← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 30167

الحافظ العراقي وأثره في السنة

أحمد بن معبد عبد الكريم

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

المدينة» لابن النجار، وهو يعد من عيون مروياته، لاتصال روايته له بالسماع من مؤلفه (١). كما لم يُعرف تلقي العراقي له عن غيره بحيث يُعد إضافة علمية جديدة لرصيده. أما بالنسبة للمدينة المنورة فقد قرر المؤرخون أيضًا أن العراقي سمع فيها خلال حجه ومجاوراته من كثيرين، وحددوا منهم العفيف المطري فقط (٢). وهو عبد الله بن محمد بن أحمد المتوفى بالمدينة في ربيع سنة ٧٦٥ هـ وقد كان شيخ المحدثين بالحرم المدني في وقته، ويُعد أوسع شيوخ العراقي رحلة في طلب الحديث، وقد سمع منه الذهبي ووثقه، ومع أنه كان معنيا بعلم الطب، فقد وصفه زين الدين بن رجب الحنبلي قرين العراقي ومشاركه في السماع عليه بأنه كان حافظ وقته، كما قرر أنه كان حسن الملتقى للواردين على المدينة من أهل العلم (٣). غير أني لم أقف على تحديد زمن التقاء العراقي به، ولا على نموذج لما تلقاه عنه، ولكن من المؤكد أن التقاءه به واستفادته منه كانا قبل تاريخ وفاته المذكور آنفًا، وبموجب كونه حافظ المدينة في وقته، يكون العراقي قد استفاد منه في الرواية والدراية معا، ولعل مما يرجح التقاء العراقي به منذ تلك الرحلة الأولى التي نحن بصددها، طول المدة التي قضاها العراقي فيها ومكانة الحافظ المطري العلمية، وحسن معاملته للواردين من أهل العلم، لا سيما

стр. 387

المشهود بامتيازهم كالحافظ العراقي. وعليه تكون تلك الرحلة ذات أثر كبير في شخصية العراقي الحديثية حيث أتاحت له بجانب الأخذ عن شيوخ الرواية، التلمذة على اثنين من أبرز علماء الدراية، وهما الحافظ العلائي بمكة، والحافظ المطري بالمدينة، وبذلك تضاعف عائده العلمي منها على وجه العموم. ب - الرحلة الثانية: وكما حدَّد ابن فهد الرحلة السابقة، فإنه أشار إلى رحلة أخرى للحافظ العراقي إلى الحجاز، حيث قال: إن الحافظ تقي الدين بن رافع، مر به العراقي وهو بمكة سنة ٧٦٣ هـ فقال: «ما في القاهرة مُحدّث إلَّا هذا والقاضي عز الدين بن جماعة» (١)، وهذا يفيد أن العراقي رحل في السنة المذكورة للحج، لكن لم يتعرض ابن فهد، فضلا عن غيره لتفصيلات أخرى عن تلك الرحلة، والحافظ ابن رافع المذكور قدمنا عن الذهبي أنه من أعيان حفاظ الشام في عصره، وتوفي بدمشق في ١٨ جمادى الأولى سنة ٧٧٤ هـ، وقد تتلمذ له العراقي بالشام، خاصة في رحلته الأخيرة إليها سنة ٧٦٥ هـ، حيث أحضر عليه فيها ولده أبا زرعة (٢)، وعليه تعتبر شهادته المذكورة للعراقي بأنه ثاني محدث بالقاهرة بعد شيخه ابن جماعة، شهادة لها قيمتها باعتباره من حفاظ السنة المعتبرين، وقد تتلمذ له العراقي المشهود له. وجدير بالذكر أن ابن جماعة كان موجودًا في هذه السنة أيضًا بالحج حيث

стр. 388

التقى به زين الدين بن رجب الحنبلي رفيق العراقي في الطلب (١) وقد أثبت العراقي روايته عن ابن جماعة بمكة كما سلف، فلعل ذلك كان في تلك الرحلة الحافلة باجتماع حفاظ مصر والشام في رحاب الحرمين وخلال شعائر الحج يستفيدون علوم السنة ويفيدونها ويضع بعضهم بعضًا في الدرجة العلمية التي يراه كفء لها. ولو لم يكن للعراقي من رحلته هذه إلا شهادة ابن رافع المتقدمة، لكفت لأنها تقرر مكانته بين علماء السنة بمصر والشام والحجاز حين قام بتلك الرحلة. جـ - الرحلة الثالثة، وتغير الطابع العام لرحلات العراقي ابتداءا منها: تعتبر هذه الرحلة أكثر رحلات العراقي الحجازية التي عنى ولده ولي الدين وغيره بتفاصيلها، ففي ترجمة شهاب الدين أحمد بن لولو الشهير بابن النقيب والمتوفى بالقاهرة سنة ٧٦٩ هـ، قال عنه ولي الدين: «ترافق هو ووالدي على الخروج للمجاورة في ربيع الأول سنة ٧٦٨ هـ، وكنت معهما وجميع عيال والدي» (٢) ثم ذكر منهم برهان الدين إبراهيم ابن أخي العراقي الذي كان متوليا تربيته كما قدمنا، وبين أيضًا وقائع الرحلة: بأنهم بدأوا بالمدينة المنورة فأقاموا بها عدة أشهر، ثم خرجوا إلى مكة حيث اقترب موسم الحج (٣) ونحو هذا ذكر السخاوي (٤).

стр. 389

وعندما نتأمل تاريخ هذه الرحلة نجد أنها تجيء بعد آخر رحلات العراقي الشامية، وبعد كثير من رحلاته داخل مصر، إن لم يكن جميعها، فضلا عن رحلاته الحجازية المتقدمة، وبذلك كان قد خطا عدة خطوات على طريق النضج العلمي، وقطع مراحل ذات عائد ضخم من علمي الرواية والدراية كما سلف وتجيء أيضًا بعد أن غاب من الساحة حفاظها البارزون من شيوخ العراقي بمصر والشام والحجاز، حيث توفي قبلها العلائي وابن جماعة والعفيف المطري. ومن هنا بدأت شخصية العراقي تصعد لملء هذا الفراغ على مستوى المنطقة وبالتالي فإنه منذ هذه الرحلة تغير الطابع العام لرحلات العراقي، فبعد أن كانت رحلاته السابقة غالبها استفادته هو، نجد أن تلك الرحلة وتالياتها غالبها إفادته لغيره، وظهور نتاجه العلمي في علوم السنة واتخاذه منهجا لدراستها. ففي هذه الرحلة فرغ العراقي من باكورة تأليفه في أصول علوم السنة وهي ألفيته الشهيرة، حيث قال بنفسه: «فرغت منها يوم الخميس المبارك ٣ جمادى الآخرة سنة ٧٦٨ هـ بالمدينة الشريفة، على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وأكملت تبييضها في يوم الثلاثاء ١٤ رجب سنة تاريخه» (١) ثم قام العراقي في نفس الرحلة بتدريس هذه الألفية لطلاب السنة؛ ومع أن رفيقه ابن النقيب كان من شيوخه، الذين سمع منهم الحديث وتخرج به غيره من الفضلاء، فإنه حضر تدريسه للألفية من أولها لآخرها بل كتبها عنه بخطه (٢)،

стр. 390

فإذا كان هذا شأن أحد شيوخه، فما بالنا بغيره من طلاب السنة المبتدئين. على أن نشاطه في تلك الرحلة تجاوز مجال الدراية إلى مجال الرواية فحدث في الحرمين بكثير من مروياته (١). وهكذا ظهرت شخصيته باعتباره محدثاً بالحرمين ومؤلفًا في أصول علوم السنة ومدرسا لها، وتتلمذ له في الدراية بعض شيوخه في الرواية وكتب عنه تأليفه بخطه، وذلك غاية الدلالة على مكانته حينئذ، وعلى طابع رحلته الجديد كما أوضحنا. غير أن ذلك لم يمنعه من مواصلة التزود من علوم السنة والتلمذة لغيره فيها، ففي ترجمة عبد الله بن عقيل النحوي المعروف، قال ولي الدين ابن العراقي: «إنه حدث، وسمع منه والدي وأسمعني عليه بمكة المشرفة» (٢). ويترجح أن يكون ذلك في تلك الرحلة، حيث كان ولي الدين في سن السماع، ولأن ابن عقيل توفي بالقاهرة عقب تلك الرحلة في ربيع الأول سنة ٧٦٩ هـ (٣). بل أكثر من هذا، أن العراقي انتهز فرصة مجاورة تقي الدين الواسطي شيخ القراء بمصر، معه بمكة، وأتم عليه القراءات السبع (٤) بعد مرور نحو ٢٦ عامًا على تحوله من القراءات إلى السنة، كما تقدم، وكأنه عزَّ عليه أن لا يُحصل نتيجة مستكملة من هذا العلم رغم سابق إنهماكه فيه، فأتم القراءات السبع.

стр. 391

في تلك الفرصة السانحة، بعد أن حصل من الفن الذي تحول إليه ما أوصله إلى الدرجة المشار إليها في تلك الرحلة. د - الرحلة الرابعة: هذه الرحلة قام بها العراقي للحج سنة ٧٧٣ هـ، ولم أجد لها ذكراً في تراجمه، ولكني وقفت على إثبات العراقي بنفسه لها، حيث قال في شرحه لألفيته في المصطلح، السابقة: «قرأ علي جميع هذا الشرح: الشيخ الإمام المحدث نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي، في مجالس آخرها يوم الثلاثاء ١٣ ذي القعدة سنة ٧٧٣ هـ، بعضه بالقاهرة وبعضه بمكة المشرفة، وسمع جميع ذلك: الفقيه المحدث الفاضل جمال الدين محمد بن عبد الله ابن ظهيرة القرشي المكي، والمحدث شمس الدين محمد بن محمد بن عمر اليشكري الأصل المدني. وكان لهما فوت، أعاده جمال الدين بن ظهيرة بقراءته، وأعاد اليشكري أيضًا لنفسه من فوته صفحة فكمل لهما سماع جميع الكتاب بمكة، وسمع الإمام العلامة مفتي المسلمين، وصدر المدرسين، جمال الدين أبو إسحق إبراهيم بن محمد الأميوطي: بعض أبواب، بمكة. وسمع الشيخ المحدث المقرى شمس الدين محمد بن علي بن ضرغام البكري، نزيل مكة، عرف بابن سكر. وسمع الشيخ الفقيه نور الدين إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن الجلال الاسنائي … » وسمع الإمام الأوحد، المحدث نور الدين علي بن إسماعيل المديحي … وسمع شهاب الدين أحمد بن موسى بن علي بن الوكيل، المكي … وحضر ابني أبو حاتم محمد، في السنة الثالثة من عمره …

стр. 392

وحضر شيخنا: المسيد الرحلة، كمال الدين محمد بن الشيخ الإمام الحافظ زين الدين عمر بن الحسن بن عمر بن حبيب (الحلبي): من قوله: «طبقات الرواة إلى آخر الكتاب، وصح ذلك وثبت في التاريخ المتقدم (أي ١٣ ذي القعدة) خلا ما كان فيه فوتًا لابن ظهيرة واليشكري، ففي مجالس، آخرها يوم السبت ٢٤ ذي القعدة المذكور، وأجزت لكل من الجماعة ما تجوز لي وعني روايته، كتبه: عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن العراقي … » (١). ومن هذه الوقائع التي سجلها العراقي بنفسه، يتضح لنا الآتي: ١ - أنه كان موجودًا بمكة خلال شهر ذي القعدة سنة ٧٧٣ هـ، وقام بتدريس علوم السنة بها، وذلك من شرحه لألفيته في المصطلح. ٢ - أن طابع هذه الرحلة يُعتبر إمتدادًا لطابع الرحلة السابقة، مع ازدياد نشاط العراقي وتأثيره، ففي الرحلة السابقة، دَرَسَ علوم السنة من متن الألفية، وفي هذه الرحلة، درس شرحها الذي فرغ من تأليفه بظاهر القاهرة فيما بين الرحلتين، كما سيأتي، ثم امتد نشاطه في تدريس علوم السنة بين القاهرة والحجاز. ٣ - أن حضور ولده (أبي حاتم) عليه في تلك الرحلة، وهو في الثالثة من عمره، يفيد اصطحاب أسرته معه فيها، كما يفيد أنه أصبح أستاذًا لأسرته بعد أن كان في الرحلات السابقة يُسمعهم الحديث من غيره.

стр. 393

٤ - مراعاة العراقي الدقيق لاصطلاح المحدثين في إثبات السماع والحضور عليهم. ٥ - أن تلاميذ العراقي نماذج متنوعة، فمنهم المصري المشارك له في الرحلة والمجاورة كرفيقه الهيثمي وجمال الدين الأميوطي (١) ومنهم الشامي كشيخه كمال الدين الحلبي، ومنهم المكي ومنهم نزيل مكة وبذلك كانت دائرة إفادته شاملة، كما يلاحظ أنهم جميعًا ليسوا طلابًا عاديين، وإنما غالبهم ما بين محدث وفقيه وبلغ درجة الإفتاء والتدريس، بل ومنهم جمال الدين بن ظهيره، الذي لازم العراقي حتى صار حافظ مكة وشيخ المحدثين بها، كما سيأتي، بل إن منهم أحد شيوخ العراقي من المسندين الذين سمع منهم الحديث وهو كمال الدين الحلبي، الذي رحل الناس للسماع منه، وكان مجاورًا بمكة في تلك السنة، فأكثر أهل مكة الرواية عنه، لتفرده بمسموعات من أُمهات كتب السنة (٢). ثم إن العراقي أثبت في تأليفه بعض مروياته بالسماع على شيخه الحلبي هذا بمكة أيضًا (٣) وعد تقي الدين الفاسي من مروياته عنه (سنن ابن ماجه) بالسماع (٤) وعدها أيضًا من مسموعات ولي الدين بن العراقي على الحلبي بمكة بالإضافة لمعجم «ابن جميع» و «أسباب النزول» للواحدي (٥) فلعل العراقي

стр. 394

كان مشاركًا لولده في سماع الجميع. وبذلك تبادل الأستاذية مع الحلبي كما تبادلها مع (ابن النقيب) رفيقه في الرحلة السابقة، فتتلمذ العراقي لشيخه الحلبي في الرواية، وتتلمذ له شيخه بجانب الرواية في الدراية التي صار أستاذها على مستوى مصر والحجاز، تأليفًا وتدريسًا، وهذا غاية ما يصور مكانة العراقي وأثره في السنة في زمن تلك الرحلة، فضلا عما بعدها. كما يصور نشاطه في التحصيل رغم تقدمه العلمي. هـ - الرحلة الخامسة: هذه الرحلة لم أجد أيضًا من ذكرها من مؤرخي العراقي، وإنما وجدت نصه هو عليها في نهاية كتابه (تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد) في أحاديث الأحكام، حيث قال: … وبعد: فقد قرأ علي ابني أبو زرعة، جميع هذه الأحكام، في مجالس تسعة، آخرها بمكة المشرفة في ثاني صفر سنة ٧٧٦ هـ … كتبه مؤلفه عبد الرحيم بن الحسين بن العراقي (١). فهذا يدل على أنه كان مجاورًا بمكة حينذاك، بعد موسم الحج، ثم قال في مقدمة: «طرح التثريب في شرح التقريب» السابق: … . وبعد: فلما أكملت كتابي المسمى بـ (تقريب الأسانيد وترتيب المسانيد)، وحفظه ابني أبو زرعة، المؤلف له (أي لأجله) وطلب حمله عني جماعة من الطلبة الحملة، سألني جماعة من أصحابنا في كتابة شرح له … فتعللت بقصور من المجاورة بمكة عن ذلك، وبقلة الكتب المعينة على ما هنالك، ثم رأيت المسارعة إلى الخير أولى وأجل، ولما ذكرته من قصر الزمان وقلة الأعوان سميته «طرح التثريب في

стр. 395

شرح التقريب» (١). ويبدو أن طلب حمله عنه وشرحه له كانا أيضًا في تلك المجاورة، لذكره أن ذلك كان بعد حفظ أبي زرعة للكتاب، وعليه يكون قد تم فيها إنهاء أبي زرعة لقراءة الكتاب على والده، ثم حَمْل غيره من طلاب السنة للكتاب أيضًا عن العراقي، ثم شروعه في شرحه، ويظهر أنه أطال مجاورته تلك، حيث أنجز من الشرح نحو مجلد كما سيأتي. وهذا كله، يفيد تجاوز أثره نطاق الرحلة السابقة، حيث انتقل من التأليف في علم أصول السنة ومصطلحها، وتدريسه، إلى التأليف في فقه السنة وروايتها وشرحها، تلبية لطلاب رواية السنة ودرايتها بمكة، بعد أن تكاثرت جماعتهم عنده، وزاد إقبالهم على حَمْلِ السنة عنه، ومعرفة فقهها ومعناها منه. الرحلات الحجازية في الميزان: هذا مجمل ما توصلت إليه من رحلات العراقي الحجازية، وأهم نتائجها ورغم قلة عدد ما ذكرته منها بالنسبة لما قرَّره الملاصقون للعراقي من كثرة رحلاته للحرمين ووفرة نتائجها كما تقدم، إلا أن ما ذكرته يعطي صورة جامعة لطابع تلك الرحلات وأهم نتائجها، تأثرًا وتأثيرًا، فقد ذكرت نموذجين الرحلاته الأولية التي كان تأثره فيها أكبر من تأثيره، ثم أتبعتها بثلاث من الرحلات النهائية التي دخلت فيها شخصيته مرحلة النضج والإنتاج في علوم السنة رواية وتدريسًا وتأليفًا، فصار تأثيره فيها أكبر من تأثره، وبالنسبة للفترة التي بين آخر رحلة ذكرناها في سنة ٧٧٦ هـ وبين سنة ٧٨٨ هـ التي تولى فيها

стр. 396

قضاء المدينة المنورة، وتوابعه كما سيأتي، فإنه يمكن قياسها على ما قبلها، وبالتالي يكون تأثير العراقي فيها هو الغالب. أما فترة عمله الوظيفي بالمدينة الذي خُتمت به رسالته في خدمة السنة بالحجاز فسيأتي بيانها في موضعها الزمني من حياة العراقي بالمشيئة. وإذا كان المترجمون لم يوازنوا بين استفادة العراقي من رحلاته الحجازية وإفادته فيها، ولا بين تلك الرحلات وغيرها من رحلاته السابق بيانها، فإننا على ضوء الشواهد التفصيلية المتقدمة، نستطيع تقرير أن جانب إفادة العراقي لغيره وتأثيره في رحلات الحجاز عمومًا، أرجح من جانب استفادته هو وتأثره كما أن عمله التأليفي في علوم السنة رواية ودراية قد اتضح في تلك الرحلات بصورة جيدة واتسع انتشاره، وبهذا وذاك تميزت رحلات العراقي الحجازية عن رحلاته إلى الشام وفي داخل مصر، إذ كان فيها كما قدمنا جانب استفادته وتأثره هو الغالب، وكان عمله التأليفي أقل، لانشغاله بالطلب والتحصيل حتى بلغ درجة (الحافظ) ثم تابع رحلاته الحجازية، فظهرت فيها ثمار غيرها. رحلتان في ضمير الزمن: وإذا كنا قد فرغنا من هذا العرض والتحليل والموازنة ورصد النتائج لأهم رحلات العراقي في سبيل السنة، فإنه ينبغي التأكيد على أن تلك الرحلات التي شغلت شطرًا كبيرًا من حياة العراقي، وبلغت ما أوضحناه من ضخامة الأعباء والمشقات وعظم الآثار في تحصيل السنة ونشرها، لم تكن كل ما تطلع العراقي له، في مجال الرحلات الحديثية، بل إن هناك رحلتين عزم

стр. 397

بهمته القوية على القيام بهما فعلا، ولكن لم يقدر له التنفيذ على رغم منه. وبيان ذلك أنه عندما قام بأوسع رحلاته الشامية سنة ٧٥٩ هـ ووصل إلى مدينة (حلب) في شمال الشام أصبح قريبا من العراق، حيث موطن أسرته الأصلي، فعزم على أن يدخلها قاصدا بغداد كعبة العلم العريقة، لسماع الحديث، حيث بدأت حينئذ روح العلم تدب فيها من جديد بعد نكبتها المعروفة، وكان بين حكامها وبين المماليك هدنة صلح، كما قدمنا في حالة العصر. إلا أنه ثنى عزمه خوف الطريق، رغم وجود الهدنة، بالإضافة لما بلغه حينئذ من قلة رواة السنة هناك، حتى قال الذهبي: (إن علم الأثر كاد يُعدم من العراق وفارس (١) وهكذا لم يقدر له دخول العراق التي اشتهر بالانتساب إليها أكثر من أي شئ آخر، حتى اسمه كما أسلفنا، ولا شك أن السببين المتقدمين فيهما القدر الكافي لعذره عن القيام بتلك الرحلة). أما الرحلة الثانية: فكانت حين ذهب إلى الإسكندرية في أحد رحلاته المتقدمة، وعزم على القيام منها برحلة إلى تونس لسماع (موطأ الإمام مالك) برواية يحيى بن يحيى، على خطيب جامع الزيتونة لعلو سنده به عن رواية العراقي الآتي ذكرها بعد، ولكن لم يقدر له تنفيذ هذه الرحلة أيضًا لأسباب.

стр. 398

لم يكشف عنها المؤرخون (١). لكن من المؤكد أنها كانت مبررًا قويا لصرفه عنها، قياسا على الرحلة، البغدادية. وهكذا ظل كل من هاتين الرحلتين وديعة للعراقي في ضمير الزمن، تدل بوضوح على همته المتناهية ورغبته الأكيدة في الرحلة في سبيل السنة إلى أبعد مدى ممكن، لا يثنيه عن ذلك غير العوائق الخارجة عن إرادته وطاقته الشخصية أو عدم تحققه من النتيجة. على أننا نلاحظ أن عدم تمكنه من القيام بهاتين الرحلتين لم يعد على ثقافته الحديثية بنقص يذكر، فمع قلة الرواة ببغداد فإنه قد أُتيح له التلمذة على غير واحد ممن رحل إليها: كالعفيف المطري، أو أُجيز من شيوخها كعز الدين بن جماعة، كما كان قصده الأول من رحلة تونس تحصيل علو السند برواية كتاب «الموطأ» فقط، مع سبق روايته له بسند أنزل، ولم تكن لعلوم السنة نهضة بالمغرب عمومًا كما قدمنا في حالة العصر، بل كانت مصر هي قطب الدائرة ومركز الإشعاع (٢) دون محاباة.

стр. 399

اشتغال العراقي بالسنة فيما بين رحلاته، ونتائج ذلك بعد بياننا لرحلات العراقي إلى ينابيع الثقافة داخل مصر وخارجها عبر ٣٤ عاماً تقريباً، منذ بدايتها في سنة ٧٥٤ هـ حتى سنة ٧٨٨ هـ، بقي علينا بيان نشاطه خلال إقامته في المنبع الأصلي بين تلك الرحلات ونتائجه، لتكتمل الصورة العامة لنشاطه في الداخل والخارج. وإذا كان الحافظ ابن حجر ومن تبعه قد نسب إلى العراقي تراخيه في طلب السنة فيما قبل سنة ٧٥٢ هـ كما قدمنا بيانه والرد عليه، فإن موقفهم هنا قد تغير، لوقوع جميع رحلاته وإقامته بمصر بينهم بعد سنة ٧٥٢ هـ ولهذا يتفقون مع غيرهم من مؤرخي العراقي على أنه منذ سنة ٧٥٢ هـ قد أكب على الطلب، وتقدم في فن الحديث حتى غلب عليه، وتوغل فيه حتى صار لا يعرف إلا به وانصرفت أوقاته فيه (١). ويمدنا «ابن فهد» بتقسيم لنشاط العراقي فيقول: «وفي مدة إقامته في وطنه، لم يكن له هم سوى السماع والتصنيف والإفادة، فتوغل في ذلك حتى إن غالب أوقاته أو جميعها - لا يصرفها في غير الاشتغال بالعلوم» (٢) ومن هذا يتضح لنا الآتي: ١ - اتفاق مؤرخي العراقي على أن نشاطه بمصر فيما بين رحلاته لا يقل في

стр. 400

مظاهره ونتائجه عن نشاطه خلالها كما تقدم إيضاحه، وبذلك كان كل منهما مكملا للآخر ومعضدا له، وأسهم جميعه في نضج شخصية العراقي العلمية وإظهار أثرها في علوم السنة. ٢ - أن غالب نشاطه العلمي تركز في علم السنة، وهذا يشير إلى أن بقية العلوم التي درسها من فقه وأصول ولغة وغيرها، كانت تشغل بعض وقته بحيث شارك علماءها مشاركة جيدة في الاشتغال بها حسب عادة العصر كما سلف، لكن ذلك لم يطغ على اختصاصه الأساسي بعلم السنة، وبالتالي صار لا يُعرف إلا به، وظلت شخصيته الحديثية هي الغالبة على بقية جوانب علمه ٣ - أن نشاطه أثناء إقامته بمصر فيما بين رحلاته توزع بين أعمال ثلاثة: أحدها: مواصلة الإستزادة من علوم السنة بمدينتي مصر والقاهرة. وثانيها: الإفادة والتوجيه وتخريج العلماء. وثالثها: التصنيف في علوم السنة وغيرها أيضًا. وسأتناول هنا عمله الأول فقط، تتميما لنشاطه التحصيلي، ثم أتناول عمله الثاني ضمن البحث التالي عن وظائفه العلمية، أما تصنيفه فمحل تناوله الباب الثالث وما بعده إن شاء الله. مواصلة العراقي الإستزادة من علوم السنة بمدينتي مصر والقاهرة ونتائجها: حرص العراقي حين إقامته بمصر فيما بين رحلاته على مواصلة التلمذة لعلماء السنة ورواتها بمدينتي مصر والقاهرة، للاستكمال والمزيد على حصيلته الضخمة التي كان يعود بها من كل رحلة كما قدمنا، ولما كانت هذه

стр. 401

الفترات تمتد عبر ٣٤ عامًا كما أشرنا، فإن استيعابنا لما أثبتته المراجع من شيوخ العراقي وحصيلته منهم خلالها يطول، ولذا فإنني سأكتفي بذكر بعض النماذج الجامعة المصورة لأهم مظاهر نشاطه في التحصيل ونتائجه بحيث يقاس الباقي عليها كما فعلت في المراحل السابقة. وأبدأ بأقرب شيوخ العراقي وفاة بعد الميدومي الذي توفي في أعقاب أولى رحلاته سنة ٧٥٤ هـ كما قدمنا، وهو المسند الكبير: «محمد بن إسماعيل بن عبد العزيز الأيوبي» المعروف بـ «ابن الملوك»، فقد توفي بالقاهرة سنة ٧٥٦ هـ بعد أن جاوز عمره الثمانين، فتفرد ببعض مروياته وتتلمذ له العراقي بالقاهرة (١). فسمع منه من أول الجزء ٣٧ إلى آخر الجزء ٤٥ من «المعجم الكبير» للطبراني (٢) وعند إثبات بعض تلك الأحاديث في تأليفه يصرح بمشافهة ابن الملوك له بها (٣) وقد ظهرت استفادة العراقي من عواليه فيما أثبت روايته عنه مشافهة بسند أعلا من روايته عن بعض شيوخه الآخرين (٤). وقد أثبت أيضًا بعض رواياته عنه بالسماع عليه بقراءة غيره (٥) ومما سمعه عليه بعض الأجزاء الحديثية التي لم يعرف تلقي العراقي لها عن غيره (٦). وبعض

стр. 402

الأجزاء المخرجة من عوالي الشيوخ المتقدمين، واعتنى العراقي بكتابة طبقة السامعين معه بخطه (١) كذلك حصل العراقي على إجازة ابن الملوك له ببعض مروياته، ومنها بقية أجزاء «المعجم الكبير» للطبراني الذي سمع منه بعضه كما أشرنا، ويظهر هذا من روايته عنه بتلك الإجازة في تأليفه (٢)، ويظهر أيضًا علو سنده بإجازته عما رواه عن غيره من شيوخه البارزين في رحلاته كالحافظ السبكي والمحدث أبو الثناء المنبجي (٣) وهذا يؤكد التكامل بين نشاط العراقي في الداخل والخارج. ومن شيوخه الذين تلقى عنهم بمدينة مصر وتأخرت وفاته عن ابن الملوك القطب: محمد بن علي بن عبد العزيز القطرواني المصري (٤) حيث توفي في ١٧ ذي الحجة ٧٦٠ هـ وكان مما تفرد بروايته بالسماع السيرة النبوية لابن هشام، فقرأها عليه العراقي كاملة (٥) مضيفا بذلك لمروياته من كتب السنة عنصرًا هامًا وجديدًا، حيث تقضي قواعد التخصص بعلم السنة الاعتناء برواية كتب السيرة ودراستها (٦). ولم يُعرف قراءة العراقي ولا سماعه لهذه السيرة ولا غيرها على أحد قبل.

стр. 403

القطرواني (١)، وتلقى العراقي أيضًا بعض دراسته ومروياته في علوم السنة بظاهر القاهرة، وذلك على القاضي ناصر الدين أبو عبد الله محمد بن محمد بن أبي القاسم بن جميل الربعي الشهير بابن التونسي المالكي المتوفى في ١١ صفر سنة ٧٦٣ هـ (٢) فقد ذكر التقي الفاسي سماع العراقي عليه (سنن النسائي) (٣) وروى العراقي نفسه في تأليفه بعض أحاديثها بالقراءة على ابن التونسي (٤)، فلعله قرأ البعض وسمع البعض، ويعتبر تلقيه لهذه السنن عن ابن التونسي إضافة هامة لحصيلته من المرويات، لأن البحث الموسع لم يوقفني على سماعه

стр. 404

أو قراءته لها على غيره، مع أنها أحد الكتب الستة أمهات مصادر السنة، التي تقضي قواعد التخصص بالسنة وشروط حفاظها بروايتها وبحثها (١) وبذلك يكون العراقي قد استوفى رواية هذه الأمهات الستة وبحثها، حيث قدمنا تلقيه للكتب الخمسة الأخرى على شيوخه داخل مصر وخارجها، وهذا يؤكد تكامل نشاطه التحصيلي خلال رحلاته وفيما بينها كما أشرنا. وقد امتاز ابن التونسي أيضًا بالتفرد بكثير من شيوخه ومسموعاته (٢) وتوطدت صلة العراقي العلمية به واهتمامه بتحصيل مروياته حتى خرج له «مشيخة» من مروياته ثم ذيل عليها كما سيأتي في مؤلفاته وهذا يفيد تلمذته له فترة غير قصيرة بحيث تسنى له الإحاطة بغالب شيوخه وتتبع مروياته في مصادرها المتعددة، وقد أورد العراقي في تأليفه بعض رواياته عنه بأعلا أسانيد عصره المتصلة بالثقات، وحدد أنها كانت بالقراءة عليه بظاهر القاهرة (٣)، واستمرت استفادته منه إلى قبيل وفاته حيث أحضر عليه ولده ولي الدين في السنة الأولى من عمره وهو مولود آخر سنة ٧٦٢ هـ والشيخ متوفى أوائل سنة ٧٦٣ هـ كما مر، وكان مما أحضره عليه «مشيخته» السابق ذكر تخريج العراقي لها (٤) وهذا يفيد تلقيه لها أيضًا مع ولده، بحيث اتصل سنده بمحتواها الكبير من المرويات وخاصة ذات السند العالي الذي امتاز به ابن التونسي. ولما كانت قواعد التخصص بعلوم السنة وشروط بلوغ درجة الحافظ فيها

стр. 405

تقضي بالحرص على تحصيل الفوائد الحديثية أنى وجدت (١) فإن العراقي قد أخذ نفسه بهذا، فلم يكتف بالتلقي عن ثقات الشيوخ بل تلقى عن بعض المتكلم فيهم بما لا يوجب تركهم، حتى لا يفوته ما يستفاد به، وذلك مثل محمد بن أبي القاسم بن إسماعيل بن مظفر الفارقي المتوفى في ١٤ من المحرم سنة ٧٦١ هـ، فقد ذكر العراقي أنه امتاز بالعناية بطلب الحديث والرحلة فيه بحيث لم يخلف بعده أقدم طلبا منه، وبذلك صار محدثا مفيدا. وأقر بكثرة استفادته شخصيا من مروياته (٢) وأثبت في تأليفه روايته عنه بأعلى أسانيد عصره وغيرها من العوالي وذلك بقراءته عليه (٣) وحدد في بعضها مكان القراءة بالقاهرة (٤) ومع هذا كله قال عنه كما قدمنا من قبل: «وكان أحد الشهود المعدلين بالقاهرة، إلا أني سمعت من يتكلم فيه في الشهادة، فلذلك قرنته في الرواية بأبي الحرم القلانسي (٥) والقلانسي هذا أحد شيوخ العراقي الثقات كما سيأتي وقد التزم بقرنه بالفارقي كما قال فيما رواه عنه بأصح الأسانيد جبرا للطعن المشار إليه (٦) وفيما لم ينفرد به الفارقي» (٧). أما ما انفرد به من المرويات فقد استفاده منه العراقي أيضا كما أشرنا وأثبت رواياته عنه منفردا فيما لم يلتزم فيه بالأحاديث الصحيحة من

стр. 406

مؤلفاته (١) وذلك لكون الطعن فيه من جهة الشهادة كما قدمنا وإن اقتضى ضعفه لكنه لا يوجب ترك الرواية عنه كلية بحسب قواعد التوثيق والترجيح. أما أبو الحرم القلانسي الذي جبر به العراقي ضعف الفارقي فيما التزم فيه الصحة من تأليفه فهو محمد بن محمد بن محمد بن أبي الحرم القلانسي الحنبلي المتوفى على الراجح في ١٤ جمادى الأولى سنة ٧٦٥ هـ، وقد اتفق مترجموه مع العراقي على أنه كان ثقة صحيح السماع، ثم طال عمره حتى صار خاتمة المسندين بالقاهرة، بل مُسند الديار المصرية عموما في زمانه وكثرت شيوخه ومروياته العالية، وتفرد بكثير منها فرحل الطلبة إليه وكثر تحديثه، وبالتالي كانت استفادة العراقي منه كبيرة وهامة، فتتلمذ له بالقاهرة، وقرأ وسمع عليه (موطأ الإمام مالك بن أنس) ﵁ برواية تلميذه أبي مصعب الزهري المدني المتوفى سنة ٢٤٢ هـ (٢). وهذا وحده يعد من عناصر تحصيله الجيدة المكملة لثقافته الحديثية، لأن الموطأ من أوائل أمهات كتب السنة التي يشترط في حافظها تحصيلها رواية ودراية ولم يعرف تلقي العراقي له عن غير القلانسي، والفارقي المتكلم فيه، كما أوضحنا، وبذلك كان معول العراقي على روايته عن القلانسي لثقته وصحة سماعه كما ذكرنا، ثم إن رواية أبي مصعب هذه تمتاز من بين روايات الموطأ العديدة بأن أبا مصعب - راويها عن مالك - مدني وكانت هي آخر الروايات عرضًا على الإمام مالك وأتمها أيضًا، حيث تزيد نحو مائة حديث

стр. 407

عن الروايات الأخرى (١). وقد أسلفنا أن العراقي عزم على الرحلة إلى تونس لسماع الموطأ على خطيب جامع الزيتونة لعلو سنده برواية يحيى بن يحيى - التي تُعد أشهر الروايات - على سند العراقي برواية أبي مصعب هذه، ولكن لم يقدر له ذلك فيكفيه ما ذكرنا من ميزات هذه الرواية عن علو الإسناد. ومما قرأه العراقي على القلانسي أيضًا: مسموعه من الجزء الأول من حديث «هدبة بن خالد القيسي» (٢) والجزء الأول من حديث يحيى بن معين (٣). ومما سمعه عليه «المعجم الصغير» للطبراني (٤) كما تلقى عنه أيضًا مُسند أبي العباس السراج في أحد عشر جزءًا حديثيًا، منها الخمسة الأولى بالسماع (٥) وسمع عليه أيضًا من الأجزاء الحديثية الهامة جـ ١، ٢ من حديث أبي الدحداح (٦) وجزء ابن كليب (٧). وكل ما ذكرته غير الموطأ، يُعتبر إضافات جديدة لرصيد العراقي العلمي حيث لم يعرف قراءته أو سماعه لشيء من ذلك على غير القلانسي. كما أنه استفاد منه أيضا رواية عدة مشيخات، فسمع عليه مشيخة سعد بن

стр. 408

أبي الرجاء الصيرفي (١) والجزأين الثاني والأخير من مشيخة سيدة بنت موسى المارانية بشيوخها بالإجازة (٢). ونظرًا لكثرة شيوخ القلانسي ومروياته فقد خرج له تلميذه الحافظ ابن رافع مشيخة، ثم ذيل عليها العراقي كما سيأتي، وقد حدث القلانسي بكل منهما (٣) فلابد أن يكون العراقي تلقاها أيضًا عنه، حيث تتلمذ له إلى آخر حياته حتى أحضر عليه ولده (أحمد) في الثالثة من عمره كثيرًا (٤) وتوافق الثالثة من عمر أحمد، سنة وفاة القلانسي كما تقدمت. وبتلقى العراقي عنه تلك المشيخات تضاعفت درايته بعلم الرجال كما تقضي قواعد التخصص بعلوم السنة وشروط حفاظها، واتصل سنده بالكثير من كتب السنة وعلومها التي حوت بيانها تلك المشيخات الجامعة، خاصة وأنه لم يُعرف سماعه أو قراءته لأي من المشيخات المتقدمة على غير القلانسي، فضلًا عن مشيخته هو وذيلها. بل إننا نجد العراقي يقرأ ويسمع عليه من أمهات كتب السنة وأجزائها ما سبقت روايته له عن غيره، كـ (جامع الترمذي) و (سنن ابن ماجه) اللذين سبق بيان قراءته لهما على بعض شيوخه بمصر وخارجها (٥) وكـ (جزء الغطريف) الذي سمعه من قبل بنفس السند على الميدومي بمصر، وسمعه من طريق آخر

стр. 409

على خمسة من شيوخه بالشام (١)، وقد مرت الإشارة لفائدة تعدد الروايات للكتاب الواحد، بل إن العراقي صرح بتلقيه بعض المرويات عن القلانسي نفسه، مرة بالقراءة عليه وأخرى بالسماع (٢) وقد ظهرت كثرة ما حصله منه بانتشار رواياته عنه في عامة مؤلفاته (٣) وحدد في بعضها قراءته عليه بالقاهرة (٤). وممن تتلمذ عليه العراقي بالقاهرة أيضًا فيما بين رحلاته، شهاب الدين أحمد بن أبي بكر العسقلاني المعروف بابن العطار، المتوفى على الصواب في ٢٨ محرم سنة ٧٦٣ هـ وقد امتدت تلمذة العراقي له إلى أواخر حياته حيث أحضر عليه ولده أحمد أبا زرعة الذي ولد قبل وفاة ابن العطار بنحو شهرين وقد أشار العراقي لمبلغ استفادته منه فقال: قرأت عليه «سنن الدارقطني» وغيرها (٥)، ومع أنه يعتبر أحد ثلاثة تلقى عنهم العراقي «سنن الدارقطني»، إلا أن قول العراقي «وغيرها» يشير إلى عدد آخر من مصادر السنة قرأه عليه، فضلا عما سمعه، ومما قرأه عليه غير «سنن الدارقطني»: الجزء الأول من حديث عبد الله بن المبارك (٦) وهو من الأجزاء الهامة التي لم أقف على قراءة العراقي أو سماعه له على غيره، وقد شارك العراقي في السماع على ابن العطار: الأمير «مثقال».

стр. 410

الأنوكي مقدم المماليك حينئذ وذلك بقراءة العراقي. ومن أبرز المسندين الذين عظمت استفادة العراقي منهم فيما بين رحلاته: محمد بن إبراهيم بن محمد الخزرجي البياني المتوفى على الراجح في ٢٩ ذي القعدة سنة ٧٦٦ هـ (١). وقد عمر طويلا فصار سنده بمروياته عاليا، وقصد بالرحلة للرواية فكان مسند عصره، وامتاز بتحصيل إجازات من رواة السنة ببغداد، فعوض بذلك العراقي عما فاته بسبب عدم تمكنه من الرحلة إليها بنفسه كما قدمنا. وقد كثرت مروياته وشيوخه حتى عمل له تلميذه ابن رافع (مشيخة) ثم ذيل له عليها العراقي (٢) وعمل له أيضا فهرستا حافلا بمروياته عن شيوخه بالسماع وبالإجازة، وتوفي «البياني» قبل إكماله (٣). كما خرج له أيضا ٤٠ حديثا من مروياته تساعية الإسناد و ٢٠ ثمانية الإسناد (٤) وذلك غاية العلو في عصره. وسيأتي بحث تلك المؤلفات في مكانها، لكنا نكتفي هنا بالقول: «إن إنجازه لتلك المؤلفات تدل على اتساع خبرة العراقي حينئذ بالرجال وبالأحاديث ومصادرها، وتمييز العالي والنازل والقوي والضعيف من الأسانيد، كما تقضي بذلك شروط حفاظ السنة، وكذلك تدل إحاطته هذه بشيوخ أستاذه وبمروياته على كثرة استفادته منه، خاصة وأن صلته به استمرت إلى وفاته، حيث أثبت ولي الدين بن العراقي أن وفاته، كانت بظاهر القاهرة بنفس

стр. 411

الخانقاة التي كان يقيم بها العراقي وأسرته حينئذ كما قدمنا، وأثبت أيضًا قراءة والده عليه بالقاهرة بحضوره معه وهو في الرابعة من عمره» (١) وهي توافق سنة وفاة البياني. وأثبت أيضًا ولي الدين سماعه عليه صحيح مسلم وقطعة كبيرة من تاريخ بغداد .. للخطيب، وأجزاء كثيرة (٢)، وهذا يفيد مصاحبة والده له في ذلك لأنه كان حينئذ طفلا في الرابعة من عمره. كما سمع العراقي أيضًا على البياني كتاب «الزكاة» ليوسف بن يعقوب القاضي (٣) ولم يعرف سماعه له من غيره، وأثبت أيضًا إجازة البياني له إجازة معينة بجميع «مستدرك الحاكم» (٤)، وهو بهذا يعتبر ثاني اثنين تلقى عنهما العراقي المستدرك وأولهما هو علي بن سنجر الذي تلقاه العراقي عنه بدمشق سماعا لبعضه وإجازة بالباقي كما أسلفنا. وقد ظهر أثر استفادة العراقي من البياني في تأليفه فروى عنه في بعضها ما تلقاه عنه بسند أعلا من سنده عن غيره من شيوخه المتقدمين كتقي الدين السبكي (٥) والمتأخرين كأبي العباس العطار السابق ذكره (٦) وغير ذلك (٧).

стр. 412

وممن استفاد العراقي منه علوم السنة والأدب أيضًا بالقاهرة: إمام الأدباء في عصره جمال الدين محمد بن محمد المعروف بابن نباتة المصري المتوفى بالقاهرة في ٧ صفر سنة ٧٦٨ هـ (١). ومع أنه تفرد برياسة الأدب حينذاك وقال تلميذه ومعاصره ولي الدين بن العراقي: «ما أظن المائة الثامنة أخرجت أحلى شعرا منه، إلا أنه كانت له عناية أيضًا بعلوم السنة وتفرد في وقته ببعض مروياته وشيوخه مما جعل حفاظ العصر يسمعون منه، كالذهبي والعراقي وشيوخه كابن رافع وأقرانه كالبلقيني. ويبدو أن تلمذة العراقي له طالت وصلته به توطدت حتى حكى له بداية اتجاهه للأدب (٢)، كما أنه قرأ عليه خلال سنوات، كثيرًا مما تفرد بروايته من كتب السنة وعلومها بحضوره وسماعه على شيوخه (٣) وذلك مثل كتاب «السيرة النبوية» لابن هشام الذي قرأه عليه بحضور ولده ولي الدين وهو في الأولى من عمره ومثل جـ ٢، ٣ من «الأحاديث الغيلانيات (٤)» بحضور ولي الدين أيضًا وهو في الثالثة من عمره، وقرأ عليه أيضًا بحضوره قطعة من «شعب الإيمان» للبيهقي وقطعة من «تاريخ بغداد» للخطيب (٥) ولعلها غير ما سمعه منه على

стр. 413

البياني كما تقدم، وهذا الكتاب من موسوعات تاريخ الرجال التي تقضي قواعد التخصص بالسنة بتحصيلها (١) كما أنه لم يعرف سماعه لشيء من «شعب الإيمان» على غيره، وبهذا تكاملت حصيلته عن شيوخه كما ترى شيئا فشيئا. ثم إن تلمذة العراقي لابن نباتة تجاوزت علوم السنة إلى تخصصه الأصلي وهو الأدب، فقرأ عليه بعض منظوماته الشعرية أيضًا، مما يؤكد صلته بالأدب وتذوقه له كما قدمنا في دراسته اللغوية والأدبية. وإذا كنا حتى الآن قد ركزنا على عناية العراقي بتحصيل عوالي المرويات وتحصيل الفوائد الحديثية التي ينفرد بها شيوخه داخل مصر وخارجها، فإن قواعد التخصص بالسنة وشروط من يبلغ درجة الحافظ لها، تقضي بالحرص أيضًا على تحصيل المرويات والفوائد الحديثية ولو بالسند النازل (٢) سواء عن الشيوخ أو الأقران أو حتى التلاميذ، إعطاء للقدوة وتتبعا لما يستفاد به في مختلف مصادره ومواقعه (٣). ولهذا فإن العراقي حرص على ذلك، فكان ممن تتلمذ لهم بالقاهرة المسند محمد بن محمد بن إبراهيم الإسكندري البلبيسي المتوفى في شعبان سنة ٧٦٣ هـ وكان صحيح السماع وقد حمل عنه العراقي كثيرا من المرويات (٤).

стр. 414

ومن أهمها «المسند الكبير» لأبي يعلى، ويُعتبر سند البلبيسي به نازلا عن غيره من شيوخ العراقي كالبياني السابق ذكره (١) ولكن العراقي تلقاه عنه مع تلقيه أيضًا بالإجازة عن البياني بسند أعلا، وذلك لامتياز رواية البلبيسي بالاتصال بالسماع (٢) وقد أورد العراقي في تأليفه كثيرًا من أحاديث المسند بروايته عنه مع نزول سندها (٣). وقد يتبع بعضها بروايته الأعلا سندا عن غيره من شيوخه، لكن بالإجازة (٤) مما يدل على عنايته بتحصيل الأسانيد العالية والنازلة وتمييزه لهما، وإذا كان هذا شأنه مع بعض شيوخه فإنه لم يستنكف عن التلمذة لأقرانه أيضًا واستفادته بعلمهم. وذلك مثل سراج الدين عمر البلقيني المتوفى عاشر ذي القعدة سنة ٨٠٥ هـ (٥)، وسراج الدين عمر المعروف بابن الملقن المتوفى في ٦ ربيع الأول سنة ٨٠٤ هـ (٦)، فقد كان العراقي كما سيأتي مقدما عليهم في علوم السنة ومع هذا أثبت تحديث البلقيني له بمشيخة الرازي (٧) ولم يعرف تلقيه لها عن غيره، وأثبت قراءته جزء البطاقة (٨) على ابن الملقن مع قراءته له على غيره (٩) كما أنه روى أيضًا عن بعض تلاميذه، كولده

стр. 415

ولي الدين أبي زرعة (١)، ومثل هذا التلقي عن أقرانه وتلاميذه بجانب دلالته على الحرص على التحصيل العلمي من مختلف مصادره، فإنه يدل على أريحية العراقي ونقاء نفسه وتقديره لرفاقه في العلم ومن دونهم. وكما اهتم العراقي بتحصيل علوم الرواية عن شيوخها على الأنحاء المتقدمة، فإنه وجه عنايته أيضًا لتحصيل علوم الدراية عن الحفاظ والأئمة، وفي مقدمتهم الحافظ ابن جماعة والإمام الإسنوي كما قدمنا في التعريف بهما وبيان استفادة العراقي منهما. وكما أنه من أجل الاستفادة القصوى وتحصيل الميزات في جانب الرواية أخذ عن بعض ذوي السند النازل ومن تكلم فيه كما أوضحنا. فإنه قد تبع نفس المنهج بالنسبة للدراية، فكان ممن تتلمذ له غير ابن جماعة والإسنوي، الحافظ علاء الدين مغلطاي بن قليج البكجري المتوفى على الراجح في ٢٤ شعبان سنة ٧٦٢ هـ (٢). وقد استطاع بمساعيه تولي رئاسة الحديث في زمانه ودرسه بعدة أماكن، وألف في علومه المختلفة وتتلمذ له كثير من أئمة العصر وحفاظه، كالعراقي وأقرانه، ومع هذا فإن معاصريه تكلموا فيه بمطاعن ذكرها العراقي في ترجمة أفردها له كما سيأتي، ومنهم من عارض تعيينه لتدريس الظاهرية. ولكن لما كانت تلك الطعون لا توجب ترك الاستفادة بالثابت والموثق من علمه ورواياته، فإن العراقي حرص على الاستفادة منه في غير محل الطعون.

стр. 416

حتى ذهب إليه في منزله بجوار المدرسة الظاهرية بالقاهرة، وقرأ عليه بعض المرويات في ١٤ صفر سنة ٧٥٤ هـ وروى عنه ذلك لتلاميذه (١) وتاريخ القراءة المذكور يفيد تلمذة العراقي له منذ زمن مبكر في حياته الدراسية كما أن كلامه عنه خلال ترجمته المشار إليها يدل على كثرة تردده عليه ومباحثاته معه (٢) وقد ذكر أنه أوقفه على كتابه «إصلاح ابن الصلاح» في علوم الحديث، وأسمعه بعضًا منه (٣)، كما ذكر تملكه لكتاب آخر له «فيمن عرف بأمه» من رجال الحديث، وأثنى عليه، مما يدل على إطلاعه عليه (٤). ومن الحفاظ الثقات الذين تلقى عنهم أيضًا علوم الدراية والرواية، من تأخرت وفاته عن جميع من ذكرنا، وهو الحافظ بهاء الدين عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن عبد الله بن خليل الأموي نزيل القاهرة، المعروف عند المحدثين بابن الخليل، وقد توفي في ٣ جمادى الأولى سنة ٧٧٧ هـ وهو من القلائل الذين أشاد الذهبي بعنايتهم بالسنة وفهمها في عصره وسمع منه، ومع أنه انقطع في آخر حياته للتصوف والزهد، وبلغ فيه مكانة رفيعة، إلا أنه ظل ذاكرًا للحديث قوي المذاكرة به، وقد أكثر من تعليمه وإسماعه في أواخر زمانه مع جودة فقهه فيه، وبذلك عظمت استفادة العراقي منه حيث قرأ عليه كثيرًا بنفسه (٥) وسمع عليه بقراءة غيره، وأثبت بعضًا من هذا فيما أنجزه من

стр. 417

تأليفه قبل وفاة هذا الحافظ بسنين (١)، وهذا يدل على امتداد تلمذة العراقي عليه، ومن أهم ما قرأه عليه كتاب «مقدمة ابن الصلاح» كاملاً (٢) وهو الكتاب الذي كان عمدة الدارسين والحفاظ في عصره، لتضمنه خلاصة أنواع علوم السنة وقواعد دراستها ومصطلح أهلها، وقد أوصى العلماء من يريد التخصص في علوم السنة بدراسته (٣) لهذا كانت قراءة العراقي للكتاب كاملاً على الحافظ ابن خليل لها أهميتها التحصيلية، بحيث تعتبر دراسة جيدة منه الجماع علوم دراية السنة ومصطلح علمائها، كما تقضي قواعد التخصص، خاصة وأنه لم يعرف قراءة العراقي لهذا الكتاب على غير الحافظ ابن خليل، بل سمع بعضه فقط على الحافظ العلائي كما أسلفنا وهذا يعد من صور تكامل دراسته لعلوم السنة على حفاظها خلال رحلاته وفيما بينها، وقد ذكر العراقي أيضاً في مؤلفاته عدداً من رواياته بسند نازل عن سند غيره من شيوخه المختصين بالرواية فحسب، تحصيلاً لميزة الرواية عن الحفاظ ذوي الدراية ولو بسند نازل (٤) وهذا من صور عنايته بتحصيل المرويات بالأسانيد الجيدة، عاليها ونازلها. ومما حصله العراقي أيضاً فيما بين رحلاته من المؤلفات الأساسية في علوم الدراية كتاب «المحدث الفاصل بين الراوي والواعي» للرامهرمزي المتوفى سنة ٣٦٠ هـ (٥)

стр. 418

حيث وُجد على إحدى نسخه الخطية (١) إثبات سماع العراقي له على المسند المُعمَّر الأصيل جمال الدين الباجي المتوفى بالقاهرة في شعبان سنة ٧٨٨ هـ (٢) وكان سماعه في ٤ مجالس آخرها في ٢٤ شعبان سنة ٧٧٤ هـ، وذلك بقراءة تلميذه المحدّث جمال الدين بن ظهيرة، وممن سمعه مع العراقي ولداه ولي الدين أبو زرعة وأبو حاتم محمد، الذي كان حينذاك في الرابعة من عمره، وتم ذلك بالخانقاة التي كان العراقي مقيمًا بأسرته فيها حينذاك كما قدمنا، وهي الخانقاة «الطيمرية» بظاهر القاهرة (٣) ويبدو أن هذه ليست أول مرة يحصل فيها العراقي كتاب «المُحدِّث الفاصل» حيث أشار لروايته له في شرحه لألفية المصطلح الذي فرغ منه بنفس الخانقاة سنة ٧٧١ هـ أي قبل سماعه هذا من الباجي بسنتين تقريبا (٤). ويُعتبر كتاب «المُحدِّث الفاصل» من أوائل المؤلفات الأساسية في قواعد مصطلحات علوم السنة وأجمع ما صُنّف في ذلك حتى عصره (٥)، فتحصيل العراقي له غير مرة، مع تحصيل كتاب ابن الصلاح كما مر، يُمثّل النماذج المتكاملة لاعتنائه باستيفاء دراسة المصادر الأساسية الجامعة لأصول علوم الدراية، بجانب ما أوضحناه قبلا من صور عنايته بتحصيل المصادر الجامعة لعلوم الرواية، وبذلك تكامل تحصيله العلمي من رحلاته، مع تحصيله بموطنه فيما بينها. وكان جديرًا بالمكانة العلمية التي تبوأها بين علماء عصره وبالألقاب الحديثية

стр. 419

التي نالها باتفاقهم، داخل مصر وخارجها كما أشرنا من قبل، وكما سيأتي تمامه بعد. ويلاحظ أن سماع العراقي لكتاب (المحدث الفاصل) في سنة ٧٧٤ هـ يمثل آخر مراحل تلمذته لبلوغه حينئذ درجة النضج العلمي وصيرورته حافظ السنة فكان أكثر نشاطه موجها لإفادة غيره ثمرة نضجه وحصيلته الضخمة، سواء بالتعليم والتوجيه أو بالتأليف كما سنوضحه. وكذلك يلاحظ أن شيخ العراقي الذي سمع عليه الكتاب المذكور، قد توفي في نفس السنة التي تولى فيها قضاء المدينة المنورة، وبعد مباشرته للوظيفة بقليل، حيث باشرها في ١٢ جمادى الأولى ثم توفي (الباجي) في شعبان من نفس السنة كما ذكرنا، ولذا يحسن ختامنا الجانب التلمذة من حياة الحافظ العراقي بتلمذته للباجي هذا. المصادر الجامعة لشيوخ العراقي وحصيلته الدراسية وهل ألف في ذلك معجما؟ وإذا كنت في تتبعي للدراسات العراقي بحثا وتحليلا، منذ تعلمه القراءة والكتابة حتى صار حافظ السنة في عصره، قد اعتمدت حسب القواعد المنهجية للبحث - على النماذج المتنوعة لشيوخه والحصيلته الدراسية، بحيث أعطتنا تلك النماذج صورة واضحة متكاملة لدراساته العامة والمتخصصة ونتائجها، فإن الصورة بلا شك تزداد وضوحًا واكتمالاً حين يعلم القارئ الكريم أن النماذج السابقة على كثرتها وعمقها وتنوعها، وراءها مئات مماثلة. وقد ذكرت في أوائل بحثي لدراسات العراقي أن من ترجموا له منذ عصره قرروا صراحة وضمنا: أن شيوخه ومسموعاته من كتب علوم السنة - فضلا.

стр. 420

عن سواها - ليست كثيرة فحسب، بل في غاية الكثرة، فما بالك لو أضفنا لذلك ما أجيز به، سواء من شيوخه الذين سمع منهم أو من غيرهم؟ وقد ذكر برهان الدين الحلبي المعروف بسبط ابن العجمي أن شيخه العراقي خرج لنفسه معجما (١) أي أنه جمع أسماء شيوخه مرتبين على حروف المعجم وذكر ما تلقاه عن كل منهم بالسماع أو القراءة أو الإجازة لكن قرين البرهان الحلبي وصديقه ومثيله في ملازمة العراقي والاشتغال بمؤلفاته، وهو الحافظ ابن حجر نفى وقوفه على أي مؤلّف في هذا، سواء من عمل العراقي نفسه أو من عمل غيره، ففي مرضه الذي توفي فيه عاده قاضي القضاة البدر العنتبابي المعروف بـ «العيني» وقال له: «قد سمعت على العراقي، وأحب الوقوف على مروياته»، فقال له ابن حجر: لا توجد مجموعة في موضع واحد، من أجل أنه «أي العراقي» لم يعتن بذلك فيما وقفنا عليه، وكذا لم يعتن بجمعها ولده، بل ولا غيره من طلبته، ثم استدرك على هذا، بالإعراب عن إمكان تلبية رغبة قاضي القضاة فقال له: «لكن أخرج لكم ترجمته من معجم شيوخي، وفيها الكتب والأجزاء التي قرأتها أو سمعتها عليه، وهي تأتي على كثير من مروياته، فإذا حصلتم هذا فتتبع الباقي» (٢)، ولما كان كلام ابن حجر هذا في مرض موته كما أشرنا فإنه يُعتبر قراره النهائي في هذا، كما أنه توفي بعد البرهان الحلبي بنحو عشر سنين، وبذلك يترجح لدينا ما قرره من عدم وجود معجم لشيوخ ومرويات العراقي، لا من تأليفه ولا من تأليف غيره، خاصة وأن السخاوي تلميذ ابن حجر حضر لقاءه المذكور بقاضي القضاة

стр. 421

العنتابي، ثم أيد كلام شيخه بعدم وقوفه هو الآخر على تأليف العراقي المشار إليه فقال: «ومن الغريب قول البرهان الحلبي أنه خرج لنفسه معجما وما وقف عليه شيخنا، وكذا ما وقفت عليه» (١). وأقرر أنا أيضًا أني لم أجد في بحثي الطويل، من ذكر أن العراقي ألف معجما لشيوخه، ولا من ذكر تأليف أحد غيره لذلك المعجم، وكذا لم أجد شيئًا من ذلك بفهارس المكتبات العربية والعالمية التي اطلعت عليها. ترجمة ولي الدين بن العراقي لوالده: نعم ذكر ابن حجر أن ولي الدين بن العراقي ألف كتابًا في ترجمة والده يسمى «تحفة الوارد بترجمة الوالد»، ووصفه بأنه لطيف الحجم (٢)، وهذا يدل على اطلاعه عليه، وقد تبعه على ذكره من جاء بعده من المؤرخين (٣) وذكر الحافظ المناوي أنها ترجمة حافلة (٤)، لكن قول ابن حجر المتقدم مع اطلاعه عليه: «إن ولي الدين لم يعتن بجمع مرويات والده»، يفيد أنه لم يستوعب ذلك في الترجمة المذكورة. كما أن السخاوي صرح بوقوفه عليها بخط المؤلف وقراءته فيها ونقل عنها في تأليفه (٥) ويظهر من كلامه وتقوله هو وغيره (٦) عنها أن ولي الدين ضمنها.

стр. 422

تفصيل حياة والده وجملة من دراساته وشيوخه وتلاميذه، وتوسع أكثر في بيان مؤلفاته، وأورد فيها بعض مراثيه، وهذا يؤيد تقرير ابن حجر عدم استيفاء ولي الدين لمرويات والده ومع هذا فإني لم أقف حتى على ذكر نسخة لهذه الترجمة بفهارس المكتبات العربية وغيرها مما قرأته ومن العجيب أن نجد ولي الدين يقوم بتخريج بعض المشيخات الضخمة كمشيخة قاضي القضاة محمد بن إبراهيم المناوي المتوفى سنة ٨١٣ هـ في خمسة أجزاء (١) وغيرها، ومع ذلك لا يعني بتخريج «مشيخه» لا لوالده ولا حتى لنفسه أهم المصادر المبينة لدراسات العراقي ولشيوخه وأما قول ابن حجر المتقدم إنه في معجم شيوخه وهو المسمى بـ «المجمع المؤسس بالمعجم المفهرس» - قد أتى على كثير من مرويات العراقي ضمن ترجمته له فهذا صحيح، حيث استغرق بيان شيوخ العراقي ومروياته عنهم التي قرأها أو سمعها عليه ابن حجر ١٣ صفحة (٢)، ولكنه مع هذا صرح في مقدمة المجمع (٣) وفي عبارته السابقة بأنه لم يستوعب، كما أن المنية عاجلته قبل أن ينفذ وعده المذكور آنفًا بتجريد ما ذكره في ترجمة العراقي في المجمع وتتبع الباقي في المظان المختلفة، وجمع الكل في معجم أسماء شيوخ العراقي مرتبين على الحروف مع ذكر مروياته عن كل منهم. ولا شك أنه رحمة الله لو أُتيح له ذلك لقدم عملاً علميا، جامعا لأكبر عدد

стр. 423

من شيوخ العراقي وصورة أقرب ما تكون إلى الكمال الحصيلته الدراسية عبر السنين الطوال الحافلة بنشاطه العلمي في الحل والترحال، داخل مصر وخارجها كما أوضحنا. ولم أقف كذلك حتى الآن على من نهض بعد ابن حجر لتنفيذ منهجه المذكور بصورة أو بأخرى، ولهذا فإني سأقدم هنا جهدًا بديلا عن ذلك ببيان أهم المصادر التي تضمنت ذكر شيوخ العراقي وبيان حصيلته الدراسية بعد بحثي لها واستفادتي منها: ١ - مؤلفات العراقي نفسه في رجال السنة المتأخرين كما سيأتي بيانها بعد. ٢ - مؤلفاته التي خرَّج فيها الأحاديث بسنده عن شيوخه مثل كتاب «الأربعين حديثا العشارية الإسناد» وكتاب «محجة القرب إلى محبة العرب» و «الأمالي الحديثية» وغير ذلك مما سيأتي في محله. ٣ - معجم شيوخ الحافظ ابن حجر السابق الإشارة إليه، وهو المسمى بـ «المجمع المؤسس بالمعجم المفهرس» (١) سواء في الترجمة الخاصة بالعراقي (٢) أو في أثناء تراجم غيره من شيوخ ابن حجر المعاصرة غالبهم له ومشاركتهم له في الدراسة، بحيث نجد في ترجمة أول من ذكره ابن حجر من شيوخه، رواية العراقي المسند الدارمي ورغبة طلاب السنة في سماعه منه (٣). بينما لا نجد ذلك في ترجمته الخاصة بنفس المجمع ولا غيره.

стр. 424

٤ - (المعجم المفهرس)، لابن حجر أيضًا (١) جمع فيه مروياته مرتبة على فنون الحديث سواء ما رواه عن شيوخه بالسماع أو القراءة أو الإجازة وبذلك تضمن مرويات أكثر مما في (المجمع المؤسس)، بحيث نجد فيه مثلا ذكر كتاب «شفاء السقام في زيارة خير الأنام» الذي ألفه الشيخ تقي الدين السبكي ردًا على (الشيخ تقي الدين ابن تيمية) وإثبات سماع ابن حجر له من العراقي بروايته عن شيخه السبكي، ولم يذكر ذلك في ترجمته الخاصة بالمجمع، ولا غيره. وهكذا. ٥ - كتاب (الدرر الكامنة)، و (ذيله)، و (إنباء الغمر بأبناء العمر)، و «رفع الإصر عن قضاة مصر» الجميع للحافظ ابن حجر. ٦ - ذيل ولي الدين بن العراقي على ذيل والده على العبر للذهبي (٢). ٧ - الأعلام لابن قاضي شهبة (٣). ٨ - ذيلي تذكرة الحفاظ لابن فهد وللسيوطي (٤) وقد تقدم اعتمادنا على كل هذه المصادر في بيان شيوخه ودراساته بما يكفي عن ضرب الأمثلة (٥). مكتبة الحافظ العراقي وأهميتها في تكوينه العلمي ونتاجه تتمثل أهمية اقتناء الباحث لمكتبة خاصة به، في أنها تعكس اهتمامه العلمي وتكون خير عون له على مواصلة البحث وسعة الاطلاع، ثم الإنتاج العلمي الدقيق والمتكامل، بحكم توفر المراجع اللازمة تحت يده، ورجوعه إليها في

стр. 425

كل ما يعن له متى شاء. ومن هنا كانت عناية العراقي رغم قلة إمكانياته المالية، بتكوين مكتبة خاصة به، لا سيما وأن الطباعة في عصره لم تكن عُرفت، كما أن التراث الإسلامي كان قريب العهد بنكبته في الشرق والغرب كما مر في حالة العصر، وبالتالي كان انتشار الكتب وحصول الباحث عليها أصعب بكثير من عصرنا الحاضر، رغم ما قدمناه أيضًا في حالة العصر من إلحاق كثير من المكتبات العامة بالمؤسسات التعليمية. وقد عدَّ معاصروا العراقي مكتبته الخاصة من مميزاته على أقرانه، فقال سبط بن العجمي أحد تلاميذه الملازمين له: (وكان كثير الكتب والأجزاء، لم أر عند أحد بالقاهرة أكثر من كتبه وأجزائه (١))، وهذا الوصف المقارن، على إيجازه يدل على ضخامة محتوى المكتبة، وتنوعه، بحيث ضمت بجانب المراجع الضخمة، الأجزاء الدقيقة الهامة. وقد وقفت على إشارات تفصيلية لمشتملاتها تؤكد ذلك: فقد ذكر الحافظ ابن حجر أنه كان يوجد بها «صحيح ابن حبان» و «مستدرك الحاكم» (٢) وأشار أيضًا لوجود «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي عند شيخه العراقي (٣)، كما ذكر أن العراقي أعان رفيقه وتلميذه نور الدين الهيثمي بكتبه عند اشتغاله بتأليف (مجمع الزوائد (٤)). وهذا يدل على أنه كان بمكتبته الخاصة المراجع الأصلية للكتاب، مثل
следующие страницы →