← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 30167

الحافظ العراقي وأثره في السنة

أحمد بن معبد عبد الكريم

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

رابعا: «الميدومي»: هو أعلا شيوخ العراقي المصريين إسنادا (١)، وهو مسند الديار المصرية، المعمر الرحلة، صدر الدين، أبو الفتح، محمد بن محمد بن إبراهيم البكري الميدومي (٢) المصري، ولد في ١٤ شعبان سنة ٦٦٤ هـ، وقد حرص العراقي دون غيره ممن ترجم للميدومي، على إثبات نقطة يشترك معه فيها، وهي افتقاده المرحلة الإحضار في طفولته قبل التمييز، إلى مجالس الحديث، وإثبات اسمه في طبقات السماع، تحصيلا لعلو السند كما قدمنا، فقال: «ولم نجد له حضورا»، ثم تناول افتقاده لهذه المرحلة بالتحليل فقال: «ولم يحضره والده مجالس السماع، إلا بعد استكمال الخامسة - التي هي سن السماع عند الجمهور - فلم يوجد له حضور أصلا، وكان والده من أهل هذا الشأن، وولي مشيخة دار الحديث الكاملية». «وكأن العراقي في هذا يُعَزِّي نفسه، ويعتذر عما كان من تقصير والده هو، بعدم إثبات حضور له أصلا كما قدمنا، فإذا كان والد الميدومي شيخ المحدثين في دار الحديث، ومع ذلك فوت على ولده مرحلة الإحضار، فإن تفويت والده هو عليه ذلك يهون، نظرًا لأن اهتمامه الأساسي كان بالتعبد، ومعرفته بالحديث لا تذكر بجانب المتخصص».

стр. 317

وبعد هذا التحليل، يعود العراقي فيتفق مع غيره على أن والد الميدومي ركز عنايته به بعد مرحلة الإحضار هذه، فبكر بإسماعه في أول سن يصح فيه السماع عند الجمهور وهو تمام الخامسة، فأسمعه بنفسه، كما أسمعه واستجاز له من أعلا أهل عصره إسنادا بمصر والشام، فمن سمع منه بمصر (النجيب الحراني، وابن علاق) وممن أجازه من الشاميين: ابن عبد الدايم والكرماني، وهؤلاء الأربعة كانوا مقياس علو السند في عصره، وبذلك عوض مرحلة الإحضار، حتى وصفه تلميذه الحافظ أبو المحاسن محمد بن علي الحسيني بأنه: كان مسند الدنيا في عصره، ثم أشار إلى أنه أصدر هذا الحكم بناء على: فحص أسانيده عمليا، فقال: (خرجت له جزءا من عواليه، حدث به غير مرة، وقد مكنه من ذلك - بالإضافة لسماعه المبكر واستجازته - طول عمره حتى جاوز التسعين سنة). وقد حدث الميدومي كثيرًا بالقاهرة ومصر، وبالقدس في زيارته لها بعد سنة ٧٥٠ هـ وأتاح بذلك فرصة السماع منه بالسند العالي الموثق للكثيرين، ومنهم بعض شيوخ العراقي: كالعلائي وابن رافع، ثم عاد لمصر وتوفي بها في ٢٥ رمضان سنة ٧٤٥ هـ. وتأثيره في العراقي يرجع إلى جانب الرواية وعلو السند فحسب؛ لأنه كان مسندا فقط، والمسند كما قدمنا، مهمته أداء المرويات مضبوطة بسندها كما: تحملها، وميزته هي علو الإسناد كما بينا، مع الثقة والضبط كما شهد له العراقي وغيره بذلك، وقد توفر للعراقي بمروياته عنه كما سنفصلها، كثير مما: يشترط لطالب السنة روايته حتى يستحق لقب (الحافظ)، وعوض عن طريقه كثيرا مما فاته من علو الإسناد، حيث قال ابن حجر: إنه أعلا شيخ عند شيخنا:

стр. 318

العراقي من المصريين، ويدل على ذلك مشاركة البارزين من شيوخه في السماع منه، سواء الشاميين كالعلائي وابن رافع كما ذكرنا، أو المصريين كابن جماعة، وقد كان العراقي يدرك هذا، حيث ذكر هؤلاء ضمن تلاميذ الميدومي، كما ذكر أنه تفرد في وقته بالسماع من النجيب وابن علاق، وكان آخر من حدث عنهما بالسماع على وجه الأرض. ولهذا أكثر العراقي الرواية عنه، حتى بعد تخرجه على يد ابن التركماني كما سيظهر لنا من تاريخ بعض قراءاته عليه، وذلك لأن التخرج مرحلة صلاحية للإشتغال بالسنة كما أوضحنا، وبعد ذلك يستمر الشخص في الأخذ والعطاء، حتى تتكامل شخصيته الحديثية وينضج، ويمكننا تقسيم مرويات العراقي عن الميدومي إلى قسمين: أحدهما تفصيلي والثاني إجمالي. فالتفصيلي: عبارة عما قرأه عليه أو سمعه منه أو عليه أو أجازه به من مصادر السنة، كالكتب والأجزاء والأمالي الحديثية والمنتخبات. وقد ذكر العراقي مما قرأه عليه بنفسه على سبيل المثال لا الحصر (١٣) كتابًا للمتقدمين والمتأخرين حتى عصره، وبعضها من الأمهات، كسنن أبي داؤد، وبعضها نادر كـ «الثبات عند الممات لابن الجوزي»، وبعضها أجزاء حديثية لبعض الحفاظ أو المسندين، كجزء شيخ الحفاظ المعروف بالنبيل المتوفى سنة ٢١٢ هـ (١)، وكجزء أبي بكر أحمد بن نصر الله الدارع، وهو من العوالي التي انفرد بها الميدومي، وقد قرأه عليه العراقي في سنة ٧٥٢ هـ (٢)، وبعضها

стр. 319

«أمال» لمشاهير المحدثين، كالأمالي العشرين لأبي الحسن ابن شمعون (١)، وبعضها مجموعة أحاديث من عوالي المسندين، مثل ثمانيات النجيب الحراني في (٤) أجزاء حديثية (٢)، وبعضها منتقى من مؤلفات ضخمة، كالمنتقى من الحلية لأبي نعيم (٣)، بل منها ما قرأه العراقي عليه أكثر من مرة (٤). وقراءة العراقي بنفسه على الميدومي لهذه المصادر التي مثل بها فقط، ولما أشار له بقوله: «وغيرها»، دليل على عظم استفادته المباشرة من الشيخ، كما أنها أنموذج واضح للجهد والنشاط اللذين بذلهما العراقي في طلب السنة، وتحصيل السند العالي الموثق، بمصادرها، من الأمهات والأجزاء وغيرها، كما تقضي قواعد الطلب وشروط الحفاظ، فمثلاً قراءته لسنن أبي داؤد كاملة على الميدومي بعد تقدم سماعه للصحيحين على غيره كما مر، يُعد تطبيقا لما شُرِطَ في التلقيب بالمحدّث والحافظ، من تلقى الكتب الستة ودراستها (٥). ويعد تطبيقا أيضًا لقواعد الطلب التي تقضي بتلقي طالب الحديث بعد الصحيحين سنن أبي داؤد، لعنايته فيها بجمع الكثير من أحاديث الأحكام (٦)، ما لم يوجد مقتض للعدول عن هذا الترتيب، كرواية ما يخشى فوته لو اتبع الترتيب (٧).

стр. 320

فلعل العراقي قدم غير هذه السنن بعد الصحيحين، خشية فواته بوفاة من قدمنا من شيوخه، ثم عاد للترتيب، فقرأ بنفسه تلك السنن على هذا المسند الفاذ في وقته، بالإضافة لغيرها من عواليه وما تفرد به كما أشرنا، خشية فواته أيضًا بموته، بل إنه سمعها أيضًا عليه بقراءة غيره (١)، ثم بلغت همته أن أعاد قراءتها بنفسه، وسماعها أيضًا على مُسند آخر، هو أبو الحسن علي بن أحمد العرضي المتوفى سنة ٧٦٤ هـ (٢). وسبق بياننا لأهمية تلقيه الكتاب الواحد أكثر من مرة عن أكثر من شيخ، ولكن كانت روايته المتعددة لهذه السنن قراءةً وسماعًا من طريق ابن طبرزد، الذي سمع بعضها على شيخه مفلح الدومي، وباقيها على شيخه إبراهيم الكيرخي، فَسُمِّيَ هذا سماعًا ملفقًا، وقد نظم العراقي بيانه في (٥) أبيات كما أشرنا في شعره العلمي، وذلك لسهولة ضبطه فقال: وقد وقع التلفيق لابن طبرزد … بحمل أبي داود فاضبطه بالشعر فعن مفلح ثان وتلواه، سابع … وتاسعه، والأربع التلو في الأثر وخامس عشر ثم تلو، ثالث … وعشرون مع حادي ثلاثين بالحصر

стр. 321

وباقيه والثاني، فثاني عشرة … جميعا عن الكرخي، أعني أبا البدر ثم بين نوع التجزئة التي توزع السماع على أساسها فقال: وتجزئة الأجزاء ليست خفية … وذاك بتجزئة الخطيب أبي بكر وقد جزأ الخطيب الكتاب ٣٢ جزءًا في روايته له عن ابن طبرزد، وتناقل العلماء من بعد العراقي هذه الأبيات للاستعانة بها في ضبط هذا السماع (١). ولم تقتصر استفادة الرواية التفصيلية من الميدومي والجهد المبذول من العراقي في تحصيلها على حد مقروءاته العديدة كما أوضحنا، بل سمع أيضًا بعض كتب السنة الأخرى، والشروح الكبيرة من لفظه (٢)، وسمع بعضا آخر بقراءة غيره على الشيخ (٣)، وبعضا ثالث أجازه بروايته عنه (٤)، وكل ذلك مما أسهم في تكوين شخصية العراقي الحديثية، وفي مضاعفة حصيلته من الرواية، كما يدل على عمق استفادته من الميدومي. أما القسم الإجمالي: فهو عبارة عن تلقيه بعض المشيخات عن الميدومي. والمشيخة - كما سيأتي بيانها في مؤلفات العراقي - عبارة عن كتاب يجمع

стр. 322

أسماء شيوخ الشخص، وأسماء وأنواع مروياته عنهم بأسانيدهم. فإذا تلقاها الطالب عن شيخه اتصل سنده بما ذكر فيها من المرويات إجمالا، دون أن يقرأ أو يسمع نفس الكتب المذكورة أسماءها في المشيخة، وبذلك يتاح له اتصال السند بمئات الكتب والأجزاء الحديثية جملة، وهذه ميزة تلقي المشيخات، بينما لو أراد الطالب تلقي نفس الكتب بالقراءة أو السماع لفني عمره، وعمر شيخه، دون استيعاب ما تحويه مشيخة واحدة، وقد تلقى العراقي عن الميدومي عدة مشيخات، في مقدمتها مشيخة الميدومي نفسه، تخريج الحسيني (١)، ومشيخة ابن كليب، صرح العراقي بقراءتها على الميدومي بنفسه، ومشيخة النجيب الحراني الكبرى، تخريج الحافظ ابن الظاهري، صرح العراقي أيضًا بقراءتها بنفسه عليه، وذكر غيره أنه سمعها أيضًا (٢)، ولعل هذا النشاط المكثف في تحصيل المرويات على الميدومي فضلا عن غيره، هو الذي جعل الحافظ ابن حجر يستقل نشاط العراقي فيما قبل سنة ٧٥٢ هـ، كما قدمنا. ويتضح أثر كثرة مرويات العراقي عن الميدومي من شيوعها في عامة مؤلفاته، بحيث نجد فيها كثيرًا مما رواه عن الميدومي، سواء بالقراءة عليه، أو السماع منه مشافهة، أو السماع عليه بقراءة غيره، أو إجازته منه، ومن أكثر مؤلفاته التي اشتملت على ذلك ما ضمنه مروياته العالية، نظرًا لعلو سند الميدومي، وذلك مثل الأربعين حديثا العشارية الإسناد، وقد افتتحها بأول حديث سمعه من الميدومي مسلسلا بالأولية (٣)، ومثل (أماليه الحديثية)، وكتاب (محجة

стр. 323

القُرب)، و (قرة العين)، وقد مرت الإحالة بالهامش على بعض مواضع منها. وقد عرف العراقي لشيخه الميدومي قدره، فخرج له (٤٠) حديثا من مروياته العالية، تساعية الإسناد (١)، لكي يسهل عليه التحديث بها، ولما توفي حضر جنازته، وصلى عليه وودعه لمثواه الأخير، ثم ترجمه في مؤلفاته في الرجال كـ «ذيل العبر» للذهبي (٢)، ورجال كتاب «تقريب الأسانيد» (٣)، وقال عنه: «شيخنا المسند، الرحلة، مسند الديار المصرية»، ثم وثقه فقال: «كان رجلا جيدا ثقة، صحيح السماع، صدوقا خيرا … وافر العقل متين الديانة، ولم يخلف في الشيوخ بعده مثله»، ومن هنا آثر العراقي التلقي عن الرجل كما وصفنا، إلى أواخر حياته، ولم يرحل إلى خارج مصر إلا قبل وفاة الميدومي بشهور، كما سنفصله في الفقرة التالية.

стр. 324

رحلات العراقي في سبيل السنة ونتائجها قدمنا في كيفية طلب السنة في عصر العراقي أن تدوين علومها في مؤلفات متداولة لم يغن عن تلقيها من أفواه المسندين والحفاظ، وقراءتها وبحثها عليهم، وهكذا يقال بالنسبة للرحلة في سبيلها، فقد ظلت لها أهميتها عند حفاظ السنة، واعتبارها في تكوين شخصيتهم حتى عصر العراقي، وذلك لما يأتي (١): ١ - تحصيل مرويات السنة بسند عال أو أعلا من سند أهل بلد الشخص. ٢ - تحصيل مرويات لا يوجد في بلد الشخص من له بها رواية متصلة السند، خاصة بالسماع. ٣ - مباحثة حفاظ السنة ومذاكرتهم في فنون الدراية، المتعلقة بسند الحديث ومتنه، ومصطلح أهله. ٤ - الرغبة في الثواب الجزيل الذي وعد الله به الراحلون في سبيل العلم، والتأسي بمن رحل في سبيل السنة، من الصحابة والتابعين وأئمة الحفاظ، ومن أجل تحقيق تلك المقاصد، رحل العراقي كثيرا، وبذل أقصى جهده لدرجة المخاطرة بحياته، فشكلت الرحلات ركنا أساسيا، لا تكتمل ولا تستبين جوانب شخصيته باعتباره حافظا للسنة على مستوى عصره، بدون وضعها في الاعتبار، وبيان نتائجها تأثرا وتأثيرا، وأول ما يطالع الباحث في رحلات العراقي كثرتها، حتى صعب على مؤرخيه إحصاؤها، وفي مقدمتهم تلاميذه.

стр. 325

وولده ولي الدين أحمد، الذي صاحبه في غالبها. فيذكر ابن حجر: أن شيخه العراقي أكثر الترحال إلى الشام والحجاز، ورحل إلى الإسكندرية (١)، ونحو هذا ذكر البدر العيني (٢)، وذكر ابن حجر أيضاً أن تولية العراقي قضاء المدينة المنورة كما سيأتي، كان سببه ما لاحظه المسئولون من كثرة مجاوراته بالحرمين (٣) أي إقامته فترات متعددة، لتحصيل فضل العبادة في الحرمين بمكة والمدينة، وكذلك أشار ولي الدين بن العراقي إلى تعدد حجات والده ومجاوراته (٤)، أما ابن فهد والسخاوي، فبعد أن ذكرا بعض رحلاته تفصيلاً، لجا للتقدير الإجمالي، بأنه منذ رحلته الأولى للشام سنة ٧٥٤ هـ، مكث مدة لا تخلو له سنة - غالبًا - من الرحلة، إما من أجل الحديث وإما من أجل الحج (٥). وسيأتي بيان اشتمال رحلاته للحج والمجاورة على الاشتغال بالسنة، بجانب أداء الشعائر، وكذلك الأمر بالنسبة لتولي قضاء المدينة، ولذا عدت جميع رحلاته تلك رحلات حديثية، وتلك المدة التي أجملها ابن فهد والسخاوي وقررا أنها شهدت نشاطه الدائب في الرحلات، أستطيع من جانبي تحديدها بالفترة من ٧٥٤ هـ حيث قام بأول رحلة للشام، إلى سنة ٧٩١ هـ حيث عزل.

стр. 326

عن قضاء المدينة المنورة، فحج وعاد إلى القاهرة، وقضى بها بقية حياته كما سيأتي. ويلاحظ أن تلك الفترة طويلة، بحيث تقارب نصف عمر العراقي، وقل في عصره من عُرف عنه ذلك، وهذا يؤكد لنا أهمية الرحلات في حياته العلمية، ويفسر لنا كثرة عددها فعلا، حتى تعذر إحصاؤها وتتبع تفاصيلها حتى على ولده الذي صاحبه في غالبها. ولكن على ضوء ما حصلت عليه من معلومات مباشرة وغير مباشرة بشأن تلك الرحلات، وما ذكره العراقي نفسه من إشارات إليها، يمكنني تقسيمها إلى ثلاثة أقسام هي: ١ - الرحلات الشامية. ٢ - الرحلات المحلية داخل مصر. ٣ - الرحلات الحجازية. وعلى ضوء هذا الترتيب سأتناولها بالتحليل والموازنة، ورصد النتائج بعون الله. ١ - الرحلات الشامية وأهم نتائجها أ - الرحلة الأولى: لما كانت الشام في عامة عصر العراقي هي المركز الثاني بعد مصر لعلوم السنة ومعاهدها، فإن العراقي آثرها بكثير من رحلاته، وكانت أولاها في سنة ٧٥٤ هـ (١). ونلاحظ قيامه بها بعد أن توفي غالب الطبقة الذين تخرج على أحدهم وهو

стр. 327

الحافظ علاء الدين ابن التركماني، كما أنه استوفى حظه من أعلا شيوخه المصريين إسنادًا وهو الميدومي كما قدمنا. وبذلك أصبح عليه بمقتضى قواعد الطلب وشروط الحفاظ أن يرحل إلى أهم الجهات الأخرى التي تتوافر فيها الرواية والدراية، ليضيف إلى رصيده منها جديدًا، حيث لا يدرك سعة العلم من قنع بما عنده (١)، فقام بتلك الرحلة، وقصد من الشام مركز الثقل العلمي فيها وهو دمشق، حيث كانت حينذاك كالقاهرة بالنسبة لمصر، فرحل من قمة إلى قمة، وكان ذلك على ما يظهر بعد منتصف شهر صفر من سنة ٧٥٤ هـ؛ لأن العراقي سمع من «الحافظ مغلطاي» بالقاهرة في ١٤ صفر من السنة المذكورة، ثم كان أول من سمع منه في رحلته بضاحية الصالحية ظاهر دمشق، هو محمد بن موسى الشقراوي، وقد أرّخ العراقي بنفسه وفاته في جمادى الآخرة سنة ٧٥٤ هـ (٢) - كما أرخ وفاة شيخه الميدومي بمصر في ٢٥ رمضان من نفس السنة، وقال إنه حضر الصلاة على جنازته (٣)، ومعنى ذلك أنه عاد لمصر من الرحلة قبل هذا التاريخ، وعليه تكون الرحلة استغرقت عدة شهور، ومع ذلك فإنها كانت أخصب رحلات العراقي للشام، لالتقائه فيها بأبرز المشتغلين بالسنة حينئذ، من حفاظ ومحدثين ومسندين، وتحصيله لنتائج لم يحصلها في غيرها. وكان في مقدمة من التقى بهم من الحفاظ، تقي الدين السبكي، نظرًا لمكانته حيث كان قاضي قضاة الشام، ولسابق تلمذة العراقي عليه بمصر في

стр. 328

الفقه والحديث كما قدمنا، وقد كان السبكي بجانب رئاسة القضاء، يجلس للتحديث بناحية الكلاسة من دمشق، فقرأ عليه كبار حفاظها كالمزي والذهبي (١). كما ولي مشيخة الحديث بعدة مدارس بدمشق وضواحيها (٢)، وتناول في دروسه بها الحديث من مختلف جوانبه سندًا ومتنا (٣)، وشهد له الشمس الحسيني بالتبريز في فقه الحديث وعلله. فوصل العراقي حبل التلمذة له من جديد واستفاد منه في الرواية والدراية، فالرواية تظهر فيما رواه العراقي عنه في مؤلفاته الحديثية بسماعه منه مشافهة بدمشق (٤)، كما ذكر أيضًا بعض مروياته عنه بالإجازة (٥). وأما الدراية وهي أهم ما يستفاد من الحفاظ، فتظهر من اتفاق المؤرخين على أنه أثناء تلمذة العراقي في هذه الرحلة للسبكي، ذكره السبكي في دروسه، معظمًا شأنه، ومنوها بذكره، ووصفه بالمعرفة والإتقان والفهم والمهارة في الفن (٦). وتلك

стр. 329

أوصاف يدل غالبها على مباحثة العراقي معه فيما يتعلق بفهم معاني الحديث وعلله ومصطلح أهله، وعلى إبدائه في ذلك ما يوافق الصفات المذكورة، وشهادة الإمام السبكي له بذلك، بعد تلمذته له بمصر والشام، لها قيمتها في ميزان الأستاذ والتلميذ، كما أسلفنا في التعريف بالسبكي، وبيان أثره في العراقي، ونضيف هنا فقط تآزر هذا مع ما سيأتي، في تسجيل الدرجة العلمية للعراقي في علوم السنة رواية ودراية، حين قام بتلك الرحلة الأولى خارج مصر. وقد التقى العراقي أيضًا في تلك الرحلة بالحافظ الكبير إسماعيل بن عمر المعروف بابن كثير المتوفى بدمشق في ١٥ شعبان سنة ٧٧٤ هـ (١)، وما وصلنا من وقائع هذا اللقاء، يدل على أن رحلات العراقي منذ بدايتها كانت رحلات أخذ وعطاء، وكان العراقي خلالها عالمًا مفيدًا، بجانب كونه طالبًا مستزيدا، فإن غير واحد من مؤرخيه يذكرون أن السبكي حينما شهد للعراقي بما قدمنا، كان الحافظ ابن كثير موجودًا، فرد عليه بقوله: إنا استفدنا منه تخريج حديث ابن عباس ﵄ في الماء المشمس (٢)، ولا تظهر قيمة تصريح ابن كثير باستفادته تخريج هذا الحديث من العراقي، إلا إذا عرفنا الآتي: ١ - أن ابن كثير مشهود له بمعرفة متون الأحاديث وعزوها لمخرجيها. ٢ - أن هذا الحديث أورده الرافعي بدون سند في شرحه الكبير للوجيز،

стр. 330

وكان هذا الشرح عمدة فقهاء الشافعية حينئذ، ومحل عناية محدثي مصر والشام بتخريج أحاديثه كما قدمنا. وقد أورد الرافعي الحديث في كتاب الطهارة عن عائشة وابن عباس، فخرج العلماء رواية عائشة من عدة مصادر بعدة طرق غالبها موضوع (١). أما رواية ابن عباس فتعذر عليهم حينئذ أن يجدوا لها إسنادا (٢)، وبذلك صار الوقوف عليها في أحد مصادر السنة مُسندةً، قضية علمية تشغل مدرسة الحديث بمصر والشام، وتهم كلا من نفاة الحديث كابن كثير، ومثبتيه من الشافعية وغيرهم. وقد سجل ذلك رفيق العراقي ابن الملقن، حيث ألف تخريجًا كبيرًا لكتاب الرافعي المذكور، وفرغ منه قبل رحلة العراقي هذه بسنين. وخرج فيه حديث

стр. 331

عائشة السابق كغيره من المخرجين، ثم أتبعه بقوله: «الحديث السادس»: عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من اغتسل بالمشمس فأصابه وضح (١) فلا يَلُومَنَّ إِلَّا نفسه» ثم عَقب عليه قائلا: «هذا الحديث غريب، ليس في السنن الأربعة قطعا، حاشا الصحيحين منه، وليس هو في (السنن الكبير) و (المعرفة) للبيهقي ولا في «سنن الدارقطني» و «عِلله»، ولا في المسانيد، فيما فحصت عنه عدة سنين فوق العشرة، وسؤالي لبعض الحفاظ بمصر والقدس ودمشق عنه، فلم يعرفوه» (٢). ومن هذا يتضح أن تخريج العراقي للحديث ببيان موضعه من بعض كتب السنة أيا كان نوعها، يعتبر إفادة علمية ادخرها الله للعراقي، حتى جعل أستاذه ابن كثير مع مكانته في السنة، يشيد بها، ويذيعها عنه في إجابته لشيخه الآخر تقي الدين السبكي، مصدقًا على ما شهد به أمامه للعراقي، من المعرفة والإتقان والمهارة في فن الحديث، فكان ذلك أبلغ جواب، لتضمنه الموافقة ودليلها، واجتمع به للعراقي الشهادة بما ذكر، من أبرز حفاظ دمشق حينئذ، الموافق والمخالف، وهذا غاية ما يطمح إليه طامح. وقول ابن كثير وهو من نفاة الحديث المذكور، وخبراء التخريج (إنا استفدنا منه تخريج حديث ابن عباس) الخ، يشير إلى أن السؤال توجه من جماعة غيره واستفادوا مثله الجواب، حيث كان الوقوف على تخريج الحديث كما بينا مطلبا عاما، وخاصة للمتوقفين فيه من المشتغلين بالتخريج، وقد أشار ولي الدين

стр. 332

ابن العراقي لذلك أيضًا فقال: «قال لهم والدي ﵀ «إنه أي الحديث، في مشيخة القاضي أبي بكر الأنصاري»» (١)، ومما يسترعي النظر هنا أن تلك المشيخة التي دلهم العراقي على وجود الحديث بسنده فيها، كانت متداولة بمصر والشام حينذاك، ورواها العلماء في هذا العصر كاملة عن شيوخهم، مثلما رواها العراقي عن بعض شيوخه (٢)، بل كان ممن سمعها على العز الحراني ورواها لتلاميذه: الحافظ المزي (٣)، وابن كثير، ألصق تلاميذ المزي به، فقد لازمه، وتخرج على يديه، وقرأ عليه مؤلفه الضخم «تهذيب الكمال»، وصاهره على ابنته (٤)، فكيف خفي عليه هذا الحديث مع كل هذا، مثلما خفي على غيره، حتى جاء العراقي إلى دمشق، فاستفاده منه؟ يبدو لي أن الجواب القاطع هنا عسير، لكن على ضوء ما تقدم من اعتراف ابن كثير نفسه باستفادة تخريج الحديث من العراقي، وتقرير ابن الملقن وغيره أن تخريجه كان متعذرًا على مستوى مصر والشام، يمكن القول إن تداول رواية تلك المشيخة عن المزي وغيره، كان يتم إما بطريق الإجمال الذي أشرنا له في مرويات العراقي عن الميدومي، وإما بقراءة أولها على الشيوخ، واستجازتهم

стр. 333

بباقيها، لتحصيل اتصال السند، كما كان معتادًا، والحديث المذكور موجود في آخرها، فلا يوقف عليه إلا بنشاط المحدّث في الاطلاع الشخصي، كما هو شأن العراقي، فلما دعت الحاجة إلى الاهتمام بهذا الحديث، لم يتنبه أحد من طالبيه لوجوده في تلك المشيخة؛ لأن المشيخات عمومًا يقل فيها إيراد الأحاديث المفردة، وبالتالي فهي ليست من المظان المعتادة للتخريج ومع هذا فإن من الإنصاف أن نقرر أن العراقي كما لم ينفرد برواية المشيخة كلها، فإنه لم ينفرد أيضًا بالوقوف على الحديث فيها وتخريجه منها، بل شاركه في ذلك قرينه «سراج الدين بن الملقن» فإن في كتابه المتقدم في (تخريج أحاديث شرح الرافعي) بعد أن ذكر تعذر الوقوف على الحديث من جانبه عدة سنين ومن جانب غيره من حفاظ مصر والشام كما سبق، قال وفي مشيخة قاضي المرستان في أواخر الجزء الخامس منها، وقد أخبرني بها المسند أبو عبد الله محمد بن خالد الفارقي، أنا العز الحراني سماعًا و «النجيب» إجازة، أخبرنا ابن الحريف ضياء بن أبي القاسم سماعًا، أنا القاضي أبو بكر محمد بن عبد [الباقي] البزاز المعروف بقاضي المرستان … . وساق سنده بالحديث إلى الضحاك عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «من احتجم يوم الأربعاء أو السبت فأصابه داء فلا يلومن إلا نفسه، ومن اغتسل بالمشمس فأصابه وضح فلا يلومن إلا نفسه»، (الحديث بطوله)، ثم عقب عليه بأنه حديث واه، وبأن الضحاك لم يَلْقَ ابن عباس يعني أن سنده منقطع، كما ذكر أن في سنده عمر بن صالح، وهو كذاب اعترف بالوضع، وفيه أيضًا ابن المجد وهو صدوق، لكنه ناصبي منحرف عن الحق (١)، وبذلك نرى أنه خرج الحديث بسنده من نفس

стр. 334

المصدر الذي خرجه منه العراقي، وبحث سنده وبين درجته، كما ذكر روايته للمشيخة المذكور فيها الحديث كلها، مثلما ذكر العراقي روايته لها كلها عن بعض شيوخه (١)، وتخريج ابن الملقن الذي أثبت فيه ما تقدم، قد فرغ منه قبل رحلة العراقي هذه بسنين (٢)؛ بل أن العراقي نفسه قرر أن ابن الملقن، وغيره حدثوه عن الفارقي (٣) الذي روى عنه ابن الملقن هذه المشيخة، فلا يبعد أن يكون العراقي تلقى هذه المشيخة عن ابن الملقن، أو عن غيره ممن تلقاها عن الفارقي. لكن يظهر أن استفادة ابن كثير وغيره للحديث من العراقي في تلك الرحلة، كانت قبل اطلاعهم على تخريج ابن الملقن المذكور، وإلا لم يكونوا سألوه، وأحدث جوابه هذه الضجة، حتى صرح ابن كثير باسمهم، استفادته منه. وبذلك صار للعراقي فضل السبق في إخراج الحديث إلى دائرة الضوء أمام السائلين له بدمشق، ونُسب إليه إزالة توقف المغنيين منهم بتخريج الحديث في تلك الآونة، ثم شاركه بعد ذلك في إشهار الحديث بين الباحثين قرينه ابن الملقن، بتخريجه في كتابه كما مر. ثم إن موقف العراقي مع شيخه ابن كثير، قد تعدى حل قضية هذا الحديث إلى غيره، حيث قال: (وسمع عليَّ شيخنا الحافظ عماد الدين حديثا من أمالي ابن سمعون، ولم أكمل يومئذ ثلاثين سنة، سنة ٧٥٤ هـ بدمشق)

стр. 335

وَعَقَّبَ على ذلك بقوله: «وهذا ونحوه، من رواية الأكابر عن الأصاغر» (١) وأمالي ابن سمعون المذكورة، عبارة عن عشرين مجلسًا، من أمالي محمد بن أحمد بن سمعون الحديثية، وهي من عوالي مرويات العراقي، بقراءته على الميدومي (٢)، أعلا شيوخه المصريين إسنادًا كما تقدم، ولكن هذا لا ينسيه كما ترى الوصف الاصطلاحي لذلك، بأنه من رواية الأكابر عن الأصاغر، فبادل أستاذه ابن كثير تقديرًا بتقدير، حيث قدمنا أن في رواية الشهاب المقدسي أيضًا عن العراقي، وهو مقارب العشرين، دلالة هذا النوع من الرواية على تقدير الطرفين بعضهما البعض، حتى قال تاج الدين السبكي: «إن هذا فخار للراوي والمروي عنه، لا يعدله شئ» (٣) وذكر ابن فهد أيضًا: «أن ابن كثير كتب في هذه الرحلة بعض الفوائد العلمية عن العراقي» (٤)، وأكثر من هذا دلالة على قدر العراقي حينئذ، أنه اصطحب معه في تلك الرحلة الباكورة الضخمة النتاجه في السنة، وهو تخريجه الكبير للإحياء حيث كان قد فرغ من مسودته قبلها بنحو عامين، فلما أطلع عليه من لقيهم من أهل الحفظ والإتقان أقروا بجودته وإبداعه، حيث لم يعرف من سبقه لتخريج الكتاب، وقد كان من هؤلاء الحافظ ابن كثير أيضًا، وبلغ من تقديره للكتاب والمؤلفه أنه قرأ عليه

стр. 336

بعضه، فاتصل بذلك سنده برواية الكتاب عن تلميذه العراقي، ولعل هذا مراد السخاوي بقوله: «إن ابن كثير قرأ في هذه الرحلة على العراقي شيئًا (١)، وهذا التقدير لتخريج الإحياء مما يرد دعوى الحافظ ابن حجر: أن العراقي تشاغل به عن الطلب، فلو كان هذا عمل شخص لم يحصل السنة على وجهها، ويتمرس بالفن، لما نال هذا التقدير من الحفاظ المتقنين، حتى يقرأ منه ابن كثير على مؤلفه ما سمح به المقام». وإذا كان ابن كثير قد استفاد من العراقي في تلك الرحلة على هذا النحو، وأقر بمعرفته لعلوم السنة، وإتقانه، وبجودة تأليفه، فإن العراقي قد استفاد من ابن كثير أيضًا فيها وفي رحلاته التالية، نظرًا لتأخر وفاته إلى ما بعد آخر رحلة للعراقي إلى الشام كما سيأتي. وقد ظهرت هذه الاستفادة في جانب الدراية أكثر من جانب الرواية، حيث نقل في نكته على كتاب ابن الصلاح نقولا عديدة عن مختصر ابن كثير للكتاب (٢)، ومع أنه ناقشه في بعض تلك النقول بشدة كما سنرى ذلك في موضعه، إلا أن كثرة النقول في حد ذاتها دليل على اطلاعه على الكتاب واستفادته منه بصفة عامة، وهو متضمن الخلاصة آراء الحافظ ابن كثير في دراية فنون السنة ومصطلح أهلها. أما ثالث الحفاظ الذين التقى بهم العراقي التقاء مؤثرا: فهو صلاح الدين العلائي، ويظهر أن العراقي ذهب إليه بالقدس، بعد أن أخذ حظه العلمي والتقديري من علماء دمشق، وضواحيها، وذلك لأنه كان أول سماعه في تلك الرحلة بصالحية دمشق، كما قدمنا، بينما كان العلائي حينذاك بالقدس،

стр. 337

يسكن المدرسة الصلاحية، ويشتغل فيها بالتدريس والتحديث (١). وقد أثبت العراقي روايات متعددة عنه بالقراءة عليه ببيت المقدس (٢)، ويذكر ابن فهد أن العراقي في هذا اللقاء انتفع بالعلائي ولازمه وأخذ عنه علم الحديث (٣)، كما ذكر هو وغيره أن اجتماع العراقي في هذه الرحلة بالسبكي والعلائي زاد تفننه (٤)، نظرًا لما لكل منهما من تضلع في دراية علوم السنة متنا وسندًا، وفي تعريفنا المتقدم بالسبكي بينا مدى تأثيره في العراقي وإفادته له، وسيأتي توضيحنا لهذا في التعريف بالعلائي باعتباره أنموذجًا لشيوخ العراقي من حفاظ الشام المؤثرين فيه. وقد ذكر ابن فهد وغيره من تقدير العلائي للعراقي ما يطابق تقدير السبكي وابن كثير المتقدم ذكره، مع زيادة «وصفه بالحفظ» (٥). وقد أوضحنا من قبل أنه وصف اصطلاحي، متى وصف به أحد الحفاظ المعتبرين تلميذه، صار شهادة له ببلوغ درجة «الحافظ»، ولما كان العلائي من الحفاظ المعتبرين، وقد تتلمذ له العراقي ولازمه، فمقتضى وصفه له بالحفظ أنه صار في ختام رحلته تلك أحد حفاظ السنة المشهود لهم بذلك، على مستوى مصر والشام، حيث تقدم تلقيبه بالحفظ أيضًا من شيخيه المصريين، الإسنوي وابن جماعة، وهذا

стр. 338

مما يدفع قول الحافظ ابن حجر: «إن العراقي لم يطلب السنة على وجهها، إلا منذ سنة ٧٥٢ هـ، حيث لا يعقل أن يتفق أولي الخبرة من شيوخه بمصر والشام على وصفه بالإتقان، والمهارة في الفن، ويلقبه غير واحد منهم بالحافظ، وهو لم يطلب السنة على وجهها غير عامين فقط، قبل قيامه بتلك الرحلة، ولعل هذا ما جعل الحافظ ابن حجر أيضًا يعتبر إطباق هذه الصفوة من شيوخ العراقي، وشيوخ عصره، على الشهادة له حينئذ بمعرفة الفن والمهارة فيه، نوعا من المبالغة، فذكر وصف الإسنوي له بحافظ العصر، ووصف العلائي والسبكي له بالمهارة في الفن (١) ثم قال في موضع آخر: وتقدم (أي العراقي) في فن الحديث، بحيث كان شيوخ عصره وحفاظه يبالغون في الثناء عليه بالمعرفة، كالسبكي والعلائي والعز بن جماعة والعماد بن كثير وغيرهم (٢)، ثم قلد ابن حجر في هذا غير واحد من بعده (٣)، والمعروف أن ما يتفق عليه ذووا الشأن يعتبر حقيقة وليس مبالغة ولذا فإن ابن حجر نفسه يعود فيعترف ببلوغ شيخه العراقي فيما بعد درجة الحافظ الكامل كما سيأتي، فانحصرت معارضته في التوقيت فحسب. هذا مجمل لقاء العراقي بأبرز حفاظ الشام أولي الدراية، وأهم نتائج لقائه تأثرًا وتأثيرًا». وبالنسبة لغير الحفاظ من المحدثين، فقد التقى العراقي بغير واحد منهم، حتى جمع بين اثنين منهم مع الحافظ السبكي في سياق رواية واحدة فقال: «وأخبرني

стр. 339

الحافظ أبو الحسن علي بن عبد الكافي (السبكي)، والمحدثان: أبو الثناء محمود بن خليفة المنبجي، وعبد الله بن يعقوب بن سيدهم … مشافهة منهم بدمشق الخ» (١)، وجمع بين المنبجي والسبكي في روايات أخرى عنهما مشافهة بدمشق أيضًا (٢). أما قسطه الأوفى من الرواية، فقد تلقاه عن أبرز المسندين المنفردين بعلو من الإسناد والمكثرين من المرويات، فكان فيما حصله منهم تعويض عما فاته من قبل، وإلى ذلك أشار ابن حجر فقال: «ثم رحل إلى دمشق سنة ٧٥٤ هـ، فأعلا من بقي بها: أحمد بن عبد الرحمن المرداوي، وهو خاتمة أصحاب الكرماني، ومحمد بن إسماعيل بن الخباز، وهو خاتمة أصحاب ابن عبد الدايم، (فأخذ عنهما) وعن ابن القيم، وابن الحموي ونحوهم» (٣). وقوله: «ونحوهم»، إنما هو إشارة لكثيرين، ظهر لي من البحث صعوبة حصرهم، ممن لقيهم العراقي في رحلته تلك، وروى عنهم كتب علوم السنة المختلفة، مراعيا تحصيل ما انفرد به كل منهم، أو ما امتازت به روايته عن غيره، أو ما لم يكن للعراقي به رواية سابقة من الكتب، ونحو ذلك مما يحقق به قواعد الطلب، وشروط الحفاظ، وفوائد الرحلة. ولو أنني تتبعت فقط من أثبت العراقي روايته عنهم في مؤلفاته المختلفة من شيوخ تلك الرحلة، لطال المقام، ولذا فإنني أكتفي ببيان ما تلقاه عن الأربعة الذين مثل بهم ابن حجر، نظرا لكثرة مروياته عنهم، واشتمالها على أنواع

стр. 340

كتب الرواية والدراية، بالإضافة لانفراد اثنين منهم بعلو السند على مستوى دمشق، وربما عموم الشام حينذاك، وهما: ابن الخباز والمرداوي كما تقدم. فبالنسبة لابن الخباز، وهو محمد بن إسماعيل المتوفى سنة ٧٥٦ هـ، كان يُسْمِعُ الطلاب بمنزله، فذهب إليه العراقي، وقرأ عليه بنفسه جميع «صحيح مسلم» في ٦ مجالس متوالية، قرأ في آخر مجلس منها أكثر من ثلث الكتاب، وكان ذلك بحضور الحافظ المشهور زين الدين ابن رجب الحنبلي المتوفى سنة ٧٩٥ هـ، الذي كان يعارض أثناء القراءة بنسخته من (صحيح مسلم) لتوثيقها كما هو معروف (١)، وقرأ عليه بمنزله أيضًا مسند أحمد ابن حنبل كله، في نحو ٣٠ ميعادًا (٢). ويلاحظ أن هذين الكتابين لم يكن سبق للعراقي قراءتهما على أحد غير ابن الخباز، فكان تلقيهما عنه بسنده المنفرد بالعلو، إضافة قيمة لسابق مرويات العراقي العالية، كما أن قراءته لهما بنفسه على النحو المذكور، خير شاهد على نشاطه وجهده الكبير في طلب السنة، خاصة وأنه تلقى عن ابن الحباز هذا من كتب السنة الأخرى عددًا كبيرًا، يشمل علوم الرواية والدراية، كما سنبينه في التعريف به باعتباره أنموذجا لشيوخ العراقي من مسندي الشام. وأما المرداوي: فهو أبو العباس أحمد بن عبد الرحيم المتوفى في رمضان سنة ٧٥٨ هـ، وقد أشار العراقي إلى أنه كان يسترضيه ويتألفه للسماع عليه، نظرًا لكبر سنه حينئذ (٣)، وقد روى عنه بمشافهته له بما سنده به أعلا من غيره من

стр. 341

الشاميين (١)، كما أثبت بعض رواياته عنه بظاهر دمشق (٢). وبالنسبة لابن الحموي: وهو محمد بن إسماعيل بن عمر الحموي المتوفى بدمشق سنة ٧٥٧ هـ، فقد كان أيضًا من ذوي الإسناد العالي، والرواية الكثيرة، ووصفه الذهبي بعد السماع منه بأنه مُلْحِقُ الصغار بالكبار (٣). وقد أكثر العراقي الرواية عنه في تلك الرحلة، وخاصة ما كان منفردا به، ولم يسبق للعراقي سماعه من غيره، وذلك مثل السنن الكبرى للبيهقي، التي يوصي العلماء طالب السنة بدراستها (٤)، فقد كان الحموي منفردا بسماعها من بعض شيوخه، فقرأ العراقي منهما عليه نحو النصف، وذلك من أولها إلى آخر كتاب الإيلاء (٥)، ومما يصور جهد العراقي في ذلك، أن نصف هذه السنن يبلغ خَمْس مجلدات كبار، بحسب طبعتها التي بين أيدينا اليوم. وقد أثبت العراقي، أن قراءته على الحموي كانت بجامع دمشق (٦)، وكُتُب البيهقي عموما يوصي العلماء بتحصيلها، كما أثبت أيضًا روايته عنه كتاب المدخل إلى سنن البيهقي (٧)، وروى عنه كذلك بعض الأمالي الحديثية لأبي القاسم بن

стр. 342

الجراح (١)، وقد ذكر بعض مروياته عنه فيما رواه بأعلا أسانيد عصره (٢)، وغيرها (٣). وأما خاتمة هذه النماذج الأربعة، وهو ابن القيم، فهو عبد الله بن محمد ابن إبراهيم الدمشقي الصالحي الحنبلي المعروف بابن قيم الضيائية المتوفى في ٢٥ من المحرم سنة ٧٦١ هـ، وهو غير ابن القيم المعروف بابن قيم الجوزية، مع اتفاقهما عصرًا ومصرًا، إلا أن الثاني متوفى سنة ٧٥١ هـ، قبل رحلة العراقي هذه. أما الأول، فقد طال عمره فوق التسعين، حتى صار مسند وقته بعد الثلاثة المتقدمين، وتفرد بكثير من مروياته بالسماع، فانتفع به كثيرون: كالحافظ الذهبي وغيره، والتقى به العراقي في أكثر من رحلة بعد هذه كما سيأتي، فكثرت بذلك مروياته عنه، بالسماع منه مشافهة (٤)، وبالقراءة عليه (٥)، وقد أثبت العراقي أن التقاءه به كان بسفح قاسيون، بضاحية الصالحية، ظاهر دمشق (٦). وهي يومئذ أثرى الضواحي بالمحدثين (٧). وقد كان تفرده بكثير من مروياته العالية مما أنتج تثرية حصيلة العراقي منها، حتى روى عنه ما هو أعلا من روايته عن الميدومي، الذي يعتبر أعلا شيوخه المصريين إسنادا كما مر (٨)،

стр. 343

كما أنه الوحيد من شيوخ العراقي الشاميين الذي وقفت على صورة إجازته للعراقي بجميع مروياته كما سيأتي، ولعل خير شاهد على حصيلة ما تلقاه العراقي عنه من مرويات، أن ابن حجر وحده قرأ على العراقي (٢٢) كتابا من مختلف كتب السنة التي تلقاها العراقي عن ابن قيم الضيائية، بالقراءة والسماع، منها: كتاب «الدعاء» للطبراني (١)، وقطعة من «صحيح أبي عوانة» (٢)، و «مسند العدني» (٣)، ومنها كثير من الأجزاء الحديثية الهامة، التي يشترط في حافظ السنة تحصيلها ودرايتها، «كجزء الغطريف» (٤). ومنها الأمالي الحديثية: كأمالي الجوهري (٥). ومنها ما يتعلق بعلم الرجال: كـ «المبهمات» للخطيب البغدادي (٦)، وجزء معرفة من اسمه (عطاء) للطبراني (٧). ومنها الفوائد الحديثية: كفوائد ابن عبدان (٨)، وينبغي ملاحظة أن غالب تلك الكتب مما انفرد ابن قيم الضيائية في وقته بروايته بالسماع عن شيوخه، كما لم يعرف قراءة العراقي أو سماعه لها على غيره من قبل، وبذلك كانت إضافات جديدة لحصيلته من مرويات كتب السنة في الرواية والدراية، كما.

стр. 344

تقضي بذلك قواعد الاختصاص بالسنة، وقد ضمن العراقي مؤلفاته كثيرًا من مروياته العالية السند، التي تلقاها عن ابن القيم هذا (١). هذا مجمل لما تلقاه العراقي عن هذه النماذج الأربعة من مسندي الشام، بالإضافة لما سبقت الإشارة لأخذه عن أبرز الحفاظ، وفي هذا وذاك شواهد قوية على ثراء حصيلته من تلك الرحلة، والجهد الكبير الذي بذله خلالها، حتى حصل في شهورها المعدودة ما كان يُحصله غيره في سنين، على أن همة العراقي الفتية، ونهمته النابعة من حبه لمادة تخصصه، جعلاه يستقصي الثقات من ذوي السند العالي والمرويات النادرة، ليضاعف رصيده العلمي قبل عودته لمصر، إلا أن مطلبه لم يكن ميسرًا على الدوام، فإذا كان قد وجد من المسندين بدمشق من يفتح بَيْتَهُ لطلاب السنة، ويصبر الساعات الطويلة على أداء ما تحمله إليهم، دون أن يكلفه بذلك أحد أو يجازيه، فإنه قد وجد بصالحيتها من يمتنع عن التحديث، لسبب أو لآخر، مُشكلا بذلك عقبة تحول بينه وبين ما هو حريص على تحصيله من المرويات، وذلك أنه قصد خلال الرحلة: المسند الثقة الصالح أبو الفتح يحيى بن عبد الله بن مروان الفارقي المتوفى سنة ٧٦٣ هـ، وكان إمام دار الحديث الأشرفية بصالحية دمشق، وأراد أن يسمع عليه ما كان منفردًا به من المرويات، فامتنع الشيخ تورعًا من مسئولية الرواية؛ لكثرة تحديثه من قبل، ولم يسهل على العراقي ترك ما عنده والإكتفاء بغيره، فلجأ إلى شيخه الكبير وقاضي قضاة الشام حينئذ، وهو تقي الدين السبكي، ليشفع له عند الفارقي، لكن السبكي بدوره تورّع، وقال للعراقي:

стр. 345

«هذا رجل صالح، لا أود تكليفه»، فماذا يفعل بعد هذا الرد من أكبر شخصية بعد الحاكم يمكن أن تؤثر على الشيخ؟ لقد ظل على عزيمته التي عهدناها منه في موقفه السابق مع شيخه الرشيدي، من أجل حفظ كتاب «الحاوي الصغير»، فعاد إلى الفارقي بنفسه، وما زال هو وبعض رفاق الطلب يستر ضونه، حتى يشر الله عسره، وشرح صدره، فحدثهم بما ذكروا له أنه انفرد به (١)، وذكر ابن حجر من ذلك جزئاً من حديث عثمان بن محمد الجُمَحي (٢). وهكذا تحقق للعراقي مطلبه، وذلل تلك العقبة بمزيج من صبره وعزمه، وعاد بعد شهور تلك الرحلة، وقد تكللت هامته بالنجاح والتقدير، واستوفى حظه الأوفى من الرواية والدراية، على يد المشتغلين بالسنة، من حفاظ ومحدثين ومسندين، سواء في بيوتهم، أو في مدارس الحديث أو المساجد، كما جعل لنفسه ذكراً، وصنع لها مكانة، بين علماء السنة بمصر والشام. ب - الرحلة الثانية: فلما كانت سنة ٧٥٨ هـ، رحل العراقي ثانياً إلى دمشق، وقد ذكر تلك الرحلة «ابن فهد»، دون إعطاء تفصيلات عنها (٣). ونحن نلاحظ أنها تأتي بعد وفاة غير واحد ممن أخذ عنهم العراقي في رحلته الأولى، وخاصة شيخه الكبير تقي الدين السبكي، وقد تولى منصبه بالشام ولده تاج الدين.

стр. 346

عبد الوهاب ابن السبكي، حتى توفي بظاهر دمشق في ٧ ذي الحجة سنة ٧٧١ هـ (١). ويظهر أن صلة العراقي بوالد الشيخ تاج الدين، قد انتقلت إليه، حتى أشار في «طبقاته الكبرى» إلى العراقي بعبارة «بعض أصحابنا»، والعراقي ما زال حياً، وذكر تخريجه لـ «إحياء علوم الدين» بما يدل على معرفته بمضمونه (٢). وهذا يشير إلى التقاء العراقي به في تلك الرحلة وما تلاها، وإلى اصطحابه تخريج الإحياء في غير رحلته الأولى، حتى اطلع ابن السبكي عليه، لكن لم أجد للعراقي رواية عنه، مع أنه ذكر بعض مروياته العالية، وحدد زمن تلقيه لها بالرحلة الثانية، فقال في الحديث (٢٤) من عشارياته: «أخبرني به الشيخ الصالح يوسف بن عثمان بن محمد الأعزازي الأصل، الطرابلسي، بقراءتي عليه (بتاران) - قرية من قرى طرابلس - في الرحلة الثانية» (٣). وقد أشار ابن حجر إلى علو سند الأعزازي هذا، ثم قال عنه: «سكن (بارين)، قرية من قرى حماة، وسمع منه بها شيخنا العراقي وحدثنا عنه» (٤). ومن هذا وذاك نفهم أن العراقي لم يقتصر في تلك الرحلة على الأخذ من علماء دمشق على كثرتهم، بل بحث عن ذوي السند العالي من الثقات في

стр. 347

غيرها، ورحل إليهم، وتتبع بعضهم في أكثر من بلد، مثل الأعزازي هذا، طلباً للمزيد من علوم السنة ومروياتها المتميزة، باذلاً في ذلك الجهد ومستطيباً في سبيل السنة تحمل المشاق، دون أن يكلفه بذلك أحد أو يكافئه. وبعد أن طوف العراقي بما أراد من مواطن علماء الرواية والدراية بمدن الشام وقراها، وتزود بما أتيح له منهم، قفل راجعاً إلى القاهرة. جـ - الرحلة الثالثة: ما كاد العراقي يلتقط أنفاسه، وينفض غبار رحلته السابقة، حتى رأيناه يعد نفسه، ويحزم أمره من جديد، لمعاودة الرحلة للشام لثالث مرة، وذلك في نفس السنة التالية لرحلته المتقدمة مباشرة وهي ٧٥٩ هـ، وهذا مصداق ما تقدم، أنه مكث مدة لا تخلو له سنة من الرحلة، ولا شك أن ذلك قمة في الاهتمام بطلب السنة، واستفراغ من العراقي لأقصى قدر، من ماله وطاقة شبابه الجسمي والعقلي، في تحصيل علومها، خاصة عندما نقف على بعض تفاصيل تلك الرحلة واتساع دائرتها، حيث يقول ابن فهد: «إن العراقي في هذه النوبة جال في طلب الحديث غالب البلاد التي بها الرواية (١)»، وقد أسلفنا في حالة العصر أن منطقة الشام حينئذ كانت قد تطهرت عموماً من الصليبيين، وأخذت تعود إلى مدنها وقراها روح الأمان والعمران والازدهار العلمي، فانتشرت بها مدارس الحديث، وكثر بها المشتغلون بالسنة، ويظهر من تفاصيل جولة العراقي التي أشار إليها ابن فهد، أنها شملت من «غزة» جنوباً، إلى «حلب» في أقصى شمال الشام، فكانت بذلك أوسع رحلاته

стр. 348

عمومًا، وأدلها على نشاطه وجهده ووفرة تحصيله، ولو أردت تتبع ما وقفت عليه من ذكر شيوخه بكل بلد، وتبيين ما أخذه منهم أو أعطاه، كما فعلت في رحلته الأولى، لطال المقام واتسع، ولهذا فإنني سأكتفي بذكر كل بلد رحل إليها وأحد شيوخه الذين سمع منهم بها، ومن أراد المزيد فليرجع إلى المصادر التي سأحيل عليها بالهامش. وأبدأ بدمشق لأنها المقصد الأول الذي كان يتجه له العراقي في كل رحلة، لأهميتها المتقدمة، ثم يتحرك منها لغيره، ولعله كان يستدل فيها على من ينبغي الرحلة إليه من شيوخ الجهات الأخرى، ونلاحظ أن العراقي في دمشق أخذ عن بعض من تتلمذ لهم في رحلته الأولى، حيث إن الزمن في كل رحلة لم يكن يتسع لتلقي كل مرويات من يلقاهم، فيأخذ عنهم الأهم، كما تقضي قواعد الرحلة والطلب (١). فمن ذلك مثلا ابن قيم الضيائية المتقدم، فقد أثبت العراقي بعض رواياته العالية عنه بصالحية دمشق في الرحلة الثالثة (٢)، كما وقفت على نسخة خطية لجزء في أحاديث الصفات للدارقطني، وفي نهايته طبقة سماع الجزء على «ابن القيم» المذكور، وذكر الناسخ أن الطبقة كانت مكتوبة بخط الحافظ زين الدين العراقي على أصل النسخة، ثم نقل نصها، وفيه: أن العراقي قرأ الجزء المذكور على ابن القيم، وسمع آخرون، وذلك يوم الخميس ١١ شعبان سنة ٧٥٩ هـ بمصلى «المظفر» بسفح قاسيون (٣) وقال العراقي في نهاية الطبقة:

стр. 349

وَأَجَازَ لَنَا المُشَمِّع، أي ابنُ القَيِّم، مَا يَجُوزُ لَهُ رِوَايَتُهُ وَالحَمْدُ للهِ (١). وهذه هي صورة الطبقة الوحيدة التي وَقَفْتُ عليها، لإثبات قراءة العراقي على بعض شيوخه بالشام وإجازته منه بعامة مروياته، ولكن المعروف علميًا، والمعتاد في ذلك العصر، أن الطالب كان يحرص على تحصيل مثل هذا الإثبات بما قرأه أو سمعه أو أُجيز به من شيوخه ببلده وغيرها. ويُستدل من تاريخ قراءة العراقي للجزء المذكور، على زمن ابتداء تلك الرحلة، كما يُستدل من نقل هذه الطبقة عن خط العراقي، على أنه كان يحرص على إثبات قراءته أو سماعه أو إجازته كتابيًا، ويكتب بخطه طبقات السامعين معه، وإجازتهم، وتاريخ ومكان السماع، كما تقضي القواعد بذلك (٢)، وقد صرح الحافظ ابن حجر بوقوفه على بعض طبقات سماع أخرى بخطه (٣). وهناك من الشيوخ من لقيهم العراقي مجددًا بدمشق في تلك الرحلة، مثل أبي الفداء إسماعيل بن علي بن سنجر الذهبي، وأرخ بنفسه وفاته في شعبان سنة ٧٦١ هـ (٤)، ولم أجد له ذكرًا ضمن من تلقى عنهم في رحلتيه السابقتين، فلعله التقى به في تلك الرحلة الثالثة، وقد قال عنه: «أخبرني بقراءتي عليه لبعض «المستدرك»، وإجازة لباقيه» (٥)، ويُعتبر هذا من الفوائد الجديدة لتلك

стр. 350

الرحلة، حيث لم يذكر تلقيه لمستدرك الحاكم عن غير إسماعيل المذكور، إلا بطريق الإجازة فقط، دون القراءة، ومما قرأه عليه أيضًا «جزء الجعفي»، وهو من الأجزاء الحديثية الهامة (١). أما باقي البلاد التي شملتها جولة العراقي فنذكرها على النحو التالي: ١ - غزة، وممن سمع منه فيها: محمد بن سالم بن عبد الناصر المتوفى سنة نيف وخمسين وسبعمائة (٢). ٢ - الخليل، وسمع فيها من جماعة منهم: خليل بن عيسى القيمري (٣). ٣ - بيت المقدس، وسمع فيها من كثيرين، أهمهم صلاح الدين العلائي، وتقدم أنه لازمه بها أيضًا في الرحلة الأولى. ٤ - نابلس، وممن سمع منه بها: محمد بن عثمان بن عبد الرحمن بن نعمة (٤). ٥ - بعلبك، وكان بها حينذاك «دار الحديث المعيدية» زاخرة بالنشاط الحديثي (٥)، مما أتاح للعراقي وفرة السماع والاستفادة من علمائها، وممن سمع

стр. 351

مِنْهُم: عبد الْقَادِرِ بن علي بن السبع البعلبكي (١). قال ابن حجر: «سَمِعَ مِنْهُ شَيْخَنَا - يعني العراقي - وأرخ وفاته في ربيع الأول سنة ٧٦١ هـ» (٢). ٦ - صفد، وَمِمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ بها المسندة الصالحة الشيخة: ست الفقهاء ابنة أحمد بن محمد العباسي، الأصبهانية (٣)، وكانت تشارك المزي في التحديث بأجزاء من أمالي الجوهري الحديثية، قال ولي الدين بن العراقي: «سَمِعَ منها والدي والهيثمي بصفد» (٤). وحدّثه ابن حجر من مسموعات العراقي عليها المجالس ٣، ٤، ٦، ٧، ١١ من أمالي الجوهري المشار إليها (٥) كما ذكر أن العراقي أرّخ وفاتها بنفسه في شعبان سنة ٧٦٥ هـ (٦)، ورواية العراقي عنها المجالس المذكورة مجتمعة بسندها، تُعَدُّ من الفوائد الجديدة، لأن روايته لها عن غيرها، موزعة بين شيخين: أحدهما مصري، وهو أبو الحسن العرضي، والثاني شامي، وهو ابن قيم الضيائية المتقدم ذكره، وقد سَمِعَ منه مجالس ٦، ٧ و ١١ بسند ثالث (٧). ٧ - طرابلس الشام، وسَمِعَ فيها من كثيرين، في مقدمتهم قاضيها العلامة

стр. 352

محمد بن أبي بكر بن عياش الخابوري المتوفى بها في ٢٧ من المحرم سنة ٧٦٩ هـ (١). - حمص، وفيها سمع من جمع (٢)، كقاضيها قطب الدين محمد بن عبد المحسن السبكي الشافعي، قال ولي الدين بن العراقي: «سمع منه والدي بحمص، وتوفي بدمشق سنة ٧٦٤ هـ» - (٣). - حماة، وفي مقدمة من سمع منهم بها قاضيها: عبد الرحيم بن إبراهيم، المعروف بابن البارزي (٤). - حلب، وهي أقصى مدن الشام الرئيسية شمالاً، ومنتهى ما رحل إليه العراقي في جولته هذه، وممن سمع منه بها القاضي جمال الدين إبراهيم بن محمود بن سليمان بن المطوع (٥)، وقد أرخ العراقي وفاته في شوال سنة ٧٦٠ هـ، ورجح ابن حجر كونها في ذي الحجة (٦).

стр. 353

تعقيب: هذا مجمل لجولة العراقي الواسعة في تلك الرحلة، بين مدن الرواية، ومدارس الحديث بالشام، من أقصى الجنوب، لأقصى الشمال، ولم تمدني المراجع العديدة المباشرة، وغير المباشرة التي رجعت إليها ببيان الزمن الذي استغرقته تلك الرحلة، ولا بترتيب معين لتنقل العراقي بين المدن المذكورة، وأغلب الظن أن هذا خضع للأهمية العلمية لكل بلد، وللظروف المواتية للرحلة إليها: من أمن الطريق، ووجود القافلة التي يسافر معها لتجنب الأخطار، وتوفر الزاد والراحلة، وحيال ذلك كله، وما ذكر من تلقيه في كل بلد عن عدد من شيوخه وشيخاته، يمكن القول: إن الرحلة بأكملها استغرقت شهورا أكثر من أي رحلة سابقة. وهذا كله يصور لنا مدى قوة العزيمة التي توفرت للعراقي، والرغبة الأكيدة في تحصيل علوم السنة، حتى تحمل تلك المتاعب والمخاطر، كما يتضح لنا ضخامة الحصيلة العلمية التي عاد بها في نهاية المطاف إلى مصر، مع اعتبار ما كان يقدمه من جانبه في مجالي الرواية والدراية لرفاقه في الطلب، أو لشيوخه كما رأينا في رحلتيه الأولى والثانية. د - الرحلة الرابعة: هذه الرحلة لم أجد من ذكرها بالتحديد كسابقاتها، ولكني استنتجتها من بعض الشواهد، ففي ترجمة المسند أبي العباس أحمد بن محمد بن أحمد المعروف بابن الرفاق، وبابن الجوخي، المتوفى في ١١ شعبان سنة ٧٦٤ هـ قال ولي الدين ابن العراقي عنه: «حدث كثيرا وسمع منه والدي .. وكتب لي

стр. 354

بالإجازة من دمشق» (١)، كما ذكر ابن حجر بعض مسموعات العراقي منه (٢). وبما أن الرحلة السابقة كانت سنة ٧٥٩ هـ، وولي الدين ابن العراقي مولود بعدها في ٣ ذي الحجة سنة ٧٦٢ هـ، ثم لم يرحل به والده إلا في سنة ٧٦٥ هـ كما سيأتي، فلا تتاح له إجازة هذا المسند من دمشق - فيما يظهر - إلا برحلة والده إليها، بعد ولادته سنة ٧٦٢ هـ، وقبل وفاة المسند المذكور في التاريخ المتقدم في التاريخ المتقدم من سنة ٧٦٤ هـ، ومما يؤيد هذا، تصريح المؤرخين كما أسلفنا بتعدد رحلات العراقي بعد رحلة دمشق الأولى سنة ٧٥٤ هـ. على أن هذا المسند ممن قرأ العراقي الحديث عليه في رحلته الأولى، وروى عنه بالسند العالي في عشارياته (٣)، لكن إجازته لولي الدين كما مر، لا تتأتى إلا بعد ولادته في سنة ٧٦٢ هـ، ومقتضى حصول العراقي منه على هذه الإجازة لولده، أن يكون سمع منه أيضا في تلك الرحلة كما سمع من غيره، وعاد وهو مزود برصيد علمي جديد. هـ - الرحلة الخامسة والأخيرة: هذه الرحلة خامسة بالنسبة لما ذكرته فقط من رحلات العراقي الشامية؛ لأن حصرها وترتيبها كما أوضحنا غير ممكن، وقد قام بها الحافظ العراقي في سنة ٧٦٥ هـ بعد أن تزوج ورزق بولده ولي الدين أحمد وغيره، حيث يقول ابن فهد: «وفي سنة ٧٦٥ هـ رحل بأولاده إلى الشام، فأسمعهم بها» (٤) وقد

стр. 355

ذكر ولي الدين، أن تلك كانت آخر رحلات والده إلى الشام، حيث قال في ترجمة والدته: «وذهبت مع والدي إلى الشام في رحلته الأخيرة إليها سنة ٧٦٥ هـ» (١)، كما أنها كانت في مطلع السنة المذكورة، نظرا لقيام العراقي بها أول ما طعن ولده ولي الدين في الثالثة من عمره (٢)، وقد ولد ولي الدين في آخر شهور سنة ٧٦٢ هـ كما مر، فيكون أول طعنه في الثالثة موافقا لأول سنة ٧٦٥ هـ، ولئن كانت الرحلات السابقة قد حملت العراقي المتاعب التي أشرنا إليها، وهو مسئول عن نفسه فقط، فإن هذه الرحلة بلا شك كانت أكثر أعباء ومشقات نظرا لمسئوليته عن زوجته وأطفاله الصغار سواء من ناحية الحماية والمؤونة والإنتقال والإقامة، مع ما عرف به من ضيق ذات اليد، وعفة النفس الزائدة، أو من ناحية إسماعهم الحديث وإجازتهم، حيث كان ذلك من الأهداف الرئيسية لاصطحابهم معه في تلك الرحلة، وهو أيضًا من الأدلة على محبته للسنة، حتى عني بتعليمها لأسرته، وتحمل الأعباء المتعددة في سبيل ذلك، وما أحراه أن يكون قدوة في هذا لكل مسلم، فضلا عن كل عالم، وقد نهض بتلك الأعباء على الوجه الأتم، كما تدل الإشارات التي وقفت عليها لوقائع تلك الرحلة، فهيأ للأسرة مطية السفر إلى الشام، وذكر ولي الدين: أنه كان يميز الجمل الذي حملهم والده عليه من غيره (٣). ثم أمدنا ولي الدين كذلك بكثير من وقائع تلقي علوم السنة التي حصلها والده لنفسه ولأسرته، سواء في دمشق التي كانت مقصد الرحلة الأول، أو في خارجها،
следующие страницы →