← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 30167

الحافظ العراقي وأثره في السنة

أحمد بن معبد عبد الكريم

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

شيخه كما سأوضحه، وفي ذلك يقول الهيثمي عنه: «شيخ الحفاظ بالمشرق والمغرب، ومفيد الكبار ومن دونهم» (١). ويقول ابن حجر أيضًا أنه: «الحافظ الكبير إمام الحفاظ وأستاذ المحدثين» (٢). من أبرز تلاميذ العراقي في هذه المرحلة وتأثيره فيهم: قبل ذكر نماذج تلاميذ العراقي البارزين في هذه المرحلة، أنبه إلى أن تقسيمي لعمله إلى مراحل حسب التسلسل الزمني لا يلزم منه تقسيم التلمذة عليه بنفس التحديد، فإننا نجد من تلاميذه من أخذ عنه في هذه المرحلة الأولى وفيما بعدها مثل «شهاب الدين الأشموني» فقد قدمت بيان تلمذته على العراقي بجامع القلعة لفترة طويلة حتى انتقل العراقي إلى العمل بالمدينة المنورة سنة ٧٨٨ هـ، ثم قال ابن حجر عن الأشموني هذا: «وكان يقرأ على شيخنا العراقي في كل سنة في رمضان، فسمعتُ بقراءته، ومات في ٢٨ شوال سنة ٨٠٩ هـ» (٣). وسيأتي أن بداية سماع ابن حجر على العراقي كان في مرحلة عمله الثانية بالقاهرة بعد عودته من المدينة، وبالتالي يكون «الأشموني» قد استأنف تلمذته للعراقي في مرحلة عمله الثانية، حتى أتيح لابن حجر السماع بقراءته. وهكذا نجد كثيرًا من تلاميذه، توزعت تلمذتهم عليه بين مراحل عمله ولهذا فإنني سأذكر من كثرت تلمذته للعراقي في هذه المرحلة أو انحصرت فيها.

стр. 457

فمن هؤلاء: ١ - الأبناسي قرينه ورفيقه في مواقفه من أجل السنة: وهو برهان الدين بن موسى بن أيوب، ولد بأبناس، بالوجه البحري بمصر سنة ٧٢٥ هـ تقريبا وهي سنة مولد العراقي، وبذلك كان قرينا له، ولهذا عدَّ المؤرخون تلمذته للعراقي من مفاخر العراقي (١). وقد قدم من بلده للقاهرة وله بضع وعشرون سنة، ورافق العراقي في الطلب، وأخذ عنه وعن غيره حتى تخرج على شيخهما «مغلطاي بن قليج» وظهر تأثره بالعراقي في تأليفه في علوم الحديث، حيث عمل شرحًا لمقدمة ابن الصلاح سماه «الشذا الفياح من علوم ابن الصلاح» واعتمد فيه إعتمادا أساسيا على نكت العراقي على مقدمة ابن الصلاح، وعلى شرحه لألفيته في الحديث وغيرهما وأشار لذلك في مقدمة الكتاب (٢) كما تحدث فيه عن مؤلفات أخرى للعراقي بما يدل على إطلاعه التفصيلي عليها كما سيأتي. وله أيضا مؤلفات حديثية أخرى، كما درس بالجامع الأزهر وأماكن أخرى بالقاهرة فكثرت طلبته بها جدا وكان منهم ولي الدين بن العراقي، الذي عمل له (مشيخة) حدث بها، وحدث بالكتب الستة وغيرها، وقد توطدت صلته بالعراقي فكان صديقا مخلصا له وشارك في مواقفه الحاسمة في سبيل السنة كما قدمنا، وعندما سافر الأبناسي للحج سنة ٧٧٩ هـ، استناب الحافظ العراقي في مشيخة (خانقاة سعيد السعداء) بالقاهرة، لكن غيره سعى في

стр. 458

انتزاع الوظيفة كلية من الأبناسي وتم له ذلك (١). وسعى الأبناسي أيضًا لولي الدين بن العراقي في تحصيل غالب وظائفه رعاية لصلته بوالده، وقد توفي الأبناسي في حياة العراقي وذلك في ٨ من المحرم ٨٠٢ هـ بالشام في طريق عودته من الحج، ودفن هناك فعرف العراقي له قدره، وخلد ذلك برثائه بقصيدة دالية طويلة أكثر فيها من الثناء عليه (٢). ٢ - ومنهم: رفيق عمره وصهره الحافظ الهيثمي (٣): وهو: نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي القاهري الشافعي ويُعرف بالهيثمي، وُلِد في رجب سنة ٧٣٥ هـ بمحل إقامة والده بصحراء القاهرة، بجوار خانقاة «طَغَيْتُمر» فَلَمَّا انتقل العراقي للإقامة بهذه الخانقاة كما قدمنا، التحق الهيثمي بخدمته، وكان - على الراجح - ابن عشر سنين تقريبا، وبمقتضى ذلك لازم العراقي طول حياته أشد ملازمة، سفرا وحضرًا، فرحل معه جميع رحلاته، وحج معه جميع حجاته، بل لما عمل العراقي في قضاء المدينة، جاور معه الهيثمي، ولم يُعرف عنه الارتباط بأي وظيفة رسمية، رغم كفاءته، ويقول ابن حجر: «ورأيت من خدمة الشيخ نور الدين هذا

стр. 459

لشيخنا، وتأدبه معه، من غير تكلّف لذلك، ما لم أره لغيره، ولا أظن أحدا يقوى عليه، وكان الشيخ شديد التوقي في الطهارة، لا يعتمد إلا على نفسه أو على الشيخ نور الدين). ويقول سبط ابن العجمي: «إن الهيثمي كان يلازم خدمة العراقي في أمر وضوئه وثيابه، وكان في أمر خدمته عمومًا كالعبد، ولا يخاطبه إلا «بسيدي». ومثل هذا كان محببًا للتلاميذ مع شيوخهم، حتى أنه كان من تلاميذ العراقي من يتقدم لتولي الخدمة بدل الهيثمي فيمنعه العراقي، اكتفاء بالهيثمي، كذلك كان العراقي يعتمد عليه في بعض المهمات العلمية، فقد أرسله في سنة ٧٨٠ هـ تقريبًا مع ولده ولي الدين إلى دمشق في رحلة لطلب الحديث قرابة ثلاثة أشهر (١)، وأرسله لإحضار العرضي من الإسكندرية للتحديث بالقاهرة كما قدمنا. ونتيجة لتلك الملازمة الشديدة من الهيثمي منذ صغره للعراقي، فإنه شاركه في طلب الحديث على شيوخه داخل مصر وخارجها، حتى كان العراقي أحيانًا يُقدمه للقراءة على الشيوخ، ويسمع عليهم بقراءته.

стр. 460

تحقيق ما انفرد به كل من العراقي والهيثمي عن بعضهما من الشيوخ والمرويات وقد ذكر السخاوي أن العراقي لم ينفرد عن الهيثمي بغير السماع من ثلاثة شيوخ هم: ابن البابا، وتقي الدين السبكي، وعبد الرحيم بن شاهد الجيش ولكني أرى أن ذلك لا يسلم له بالنسبة للسبكي وابن شاهد الجيش إلَّا على التفرد الزمني، بمعنى سماع العراقي منهما في وقت لم يكن الهيثمي موجودًا معه، أما التفرد المطلق فلا، وذلك لأن الهيثمي معدود ممن سمع على ابن شاهد الجيش (١). كما أنه قد رافق العراقي في جميع رحلاته ومنها رحلته الأولى للشام وقد التقى فيها بالسبكي وسمع منه كما مر، وعليه يكون الهيثمي شاركه في الأخذ عنه فيها، ويؤكد حمل كلام السخاوي على التفرد الزمني، أنه قال أيضًا: «أن الهيثمي لم ينفرد عن العراقي بغير سماع صحيح مسلم على ابن عبد الهادي، بينما العراقي قد سمعه على ابن عبد الهادي هذا كما مر». وقد فسر ابن حجر ذلك بأن سماع الهيثمي كان قبل أن يصحب العراقي فصار منفردًا عنه في الزمن فقط، ولعل هذا ما جعل ابن حجر يقرر أن الهيثمي سمع جميع مسموعات العراقي، يعني وإن انفرد عنه في سماع بعضها في الزمن، كما في صحيح مسلم هذا. ومع تسليمنا بانفراد الهيثمي عن العراقي، زمنيًا في سماع (صحيح مسلم) فإننا لا نسلم للسخاوي قوله بأنه لم ينفرد عنه بغيره من المسموعات على سبيل

стр. 461

الحصر؛ لأنه تقدم أن الهيثمي رافق العرضي في حضوره من الإسكندرية إلى القاهرة فسمع عليه بعدة بلاد في الطريق، فكان في ذلك منفردًا عن العراقي. وعليه فإن تعبير السخاوي بالحصر فيما انفرد به كل من العراقي الهيثمي عن بعضهما من الشيوخ والمرويات، غير مستقيم بإطلاق، والأولى أن يقال إنهما اشتركا في غالب الشيوخ والمرويات. ومع هذه المشاركة الغالبة من الهيثمي للعراقي في التلمذة على الشيوخ وتحصيل علوم الرواية والدراية، فإن العراقي كان أستاذه الذي خرجه في ذلك؛ لأن تحصيل المرويات ليس هو كل شئ كما قدمنا، بل لابد أن يصحبه عناية بالطالب، بالتوجيه والشرح والتدريب والمباحثة في أحوال وأحكام السند والمتن، وهذا ما تركز عليه تأثير العراقي في رفيقه، حيث حفظ الهيثمي ألفية العراقي المتضمنة لأصول علوم السنة ومصطلحاتها، ثم بحث عليه شرحها له أيضًا في مجالس موزعة بين القاهرة ومكة خلال سنة ٧٧٣ هـ كما سبق ذكره في الرحلات، وبذلك إستفاد منه خلاصة علوم الدراية، بالإضافة إلى أنه كتب عنه كثيرًا من مؤلفاته الأخرى وقرأ عليه أكثرها، وهي شاملة لمختلف علوم الرواية والدراية كما سنفصله. إشراف العراقي العلمي والعملي على الهيثمي في مؤلفاته: ثم إن هناك مجالاً آخر ظهر فيه تأثير العراقي في الهيثمي وعنايته بتكوينه العلمي، حيث كلفه في مرحلة عمله الأولى، التي نحن بصددها، أن يجمع الأحاديث والأسانيد الزائدة عما في الكتب الستة (١) والموجودة في «مسند.

стр. 462

الإمام أحمد بن حنبل»، وزوائد ولده عليه، وترتيبها موضوعيًا مثل «كتاب الإيمان» والبيوع ونحوهما، وبين له المنهج الذي يتبعه والطريقة العملية التي يسير عليها في استخراج الزوائد وتبويبها، ثم أمده بما كان متوفرا لديه من المراجع في مكتبته الخاصة كما قدمنا عنها. ويلاحظ أن هذا العمل يقتضي من الهيثمي بحث الكتب الستة، ومُسند الإمام أحمد وزوائد ولده، متنا وسندا، حتى يُحدّد الزوائد ويستخرجها بالإضافة للمراجع المساعدة على هذا كما أشار لها بنفسه (١). أما عملية التبويب الموضوعي للزائد فتقتضي فهم معنى الحديث وفقهه وعليه فإن تكليف العراقي للهيثمي بهذا العمل ومتابعته فيه، يُعد توجيها وتدريبًا متكاملا له على البحث التطبيقي لعلوم رواية السنة ودرايتها، وقد أنجز الهيثمي تلك المهمة العلمية في نفس مرحلة عمل العراقي الأولى هذه وفرغ من الكتاب في رجب سنة ٧٧٦ هـ وسماه «غاية المقصد في زوائد المسند» (٢) ولم يلتزم فيه ببيان درجة الحديث ولا حال رجاله، ولما يضه قدمه لأستاذه العراقي فراجعه وهذبه وخرج في مجلدين متوسطين، وقرر ابن حجر أنه كثير الفائدة ومنذ ذلك الحين حتى يومنا هذا وهو مرجع متداول تتجدد فوائده للباحثين والمستفيدين (٣).

стр. 463

ولما تأكد للعراقي نجاح الفكرة وتمرس الهيثمي بالعمل، حبب إليه مواصلته بتخريج زوائد مسند «البزار» عن الكتب الستة أيضًا على نفس المنهج فخرجها في كتاب وسماه: «كشف الأستار عن زوائد مسند البزار» ثم خرج زوائد مسند «أبي يعلى الموصلي» كذلك في كتاب سماه «المقصد الأعلى في زوائد أبي يعلى» ثم خرج «زوائد المعجمين الأوسط والصغير» للطبراني أيضًا في كتاب واحد وسماه «مجمع البحرين في زوائد المعجمين» وذكر في مقدمته أنه أخرج فيه أيضًا ما رواه الترمذي في الشمائل والنسائي في «السنن الكبرى» مما ليس في الصغرى (١) وبعض نسخه التي وقفت عليها تقع في مجلد ضخم. وقد كان العراقي متابعًا له بالتوجيه والإشراف حتى أتم تلك المؤلفات فأشار عليه أن يجمعها في مؤلف واحد مرتبة على الأبواب مع حذف الأسانيد للاختصار، بحيث لا يذكر إلا الصحابي الراوي للحديث، مع إضافة ميزة هامة عن المؤلفات المتفرقة السابقة وهي: بيان درجة الحديث وحالة رجاله توثيقا وتجريحًا تعويضًا عن الأسانيد التي حذفت حتى تتكامل فائدته وتشمل العام والخاص، وقد امتثل الهيثمي لتوجيه أستاذه، واعتمد في بيان أحوال الرجال غالبًا على «تهذيب الكمال» للمزي و «ميزان الإعتدال» للذهبي و «الثقات» لابن حبان، وأنجز هذا العمل الضخم الذي بلغ في طبعته الحالية (١٠) مجلدات متوسطة وقال في مقدمته: «فقال لي سيدي وشيخي العلامة شيخ الحفاظ بالمشرق والمغرب، ومفيد الكبار ومن دونهم، الشيخ زين

стр. 464

الدين أبو الفضل عبد الرحيم ابن العراقي ﵁ وأرضاه: «اجمع هذه التصانيف، واحذف أسانيدها؛ لكي تجتمع أحاديث كل باب منها في باب واحد من هذا، فلما رأيت إشارته إلي بذلك، صرفت همتي إليه … وسميته بتسمية سيدي وشيخي له «مجمع الزوائد ومنبع الفوائد». وما زال الكتاب حتى الآن متداولاً في العالم الإسلامي، يدل على جهد المؤلف وتأثير الأستاذ، الموجه والمتابع، كما استلهم الفكرة وطبقها غير الهيثمي من تلاميذ العراقي كما سيأتي، ولما تعمقت خبرة الهيثمي وتدربه في بحث كتب السنة وتخريج زوائدها على هذا النحو، وجهه العراقي أيضًا لتخريج زوائد مسند الحارث بن أبي أسامة المتوفى سنة ٢٨٢ هـ على الكتب الستة فأنجزه في مجلد معتاد (١). وقال في مقدمته: «وبعد فإن سيدي وشيخي شيخ الإسلام، زين الدين أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين العراقي أحسن الله إليه … أهلني لإفراد كتب، فسررت بذلك، ثم أمرني بتخريج زوائد الحارث بن أبي أسامة … فجمعتها .. وقد سميته «بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث»، ورتبته على كتب لكي يسهل الكشف منه» (٢) وكلام الهيثمي واضح الدلالة على تأثير العراقي فيه وعلى أنه كان يعتبر تكليفه له وتأهيله لإنجاز هذه المؤلفات مبعث فخر له وسرور. ثم كلفه العراقي بعمل آخر يتعلق بعلم الرجال وهو ترتيب كتاب (الثقات)

стр. 465

لأبي الحسن العجلي المتوفى سنة ٢٦١ هـ على حروف المعجم فأنجزه في مجلد متوسط (١) وقال في مقدمته «أما بعد فإن شيخي وقدوتي … وهو الشيخ العلامة شيخ الإسلام رحلة الأنام حافظ عصره زين الدين أبو الفضل عبد الرحيم … ابن العراقي، أشار إلي بترتيب ثقات أبي الحسن أحمد بن عبد الله بن صالح العجلي لكي يسهل الكشف منها لطالب العلم، فأجبته إلى ذلك امتثالاً لأمره ورجاء البركة في طاعته، وقد رتبته على حروف المعجم، وبدأت بمن اسمه أحمد تبركا بالنبي ﷺ » (٢). ويلاحظ أن هذا المنهج في الترتيب هو نفس منهج العراقي في بعض مؤلفاته في علم الرجال كما سيأتي وقد استمر توجيه العراقي للهيثمي ومتابعته وتشجيعه على الإنتاج في علوم السنة حتى آخر مؤلفاته وهو جمع الأحاديث الواردة في كتاب «حلية الأولياء» لأبي نعيم، وترتيبها على الأبواب كالصلاة والجهاد ويُسمَّى «تقريب البغية بترتيب أحاديث الحلية». ويبدو أن الهيثمي أشفق على نفسه لأول وهلة من هذه المهمة؛ نظرا لأن كتاب «الحلية» يقع في عدة مجلدات ضخمة، كما أن الأحاديث متناثرة فيه في غضون تراجم الرجال، فبين له العراقي المنهج الذي يسلكه وبَسْطَه له، بحيث نشطت عزيمته لإنجازه كسوابقه، غير أنه توفي بعد الفراغ من ثلاثة أرباعه في المسودة، فأكمله وبيضه ابن حجر تلميذ العراقي أيضًا، فخرج في مجلدين، وقد ذكر الهيثمي في مقدمته أن شيخه العراقي لما رحل الطلاب من

стр. 466

المشرق والمغرب إلى تصانيفه، سأله بعضهم جمع ما في «حلية الأولياء» من الحديث المرفوع؛ لكي ينتفعوا به فيما يريدون من التخريج وغيره، وأردف قائلا: «فأشار إليّ بذلك، وقال لي الشيخ زين الدين شيخي المذكور نفعنا الله بعلومه: «ليس في هذا تعب عليك، إنّما هو مجرد ترتيب فرتبته بحسب ما أذكره … » (١). ولكنه لم يعن ببيان درجة الحديث ولا حال سنده، وفي كلام الهيثمي عن دافع العراقي لتكليفه بتأليف هذا الكتاب وما قبله، دليل واضح على إحساسه وقيامه شخصيّا أو بالواسطة، بالمسئولية العامة عن تذليل كتب السنة وعلومها للطلاب في الشرق والغرب». ولم يعرف لغير العراقي في عصره مثل هذا التوجيه والتدريب والمتابعة المتواصلة لتلاميذه في نتاجهم العلمي، وقد حاوله من بعده تلميذه ابن حجر مع بعض تلاميذه فما تيسر له ذلك (٢). ولئن نسبت المؤلفات السابقة إلى الهيثمي، فإن أثر العراقي في رسم منهجها وإخراجها إلى حيز الوجود، قد سجله الهيثمي بنفسه في مقدماتها كما ذكرنا وتناقله المؤرخون من بعده حتى الآن. ويشبه عمل العراقي هذا، نظام البحوث الجامعية المتخصصة التي يتبناها الأساتذة، ويشرفون على إنجاز طلبة الدراسات العليا لها. حفظ الهيثمي للمتون الحديثية نتيجة لتدريب العراقي له: ثم إن هناك نتيجة أخرى حصلها الهيثمي من ممارسته الواسعة والمستمرة.

стр. 467

لكتب السنة وهي شدة استحضاره لمتون الأحاديث وألفاظها، بحيث كان يسرع الجواب عنها لمن يسأل بحضور شيخه العراقي، فكان ذلك يعجب العراقي، لإحساسه بأن هذا نتيجة تدريبه وثمرة غرسه، ويدل هذا أيضًا على سعة صدره، لإتاحة الفرصة لتلميذه لإظهار كفاءته العلمية بمجلسه. تم الجزء الأول من كتاب الحافظ العراقي وأثره في السنة ويليه الجزء الثاني وأوله: الرد على ابن حجر ومن تبعه في بيان مدى التأثير والإستفادة المتبادلة بين العراقي والهيثمي.

стр. 468

الرد على ابن حجر ومن تبعه في بيان مدى التأثير والاستفادة المتبادلة بين العراقي والهيثمي غير أن الحافظ ابن حجر يصوّر تأثير العراقي في الهيثمي بصورة تخدش جهده الشخصي، فيذكر أن من أخص تلاميذ العراقي به صهره الهيثمي ويردف قائلا: (وهو الذي دربه وعلمه كيفية التخريج والتصنيف، بل هو الذي يعمل له خطب كتبه) أي مقدماتها (ويسميها له (١)) وتبعه على هذا تلميذه السخاوي (٢) وابن العماد الحنبلي (٣). وقد مر بك تصريح الهيثمي بأن شيخه العراقي سمى له كتابًا واحدًا وهو (مجمع الزوائد). أما بقية المؤلفات بما فيها ما أشار عليه العراقي به، ورسم له منهجه، فقد عَمِل بنفسه مقدماتها، ونسب تسميتها لنفسه، ولو كان شيء منها من عمل العراقي لصرّح بذلك كما صرّح بالنسبة لتسمية «مجمع الزوائد» وبالنسبة لتوجيهه للمؤلفات، خاصة وأنه أنجز غالب مؤلفاته في حياة العراقي وتحت إشرافه، كما قدمنا، فتعميم ابن حجر السابق ثم من تابعه، بأن العراقي كان يعمل للهيثمي خطب كتبه ويسميها له غير صحيح. كما أن تدريب العراقي له وتعليمه كيفية التخريج والتصنيف لا يغض من جهده المضني في التنفيذ، وإخراج المؤلفات إلى حيز الوجود بصورة جيدة ومفيدة، كما يعلم من الاطلاع عليها، وقد علّم العراقي ابن حجر وخرجه، ومؤلفاته عمومًا مشحونة بالنقول عن شيخه العراقي، فهل نغمزه بهذا كما غمز هو

стр. 469

شيخه الهيثمي؟ كذلك ذكر ابن حجر أنه وجد أوهاما للهيثمي في كتابه (مجمع الزوائد) وتتبعها، وأنه لما بلغ الهيثمي ذلك شقّ عليه، وعاتبه، فسكت عنها رعاية له وهذا يثير تساؤلا: كيف يشق على الهيثمي المعروف بالدين والورع إصلاح الأوهام العلمية؟ ثم كيف مرت هذه الأوهام المتعددة على العراقي عند مراجعته لعمل الهيثمي وتحريره كما قدمنا؟ وقد أجاب السخاوي عن ذلك بما أراه مقبولاً، حيث ذكر أنه لعل الأمر شق على الهيثمي لكون ابن حجر لم يعلمه هو فيما بينه وبينه، بل أعلم غيره وبذلك خرج الأمر عن النصيحة المشروعة إلى ما يشبه التشهير، إن لم يكنه وأما الأوهام فذكر أيضًا أنها ربما كانت غير ضرورية الإصلاح بحيث ساغ لابن حجر أن يتغاضى عن تتبعها، وعموما فإن من يقارن (مجمع الزوائد) بما يشبهه من مؤلفات ابن حجر وهو كتاب (المطالب العالية بزوائد المسانيد الثمانية - النسخة المحذوفة الأسانيد) يجد أن كتاب الهيثمي أفيد؛ لعنايته ببيان درجة أحاديثه ورجال أسانيدها، كما قدمنا، بينما اكتفى ابن حجر في كتابه بجمع الزوائد وتبويبها، وقل بيانه لدرجة الأحاديث مع الحاجة لذلك ويقول ابن حجر كذلك: (وصار الهيثمي لشدة ممارسته، أكثر استحضارا للمتون من شيخه (العراقي) حتى يظن من لا خبرة له أنه أحفظ منه، وليس كذلك؛ لأن الحفظ المعرفة)، ثم يقول: «إن الهيثمي كان يدري من فنون الحديث فنا واحدا» (١).

стр. 470

وقد تبعه في هذا السخاوي، فبعد ثنائه على خلق الهيثمي قال: «وأما الحديث، فالحق ما قاله شيخنا، أي ابن حجر: أنه كان يدري منه فنا واحدًا يعني الذي دربه فيه شيخهما العراقي، وقد كان من لا يدري يظن السرعة جوابه بحضرة العراقي، أنه أحفظ منه، وليس كذلك، بل الحفظ المعرفة». ومع تسليمنا بأن العراقي كان أعرف من تلميذه بأحوال المتن والسند وأحكامهما بشهادة الهيثمي نفسه كما قدمنا عنه، فإن ذلك لا يقلل من معرفة الهيثمي الجيدة بذلك، بجانب معرفته بالمتون، لأن العراقي قد اعتنى به في ذلك أيضًا كما مر، ولذلك نجده يختلف مع العراقي في بيان حال وأسانيد كثير من الأحاديث التي ضمنها مؤلفاته (١). كذلك قال ابن حجر: «إن العراقي كان يستعين بالهيثمي في عمل هذه التصانيف، لينتفع بها فيما يجمعه ويشرحه، وخصوصا في «تخريج أحاديث الإحياء» وتخريج ما يقول الترمذي فيه: وفي الباب عن فلان» (٢). وأشار السخاوي لنحو ذلك فقال: «إن العراقي استروح فيما بعد، بما عمله الهيثمي من المؤلفات سيما «مجمع الزوائد»» (٣). والذي أراه عدم التسليم بما قرره ابن حجر وتلميذه السخاوي، لمجافاته للواقع وذلك أنهما معترفان بأن الهيثمي التحق صغيرًا بخدمة العراقي في حدود سنة ٧٥٠ هـ على الأقل، وبأنه رافقه في طلب الحديث بعد الخمسين، بينما فرغ

стр. 471

العراقي من مسودة «التخريج الكبير للإحياء» سنة ٧٥١ هـ كما سيأتي فكيف تتأتى استفادته منه في هذا التخريج؟ فإن قيل إن العراقي صرح بعدم وقوفه على أحاديث كثيرة عند إتمام تسويد الكتاب وأنه ألف «تكملة شرح الترمذي» بعد ذلك، أجبت بوجوه: أولها: تصريحه أيضًا بأنه حتى سنة ٧٦٠ هـ كان ظفر بكثير مما فاته من الأحاديث بينما فرغ الهيثمي من أول كتاب من زوائده في سنة ٧٧٦ هـ كما قدمنا أي بعد ١٦ عامًا من ذلك تقريبا. والوجه الثاني: وجود الاختلاف بين ما قرره الهيثمي في مجمعه، وما قرره العراقي، من درجة كثير من الأحاديث، وحال أسانيدها، سواء في «تخريج الإحياء» أو في «شرح الترمذي» أو غيرهما. وهذا ينافي اعتماده على «مجمع الزوائد» أو غيره من مؤلفات الهيثمي السابقة، فمثلا حديث «أكثروا من شهادة أن لا إله إلا الله قبل أن يحال بينكم وبينها، ولقنوها موتاكم» أخرجه: العراقي من عند ابن عدي في «الكامل» وأبي يعلى الموصلي في مسنده، والطبراني في الدعاء، من حديث أبي هريرة، وقال: وفيه «ابن وردان» أيضًا، وذلك إحالة منه على ما قبل هذا الحديث، بحديث واحد، حيث ذكر أن موسى بن وردان مختلف فيه، بينما ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» من عند أبي يعلى فقط وقال: «إن رجاله رجال الصحيح غير ضمام بن إسماعيل، وهو ثقة»، وعند المراجعة للمصادر، نجد أن «موسى بن وردان» هذا، عليه مدار الحديث عند كل من أبي يعلى وابن عدي، والطبراني، ونجد أنه ليس من رجال أي من الصحيحين، كما في مصادر ترجمه، كما نجده فعلا مختلفا فيه توثيقا وتجريحا، ولو كان العراقي اعتمد على مجمع الزوائد، لوقع في خطأ

стр. 472

الهيثمي في الكلام على سند الحديث، كما ترى، لكنه خالفه، وقرر الصواب المطابق لما في المصادر الأخرى المعتبرة (١). وهناك أمثلة أخرى يأتي بعضها في بحث مؤلفات العراقي. والوجه الثالث: «أن الهيثمي نفسه صرّح في مقدمة بعض مؤلفاته المشار إليها، بأن طلبة العراقي هم الذين طلبوها للاستعانة بها في التخريج، كما قدمنا عنه، وليس العراقي». والوجه الرابع: أن السخاوي ذاته ذكر في ترجمته لابن حجر أن العراقي كتب إليه يطلب منه إرسال «مسند أبي يعلى» ليكتب منه بعض الأحاديث المتعلقة بـ «شرح الترمذي» وطلب إليه أيضًا أن ينظره في «أطراف مسند أحمد» وهو من مؤلفات ابن حجر، وذكر السخاوي أن ابن حجر ردّ على شيخه بتخريج الحديث من عدة مصادر، غير مُسند أبي يعلى وقال له: «إنه لم يره في «مسند أحمد» (٢) ولما كان ذلك بعد تخريج العراقي لابن حجر وتصديه للتأليف، فإنه يعني أن العراقي كان في آخر حياته، فلو كان استروح فعلا إلى الاعتماد على (مجمع الزوائد) أو غيره لما طلب المرجع الأصلي وهو «مُسند أبي يعلى» ليكتب منه، ولما طلب من ابن حجر، البحث عن الحديث في أطراف المسند لكون زوائد مسندي أبي يعلى وأحمد ضمن

стр. 473

مؤلفات الهيثمي المفردة التي كلفه العراقي بها في طفولة ابن حجر وأنجز أكثرها قبل طلب ابن حجر أيضا للحديث على وجهه، كما أنها من ضمن «مجمع الزوائد» أيضا». وفي المغني (١/¬١٣، ١٤) الباب الأول من كتاب العلم، ذكر العراقي حديث: فضل المؤمن العالم على المؤمن العابد … وعزاه إلى ابن عدي من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف، ثم قال: ولأبي يعلى نحوه من حديث عبد (الرحمن بن عوف) اهـ. ولم يتكلم على حديث أبي يعلى بشيء كما ترى، وقد أورده الهيثمي في المجمع (١/ ١٢٢ - ك العلم) وعزاه إلى أبي يعلى، ثم قال: وفيه الخليل بن مرة، قال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن عدي: لم أر (له) حديثا منكرا، وهو في جملة من يكتب حديثه، وليس هو بمتروك اهـ. فكان المقام هنا بحاجة إلى ذكر كلام الهيثمي عن سند الحديث، ومع ذلك لم نجد العراقي فعل ذلك. ومع أستاذية العراقي المقررة للهيثمي باعترافه، هو وغيره، فإن العراقي قد قدر مشاركته له في تلقي المرويات عن غالب شيوخهما، فكان يشركه معه في التحديث بها، وقل أن حدث بشيء إلا والهيثمي معه، وبادله الهيثمي نفس التقدير، فقل أن حدث هو الآخر بشيء بمفرده في حياة العراقي، وظل تلميذا مخلصا له إلى آخر حياته العلمية، فكتب عنه جميع أماليه الحديثية التي امتدت فوق عشر سنوات، وختمت بها حياته العلمية، وقد استملى عليه بعضها، ومع أنه كان مشاركا للعراقي في غالب مروياتها كما قدمنا، فإنه كان يحدث بها عن العراقي لا عن نفسه، إلا لمن يضايقه، ويعتبر ذلك إنزالا لسنده درجة، تقديرا لأستاذه، ولم يحدث عن نفسه إلا بعد وفاة العراقي.

стр. 474

وتكاثر الطلبة عليه في العام الذي عاشه بعد العراقي، ومع هذا ظل على حاله من التواضع والوفاء، فلم يتمشيخ بعده ولم يتصدر، ولهذا كان جديرا بأن يخلطه العراقي بنفسه، ويزوجه ابنته الكبرى خديجة، فكان له منها ذرية طيبة. وقد ذكر ابن حجر أن شيخه العراقي سُئل عند موته من بقي من الحفاظ بعده؟ فبدأ بابن حجر، وثنى بولده أحمد، وثلث بالهيثمي، وتبعه على هذا غيره (١). وقد علل ابن حجر ذلك من جانبه بأن الهيثمي كان يدري فنا واحدًا من فنون الحديث وهو الخبرة بمتون الأحاديث كما قدمنا ذكره والرد عليه، ويكفينا قول سبط ابن العجمي رفيق ابن حجر في التلمذة على العراقي والهيثمي: أنه كان من محاسن القاهرة، وقول الأفقهسي رفيقهما أيضًا: كان إماما عالماً حافظًا، وقول الغزي تلميذ ولي الدين بن العراقي أنه كان يقال الأشياخ الثلاثة، يعني العراقي وولده، والهيثمي. بل لقب العراقي نفسه الهيثمي بالحافظ (٢) وعده من بعده من المجتهدين (٣). رؤية الهيثمي للعراقي في المنام بجانب الرسول ﷺ -: ولما تأخرت وفاة الهيثمي عن شيخه العراقي عاما، حكى أنه رأى الرسول ﷺ في المنام وسيدنا عيسى ﵇ عن يمينه، والحافظ العراقي عن يساره (٤) وهي رؤيا ظاهرة التعبير عن مكانته في إحياء السنة النبوية، علمًا

стр. 475

وعملاً، نسأل الله توفيقنا لذلك. وقد توفي الهيثمي بعد تلك الحياة الحافلة بخدمة السنة وأهلها، وذلك بالقاهرة في ٢٩ من رمضان سنة ٨٠٧ هـ. ٣ - ومنهم: حافظ حلب ورئيسها ناصر الدين بن عشائر (١): وهو محمد بن علي بن محمد، الحلبي الشافعي، ولد سنة ٧٤٢ هـ وسمع الكثير ببلده، ثم ارتحل إلى دمشق في سنة ٧٦٧ هـ فسمع فيها وتخرج بابن رافع وغيره، وقد ولي خطابة جامع حلب، وكان رئيسها وحافظها ومؤرخها، ثم قدم القاهرة بسبب وظائف توزع فيها، فسمع بها الكثير وذكر ولي الدين بن العراقي وابن حجر وغيرهما: أنه من الحفاظ الفضلاء الذين أخذوا عن العراقي (٢) وأنه كان بارعًا في الفقه والحديث وحدث وناظر وأجاز الكثيرين، وألف دون أن يكمل عمره الخمسين، ووصفه ابن فهد بـ «الحافظ المتقن» وولي الدين ابن العراقي بـ «الحافظ ذي الفنون» وتنحصر تلمذته للعراقي في مرحلة عمله الأولى بالقاهرة حيث إنه قدمها وأقام بها مدة يسيرة، ثم فجأه الموت بها غريبًا في ١٦ ربيع الثاني سنة ٧٨٩ هـ، أي في السنة التالية لتولي العراقي قضاء المدينة.

стр. 476

٤ - ومن مشاهيرهم: كمال الدين الدميري شارح ابن ماجة ومؤلف حياة الحيوان (١): وهو محمد بن موسى بن عيسى الدميري المصري، الشافعي، ولد بالقاهرة في أوائل سنة ٧٤٢ هـ، وأقبل على العلم بعد تكسبه وقتا بالخياطة، وقد طلب الحديث بمصر والحجاز من بعد سنة ٧٥٠ هـ، وأخذه عن جماعة منهم الحافظ العراقي، ورغم أن الدميري مشهور بكتابه (حياة الحيوان) أكثر من أي شيء آخر، إلا أنه كان متقدما في علم الحديث رواية ودراية، فحدّث بالقاهرة وبمكة بل بجوف الكعبة، وبذلك انتشرت مروياته عن العراقي كما درّس في حياة شيخه العراقي بمكة وبالقاهرة في القبة البيبرسية والمنصورية بالقرب من باب النصر، فأخذ عنه فضلاء الطلبة، بل إنه ألف شرحًا حافلا لسنن ابن ماجه يسمى «الديباجة في شرح سنن ابن ماجة» ويقع في خمسة مجلدات، ومع أنه مات قبل تبييضه إلا أنه درسه في دروسه الحديثية بالقبة البيبرسية فاستفاده منه طلابه، وطلاب شيخه العراقي (٢) كما أنه ألف في الفقه ودرّسه وأفتى ووعظ الناس وخطبهم، وكان ذلك في عدة أماكن بالقاهرة، منها تدريسه بالجامع الأزهر، فكان أثرا طيبا لشيخه العراقي وشريكا له في نشر السنة وتعليمها، حتى توفي بعد العراقي بقليل وذلك في سنة ٨٠٨ هـ.

стр. 477

٥ - ومنهم: «جمال الدين بن ظهيرة حافظ مكة وعالم الحجاز» (١). وهو محمد بن عبد الله بن ظهيرة القرشي المكي، ويُعرف كأبيه بـ (ابن ظهيرة)، وقد ولد على الأصح في ١٣ شوال سنة ٧٥١ هـ بمكة ونشأ بها، وعني بالحديث فسمع بمكة ثم رحل مبكرًا إلى الشام واليمن ومصر للطلب فأخذ الحديث عن كثيرين، حتى خرج له صلاح الدين الأقفهسي معجمًا بشيوخه، ومنهم بعض شيوخ العراقي، لكنه لازم الحافظ العراقي، بل تلقى عنه بمكة علم الفقه، أما علوم السنة فتلقاها عنه موزعة بين مكة والقاهرة، فقد قدمنا تلقيه عنه شرحه لألفية علم الحديث في سنة ٧٧٣ هـ ما بين سماع وقراءة في عدة مجالس موزعة بين مكة والقاهرة، ومما قرأه عليه أيضًا تأليفه في الأحاديث البلدانية كما سيأتي بيانه، وقد تملك نسخة من شرح العراقي المتقدم للألفية، وكتب له العراقي عليها بخطه إجازة جيدة تدل على خبرته بتحصيله وفهمه، ولذا لقبه بـ «الإمام العلامة المحدث المفيد الأوحد» ثم قال: «وأذنت له - أحسن الله إليه - أن يُقرى ذلك الشرح ويفيده وما شاء من الكتب المصنفة في ذلك، لوثوقي بحسن تصرفه وجودة فهمه، نفع الله به وأكثر من أمثاله». ويلاحظ أن العراقي يمتدح ويزكي في طلابه حسن التصرف وجودة الفهم، والاجتهاد فيما يحيطون به من علوم السنة، وعدم الجمود على ترديد ما يتلقونه من مؤلفات وآراء المتقدمين أو المتأخرين، وهذا خير ما يربي عليه أستاذ.

стр. 478

تلاميذه، خاصة في عصره الذي رُمي بالجمود كما قدمنا في حالة العصر، ثم إنه يتطلع إلى كثرة أمثال تلميذه ابن ظهيرة من المجتهدين، لتنهض بهم علوم السنة وتتجدد ثمارها. وقد صدقت نظرة العراقي في تلميذه فبجانب تقدمه في الفقه وغيره، برع في الحديث متنا وسندا، وعَرَف العالي منه والنازل، وتصدى لنشر العلم بعد سنة ٧٧٠ هـ نحو ٤٠ عامًا، فدرس وأفتى وحدّث بمروياته الكثيرة بالمسجد الحرام وبغيره، وتزاحم عليه الطلاب والأئمة من أهل مكة والقادمين عليها وانتفعوا به، وأجاز كثيرًا منهم وأذن لبعضهم بتدريس الحديث، وتولى منصب قاضي قضاة مكة مرارًا، وانتهت إليه رياسة الشافعية بمكة، ولقب في وقته بـ (عالم الحجاز) ووصفه غير واحد بالحفظ والإتقان، والتحقيق في دروسه وفتاويه، وعُد من المجتهدين في عصره (١). وقد ألف في الفقه والحديث وغيرهما، ومن مؤلفاته المشبهة لمؤلفات شيخه العراقي «جزء فيما يتعلق بزمزم» وظل قائما برسالته الحديثية وغيرها حتى توفي في ١٦ رمضان سنة ٨١٧ هـ. ٦ - ومنهم: «الحافظ ابن الجزري إمام القراء، وناشر السنة في بلاد الروم وفارس (٢)» وهو محمد بن محمد بن محمد المعروف بابن الجزري، ولد في ٢٥

стр. 479

رمضان سنة ٧٥١ هـ بدمشق ونشأ بها، ومع أنه برع في علم القراءات وكان فيها إمام زمانه في كثير من الممالك، وعرف بها وألف كثيرًا فيها إلا أنه عني أيضًا برواية الحديث ودراسته ببلده وغيرها، وقد تكررت رحلاته إلى القاهرة لطلب العلم منذ سنة ٧٥٩ هـ، فأتاح له ذلك تلقي الحديث عن علمائها، وفي مقدمتهم الحافظ العراقي، وتقدم في ذلك حتى تفرد بعلو السند وحفظ الحديث ومعرفة الجرح والتعديل، والرواة المتقدمين والمتأخرين، وقد لقبه ابن حجر بـ «الحافظ الإمام المقرئ» ولقبه غيره بـ «المحدث». كما أنه تولى مشيخة دار الحديث الأشرفية بدمشق، وهي من أعلا دور الحديث مكانة بالشام، كما تولى غيرها أيضًا، وقد تميز ابن الجزري بتطوافه في معظم بلاد العالم الإسلامي في الشرق، ونشره للحديث وعلومه أينما حل، فبالإضافة لتدريسه الحديث بمدارس دمشق ومساجدها، حدث ودرس أيضًا بالقدس، ثم وقعت بينه وبين بعض الحكام خلافات إضطرته للفرار بحرا عن طريق الإسكندرية إلى «بلاد الروم»، فاستقر هناك عدة سنوات مشهورا بنشر القراءات والحديث، رغم وجود غيره من العلماء، ثم انتقل إلى (شيراز) بإيران الحالية، فقام بنفس الرسالة، ومما أسمعه للطلاب أيضًا بسمرقند (صحيح البخاري) (١). وتنقل بعد ذلك بين الحجاز واليمن ومصر والشام، قائما بالتحديث والإقراء والتدريس، ولم يقطعه حلّه وترحاله بين تلك الأقطار الشاسعة النائية عن الاتصال بشيخه العراقي ومتابعة أخباره، حتى علم بوفاته وهو بـ «سمرقند».

стр. 480

فرثاه، وكتب إلى ولده «أبي زرعة» معزيا ومشجعًا، كما سنذكره بعد، ثم ترجمه في طبقات القراء، ولقبه بـ «حافظ الديار المصرية وشيخها ومحدثها»، كما قدمت عنه، وبجانب مؤلفاته المشهورة في القراءات، فإنه ألف في علم الحديث ورجاله عدة مؤلفات نظما ونثرا، وظهر تأثره فيها بالعراقي، واطلاعه على مؤلفاته، كما صرّح بالاقتداء به في تأليف بعض مؤلفاته، كما سنذكره في مؤلفات العراقي. ومع أن ابن حجر لقبه بـ «الحافظ» كما قدمنا، ووثقه في علم الحديث، وحدث ببعض مؤلفاته (١) إلا أنه هو وغيره قد غمزوه ببعض غمزات وواجههم غيرهم بردها، فلا نطيل بذلك. وبعد حياته الحافلة بنشر علوم القراءات والحديث بعامة المراكز العلمية بالشرق الإسلامي، توفي بشيراز في ٥ ربيع الأول سنة ٨٣٣ هـ وما زال قبره بها شاهدًا إلى الآن على مدى انتشار تلاميذ العراقي في العالم، ونشرهم لما أسداه لهم بشخصه وبمؤلفاته. ٧ - ومنهم: «السرائي» نزيل القاهرة الذي لازمه وقرأ عليه مقدمة ابن الصلاح (٢). وهو إبراهيم بن سليمان بن عبد الرحمن، السرائي، الشافعي، كذا بخطه، وخط شيخه العراقي، وهو يعرف بـ «إبراهيم شيخ»، نزيل القاهرة، وقد قدم القاهرة واعتنى بالحديث عناية تامة، ولازم فيه الحافظ العراقي، وكان مما قرأه.

стр. 481

أو سمعه عليه بقراءة غيره، علوم ابن الصلاح، وحَصَّل النسخ الخطية المليحة واعتنى بضبطها، سواء من مؤلفات العراقي التي كان يدرسها لطلابه أو غيرها، وبمقتضى ملازمة السراتي للعراقي وتلقيه عنه علوم السنة، فإنه قد أذن له في إفادتها ووصفه بـ «الشيخ الإمام الناسك» تقديرًا لعلمه وصلاحه، وقد تولى مشيخة «الرباط» بالبيبرسية بالقاهرة (١)، وهذا مما أتاح له نشر ما تلقاه من علوم السنة عن شيخه العراقي وغيره، وتوفي قبل العراقي، في ٢٤ ربيع الأول سنة ٨٠٢ هـ. ٨ - ومنهم: «مسند الديار المصرية في زمنه، عز الدين بن الفرات» (٢) وهو عبد الرحيم بن محمد بن عبد الرحيم المصري الحنفي، ويُعرف كسلفه بـ «ابن الفرات»، وقد ولد بالقاهرة سنة ٧٥٩ هـ ونشأ بها وعظمت استفادته من العراقي وتأثيره فيه رواية ودراية، فإنه بحث عليه شرحه لألفية الحديث، ونكته على علوم ابن الصلاح، في مجالس متعددة وأثبت له العراقي ذلك بخطه، ولقبه بـ «الشيخ الإمام» وأذن له في إقراء الكتابين المذكورين، وسمع على العراقي أيضًا بعض أحاديثه العشارية الإسناد، وهي من أعلا مرويات عصره الموثقة، فأفاده بها علو السند الموثق وقد امتدت تلمذته للعراقي في مرحلة عمله الأولى والثانية بالقاهرة، فسمع عليه بالثانية كثيرًا من أماليه على «مستدرك الحاكم» وهي من مروياته العالية السند كما سنبينه، وبذلك كان لما تلقاه ابن الفرات عن العراقي من المرويات عمومًا، أثره.

стр. 482

في علو سنده، والإسهام في جعله مُسند الديار المصرية بالإضافة إلى طول عمره فوق التسعين، فصار كما يقول ابن حجر: «مُسند الديار المصرية في عصره» وكثر تحديثه جدا، وبالتالي اتسع نشره لما تلقاه عن العراقي من مصادر علوم الدراية، ومن عوالي المرويات، حتى توفي في ٢٦ ذي الحجة سنة ٨٥١ هـ. ٩ - ومنهم: «أبو ذر الزين الزركشي» مُسند مصر، ومدرس الحديث بها (١): وهو عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله المصري الحنبلي - أبو ذر المعروف بـ «الزين الزركشي»، وقد ولد بالقاهرة في ١٧ رجب سنة ٧٥٨ هـ ونشأ بها ومع مشاركته للعراقي في كبار شيوخه، فإنه تتلمذ له منذ صغره، فعرض عليه بعض محفوظاته الحديثية، وأجازه العراقي في الرواية، ثم تعرضت أسرة الزركشي المحنة ضاعت فيها كتب والده بما فيها أثبات سماع ولده وإجازاته، وهذا مما يحول دون تحديثه بما ضاعت أثباته فنهض لتعويض ما فقد بالرحلة للسماع داخل مصر وخارجها، وكان مما سمعه على العراقي في سنة ٧٨٢ هـ المجلس الختامي من «سنن أبي داؤد» وهذا يدل على تحديث العراقي في مرحلة عمله الأولى بالقاهرة بـ «سنن أبي داود» كله في مجالسه ودروسه الحديثية، وقد طال عمر أبي ذر الزركشي حتى صار «مُسند مصر» في وقته كما أنه ألم بعلوم الدراية، مع جودة الذهن، ولذلك باشر التدريس للحديث وإسماعه ببعض مدارس القاهرة وعن طريق ذلك انتشر ما استفاده.

стр. 483

من العراقي بالعرض والإجازة والسماع كما كان له بعض المؤلفات الحديثية التي لم تتم، وقد توفي بالقاهرة في ١٨ صفر سنة ٨٤٦ هـ. ١٠ - ومنهم: «الحافظ ولي الدين أبو زرعة بن العراقي قاضي القضاة ومدرس السنة وممليها بمصر» (١). وهو أحمد بن عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن، الكردي الشافعي ولي الدين أبو زرعة، ابن الحافظ العراقي موضوع هذا البحث، ويعرف كأبيه بابن العراقي، لكن قدمنا أن معرفته هو بـ «ابن العراقي» أكثر، ومعرفة والده بـ «العراقي» أكثر، وقد ولد كما يقول والده: بظاهر القاهرة في ٣ ذي الحجة بعد صلاة الصبح من سنة ٧٨٢ هـ. تطبيق والده عليه عامة قواعد الطلب، والتحديث وتخريجه له: وقد عني والده بتنشئته العلمية جدا، وخاصة التنشئة الحديثية، حتى يجنبه: ما تعرض له هو من إهمال والده له عما كان مطلوبا، كما قدمنا، فمنذ السنة الأولى من عمر أبي زرعة أحضره والده على الشيوخ الموجودين بمصر حينذاك.

стр. 484

من كبار المسندين واستجازهم له مثل: أبي القاسم الربعي التونسي، وفتح الدين القلانسي وأديب العصر (ابن نباته) وغيرهم، واستجاز له أيضًا من شيوخ الإسكندرية: كالعرضي وغيره كما قدمنا في رحلاته، وعندما طعن أبو زرعة في الثالثة من عمره، رحل به والده مع باقي الأسرة إلى الشام، وهناك أحضره أيضًا على جمع كثير من المسندين والحفاظ، الذين أخذ هو عنهم كما تقدم تفصيله، وذكر التقي الفاسي: أن العراقي كتب لولده أبي زرعة فيما أحضره ببلاد الشام أنه «سامع»، مع أنه كان في الثالثة من عمره، لما رأى فيه من الفطنة الكثيرة، لكن الذي وجدت العراقي أثبته بنفسه في ترجمته لأبي زرعة هو «الحضور» فقط، وهو المناسب لما قرره العراقي في أكثر من موضع بأن السن التي يصح فيها السماع عند الجمهور، هي الخامسة، فلا أدري مصدر التقي الفاسي فيما قال. وبعد أن عاد العراقي بولده من رحلة الشام، استوفى إحضاره وإسماعه على شيوخه بمصر، من المسندين والحفاظ كالبياني، وعز الدين بن جماعة، وغيرهما حتى إذا بلغ (١٤) سنة، طلب بنفسه بمصر والقاهرة، تحت رعاية والده، ودار على الشيوخ، وكتب الطباق (١) بخطه، ولم يكتف والده بهذا بل أرسله في رحلة ثانية إلى الشام لطلب الحديث، ولم تسمح ظروفه بمصاحبته، فأرسل معه رفيقه الهيثمي، واستغرق في ذلك نحو ٣ أشهر كما أشرنا من قبل، وقد استفاد فيها مرويات طبقة الشيوخ التي تلت من أحضره عليهم والده في الرحلة السابقة، وبهذا تضاعفت كثرة شيوخه ومروياته.

стр. 485

الحديثية، وعاد من تلك الرحلة أيضًا فواصل استكمال دراسته الحديثية وما كان مشتغلا به بجانبها، من الفقه والعربية، حتى مهر، وأذن له غير واحد من شيوخه بالإفتاء والتدريس والتحديث، ومع هذه العناية الفائقة من والده بتعليمه على يد أعلام عصره وشيوخه في مصر وخارجها، فإنه باشر بنفسه تعليمه وتدريبه في علم الحديث، وفي غيره من الفقه والأصول والعربية، ولازمه أبو زرعة في ذلك حتى تخرج به في الحديث (١) وقرر أنه لم يفارق والده إلا في رحلته مع الهيثمي للشام وفي مدة عمل والده بقضاء المدينة، وبذلك أُتيح له أن يستفيد من علمه ويتأثر به لأبعد حد، فقد سمع وقرأ عليه كثيرًا من مروياته ومؤلفاته المتعلقة بالرواية وبحثها (٢) بل حفظ بعضها واستملى عليه كثيرا من أماليه. ومن عناية والده الحديثية به أنه ألف كتاب (تقريب الأسانيد في أحاديث الأحكام) منتقيًا أحاديثه مما روى بأصح الأسانيد إلى رسول الله ﷺ ، مراعيا اتصال أسانيدها إلى ولده أبي زرعة، وقال في مقدمته: وبعد فقد رأيت أن أجمع لابني أبي زرعة مختصرًا في أحاديث الأحكام، يكون متصل الأسانيد بالأئمة الأعلام، فإنه يقبح بطالب الحديث بل بطالب العلم أن لا يحفظ بإسناده عدة من الأخبار يستغني بها عن حمل الأسفار في الأسفار، وعن مراجعة الأصول عند المذاكرة والاستحضار، ويتخلص به من الحرج في الجزم بنقل ما ليست له به رواية، فإنه غير سائغ بإجماع أهل الدراية (٣)، ثم أثبت.

стр. 486

في شرحه أن أبا زرعة قد حفظه، وترجم له بإيجاز، وكان حينئذ في الثانية عشر من عمره، فأشار إلى وقوع أحاديث الكتاب له بالسند العالي، معللا ذلك باحتمال أن يطول عمره فيحدث به، وأثبت سنده بها فقال: «وقد وقعت له أحاديث هذه الأحكام عالية، فما كان فيها من «الموطأ» فحضره بقراءتي على أبي الحرم محمد بن محمد القلانسي، بإسناده فيه، وأجاز له، وما كان فيها من مسند أحمد فكتب إليه به من الإسكندرية علي بن أحمد ابن محمد بن صالح العرضي» (١). وقد مر في رحلات العراقي، أن ولده أبا زرعة قرأ عليه هذه الأحكام، في عدة مجالس آخرها بمكة في ٢ صفر سنة ٧٧٦ هـ وأجازه بروايتها خاصة، وبما يجوز له وعنه روايته عامة (٢). كما وقفت على إثبات قراءته عليه «سنن أبي داود» وغيره من الكتب الستة. وبهذه الجهود المتنوعة والمتواصلة، هيأ العراقي لولده مختلف الوسائل والإمكانيات التي جعلته يتبوأ مكانة علمية مرموقة في وقت مبكر، وأصبح حافظا معتبرا من حفاظ السنة، وقام في حياة والده وشيوخه بمهماته من الرواية والتدريس، والتصنيف، بجانب مهارته في الفقه والأصول كذلك، وقد قرت عين والده به حين رآه يدرس بعدة أماكن وهو شاب حتى قال: دروس أحمد خير من دروس أبه … وذاك عند أبيه منتهى أربه ورغم أنه لم يعرف عن العراقي السعي لنفسه في منصب، فإنه توجه إلى

стр. 487

صديقه وتلميذه الأبناسي، ليساعده في تحصيل بعض الوظائف لأبي زرعة، وتم له ذلك. تتميمه لرسالة والده وجهوده: ونتيجة لجهد العراقي في تكوين شخصية ابنه العلمية والحديثية بالأخص، فإنه كان بمثابة إمتداد له في حياته، وبعد وفاته، فعندما توجه لقضاء المدينة استنابه في وظائفه العلمية بمصر، فتولاها ما عدا تدريس ومشيخة الحديث بـ «المدرسة الكاملية» فقد تمكن من انتزاعهما منه شيخه سراج الدين ابن الملقن فدفعه حماس الشباب إلى المعارضة، ولما كان شرط المدرسة كما سبق أن يكون مدرسها أعلم أهل القاهرة بالحديث، فإن أبا زرعة احتكم إلى هذا وقال: «يخرج الشيخ حديثا، وأنا أخرجه، لتتميز كفاءة كل منا»، فتوسل ابن الملقن بالسراج البلقيني والبرهان الأبناسي فكفا عنه أبا زرعة، واستقر في باقي وظائف والده، لحين عودته من المدينة، ثم لما توفي والده، أضيفت إليه أيضا وظائفه العلمية، وفي كلتا الحالتين سار في القيام بتلك الوظائف على طريقة والده، ودرس كثيرا من مؤلفاته (١) وزادت بذلك مكانته العلمية ورياسته لملء فراغ والده ما استطاع، ونهوضه بواجباته على خير وجه، تحديثا وتدريسا وتخريجا لعلماء السنة وحفاظها، وكثير ممن تتلمذ لوالده أو أجازه استكمل دراسته عليه، كالحافظ ابن حجر، وتقي الدين بن فهد وغيرهما، وذكر تلميذه ابن فهد أن دروسه كانت من محاسن الدروس، يجري فيها من غير تلعثم ولا تحريف:

стр. 488

وكذلك فإنه أعاد مجلس إملاء الحديث الذي انقطع بموت والده، بعد إحيائه له وأملى أيضا بمكة والمدينة، وقد تفرد بغالب ما أحضره أبوه له من المرويات، وحدث به، وبكثير من مسموعاته، سواء بالحجاز أو بالقاهرة أو بضواحيها، كساقية مكي بالجيزة، وبإمبابة، وبعض مدن «القليوبية» و «منوف» وكان يتولى ضبط أسماء سامعيه بنفسه، لقصور غالب الطلبة في ذلك. أما مؤلفاته التي شملت الفقه وأصوله، وعلوم السنة المختلفة، فمنها ما أكمل به ما بدأه والده، ومنها ما ذيل به عليه، ومنها ما شرح به تأليفه، كما سنوضحه في موضعه، مع مؤلفات والده، وما ليس كذلك منها، فإنه استفاد فيه من والده، وأورد فيه بعض ما تلقاه عنه في دروسه شفاهة (١) أو نقل فيه عن مؤلفاته بالتحديد أو بالإطلاق (٢) كما سنبينه أيضا، ومن مؤلفاته ما اختلط على الباحثين والمؤرخين بمؤلفات والده، وبالعكس، كما سيأتي، ومن تقديره لوالده أنه ألف له ترجمة مفردة، كما قدمنا وسماها: «تحفة الوارد بترجمة الوالد». وقد ذكر المترجمون له ومن شاهده غير مرة، من الصفات والأخلاق والأحوال، ما يشابه فيه والده، من جمال الصورة، ومتانة الدين، والتواضع وعذوبة اللفظ، والضبط، وقلة الكلام فيما لا يعنيه، كما ذكروا أنه كان ضيق العيش، كثير العيال، ومع ذلك كان عفيفا، قانعا، حتى إنه لما عزل قاضي القضاة جلال الدين البلقيني وطلب هو، امتنع، وقال: «صاحب

стр. 489

الولاية أولى مني وهو أحق منا» (١). فلما توفي البلقيني سنة ٨٢٤ هـ تولى المنصب بغير سؤال منه، مع وجود السعاة في تحصيله بدفع الأموال، وقد طلبه السلطان بنفسه مثلما حدث مع والده، ولقد سار فيه سيرة حسنة للغاية، فلما خولف في بعض الأمور عزل نفسه، فاستعطفه السلطان، وأعاده لنزاهته وصلابته في الحق، لكن ذلك ألب عليه أهل الدولة فيما بعد، فعزلوه وولوا مكانه أحد تلاميذه الأقل منه كفاءة، فتألم لذلك وقال: «لو عزلت بغير فلان ما صعب علي،»، ومع هذا حاول اجتياز الأزمة، والعودة إلى رسالته العلمية بالتحديث، والتدريس، والتصنيف، غير أن حياته لم تطل بعد ذلك، فمات مبطونا، على إثر حمى كبدية، وذلك في يوم الخميس ١٧ شعبان سنة ٧٢٦ هـ ودفن بجانب أبيه. عدم مجاملة والده له في العلم وقد لقبه غير واحد بـ «الحافظ» ونقل ابن حجر عن العراقي ترتيب من يخلفه من الحفاظ، فبدأ بابن حجر وثنى بأبي زرعة، وهذا خير دليل على إنصافه، وتجرده في مجال العلم عن العاطفة، ولو على ولده، وعلل ابن حجر ذلك، بأن أبا زرعة تشاغل بفنون غير الحديث، فكانت ممارسته له أقل من ممارسة ابن حجر (٢). أما شمس الدين بن الجزري تلميذ العراقي، فإنه لما علم بوفاة العراقي وهو بسمرقند كما قدمنا في التعريف به، فإنه كتب إليه، معزيا، وواصفا له، بأنه

стр. 490

أفضل من قام بعد أبيه، ومن لا نعلم في هذا الوقت له شبيه، وقال له شعرا: ولي العلم صبرا على فقد والد … رؤوف رحيم للورى خير مؤمل إذا فقد الناس العراقي حافظا … إمام هدى، فأنت لهم ولي ويظهر أنه كان في هذا يعرض بابن حجر، لأنه يقول: «وهو أي أبو زرعة بالديار المصرية، أبقاه الله للإسلام، وفيه أحسن تورية وألطف إبهام (١)»، وذلك لأنه كان بينهما منافسات وانتقادات الأقران (٢). والذي يظهر لي أن حكم العراقي على ولده بأنه يلي ابن حجر، أصوب ويؤيده مقارنة النتاج العلمي الذي بين أيدينا لكل منهما، حيث يتركز تأليف ابن حجر في علوم السنة، بينما يزيد تأليف ولي الدين في الفقه وأصوله، عن تأليفه في علوم السنة. ١١ - ومنهم: «منافس ابن حجر» الحافظ المدرس شهاب الدين الكلوتاتي صهر العراقي (٣): وهو شهاب الدين أحمد بن علي بن عثمان، الكرماني الأصل، القاهري ويعرف بالكلوتاتي، وقد ولد - على المعتمد - في أواخر ذي الحجة سنة ٧٦٢ هـ

стр. 491

وبدأ قراءة الحديث بنفسه سنة ٧٧٩ هـ على الأرجح، واستمر بلا فتور ولا توان، حتى نافس ابن حجر في كثرة مسموعاته، وأخذ علم الحديث عن العراقي وبعض تلاميذه، ومما تلقاه عن العراقي «نكته على كتاب ابن الصلاح»، وقد وقفت على قطعة خطية من نسخته الخاصة، وأثبت بهامش لها سماعه لها على العراقي مع جماعة آخرين، ومقابلتها أيضا على نسخة العراقي (١) وقد توطدت صلة الكلوتاتي بشيخه فتزوج ابنته «جويرية» وامتدت تلمذته النشطة له إلى ما بعد مرحلة العمل الأولى بالقاهرة، حيث قرأ عليه (صحيح البخاري) في مجالس آخرها ١٨ شعبان سنة ٧٩٥ هـ وسمع معه جماعة وأجازهم العراقي معه برواية البخاري عنه (٢) وقد أتيح له نشر ما تحمله عن العراقي، حيث توظف القراءة الحديث بالقصر الأسفل من القلعة، ومما قرأه (صحيح مسلم) واستمر في ذلك عدة سنوات حتى سنة ٨٣٤ هـ، وقال عنه المقريزي، إنه لم يخلف بعده في قراءة الحديث مثله، وظل يقرى الحديث ويسمعه لغيره، حتى أواخر حياته، فسمع منه خلائق من أعيان العلماء، كما أن له مؤلفات في الحديث وعلومه، وثبت بمروياته (في مجلدين)، وتوفي في ٤ جمادى الأولى سنة ٨٣٥ هـ ١٢ - ومنهم «الإمام العيني» منافس ابن حجر في علم الحديث وقاضي قضاة الحنفية بمصر (٣): وهو بدر الدين محمود بن أحمد بن موسى، الحنفي، العنتابي الحلبي

стр. 492

الأصل، ولد في عنتاب إحدى قرى حلب في ٢٧ رمضان سنة ٧٦٢ هـ فنشأ بها، وبرع في العلوم العربية وغيرها، وناب عن والده في قضاء (عنتاب) وارتحل إلى حلب سنة ٧٨٣ هـ، ثم إلى القاهرة في سنة ٧٨٨ هـ وما كاد يصلها حتى انتظم في طلب الحديث على العراقي، حيث قدمنا قوله: إنه سمع (صحيح البخاري) على العراقي في نفس السنة المذكورة بجامع القلعة ثم سمع عليه أيضا (صحيح مسلم)، وكتاب (الإلمام في أحاديث الأحكام)، الذي كان أول ما تلقاه العراقي من كتب الحديث. ولما كانت بداية تلمذته للعراقي في نفس السنة التي توجه فيها لقضاء المدينة فإنه يكون قد استأنف التلمذة عليه أيضا في مرحلة عمله الثانية بالقاهرة، بعد العودة من المدينة. وقد كانت التلمذة للعراقي لها مكانتها في فكر العيني وثقافته ونتاجه العلمي حتى آخر حياته، بدليل أنه لما ذهب يعود منافسه ابن حجر في مرض موته، كان في مقدمة ما سأله عنه، المرجع الذي يوجد به بيان مرويات العراقي؛ لأنه سمع منه، ويريد الوقوف على مروياته، وهذا يدل على أن العراقي أجازه مع السماع، بجميع مروياته، كما هو معتاد، فإذا وقف على بيان موثق بمرويات العراقي، أمكنه روايتها عنه لطلابه، بموجب إجازته له، وقد ذكر ابن حجر فعلا له مصدرا جامعا لكثير منها وهو (معجم شيوخه) هو، الذي ترجم فيه للعراقي، وذكر من مروياته عنه نحو مائة كتاب، من مختلف كتب السنة، غير مؤلفاته (١) وقد امتدت حياة العيني نحو ٣ سنين بعد ابن حجر،

стр. 493

وحرصه على الوقوف على مرويات شيخه العراقي يشير إلى أنه رجع إلى ما أحاله عليه ابن حجر وهو معجم شيوخه وروى للمترددين عليه هذا العدد الضخم من مرويات العراقي بمقتضى إجازته منه، ولعل مما يشير إلى قيامه بنشر تلك المرويات وغيرها مما استفاده من العراقي أنه رغم توليه المناصب الكبرى بالقاهرة كقضاء القضاة الحنفية وحسبة القاهرة، فإنه تعين لتدريس الحديث بالمدرسة المؤيدية أول ما فتحت، وظل يقوم فيها بالرواية والتدريس حتى آخر حياته، بحيث أخذ عنه الآباء والأبناء والأحفاد، فكان تلاميذه ثلاث طبقات متوالية، ومع إمامة العيني المعروف بها في علوم العربية من نحو وصرف وغيره، فإنه بلغ في العناية بالحديث تدريسا وتأليفا درجة المنافسة لابن حجر أبرز تلاميذ العراقي، بحيث يقول السخاوي إنه لم يعرف بعد ابن حجر من هو أكثر تأليفا منه، وقد تبادل هو وابن حجر الاستفادة العلمية شفاهة وباعتماد كل منهما على مؤلفات الآخر، وكانت بينهما منافسة الأقران التي جعلت كلا منهما ينتقد الآخر، وبلغ الأمر ذروته في قيامهما بتأليف شرحين للبخاري في فترة زمنية واحدة، وسمى ابن حجر كتابه «فتح الباري» وسمى العيني كتابه «عمدة القارئ». وتلاحظ من نفس التسمية الإشارة لانتقاص شرح منافسه، حيث جعل شرحه هو العمدة، كما أنه ينقل في شرحه عن شرح ابن حجر ويتعقبه (١) وانبرى ابن حجر للدفاع في مؤلف خاص سماه «انتقاص الاعتراض»، وعموما فإن كلا الشرحين حافل، وله مميزاته، وإن كانت شهرة «الفتح» أكثر من شهرة «العمدة»، وقد تناولهما غيرنا بالبحث المتخصص (٢). والذي

стр. 494

يهمنا، أن الرجلين مع زعامتهما العلمية في جيلهما وحتى الآن، فإنهما من ثمار غرس العراقي، فقد تتلمذا له واستفادا منه في الرواية والدراية، وسيأتي بيان استفادة ابن حجر منه في شرحه للبخاري وفي غيره، أما العيني فقد وجدت بشرحه ما يدل على استفادته فيه من (تكملة شيخه العراقي لشرح الترمذي) تارة مع التصريح بذلك (١) وتارة لم يصرح بذلك (٢) كذلك ألف العيني في علم الرجال وفي شرح الحديث وغير ذلك عدة مؤلفات أخرى جيدة، وظل كما قدمنا يستفيد ويفيد من تلمذته للعراقي، حتى لقي ربه في ذي الحجة سنة ٨٥٥ هـ بالقاهرة، ودفن بمدرسته المعروفة حاليا بـ (جامع العيني) شمال شرق الجامع الأزهر. ١٣ - ومنهم «شمس الدين البرماوي» شارح البخاري ومدرس الحديث بالقدس ودمشق ومكة (٣): وهو محمد بن عبد الدايم بن موسى العسقلاني الأصل، البرماوي، المصري، ولد في ذي القعدة سنة ٧٦٣ هـ وأخذ العلم عن كبار شيوخه، فأخذ الفقه عن البلقيني والزركشي وابن الملقن وغيرهم. أما الحديث فأخذه عن العراقي ومهر فيه وفي غيره، وبعد استكمال دراسته بالقاهرة قام برسالته العلمية فيها

стр. 495

ثم انتقل إلى دمشق، فدرس بجامعها وبكثير من مدارسها، وكان مما درسه بها «شرح ألفية العراقي في علم الحديث»، وتتلمذ له الفضلاء (١) كما باحث أعلام الشام إذ ذاك، ثم عاد ثانيا لمصر حيث أطبق عليه الطلبة للأخذ عنه، فصار مفيد شامه ومصره، ثم رحل إلى الحجاز، وجاور بمكة فانتفع به أهل الحجاز أيضا، وهناك ألف شرحه للبخاري، وله أيضا، شرح «عمدة الأحكام» في أحاديث الأحكام، ثم عاد من مكة لقاعدة انطلاقه وهي القاهرة، ومنها انتقل إلى «القدس» - السليب الآن - فأحيا به العلم، وسر به المقادسة، ولازموه في دروسة العامة بالمسجد الأقصى، وفي تدريسه المنتظم بالمدرسة الصلاحية وظل يواصل رسالته تلك بالقدس، حتى توفي بها في جمادى الآخرة سنة ٨٣١ هـ، بعد أن نشر علم العراقي، ودرس مؤلفاته الحديثية، عبر رحلة حياته داخل مصر وخارجها. ١٤ - ومنهم: «الشهاب الأشليمي، ناشر السنة بالإسكندرية والفيوم والجيزة» (٢) وهو أحمد بن محمد بن عبد الله الأشليمي ولد سنة ٧٦٥ هـ بإحدى قرى محافظة الغربية، وتحول منها إلى «أشليم» بالغربية أيضا، فحفظ القرآن ثم انتقل إلى القاهرة لطلب العلم، وكان مما درسه علم الحديث على يد الحافظ العراقي وغيره، ثم تنقل في الوظائف فولي مشيخة خانقاه «المحسني» بالإسكندرية، والخانقاه الصلاحية بالفيوم، وخلال إقامته بهذين البلدين قام بأداء ما تحمله من علم الحديث عن العراقي وغيره، فسمع منه الفضلاء، ونشر
следующие страницы →