العنتابي، ثم أيد كلام شيخه بعدم وقوفه هو الآخر على تأليف العراقي المشار إليه فقال: «ومن الغريب قول البرهان الحلبي أنه خرج لنفسه معجما وما وقف عليه شيخنا، وكذا ما وقفت عليه» (١).
وأقرر أنا أيضًا أني لم أجد في بحثي الطويل، من ذكر أن العراقي ألف معجما لشيوخه، ولا من ذكر تأليف أحد غيره لذلك المعجم، وكذا لم أجد شيئًا من ذلك بفهارس المكتبات العربية والعالمية التي اطلعت عليها.
ترجمة ولي الدين بن العراقي لوالده:
نعم ذكر ابن حجر أن ولي الدين بن العراقي ألف كتابًا في ترجمة والده يسمى «تحفة الوارد بترجمة الوالد»، ووصفه بأنه لطيف الحجم (٢)، وهذا يدل على اطلاعه عليه، وقد تبعه على ذكره من جاء بعده من المؤرخين (٣) وذكر الحافظ المناوي أنها ترجمة حافلة (٤)، لكن قول ابن حجر المتقدم مع اطلاعه عليه: «إن ولي الدين لم يعتن بجمع مرويات والده»، يفيد أنه لم يستوعب ذلك في الترجمة المذكورة.
كما أن السخاوي صرح بوقوفه عليها بخط المؤلف وقراءته فيها ونقل عنها في تأليفه (٥) ويظهر من كلامه وتقوله هو وغيره (٦) عنها أن ولي الدين ضمنها.
стр. 422
تفصيل حياة والده وجملة من دراساته وشيوخه وتلاميذه، وتوسع أكثر في بيان مؤلفاته، وأورد فيها بعض مراثيه، وهذا يؤيد تقرير ابن حجر عدم استيفاء ولي الدين لمرويات والده ومع هذا فإني لم أقف حتى على ذكر نسخة لهذه الترجمة بفهارس المكتبات العربية وغيرها مما قرأته
ومن العجيب أن نجد ولي الدين يقوم بتخريج بعض المشيخات الضخمة كمشيخة قاضي القضاة محمد بن إبراهيم المناوي المتوفى سنة ٨١٣ هـ في خمسة أجزاء (١) وغيرها، ومع ذلك لا يعني بتخريج «مشيخه» لا لوالده ولا حتى لنفسه
أهم المصادر المبينة لدراسات العراقي ولشيوخه
وأما قول ابن حجر المتقدم إنه في معجم شيوخه وهو المسمى بـ «المجمع المؤسس بالمعجم المفهرس» - قد أتى على كثير من مرويات العراقي ضمن ترجمته له فهذا صحيح، حيث استغرق بيان شيوخ العراقي ومروياته عنهم التي قرأها أو سمعها عليه ابن حجر ١٣ صفحة (٢)، ولكنه مع هذا صرح في مقدمة المجمع (٣) وفي عبارته السابقة بأنه لم يستوعب، كما أن المنية عاجلته قبل أن ينفذ وعده المذكور آنفًا بتجريد ما ذكره في ترجمة العراقي في المجمع وتتبع الباقي في المظان المختلفة، وجمع الكل في معجم أسماء شيوخ العراقي مرتبين على الحروف مع ذكر مروياته عن كل منهم.
ولا شك أنه رحمة الله لو أُتيح له ذلك لقدم عملاً علميا، جامعا لأكبر عدد
стр. 423
من شيوخ العراقي وصورة أقرب ما تكون إلى الكمال الحصيلته الدراسية عبر السنين الطوال الحافلة بنشاطه العلمي في الحل والترحال، داخل مصر وخارجها كما أوضحنا.
ولم أقف كذلك حتى الآن على من نهض بعد ابن حجر لتنفيذ منهجه المذكور بصورة أو بأخرى، ولهذا فإني سأقدم هنا جهدًا بديلا عن ذلك ببيان أهم المصادر التي تضمنت ذكر شيوخ العراقي وبيان حصيلته الدراسية بعد بحثي لها واستفادتي منها: ١ - مؤلفات العراقي نفسه في رجال السنة المتأخرين كما سيأتي بيانها بعد.
٢ - مؤلفاته التي خرَّج فيها الأحاديث بسنده عن شيوخه مثل كتاب «الأربعين حديثا العشارية الإسناد» وكتاب «محجة القرب إلى محبة العرب» و «الأمالي الحديثية» وغير ذلك مما سيأتي في محله.
٣ - معجم شيوخ الحافظ ابن حجر السابق الإشارة إليه، وهو المسمى بـ «المجمع المؤسس بالمعجم المفهرس» (١) سواء في الترجمة الخاصة بالعراقي (٢) أو في أثناء تراجم غيره من شيوخ ابن حجر المعاصرة غالبهم له ومشاركتهم له في الدراسة، بحيث نجد في ترجمة أول من ذكره ابن حجر من شيوخه، رواية العراقي المسند الدارمي ورغبة طلاب السنة في سماعه منه (٣).
بينما لا نجد ذلك في ترجمته الخاصة بنفس المجمع ولا غيره.
стр. 424
٤ - (المعجم المفهرس)، لابن حجر أيضًا (١) جمع فيه مروياته مرتبة على فنون الحديث سواء ما رواه عن شيوخه بالسماع أو القراءة أو الإجازة وبذلك تضمن مرويات أكثر مما في (المجمع المؤسس)، بحيث نجد فيه مثلا ذكر كتاب «شفاء السقام في زيارة خير الأنام» الذي ألفه الشيخ تقي الدين السبكي ردًا على (الشيخ تقي الدين ابن تيمية) وإثبات سماع ابن حجر له من العراقي بروايته عن شيخه السبكي، ولم يذكر ذلك في ترجمته الخاصة بالمجمع، ولا غيره. وهكذا.
٥ - كتاب (الدرر الكامنة)، و (ذيله)، و (إنباء الغمر بأبناء العمر)، و «رفع الإصر عن قضاة مصر» الجميع للحافظ ابن حجر.
٦ - ذيل ولي الدين بن العراقي على ذيل والده على العبر للذهبي (٢).
٧ - الأعلام لابن قاضي شهبة (٣).
٨ - ذيلي تذكرة الحفاظ لابن فهد وللسيوطي (٤) وقد تقدم اعتمادنا على كل هذه المصادر في بيان شيوخه ودراساته بما يكفي عن ضرب الأمثلة (٥).
مكتبة الحافظ العراقي وأهميتها في تكوينه العلمي ونتاجه
تتمثل أهمية اقتناء الباحث لمكتبة خاصة به، في أنها تعكس اهتمامه العلمي وتكون خير عون له على مواصلة البحث وسعة الاطلاع، ثم الإنتاج العلمي الدقيق والمتكامل، بحكم توفر المراجع اللازمة تحت يده، ورجوعه إليها في
стр. 425
كل ما يعن له متى شاء. ومن هنا كانت عناية العراقي رغم قلة إمكانياته المالية، بتكوين مكتبة خاصة به، لا سيما وأن الطباعة في عصره لم تكن عُرفت، كما أن التراث الإسلامي كان قريب العهد بنكبته في الشرق والغرب كما مر في حالة العصر، وبالتالي كان انتشار الكتب وحصول الباحث عليها أصعب بكثير من عصرنا الحاضر، رغم ما قدمناه أيضًا في حالة العصر من إلحاق كثير من المكتبات العامة بالمؤسسات التعليمية.
وقد عدَّ معاصروا العراقي مكتبته الخاصة من مميزاته على أقرانه، فقال سبط بن العجمي أحد تلاميذه الملازمين له: (وكان كثير الكتب والأجزاء، لم أر عند أحد بالقاهرة أكثر من كتبه وأجزائه (١))، وهذا الوصف المقارن، على إيجازه يدل على ضخامة محتوى المكتبة، وتنوعه، بحيث ضمت بجانب المراجع الضخمة، الأجزاء الدقيقة الهامة.
وقد وقفت على إشارات تفصيلية لمشتملاتها تؤكد ذلك:
فقد ذكر الحافظ ابن حجر أنه كان يوجد بها «صحيح ابن حبان» و «مستدرك الحاكم» (٢) وأشار أيضًا لوجود «تاريخ بغداد» للخطيب البغدادي عند شيخه العراقي (٣)، كما ذكر أن العراقي أعان رفيقه وتلميذه نور الدين الهيثمي بكتبه عند اشتغاله بتأليف (مجمع الزوائد (٤)). وهذا يدل على أنه كان بمكتبته الخاصة المراجع الأصلية للكتاب، مثل
стр. 426
الصحيحين والسنن الأربعة وكتب الرجال التي كانت عمدته وهي «تهذيب الكمال» للمزي، و «الميزان» للذهبي و «الثقات» لابن حبان (١) بالإضافة للكتب التي خرج زوائدها وهي المعاجم الثلاثة للطبراني، ومسند الإمام أحمد ومسند البزار، أما مسند أبي يعلى، فقد وجدتُ العراقي بعث إلى ابن حجر طلب استعارته منه (٢).
وهذا يدل على عدم وجود نسخة منه بمكتبته. وقد صرح العراقي نفسه في مؤلفاته بما كان يقتنيه من المراجع القيمة للمتقدمين والمتأخرين، مثل: كتاب «الجرح والتعديل» لابن أبي حاتم (٣) وكتاب «من عرف بأمه» بخط مؤلفه الحافظ مغلطاي، شيخ العراقي كما قدمنا، وقد حدد عدد أوراقه بـ (٦٢) ورقة (٤) بل ذكر من الكتب التي ضمتها مكتبته ما صرح أبو عمرو ابن الصلاح من قبله بأنه لم يره، فضلا عن تملك نسخة منه، وهو كتاب «المنفردات والوحدان» للإمام مسلم، في علم الرجال (٥)، لكننا للأسف لا نعرف شيئًا عن مصير تلك المكتبة التي اتصفت بالضخامة، وحوت المراجع القيمة والنادرة، وكم من الروائع مثلها بددته الناس والأحداث. وبما ذكرناه من محتوياتها يتضح تركيز العراقي في تكوينها على مراجع علوم السنة، وهذا يعكس اهتمامه بتخصصه الذي وقف حياته لخدمته ودعمه.
стр. 427
وقد ظهر تأثير مكتبة العراقي في نتاجه العلمي سلبًا وإيجابًا.
فمن تأثيرها السلبي، أنه عندما ابتعد عنها أثناء إحدى مجاوراته بمكة كما قدمنا، وطلب منه حينئذ تأليف شرح لكتابه «تقريب الأسانيد» في أحاديث الأحكام، تردد في إجابة طلابه لهذا، وعندما رأى الضرورة ملحة شرع في الشرح وتناول عدة أبواب متفرقة من المتن دون أن يتمه وأثبت في المقدمة من أسباب تردده قلة المراجع بسبب المجاورة التي أبعدته عن مكتبته العامرة، ووضع له تسمية تنبئ عن ذلك كما سيأتي (١) بيانه.
أما تأثيرها الإيجابي فمن صوره أن بعض الكتب التي اطلع عليها وبحثها كشف مواضع النقص فيها، فذيل على هوامشها إستدراكات مكملة، أعتبرت من نتاجه العلمي المفيد، مثل تعليقه بعض الزيادات في أسماء المدلسين بهامش نسخته من كتاب «جامع التحصيل لأحكام المراسيل» لشيخه العلائي، وتذييل بعض الزيادات في غريب الحديث بهامش نسخته من كتاب «النهاية في غريب الحديث والأثر» لابن الأثير، وغير ذلك مما سيأتي بيانه في موضعه بعون الله.
النتيجة العامة:
ولعلي بهذا، قد وفقت في تقديم جانب التلمذة من حياة العراقي وشخصيته العلمية، في صورة أقرب ما تكون إلى الوضوح والاكتمال، وأن لي أن أختمه، بعد أن وصل بمقتضى ما قدمته إلى درجة النضج العلمي، واتضح من دراساته النشطة الجادة على جماهير العلماء، سواء في رحلاته، أو في مدينتي مصر.
стр. 428
والقاهرة، أثناء إقامته بموطنه، أنه توفر له من ذلك، عامة ما تقضي بتحصيله شروط حفاظ السنة النقاد، وقواعد التخصص في علومها (١)، بحيث صار حافظ عصره الكامل كما ذكر في ألقابه وتأهل لمهماته العلمية التالية، من تدريس وتصنيف وتخريج الخلفائه في حمل الرسالة.
стр. 429
وظائف العراقي العلمية وأثرها في السنة
المقصود بوظائف العراقي هنا ما هو أعم من تعيينه رسميًا ببعض المدارس أو المساجد أو غيرها للتعليم والتوجيه، وذلك لأن العلوم الإسلامية، ولا سيما علوم السنة التي هي الركن الثاني بعد كتاب الله تعالى، يُعتبر القيام بتعليمها ونشرها بالدرجة الأولى تكليفًا شرعيًا لكل من تأهل له، وبالتالي فإن المؤمن منذ تأهله لإفادة شيء من تلك العلوم يُعتبر موظفًا من قبل الشارع لتعليمه ونشره، سواء تعين في وظيفة يؤدي رسالته من خلالها أم لا (١).
ولم يكن في عصر العراقي التزام بتوظيف كل متخرج كما في عصرنا الحالي في بعض بلدان العالم؛ بل كان من العلماء من يتعيش ببعض الأعمال المناسبة من تجارة أو صناعة ويقوم برسالته العلمية وفاء بالتكليف الشرعي، وقد ذكرنا من قبل شيخ العراقي «ابن الخباز» الذي فتح بيته بدمشق غالب النهار لطلاب السنة يؤدي لهم ما تحمله منها حتى آخر حياته، دون أن يوظفه لذلك أحد أو يعطيه أجرًا، بل كان يعمل بالنسيج في منزله أيضًا بجانب أداء رسالته الحديثية وما ذلك إلا لما تضافرت عليه الأدلة الشرعية من الأجر الجزيل والشرف الخالد، لرواة السنة وحفاظها القائمين بنشرها وشرحها وصيانتها من الدخيل (٢).
стр. 430
بل من العلماء من كان يرفض ما يُعرض عليه من الوظائف الرسمية، ليؤدي رسالته في أي زمان ومكان من بلاد الإسلام التي يحل فيها ومنهم من كان يتقاضى أجرا على التعليم ورواية السنة (١) ومنهم من كان يسعى لتحصيل الوظائف ويتكالب عليها ولو بدون تأهل أو كفاءة كما سيأتي، ولكن الحافظ العراقي كان شأنه وسطًا، فلم يُعرف عنه أنه طلب أجرًا على التعليم أو الرواية، بل فتح قلبه وبيته لطلابه، ولم يُعرف عنه أيضًا تزلف لأحد لتحصيل وظيفة رغم كفاءته وضيق عيشه، بل ظل يؤدي رسالته راحلا أو مقيمًا بمصر، قانعا بإقامته في الخانقاه السابق ذكرها ومكتفيا بمخصصاته فيها، فإذا خلت وظيفة أو استحدثت، وطلب إليها معزّزا مُكرَّما أجاب وأدى واجبه العلمي من خلالها، وربما وجد في وضعه الوظيفي إحراجا أو تعطيلا لغيره، فينقطع من نفسه رغم كونه مطلوبا، على ما سنفصله، ومن يراجع حركة التوظف في عصره يدرك تماما أن مسلكه هذا نموذجي ونادر حينذاك، وقد كان العراقي يدرك جيدا أن مناط تكليفه بالتعليم والتوجيه هو التأهل لذلك وليس التوظف الرسمي، وصرح بذلك في بيان دافعه لإصدار بواكير تأليفه بقوله: «وقد أوجب الله تعالى على من علم علمًا وإن قل، أن يُبينه ولا يكتمه» (٢)، ولهذا فإن تصديه للإفادة العلمية كان أسبق وأعم من تعيينه في أية وظيفة رسمية.
فقد ذكر لنا بنفسه أول ممارسته لإسماع الحديث وذلك في سنة ٧٤٥ هـ وهو دون العشرين من عمره حيث سمع منه بعض مروياته: المحدث أبو
стр. 431
محمود المقدسي، كما قدمنا، وتتابعت منذ ذلك التاريخ وقائع عطائه العلمي بجانب نشاطه في التحصيل، حتى بلغ مرحلة النضج التي تمحض فيها للعطاء كما سيجيء.
وقد قدمت من قبل نماذج تبادله الإفادة العلمية سماعًا وكتابة، خلال رحلاته مع شيوخه وأقرانه، بالإضافة لقيامه في الرحلات الحجازية خصوصًا بتدريس علوم السنة ونشرها، سواء من خلال مؤلفاته أو غيرها، ولم يكن في هذا ولا في ذاك، مرتبطًا بوظيفة رسمية ولا مستأجرًا من أحد إلا من الله.
ومع أن المؤرخين للعراقي متفقون على تعدد وظائفه العلمية، شرعيًا ورسميًا، وعلى عظيم آثارها، خاصة في جيل المحدثين عمومًا من بعده، غير أن تناولهم لذلك يعوزه التفصيل والتحديد والنماذج التطبيقية التي تدعم ما قرروه وتجسد أبعاد جهود العراقي، وتُحدّد عناصر منهجه في التعليم والتوجيه ومدى آثاره.
وقد قمت من جانبي بالتتبع التفصيلي لمسار نشاط العراقي العلمي ونتاجه وتتبع حركة التوظف بمصر وخارجها، حتى أغطي تلك الجوانب الهامة التي تقتضيها طبيعة البحث المنهجي، لإظهار أثر العراقي في نشر علوم السنة وتخريج حفاظها وغير ذلك، خلال مراحل حياته المختلفة ومواقعها وسأتناول ذلك على النحو التالي:
أولاً: مرحلة عمله الأولى بالقاهرة ونتائجها:
١ - روايته للسنة وتدريس علومها:
تمتد هذه المرحلة من سنة ٧٤٥ هـ التي حدد العراقي بنفسه بداية نشاطه فيها كما ذكرنا، حتى سنة ٧٨٨ هـ التي تولى فيها قضاء المدينة النبوية وتوابعه،
стр. 432
ونظرا لانشغال العراقي في أغلب هذه الفترة باستكمال دراسته في الداخل ورحلاته للخارج كما أوضحنا، فإن ارتباطه بالوظائف الرسمية تأخر كثيرًا عن سنة ٧٤٥ هـ.
لكني وجدت أن بعض نسخ تخريجه (للإحياء) قد قُرئت عليه في سنة ٧٤٩ هـ (١) ولما كان التخريج الذي أنجز غالبه حينئذ هو الكبير الواقع في عدة مجلدات كما تقدم، فإن قراءته عليه تقتضي عقده لذلك مجالس متعددة، وكان حينئذ بمصر، لكني لم أقف على تحديد مكان تلك المجالس ولا على ارتباط العراقي بأي وظيفة رسمية حينذاك، وهذا يفيد أنه كان يؤدي ما توفر لديه من علوم السنة بصورة منتظمة كوظيفة كلف بها شرعًا، قبل قيامه بذلك كوظيفة رسمية يتقاضى عليها أجرًا.
وأقدم ما وقفت عليه من وظائفه الحديثية الرسمية توليه تدريس الحديث ومشيخته بدار الحديث الكاملية بالقاهرة، وذلك بعد وفاة مدرسها الشيخ جمال الدين عبد الله بن علي بن التركماني المتوفى سنة ٧٦٩ هـ ثم استمر يعمل بها حتى جمادى الأولى سنة ٧٨٨ هـ حيث تولى قضاء المدينة المنورة فاستقر الشيخ سراج الدين بن الملقن عوضا عنه (٢).
وتولي العراقي هذه المدرسة، يُحدّد لنا أبعاد رسالته ومركزه العلمي والرسمي في تلك المرحلة وما بعدها، وذلك لأنها أعرق وأرفع أماكن تدريس الحديث
стр. 433
بالديار المصرية عمومًا، فهي أول دار أنشئت بها للحديث (١) وتوالى من بعدها إنشاء أقسامه ودروسه بكافة الأماكن كما قدمنا في حالة العصر (٢).
ثم إنه قد اشترط في مدرسها أن يكون أعلم أهل القاهرة بالحديث، ولهذا ربط ابن حجر بين مكانة أستاذه العراقي آنذاك، وبين تعيينه في هذه المدرسة بالذات فقال عنه: «درس في القاهرة بالكاملية، وشرط مدرسها أن يكون أعلم أهل القاهرة بالحديث» (٣) وابن حجر من شهود العصر ومن خبرائه بشروط منشآته العلمية وبتطبيقها وبأحوال شيخه العراقي، ومعنى هذا إقراره بتحقق الشرط فيه عن خبرة كافية، كما أن بقاء العراقي في هذه المدرسة نحوا من ١٨ عامًا، دون عزل أو اعتراض كما حدث لغيره، دليل على كفاءته وحسن سيرته في أداء رسالته التعليمية والتوجيهية بها.
ومن نماذج التلمذة الطويلة عليه بتلك المدرسة، ما ذكره ولي الدين عن
стр. 434
شهاب الدين أحمد بن حسن بن علي الحرازي المتوفى في ربيع الأول سنة ٧٨٣ هـ حيث قال عنه: «ولازم السماع على والدي بالكاملية (١)»، وهذا يفيد قراءة الحديث على العراقي بها وسماع الحرازي وغيره بانتظام مدة طويلة حتى تحقق وصفه بالملازمة.
أما ثاني ما وقفت عليه من وظائف العراقي الحديثية الرسمية في تلك المرحلة فقد تقلدها في سنة ٧٧٥ هـ، ومن المعروف في عصره، أن العالم كان يتولى عدة وظائف في مكان أو أمكنة، ويوزع وَقْته فيما بينها (٢)، ومنشأ تلك الوظيفة، أن مصر عموما تعرضت لشدائد اقتصادية وغلاء عام، فأمر السلطان في شهر رمضان سنة ٧٧٥ هـ القضاة أن يحضروا عنده بالقلعة (٣) كل يوم وصحبتهم جماعة من مشايخ العلم والحديث، لقراءة صحيح البخاري ودراسته، رجاء أن يخفف الله تعالى شدائد البلاد، فامتثلوا وحضر جماعة من الأكابر، ورتب الحافظ زين الدين العراقي قارئًا للبخاري، ثم اشترك معه المحدث العالم المصنف شهاب الدين أحمد بن علي العرياني، فصار كل منهما يقرأ يوما، وبدأت القراءة والدراسة بحضور السلطان ومشاركته في المدارسة، وحكى العراقي بنفسه أنه كان حاضرا سماع البخاري بمجلس السلطان الأشرف (شعبان)، وأن السلطان سأل عن معنى بعض الأحاديث المقروءة فأجابه الحاضرون (٤) ومن هذا يتبين أن العراقي كان يحضر هذه المجالس الحافلة.
стр. 435
في الأيام التي عليه فيها القراءة، وفي غيرها للمباحثة، كما يتبين أن هذه الوظيفة استحدثت في السنة المذكورة وكان العراقي أول من عين فيها، ثم تلاه العرياني، وهذا يفيد مشاركته العلمية باسم السنة في أحداث ومواقف عصره ومصره ويؤكد رفعة مكانته الحديثية، حيث ضمت تلك المجالس المهيبة: السلطان الحاكم لمصر والشام والحجاز، وكبار العلماء والقضاة، كما كانت مقصدا للمحدثين والعلماء الوافدين على القاهرة من مختلف الأقطار (١).
ثم إني وقفت على نسخة خطية للمجلد الأول من «تكملة شرح الترمذي» للعراقي، وقد أثبت بخطه في هامشها انتهاء قراءة الجزء الأول منها عليه بواسطة الشيخ شهاب الدين الأشموني، وسماع جماعة معه منهم الفقيه الواعظ زين الدين قاسم النويري المالكي، وذلك في المجلس الثاني عشر بتاريخ ١٤ من المحرم سنة ٧٨٧ هـ بقلعة الجبل (٢)، وأثبت القراءة والسماع أيضا في نهاية كل مجلس من المجالس الحادية عشر قبله، لكن لم يُحدد تواريخها، وإن كان اشتغال العراقي حينئذ بتدريس الكاملية كما أوضحنا يفيد أن تلك المجالس كانت أسبوعية أو نصف أسبوعية حسب عادة العلماء في ذلك العصر، وعليه فإن تأريخ المجلس الثاني عشر في ١٤ من المحرم سنة ٧٨٧ هـ يفيد أن بداية المجالس لدراسة هذا الكتاب بدأت في أواخر السنة السابقة وهي سنة ٧٨٦ هـ. ثم أثبت العراقي بخطه القراءة والسماع عليه الباقي الشرح في مجالس تالية ومتسلسلة بلغت - في هذا المجلد فقط - سبعين مجلسا (٣) وهذا
стр. 436
يدل على استمراره منتظمًا في ذلك مدة طويلة بعد تاريخ المجلس الثاني عشر كما مر، ولو أننا عثرنا على ما بعد هذا المجلد من النسخة، لتأكد لنا ذلك بالتحديد، ومن الجدير بالذكر أن هذا المجلد المقروء على العراقي في القلعة، هو الآن في أحد الأديرة المسيحية في أسبانيا! وقد وجدتُ العراقي في بعض المجالس يذكر أنها كانت بقلعة الجبل (١) وفي غالبها يذكر أنها كانت بجامع القلعة (٢) وفي عدة مجالس قرر أن القراءة عليه كانت قراءة بحث (٣).
أي أنه كان يدور خلالها مناقشة الحاضرين مع أستاذهم العراقي في المقروء سواء في الشرح الذي هو من تأليفه، أو في «سنن الترمذي» المشروح، فيضبط لهم الألفاظ المشكلة وأسماء الرواة، ويبين لهم ما يحتاجون إيضاحه من العبارات والاصطلاحات والمعاني والأحكام وغير ذلك من مباحث السند والمتن التي يحفل بها «جامع الترمذي» وشرح العراقي له كما سيأتي في موضعه ومن المباحثة أيضًا أن يُصغي لما يبديه الحاضرون من فهم أو وجهة نظر في المقروء مع التقرير أو التصحيح، ولذلك وجدت غالب المجالس لا يجاوز المقروء فيها ورقتين عاديتين، ومنها ما يبلغ صفحة وبضعة أسطر، مما يدل فعلا على قيام العراقي خلال القراءة عليه بتدريس المقروء بعمق وتأن وإفساح صدره لمناقشة الحاضرين فيما يبدونه حول المقروء، كما هو شأن المدرس التربوي الناجح حتى عصرنا.
وكما قدمنا عن أخلاقه ومواهبه، وبالإضافة لهذا ذكر الإمام بدر الدين العيني
стр. 437
أنه سمع (صحيح البخاري) على أستاذه العراقي بقراءة الشيخ شهاب الدين الأشموني المذكور، وذلك بجامع قلعة الجبل في سنة ٧٨٨ هـ (١).
ومن هذا وما قبله يتضح لنا أن وظيفة العراقي بالقلعة، قد تجاوزت قراءته للبخاري ودراسته بحضرة السلطان والعلماء، إلى قيامه في جامع القلعة بإقراء وإسماع البخاري وغيره من أمهات مروياته الحديثية السابق تفصيلها ليتحملها عنه جماعات الطلاب والعلماء بسنده العالي الموثق كما أوضحناه من قبل، ثم كان يقوم أيضًا بضبط المقروء وشرحه، ومباحثة الحاضرين فيه سندا ومتنا، وذلك في مجالس منتظمة، على امتداد عدة سنين حتى سنة ٧٨٨ هـ التي تحول فيها إلى المدينة النبوية.
وهكذا قام في وظيفته بالقلعة وجامعها، برواية ما تحمله من السنة وتدريس علومها تطبيقا من خلال مؤلفاته وغيرها، سواء في مجامع أعلا مستويات عصره، منصبا وعلما، أو فيما دون ذلك من مجالس الرواية والدراية والدراسة، ولما كانت القلعة هي المركز الأعلا للحكم، ومقر السلطان وخليفة المسلمين فإن جامعها المذكور كان أجل جوامع القاهرة، حيث يصلي به السلطان الجمعة ويخطب به قاضي القضاة، ويُنتقى العاملون به من خيرة الكفاءات بمصر والقاهرة حتى المؤذنين (٢). ومن هنا كان تعيين العراقي به
стр. 438
للرواية والتدريس، دليلًا مؤكدًا لسمو مكانته العلمية في عصره، ولعظيم تأثيره.
هذا ولم أجد في بحثي التفصيلي، تولي العراقي حتى سنة ٧٨٨ هـ وظيفة حديثية بأي مكان آخر غير ما ذكرت، من دار الحديث الكاملية، والقلعة واحتمال ذلك بالمدرسة الفاضلية كما سيأتي.
لكني وجدتُ وقائع متعددة لنشاطه في تلك المرحلة بمصر، دون ارتباط بمكان معين. فمن ذلك: أن الشيخ قاسم النويري الذي تقدم اشتراكه في سماع وبحث (شرح الترمذي) للعراقي عليه بجامع القلعة، قد قرأ عليه أيضًا (شرحه لألفيته في علوم الحديث) قراءة بحث وتوضيح، وعلق على هامش نسخته المقروءة بعض توضيحات العراقي له حين القراءة، وقد توفي النويري في حياة العراقي سنة ٧٩٩ هـ عن ٦٠ سنة (١).
وأن المحدث أبو الحسن علي بن الحسين المعروف بابن البنا المتوفى سنة ٧٦٨ هـ والذي صحب العراقي في رحلاته، وقد انتفع به في الفن وكان شديد الملازمة له حين كان بالقاهرة (٢).
وأيضًا الفقيه شهاب الدين أحمد بن علي بن عبد الرحمن الشهير بالبلبيسي المتوفى في ١٤ من المحرم سنة ٧٨١ هـ أو قبلها، قرأ على العراقي «شرح لألفية الحديث» المذكور (٣).
ومن ذلك أيضًا أن الفقيه المقرئ شمس الدين محمد بن علي المشهور بابن
стр. 439
جوشن المتوفى في العشر الأوسط من رجب سنة ٧٧٨ هـ، بحث عليه ألفيته في مصطلح علم الحديث (١).
ويلاحظ أن هؤلاء جميعا من أقران العراقي ورفقته وبالتالي فإن تلمذتهم له دليل تقديرهم لعلمه وإقرارهم بتفوقه فيه.
وكتب العراقي نفسه بخطه أن الإمام العلامة صدر المدرسين ومفتي المسلمين جمال الدين أبو إسحق إبراهيم بن محمد (الأميوطي) قد قرأ عليه جميع (شرح الألفية في علم الحديث) وذلك في مجالس آخرها في شوال ٧٧٢ هـ بظاهر القاهرة (٢)، وقد ولد الأميوطي هذا قبل العراقي بعشر سنوات، وأدرك من الشيوخ من لم يدركهم العراقي ثم رافقه في التلمذة على الإسنوي، ثم قام بالتدريس والتحديث بمكة طويلا بعد تحوله لها حتى توفي في سنة ٧٩١ هـ (٣) فتلمذته للعراقي أيضا دليل تقديره لعلمه واستفادته منه رغم تقدمه عليه في السن والطلب.
وكتب العراقي بخطه أيضا أن المحدث شهاب الدين أحمد بن محمد المعروف بابن السمسار، قد قرأ عليه جميع شرح الألفية المذكورة، قراءة بحث ونظر وتأمل، فأحسن وأجاد وأفاد، وصح ذلك في مجالس آخرها ليلة ثاني شهر رجب سنة ٧٨٦ هـ (٤) ثم قال ابن السمسار: «وكان شيخنا المؤلف حال قراءتي عليه يمسك بنسخته التي بخطه ويعارض بها وفي مواضع السقط
стр. 440
منها عارض بنسخة ولده» (١)، ويعتبر ابن السمسار هذا ممن لازموا العراقي لتلقي علم الحديث عنه مدة طويلة، وصار من حفاظ الشام المتقنين والمشهورين بها (٢). وفي نفس سنة ٧٨٦ هـ المشار إليها سمع المدرس الفقيه أحمد بن يحيى الصالحي، على العراقي غالب (سنن الدارقطني) (٣) وهناك أمثلة عديدة أخرى سيأتي بعضها فيما بعد.
الاستنتاج:
وعلى ضوء ما قدمته من الوقائع فضلا عن غيرها يتضح لنا قيام العراقي برسالته التعليمية للسنة رواية ودراية، على وجوهها المختلفة، وإتباعه في ذلك منهجا متكاملا محققا لمتطلبات عصره وملائما لطبيعة العلم المدروس، فقد أدى ما تحمله من المرويات بسنده، مضافا إليه مؤلفاته في تلك المرحلة، ودرس علوم السنة ومصطلحاتها من خلال كتابين جامعين ومتنوعين:
أولهما: هو الألفية المنظومة في قالب شعري، حتى يسهل حفظها واستحضار عامة مسائل العلم بذلك، كما كان متبعا في عصره.
وثانيهما: هو (شرح الألفية) في حجم متوسط وموضح لمحتواها، فيتدرج الدارس من المتن إلى الشرح حتى يتمكن من استيعاب مسائل العلم والإستفادة التطبيقية لها في بحثه ودراسته.
ثم كان يباحث طلابه خلال الدروس فيوضح لهم ما يحتاجون ويعطيهم.
стр. 441
فرصة التأمل والنظر لفهم موضوع الدرس حتى تتفتح مداركهم لاستيعابه، ويشجعهم على مواصلة ذلك بتقويم تحصيلهم واستحسانه، وهذه أفضل طرق التدريس والمحاضرة حتى عصرنا الحاضر، هذا بالإضافة إلى اعتنائه بمقابلة نسخ الطلاب من المراجع بما لديه من أصولها، لتصحيحها وتوثيقها حتى يمكنهم الاعتماد عليه باطمئنان، ثم بإثباته قراءتهم للكتاب المدروس عليه؛ ليتصل لهم السند بها تبعا لمنهج التلقي لعلوم السنة وروايتها كما تقدم بيانه.
ويظهر لنا من نماذج تلاميذه المذكورين تنوع فئاتهم ومستوياتهم العلمية، من مُحدّث وفقيه ومُفت ومقرئ، ومن أقران له وممن دونهم. ويظهر كذلك أن قيامه برسالته التعليمية، لم يقتصر على أوقات وأماكن وظائفه الرسمية، وإنما شغل ليله ونهاره، وقصده طلابه في أي زمان ومكان ومنهم من لازمه طويلا وأشد ملازمة.
وبذلك كله اتسع نطاق إفادته وعمق تأثيره، وثبت تمتعه بخصائص وقدرات العالم النموذجي: من حبه وإخلاصه لرسالته، وسعة أفقه وصبره وتفانيه في نشر علمه ما استطاع إلى ذلك سبيلا. ولعل خير ما يؤكد هذا أن شيخه جمال الدين الإسنوي كان يحث الناس على التلمذة عليه وعلى كتابة مؤلفاته للاستفادة بها (١).
стр. 442
ريادة العراقي المدرسة السنة في مصر ومواقفه من أجلها
قدمنا في الفقرة السابقة أن أقدم ما وقفنا عليه من وظائف العراقي الرسمية هو توليه تدريس الحديث برائدة مدارس السنة بمصر، وهي المدرسة الكاملية والاعتراف له بمقتضى ذلك على المستوى العلمي والرسمي، بأنه أعلم أهل القاهرة بالحديث، ولما لم يكن بمصر عموما جهة أخرى يشترط في مدرس الحديث بها هذا الشرط، فإن العراقي منذ تعيينه في هذه المدرسة الرائدة بعد سنة ٧٦٩ هـ أصبح في الاعتبار العلمي والرسمي، شيخا للحديث والمحدثين ورائدا لمدرسة السنة وعلمائها، لا في القاهرة فحسب، بل في الديار المصرية عموما، وقد صرح بهذا غير واحد من شيوخه، وتلاميذه ومؤرخيه كما توفرت له أسبابه ومقوماته. فبالنسبة لشيوخه وجدنا الحافظين ابن جماعة بمصر، وابن رافع بالشام، قد شهدا له فيما قبل سنة ٧٦٩ هـ بالتفرد بعلم الحديث بالقاهرة والديار المصرية عموما كما قدمنا عنهما أما شيخه جمال الدين الإسنوي فقد وصفه بـ «حافظ العصر» في عدد من مؤلفاته أقدمها كتاب (المهمات) الذي فرغ منه سنة ٧٦٠ هـ (١).
ومع اعترافنا بأن ذلك لا يلغي المكانة العلمية لغيره من علماء السنة وحفاظها المعاصرين له والأقران البارزين الذين سنوازن بينه وبينهم فيما بعد، فإننا نجد في شهادة هؤلاء الثلاثة من شيوخه وشيوخ عصره، ما يدل بوضوح لاعتباره حينذاك رائدا لمدرسة السنة وعلمائها في مصر.
وأما بالنسبة لتلاميذه، فنجد الحافظ ابن حجر بجانب إقراره السابق لتوفر
стр. 443
شرط الكاملية المتقدم في شيخه، يقول: «وصار المنظور إليه في هذا الفن من زمن الشيخ جمال الدين الإسنوي» وهلم جرا (١) ولعل تحديده بزمن الإسنوي لأنه هو الذي سجل وصفه بـ «حافظ العصر» قبل سنة ٧٦١ هـ كما أوضحناه وكما أشار ابن حجر نفسه لذلك في موضع آخر حيث يقول: وصار المنظور إليه في هذا الفن، وقد وصفه بحافظ العصر، الشيخ جمال الدين الإسنوي، ذكر ذلك في «الطبقات، في ترجمة ابن سيد الناس» وفي «المهمات» أيضا (٢).
أما تلميذاه تقي الدين المقريزي وابن فهد، فقررا أنه: «شيخ الحديث الذي انتهت إليه رياسته» (٣).
وقال تلميذه ابن الجزري عنه: «حافظ الديار المصرية ومحدثها وشيخها» (٤).
ومن مؤرخيه المعاصرين له، مؤرخ الشام ومُحدّثه في عصره، شهاب الدين أحمد بن حجي، وقد قال عنه: «شيخ المحدثين، كان محدث الديار المصرية، انتهت إليه بها معرفة علم الحديث … وولي بالقاهرة مشيخة الحديث، بعدة مواضع» (٥).
стр. 444
وقال شهاب الدين الغزي: «وهو شيخ الجماعة الأئمة الذين كانوا في عصره» (١).
وما قرره هؤلاء جميعا من شيوخ العراقي وتلاميذه ومؤرخيه، نجد مصداقه في التكوين الطبيعي والأخلاقي والعلمي لشخصية العراقي، حيث بلغ الغاية في التمتع بالمواهب والإستعدادات والأخلاق والنضج العلمي، كما قدمنا تفصيله، ونجد مصداقه كذلك في واقع نشاطه في مرحلتنا هذه - فضلا عما بعدها - حيث تجاوز نطاق الرواية والتدريس العلوم السنة، كما هو شأن المدرس العادي، إلى بعض الجهود والمواقف الرائدة التي تفيد إحساسه بالمسئولية العامة عن السنة بمصر، وتصديه لحملها ما أمكنه.
فمن ذلك أنه لما رحل إلى الإسكندرية وسمع من شيوخها، وكان في مقدمتهم المسند الكبير «أبو الحسن العرضي» الدمشقي نزيل الإسكندرية كما قدمنا، فبدا له أن يتيح الفرصة لطلاب السنة وجماعة المحدثين بمدينتي مصر والقاهرة، خاصة من لم يرحل منهم، ليسمعوا معه من العرضي فيستفيدوا بعيون مروياته الكثيرة، وعلو سنده، كما ذكرنا في التعريف به آنفًا، فبعث العراقي تلميذه ورفيقه نور الدين الهيثمي في سنة ٧٦٠ هـ إلى الإسكندرية بدعوة منه لأبي الحسن العرضي ليقدم إلى القاهرة لهذه المهة العلمية، واستجاب العرضي لدعوة العراقي، وحضر إلى القاهرة بصحبة الهيثمي، وفي الطريق قرأ عليه الهيثمي الحديث بعدة بلاد أيضًا، مما أتاح لمن حضر من أهلها الاستفادة بذلك، فلما وصل العرضي إلى القاهرة استقبله العراقي، ونظم
стр. 445
مجالس السماع عليه، وقام بنفسه بقراءة مُسند الإمام أحمد عليه كاملا، وغيره، وسمع معه الكثيرون من المشتغلين بالسنة والمعنيين بها، ودارت بينهم وبين العراقي خلال القراءة مباحثات في درجة أحاديث مسند أحمد، وبين لهم رأيه في ذلك، ثم سجله مفصلا في مؤلف خاص كما سيأتي (١).
ولم يُعرف لغير العراقي من المشتغلين بالسنة في مصر حينذاك مثل هذا المسعى لإقدام أحد المسندين الكبار، وبذل الجهود لإتمام وتعميم الاستفادة به لطلاب السنة وعلمائها، ويشبه عمله هذا - إلى حد كبير - البعثات الداخلية، والمؤتمرات المحلية المعاصرة، التي تدعو إليها وتنظمها وتشرف على تنفيذها الهيئات العلمية المتخصصة، لدعم كفاءتها وتنشيطها، وبذلك كان عملا رائدا في عصره.
وقد تأسى بالعراقي في هذا من تلاميذه البارزون، ولده «ولي الدين أبو زرعة»، فكان يحضر بعض المسندين الممتازين في مجالسه، فيسمع عليه هو ومن حضر من جماعته وطلابه، قصدًا للخير وعموم النفع (٢).
وهناك موقف آخر للعراقي يلتقي مع ما تقدم، ويبين اضطلاعه بالمسئولية العامة عن النهوض بالسنة، وذلك بالعمل على تنقية مجال الاشتغال بها من أدعياء العلم، أو غير الأكفاء، مهما كان جاههم أو منصبهم، وبيان هذا، أن المنشآت العلمية في عصره كانت توضع لها شروط خاصة، يجب توافرها فيمن يدرس بها، كما ذكرتُ بالنسبة لدار الحديث الكاملية، غير أن
стр. 446
المسئولين من نُظَّار، وغيرهم، كانوا كثيرًا ما يُعيّنون من لا تتوافر فيهم الشروط، لأغراضهم الخاصة، فينتج عن هذا ضعف المستوى العلمي والتعليمي.
وقد حدث في سنة ٧٨١ هـ أن تولى الشيخ عز الدين الرازي تدريس الحديث بالمدرسة المنصورية بالقاهرة، وتولى مُحتسب القاهرة حينذاك القاضي «جمال الدين القيصري» تدريس الحديث أيضًا بالمدرسة الصرغتمشية بالقاهرة، دون أن يكون لأي منهما دراية تذكر بعلم الحديث فما كان من العراقي إلا أن اجتمع ببعض رفاقه من أهل الحديث، كرفيقه وتلميذه البرهان الأبناسي وغيره، وقرروا العمل على عزلهما، وكان المسئول المختص حينذاك هو الأمير «بركة»، فرفعوا الأمر إليه، وقرروا أن المذكورين بيدهما هذين التدريسين، وليسا أهلا لذلك، ورغم أن «القيصري» كان صديقًا شخصيًا للأمير «بركة»، إلا أنه لم يسعه أمام تصميم العراقي ومن معه إلا أن يُقرّر عقد «مجلس» لمحاكمة «الرازي» وصاحبه، وانعقد المجلس فعلا في ١٣ جمادى الآخرة سنة ٧٨١ هـ بحضور الأمير، وقاضي القضاة برهان الدين بن جماعة، وقاضي القضاة ناصر الدين الحنبلي، وسراج الدين البلقيني، وسراج الدين بن المُلَقِّن، والحافظ العراقي، وجماعة أهل الحديث.
وقد حاول «الرازي» في بداية المجلس جعل القضية من قبيل النزاع بين المحدثين والفلاسفة العقليين فأحضر معه بعض كتب العلوم العقلية كـ «المنطق» وقال: «نحن نحسن هذه العلوم، وهم - يعني العراقي وبقية المحدثين - لا يحسنونها» ولكنه عُورِض بأن النزاع ليس في هذا، فرفعت الكتب وبدأت المحاكمة، فقيل للرازي هذا: «إن شرط مدرس الحديث بالمنصورية، أن
стр. 447
يكون عالماً بالحديث وأسانيده، فادعى وجود الشرط فيه فاقترح عليه أن يقرأ حديثاً من صحيح «مسلم»، فقرأ بعض حديث فغلط في إسناده في موضعين، وغلط في بعض المتن في أربعة مواضع واضحة فخجل، ولم يتم الحديث، وافتضح أمره، وتبين للحاضرين عدم أهليته لتدريس السنة».
أما «القيصري» فإنه شرع يروي حديثاً من البخاري بإسناده عن «شمس الدين محمد بن علي الخشاب» وهو من الشيوخ المتأخرين، فقال له العراقي: «تسمع أمس على هذا وتصبح اليوم مدرس حديث؟» فأمسك عن الرواية، وتبين بذلك عدم أهليته هو الآخر.
ويبدو أن العراقي هو الذي تولى أيضاً مناقشة الرازي واختباره؛ لأن ولي الدين بن العراقي قال: «وكان المجلس ذلك اليوم للوالد في مكافحتهما وتلاه في الكلام شيخنا سراج الدين البلقيني، فتكلم يسيراً، وأما الباقون وهم قضاة القضاة، وجماعة أهل الحديث، فلم يتكلموا بكلمة واحدة مداهنة ومداجاة» وأيد هذا بقوله: «واعترف بذلك «ابن جماعة» لوالدي بعد مدة، فقال: ما ندمت على شيء كما ندمت على مداجاتي على الحق في ذلك المجلس»، ثم أوضح هذا قائلاً: «فإنه فعل ذلك مراعاة لجمال الدين القيصري؛ لصداقة بينهما حينئذ».
وكان «القيصري» بجانب صداقته هذه لقاضي القضاة ابن جماعة وصداقته للأمير «بركة»، يشغل منصب محتسب القاهرة، كما ذكرنا وهو كمنصب «المحافظ» حالياً، وبذلك كانت مكافحة العراقي له مطابقة لما قدمنا عنه من الجرأة في الحق، حتى لا يهاب فيه أحدًا.
стр. 448
ويذكر ولي الدين أنه رغم تلك المكافحة الحاسمة من والده، فإن الرجلين لم يصدر حكم بعزلهما.
لكن الحافظ ابن حجر يذكر أن «القيصري» - وهو أعلاهما جاها ومنصبا - أراد ستر القضية، فأخذ تدريس المنصورية من «الرازي» لنفسه، لكنه خشي الشناعة عليه من جديد فأحضر بعض المحدثين إلى منزله، وقرأ عليه الحديث، وواظب على سماعه أيضا على بعض المشايخ كالآمدي والدّجوي، فصاروا يحضرون إلى منزله لذلك، واستمر هو يُدرّس الحديث بالمدرستين (١).
ومن هذا يتضح أن مكافحة العراقي قد حققت هدفها، فأبعدت أحد الدخيلين وهو «عز الدين الرازي»، وجعلت الآخر يخشى الشناعة عليه مرة أخرى، فحوّل منزله إلى مدرسة حديثية، وتتلمذ فيها بجد ليحقق كفاءته العلمية في أقرب وقت، إحساسًا منه بأن جماعة أهل الحديث وفي مقدمتهم العراقي، لن يدعوه يشغل موقعه في حقلها بدون كفاءة مهما كان منصبه أو جاهه.
وإذا كان العراقي قد نهض بمسئوليته العامة عن السنة وتزعم جماعتها على هذا النحو، فمن باب أولى نهوضه بالمسئولية الخاصة عن الأماكن التي تولى التدريس بها، ومشيختها كالمدرسة الكاملية وجامع القلعة، وغيرها مما سيأتي؛ نظرًا لسهولة تلك المسئولية الخاصة عن العامة بكثير، حيث تتلخص في تنظيم العمل وتوزيعه بين العاملين معه، كل حسب كفاءته، فيُكلّف بعضهم.
стр. 449
بمعاونته في التدريس، مثل عمل «المعيد» في جامعاتنا الحالية، وبعضهم يستملي عليه في مجالس إملاء الحديث، كما سيأتي، وبعضهم يُخصَّص لقراءة الحديث ليسمع منه الطلاب وغيرهم، وبعضهم يقوم بالسماع لمن يريد تسميع بعض محفوظاته من كتب السنة، ويُسمَّى «العرض» أو تصحيح نسخها بالمقابلة مع الطالب على الأصول الموثقة (١)، مع اشتراك العراقي أيضاً في القيام بتلك المهمات، كما قدمت بعض نماذجه، وسيأتي غيرها أيضاً.
стр. 450
٣ - أستاذية العراقي لجيل المحدثين والمحدثات وحفاظ السنة من بعده في العالم الإسلامي
تعتبر هذه الأستاذية من آثار العراقي البارزة في السنة في حياته، وهي نتيجة طبيعية لما قدمناه عن جوانب شخصيته ونشاطه، كما يؤكدها ما سيأتي من باقي مراحل عمله ومكانته العلمية داخل مصر وخارجها.
فقد قدمنا أنه توفر له التوثيق الفائق طبعا وخلقًا، والتحصيل العلمي الجيد والمتكامل، حتى نضج وصار حافظ عصره، كما أتبعنا ذلك بنماذج أدائه المتواصل، والممتاز لرسالته: ما بين راو للسنة، ومدرس لها، ورائد المدرستها وعلمائها، وهذا كله كاف في جعله قبلة أنظار طلاب السنة وطالباتها، من المصريين وغيرهم، سواء في هذه المرحلة، أو فيما سيأتي بعدها، فإن المنهل العذب يتكاثر عليه الواردون، من كل صوب وحدب، ولهذا لم يسع مؤرخو العراقي من تلاميذه وغيرهم، إلا أن يُقرّروا بالإجمال والتفصيل أستاذيته العامة للجيل الذي حمل راية السنة من بعده ونشرها في ربوع العالم الإسلامي، ولأعلام حفاظ هذا الجيل الذين أحيوا من تراث السنة ما سلم من المحن والتبديد، حتى صار عمدة المؤمنين والباحثين، إلى يومنا هذا.
فبالنسبة للإجمال يقول ابن حجر: (وأخذ عنه فضلاء العصر) (١).
ويقول أيضًا: (ولم نر في هذا الفن - أي فن الحديث - أتقن منه، وعليه تخرج غالب أهل عصره) (٢) وقد تبعه في تقرير هذا من جاء بعده (٣).
стр. 451
ويقول ابن فهد: «وقُصِدَ من مشارق الأرض ومغاربها، فرحل إليه للأخذ عنه والسماع الجم الغفير، الكبير منهم والصغير، فلازموه وانتفعوا به، وكتب عنه جميع الأئمة، من العلماء الأعلام، والحفاظ ذوي الفضل والانتقاد» (١).
وقال التقي الفاسي: «وأخذ عنه علماء الديار المصرية وغيرهم وأثنوا على فضائله» (٢). وتبعه على هذا من بعده (٣).
وقال خطيب الناصرية: «وأخذ عنه العلم والحديث: الأئمة. وذكر سبعة منهم - ثم قال: في آخرين يطول ذكرهم» (٤) ونحو هذا ذكر ابن تغري بردي (٥).
وقال المناوي: «وانتفع به الأصاغر والأكابر» (٦).
أما شهاب الدين الغزي المتوفى سنة ٨٦٤ هـ وأحد علماء الشام المعروفين فقد أشار لأثر تلاميذ العراقي في نشر وتعليم السنة من بعده حيث قال: «وهو شيخ الجماعة والأئمة الذين كانوا في عصره، ولعل غالبهم تلامذته في الفن، وقد أدركنا غالب أعيان تلامذته وأخذنا عنهم بحمد الله» (٧).
стр. 452
ويعتبر الشوكاني أنَّ من مفاخر العراقي ودواعي سعادته، تلمذة حُفَّاظ السنة من بعده، وطبقتهم عليه، حيث يقول: «ورُزِقَ السعادة في تلامذته، فإن منهم الحافظ ابن حجر وطبقته» (١)، ولا ريب في أن تلاميذ «العالم» هم أبناء روحه وفكره، وثمار غرسه، فيجد تجديد نفسه فيهم، وامتداد أثره العلمي وذكراه بهم، ولذا يحق للعراقي الفخر بهم، والسعادة الكبرى بتكاثرهم من حوله، وتولّي نوابغهم مراكز الصدارة العلمية والحديثية في مختلف الأقطار والمواقع.
ولم يكتف المؤرخون بهذا الإجمال في تقرير أستاذية العراقي العامة وأثرها في جمهور المشتغلين بالسنة وأعلامهم، وإنما قرروا ذلك أيضًا بالتفصيل الواقعي، ويمكن القول: «إن الإجمال السابق هو نتيجة مستنبطة من الواقع التفصيلي، حيث إن الباحث عندما يرجع إلى المصادر التاريخية المتضمنة لتراجم الأعلام الذين أدركوا قيام العراقي برسالته في أداء ما تحمله من علوم السنة، رواية وتدريسًا، وتأليفًا، فإنه سيجد مئات من تلاميذه وتلميذاته (٢) تلقوا عنه علوم السنة بمختلف وجوه التلقي السابق بيانها، وفي مختلف مراحل حياتهم، سواء من أبناء الديار المصرية أو الوافدين عليها، مهاجرين أو راحلين، كما
стр. 453
قدمنا في حالة العصر، ما بين مغاربة ومشارقة، من شاميين ومكيين ومدنيين، بالإضافة لمن تتلمذ له في رحلاته خارج مصر كما أوضحنا، وفي عمله بالمدينة المنورة كما سيأتي، ولقد قمت بنفسي بمثل هذا الاستنباط».
فمن هؤلاء من وجدت العراقي أجازه بكل أو بعض مروياته الحديثية العديدة السابق تفصيلها، ومؤلفاته هو في مختلف علوم السنة، ومنهم من أحضر في طفولته مجالس تحديثه وتدريسه، لتحصيل علو السند، كما أوضحنا من قبل في طرق تلقي السنة، ومنهم من عرض عليه في بداية دراسته محفوظاته من كتب السنة، حسب منهج التعليم في ذلك العصر، ومنهم من سمع منه، أو سمع عليه بقراءة غيره، أو قرأ عليه بنفسه، ومنهم من لازمه وواظب على دروسه ومجالسه الحافلة، وكتب عنه منها ومن مؤلفاته ما استطاع، ومنهم من تخرج به في علوم السنة، وأذن له في الاشتغال بها رواية ودراسة وبحثا (١).
كذلك وجدت كثيرات من نساء عصره تتلمذن له بالإجازة أو الإحضار أو
стр. 454
السماع (١) بل وجدت كثيرًا من الأسر قد تتلمذ له معظمها، أو عدد منها رجالا ونساء، مثل أسرة الحافظ ابن حجر (٢) والحافظ نور الدين الهيثمي صهر العراقي وتلميذه (٣) وأسرة ولد العراقي ولي الدين أبي زرعة (٤) وغير هؤلاء (٥).
وبهذا وصل العراقي سند هذه الجموع الغفيرة بمروياته العديدة من كتب السنة، ومؤلفاته الخاصة، كما تفتحت مداركهم على ذكائه المفرط وعلمه الغزير، فتلقحت أفهامهم بتوجيهاته العلمية العديدة، وآرائه الثاقبة، وتغذت عقولهم بدروسه ومباحثاته التي امتدت نحو نصف قرن، ابتداء من تلك المرحلة الأولى، وحتى أواخر حياته، والجميع يغدون عليها ويروحون، ويَعَلُّونَ وينهلون، وهو دائب العطاء بلا ملل، راحلا ومقيما، مصبحًا وممسيًا، وفي ذلك يقول الحافظ ابن حجر عند رثائه:
فتى كرم يزيد وشيخ علم … لدى الطلاب مع حَمْلِ المشاق
فيقري طالبًا علما، ويقري … قرى فقراه في ذات اتساق (٦)
стр. 455
الاستنتاج:
وبذلك تحقق تأثيره الشخصي المباشر، في تعلم وانتشار علوم السنة على أوسع نطاق. هذا بالإضافة إلى انتشار مؤلفاته في علوم السنة في عصره، حتى بلغت الأندلس غربا، وبلاد فارس شرقا، على يد تلاميذه وغيرهم، فكانت مصدر إفادة لبقية المراكز العلمية الإسلامية التي نهضت من جديد، لتعويض مجدها السالف، وصار كثير من تلك المؤلفات مادة أساسية يحفظها المبتدئون، ومنهجا لدراسة الطلاب، وتدريس المتخصصين وبحثهم، كما سنوضحه، وفي هذا يقول تلميذه الهيثمي: «ورحل إلى تصانيفه وعلومه، من المشرق والمغرب» (١).
وهكذا تحققت أستاذية العراقي في علوم السنة لجيل بأسره من أبناء العالم الإسلامي في حياته.
ثم إنه كان من هذا الجيل نماذج جيدة من الرجال والنساء، تركزت تلمذتهم للعراقي، وأولاهم عنايته، حتى استكملوا دراستهم وتخرجوا عليه وعلى غيره على عادة العصر، ثم انتشروا في أرجاء الديار المصرية وفي خارجها، وقاموا بأداء ما تلقوه عنه، كل حسب قدراته وتحصيله، فكان منهم المسندون والمسندات، الذين قاموا برواية ما تحملوه، ومنهم المحدثون والحفاظ الذين قاموا بالرواية والتدريس، والمباحثة والتأليف، وصاروا بعده أعلام السنة في مواطنهم بمصر والشام والحجاز، بل منهم من تجاوز نطاق موطنه فنشر علوم السنة في اليمن والروم وفارس والهند، ومنهم من لقب بـ «حافظ الدنيا» بعد
стр. 456
شيخه كما سأوضحه، وفي ذلك يقول الهيثمي عنه: «شيخ الحفاظ بالمشرق والمغرب، ومفيد الكبار ومن دونهم» (١).
ويقول ابن حجر أيضًا أنه: «الحافظ الكبير إمام الحفاظ وأستاذ المحدثين» (٢).
من أبرز تلاميذ العراقي في هذه المرحلة وتأثيره فيهم:
قبل ذكر نماذج تلاميذ العراقي البارزين في هذه المرحلة، أنبه إلى أن تقسيمي لعمله إلى مراحل حسب التسلسل الزمني لا يلزم منه تقسيم التلمذة عليه بنفس التحديد، فإننا نجد من تلاميذه من أخذ عنه في هذه المرحلة الأولى وفيما بعدها مثل «شهاب الدين الأشموني» فقد قدمت بيان تلمذته على العراقي بجامع القلعة لفترة طويلة حتى انتقل العراقي إلى العمل بالمدينة المنورة سنة ٧٨٨ هـ، ثم قال ابن حجر عن الأشموني هذا: «وكان يقرأ على شيخنا العراقي في كل سنة في رمضان، فسمعتُ بقراءته، ومات في ٢٨ شوال سنة ٨٠٩ هـ» (٣).
وسيأتي أن بداية سماع ابن حجر على العراقي كان في مرحلة عمله الثانية بالقاهرة بعد عودته من المدينة، وبالتالي يكون «الأشموني» قد استأنف تلمذته للعراقي في مرحلة عمله الثانية، حتى أتيح لابن حجر السماع بقراءته. وهكذا نجد كثيرًا من تلاميذه، توزعت تلمذتهم عليه بين مراحل عمله ولهذا فإنني سأذكر من كثرت تلمذته للعراقي في هذه المرحلة أو انحصرت فيها.
стр. 457
فمن هؤلاء:
١ - الأبناسي قرينه ورفيقه في مواقفه من أجل السنة:
وهو برهان الدين بن موسى بن أيوب، ولد بأبناس، بالوجه البحري بمصر سنة ٧٢٥ هـ تقريبا وهي سنة مولد العراقي، وبذلك كان قرينا له، ولهذا عدَّ المؤرخون تلمذته للعراقي من مفاخر العراقي (١).
وقد قدم من بلده للقاهرة وله بضع وعشرون سنة، ورافق العراقي في الطلب، وأخذ عنه وعن غيره حتى تخرج على شيخهما «مغلطاي بن قليج» وظهر تأثره بالعراقي في تأليفه في علوم الحديث، حيث عمل شرحًا لمقدمة ابن الصلاح سماه «الشذا الفياح من علوم ابن الصلاح» واعتمد فيه إعتمادا أساسيا على نكت العراقي على مقدمة ابن الصلاح، وعلى شرحه لألفيته في الحديث وغيرهما وأشار لذلك في مقدمة الكتاب (٢) كما تحدث فيه عن مؤلفات أخرى للعراقي بما يدل على إطلاعه التفصيلي عليها كما سيأتي. وله أيضا مؤلفات حديثية أخرى، كما درس بالجامع الأزهر وأماكن أخرى بالقاهرة فكثرت طلبته بها جدا وكان منهم ولي الدين بن العراقي، الذي عمل له (مشيخة) حدث بها، وحدث بالكتب الستة وغيرها، وقد توطدت صلته بالعراقي فكان صديقا مخلصا له وشارك في مواقفه الحاسمة في سبيل السنة كما قدمنا، وعندما سافر الأبناسي للحج سنة ٧٧٩ هـ، استناب الحافظ العراقي في مشيخة (خانقاة سعيد السعداء) بالقاهرة، لكن غيره سعى في
стр. 458
انتزاع الوظيفة كلية من الأبناسي وتم له ذلك (١).
وسعى الأبناسي أيضًا لولي الدين بن العراقي في تحصيل غالب وظائفه رعاية لصلته بوالده، وقد توفي الأبناسي في حياة العراقي وذلك في ٨ من المحرم ٨٠٢ هـ بالشام في طريق عودته من الحج، ودفن هناك فعرف العراقي له قدره، وخلد ذلك برثائه بقصيدة دالية طويلة أكثر فيها من الثناء عليه (٢).
٢ - ومنهم: رفيق عمره وصهره الحافظ الهيثمي (٣):
وهو: نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي القاهري الشافعي ويُعرف بالهيثمي، وُلِد في رجب سنة ٧٣٥ هـ بمحل إقامة والده بصحراء القاهرة، بجوار خانقاة «طَغَيْتُمر» فَلَمَّا انتقل العراقي للإقامة بهذه الخانقاة كما قدمنا، التحق الهيثمي بخدمته، وكان - على الراجح - ابن عشر سنين تقريبا، وبمقتضى ذلك لازم العراقي طول حياته أشد ملازمة، سفرا وحضرًا، فرحل معه جميع رحلاته، وحج معه جميع حجاته، بل لما عمل العراقي في قضاء المدينة، جاور معه الهيثمي، ولم يُعرف عنه الارتباط بأي وظيفة رسمية، رغم كفاءته، ويقول ابن حجر: «ورأيت من خدمة الشيخ نور الدين هذا
стр. 459
لشيخنا، وتأدبه معه، من غير تكلّف لذلك، ما لم أره لغيره، ولا أظن أحدا يقوى عليه، وكان الشيخ شديد التوقي في الطهارة، لا يعتمد إلا على نفسه أو على الشيخ نور الدين).
ويقول سبط ابن العجمي: «إن الهيثمي كان يلازم خدمة العراقي في أمر وضوئه وثيابه، وكان في أمر خدمته عمومًا كالعبد، ولا يخاطبه إلا «بسيدي». ومثل هذا كان محببًا للتلاميذ مع شيوخهم، حتى أنه كان من تلاميذ العراقي من يتقدم لتولي الخدمة بدل الهيثمي فيمنعه العراقي، اكتفاء بالهيثمي، كذلك كان العراقي يعتمد عليه في بعض المهمات العلمية، فقد أرسله في سنة ٧٨٠ هـ تقريبًا مع ولده ولي الدين إلى دمشق في رحلة لطلب الحديث قرابة ثلاثة أشهر (١)، وأرسله لإحضار العرضي من الإسكندرية للتحديث بالقاهرة كما قدمنا.
ونتيجة لتلك الملازمة الشديدة من الهيثمي منذ صغره للعراقي، فإنه شاركه في طلب الحديث على شيوخه داخل مصر وخارجها، حتى كان العراقي أحيانًا يُقدمه للقراءة على الشيوخ، ويسمع عليهم بقراءته.
стр. 460
تحقيق ما انفرد به كل من العراقي والهيثمي عن بعضهما من الشيوخ والمرويات
وقد ذكر السخاوي أن العراقي لم ينفرد عن الهيثمي بغير السماع من ثلاثة شيوخ هم: ابن البابا، وتقي الدين السبكي، وعبد الرحيم بن شاهد الجيش ولكني أرى أن ذلك لا يسلم له بالنسبة للسبكي وابن شاهد الجيش إلَّا على التفرد الزمني، بمعنى سماع العراقي منهما في وقت لم يكن الهيثمي موجودًا معه، أما التفرد المطلق فلا، وذلك لأن الهيثمي معدود ممن سمع على ابن شاهد الجيش (١).
كما أنه قد رافق العراقي في جميع رحلاته ومنها رحلته الأولى للشام وقد التقى فيها بالسبكي وسمع منه كما مر، وعليه يكون الهيثمي شاركه في الأخذ عنه فيها، ويؤكد حمل كلام السخاوي على التفرد الزمني، أنه قال أيضًا: «أن الهيثمي لم ينفرد عن العراقي بغير سماع صحيح مسلم على ابن عبد الهادي، بينما العراقي قد سمعه على ابن عبد الهادي هذا كما مر».
وقد فسر ابن حجر ذلك بأن سماع الهيثمي كان قبل أن يصحب العراقي فصار منفردًا عنه في الزمن فقط، ولعل هذا ما جعل ابن حجر يقرر أن الهيثمي سمع جميع مسموعات العراقي، يعني وإن انفرد عنه في سماع بعضها في الزمن، كما في صحيح مسلم هذا.
ومع تسليمنا بانفراد الهيثمي عن العراقي، زمنيًا في سماع (صحيح مسلم) فإننا لا نسلم للسخاوي قوله بأنه لم ينفرد عنه بغيره من المسموعات على سبيل