مِنْهُم: عبد الْقَادِرِ بن علي بن السبع البعلبكي (١). قال ابن حجر: «سَمِعَ مِنْهُ شَيْخَنَا - يعني العراقي - وأرخ وفاته في ربيع الأول سنة ٧٦١ هـ» (٢).
٦ - صفد، وَمِمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ بها المسندة الصالحة الشيخة: ست الفقهاء ابنة أحمد بن محمد العباسي، الأصبهانية (٣)، وكانت تشارك المزي في التحديث بأجزاء من أمالي الجوهري الحديثية، قال ولي الدين بن العراقي: «سَمِعَ منها والدي والهيثمي بصفد» (٤). وحدّثه ابن حجر من مسموعات العراقي عليها المجالس ٣، ٤، ٦، ٧، ١١ من أمالي الجوهري المشار إليها (٥) كما ذكر أن العراقي أرّخ وفاتها بنفسه في شعبان سنة ٧٦٥ هـ (٦)، ورواية العراقي عنها المجالس المذكورة مجتمعة بسندها، تُعَدُّ من الفوائد الجديدة، لأن روايته لها عن غيرها، موزعة بين شيخين: أحدهما مصري، وهو أبو الحسن العرضي، والثاني شامي، وهو ابن قيم الضيائية المتقدم ذكره، وقد سَمِعَ منه مجالس ٦، ٧ و ١١ بسند ثالث (٧).
٧ - طرابلس الشام، وسَمِعَ فيها من كثيرين، في مقدمتهم قاضيها العلامة
стр. 352
محمد بن أبي بكر بن عياش الخابوري المتوفى بها في ٢٧ من المحرم سنة ٧٦٩ هـ (١).
- حمص، وفيها سمع من جمع (٢)، كقاضيها قطب الدين محمد بن عبد المحسن السبكي الشافعي، قال ولي الدين بن العراقي: «سمع منه والدي بحمص، وتوفي بدمشق سنة ٧٦٤ هـ» - (٣).
- حماة، وفي مقدمة من سمع منهم بها قاضيها: عبد الرحيم بن إبراهيم، المعروف بابن البارزي (٤).
- حلب، وهي أقصى مدن الشام الرئيسية شمالاً، ومنتهى ما رحل إليه العراقي في جولته هذه، وممن سمع منه بها القاضي جمال الدين إبراهيم بن محمود بن سليمان بن المطوع (٥)، وقد أرخ العراقي وفاته في شوال سنة ٧٦٠ هـ، ورجح ابن حجر كونها في ذي الحجة (٦).
стр. 353
تعقيب:
هذا مجمل لجولة العراقي الواسعة في تلك الرحلة، بين مدن الرواية، ومدارس الحديث بالشام، من أقصى الجنوب، لأقصى الشمال، ولم تمدني المراجع العديدة المباشرة، وغير المباشرة التي رجعت إليها ببيان الزمن الذي استغرقته تلك الرحلة، ولا بترتيب معين لتنقل العراقي بين المدن المذكورة، وأغلب الظن أن هذا خضع للأهمية العلمية لكل بلد، وللظروف المواتية للرحلة إليها: من أمن الطريق، ووجود القافلة التي يسافر معها لتجنب الأخطار، وتوفر الزاد والراحلة، وحيال ذلك كله، وما ذكر من تلقيه في كل بلد عن عدد من شيوخه وشيخاته، يمكن القول: إن الرحلة بأكملها استغرقت شهورا أكثر من أي رحلة سابقة.
وهذا كله يصور لنا مدى قوة العزيمة التي توفرت للعراقي، والرغبة الأكيدة في تحصيل علوم السنة، حتى تحمل تلك المتاعب والمخاطر، كما يتضح لنا ضخامة الحصيلة العلمية التي عاد بها في نهاية المطاف إلى مصر، مع اعتبار ما كان يقدمه من جانبه في مجالي الرواية والدراية لرفاقه في الطلب، أو لشيوخه كما رأينا في رحلتيه الأولى والثانية.
د - الرحلة الرابعة:
هذه الرحلة لم أجد من ذكرها بالتحديد كسابقاتها، ولكني استنتجتها من بعض الشواهد، ففي ترجمة المسند أبي العباس أحمد بن محمد بن أحمد المعروف بابن الرفاق، وبابن الجوخي، المتوفى في ١١ شعبان سنة ٧٦٤ هـ قال ولي الدين ابن العراقي عنه: «حدث كثيرا وسمع منه والدي .. وكتب لي
стр. 354
بالإجازة من دمشق» (١)، كما ذكر ابن حجر بعض مسموعات العراقي منه (٢).
وبما أن الرحلة السابقة كانت سنة ٧٥٩ هـ، وولي الدين ابن العراقي مولود بعدها في ٣ ذي الحجة سنة ٧٦٢ هـ، ثم لم يرحل به والده إلا في سنة ٧٦٥ هـ كما سيأتي، فلا تتاح له إجازة هذا المسند من دمشق - فيما يظهر - إلا برحلة والده إليها، بعد ولادته سنة ٧٦٢ هـ، وقبل وفاة المسند المذكور في التاريخ المتقدم في التاريخ المتقدم من سنة ٧٦٤ هـ، ومما يؤيد هذا، تصريح المؤرخين كما أسلفنا بتعدد رحلات العراقي بعد رحلة دمشق الأولى سنة ٧٥٤ هـ. على أن هذا المسند ممن قرأ العراقي الحديث عليه في رحلته الأولى، وروى عنه بالسند العالي في عشارياته (٣)، لكن إجازته لولي الدين كما مر، لا تتأتى إلا بعد ولادته في سنة ٧٦٢ هـ، ومقتضى حصول العراقي منه على هذه الإجازة لولده، أن يكون سمع منه أيضا في تلك الرحلة كما سمع من غيره، وعاد وهو مزود برصيد علمي جديد.
هـ - الرحلة الخامسة والأخيرة:
هذه الرحلة خامسة بالنسبة لما ذكرته فقط من رحلات العراقي الشامية؛ لأن حصرها وترتيبها كما أوضحنا غير ممكن، وقد قام بها الحافظ العراقي في سنة ٧٦٥ هـ بعد أن تزوج ورزق بولده ولي الدين أحمد وغيره، حيث يقول ابن فهد: «وفي سنة ٧٦٥ هـ رحل بأولاده إلى الشام، فأسمعهم بها» (٤) وقد
стр. 355
ذكر ولي الدين، أن تلك كانت آخر رحلات والده إلى الشام، حيث قال في ترجمة والدته: «وذهبت مع والدي إلى الشام في رحلته الأخيرة إليها سنة ٧٦٥ هـ» (١)، كما أنها كانت في مطلع السنة المذكورة، نظرا لقيام العراقي بها أول ما طعن ولده ولي الدين في الثالثة من عمره (٢)، وقد ولد ولي الدين في آخر شهور سنة ٧٦٢ هـ كما مر، فيكون أول طعنه في الثالثة موافقا لأول سنة ٧٦٥ هـ، ولئن كانت الرحلات السابقة قد حملت العراقي المتاعب التي أشرنا إليها، وهو مسئول عن نفسه فقط، فإن هذه الرحلة بلا شك كانت أكثر أعباء ومشقات نظرا لمسئوليته عن زوجته وأطفاله الصغار سواء من ناحية الحماية والمؤونة والإنتقال والإقامة، مع ما عرف به من ضيق ذات اليد، وعفة النفس الزائدة، أو من ناحية إسماعهم الحديث وإجازتهم، حيث كان ذلك من الأهداف الرئيسية لاصطحابهم معه في تلك الرحلة، وهو أيضًا من الأدلة على محبته للسنة، حتى عني بتعليمها لأسرته، وتحمل الأعباء المتعددة في سبيل ذلك، وما أحراه أن يكون قدوة في هذا لكل مسلم، فضلا عن كل عالم، وقد نهض بتلك الأعباء على الوجه الأتم، كما تدل الإشارات التي وقفت عليها لوقائع تلك الرحلة، فهيأ للأسرة مطية السفر إلى الشام، وذكر ولي الدين: أنه كان يميز الجمل الذي حملهم والده عليه من غيره (٣). ثم أمدنا ولي الدين كذلك بكثير من وقائع تلقي علوم السنة التي حصلها والده لنفسه ولأسرته، سواء في دمشق التي كانت مقصد الرحلة الأول، أو في خارجها،
стр. 356
فممن ذكر تلقيهم عنه الكثير من المرويات بضاحية الصالحية ظاهر دمشق، المسندة المكثرة الصالحة ست العرب المتوفاة سنة ٧٦٧ هـ وأقره على ذلك أيضا ابن حجر، وسنعرف بها فيما بعد تفصيلا باعتبارها أنموذجا لمن تحمل العراقي عنهن السنة من النساء، ودليلا لإسهام المرأة حينئذ في خدمة السنة، ومدى استفادة العراقي مع أسرته منها.
كذلك انتقل العراقي لضاحية (النيرب) في غوطة دمشق حيث التقى بالمسند عمر بن محمد الشخطبي المتوفى في ١٥ شوال سنة ٧٦٥ هـ، وأخذ عنه كتاب «الشمائل» للترمذي، وغيره، وأحضر ولده أحمد عليه، وأثبت في أماليه روايته عنه «بالنيرب» (١).
وأما دمشق نفسها، فقد أخذت الأسرة فيها من كثيرين، وحصلت مع عائلها الكثير، فممن أخذوا عنه: محمد بن موسى المعروف بابن الشيرجي المتوفى في المحرم سنة ٧٧٠ هـ، حيث ذكر ابن حجر سماع العراقي وابن كثير منه، وأنه انفرد في وقته برواية جزء الأنصاري في الحديث، بالسماع من الفخر ابن البخاري (٢)، ثم ذكر ولي الدين ابن العراقي أن والدته سمعت هذا الجزء بدمشق على ابن الشيرجي المذكور، كما ذكر سماعها من غيره، ولكن لم تحدث غيرها بمروياتها (٣)، وذكر السخاوي حضور ولي الدين أيضا على
стр. 357
الشيرجي هذا (١)، ورغم أن العراقي حينئذ كان قد بلغ درجة «الحافظ»، وأصبح أحد حفاظ السنة المعدودين كما قدمنا، إلا أنه ظل وفيا ومقدرا لمن عاش حتى هذه الرحلة من شيوخه في الرحلة الأولى، كالحافظ ابن كثير، فذهب إليه وجلس تلميذا مستمعا بين يديه، وأحضر معه ولده ولي الدين الذي صرح بذلك فقال: «وحضرت عليه مع والدي» (٢)، وهكذا فلتكن أخلاق العلماء.
ثم حرص العراقي أيضا على الالتقاء بشيوخ مجدد، حتى يستفيد جديدا من المرويات والبحوث، ويفيد أيضا أسرته، فكان ممن لقيهم مجددا: أبو حفص عمر ابن حسن، المعروف بابن أميلة، المراغي، المتوفى بظاهر دمشق في ١٨ ربيع الآخر سنة ٧٧٨ هـ، وقد لقبه ولي الدين ابن العراقي بمسند الدنيا، يعني في وقته، وذكر مصداق ذلك: أنه كان يقصد بالرحلة إليه للرواية عنه، وأنه قد قارب عمره مائة سنة، وتفرد بكثير من مروياته عن كثير من شيوخه، مثل سنن أبي داود، والترمذي عن الفخر ابن البخاري، وقد قال ولي الدين: «حضرتهما عليه بدمشق» (٣)، وقد كان ولي الدين حينذاك دون الثالثة، وبالتالي كان حضوره على المراغي وغيره بصحبة والده، وهو الذي كان يقوم بإثبات حضوره كتابيا، كما ذكر ولي الدين سماع والده من المراغي، ومقتضى ذلك أن يكون العراقي سمع هذين الكتابين الأساسيين على المراغي بسنده العالي المنفرد به حينئذ، وتضاعفت بذلك فائدته، بجانب فائدة ولده.
стр. 358
وممن أخذ عنهم مجدا أيضا، شيخ الشافعية في وقته: محمد بن عمر، الشهير بابن قاضي شهبة، المتوفى في المحرم سنة ٧٨٢ هـ. فقد قال عنه ولي الدين: إنه انفرد برواية كتاب (الأموال) لأبي عبيد، وسمعته عليه في الثالثة من عمري، وسمع منه والدي (١). ويعد سماع العراقي منه لهذا الكتاب الذي انفرد به، إضافة لرصيده من المسموعات، حيث لم يوقفني البحث على سماعه من غيره. وقد ذكر تلميذ العراقي، تقي الدين الفاسي: أن ولي الدين ابن العراقي تلقى سنن ابن ماجه حضورا بالقدس على إبراهيم بن عبد الله الزياوي (٢)، ثم ذكر سماع العراقي لنفس السنن على الزياوي (٣)، وذكر غيره سماع العراقي أيضا من الزياوي بكل من: (نابلس) و (القدس) (٤).
وهذا يفيد أيضا: أن العراقي رغم إثقاله بمسؤولية الأسرة كما أشرنا، تجاوز في رحلته دمشق وضواحيها، إلى بعض المدن التي بها رواة السنة وعلمائها، كالقدس وغيرها، وحصل منها لنفسه ولولده رواية كتب السنة الأساسية، وغيرها ما أتيح له، ويعتبر سماعه لسنن ابن ماجه على الزياوي هذا، من نتائج تلك الرحلة، حيث لم أجد في بحثي الطويل سماعه لها بالشام من غير الزياوي، وهي أحد المصادر الأصيلة للسنة، والتي تقتضي شروط الحفاظ بتحصيلها رواية ودراية.
стр. 359
تلك هي أهم مظاهر نشاط العراقي في تلك الرحلة وجهده، وما حققه من نتائج، وفي نهاية جولته بين مراكز السنة وعلمائها، ودع الشام للمرة الأخيرة، وعاد بأسرته إلى القاهرة. وإذا كنت قد اقتصرت في عرض التفاصيل على أهم المظاهر، فإن تتبعي العام لوقائع تلك الرحلة الختامية للشام، قد أظهر أنها في عائدها العلمي عليه، فضلا عن أسرته، تقارب الرحلة الأولى، وسيأتي في أنموذج شيوخه فيها ما يؤكد ذلك بعون الله.
من أبرز شيوخ العراقي وشيخاته بالشام وتأثيرهم فيه
أولا: العلائي، أستاذه في علم الحديث وملقبه بـ «الحافظ» (١)
هو الحافظ، الحجة، صلاح الدين، أبو سعيد، خليل بن كيكلدي الشافعي، عالم بيت المقدس، ولد في ربيع الأول سنة ٦٩٤ هـ وعني بطلب الحديث مبكرا، واجتهد حتى أخذ عن غالب شيوخ الشام ومصر والحجاز، وصار حافظ الزمان، علامة في الرجال والمتون والعلل، بجانب الفقه وأصوله وغيرهما، وقد سمع منه الذهبي، ووصفه بالحفظ، وصحة الذهن، وسرعة الفهم، وكان ممتعًا في كل باب يفتحه من العلم، إلا أن جانب الحديث في حياته العلمية، وفي مؤلفاته في المقدمة، حتى قال ابن السبكي: (إنه لم يكن في عصره من يدانيه فيه، وعده الذهبي من القلائل في عصره الذين يفهمون
стр. 360
علوم السنة ويعنون بها».
وقد تولى مشيخة الحديث وتدريسه بعدة أماكن من الشام، ولكن عند رحلة العراقي إليها، كان قد استقر ببيت المقدس، واتخذ سكنا بالمدرسة الصلاحية بها، وظل يعمل فيها بالتحديث والتدريس والإفتاء والتصنيف، حتى توفي - على الراجح - في العشر الأول من المحرم سنة ٧٦١ هـ، وقد أكثر من المؤلفات النافعة، المتقنة، فاشتهرت، وغالبها في علوم السنة، ومنها ما يتعلق بالفقه، وأصوله، وقد سئل تقي الدين السبكي عمن يخلف بعده فقال: (العلائي).
أما أثره في العراقي فكان عميقًا، بدليل تعدد مظاهره، وفي مقدمة ذلك: أن العلائي باعتباره الرجل الأول في الحديث بالشام، والثاني بعد السبكي في الفقه وأصوله، كما أشرنا، فإن تلمذة العراقي عليه تممت نتائج تلمذته للسبكي، حتى شهد المؤرخون كما مر، بأن العراقي زاد تضلعا في فنون السنة باجتماعه بالرجلين، في رحلته الأولى وأخذه العلم عن كليهما.
ثم إن العراقي لما ذهب بعد تلمذته للسبكي بدمشق، إلى العلائي بالقدس، لازمه، فانتفع به، وأخذ عنه علم الحديث، وكل من الملازمة وأخذ علم الحديث من أوضح مظاهر التأثير، فالملازمة هي أهم ما يُعبر به في الاصطلاح العلمي، لبيان تأثر الطالب بأستاذه، وعمق استفادته بفكره وعلمه، حيث يتاح له تلقي عموم دروسه وفوائده، بالإضافة لاطلاعه على طريقته في التحصيل، ومنهجه في البحث، والتصنيف، والتدريس، فيستفيد من ذلك خبرة جيدة في تلك المجالات، وسيأتي أن ملازمة العراقي للعلائي تكررت خلال مجاورة كل منهما بالحرمين، مما جعل الاستفادة والتأثير متضاعفين، ومن جهة أخرى تتيح الملازمة للأستاذ، تبيين نقاط الضعف والقوة في تلميذه،
стр. 361
فيعالج الأولى، ويُنمّي الثانية، وقد حدث هذا بالنسبة للعراقي مع أستاذه، فبجانب استفادته منه، فإنه أبدى بين يديه - رغم قصر المدة - من ضروب البحث وبيان مسائل علوم الرواية والدراية، ما جعله ينوه بذكره، ويُعظم شأنه ويصفه بـ «الفهم والمعرفة والإتقان والحفظ» (١). وصدور ذلك من العلائي بما عُرف به من الخبرة والذكاء، وتعدد ملازمة العراقي له، يدلنا على أمرين: أحدهما: مطابقة رأي العلائي لرأي السبكي في جدارة العراقي بالأوصاف المذكورة، مع زيادة وصفه بـ «الحفظ»، وهو كما أسلفنا لقب اصطلاحي يعتبر وصف العراقي به شهادة من العلائي ببلوغه درجة الحافظ، بالإضافة إلى أنه رَوَى له الحديث المسلسل بالحفاظ، فصار حلقة فيه، ومنه اتصل السند لمن بعده (٢)، ويعتبر العلائي ثالث من لقب العراقي بـ «الحافظ» بعد الإسنوي وابن جماعة المصريين، لكنه أول من لقبه به من شيوخه بالشام، وبمقتضاه أصبح من حفاظ السنة المعتمدين على مستوى مصر والشام.
الأمر الثاني: الذي تدل عليه شهادة العلائي بما تقدم، هو أريحيته وانصافه لتلميذه، بتقدير ما لمسه من بحثه وفهمه، ومدى حصيلته العلمية، ومنحه اللقب العلمي الذي أدرك استحقاقه له، ولهذا - بلا شك - أثره في تشجيع الطالب على مضاعفة جهده في البحث والتحصيل والإنتاج (٣).
أما أخذ العراقي لعلم الحديث عن العلائي، فقد تقدم أن علم الحديث عند
стр. 362
الإطلاق كما هو مذكور، ينصرف إلى علم أصول الحديث، أو علم الدراية، ومعنى هذا أن العراقي درس على العلائي ببيت المقدس هذا العلم بفنونه المختلفة، وقد أثبت العراقي بنفسه الوقائع الدالة على ذلك.
فصرح بتلقيه كتاب «مقدمة ابن الصلاح» الذي هو جماع فنون الدراية، عن العلائي، بسماع بعضه عليه، وإجازة منه بباقيه (١)، ولعل ظروف الرحلة هي التي حالت دون سماع كل الكتاب، كما صرح أيضا بتلقيه عنه أحد مؤلفاته في علم الرجال، ويسمى «الوشي المعلم فيمن روى عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ »، وهو كما قال السخاوي: أجمع مصنف في موضوعه (٢)، ويقع في ستة أجزاء حديثية، يبلغ مجموعها مجلدا وسطا، وقد أثبت العراقي قراءة بعض الكتاب بنفسه على العلائي ببيت المقدس، وسماع بعضه عليه بقراءة غيره ونقل منه عدة مرات للاستدلال (٣).
وأما كتاب «جامع التحصيل في أحكام المراسيل» للعلائي أيضا (٤)، فقد أكثر العراقي النقل والاستفادة منه (٥) بل اتخذ منه منطلقا لبعض تأليفه، حيث امتلك نسخة من الكتاب، وبعد الاطلاع على فصل أسماء المدلسين منه،
стр. 363
ذيل بهامشها عددا مما فات العلائي كما سيأتي، وألف أيضا جزءا في المراسيل سيأتي ذكره، ولا يبعد انطلاقه فيه من كتاب العلائي هذا.
وللعلائي أيضا كتاب الأحاديث المسلسلة في (٣) أجزاء حديثية، وقد استفاد منه العراقي في بعض مؤلفاته (١).
كذلك تلقى العراقي بعض الفوائد العلمية المتفرقة من العلائي، ورواها عنه لتلاميذه، مثل رأي الحافظ الذهبي في أبرز علماء عصره، حيث قال العراقي: «سمعت الحافظ العلائي يقول: سألت الذهبي عن ابن دقيق العيد، يعني أبا الفتح، والدمياطي، يعني أبا محمد، والمزي، وابن تيمية، يعني أبا العباس، فقال الذهبي: ابن دقيق العيد، أعلمهم بعلل الحديث وأحكامه، والدمياطي أعلمهم بالأنساب ونحوها، والمزي أعلمهم بالرجال، وابن تيمية أكثرهم سردا للمتون» (٢).
وقد بلغ اقتناع العراقي بشخصية أستاذه العلمية، أنه قلده في أحد المسائل وأثبتها في تأليفه، ثم ظهر بعد ذلك خطؤها، فقرر العراقي أنه اعتمد فيها على شيخه العلائي، ثم رجع عنها، وأصلحها في تأليفه، على ما سيأتي في موضعه (٣)، غير أن إعجابه بعلمه وتقليده، لم يحولا دون مخالفته فيما لم يقتنع به من آرائه، كما سيأتي بيانه أيضا.
ولم يقتصر أثر العلائي في العراقي على علم الدراية كما أوضحنا، بل تعداه
стр. 364
إلى الرواية، فَصَرَّحَ العراقي بتحديث العلائي له في غير موضع من مؤلفاته (١)، وأورد كذلك بعض مروياته بالإجازة الشفاهية منه (٢)، وروى عنه بعض الأحاديث المسلسلة، كالمسلسل بالحفاظ، كما أشرنا من قبل وكالمسلسل بالآباء (٣)، وبالإشارة (٤)، وبالصوفية (٥)، حيث كان كل منهما ممن لبس خرقة التصوف من أهله (٦)، مع أن العراقي - كما قدمنا، وكما سيأتي - قد انتقد الصوفية في مُخالفاتهم، وَرَدَّ عليهم بقوة، فيما رآه يقتضي الكفر من عباراتهم، والعياذ بالله؛ ولكن كان العلائي قد أثر في العراقي على هذا النحو، وقدَّره حق التقدير، فإن العراقي بادَلَهُ نفس الروح، فقرَّر أنه ما رأى أحفظ منه (٧)، وفي ترجمته له أثنى على علمه وخُلُقِه، ووصفه بحافظ المشرق والمغرب (٨)، ولم أجده وَصَفَ بذلك أحداً من شيوخه غير العلائي.
ثانيا: «ابن الخباز» مُسْنِدُ الشَّامِ وَمَنْ أَكْثَرَ العراقي الرواية عنه (٩):
هو أبو عبد الله، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، المعروف بابن الخباز.
стр. 365
الدمشقي، من نسل عبادة بن الصامت ﵁، ولد على وجه التقريب سنة ٦٦٧ هـ، وكان أبوه مشتغلا بالتحديث، فأحضره منذ طفولته على ذوي السند العالي، كأحمد بن عبد الدايم، وأجاز له عمر الكرماني، والنووي، وغيرهما، وقد روى بموجب حضوره وإجازته هذين، كثيرا من كتب السنة لمن بعده، وكثرت شيوخه ومروياته، حتى خرج له تلميذه الحافظ البرزالي مشيخة جامعة.
وكان حضوره في الصغر على الشيوخ، وطول عمره نحو التسعين عاما، مما جعله ينفرد في عصره بكثير من شيوخه ومروياته حتى لقب بمسند دمشق ولقبه العراقي بمسند الشام والآفاق عموما، ووثقه، ثم ذكر أنه انقطع بموته كتب وأجزاء حديثية، أي انقطعت روايتها بالسند المتصل بالسماع؛ لعدم تحصيل سماعها منه قبل موته.
وهذا يشير إلى تحري الرواية بالسند المتصل بالسماع حتى عصر العراقي كما قدمنا، وإلا لم يتنبه إلى الباقي اتصاله والمنقطع. وقد اشتغل ابن الخباز معظم عمره بالتحديث، منذ سن العشرين حتى وفاته سنة ٧٥٦ هـ.
لكنه لم يكن كغيره موظفا يتقاضى أجرا على ذلك، بل كان يعمل بصناعة النسيج في منزله بدمشق، ويفتحه لطلاب السنة الوافدين من أنحاء الشام ومن خارجها، مثل العراقي وغيره، فيقرأون عليه مروياته غالب النهار، دون ملل منه ولا تمنع ولا انتظار جزاء إلا من الله تعالى.
وليس أدل على صبره، من قراءة العراقي عليه أكثر من ثلث صحيح مسلم.
стр. 366
في مرة واحدة، كما قدمنا، رغم أن الرجل حينذاك كان في ضعف شيخوخته.
ونظرا لأنه كان مسندا، مهمته الرواية فقط، فإن تأثيره في العراقي ينصب على جانب الرواية والسند العالي الموثق، حتى شارك في الرواية عنه أبرز شيوخه، كالسبكي والعلائي وابن رافع وابن جماعة وغيرهم.
وتقدم أنه كان هو والمرداوي أعلا شيوخ الشام إسنادا حين رحلة العراقي الأولى إليها سنة ٧٥٤ هـ، وكان لقاء العراقي به فيها هو الأول والأخير، حيث عاش الشيخ بعد ذلك نحو عامين فقط، ولم يقدر للعراقي رحلة فيهما للشام، ولكنه في هذا اللقاء الوحيد أكثر القراءة والسماع عليه، خاصة ما لم يكن سبق للعراقي تحصيل روايته عن غيره بالسماع أو القراءة، وقد تضمنت مروياته عنه بهما مختلف كتب السنة وعلومها، مما ضاعف رصيده وأهله لتلقيب العلائي له في ختام رحلته بالحافظ كما مر.
فبجانب قراءته عليه صحيح مسلم، ومسند أحمد، كاملين، كما تقدم، تلقى عنه إحياء علوم الدين للغزالي (١) وشمائل الرسول ﷺ للترمذي (٢) ومعجم شيوخ أبي يعلى الموصلي (٣)، ورحلة أصحاب الحديث للخطيب البغدادي (٤) وبعض الأجزاء الحديثية الهامة، كجزء المؤمل (٥) وجزء من انتقاء الحافظ المزي
стр. 367
مِنْ مُسْنَدِ أحمدَ (١) وغيرِ ذلكَ، كما تَلَقَّى عنه أيضًا مشيخةَ ابنِ طَبَرْزَدَ (٢) وقد سبق بيانُ ما لروايةِ المشيخاتِ من ميزةِ وَصْلِ سندِ راويها بجملةِ كُتُبِ السُّنةِ والأجزاءِ المتعددةِ التي تحوي المشيخةَ أسماءَها وإسنادَها.
وقد ظَهَرَ أثرُ المروياتِ الكثيرةِ والهامةِ التي حَصَّلَها العراقيُّ من ابنِ الخَبَّازِ بالقراءةِ والسماع، خلالَ مُؤَلَّفَاتِه عُمُومًا، ونصَّ في كثيرٍ منها على تلقيها بقراءتِهِ عليه بمنزلِهِ بدمشقَ في الرحلةِ الأولى (٣) سواء بالنسبةِ للكُتُبِ الكاملةِ كمُسْنَدِ الإمام أحمدَ مع زياداتِ ولدِهِ عبدِ اللهِ فيه (٤) أو الأحاديثِ المتفرقة (٥) وخاصةً ما أورده بأعلا أسانيدِ عصرهِ المتصلةِ بالثقاتِ (٦) وما علا سندهُ به من طريقهِ عن غيره (٧).
وقد قَدَّرَ العراقيُّ ابنَ الخَبَّازِ قَدْرَهُ، فترجم له ترجمةً وافيةً، وصفه فيها بأنه كان ثقةً صحيحَ السماع، سهلا في التسميع، راغبًا في الخير (٨) على حين وصف بعضَ شيوخِهِ بأنه متكلم فيه، وبعضَهم بأنه عسر التحديث، كما أسلفنا، وكثيرًا ما لقبه عند الروايةِ عنه بـ «مُسْنَد الشام»، ومر تلقيبه له بـ «مُسْنَد الآفاق».
стр. 368
ثالثا: «ست العرب» شيخة العراقي، والرد على المستشرقين (١):
هي الشيخة الصالحة، أم محمد ست العرب بنت محمد بن علي بن أحمد المقدسية الصالحية، وجدّها «علي» يُعرف بابن البخاري، وكانت الرواية عنه مقياسًا لعلو السند، وقد أتيح لحفيدته ست العرب الحضور عليه في طفولتها كثيرًا وأجاز لها، ثم طال عمرها، فصارت بذلك مسندة في عصرها، وأكثرت من التحديث، فأسهمت باسم المرأة المسلمة في نشر السنة بإسنادها العالي الموثق، وسمع منها الأئمة والرحّالون كالعراقي وغيره، إلى أن توفيت في مستهل جمادى الأولى سنة ٧٦٧ هـ، ودُفنت بسفح قاسيون بضاحية الصالحية، ظاهر دمشق، وكانت تقيم بمنزلها بالسفح المذكور ومحدث فيه (٢). كما كان زوجها المُسند علي بن محمد الأرموي يشاركها في التحديث، وفي الأخذ عن جدها ابن البخاري، حتى سمع العراقي منهما بعض المرويات (٣). وأثرها في العراقي يرجع إلى جانب الرواية التي ركزت نشاطها فيها، فقد تلقى عنها خلال رحلاته الشامية كثيرًا من المرويات بإسنادها العالي الموثق حتى إنه سمع عليها بعض ما سبقت له روايته عن عدد من ذوي الإسناد العالي بمصر والشام كـ «جزء الغطريف» (٤)، وغالب ما رواه العراقي عنها كان بقراءته عليها، وأشار ولي الدين بن العراقي الذي حضر معها عليها في الرحلة
стр. 369
الأخيرة، إلى أن قراءة والده عليها كانت بسفح قاسيون (١) الكائن به منزلها، كما قدمناه.
وأول ما يطالعنا فيما قرأه العراقي عليها: النصف الثاني من السنن الكبرى للبيهقي وقدره كما أوضحنا من قبل (٥) مجلدات كبار، وبقراءته عليها استكمل رواية هذه السنن، حيث كان تلقّى نصفها الأول كما قدمنا بقراءته على (ابن الحموي)، أحد رواتها عن ابن البخاري أيضًا، وهكذا تعاون الرجل والمرأة في وصل سند الحافظ العراقي وغيره بتلك السنن الكبرى، التي تعتبر كالمستَخرَج على مجموع الكتب الستة الجامعة لأصول السنة (٢) وقراءة العراقي للمجلدات الخمسة من السنن على ست العرب هذه، يمثل جهده الكبير في الطلب والتحصيل، كما يمثل مثابرة شيخته على النهوض برسالتها في نشر السنة، ويجعل منها أنموذجًا طيبًا لإسهام المرأة المسلمة في تحمل السنة وأدائها على الوجه اللائق.
هذا بالإضافة إلى أنه قرأ وسمع عليها كتبًا وأجزاء أخرى، غالبها نادر الوجود الآن، كما أني لم أقف على تلقيه لها عن غيرها، وبذلك أضافت لمروياته وعلمه رصيدًا جديدًا.
فمما قرأه عليها: كتاب (رفع اليدين في الصلاة) للإمام البخاري (٣).
стр. 370
وكتاب «الخائفين» (يعني من الله تعالى) لابن أبي الدنيا (١)، وكتاب «الحنين مع المحبين» لأبي نعيم (٢)، وكتاب التفسير عن عمرو بن علي الفلاس (٣)، وجزءًا من مُسْنَدِ الفِرْيَابي (٤) وغير ذلك.
ومما سمعه عليها: كتاب «فضائل السيدة الزهراء ﵂» لابن شاهين (٥) وجزءًا من حديث عمر بن محمد الزيات (٦).
وقد أثبت العراقي في تأليفه بعض مروياته بالقراءة على ست العرب هذه (٧)، كما أثبت أيضا ولده ولي الدين بعضها (٨) وقال: «وحضرت عليها كثيرا من مروياتها، وحدثنا عنها والدي والِهَيْثَمي مرات كثيرة» (٩).
الرد على المستشرقين:
وبعد هذا البيان لأثر تلك الْمُسْنَدة الصالحة في العراقي واستفادته منها بالقراءة والسماع عليها، فضلًا عن غيره من حفاظ السنة ورواتها، تجدر الإشارة إلى أن المستشرق الألماني «يوسف هوروفتش» استدل برواية الرجل غير المحرم،
стр. 371
عن المرأة بالسماع منها، على وجود الاختلاط العام بينهما منذ فجر الإسلام (١). ولما كان هذا ينطبق على قراءة العراقي وسماعه على ست العرب هذه وغيرها كما قدمنا، فإني رأيت لزوم التنبيه على أن استنتاج المستشرق المذكور ومن قد يشاركه، هو استنتاج خاطئ من وجهين:
أولهما: أنه لا يلزم من السماع من المرأة أو القراءة عليها، مخالطتها، بل يمكن أن يتم ذلك مع وجود ساتر بينهما، وقد اتفق جمهور علماء السنة على أنه يصح سماع الحديث من الشخص أو قراءته عليه، رجلاً كان أو امرأة مع وجود حجاب بينه وبين السامع منه أو القارئ عليه، كغطاء الوجه، أو حائط ونحوه، من السواتر، بحيث لا يرى أحدهما الآخر، ويكفي تأكد السامع، أو القارئ، من شخصية المُسْمِع أو المقروء عليه، كما أثبتوا أن أمهات المؤمنين وغيرهن من الصحابيات، كن يُحدِّثن الرجال غير المحارم من وراء الحجاب بعد تشريعه، وهن قدوة لمن بعدهن في كل عصر (٢).
الأمر الثاني: أن الاختلاط الذي أقره الإسلام بين المرأة والرجل غير المحرم سواء في حالة الرواية أو غيرها من المصالح الدينية والدنيوية، مخالف تماما للاختلاط الذي أورده الأستاذ المستشرق في كلامه بلا تقييد، حسب بيئته الأوربية، وحسبما هو شائع الآن في البلاد المنتسبة للإسلام بصفة عامة للأسف. ذلك أن الاختلاط الذي أقره الإسلام، وضع له حدودًا وضوابط،
стр. 372
من الاقتصار على الضرورة المشروعة، وعدم الخلوة، والتزام الستر الكامل للعورة والمفاتن، والاحتشام في النطق والمظهر، والتعامل، والالتزام - فيما عدا نظرتي التعارف والضرورة - بغض النظر من كلا الطرفين، طبقا لأمر القرآن الكريم (١) والسنة المطهرة لكل الأمة بذلك (٢).
ولئن سلمنا بوقوع المخالفة لهذا من أحاد الأمة، فلا نسلمها بالنسبة لرواة السنة من الجنسين؛ لخضوعهم لقواعد النقد المعترف عالميا بدقتها، توثيقا وتجريحًا منذ فجر السنة وحتى عصر العراقي كما أسلفنا، وإلى قيام الساعة بإذن الله.
وقد أطلق الحافظ الذهبي رأس النقاد في عصر العراقي، حكما عاما قال فيه: «ما علمت في النساء من اتُّهِمَتْ - يعني بعدم الصلاحية لقبول روايتها - من تركوها، وجميع من ضعف منهن إنما هو للجهالة - يعني عدم معرفة أشخاصهن (٣) وأقره على هذا من تلاه من أئمة الجرح والتعديل».
أما نقد الرجال تفصيلا، فقد تضمنته موسوعات علم الرجال المتقدمين والمتأخرين على السواء، وقد أوضحت التوثيق الكامل للعراقي من قبل. وعليه فإن رواية الرجل عن المرأة بالسماع منها أو القراءة أو السماع عليها كما فعل العراقي وغيره في عصره، ومنذ فجر الإسلام ليس فيها دلالة على ما استنتجه المستشرق المذكور ومن يشاركه الرأي، من لزوم
стр. 373
الاختلاط، وعلى فرض وجوده فهو ليس اختلاطاً مطلقاً عن الضوابط والاعتبارات الشرعية، كما هو مقتضى سياق كلامه ونص عبارته المطلقة عن أي تحفظ أو استدراك، وما أكثر غمزات المستشرقين التي من هذا القبيل بعد أن أعياهم النيل من ثبوت مصدري الإسلام الأساسيين، وهما الكتاب والسنة، بالسند المتصل من مصدر الوحي الأول وإلى الأبد إن شاء الله.
النتيجة العامة لرحلات العراقي الشامية:
بعد أن تتبعنا خطوات العراقي ونشاطه عبر أهم رحلاته التي شملت الكثير من مدن الشام وقراه، وأوضحنا أهم نتائج كل رحلة خلال عرضنا لتفاصيلها، نستطيع إجمال ذلك في الآتي:
١ - أن العراقي ذهب إلى الشام منذ أول رحلة، برصيد علمي سابق وباكورة تأليفه الضخمة وهي «تخريج أحاديث إحياء علوم الدين»، وتبادل مع أعلا حفاظ الشام علما ومكانة، البحث والإفادة، فشهدوا له بالمعرفة والفهم والإتقان في علوم السنة رواية ودراية، ولقبه أحفظهم وهو العلائي، بلقب «الحافظ» فصار بذلك من حفاظ السنة المعترف بهم في مصر والشام معا.
٢ - أنه برغم هذا، فقد كان الطابع الغالب على العراقي خلال تلك الرحلات، هو طابع المستفيد والمحصل، أكثر من المفيد والمؤثر، كما كانت حصيلته من كل رحلة تشمل إضافات جديدة ومتنوعة تتضاعف بها ثروته العلمية السابقة، وتكتمل جوانب ثقافته في علوم السنة رواية ودراية.
стр. 374
٢ - الرحلات المحلية للعراقي داخل مصر ونتائجها
أشرنا من قبل إلى أن عامة الديار المصرية في عصر العراقي كانت عامرة بمدارس الحديث والمشتغلين بالسنة، بدءا من الإسكندرية في أقصى الشمال إلى أقصى الصعيد في الجنوب، لكن الإسكندرية كانت تلي مدينتي مصر والقاهرة في الإزدهار بالسنة، ولهذا فإن العراقي ركز اهتمامه بها، فقد قدمنا أنه خلال الفترة التي تخرج فيها على ابن التركماني، وكان مشتغلاً بالتلمذة على المسندين والحفاظ بمصر والقاهرة، حرص على تحصيل إجازة عدد من شيوخ الإسكندرية من نفس الطبقة المعاصرة لابن التركماني الذي خرجه. فلما تم تخريجه واستوفى شيوخ العاصمة وأعد نفسه للرحلة، خص الإسكندرية ببعض رحلاته، ولم أقف له على رحلة لغير الإسكندرية من البلاد المصرية، غير أن ولده ولي الدين، ترجم للمحدث عَلَم الدين أبو القاسم عبد الرحمن بن نصر الله الدمنهوري المتوفي بها في أواخر المحرم سنة ٧٦٥ هـ وقال: «إنه حَدَّث وسمع منه والدي والهيثمي» (١) فلعل سماع العراقي عليه كان بدمنهور خلال رحلاته إلى الإسكندرية، لوقوعها في الطريق. أما رحلاته للإسكندرية فلم يُحدِّد المؤرخون منها غير رحلة واحدة في سنة ٧٥٦ هـ، ولكنني وقفت على ما يؤكد تكرر رحلاته إليها بعد هذه السنة كما سأوضحه.
فبالنسبة لرحلة سنة ٧٥٦ هـ ذكرها ابن فهد حيث قال: «إن تقي الدين السبكي شيخ العراقي السابق، لما قدم من الشام إلى القاهرة في السنة المذكورة
стр. 375
طلب منه أهل الحديث السماع عليه فامتنع بسبب غيبة الحافظ العراقي حينئذ بالإسكندرية، وقال: لا أسمع إلا بحضوره، تقديرا له، ولم يحضر العراقي حتى توفي السبكي دون أن يُحدثهم (١) وعليه يكون العراقي قد قام بتلك الرحلة بعد رحلته الأولى للشام سنة ٧٥٤ هـ».
وبما أن السبكي توفي في ٣ جمادى الآخرة سنة ٧٥٦ هـ بعد أن أقام بالقاهرة ٢٠ يوما، تكون رحلة العراقي للإسكندرية تقدمت على هذه المدة واستغرقت فوق الشهر على الأقل.
ويظهر من اهتمام المؤرخين بتحديدها، ومن ظروف العراقي قبلها، أنها كانت أولى رحلاته للإسكندرية، فقد بينا أنه رحل لأول مرة إلى الشام سنة ٧٥٤ هـ وجاور بمكة سنة ٧٥٥ هـ كما سيأتي، ثم كانت رحلة الإسكندرية هذه سنة ٧٥٦ هـ.
وقد أشار العراقي بنفسه، فضلا عن غيره، لكثرة من تلقى عنهم الحديث بالإسكندرية (٢) كما أثبت رواياته عن عدد منهم في مؤلفاته، غير أنه لم يحدد زمن الرواية عنهم على نحو ما فعل في رحلاته الشامية.
لكني وجدت اثنين من أهم شيوخه بالإسكندرية، اقتربت وفاتهما جدا من زمن تلك الرحلة، بحيث يترجح أخذه عنهما فيها: أحدهما: هو الشيخ الصالح أبو محمد عبد الرحمن بن مكي بن إسماعيل.
стр. 376
العوفي الزهري الإسكندراني المتوفى بها في ذي الحجة سنة ٧٥٧ هـ وهو أطول شيوخ العراقي عمرًا على الإطلاق، حيث كان حينئذ قد جاوز عشرين ومائة عام، وقد قرأ العراقي عليه عدة أجزاء حديثية كان يرويها بالإجازة العامة عن سبط الحافظ السلفي، وابن رواج وغيرهما من ذوي السند العالي (١) كما انتقى له مجموعة أحاديث من مروياته بالإجازة أيضًا عن سبط السلفي، وخرجها من مصادر السنة ثم قرأها عليه (٢) وهذا يدل على تقدم العراقي حينئذ في دراية السنة؛ لأن «الانتقاء» من مهمات الحفاظ وذوي المعرفة الجيدة، وقد عرف العراقي بجودة الإنتقاء (٣). وقد أورد العراقي بعض مروياته عن هذا الشيخ ضمن أعلا أسانيد عصره المتصلة بالثقات (٤) لكنه عاد واستبدلها بغيرها عن شيوخ آخرين بعد أن ترجح عنده عدم جواز الرواية بالإجازة العامة (٥).
وقد كانت رواية «العوفي» بها، واعتذر عما كتبه عنه من ذلك كما سنوضحه في موضعه (٦).
أما الشيخ الآخر من شيوخ تلك الرحلة في تقديري، فهو: محمد بن محمد بن عبد الكريم الإسكندري الشاذلي، وقد جمع بين التصوف ورواية الحديث كما وقع لغير واحد في هذا العصر، فسمع هذا الشيخ الحديث من
стр. 377
الشريف تاج الدين الغرافي، ولبس خرقة التصوف من أبي عبد الله بن النعمان، فكان خاتمة أصحابه.
وقد أخذ العراقي منه الأمرين فقال: «سمعت منه، ولبست منه الخرقة». هكذا قال، ونقله عنه تلميذه ابن حجر، دون تعليق (١) مع أنه قد نقل عنهما، وعن غيرهما: أن ما زعمه الصوفية دليلاً على ذلك من الأحاديث فهو باطل (٢). وللإمام ابن تيمية تفصيل في ذلك (٣) يلتقي مع ما سيأتي عن العراقي من تغيير لبعض البدع العملية، لما كان قاضياً للمدينة النبوية، وكذلك ما سيأتي من نقده لكفريات بعض المتصوفة. وقد أرخ العراقي وفاة شيخه هذا في ١٨ ربيع الآخر سنة ٧٥٨ هـ (٤).
ثم إني وجدت ولي الدين ابن العراقي في ترجمته للمسند الكبير علي بن أحمد العرضي المتوفى في ٦ رمضان سنة ٧٦٤ هـ يقول: «سمع منه والدي وابن سند .. وكتب لي بالإجازة من ثغر الإسكندرية» (٥).
ثم صرح ابن حجر وغيره بأن العراقي هو الذي حصل هذه الإجازة منه لولده (٦) وفي ترجمة ولي الدين للمسند محمد بن محمد بن أبي الليث.
стр. 378
الإسكندري المتوفى مثل العرضي في سنة ٧٦٤ هـ قال أيضًا: «سمع منه بالإسكندرية والدي والهيثمي وغيرهما وكتب لي بالإجازة» (١).
ولما كان ولي الدين قد ولد في أواخر سنة ٧٦٢ هـ فإن هذه التصريحات متضامنة، تفيد أن العراقي بعد رحلة سنة ٧٥٦ هـ السابقة وبعد ولادة ابنه ولي الدين قام برحلة أخرى على الأقل إلى الإسكندرية، وسمع فيها الحديث على شيوخها، وفي مقدمتهم العرضي وابن أبي الليث اللذين استجازهما لولده.
بل إن العرضي يُعَدُّ ممن أكثر العراقي عنه الرواية بالقراءة والسماع لكثير من كتب السنة، ما بين أمهات ونوادر وأمالي وأجزاء وعوالي وفوائد حديثية ضخمة، علاوة على مشيخة وبعض المنتخبات، إلا أن من أثبت تلقي العراقي لهذا كله عن العرضي لم يُحدّد مكان أو زمان تلقيه، وسيأتي أن العراقي استقدم العرضي إلى القاهرة سنة ٧٦٠ هـ لسماع مسند الإمام أحمد عليه، فربما سمع عليه حينئذ بجانب المسند، بعض تلك المرويات، غير أن مما يُرجح أخذ غالبها عنه بالإسكندرية أمران:
أحدهما: أن ما أثبت العراقي بنفسه روايته عن العرضي بمدينتي مصر والقاهرة غالبه من مسند الإمام أحمد الذي استقدم العرضي أساسًا من أجله (٢).
ثانيهما: أن إقامة العرضي المحدودة بالقاهرة لا تتسع بجانب قراءة المسند
стр. 379
عليه كاملا، لقراءة وسماع بقية مرويات العراقي الأخرى عنه لكثرتها وضخامة عدد منها كما يتضح من تتبعنا التفصيلي لأهمها، فقد قرأ وسمع عليه جامع الترمذي كاملا (١) وقرأ وسمع عليه سنن أبي داود كله (٢) وقرأ عليه «فوائد تمام الرازي الحديثية» وقدرها ثلاثون جزءًا حديثيًا (٣) تبلغ ثلاث مجلدات متوسطة وكتاب «المنامات» لابن أبي الدنيا (٤) وجزءًا من «الأحاديث السباعية الإسناد» لأبي بكر محمد بن عبد الباقي (٥) ومجلس ٣، ٤ من أمالي الجوهري الحديثية (٦).
وكتاب «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» لابن أبي الدنيا (٧) وجزءا من «النوادر والنتف» لأبي الشيخ الأصبهاني (٨) وجزءًا منتقى من مسند أحمد انتقاه الحافظ المزي (٩) وعدة أجزاء حديثية أخرى منها «جزء من حديث أبي بكر الصيدلاني» (١٠) كما سمع عليه «مشيخة الفخر ابن البخاري» (١١)
стр. 380
وقد سبق بياننا لأهمية سماع المشيخات، أما المرويات التفصيلية الآنفة الذكر فهي تدل بوضوح على كثرة استفادة العراقي بمرويات العرضي ودعمها لحصيلته من كتب السنة بأنواعها المختلفة وأسانيدها العالية الموثقة.
على أن هناك طائفة أخرى من شيوخ الإسكندرية تأخرت وفاتهم عمن ذكرنا، وأثبت العراقي بنفسه قراءته وسماعه بعض المرويات الأساسية عليهم بالإسكندرية مثل أبي عبد الله محمد بن أحمد بن هبة الأموي المعروف بابن البوري الإسكندراني المتوفى بها سنة ٧٦٧ هـ (١) فقد أشار العراقي إلى قراءته عليه جامع الترمذي بثغر الإسكندرية (٢) وأقره على ذلك تلميذاهُ: ابن حجر (٣) والتقي الفاسي (٤) ويعتبر ابن البوري ثاني من تلقى العراقي عنه «جامع الترمذي» من شيوخ الإسكندرية حيث تقدم تلقيه عن العرضي أيضًا، كما أنه تلقاه عن غيرهما من شيوخ القاهرة (٥) وشيوخ الشام كما ذكرنا في رحلاتها، وقد أوضحنا من قبل فائدة تعدد تلقي الكتاب الواحد على أكثر من شيخ، وهي متحققة هنا بحسب بحثي لرواية العراقي عن كل شيخ على حدة، وعليه تُعدُّ قراءته لهذا «الجامع» على ابن البوري فضلا عن غيره، أحد فوائد رحلته إلى الإسكندرية.
стр. 381
أما أكثر شيوخه بها تأخرًا في الوفاة، فهو التاج أبو عبد الله محمد بن أحمد المعروف بابن موسى الشافعي السكندري، حيث توفي بها في سنة ٧٩٨ هـ وكان آخر من يروي - بالإسكندرية بالسماع المتصل - مرويات رائد السنة بها الحافظ السلفي، حتى قال العراقي عند وفاته:
في عام تسعين بعد سبع ميء … ثم ثمان تُعدُّ بالضَّبط
لم يبق بالثغر من يُقال له حدثكم … واحد عن السَّبط (١)
وقد أشار ولي الدين ابن العراقي إلى أحد المحدثين الذي صاحب والده في بعض رحلاته للشام وللإسكندرية معا وهو المحدّث الزاهد نور الدين أبو الحسن علي بن الحسين المصري الشهير بالبنا المتوفى بدمشق سنة ٧٦٨ هـ فقال: «إنه توجه للشام والإسكندرية صُحْبَةَ والدي، وبصحبته استفاد هذا الفن وانتفع به» (٢)، وهذا دليل مؤكد لمكانة العراقي العلمية حين قيامه بتلك الرحلات بحيث أصبح يؤثر فيمن يصحبه ويفيده علم الحديث.
النتيجة العامة:
أما فائدة العراقي نفسه من رحلاته إلى الإسكندرية بصفة عامة فإنها ترجع إلى جانب الرواية، حسبما أوقفني عليه البحث التفصيلي للوقائع، وما قدمته آنفًا من نماذج المرويات التي حصلها، وأبرز الشيوخ الذين التقى بهم، فكلهم - كما رأيت - مسندون، مهمتهم أداء المرويات المختلفة من كتب علوم السنة، كما تحملوها فقط، أما الحفاظ الذين تُستفاد منهم الدراية ببحث المتن والسند، فلم
стр. 382
أجد له لقاء بأحد منهم بالإسكندرية، بينما كانت رحلاته الشامية كما مر جامعة في نتائجها بين الرواية والدراية معا ومنح العراقي خلالها الألقاب العلمية السابق ذكرها.
٣ - رحلات العراقي الحجازية وأهم نتائجها
هذه هي الحلقة الثالثة والأخيرة في مسيرتنا مع الحافظ العراقي عبر رحلاته في سبيل السنة، وفي تلك الحلقة شارك علوم السنة مقصود آخر، وهو أداء شعائر الحج وتحصيل الثواب الإلهي المضاعف على الصلاة بالحرمين المكي والمدني خلال الإقامة بجوارهما، وهذا ما كان يدعو كثيرًا من العلماء الصالحين للإتيان من كل مكان والإقامة بجوار الحرمين فترات زمنية متعددة يعبر عنها في تراجم الأعلام بـ «المجاورة»، ويمتدح فاعلها، وعقد العراقي لها في كتابه «تقريب الأسانيد» في أحاديث الأحكام «باب الاعتكاف والمجاورة» (١) غير أن تلك الشعائر والصلوات لم تكن تشغل إلا وقتا محدودًا وما عداه استغرقه العراقي في الاشتغال بعلوم السنة، ولهذا عددنا رحلاته تلك للحج والمجاورة، رحلات علمية أيضًا وسيظهر لنا عظم مكانتها من نشاطه في تحصيل السنة ونشرها.
ذلك أن الحرمين المكي والمدني منذ جعلهما الله ورسوله ﷺ مثابة للناس وأمنا، وهما جامعتان كبريان للمسلمين أساتذة وطلابًا من كل بقاع الأرض، وتجلى ذلك في عصر العراقي، وبالنسبة لعلوم السنة بوضوح حتى كانت المركز الثالث بعد مصر والشام حيث قصدها العلماء بالهجرة بعد نكبة العالم.
стр. 383
الإسلامي شرقا وغربا.
وقد عني المماليك وغيرهم برصد الأوقاف العديدة على الحرمين وتعيين المحدثين بهما لنشرها وتعليمها للوافدين والمقيمين بها، كما قدمنا في حالة العصر.
ثم كان المشتغلون بالسنة من حفاظ ومحدثين ومسندين وطلاب يجتمعون من شتى البلاد في الحج والمجاورة المشار إليها آنفًا، فيسمع الطلاب ويتتلمذون ويروي لهم الشيوخ ويشرحون، كما يتبادل الشيوخ فيما بينهم السماع والمؤلفات والمباحثة في علوم السنة، وبذلك كان الحجاز كما قال الذهبي: «حقيقا بأن يُرحل إليه فضلا عن كونه محلا للنسك» (١).
وكان الحرمان وما حولهما بمكة والمدينة كخلية النحل العاملة على امتداد السنة، فتنتقل مرويات المشارقة ودرايتهم إلى المغاربة وبالعكس، وتصنع أسانيد الحديث بينهم رابطة خالدة، أوسع وأعمق من رابطة الجنس والنسب كما نجدها حتى اليوم في مصادر السنة المختلفة (٢) وفيما نورده بشأن العراقي.
وقد اتفق ألصق الناس به من تلاميذه وولده، على كثرة رحلاته للحج والمجاورة كما مر، وقرروا أيضًا مع غيرهم أنه أكثر التلقي عن شيوخه بالحجاز، وحدث كثيرًا أيضا بالحرمين (٣) غير أنهم لم يُقدِّموا لنا إحصاء تاما ولا بيانًا.
стр. 384
مفصلا لتلك الرحلات ولنشاط العراقي في علوم السنة خلالها، وأقصى ما أشار له ولي الدين بن العراقي، هو أربع حجات، حيث ذكر أن والدته حجتها مع والده (١) دون ذكر تفصيلات أخرى.
ثم فصل القول هو وغيره عن رحلتين فقط، حج العراقي فيهما وجاور واشتغل بالسنة.
وبالبحث والاستنتاج أمكنني بيان ثلاث رحلات أخرى، فيكون مجموع ما سأتناوله هنا تفصيلا خمس رحلات بيانها كالآتي:
أ - الرحلة الأولى:
وأقدم رحلة وقفت على ذكرها كانت سنة ٧٥٥ هـ، أي في السنة التالية لأولى رحلات العراقي الشامية المتقدمة، وهذا يؤكد القول بتوالي رحلاته سنويا لمراكز السنة بمصر والشام والحجاز خلال فترة غير قصيرة من حياته.
وقد ذكر ابن فهد تلك الرحلة بقوله: (ففي سنة ٧٥٥ هـ جاور بمكة في الرجبية وحج (٢)).
وهذا معناه أن العراقي خرج إلى الأراضي الحجازية خلال شهر رجب وأقام بجوار المسجد الحرام بمكة حتى موسم الحج في ذي الحجة مع احتساب ذهابه أيضا للمدينة لزيارة مسجد الرسول ﷺ والسلام عليه والالتقاء بشيوخ الحديث المتوافرين، وطلابه هناك، وتكون الرحلة عموما قد استغرقت عدة أشهر، وقد
стр. 385
التقى العراقي بمكة في هذه الرحلة بأستاذه البارز حافظ الشام صلاح الدين العلائي، حيث كان هو الآخر كثير الحج والمجاورة كما سلف، وقد سمحت شهور المجاورة للعراقي بأن يلازم العلائي، للمرة الثانية (١) بعد ملازمته له من قبل بالقدس كما مر، وبذلك تضاعفت استفادته بعلمه، وإذا كان قد شهد له في الملازمة الأولى ببلوغ درجة «الحافظ» فلا شك أنه أكد في هذه الملازمة تقديره له، بموجب ما عرفناه عن العلائي من الخبرة والإنصاف، وما عرفناه عن العراقي من التصعيد المستمر لنشاطه في جانبي الرواية والدراية معا، بل إن ملازمة العراقي لأستاذه العلائي في تلك المجاورة لم تمنعه من الجد في الاستفادة بغيره من شيوخ الحديث ورواته المعدودين بمكة، ولهذا ذكر المؤرخون أنه سمع بها الحديث من كثيرين، وذكروا ثلاثة منهم يجمعون بين الحديث والإمامة في الفقه (٢) ولكني وجدتُ أقدمهم وفاة: هو أحمد بن قاسم القرشي العمري الحرازي المكي الذي سمع الحديث ومهر في الفقه حتى انتهت إليه رياسة الفتوى بمكة، وقد توفي بها في ١٢ شوال سنة ٧٥٥ هـ (٣) أي أثناء وجود العراقي في تلك المجاورة، وهذا يرجح سماعه منه فيها.
وممن تأخرت وفاته عن ذلك أحمد بن علي بن يوسف المتوفى - على أبعد تقدير - أول سنة ٧٦٣ هـ - بمكة وكان إمام الحنفية بها، وقد كتب الحديث عنه العفيف المطري إمام المحدثين بالمدينة كما سيأتي، أما العراقي فقرأ عليه «تاريخ
стр. 386
المدينة» لابن النجار، وهو يعد من عيون مروياته، لاتصال روايته له بالسماع من مؤلفه (١). كما لم يُعرف تلقي العراقي له عن غيره بحيث يُعد إضافة علمية جديدة لرصيده.
أما بالنسبة للمدينة المنورة فقد قرر المؤرخون أيضًا أن العراقي سمع فيها خلال حجه ومجاوراته من كثيرين، وحددوا منهم العفيف المطري فقط (٢).
وهو عبد الله بن محمد بن أحمد المتوفى بالمدينة في ربيع سنة ٧٦٥ هـ وقد كان شيخ المحدثين بالحرم المدني في وقته، ويُعد أوسع شيوخ العراقي رحلة في طلب الحديث، وقد سمع منه الذهبي ووثقه، ومع أنه كان معنيا بعلم الطب، فقد وصفه زين الدين بن رجب الحنبلي قرين العراقي ومشاركه في السماع عليه بأنه كان حافظ وقته، كما قرر أنه كان حسن الملتقى للواردين على المدينة من أهل العلم (٣).
غير أني لم أقف على تحديد زمن التقاء العراقي به، ولا على نموذج لما تلقاه عنه، ولكن من المؤكد أن التقاءه به واستفادته منه كانا قبل تاريخ وفاته المذكور آنفًا، وبموجب كونه حافظ المدينة في وقته، يكون العراقي قد استفاد منه في الرواية والدراية معا، ولعل مما يرجح التقاء العراقي به منذ تلك الرحلة الأولى التي نحن بصددها، طول المدة التي قضاها العراقي فيها ومكانة الحافظ المطري العلمية، وحسن معاملته للواردين من أهل العلم، لا سيما
стр. 387
المشهود بامتيازهم كالحافظ العراقي. وعليه تكون تلك الرحلة ذات أثر كبير في شخصية العراقي الحديثية حيث أتاحت له بجانب الأخذ عن شيوخ الرواية، التلمذة على اثنين من أبرز علماء الدراية، وهما الحافظ العلائي بمكة، والحافظ المطري بالمدينة، وبذلك تضاعف عائده العلمي منها على وجه العموم.
ب - الرحلة الثانية:
وكما حدَّد ابن فهد الرحلة السابقة، فإنه أشار إلى رحلة أخرى للحافظ العراقي إلى الحجاز، حيث قال: إن الحافظ تقي الدين بن رافع، مر به العراقي وهو بمكة سنة ٧٦٣ هـ فقال: «ما في القاهرة مُحدّث إلَّا هذا والقاضي عز الدين بن جماعة» (١)، وهذا يفيد أن العراقي رحل في السنة المذكورة للحج، لكن لم يتعرض ابن فهد، فضلا عن غيره لتفصيلات أخرى عن تلك الرحلة، والحافظ ابن رافع المذكور قدمنا عن الذهبي أنه من أعيان حفاظ الشام في عصره، وتوفي بدمشق في ١٨ جمادى الأولى سنة ٧٧٤ هـ، وقد تتلمذ له العراقي بالشام، خاصة في رحلته الأخيرة إليها سنة ٧٦٥ هـ، حيث أحضر عليه فيها ولده أبا زرعة (٢)، وعليه تعتبر شهادته المذكورة للعراقي بأنه ثاني محدث بالقاهرة بعد شيخه ابن جماعة، شهادة لها قيمتها باعتباره من حفاظ السنة المعتبرين، وقد تتلمذ له العراقي المشهود له.
وجدير بالذكر أن ابن جماعة كان موجودًا في هذه السنة أيضًا بالحج حيث
стр. 388
التقى به زين الدين بن رجب الحنبلي رفيق العراقي في الطلب (١) وقد أثبت العراقي روايته عن ابن جماعة بمكة كما سلف، فلعل ذلك كان في تلك الرحلة الحافلة باجتماع حفاظ مصر والشام في رحاب الحرمين وخلال شعائر الحج يستفيدون علوم السنة ويفيدونها ويضع بعضهم بعضًا في الدرجة العلمية التي يراه كفء لها.
ولو لم يكن للعراقي من رحلته هذه إلا شهادة ابن رافع المتقدمة، لكفت لأنها تقرر مكانته بين علماء السنة بمصر والشام والحجاز حين قام بتلك الرحلة.
جـ - الرحلة الثالثة، وتغير الطابع العام لرحلات العراقي ابتداءا منها:
تعتبر هذه الرحلة أكثر رحلات العراقي الحجازية التي عنى ولده ولي الدين وغيره بتفاصيلها، ففي ترجمة شهاب الدين أحمد بن لولو الشهير بابن النقيب والمتوفى بالقاهرة سنة ٧٦٩ هـ، قال عنه ولي الدين: «ترافق هو ووالدي على الخروج للمجاورة في ربيع الأول سنة ٧٦٨ هـ، وكنت معهما وجميع عيال والدي» (٢) ثم ذكر منهم برهان الدين إبراهيم ابن أخي العراقي الذي كان متوليا تربيته كما قدمنا، وبين أيضًا وقائع الرحلة: بأنهم بدأوا بالمدينة المنورة فأقاموا بها عدة أشهر، ثم خرجوا إلى مكة حيث اقترب موسم الحج (٣) ونحو هذا ذكر السخاوي (٤).
стр. 389
وعندما نتأمل تاريخ هذه الرحلة نجد أنها تجيء بعد آخر رحلات العراقي الشامية، وبعد كثير من رحلاته داخل مصر، إن لم يكن جميعها، فضلا عن رحلاته الحجازية المتقدمة، وبذلك كان قد خطا عدة خطوات على طريق النضج العلمي، وقطع مراحل ذات عائد ضخم من علمي الرواية والدراية كما سلف وتجيء أيضًا بعد أن غاب من الساحة حفاظها البارزون من شيوخ العراقي بمصر والشام والحجاز، حيث توفي قبلها العلائي وابن جماعة والعفيف المطري.
ومن هنا بدأت شخصية العراقي تصعد لملء هذا الفراغ على مستوى المنطقة وبالتالي فإنه منذ هذه الرحلة تغير الطابع العام لرحلات العراقي، فبعد أن كانت رحلاته السابقة غالبها استفادته هو، نجد أن تلك الرحلة وتالياتها غالبها إفادته لغيره، وظهور نتاجه العلمي في علوم السنة واتخاذه منهجا لدراستها.
ففي هذه الرحلة فرغ العراقي من باكورة تأليفه في أصول علوم السنة وهي ألفيته الشهيرة، حيث قال بنفسه: «فرغت منها يوم الخميس المبارك ٣ جمادى الآخرة سنة ٧٦٨ هـ بالمدينة الشريفة، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وأكملت تبييضها في يوم الثلاثاء ١٤ رجب سنة تاريخه» (١) ثم قام العراقي في نفس الرحلة بتدريس هذه الألفية لطلاب السنة؛ ومع أن رفيقه ابن النقيب كان من شيوخه، الذين سمع منهم الحديث وتخرج به غيره من الفضلاء، فإنه حضر تدريسه للألفية من أولها لآخرها بل كتبها عنه بخطه (٢)،
стр. 390
فإذا كان هذا شأن أحد شيوخه، فما بالنا بغيره من طلاب السنة المبتدئين. على أن نشاطه في تلك الرحلة تجاوز مجال الدراية إلى مجال الرواية فحدث في الحرمين بكثير من مروياته (١).
وهكذا ظهرت شخصيته باعتباره محدثاً بالحرمين ومؤلفًا في أصول علوم السنة ومدرسا لها، وتتلمذ له في الدراية بعض شيوخه في الرواية وكتب عنه تأليفه بخطه، وذلك غاية الدلالة على مكانته حينئذ، وعلى طابع رحلته الجديد كما أوضحنا.
غير أن ذلك لم يمنعه من مواصلة التزود من علوم السنة والتلمذة لغيره فيها، ففي ترجمة عبد الله بن عقيل النحوي المعروف، قال ولي الدين ابن العراقي: «إنه حدث، وسمع منه والدي وأسمعني عليه بمكة المشرفة» (٢).
ويترجح أن يكون ذلك في تلك الرحلة، حيث كان ولي الدين في سن السماع، ولأن ابن عقيل توفي بالقاهرة عقب تلك الرحلة في ربيع الأول سنة ٧٦٩ هـ (٣).
بل أكثر من هذا، أن العراقي انتهز فرصة مجاورة تقي الدين الواسطي شيخ القراء بمصر، معه بمكة، وأتم عليه القراءات السبع (٤) بعد مرور نحو ٢٦ عامًا على تحوله من القراءات إلى السنة، كما تقدم، وكأنه عزَّ عليه أن لا يُحصل نتيجة مستكملة من هذا العلم رغم سابق إنهماكه فيه، فأتم القراءات السبع.