت في أقصى جنوب شرق القاهرة بالصحراء، والثانية في أقصى جنوب غرب القاهرة على شاطئ النيل كما مر ذكره، وقد مُحيت الأولى من الوجود كالثانية» (٢).
وقد طالت إقامة العراقي بخانقاه طغيتمر هذه، إلى أن عُين بقضاء المدينة المنورة سنة ٧٨٨ هـ كما سيأتي، فارتبطت بها حياته الأسرية والعلمية خلال تلك الفترة، فأشار لولادة ابنه أحمد بها سنة ٧٦٢ هـ (٣) وأثبت فراغه من شرح «ألفيته في المصطلح بها سنة ٧٧١ هـ، فخلد ذكرها فيه (٤) وسيأتي سماعه هو
стр. 283
وبعض أولاده أحد كتب علوم السنة بها سنة ٧٧٤ هـ ودفنت خلفها زوجته الأولى سنة ٧٨٣ هـ كما سبق ذكره».
وقد بدأ العراقي دراسته للسنة على العادة بحفظ كتاب «مختصر في الحديث» وهو كتاب «الإلمام بأحاديث الأحكام» (١) تأليف إمام عصره، تقي الدين بن دقيق العيد المتوفى سنة ٧٠٢ هـ، وقد جمعه مما صححه، أو زكى رواته أحد من أئمة الحديث، مع حذف السند للاختصار، وهو يقع في مجلد عادي مخطوط وقد كان في عصر العراقي محل عناية الدارسين ومعتمد العلماء (٢) حتى أوصى الذهبي طلاب الحديث الاهتمام بحفظه ودرسه (٣).
ولهذا بدأ العراقي بحفظه، وذكر لتلميذه ابن حجر أنه حفظ منه ٤٠٠ سطر في يوم واحد، فاستدل ابن حجر وغيره بذلك على تمتع العراقي بجانب فرط الذكاء، بملكة الحفظ وسرعته (٤).
وقد ذكر العراقي أنه قرأ أكثر هذا الكتاب على شهاب الدين أحمد بن أبي الفرج المشهور بابن البابا المتوفى في العشر الأخير من شوال سنة ٧٤٩ هـ (٥)،
стр. 284
وأقره تلميذه ابن فهد (١).
ولعل تلك القراءة صاحبت حفظه للكتاب، كما فعل فيما حفظه من كتاب «الحاوي الصغير» في الفقه، حيث اشتغل بحفظه أثناء دراسته على شيخه الرشيدي كما تقدم.
وقد ذكر المؤرخون أن ابن البابا كان أول شيخ قرأ العراقي عليه الحديث عند طلبه بنفسه ٧٤٢ هـ (٢)، فلعلهم يقصدون إلى قراءته هذه لمعظم «الإلمام» عليه، ويضيف العراقي إلى القراءة قوله: «واستفدت منه كثيرًا» (٣).
وهذه العبارة صريحة في بيان نشاطه منذ بدأ الطلب بنفسه سنة ٧٤٢ هـ في تحصيل علوم السنة من علمائها على الوجه المطلوب، بعكس ما يدعي ابن حجر ومن تبعه؛ حيث كان ابن البابا كما سيأتي يعمل بتدريس الحديث، ومن حفاظه الجامعين بين الرواية والدراية، كما يعتبر كتاب «الإلمام» المذكور من عوالي مسموعاته؛ لأنه من تلاميذ ابن دقيق العيد مؤلف الكتاب (٤)، وبين قراءة العراقي عليه سنة ٧٤٢ هـ، ووفاة ابن دقيق العيد سنة ٧٠٢ هـ نحو ٤٠ سنة، وهذا يُعرف في الاصطلاح بالعلو بتقدم وفاة المروي عنه (٥).
فتكون قراءة العراقي عليه دليل حرصه على تحصيل عوالي المرويات أولا كما
стр. 285
تقضي قواعد طلب الحديث (١)، ولعل هذا أيضا يفسر لنا لماذا كان الحافظ ابن البابا أول من قرأ العراقي عليه الحديث، ولم يكن عز الدين ابن جماعة صاحب الفكرة والتوجيه الأول؛ لأن من آداب المحدث أن يوجه الطالب للرواية إلى من يعلم أنه أرجح منه في المطلوب، من علو السند، أو اتصال روايته بالسماع، وغير ذلك من المرجحات (٢).
فلا يبعد إذن أن تكون قراءة العراقي لهذا الكتاب على ابن البابا واستفادته الكثيرة منه بتوجيه من ابن جماعة نفسه ضمن بيانه للعراقي المنهج الصحيح لطلب السنة كما قدمنا، وهذا أيضا مما يرد دعوى ابن حجر: أن العراقي لم يطلب الحديث على وجهه منذ البداية، وأنه لم يلتق بابن جماعة إلا مؤخرا، وسيأتي تلقيه عنه عوالي مروياته.
وبعد تلك البداية المعتادة نجد العراقي يجري على قواعد الطلب أيضا، فيبادر بسماع صحيح البخاري لترجيحه، ولما في تبويبه من فقه السنة، ثم بسماع صحيح مسلم (٣).
فبالنسبة لصحيح البخاري، سمعه بالقاهرة على عبد الرحيم بن عبد الله بن يوسف الأنصاري المعروف بابن شاهد الجيش، والمتوفى في ٧ من ربيع الأول سنة ٧٤٦ هـ، وهو آخر من حدث بصحيح البخاري عاليا من طريق المصريين (٤).
стр. 286
وقد لقبه العراقي بمسند الديار المصرية (١) وقال: «سمعت عليه صحيح البخاري» (٢).
وحدد ذلك بسنة ٧٤٥ هـ وبين أن السماع كان بقراءة شخص على الشيخ، والعراقي وغيره يسمعون (٣)، كما ذكر في مؤلفاته كثيرًا من أحاديث البخاري بروايته عنه (٤)، ونظرًا لكونه من أقدم شيوخ العراقي وفاة، وتمتع بالسند العالي حتى كان مسند الديار المصرية في وقته، فإن العراقي انتهز فرصة حياته واستطاع بسعيه الدائب أن ينفرد بالسماع الشفاهي منه لبعض عواليه غير صحيح البخاري، مثل «المعجم الكبير» للطبراني، فقد روى بعض أحاديث المعجم عن أحد شيوخه المتأخرين ثم قال: «وأخبرني به عاليا أبو علي عبد الرحيم ابن عبد الله بن يوسف الأنصاري مشافهة» (٥).
وتجدر الإشارة إلى أن السخاوي ذكر انفراد العراقي عن رفيقه نور الدين الهيثمي بالتلمذة على ابن شاهد الجيش (٦)، وسيأتي في التعريف بالهيثمي رد ذلك إن شاء الله.
стр. 287
أما صحيح مسلم فقد صرح بسماع بعضه (١)، بينما صرح المؤرخون بسماعه كله (٢)، فلعلهم تجوزوا، وقد كان السماع بمدينة مصر خلال سنة ٧٤٧ هـ تقريبا، على المسند المعمر زين الدين عبد الرحمن بن عبد الهادي المقدسي الحنبلي المتوفى بالشام سنة ٧٤٩ هـ، والذي تفرّد في وقته بسماع صحيح مسلم عن ابن عبد الدايم، حتى ذكر العراقي أن أحد أمراء المماليك أحضره من الشام إلى القاهرة، وهو في أواخر حياته، وسمع عليه صحيح مسلم، وذلك من مظاهر العصر في اهتمام الحكام بالسنة، ثم ذكر تنقل الشيخ في عدة أماكن بمصر والقاهرة، فحدث بصحيح مسلم، وسمعه عليه خلائق، منهم العراقي، وقد اضطر مسجل السامعين على الشيخ بالمدرسة الصالحية إلى ترتيبهم على حروف المعجم لكثرتهم (٣)، حتى يسهل وقوف كل منهم على إثبات سماعه كما أشرنا من قبل في كيفية طلب الحديث، ومع هذا التزاحم الدال أيضًا على كثرة طلاب السنة حينئذ، استطاع العراقي بهمته أن يحصل من ابن عبد الهادي على إذن شفاهي له خاصة بالرواية عنه، وروى به فعلا عنه في بعض مؤلفاته (٤)، وبذلك اتصل سنده بمرويات هذا المسند الكبير من الصحيح وغيره، بل استطاع أن يسمع عليه بعض كتب السنة النادرة مثل «الترغيب والترهيب» للرازي، وبعض ما انفرد بسماعه عن مؤلفيه
стр. 288
ك (الأربعين النووية) حيث كان آخر من حدث عن النووي بالسماع (١).
وقد ذكر ابن حجر والسخاوي انفراد الهيثمي عن العراقي بسماع صحيح مسلم على ابن عبد الهادي، مع أنهما أيضًا ذكرا كغيرهما، سماع العراقي من ابن عبد الهادي (٢)، فلعل مرادهما انفراد الهيثمي بسماع الكتاب كاملا.
ولم تقف همة العراقي عند جانب الرواية بأنواعها من السماع والقراءة للمصادر الأصلية والفرعية للسنة على ذوي السند العالي والإجازة منهم كما رأيت، بل اهتم أيضًا بالتلمذة على حفاظ السنة، الجامعين بين الرواية والدراية بأحوال السند والمتن وفقه السنة، لينتفع بهم في تحصيل الأمرين معًا كما تقضي قواعد دراسة السنة وعُرف العصر (٣)، ولهذا فإنه بجانب سابق استفادته الكثيرة من الحافظ ابن البابا، اتجه لحافظ آخر من أعلام القاهرة في عصره، وهو قاضي القضاة علاء الدين بن التركماني المتوفى سنة ٧٥٠ هـ على الأكثر، وقال عنه: (سمعت عليه صحيح البخاري، وصنّف كُتبًا مفيدة) وذكرها (٤).
ويذكر المؤرخون أن هذا السماع كان مصاحبًا لسماعه المتقدم للبخاري أيضًا على ابن شاهد الجيش (٥)، والذي أرخه سنة ٧٤٥ هـ، فكأنه كان يتردد على
стр. 289
مجالسهما معا، وذلك من أجلى صور عنايته بتحصيل الرواية والدراية جنبًا إلى جنب؛ ذلك أن سماع الكتاب الواحد على أكثر من شيخ كما فعل، يرجع إجمالا إلى أمرين:
أحدهما: تعدد روايات الكتاب عن مؤلفه في المتن، بحيث يوجد في بعض الروايات ما ليس في غيرها (١)، وفي الإسناد، بحيث يكون بعضها أعلا أو أوثق من بعض، كاتصال بعضها بالسماع والآخر بالإجازة، ووجود مجروح في سند بعضها دون الآخر، ونحو ذلك من المميزات والعلل، وهي لا تجتمع لشيخ واحد بعد مؤلف الكتاب، كالإمام البخاري أو الرامهرمزي وغيرهما.
ثانيهما: تفاوت العلماء المشتغلين بنشر علوم السنة وتعليمها، وقد قال البخاري: «إذا سمع الحديث من رجل، ووجد من هو أعلم منه، فالسنة أن يسمع عنه (٢)» وفي عصر العراقي، كان المشتغلون بالسنة متفاوتين: فمنهم المسند - بكسر النون - أو الراوي، ومهمته الرواية لغيره، بأن يؤدي المرويات الحديثية بسندها - لا سيما العالي الموثق - كما تحملها عن شيوخه مضبوطة محررة، دون أن يتعرض لغير ذلك من علوم السنة، كما سنوضحه في ألقاب العراقي.
ومنهم من يعني ببيان علوم السنة بجانب الرواية لما تحمله عن شيوخه أيضًا، وهذا يُلقب بالمحدّث أو الحافظ كما سنوضحه أيضًا (٣).
стр. 290
كذلك كانت قواعد التوثيق والتجريح للرواة الأول للسنة، تطبق على المشتغلين بها بعدهم، من المسندين والمحدثين والحفاظ، حتى عصر العراقي (١).
ولهذا كله، وجدنا العراقي يكرر التلقي عن أكثر من شيخ للكتاب الواحد من أمهات أو فروع مصادر السنة، في الرواية والدراية، كما نرى بالنسبة لصحيح البخاري وكما سيأتي بالنسبة لغيره، وذلك لتحصيل المميزات العلمية، وجبر النقص أو الضعف، وقد أشار العراقي بنفسه إلى ذلك، فقال عن شيخه محمد بن أبي القاسم بن مظفر الفارقي المتوفى سنة ٧٦١ هـ: «وكان قد اعتنى بطلب الحديث، فقرأ بنفسه، وكتب، ورحل، وأفاد، وكان أحد الشهود المعدلين بالقاهرة، إلا أني سمعت من يتكلم فيه في الشهادة، فلذلك قرنته في الرواية بأبي الحرم القلانسي» (٢) والقلانسي أحد شيوخ العراقي الثقات، وتأخرت وفاته عن الفارقي إلى سنة ٧٦٥ هـ (٣)، فلعل العراقي أعاد عليه مروياته السابقة، أو تلقى عنهما في زمن متقارب، بالتردد عليهما جبرا لجرح الأول، كما تقضي قواعد النقد للرواة، ومصداق ذلك موجود في مؤلفات العراقي عند روايته عن الفارقي (٤).
أما سماعه البخاري على ابن التركماني مع سماعه أيضًا على ابن شاهد
стр. 291
الجيش، فيرجع إلى أن الأخير كان مسندا فقط، مهمته الرواية وميزته أنه آخر من حدث بالكتاب عاليا من طريق المصريين، فاستفاد العراقي منه جانب الرواية مع العلو، وأما ابن التركماني، فكان مُحدثا حافظا، مهمته الأولى الدراية بالشرح والبيان، وبذلك يتميز عن المسند، فيحتاج العراقي للتلقي عنه، ولو بسند نازل؛ ليستفيد منه بحث السند والمتن، ودراية أحكامهما، بجانب الرواية، وبهذا يحصل بسماعه من كل منهما ما لم يحصله من الآخر، ويجتمع له منهما، جانبي الرواية والدراية، كما تقضي قواعد دراسة السنة على الوجه المنشود، بل إننا نجده يقرأ هذا الصحيح كاملا بنفسه بعد ذلك على قاضي القضاة محمد بن عبد البر السبكي المتوفى بظاهر دمشق سنة ٧٧٧ هـ (١).
والتماس الميزة لذلك أيضا يسير، فإن رواية ابن شاهد الجيش، من طريق «كريمة المروزية» ومع علوها ليست متصلة له بالسماع (٢)، وقد تلقاها العراقي عنه بالسماع عليه، أما رواية السبكي فهي من طريق آخر، واتصلت له بالسماع (٣).
وقد تلقاها العراقي بقراءته بنفسه عليه، والسبكي أيضا من أهل الدراية، وهكذا يجتمع للعراقي بالسماع والقراءة والدراسة المتعددة للكتاب الواحد على عدة شيوخ كثير من ميزات الرواية وفوائد الدراية، فيضاعف رصيده وتجود وتعلو أسانيده، وتتكامل ثقافته الحديثية، وقد وجد من معاصريه من
стр. 292
امتدح بسماع البخاري على ١٨ شيخا (١).
وإذا كان سماع العراقي صحيح البخاري على الحافظ ابن التركماني، قد صاحب سماعه على ابن شاهد الجيش سنة ٧٤٥ هـ كما مر، فذلك يفيد أنه تتلمذ لهذا الحافظ، عقب اتجاهه للتخصص بالسنة، وطلبها بنفسه سنة ٧٤٢ هـ بقليل، وهذا مما يدفع القول بتشاغله عن الطلب حينذاك، خاصة إذا لاحظنا سابق تلمذته للحافظ ابن البابا، وكثرة استفادته منه، كما أن تلمذته لابن التركماني لم تقتصر على سماع البخاري وبحثه عليه كما هو شأن السماع على الحافظ، وإنما يذكر المؤرخون أنه أخذ عنه علم الحديث، وانتفع منه، وتخرج به (٢).
وهذا يدل على ملازمته له ومواظبته على دروسه، حتى يتمكن من الانتفاع بعلمه، ومن أخذ علم الحديث عنه، وهو علم المصطلح بفنونه المختلفة كما تقدمت في الباب الأول، وقد كان لابن التركماني عناية خاصة به، وألف فيه ما شهد العراقي بوفائه بالمقصود كما سيأتي.
ولما كان ابن التركماني قد توفى على - أقصى تقدير - في مطلع سنة ٧٥٠ هـ
فإن ذلك يقضي بأن يكون العراقي قد درس عليه فنون الحديث ومصطلحه، ثم تخرج على يديه خلال سنة ٧٤٩ هـ على أقصى تقدير أيضاً، وهذا مما يدفع دعوى ابن حجر المتقدمة بأن العراقي لم يطلب الحديث كما ينبغي، وأنه لم
стр. 293
يتفرغ له إلا سنة ٧٥٢ هـ، أي بعد أقصى تقدير لتخرجه هذا بنحو ثلاث سنين.
ووجه الدفع: «أن تلقي فنون الحديث ومصطلحه عن هذا الحافظ الناقد وشهادته للعراقي ببلوغ درجة التخرج التي تعني الصلاحية لإفادة علوم السنة رواية ودراية، دليلان واضحان على أنه قد قطع مرحلة كبيرة من الطلب، ولازم مخرجه قبل سنة ٧٤٩ هـ هذه، وأبدى له من النشاط في الدراسة والمواظبة على البحث والتحصيل، ما يصل به لمستوى التخرج، ويجعله مستحقًا له».
وقد أشار العراقي بنفسه فضلًا عن غيره إلى صور لنشاطه المتعدد في تلك الفترة، بجانب تلمذته لابن التركماني.
فهو يقول عن رفيقه في طلب السنة، عز الدين ابن التركماني أخو شيخه ومخرجه: (قرأ و كَتَبَ وأفاد، وسمع معنا من جماعة من شيوخنا، وغيرهم .. ثم ذكر وفاته سنة ٧٤٩ هـ) (١) وهذا يدل على أن مرافقته للعراقي في الطلب كانت متقدمة كثيرًا على تاريخ وفاته المذكور، بحيث يتسنى له كثرة السماع المشار إليها، والقراءة والكتابة للسنة ثم إفادة غيره، وقول العراقي: «سمع معنا من جماعة من شيوخنا» يدل على نشاطه هو الواسع حينئذ في تحصيل السنة وسماعها، ومرافقة طلابها المجدين في التردد على كثير من الشيوخ، حتى إن من شاركه في السماع منهم يعدون جماعة، فضلًا عن غيرهم ممن انفرد هو عن رفيقه بالأخذ عنهم.
стр. 294
كذلك وجد من شيوخه الذين سمع منهم بالقاهرة من توفى سنة ٧٤٩ هـ كأبي القاسم محمد بن محمد بن محمد بن أحمد بن سيد الناس (١) وبرهان الدين الرشيدي المتقدم ذكره، وهذا يدل على تقدم سماعه منهما عن تاريخ وفاتيهما أيضًا بل إني وجدت نشاطه في الطلب حينئذ قد تعدى مدينتي مصر والقاهرة رغم تكاثر شيوخ الحديث بهما، فسعى لتحصيل الإجازات بعامة مرويات ذوي السند العالي من شيوخ الإسكندرية، مركز السنة الثالث آنذاك بالديار المصرية، فقد قال عن عبد الله بن أحمد بن هبة الله بن البوري: «سمع منه الزيلعي والبنا، وكتب إلينا بالإجازة من الثغر» وقال مثل ذلك أيضًا عن: علي بن عبد الوهاب بن الحسين بن الفرات الإسكندري، ثم ذكر وفاتيهما في سنة ٧٤٩ هـ (٢) ويلاحظ أن كلا من الزيلعي والبنا كانا من رفقاء العراقي في الاشتغال بالسنة كما سيأتي.
وبموجب مثل هاتين الإجازتين اتصل سند العراقي بمرويات عديدة من أمهات وفروع كتب السنة في الرواية والدراية، التي لم يتح له حينئذ الرحلة لرواتها بالإسكندرية وتلقيها، من أفواههم.
وقد أورد فعلا فيما ألفه في السنة بعض مروياته بإجازة ابن الفرات المتقدم
стр. 295
فقال: «وكتب إلي من ثغر الإسكندرية: علي بن عبد الوهاب بن الفرات عن أبيه» .. إلخ (١).
وبهذا يظهر لنا سعة نشاطه واهتمامه بتحصيل علوم السنة، رواية ودراية من مراكزها وأهلها بالعاصمة وخارجها، وذلك قبل سنة ٧٤٩ هـ التي جعلناها حدًا أقصى لتخرجه.
كما يظهر لنا أن نشاطه في التحصيل والرواية كان ماثلًا أمام مخرجه الحافظ ابن التركماني، إما بالتلمذة المباشرة له، وإما لمصاحبته أخاه وعشيره عز الدين المتقدم، في التلمذة لكثير من شيوخ الحديث الآخرين، ومن هنا فإن شهادته له بالتخرج في علوم السنة صدرت عن دراية كافية بمبلغ علمه وتحصيله، وبالتالي جاءت دالة على جدارته حينئذ بالتخرج.
وبموجب تخريج ابن التركماني له صارا واحدًا من المحدثين الصالحين لنشر السنة وتعليمها رواية ودراية، وممارسة التأليف فيها.
وعليه تكون دعوى الحافظ ابن حجر ومن تبعه، بأن العراقي لم يطلب الحديث على وجهه إلا بعد سنة ٧٥٢ هـ، أي بعد وفاة مخرجه ابن التركماني بنحو عامين، دعوى منافية للواقع والصواب.
وقد أشار العراقي وكذا غيره إلى ما كان له فعلًا في هذا الوقت المبكر من نشاط بين علماء السنة وتقديرهم له:
فهو يقول عن نفسه: وقد سمع مني صاحبنا العلامة أبو محمد أحمد بن
стр. 296
إبراهيم المقدسي، ولي عشرون سنة، سنة ٧٤٥ هـ (١) وقد ذكر هذا ضمن الأدلة على أن المحدِّث إذا احتيج إليه في رواية ما تحمله من الحديث قبل أن يعلو سنه، فينبغي عليه أن يبادر لذلك في أي سن كان، ويلاحظ أن العراقي بجانب حداثة سنه حينئذ، لم يكن مضى على طلبه للسنة بنفسه غير نحو ٣ سنين، أما أبو محمد المقدسي الذي سمع منه، فيعتبر من طبقة شيوخه ذوي الإسناد العالي؛ لسماعه الكثير من النجيب الحراني وطبقته، كما أنه من أهل الدراية بعلوم السنة، حتى شرع في شرح «سنن أبي داود» وتوفي سنة ٧٦٥ هـ (٢)، فمجرد سماعه من العراقي يحمل أكثر من دلالة:
فهو دليل على أنه قد اختُسِبَ حينئذ من أهل الفن المعنيين به، حتى وثق فيه من هو أعلا وأقدم منه، رواية ودراية، فأقدم على السماع منه، ثم الرواية عنه، كما يدل ذلك أيضًا على أن العراقي حينذاك كان متحملًا لما احتاج المقدسي إلى سماعه منه، أو على الأقل لما رغب في سماعه منه بالذات، وقد عد العراقي ذلك من رواية الأكابر عن الأصاغر في السن والعلم، تبعًا لمصطلح علوم السنة (٣).
ويرى العلماء في هذا النوع من الرواية تنويها من الكبير المتقدم في الفن،
стр. 297
بشأن الصغير الناشيء، وتقديرا لنشاطه، وتوثيقًا له، للأخذ عنه، اقتداءً بالكبير، ولذلك يعدونه من مفاخر الكبير الراوي، والصغير المروي عنه، إذ يدل على أريحية الأول وإنصافه، كما يدل على تقدم الثاني في الفن، والثقة بمحصوله منه (١).
وبذلك كان سماع المقدسي من العراقي سنة ٧٤٥ هـ إقرارًا عمليًا من أحد المحدثين المعتمدين بصلاحيته منذ ذلك التاريخ للتحديث، ودعوة صريحة لطلاب السنة للأخذ عنه ما يحتاجونه فيه، فهل بعد هذا يسوغ القول بأنه تشاغل عن الجد في الطلب إلى سنة ٧٥٢ هـ؟.
ومن مظاهر النشاط الكبير للعراقي في مجال السنة في تلك الفترة أيضًا ما ذكره ابن حجر صاحب دعوى التراخي والتشاغل، وغيره (٢): أنه أولع وهو في نحو العشرين من عمره بتأليف كتاب في تخريج أحاديث إحياء علوم الدين للغزالي، ومعنى هذا أنه تصدى للتأليف في نفس سنة ٧٤٥ هـ التي أعطاه المقدسي فيها إشارة اعتماده أنه محدث، وذلك بالسماع منه كما مر؛ لكن ابن حجر يذكر إقدام العراقي على هذا التأليف، في معرض انتقاده له بالتعجل في الاشتغال بالتأليف، بينما يذكره غيره دليلًا على همة العراقي وتقدمه في التحصيل والإنتاج، ونحن نسلم ابتداء بأن هذا اتجاه مبكر للإنتاج في مجال السنة، بل تعجل من العراقي لجني ثمار محصوله من علومها قبل النضج، لكننا نتراجع كثيرًا عن هذا، حين نعلم أنه لم يخرج تلك الباكورة من تحت يده للمرة الأولى إلا بعد نحو ٦ سنين من تاريخ الشروع فيه، فكأن
стр. 298
البداية كانت مجرد حرص على السبق العلمي لموضوع الكتاب، حيث لم يُعْرَفْ من تصدى قبله لتخريج أحاديث الكتاب بأكمله.
وقد ظل يشتغل به، ويستفيد في إنجازه من دراسته وبحثه طيلة هذه المدة، كما أنه رافقه في إعداد مواده العلمية محدث ناضج، هو الإمام الزيلعي، كما سيأتي، ثم ظل العراقي معنيا بإكمال نقص الكتاب وتهذيبه خلال ٩ سنين أخرى، كما سنوضحه عند ذكر مؤلفاته.
ونكتفي هنا بذكر بعض الدلالات التي نأخذها من إقدام العراقي على هذا التأليف الضخم وإنجازه في صورته الأولى، والتي تشير بإجمال إلى مبلغ علمه وتحصيله حينذاك، وتؤكد بطلان ما سبق من دعوى ابن حجر ومن تبعه بأن تأليف هذا التخريج يعتبر تشاغلا عن الطلب:
فمن ذلك أن إقدامه على تخريج كتاب كبير كـ «الإحياء» يتناول علوم الدين في العقيدة والشريعة والأخلاق، دليل على إطلاعه على ما يشمل ذلك من جوامع السنة، وكتب رجالها، وفقهها ومصطلحها، كما يظهر من واقع الكتاب، ولا شك أن التعرف على المراجع والاطلاع عليها والبحث فيها والاستفادة منها ركن أساسي في الطلب، وليس تشاغلا عنه، وحسبنا في ذلك ما قرره العلماء من شيوخ ابن حجر وأقران العراقي: أن التصنيف أحد طريقي التحصيل (١).
كذلك يدل عمله في الكتاب على أنه توفر له خلال إنجازه الأول قدرًا جيدًا.
стр. 299
من الخبرة بفنون المصطلح، وعلم الرجال وقواعد النقد، وبحث الأسانيد والمتون، وبيان حالهما.
وغير ذلك مما سنفصله، وهذا يعد تطبيقا عمليا شاملا لما كان يتلقاه في نفس الفترة من فنون الحديث، على يد أساتذته المتقدم ذكرهم، كابن البابا وابن التركماني وابن جماعة، ومن المقرر أن التطبيق العملي خير ما يعين على فهم الدراسة النظرية، ويثبت قواعدها واصطلاحاتها في الذهن، فكيف يعد ذلك تشاغلا عن الطلب وهو ألزم شئ له؟
ثم يقر ابن حجر مع سواه، بأن العراقي قد فرغ من تسويد هذا الكتاب في ٤ أو ٥ مجلدات سنة ٧٥١ هـ، فلو كان مشتغلا به عن الطلب على يد الشيوخ، لما استغرق منه - بما عرف عنه من مواهب ونشاط - تلك المدة من سنة ٧٤٥ هـ إلى سنة ٧٥١ هـ، ثم إذا كان لم يطلب الحديث على وجهه إلا سنة ٧٥٢ هـ كما يدعي ابن حجر ومن تبعه، فكيف تسنى له إنجاز هذا العمل العلمي الضخم قبل هذا التاريخ بنحو عام؟
إن إنجاز هذا الكتاب بجانب نشاط العراقي المتقدم، وتخرجه، مما يجعل تلك الدعوى أبعد شي عن الواقع والإنصاف، خاصة وأن مثيرها الأول وهو الحافظ ابن حجر ﵀ قد اطلع على الكتاب واستفاد منه في عيون مؤلفاته كما سيأتي ..
ويقرر ابن حجر أيضًا في معرض ما أسماه تشاغلا من العراقي عن الطلب بالتخريج، إخبار العراقي له أنه رافق أثناء العمل بتخريج الإحياء وغيره مما سيأتي: الإمام عبد الله بن يوسف الزيلعي المتوفى سنة ٧٦٢ هـ في مطالعة
стр. 300
كتب الحديث، حيث كان هو الآخر مشتغلاً آنذاك بتخريج أحاديث كتاب «الهداية» في فقه الأحناف، و «تفسير الكشاف» للزمخشري، فكانا يتعاونان (١).
وعند التأمل يظهر لنا أن هذا لا يبعد بالعراقي عن نشاط الطلب، باعتباره مرافقة في المطالعة والبحث لعالم بالسنة في مرحلة نضجه، ويعد من طبقة شيوخ العراقي، كما أن هذا يدل على أن العراقي في هذه الآونة، قد بلغ درجة علمية جعلت من هو بمنزلة شيخه يعتمد عليه في أعمال علمية يتحمل مسؤوليتها، ويثق فيما يمده به من نصوص ومعلومات تدخل في تكوين مؤلفاته، على ما سيأتي توضيحه في أثر العراقي في علم التخريج.
وإذا كانت قواعد الطلب قد اقتضت العراقي أن يركز اهتمامه في التلقي على من ذكرنا من شيوخه لتقدم سنهم، حتى تخرج كما أوضحنا، فإنه قد حرص أيضًا على التلمذة الموجهه الأول في طريق السنة وهو الشيخ عز الدين ابن جماعة، فتلقى عنه كثيرًا من عوالي مروياته، وما تفرد به عن الآخرين، كما تقتضي قواعد الطلب التي بينها بنفسه للعراقي ليسير عليها، ونظرًا لتأخر وفاته كثيرًا عن الشيوخ السابقين فإن صلة العراقي به وتلمذته له قد امتدت بعمق إلى أواخر حياته، حتى شاركه في السماع عليه ولده ولي الدين.
وإذا كان العراقي بتخرجه على يد ابن التركماني، قد أصبح أحد المحدثين بمصر، فحدث وألف، فإن ابن جماعة قد لمس من نشاطه وسعة علمه، ما جعله يرفعه للدرجة التالية حينئذ للمحدث وهي درجة الحافظ (٢)، فوصفه
стр. 301
بالحفظ والتحقيق، وشهد له بالتفرد بعلم الحديث بالديار المصرية، وصار يستعين به في بعض مؤلفاته الحديثية، كما سنوضح ذلك في التعريف به.
وبمقتضى هذا يكون العراقي قد أصبح في حياة شيخه ابن جماعة المتوفى سنة ٧٦٧ هـ مشهودًا له - عن جدارة - بلقبي: «محدث الديار المصرية، والحافظ معا» وليس معنى ذلك حفظه لمصادر السنة عن ظهر قلب، بل المراد معرفته الجيدة بها، وفهمه لمضامينها كما سيأتي بيانه في ألقابه العلمية بالمشيئة.
أما أعلا شيوخ العراقي المصريين إسنادًا على الإطلاق، فهو أبو الفتح محمد ابن محمد بن أبي القاسم الميدومي المتوفى سنة ٧٥٤ هـ (١)، فقد ذكر العراقي أنه تفرد في وقته بالسماع من النجيب الحراني، وعبد الله بن عبد الواحد المعروف بابن علاق، فكان آخر من حدث عنهما بالسماع على وجه الأرض (٢)، وقد قدمنا أن السماع من هذين الشخصين كان مقياسًا لأعلا أسانيد السماع حينئذ، حتى إن دعوى تراخي العراقي في الطلب، عُمدة ابن حجر فيها، عَدَمُ تلقي العراقي عن كثيرين ممن سمع منهما، بل ذكر السخاوي أن العراقي ليس عنده من أصحاب النجيب غير الميدومي هذا (٣)، أي لم يوجد له سماع عن أحد ممن سمع من النجيب غيره، وإلا فقد سمع من عدد ممن أجازهم النجيب.
وقد سبق ردنا على ذلك بوجود البدائل العديدة التي عرضناها من نشاط العراقي في الرواية والدراية، حتى تخرج وألف، واعتبر واحدًا من المحدثين، فحدث عنه ورافقه في البحث، من هو بمنزلة شيوخه، تقديرًا لتقدمه في
стр. 302
التحصيل، ودعوة للأخذ عنه والاستفادة بعلمه.
ومع هذا فإن العراقي أدرك ميزة علو سند الميدومي، واجتهد، حتى بعد تخرجه السالف بيانه، في تحصيل أكبر قدر ممكن من مروياته الكبرى والعالية، وأكثر السماع منه والقراءة عليه بالقاهرة، كما سنبينه في التعريف به، بل إن العراقي لم يرحل خارج مصر لطلب السنة إلا قبل وفاة الميدومي بشهور، بعد استيفاء حظه الأوفى من عواليه، كما سنفصله عقب تعريفنا بأهم شيوخه في تلك المرحلة بما فيهم الميدومي.
أبرز شيوخ العراقي بمصر، وتأثيرهم فيه
أولا: «الحافظ ابن البابا»:
أول من قرأ العراقي عليه الحديث (١)، هو أبو العباس، شهاب الدين، أحمد ابن فريج، المشهور بابن البابا الشافعي.
كان ﵀ عبدا أسود، مملوكًا لأمير من المماليك، لكن العلم شرف قدره، وخلد ذكره أكثر من سيده، فقد كان عالماً فاضلا في علوم كثيرة، في مقدمتها علم السنة، وقد تلقاها عن جماعة، وأهم من سمع منهم الحافظ أبو محمد الدمياطي، وتقي الدين ابن دقيق العيد، مؤلف كتاب «الإلمام»، الذي بدأ به العراقي دراسته للسنة، وقرأ معظمه على ابن البابا كما سلف، وتتلمذ أيضًا لعلم الدين العراقي، الذي يختلط على البعض بالحافظ زين الدين العراقي، كما تقدم توضيحه.
стр. 303
ولم أجد بيانا لتاريخ مولد «ابن البابا» هذا، ولكنه مات شهيدًا بالطاعون في أواخر سنة ٧٤٩ هـ. وتأثيره في العراقي يرجع إلى ما قدمناه من كونه أوّل من قرأ العراقي عليه الحديث في ابتداء طلبه بنفسه ٧٤٢ هـ، وتعتبر قراءته عليه معظم كتاب «الإلمام» أنموذجا لتلقيه مؤلفات المتأخرين بالسند المتصل عن مؤلفيها، مثل تلقيه مؤلفات المتقدمين، كالبخاري ومسلم، ثم وجدنا العراقي نفسه، بعد أن ذكر قراءته عليه أكثر كتاب «الإلمام» يقول: «واستفدت منه كثيرًا»، وهذا تعبير صريح عن تجاوز التلمذة له والاستفادة منه حد القراءة عليه لكتاب أو كتابين، وإلا لقال: «قرأت عليه أكثر الإلمام وغيره».
وقد كان «ابن البابا» من حفاظ الحديث الذين تَتَلَقَّى عنهم الرواية والدراية معا، ولقبه تلميذه العراقي بالإمام العلامة الحافظ، مع دقته في إطلاق الألقاب العلمية الحديثية، وذكر غيره أنه اشتغل فوق رواية الحديث بتدريسه لطلابه بعدة أماكن، منها قبة بيبرس بالقاهرة، ومقتضى ذلك أن تكون استفادة العراقي الكثيرة منه متعلقة بعلوم السنة، من المصطلح، وبيان ما يتعلق بسند الحديث ومتنه، فكان بذلك شيخ العراقي في الرواية، وأستاذه المفيد في علوم الدراية، وقد اعتنى العراقي به، فترجمه في ذيله على وفيات الأعيان، وفي ذيله على العبر للذهبي، وتلقيبه له بما ذكرنا وتصريحه بكثرة الاستفادة منه، يدلان على قناعته بعلمه وتقديره المنصف لشيوخه، واعترافه بفضلهم عليه، وبأثرهم في تكوين شخصيته الحديثية، وهكذا ينبغي أن تكون أخلاق الطالب مع أستاذه، خاصة بعد زمن التلمذة، كما فعل العراقي.
ثم إن تلمذته هذه لابن البابا في الرواية والدراية معا، وتصريحه بكثرة الاستفادة منه، لها أكثر من دلالة، فإن هذا الحافظ قد توفي - كما ذكرت.
стр. 304
آواخر سنة ٧٤٩ هـ، ومعنى ذلك أن العراقي قرأ عليه، ولازم دروسه في علوم السنة قبل سنة وفاته بفترة تناسب كثرة الاستفادة.
وهذا مما يدفع قول ابن حجر ومن تبعه بتراخي العراقي في طلب السنة حتى سنة ٧٥٢ هـ، ثم إن ابن البابا كان حافظاً للقرآن، وقارئًا بالسبع، ومن طبقة شيوخ العراقي في القراءات كما تقدم، فلو كان العراقي حين تتلمذ له مهتماً بغير السنة، لأكمل عليه القراءات السبع بجانب علم الحديث، ولم يؤخر هذا كما مر نحو ٢٦ سنة بعد اتجاهه للسنة سنة ٧٤٢ هـ.
كذلك كان ابن البابا بجانب تبريزه في الحديث، ضليعاً في الفقه وأصوله، حتى أفتى وأعاد للطلبة، كما كان عارفًا بالتفسير والنحو وأصول الدين، ومع ذلك لم يذكر العراقي تلمذته له في أي من تلك العلوم بجانب السنة، ولا ذكر ذلك غيره ممن ترجمه.
فلو كان اشتغاله حينئذ بالسنة غير مركز، بل واقع في غضون اشتغاله بالعلوم الأخرى كما يقول ابن حجر ومن تبعه، لتتلمذ عليه في أي من تلك العلوم بجانب السنة.
ومن الطريف أن ابن البابا مع درايته بتلك العلوم والثناء على خلقه ودينه، كان عارفًا بالطب والموسيقى، وينظم الشعر الجيد، ولكن تركيز نشاطه في السنة جعله يستحق لقب الحافظ، ويباشر تدريس السنة بكفاءة، ورواية دواوينها بثقة، دون أن يغمزه في ذلك أحد، وعند قياس هذا بحال العراقي التي يعدها ابن حجر تشاغلا بغير طلب السنة، تجد أن دائرة اشتغال العراقي بغير الحديث كانت أضيق من دائرة انشغال شيخه بكثير، ونجد نشاطه في
стр. 305
السنة أوسع وأعمق، بحيث يمكن القول: إنه منذ اتجه لطلب السنة بنفسه سنة ٧٤٢ هـ، كان انشغاله بغيرها يقع في غضون اشتغاله بالسنة، وليس العكس، والحكم إنما يكون للغالب.
ثانيا: الحافظ علاء الدين ابن التركماني:
مخرج العراقي في علوم السنة (١): هو الإمام الحافظ علاء الدين علي بن عثمان بن إبراهيم بن مصطفى، المارديني الأصل، المصري، المعروف بابن التركماني، الحنفي المذهب، ولد سنة ٦٨٣ هـ، وقد سمع الحديث من الحافظ الدمياطي، وكثيرين غيره، وكتبه وقرأه بنفسه، حتى برز فيه، كما حصل عدة علوم غيره، في مقدمتها الفقه الحنفي، حتى أفتى به، ودرسه بعدة مدارس بالقاهرة، كما درس الحديث أيضًا، وتركز نشاطه التأليفي في الفقه وفي علوم السنة، ومن مؤلفاته فيها: «المنتخب في علوم الحديث»، اختصر فيه مقدمة ابن الصلاح، «والجوهر أو الدر النقي في الرد على البيهقي» يقع في مجلدين، وقد ناقش فيه البيهقي، واعترض عليه فيما أورده في «سننه الكبرى» من الأحاديث والآثار من جهة المتن والسند، نصرة منه للإمام الطحاوي الحنفي (٢)، وتتبعه للبيهقي بمكانته المعروفة في السنة وفي كتابه «السنن» البالغ (١٠) مجلدات ضخمة، دليل على تمكنه من علل الحديث ومعرفة المتون وفقهها، كما ألف أيضًا «تخريج أحاديث الهداية» وكتاب
стр. 306
«المؤتلف والمختلف» و «الضعفاء والمتروكين».
ولم يتول منصب قاضي قضاة الحنفية بمصر إلا في أواخر حياته، حيث تولاه في شوال سنة ٧٤٨ هـ، ثم توفي في طاعون سنة ٧٤٩ هـ كما ذكر العراقي، وأقره ابن فهد، لكن ابن حجر ذكر أن وفاته كانت بعد ارتفاع الطاعون، في عاشر المحرم سنة ٧٥١ هـ. والتقى معه عليه ابن قاضي شهبة. ويمكن أن يكون العراقي قصد أن وفاته آخر سنة ٧٤٩ هـ، فيصبح الفرق بين القولين عدة أيام من مطلع سنة ٧٥٠ هـ، وعلى أبعد تقدير لوفاته وهو مطلع سنة ٧٥٠ هـ، يكون منصب القضاء لم يشغل من حياته إلا نحو عامين، ولذلك قال مؤرخوه: إنه أفنى عمره في الاشتغال بالعلوم، وتفنن فيها وصنف التصانيف العديدة، وكثر الآخذون عنه، كما ذكروا أنه عند تولي القضاء كان كبير السن، وبالتالي ضعف نشاطه العلمي، وخاصة في التدريس.
وذلك مما يفيد أن تلمذة العراقي له وتخرجه على يديه، كان في فترة متقدمة على زمن إنشغاله بمنصب القضاء سنة ٧٥٢ هـ، وبالتالي يندفع قول ابن حجر وأتباعه: (إن العراقي لم يطلب الحديث على وجهه إلَّا في سنة ٧٥٢ هـ).
أما تأثيره في العراقي، فيرجع إلى أنه يمثل نقطة هامة في تكوين شخصيته الحديثية، وهي نقطة تخرجه في علوم السنة، على يد أحد علمائها، فابن حجر كما قدمنا يقرر: أن العراقي مع شغفه بالسنة واشتغاله المبكر بها، إلا أنه لم يكن له من يخرجه على طريقة أهل الإسناد، وأنه لم يحصل من ابن التركماني إلا بعض سماع، قبل الطلب بنفسه الذي يعتبر هو وأتباعه بدايته الحقيقية سنة ٧٥٢ هـ (١).
стр. 307
بينما يقرر غيرهم، أنه بدأ الطلب بنفسه على الوجه الصحيح سنة ٧٤٢ هـ، وأنه سمع على ابن التركماني (صحيح البخاري)، وأخذ عنه علم الحديث، وانتفع به، وتخرج على يديه (١)، وهذا يؤيده ما سبق عرضنا له من وقائع وظواهر نشاط العراقي الحديثي خلال تلك الفترة، وبذلك يكون هو الراجح في تقديري.
والعبارة المذكورة عن تلمذة العراقي لابن التركماني، تعطي أبعادًا أربعة لتأثيره في العراقي، وترد أيضًا على دعوى الحافظ ابن حجر وأتباعه
فأولها: أن هذا السماع للبخاري كان سماع بحث ودراسة، بدليل أن العراقي كما بينا، كان يسمعه في نفس الوقت على المسند ابن شاهد الجيش، لتحصيل روايته بسند عال، وبذلك يكون مراعيًا لقواعد الطلب، بعكس ما يدعي الحافظ ابن حجر، كما يكون ابن التركماني قد أفاده دراسة صحيح البخاري متنا وسندا.
وثانيها: أنه أخذ عنه علم الحديث، وإذا أطلق علم الحديث هكذا، فإنه يراد به كما بينا في الباب الأول: «علم المصطلح» أو «أصول الحديث» (٢)، ومعنى ذلك أن العراقي دَرَسَ هذا العلم بفنونه المتعددة على الحافظ ابن التركماني، وهذا لا يقتضي طلبه للسنة على الوجه المطلوب فحسب؛ بل
стр. 308
يقتضي تعمقه في ذلك وتوسعه، وخاصة إذا لاحظنا بقيَّة أنشطته في نفس الفترة كما سبق بيانها، ويقتضي أيضًا كثرة تردد العراقي على دروس أستاذه، حتى استوفى مباحث هذا العلم وقواعده، وقد كان لابن التركماني عناية خاصة بمباحثه وفنونه، حتى ألف فيه كما أشرنا كتاب «المنتخب»، واختصر فيه مقدمة ابن الصلاح، وقد تحدث العراقي عن هذا الكتاب بما يدل على استيعابه له، واستفادته منه فقال: «واختصر علوم الحديث لابن الصلاح اختصارًا حسنًا مستوفي».
وقال ابن حجر: سمعت شيخنا العراقي يقول: «إنه - أي ابن التركماني في مختصره - أوفى بمقصوده، ولا نعلم أحدًا ساواه في ذلك».
لكن هذا لم يمنعه من نقده في بعض أوهامه فيه كما سنبينه في مؤلفات العراقي (١).
وكلامه السابق يفيد أنه تلقى الفن عن القمة في عصره.
وثالثها: أنه انتفع به، وهذا يقتضي مواظبته على دروس ابن التركماني الحديثية، وكثرة إفادته له في بقية علوم السنة التي بينا تأليفه فيها، كالرجال والتخريج.
ورابعها: أنه تخرج به، وبذلك ثبت له على يديه تلك النقطة الهامة التي ينفيها ابن حجر تمامًا.
وتَخَرُّجُ الشخص بالعالم، يقتضي طول ملازمته لمجالسه في الرواية والدراية، وإبدائه أمامه من تحصيل المرويات والبحوث والفوائد الحديثية، ما يجعله يقتنع.
стр. 309
بكثرة مروياته الجيدة، وبصواب رأيه، وحسن فهمه المسائل العلم وفنونه، حتى يشهد له - كتابيًا - بأنه أصبح واحدًا من أهل الحديث، صالحاً للرواية والاستقلال بالبحث في السند والمتن وإفادة الغير، وعليه يكون شأن العراقي مع أستاذه ابن التركماني، قد جرى على هذا النحو، حتى شهد بتخرجه في علوم السنة.
وهذا من أظهر الآثار التي يدين بها الطالب لأستاذه، ويظل إسم مخرجه مقترنا باسمه وتظل منزلته العلمية متأثرة بمكانة مخرجه، باعتباره أول من أعطاه إشارة البدء، وأدخله في عداد أهل الفن، وقرر له الصفة الرسمية لممارسته، وهكذا يُعد الحافظ ابن التركماني بالنسبة للعراقي، خاصة في مواجهة من أنكر وجود مُخرّج له كلية، وقد كان هذا الرجل من أعيان عصره ومصره، وبشهادته للعراقي صار مُحدثًا مُتخرّجا، وليس مجرد طالب، وذلك قبل سنوات من التاريخ الذي حدده ابن حجر البداية طلبه فقط على الوجه المطلوب.
وقد ظهر تأثر العراقي أيضًا بمؤلفات مُخرّجه الحديثية غير كتابه السابق ذكره، فقرر أن من مؤلفاته المفيدة: تخريج «أحاديث الهداية» و «الدر النقي في الرد على البيهقي» السابق بيان قيمته العلمية، وقد نقل العراقي منه - مستدلا - في غير موضع من مؤلفاته (١).
كما أنه ترجم لشيخه هذا، في ذيله على العبر للذهبي، ترجمة أبدى فيها تقديره، وصرح بأستاذيته له، فقال: «شيخنا الإمام، العلامة، الحافظ،
стр. 310
قاضي القضاة علاء الدين … الخ» (١)
ثالثا: (الحافظ ابن جماعة):
هو موجه العراقي للاختصاص بالسنة، وملقبه بالمحدث والحافظ (٢)، وهو الإمام الحافظ قاضي القضاة، عز الدين عبد العزيز بن محمد بن سعد الله بن جماعة، ولد بدمشق في ١٩ من المحرم سنة ٦٩٤ هـ، ونشأ نشأة حديثية نموذجية، بعناية والده المحدث، وقاضي القضاة أيضا، فقد أحضره في طفولته بدمشق كالمعتاد، على ذوي الإسناد العالي فيها، كأبي حفص عمر بن القواس وغيره.
ثم انتقل به إلى مصر، فأسمعه من عيون محدثيها: كالحافظ عبد المؤمن الدمياطي وغيره، ثم بدأ هو يطلب بنفسه وهو في السادسة عشرة من عمره تقريبا، أي في أقل من سن العراقي حين طلب بنفسه، بعام واحد، وقد أكثر السماع والقراءة والرحلة داخل مصر وخارجها، واستجاز الشيوخ، حتى بلغ شيوخه بالسماع والإجازة أزيد من (١٣٠٠) شيخ، وتبادل السماع مع
стр. 311
الذهبي، فسمع كل منهما من الآخر، وقال ولي الدين ابن العراقي: وتفرد فيما أعلم بإجازته من البوصيري صاحب البردة من القاهرة، وبالإجازة من بغداد، وبالإجازة من المغرب من العلامة أبو جعفر بن الزبير، فكان آخر من حدث عنه بالديار المصرية، ثم إنه تلقى الفقه والأصول والعربية بمصر على شيوخها.
وقد تولى منصب قاضي قضاة الشافعية بمصر في جمادى الآخرة سنة ٧٣٨ هـ، وهو أنموذج للعلماء الذين كانت تسعى إليهم المناصب، وتعظمهم الملوك والدول، لعفتهم ونزاهتهم، ولهذا تعدد استعفاؤه من المنصب، ثم عودته برجاء الحكام له، وآخر مرة استعفي فيها سنة ٧٦٦ هـ، وغادر مصر للحج، فتوفي ودفن بمكة المكرمة في ١١ جمادى الآخرة سنة ٧٦٧ هـ، ويهمنا من نشاطه العلمي الكبير: أنه اشتغل بتدريس الفقه والحديث بدار الحديث الكاملية بالقاهرة، وبغيرها من المدارس والمساجد، وذلك ابتداء من سنة ٧١٤ هـ إلى سفره للحج سنة ٧٦٦ هـ كما أشرت، وهذا مما يؤكد القول بالتقائه بالعراقي وتوجيهه للسنة سنة ٧٤٢ هـ لا سنة ٧٥٢ هـ كما يرى ابن حجر ومن تبعه، خاصة وأن نشاط ابن جماعة كان مركزًا في علم الحديث، حتى عُد مُحدث الديار المصرية في وقته، وعند توليه منصب قاضي القضاة كان يُلقي أعباء المنصب على نائبه، ويقبل هو على الاشتغال بالحديث والعبادة والمجاورة بالحرمين.
ومن مؤلفاته في السنة (تخريج أحاديث شرح الرافعي الكبير) في الفقه الشافعي، وتركه مسودة لم يبيضه، كما ألف كتابًا فيما يروي من الشعر بسنده، على حروف أسماء الشعراء، ويقع في مجلدات، وهو أنموذج لتأثير:
стр. 312
منهج المحدثين في العلوم الأخرى كما أشرنا من قبل، وله مؤلفات أخرى.
وتأثيره في العراقي يرجع إلى أنه أول من وجهه للتخصص بالسنة، ورشحه لذلك ترشيحا تربويا، ويدعي التربيون الآن أنه ابتكار أوربي، حيث بين له تناسب مواهبه واستعداده الطبيعي لدراسة السنة، فشجعه ذلك على الإقبال على التحصيل بهمة وشغف، حتى صار حافظ عصره في حياة شيخه ابن جماعة وغيره، وصار ابن جماعة يمثل في حياة العراقي وشخصيته العلمية نقطة التحول، وعامل الانطلاق نحو السنة، وحمل لوائها، ولولا أن الله قيضه له لظل مشتغلا بعلم القراءات ولم يتحوّل عنه إلى علم السنة، فكان له حقا فضل المشورة والترشيح والتوجيه.
ثم امتد تأثيره إلى الإسهام الفعلي في التنفيذ، حيث بين للعراقي المنهج الصحيح للطلب كما تقدم، ثم مارس الرواية له، وتدريس علوم السنة، وظل يتابع نشاطه ويعني به، منذ أن وضع قدمه على الطريق الصحيح لتحصيل الرواية والدراية.
فقد تلقى عنه العراقي كثيرًا من مروياته، خاصة وأنه لما لاحظ أن شيخه يتمتع بكثرة المرويات والشيوخ كما أشرنا، خرج له معجما بمروياته عنهم بالسماع والإجازة، كما سنذكره في مؤلفاته، وقد كتب منه (٩) أجزاء حديثية، وحدث ابن جماعة فعلا بثلاثة أجزاء منها، ومقتضى ذلك أن يكون العراقي قد اتصل سنده بمحتوى تلك المشيخة من المرويات، سواء بالسماع لما حدث به منها، أو بالإجازة للباقي، كما يُستفاد من بعض مروياته عن ابن جماعة في مؤلفاته الحديثية (١).
стр. 313
وتلقى عنه أيضا ما هو من عواليه أو ما تفرد به عن سواه، فقد روى عنه في كتابه «الأربعين حديثا العشارية الإسناد»، بقراءته عليه بدار الحديث الكاملية بالقاهرة وغيرها (١)، وقد قدمنا أن تلك العشاريات كانت أعلا ما يُروى بالسند الصحيح المتصل في عصره، وروى عنه أيضا بعض ما علا سنده به من طريقه، عن سنده من طريق غيره من شيوخه (٢)، وروى عنه من فوائد الخلعي المتوفى سنة ٤٩٢ هـ، وهو أعلا أهل مصر سندًا في عصره (٣) وروى عنه مما تفرد به «مسند البزار» بإجازة ابن جماعة من أبي جعفر بن الزبير ببلاد المغرب (٤)، وكان ابن جماعة كما سبق، آخر من حدث عن أبي جعفر هذا بالديار المصرية.
ونقل عنه في بعض مؤلفاته أيضًا شيئًا من فوائده العلمية له (٥).
ونظرا لتأخر وفاة ابن جماعة عن عامة شيوخ العراقي الذين تلقى عنهم قبل رحلته العلمية الأولى خارج مصر سنة ٧٥٤ هـ، فإن تلمذته له قد استمرت إلى أن تزوج وأنجب ولده ولي الدين أحمد، فأحضره عليه منذ ولادته آخر سنة ٧٦٢ هـ، فصار له حضور وسماع عليه، كما أشار أحمد بنفسه لذلك حيث قال: «حضرت عليه كثيرا بقراءة والدي وغيره، وبعضه سماع»، وهذه العبارة توضح لنا أثر ابن جماعة في هذه المرحلة الأخيرة من حياته في تلميذه العراقي، فهي تفيد كثرة قراءة العراقي وبحثه لكتب السنة عليه.
стр. 314
وتقسيم ولي الدين مقروءات والده إلى حضور وسماع بالنسبة له، يفيد امتداد تلك القراءة خلال السنوات الثلاث من سنة ٧٦٣ هـ عقب ولادة أحمد إلى سنة ٧٦٦ هـ حيث غادر ابن جماعة مصر للمرة الأخيرة كما ذكرنا، مع استثناء فترة رحلة العراقي سنة ٧٦٥ هـ كما سيأتي، ويستفاد من عبارة ولي الدين ابن العراقي أيضًا، حرص والده على الاستفادة من الحافظ ابن جماعة إلى أقصى حد، وتركيز ذلك في آخر حياة الرجل، حيث نضجت ثقافته الحديثية، وعلا إسناده، حتى تفرّد عن عامة المصريين ببعض مروياته التي تلقاها عنه العراقي كما مر، بل إنه روى عنه بعض ما قرأ عليه بمكة (١)، حيث كان كل منهما كثير الحج والمجاورة بالحرمين، وهذا مما يدل على حرص العراقي على التلقي عنه أينما كان.
ولم يلق ابن جماعة ربه حتى شهد صدق نظرته في تلميذه العراقي قد تحققت، وثمرة توجيهه قد أينعت، حيث أثبت بين يديه كفاءته الفعلية للعلم الذي أحبه ورشحه له أستاذه، وأظهر في التحصيل والإنتاج تفوقه على أقرانه ومعاصريه، فكان ابن جماعة في مقدمة من قرت عينه بذلك، فرفعه من درجة المحدث التي استحقها بتخرجه على ابن التركماني، إلى درجة الحافظ، حيث وصفه بالتحقيق والحفظ (٢)، والأخير وصف اصطلاحي إذا وصف به أحد الحفاظ المعتمدين تلميذا له صار شهادة منه ببلوغه درجة الحافظ (٣).
على أن ابن جماعة لم يقتصر على ذلك، بل قال عن العراقي في صراحة:
стр. 315
«كل من يدعي الحديث بالديار المصرية سواه فهو مدع ومدفوع» (١).
ومهما كان في هذه القضية الكلية من مبالغة، فإن قائلها لم ينفرد بها كما سيأتي بعد، بالإضافة إلى أنه كان أقرب إلى العراقي، وأخبر به منا، وقد قال ذلك عن دراية شاملة بمواهب العراقي، وبكفاءته العلمية التي لمسها من تلمذته الطويلة له، ومن تعامله العلمي معه، حيث يذكر ابن فهد: «أن ابن جماعة كان يراجع العراقي فيما يهمه ويشكل عليه من مسائل الحديث، وأن مصنفه في تخريج أحاديث الرافعي مشحون في حواشيه بخطه: يسأل من الشيخ عبد الرحيم عنه».
وبموجب تلك الشهادة من ابن جماعة أصبح العراقي كما قدمنا معترفا له بلقبي «مُحدِّث مصر» و «الحافظ» ومع هذا فقد ظل العراقي تلميذا وفيا لأستاذه وموجهه الأول، فهو يلقبه عند الرواية عنه بالإمام، وبالحافظ (٢)، تقديرا لمكانته في الفقه والحديث، كما أنه حفظ له أسانيده بمروياته الكثيرة، وساعد على نشرها في معجم شيوخه الذي ألفه له، وحدث ببعضه كما ذكرنا.
وقد توطدت علاقة العراقي بابن جماعة حتى انعكست آثارها على ولي الدين ابن العراقي، حيث يقول عن ابن جماعة: «وكان كثير الاعتناء بي والإحسان إلي، وإظهار المحبة».
وقد كان ولي الدين إذ ذاك طفلا في الثالثة من عمره، فكانت معاملة الشيخ له على هذا النحو موجهة لوالده في صورته.
стр. 316
رابعا: «الميدومي»:
هو أعلا شيوخ العراقي المصريين إسنادا (١)، وهو مسند الديار المصرية، المعمر الرحلة، صدر الدين، أبو الفتح، محمد بن محمد بن إبراهيم البكري الميدومي (٢) المصري، ولد في ١٤ شعبان سنة ٦٦٤ هـ، وقد حرص العراقي دون غيره ممن ترجم للميدومي، على إثبات نقطة يشترك معه فيها، وهي افتقاده المرحلة الإحضار في طفولته قبل التمييز، إلى مجالس الحديث، وإثبات اسمه في طبقات السماع، تحصيلا لعلو السند كما قدمنا، فقال: «ولم نجد له حضورا»، ثم تناول افتقاده لهذه المرحلة بالتحليل فقال: «ولم يحضره والده مجالس السماع، إلا بعد استكمال الخامسة - التي هي سن السماع عند الجمهور - فلم يوجد له حضور أصلا، وكان والده من أهل هذا الشأن، وولي مشيخة دار الحديث الكاملية».
«وكأن العراقي في هذا يُعَزِّي نفسه، ويعتذر عما كان من تقصير والده هو، بعدم إثبات حضور له أصلا كما قدمنا، فإذا كان والد الميدومي شيخ المحدثين في دار الحديث، ومع ذلك فوت على ولده مرحلة الإحضار، فإن تفويت والده هو عليه ذلك يهون، نظرًا لأن اهتمامه الأساسي كان بالتعبد، ومعرفته بالحديث لا تذكر بجانب المتخصص».
стр. 317
وبعد هذا التحليل، يعود العراقي فيتفق مع غيره على أن والد الميدومي ركز عنايته به بعد مرحلة الإحضار هذه، فبكر بإسماعه في أول سن يصح فيه السماع عند الجمهور وهو تمام الخامسة، فأسمعه بنفسه، كما أسمعه واستجاز له من أعلا أهل عصره إسنادا بمصر والشام، فمن سمع منه بمصر (النجيب الحراني، وابن علاق) وممن أجازه من الشاميين: ابن عبد الدايم والكرماني، وهؤلاء الأربعة كانوا مقياس علو السند في عصره، وبذلك عوض مرحلة الإحضار، حتى وصفه تلميذه الحافظ أبو المحاسن محمد بن علي الحسيني بأنه: كان مسند الدنيا في عصره، ثم أشار إلى أنه أصدر هذا الحكم بناء على: فحص أسانيده عمليا، فقال: (خرجت له جزءا من عواليه، حدث به غير مرة، وقد مكنه من ذلك - بالإضافة لسماعه المبكر واستجازته - طول عمره حتى جاوز التسعين سنة).
وقد حدث الميدومي كثيرًا بالقاهرة ومصر، وبالقدس في زيارته لها بعد سنة ٧٥٠ هـ وأتاح بذلك فرصة السماع منه بالسند العالي الموثق للكثيرين، ومنهم بعض شيوخ العراقي: كالعلائي وابن رافع، ثم عاد لمصر وتوفي بها في ٢٥ رمضان سنة ٧٤٥ هـ.
وتأثيره في العراقي يرجع إلى جانب الرواية وعلو السند فحسب؛ لأنه كان مسندا فقط، والمسند كما قدمنا، مهمته أداء المرويات مضبوطة بسندها كما: تحملها، وميزته هي علو الإسناد كما بينا، مع الثقة والضبط كما شهد له العراقي وغيره بذلك، وقد توفر للعراقي بمروياته عنه كما سنفصلها، كثير مما: يشترط لطالب السنة روايته حتى يستحق لقب (الحافظ)، وعوض عن طريقه كثيرا مما فاته من علو الإسناد، حيث قال ابن حجر: إنه أعلا شيخ عند شيخنا:
стр. 318
العراقي من المصريين، ويدل على ذلك مشاركة البارزين من شيوخه في السماع منه، سواء الشاميين كالعلائي وابن رافع كما ذكرنا، أو المصريين كابن جماعة، وقد كان العراقي يدرك هذا، حيث ذكر هؤلاء ضمن تلاميذ الميدومي، كما ذكر أنه تفرد في وقته بالسماع من النجيب وابن علاق، وكان آخر من حدث عنهما بالسماع على وجه الأرض.
ولهذا أكثر العراقي الرواية عنه، حتى بعد تخرجه على يد ابن التركماني كما سيظهر لنا من تاريخ بعض قراءاته عليه، وذلك لأن التخرج مرحلة صلاحية للإشتغال بالسنة كما أوضحنا، وبعد ذلك يستمر الشخص في الأخذ والعطاء، حتى تتكامل شخصيته الحديثية وينضج، ويمكننا تقسيم مرويات العراقي عن الميدومي إلى قسمين: أحدهما تفصيلي والثاني إجمالي.
فالتفصيلي: عبارة عما قرأه عليه أو سمعه منه أو عليه أو أجازه به من مصادر السنة، كالكتب والأجزاء والأمالي الحديثية والمنتخبات.
وقد ذكر العراقي مما قرأه عليه بنفسه على سبيل المثال لا الحصر (١٣) كتابًا للمتقدمين والمتأخرين حتى عصره، وبعضها من الأمهات، كسنن أبي داؤد، وبعضها نادر كـ «الثبات عند الممات لابن الجوزي»، وبعضها أجزاء حديثية لبعض الحفاظ أو المسندين، كجزء شيخ الحفاظ المعروف بالنبيل المتوفى سنة ٢١٢ هـ (١)، وكجزء أبي بكر أحمد بن نصر الله الدارع، وهو من العوالي التي انفرد بها الميدومي، وقد قرأه عليه العراقي في سنة ٧٥٢ هـ (٢)، وبعضها
стр. 319
«أمال» لمشاهير المحدثين، كالأمالي العشرين لأبي الحسن ابن شمعون (١)، وبعضها مجموعة أحاديث من عوالي المسندين، مثل ثمانيات النجيب الحراني في (٤) أجزاء حديثية (٢)، وبعضها منتقى من مؤلفات ضخمة، كالمنتقى من الحلية لأبي نعيم (٣)، بل منها ما قرأه العراقي عليه أكثر من مرة (٤).
وقراءة العراقي بنفسه على الميدومي لهذه المصادر التي مثل بها فقط، ولما أشار له بقوله: «وغيرها»، دليل على عظم استفادته المباشرة من الشيخ، كما أنها أنموذج واضح للجهد والنشاط اللذين بذلهما العراقي في طلب السنة، وتحصيل السند العالي الموثق، بمصادرها، من الأمهات والأجزاء وغيرها، كما تقضي قواعد الطلب وشروط الحفاظ، فمثلاً قراءته لسنن أبي داؤد كاملة على الميدومي بعد تقدم سماعه للصحيحين على غيره كما مر، يُعد تطبيقا لما شُرِطَ في التلقيب بالمحدّث والحافظ، من تلقى الكتب الستة ودراستها (٥). ويعد تطبيقا أيضًا لقواعد الطلب التي تقضي بتلقي طالب الحديث بعد الصحيحين سنن أبي داؤد، لعنايته فيها بجمع الكثير من أحاديث الأحكام (٦)، ما لم يوجد مقتض للعدول عن هذا الترتيب، كرواية ما يخشى فوته لو اتبع الترتيب (٧).
стр. 320
فلعل العراقي قدم غير هذه السنن بعد الصحيحين، خشية فواته بوفاة من قدمنا من شيوخه، ثم عاد للترتيب، فقرأ بنفسه تلك السنن على هذا المسند الفاذ في وقته، بالإضافة لغيرها من عواليه وما تفرد به كما أشرنا، خشية فواته أيضًا بموته، بل إنه سمعها أيضًا عليه بقراءة غيره (١)، ثم بلغت همته أن أعاد قراءتها بنفسه، وسماعها أيضًا على مُسند آخر، هو أبو الحسن علي بن أحمد العرضي المتوفى سنة ٧٦٤ هـ (٢).
وسبق بياننا لأهمية تلقيه الكتاب الواحد أكثر من مرة عن أكثر من شيخ، ولكن كانت روايته المتعددة لهذه السنن قراءةً وسماعًا من طريق ابن طبرزد، الذي سمع بعضها على شيخه مفلح الدومي، وباقيها على شيخه إبراهيم الكيرخي، فَسُمِّيَ هذا سماعًا ملفقًا، وقد نظم العراقي بيانه في (٥) أبيات كما أشرنا في شعره العلمي، وذلك لسهولة ضبطه فقال:
وقد وقع التلفيق لابن طبرزد … بحمل أبي داود فاضبطه بالشعر
فعن مفلح ثان وتلواه، سابع … وتاسعه، والأربع التلو في الأثر
وخامس عشر ثم تلو، ثالث … وعشرون مع حادي ثلاثين بالحصر