وبدأ قراءة الحديث بنفسه سنة ٧٧٩ هـ على الأرجح، واستمر بلا فتور ولا توان، حتى نافس ابن حجر في كثرة مسموعاته، وأخذ علم الحديث عن العراقي وبعض تلاميذه، ومما تلقاه عن العراقي «نكته على كتاب ابن الصلاح»، وقد وقفت على قطعة خطية من نسخته الخاصة، وأثبت بهامش لها سماعه لها على العراقي مع جماعة آخرين، ومقابلتها أيضا على نسخة العراقي (١) وقد توطدت صلة الكلوتاتي بشيخه فتزوج ابنته «جويرية» وامتدت تلمذته النشطة له إلى ما بعد مرحلة العمل الأولى بالقاهرة، حيث قرأ عليه (صحيح البخاري) في مجالس آخرها ١٨ شعبان سنة ٧٩٥ هـ وسمع معه جماعة وأجازهم العراقي معه برواية البخاري عنه (٢) وقد أتيح له نشر ما تحمله عن العراقي، حيث توظف القراءة الحديث بالقصر الأسفل من القلعة، ومما قرأه (صحيح مسلم) واستمر في ذلك عدة سنوات حتى سنة ٨٣٤ هـ، وقال عنه المقريزي، إنه لم يخلف بعده في قراءة الحديث مثله، وظل يقرى الحديث ويسمعه لغيره، حتى أواخر حياته، فسمع منه خلائق من أعيان العلماء، كما أن له مؤلفات في الحديث وعلومه، وثبت بمروياته (في مجلدين)، وتوفي في ٤ جمادى الأولى سنة ٨٣٥ هـ
١٢ - ومنهم «الإمام العيني» منافس ابن حجر في علم الحديث وقاضي قضاة الحنفية بمصر (٣):
وهو بدر الدين محمود بن أحمد بن موسى، الحنفي، العنتابي الحلبي
стр. 492
الأصل، ولد في عنتاب إحدى قرى حلب في ٢٧ رمضان سنة ٧٦٢ هـ فنشأ بها، وبرع في العلوم العربية وغيرها، وناب عن والده في قضاء (عنتاب) وارتحل إلى حلب سنة ٧٨٣ هـ، ثم إلى القاهرة في سنة ٧٨٨ هـ وما كاد يصلها حتى انتظم في طلب الحديث على العراقي، حيث قدمنا قوله: إنه سمع (صحيح البخاري) على العراقي في نفس السنة المذكورة بجامع القلعة ثم سمع عليه أيضا (صحيح مسلم)، وكتاب (الإلمام في أحاديث الأحكام)، الذي كان أول ما تلقاه العراقي من كتب الحديث.
ولما كانت بداية تلمذته للعراقي في نفس السنة التي توجه فيها لقضاء المدينة فإنه يكون قد استأنف التلمذة عليه أيضا في مرحلة عمله الثانية بالقاهرة، بعد العودة من المدينة.
وقد كانت التلمذة للعراقي لها مكانتها في فكر العيني وثقافته ونتاجه العلمي حتى آخر حياته، بدليل أنه لما ذهب يعود منافسه ابن حجر في مرض موته، كان في مقدمة ما سأله عنه، المرجع الذي يوجد به بيان مرويات العراقي؛ لأنه سمع منه، ويريد الوقوف على مروياته، وهذا يدل على أن العراقي أجازه مع السماع، بجميع مروياته، كما هو معتاد، فإذا وقف على بيان موثق بمرويات العراقي، أمكنه روايتها عنه لطلابه، بموجب إجازته له، وقد ذكر ابن حجر فعلا له مصدرا جامعا لكثير منها وهو (معجم شيوخه) هو، الذي ترجم فيه للعراقي، وذكر من مروياته عنه نحو مائة كتاب، من مختلف كتب السنة، غير مؤلفاته (١) وقد امتدت حياة العيني نحو ٣ سنين بعد ابن حجر،
стр. 493
وحرصه على الوقوف على مرويات شيخه العراقي يشير إلى أنه رجع إلى ما أحاله عليه ابن حجر وهو معجم شيوخه وروى للمترددين عليه هذا العدد الضخم من مرويات العراقي بمقتضى إجازته منه، ولعل مما يشير إلى قيامه بنشر تلك المرويات وغيرها مما استفاده من العراقي أنه رغم توليه المناصب الكبرى بالقاهرة كقضاء القضاة الحنفية وحسبة القاهرة، فإنه تعين لتدريس الحديث بالمدرسة المؤيدية أول ما فتحت، وظل يقوم فيها بالرواية والتدريس حتى آخر حياته، بحيث أخذ عنه الآباء والأبناء والأحفاد، فكان تلاميذه ثلاث طبقات متوالية، ومع إمامة العيني المعروف بها في علوم العربية من نحو وصرف وغيره، فإنه بلغ في العناية بالحديث تدريسا وتأليفا درجة المنافسة لابن حجر أبرز تلاميذ العراقي، بحيث يقول السخاوي إنه لم يعرف بعد ابن حجر من هو أكثر تأليفا منه، وقد تبادل هو وابن حجر الاستفادة العلمية شفاهة وباعتماد كل منهما على مؤلفات الآخر، وكانت بينهما منافسة الأقران التي جعلت كلا منهما ينتقد الآخر، وبلغ الأمر ذروته في قيامهما بتأليف شرحين للبخاري في فترة زمنية واحدة، وسمى ابن حجر كتابه «فتح الباري» وسمى العيني كتابه «عمدة القارئ». وتلاحظ من نفس التسمية الإشارة لانتقاص شرح منافسه، حيث جعل شرحه هو العمدة، كما أنه ينقل في شرحه عن شرح ابن حجر ويتعقبه (١) وانبرى ابن حجر للدفاع في مؤلف خاص سماه «انتقاص الاعتراض»، وعموما فإن كلا الشرحين حافل، وله مميزاته، وإن كانت شهرة «الفتح» أكثر من شهرة «العمدة»، وقد تناولهما غيرنا بالبحث المتخصص (٢). والذي
стр. 494
يهمنا، أن الرجلين مع زعامتهما العلمية في جيلهما وحتى الآن، فإنهما من ثمار غرس العراقي، فقد تتلمذا له واستفادا منه في الرواية والدراية، وسيأتي بيان استفادة ابن حجر منه في شرحه للبخاري وفي غيره، أما العيني فقد وجدت بشرحه ما يدل على استفادته فيه من (تكملة شيخه العراقي لشرح الترمذي) تارة مع التصريح بذلك (١) وتارة لم يصرح بذلك (٢) كذلك ألف العيني في علم الرجال وفي شرح الحديث وغير ذلك عدة مؤلفات أخرى جيدة، وظل كما قدمنا يستفيد ويفيد من تلمذته للعراقي، حتى لقي ربه في ذي الحجة سنة ٨٥٥ هـ بالقاهرة، ودفن بمدرسته المعروفة حاليا بـ (جامع العيني) شمال شرق الجامع الأزهر.
١٣ - ومنهم «شمس الدين البرماوي» شارح البخاري ومدرس الحديث بالقدس ودمشق ومكة (٣):
وهو محمد بن عبد الدايم بن موسى العسقلاني الأصل، البرماوي، المصري، ولد في ذي القعدة سنة ٧٦٣ هـ وأخذ العلم عن كبار شيوخه، فأخذ الفقه عن البلقيني والزركشي وابن الملقن وغيرهم. أما الحديث فأخذه عن العراقي ومهر فيه وفي غيره، وبعد استكمال دراسته بالقاهرة قام برسالته العلمية فيها
стр. 495
ثم انتقل إلى دمشق، فدرس بجامعها وبكثير من مدارسها، وكان مما درسه بها «شرح ألفية العراقي في علم الحديث»، وتتلمذ له الفضلاء (١) كما باحث أعلام الشام إذ ذاك، ثم عاد ثانيا لمصر حيث أطبق عليه الطلبة للأخذ عنه، فصار مفيد شامه ومصره، ثم رحل إلى الحجاز، وجاور بمكة فانتفع به أهل الحجاز أيضا، وهناك ألف شرحه للبخاري، وله أيضا، شرح «عمدة الأحكام» في أحاديث الأحكام، ثم عاد من مكة لقاعدة انطلاقه وهي القاهرة، ومنها انتقل إلى «القدس» - السليب الآن - فأحيا به العلم، وسر به المقادسة، ولازموه في دروسة العامة بالمسجد الأقصى، وفي تدريسه المنتظم بالمدرسة الصلاحية وظل يواصل رسالته تلك بالقدس، حتى توفي بها في جمادى الآخرة سنة ٨٣١ هـ، بعد أن نشر علم العراقي، ودرس مؤلفاته الحديثية، عبر رحلة حياته داخل مصر وخارجها.
١٤ - ومنهم: «الشهاب الأشليمي، ناشر السنة بالإسكندرية والفيوم والجيزة» (٢)
وهو أحمد بن محمد بن عبد الله الأشليمي ولد سنة ٧٦٥ هـ بإحدى قرى محافظة الغربية، وتحول منها إلى «أشليم» بالغربية أيضا، فحفظ القرآن ثم انتقل إلى القاهرة لطلب العلم، وكان مما درسه علم الحديث على يد الحافظ العراقي وغيره، ثم تنقل في الوظائف فولي مشيخة خانقاه «المحسني» بالإسكندرية، والخانقاه الصلاحية بالفيوم، وخلال إقامته بهذين البلدين قام بأداء ما تحمله من علم الحديث عن العراقي وغيره، فسمع منه الفضلاء، ونشر
стр. 496
الحديث هناك، ثم تولى التدريس بالمدرسة الخروبية بالجيزة، فواصل فيها رسالته حتى توفي في المحرم سنة ٨٤٦ هـ.
١٥ - وممن لازمه: «ابن مراوح مدرس الحلة وشيخها» (١):
وهو محمد بن محمد بن أبي بكر الحلبي الشافعي، ويعرف بابن مراوح ولد تقريبا سنة ٧٦٥ هـ بالحلة، ورحل منها إلى القاهرة سنة ٧٨٣ هـ لاستكمال دراسته، فلازم الحافظ العراقي في الحديث، ومما سمعه عليه بحث ألفيته في علم الحديث، وبهذا استفاد خلاصة علم الدراية، كما سمع عليه ألفيته في السيرة النبوية التي تضم موجز علم السيرة أيضا، إلى غير ذلك مما تلقاه عن العراقي بمقتضى الملازمة، فلما تخرج وتضلع في العلوم، عاد إلى الحلة، وأقام حلقة التدريس والرواية بجامعها، حتى صار أستاذ الحلة وشيخها، ولم أقف على تاريخ وفاته.
١٦ - ومن مشاهيرهم: «تقي الدين المقريزي، مؤلف «خطط القاهرة» ومدرس الحديث بها وبغيرها» (٢):
وهو أبو العباس أحمد بن علي بن عبد القادر، المعروف بـ «المقريزي»، أو بابن المقريزي، نسبة لحارة «المقارزة» ببعلبك بالشام، وقد قدم أبوه منها لتولي بعض الوظائف بالقاهرة، فولد بها في سنة ٧٦٦ هـ، وقد أحب الحديث وسمعه من العراقي ومن غيره، ثم قام بروايته وتدريسه، داخل مصر وخارجها، فكان من وظائفه بالقاهرة قراءة الحديث بالمدرسة المؤيدية، ثم
стр. 497
حدث بمكة، وعندما ترك مصر وأقام بالشام، تولى التدريس بعدة مدارس بدمشق، ثم ترك ذلك واعتكف ببلدة «بعلبك»، مشتغلا بعلم التاريخ وصنف فيه عدة مصنفات، أشهرها «خطط القاهرة» المعروفة بخطط المقريزي، والتي يرجع إليها الباحثون حتى الآن، ومع شهرته بالتأليف في علم التاريخ، فإنه لم يغفل علم الحديث الذي أحبه وتلقاه على أستاذ عصره العراقي، وقام بروايته وتدريسه، ولذا ألف في بعض علومه، كعلم السيرة النبوية وغيره، وكانت مصنفاته مما حدث به طلابه بمكة وبالقاهرة وغيرهما - كما أن مؤلفاته التاريخية مثل «الخطط» و «السلوك لمعرفة دول الملوك» و «درر العقود الفريدة» وغيرها، تشتمل على كثير من المعلومات الحديثية وتراجم رجال الحديث المتقدمين والمتأخرين، وبذلك كان ثمرة طيبة لغرس العراقي وانتشرت عن طريقه مروياته وعلومه داخل مصر وخارجها.
وقد ظهر تأثره بالعراقي في ترجمته له في أكثر من مؤلف، وإعرابه عن التقدير البالغ لمكانته الحديثية وآثاره، فيقرر في السلوك: «أنه شيخ الحديث الذي انتهت إليه رياسته» (١) وأما في كتابه «درر العقود الفريدة» فإنه يقول في ختام ترجمته له: «كان للدنيا بهجة، ولمصر به فخر، وللناس أنس، ولهم منه فوائد جمة، ثم حكى عنه إحدى الفوائد» (٢) وبعد هذا النشاط العلمي في السنة وغيرها، لقي ربه في ٢٦ رمضان سنة ٨٤٥ هـ.
د - بقية أعمال العراقي الوظيفية بالقاهرة، بتلك المرحلة وصلتها بالسنة:
بعد أن تبين لنا نهوض العراقي في مرحلة عمله الأولى هذه بالقاهرة، برواية
стр. 498
السنة وتدريس علومها سواء بتوظيفه رسميا لذلك، بالقلعة وبأعلا مدارس السنة، أو خارج نطاق التوظف، وتبين لنا ريادته لمدرسة السنة بمصر وأستاذيته لجيل المشتغلين بها عموما ولصفوة حفاظها ومدرسيها والمؤلفين فيها خصوصا، بعد أن تبين لنا ذلك أقول: إن ممن أرخ العراقي من ذكر توليه عدة وظائف علمية أخرى، إليك بيانها وصلتها بعلوم السنة:
١، ٢، ٣: التصدير والمواعيد والخطابة:
ذكر تلميذ العراقي ابن فهد من وظائف العراقي التي تولاها بالقاهرة بجانب التدريس: «التصدير والمواعيد والخطابة» (١) ولم أجد من ذكر ذلك غيره، كما أنه لم يحدد تاريخا ولا مكانا معينا بالقاهرة تولى العراقي فيه هذه الوظائف، ثم إن بحثي التفصيلي لحركة التوظف بمصر والقاهرة طول حياة العراقي، لم يسفر أيضا عن تحديد لذلك.
والمعروف أن التصدير في عصر العراقي يختلف عن التدريس؛ لأنه عبارة عن مجلس علمي لتثقيف العامة، يشبه المحاضرات العامة في عصرنا، وكان يعقد في مسجد أو مدرسة أو غيرها، من المنشآت الخيرية (٢) ويجلس الشيخ بصدر المجلس، ويلقي على الحاضرين درسا في التفسير، أو الحديث، أو الفقه، أو غير ذلك، دون أن يتقيد في ذلك بمنهج دراسي، أو كتاب مخصوص، كما في التدريس المنتظم؛ ويمكن للحاضرين مناقشة المتصدر للفهم والاستيضاح (٣).
стр. 499
أما الميعاد فهو عبارة عن درس للوعظ، وتوجيه للجمهور إلى أحكام الإسلام الصحيحة، وأخلاقه الحسنة، وأهمه ما تناول فيه الواعظ، أو العالم، أحاديث الترغيب والترهيب، المعروفة بالرقائق؛ (لما تحويه من تهذيب القلب وترقيقه) (١) وسيأتي تأليف العراقي في ذلك، وقد كان لهذه المواعيد في عصر العراقي أهميتها، في توجيه عامة الناس، وتوعيتهم بأمور دينهم، ومحاربة الاعتقادات الفاسدة، والبدع والخرافات، التي كانت منتشرة وغير ذلك، ولهذا كان ينشأ في المدارس والمساجد الكبرى قسم خاص للمواعيد الوعظية، مثل قسم التفسير، والحديث، والفقه، ويعين له شيخ خاص يشرف على انتظام عقد المواعيد، وما يتناوله العلماء والوعاظ فيها، من مسائل العقيدة والعبادة والسلوك ونحو ذلك (٢) وغالبا ما يكون الميعاد أسبوعيا.
ومن هذا يتبين لنا أن التصدير والمواعيد، يمثل كل منها صورة من صور التوعية، والتعليم، والتثقيف العام، الجمهور المسلمين، ويشتمل بصفة أساسية على ذكر الأحاديث النبوية المناسبة لموضوع التصدير، أو الميعاد، وشرحها، وبيان ما تشمله من المعاني، والأحكام، والآداب، والحض العام على التمسك بسنة الرسول ﷺ ، وأصحابه، وتابعيهم بإحسان، بل قد تطلق «المواعيد» في
стр. 500
ذلك العصر على دروس الشرح المنتظم لبعض كتب السنة، وعلى مجالس إسماعها (١) كما كان يحدث تكليف العالم بالتصدير والتدريس في مكان واحد، مع اختلاف الوقت (٢). وعليه فإنه لا يبعد قيام العراقي بذلك بنفس الأماكن التي باشر فيها تدريس السنة وعلومها بصفة منتظمة ومنهجية لطلابها وبذلك شمل عمله في نشر السنة وتعليمها، الخاصة والعامة.
أما الخطابة فلم أقف على صورة تطبيقية لقيامه بها في مصر عموما، إلا في مناسبة الاستسقاء فقط كما سيأتي، ولكنها مناسبة عارضة لا تمثل وظيفة دائمة.
٤ - الفتوى:
ذكر ابن فهد أيضا من وظائف العراقي العلمية: الفتوى، ولكنه لم يحدد زمانا ولا مكانا تعين فيه العراقي بمصر في وظيفة الفتوى، ولم يوقفني البحث أيضا على ذلك، لكني وقفت على ما يدل على أنه منذ مرحلة عمله الأولى هذه بالقاهرة، كان من أعيان العلماء الذين ينتدبهم الحكام للفتوى في القضايا الهامة، وتنعقد بهم مجالسها، فقد ذكر تلميذا العراقي ابن حجر والمقريزي: أنه في سنة ٧٧٤ هـ عقد الأمير (الجاي) مجلسا للعلماء لاستفتائهم في إقامة منبر وتقرير خطيب لإقامة الجمعة بالمدرسة المنصورية بالقاهرة، فأفتاه البلقيني من الشافعية وابن الصائغ من الحنفية وشيخ آخر، بالجواز، أما الباقون وهم الجمهور ومنهم العراقي فخالفوهم وأنكروا ذلك، لقرب المدرسة المذكورة.
стр. 501
من المدرسة الصالحية التي بها خطبه للجمعة، بحيث يرى من المنصورية منبر الصالحية، فانفصل المجلس على ما قاله الجهور. قال ابن حجر: «وصنف البلقيني كتابا في الجواز، وصنف شيخنا الحافظ العراقي كتابا في المنع» (١) وقد كان تعدد الجمعة هذا من القضايا التي شغلت الحكام، والقضاة والعلماء، في مصر والشام، في تلك الآونة، كما سيأتي بيانه في كلامنا عن كتاب العراقي المشار إليه.
ووجدت بجانب ذلك ما يدل على أن العراقي كان أيضا مقصودا من العامة للفتوى، في حكم البدع والعادات الشائعة، حيث يقول في صدر فتواه عن أعمال يوم عاشورء: «وبعد فقد تكرر السؤال من جماعة من العوام، في عدة من الأعوام، عن أكل الدجاج، والحبوب يوم عاشوراء، هل هو مباح أم يحرم عند العلماء؟ فأجبت أنه من جملة المباحات، وإن اقترن بنية صالحة فهو من الطاعات .. » الخ (٢) وتعتبر هذه الفتوى من أهم فتاواه الدالة على مبلغ اجتهاده وإحاطته بالسنة، وتصوير آرائه فيها، كما سيأتي في بحثها، وقد صرح العراقي بأنه كتبها في ٢٧ محرم سنة ٧٧٠ هـ.
٥ - تدريس علمي الفقه وأصوله:
ذكر السخاوي أن العراقي درس للفقهاء بالمدرسة الفاضلية (٣) وبغيرها (٤) ولم يحدد التاريخ الذي باشر فيه تدريس الفقه، في المدرسة المذكورة، كما لم
стр. 502
أجد تحديد ذلك لغيره، بل إن التقي الفاسي تلميذ العراقي ذكر أنه درس الفقه بعدة مدارس، دون إعطاء أي تفصيلات أخرى (١).
لكني وجدت السخاوي ذكر ممن تتلمذ للعراقي في الفقه في المدرسة الفاضلية: محمد بن محمد بن محمود، الشافعي قاضي بلبيس ومفتيها، فذكر أنه ولد بإحدى قرى محافظة الشرقية في ٧٦٦ هـ أو ٧٦٠ هـ كما بخطه، وحفظ بها القرآن الكريم وبعض متون العلوم ثم رحل إلى القاهرة فعرض محفوظاته على الأبناسي وابن الملقن، وتفقه عليهما، كما تفقه على الزين العراقي، وقرأ عليه في «تكملة شرح المهذب» من تأليفه، وذلك بالمدرسة الفاضلية، كما سمع عليه الحديث وغيره، وبرع في الفقه وأصوله وغيرهما، وتولى قضاء بلبيس وغيرها، وعول الناس عليه في الفتوى، وحدث أيضا، فكان مركز إشعاع عام في بلده حتى توفي سنة ٨٥٣ هـ أو ٨٥٤ هـ ولم يخلف هناك مثله (٢).
فقوله: «إنه لما رحل إلى القاهرة عرض محفوظاته (أي أسمعها من حفظه) على الأبناسي وغيره، يفيد أنه انتقل إليها بعد مولده بزمن يسير وبالتالي فإن تفقهه على العراقي وقراءته عليه مؤلفه المذكور بالمدرسة الفاضلية يكون في مرحلة عمله الأولى بالقاهرة حتى ٧٨٨ هـ كما قدمنا، وعليه يكون العراقي قد باشر في هذه المرحلة تدريس الفقه لطلابه بالمدرسة الفاضلية، وإن لم نقف على التاريخ المحدد لبداية توظفه لذلك فيها، بل إن ذكر السخاوي أن الشيخ المذكور قد سمع أيضا على العراقي الحديث وغيره يشير إلى أنه درس بالمدرسة،
стр. 503
بجانب الفقه، الحديث وغيره خاصة ما له صلة وثيقة بالفقه، وهو «أصوله» التي كان العراقي محل إعجاب شيوخه في تحصيله وفهمه، وألف فيه مثلما ألف في الفقه، كما سنذكره في مؤلفاته».
ومن جهة أخرى فإن السخاوي نفسه ذكر أن ولي الدين بن العراقي عندما توجه والده لقضاء المدينة، قام بسد وظائفه باستنابته فيها، لكن وثب عليه شيخه السراج بن الملقن، وانتزع منه دار الحديث الكاملية خاصة (١) وتبعه على ذلك الشوكاني (٢) فقوله: «قام بسد وظائف والده ما عدا دار الحديث»، يفيد أن العراقي كان موظفا بأكثر من وظيفتي دار الحديث، والقلعة، السابق ذكرهما، كما أن السخاوي ذكر قيام ولي الدين بن العراقي بتدريس الفقه بالفاضلية (٣)، وهذا يثبت تولي والده لذلك وإنابته عنه خلال عمل الوالد بالمدينة كما ذكرنا.
ثم إنا قدمنا أن ولي الدين، تدرب بوالده بجانب الحديث، في الفقه والأصول ودرسهما في وقت مبكر، وهذا يشير إلى حضوره دروسا كثيرة في كليهما لوالده، قبل تحوله للمدينة بفترة غير قصيرة، بل إني وجدت تصدي العراقي لإفادة علم الفقه، أسبق من تصديه لإفادة الحديث، حيث ذكر السخاوي أن زين الدين أبا بكر بن الحسن المراغي محدث المدينة وقاضيها، والمولود بالقاهرة سنة ٧٢٧ هـ، قد عرض على الزين العراقي مواضع من «منهاج
стр. 504
الطالبين» في الفقه، للنووي، وأجازه بسائره (١) والمعروف أن عرض المحفوظات يكون في بداية الطلب، وقد بكر المراغي في الطلب، بحيث كان أول سماعه للحديث سنة ٧٣٢ هـ.
وهذا كله يفيدنا أن العراقي كما قام برسالته في مجال تخصصه بالسنة من خلال بعض الوظائف وخارجها، فإنه أيضا قام برسالته في إفادة العلوم التي أجادها، كالفقه، وأصوله، من خلال بعض الوظائف الرسمية وخارجها، ولا يخفى أن اشتغاله بالفقه وأصوله، يعتبر مجالا تطبيقيا لعلوم السنة التي هي ثاني أدلة الفقه بعد القرآن، كما أن من مباحث مصطلح الحديث ما هو مشترك مع مباحث علم أصول الفقه، كما سنبينه في مؤلفاته الأصولية. ثم إن تدريسه للفقه وأصوله بالمدرسة الفاضلية يدل على مكانته العلمية فيهما، وعلى ورعه حيث كانت تلك المدرسة من أعظم مدارس القاهرة وأجلها كما يقول المقريزي تلميذ العراقي (٢).
وذكر العراقي نفسه أنه كان يشترط في مدرسها بجانب الكفاءة العلمية،
стр. 505
الورع، وذكر ممن وليها قبله: الشيخ جمال الدين الإسنوي، أستاذه في الفقه والأصول كما قدمنا (١).
ثانيا: هل تولى العراقي وظائف مشيخة الحديث والتدريس والإفتاء بالشام؟
نقل ابن قاضي شهبة عن شهاب الدين بن حجي مؤرخ الشام في عصر العراقي، أنه ولي مشيخة الحديث بمدينة (حلب) لمدة سنة بعد توليها بالقاهرة بعدة مواضع (٢)، وهذا ما جعلني أضع هذه النقطة هنا، تبعا للتسلسل التاريخي، مع أنه كان من الممكن تناول ذلك ضمن مبحث رحلات العراقي الشامية السابق ذكرها.
وذكر ابن فهد أيضا من الأماكن التي أفتى فيها العراقي، وحدث كثيرا «بالشام (٣)»، وذكر نحوه الدكتور حسين حبشي من أساتذة التاريخ المعاصرين حيث ذكر من الأماكن التي ولي العراقي فيها الإفتاء والتدريس دمشق (٤) لكن راجعت حركة توظف العراقي طول حياته فلم أجد ما يطابق ما ذكره هؤلاء جميعا، وعندما نرجع لواقع نشاط العراقي خلال رحلاته الشامية لا نجد إلا مرات متفرقة، تبادل العراقي فيها التحديث والإسماع والإفادة، مع بعض شيوخه ورفاقه في الطلب، كما أسلفنا، وهذه المتفرقات لا تمثل وظيفة رسمية، ولا نشاطا يوصف بالكثرة.
стр. 506
ثم إن ولي الدين بن العراقي وهو ملازمه الأول، قد قطع، كما مر، بأن آخر رحلات والده للشام كانت سنة ٧٦٨ هـ وبعد ٧٦٩ هـ تولى العراقي لأول مرة، مشيخة الحديث بالقاهرة، واستمر حتى انتقل للعمل بالمدينة سنة ٧٨٨ هـ كما أشرنا من قبل، وهذا يدفع ما نقل عن ابن حجي أن العراقي تولى مشيخة الحديث بحلب، بعد توليه لها بعدة مواضع بالقاهرة، بل إن ابن قاضي شهبة الذي نقل عنه ذلك في طبقاته، كما تقدم، نقل سياق عبارته نفسها مرة أخرى في كتابه «الأعلام» خالية من ذكر تولي العراقي مشيخة الحديث بحلب (١)، فلعله تأكد له عدم وجودها في كلام ابن حجي، وسيأتي أن العراقي لما عاد من المدينة إلى القاهرة، لم يتحول عنها حتى توفي.
وبهذا يندفع قول ابن فهد وغيره: إن العراقي تولى الإفتاء أو التدريس، أو التحديث الكثير، بدمشق أو الشام عموما، على أن إفادته لطلاب السنة ومحدثيها الشاميين، قد تحققت عن طريق مؤلفاته، وارتحال بعض تلاميذه للتدريس والتحديث، بالشام. وعن طريق رحلات الشاميين إليه، وملازمة كثير منهم لدروسه ومجالس روايته وإملائه، وتخرج أعيانهم به كما تقدم في نماذج تلاميذه بمرحلة عمله الأولى بالقاهرة، وكما سيأتي في مرحلة عمله بالمدينة وعمله بعدها بالقاهرة.
ثالثا: مرحلة عمل العراقي بالمدينة المنورة ونتائجها:
بدأت هذه المرحلة في سنة ٧٨٨ هـ وانتهت في ٧٩١ هـ واستغرقت ثلاث سنين تقريبا، وقد نهض العراقي فيها بالأعمال الآتية:
стр. 507
أ - رئاسة القضاة بالمدينة وصلته بالحكام:
وهذه هي الوظيفة الأصلية التي حولت نشاط العراقي كلية إلى تلك المدينة المشرفة بوجود ثاني الحرمين، ووجود بقعة من أشرف بقاع الأرض، حيث مثوى خير الخلق ﷺ ، وقد اتفق مؤرخو العراقي على توليه قضاء المدينة، ومنهم من لم يحدد وقته (١) وحدده كثير منهم بسنة ٧٨٨ هـ (٢) وقد حدده السخاوي والشوكاني التولية في ١٢ جمادى الأولى من السنة المذكورة (٣)، ويظهر أن هذا هو تاريخ صدور قرار تعيينه من السلطان بالقاهرة، وإلباسه خلعة القضاء، حسب المعتاد (٤)، أما مباشرته للمنصب فتأخرت عن ذلك عدة أشهر، حيث يذكر تقي الدين الفاسي تلميذ العراقي ومؤرخ الحرمين، أن شيخه اتجه أولا إلى مكة وأدى شعائر الحج، ثم قصد المدينة وباشر مهام منصبه (٥) وهذا يدل على عدم تهافت العراقي على ذلك المنصب المرموق وإلا لأسرع أولا لتثبيت قدمه فيه ثم اتجه إلى الحج، خاصة وأنه كان في الوقت
стр. 508
متسع قبل حلول الحج، وفي عصره كان التهافت موجودا بصفة عامة على منصب القضاء فضلا عن قضاء المدينة خصوصا كما سيأتي. لكن العراقي كما قدمنا في الجانب الخلقي من شخصيته كان أنموذجا لما ينبغي أن يكون عليه العالم من الترفع عن الشبهات عملا بعلمه، وليكون قدوة لغيره، ويؤكد ترفعه وعدم تهافته أن هذا المنصب هو الذي سعى إليه ابتداء وعلى يد السلطان نفسه في ذلك الوقت، ولم يسع هو إليه، رغم كفاءته وضيق عيشه، وفي ذلك يقول ابن حجر عنه: «وولي قضاء المدينة الشريفة عدة سنين بدخول السلطان «برقوق» (١) عليه في ذلك لكثرة مجاورته بالحرمين (٢)، ولا شك أن كثرة مجاورة العراقي بالحرمين لم تكن، كما يبدو، هي المسوغ الوحيد لتقليده هذا المنصب الخطير، وإنما هي سبب مرجح، بعد تحقق كفاءته علما وخلقا كما مر تفصيله، وإلا فقد كان هناك مئات المجاورين غيره بالحرمين من العلماء المعروفين، كما يعرف ذلك من مصادر تراجم علماء عصره، وتولى العراقي منصب القضاء على هذا النحو، يعد من مفاخره، ويوضح صلته بحكام عصره، ومكانته عندهم، فهو موالي لهم بالحق، متعاون معهم فيما يقدر عليه من الخير، دون تزلف أو تملق، وهم يقدرون علمه وخلقه، فيسعى السلطان الأكبر إليه حيث يقيم بالقاهرة، ويطلب إليه تقلد منصب القضاء بالمدينة المنورة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، ومن قبل ذلك، كان هو
стр. 509
المرشح الأول لقراءة الحديث ودرسه بمجلس السلطان السابق علي السلطان «برقوق» كما تقدم، وكما قيل العراقي الوظيفة الأولى، قبل هذا المنصب بكل كرامة واعتزاز وكفاءة، بالإضافة إلى أنها في مكان محبب إليه، وهو بطبعه كان كثير الإقامة به، والتعرف على أهله، والتردد عليه، رغم مشقات الرحلة، تقربا إلى الله ورسوله، بدون وظيفة رسمية، وأعد العراقي نفسه للسفر والإقامة هناك، فأناب ولده أبا زرعة، عن كفاءة، في مناصبه التي كان يباشرها بالقاهرة، من تحديث، وتدريس، كما أشرنا، وغادر القاهرة إلى مكة، حيث أدى شعائر الحج كما ذكرنا، ثم اتجه إلى المدينة، فباشر مهام منصبه الجديد وبدأ به مرحلة جديدة من نشاطه العملي والعلمي.
ويذكر ابن الفرات معاصر العراقي، أن الذي تولاه بالمدينة هو منصب «قاضي القضاة» (١).
وكذا لقبه بهذا صاحب «إتحاف الرواة بمسلسل القضاة» (٢) أي أنه كان رئيس قضاة المدينة، وليس مجرد قاض عادي، ومنصب قاضي القضاة، كان أرفع مناصب العلماء في ذلك العصر، حتى كان شاغله يلقب بـ «شيخ الإسلام» باعتبار رئاسته لهيئة التشريع الإسلامي في محل ولايته (٣)، وقد لقب به العراقي من غير واحد كما سيأتي. ولعل مما يرجح هذا أني لم أقف على أي واقعة لجلساته للقضاء كما هو معتاد، وإن كان هذا لا يقطع بعدم فصله خلال ولايته في بعض القضايا، خاصة ما لا يرتضي أصحابها حكم.
стр. 510
القاضي العادي، كما هو معروف في نظام القضاء حتى الآن، كما أني لم أقف على أي مطعن في سيرته في هذا المنصب الحساس، ومع هذا فإن بقاءه فيه لم يطل حيث ذكر مؤرخوه أنه عزل في ١٣ شوال ٧٩١ هـ ثم عاد إلى القاهرة، وتولى بدله الشيخ شمس الدين أحمد السلاوي الدمشقي وكان قاضي (غزة) قبل تولي قضاء المدينة (١)، ولم أجد من تعرض لسبب عزل العراقي، غير ابن الفرات حيث قال بعد ذكر عزله وتولي السلاوي بدله: «وكان الشيخ ابن فرحون سعى أن يكون قاضيا بالمدينة الشريفة، فلم يتم له أمر، وقيل أنه ولي وعزل» (٢). وهذا يشير إلى أن ابن فرحون هذا وإن لم يتحقق له مبتغاه، لكنه سعى لانتزاع المنصب من العراقي، بطريقة أو بأخرى، مما كان معتادا حينذاك، من الجاه أو الرشوة أو الوقيعة (٣) وأي من تلك الوسائل كانت كفيلة بإزاحة صاحب المنصب، مهما كانت كفاءته ونزاهته، هذا بالإضافة إلى أن السلطان «برقوق» الذي سعى بالمنصب إلى العراقي كما ذكرنا، قد عزل ونفي خارج مصر في نفس سنة عزل العراقي (٤)، ولم يعد
стр. 511
للسلطة إلا بعد ذلك بأكثر من سنة. وفي فترة عزله تولى الملك الصالح أمير حاجي ولقب بالمنصور وهو الذي عين السلاوي وخلع عليه خلعة القضاء (١)، وكان معتادا في ذلك العصر أيضا عند عزل الحاكم، أن يعزل من ولاهم ولو كانوا أكفاء (٢)، وعلى أي اعتبار مما ذكرته، يكون العراقي قد عزل بغير مطعن فيه.
ب - إمامته بالمسجد النبوي وإزالته للبدع وإحياء السنن:
قام العراقي أيضا خلال توليه قضاء المدينة بإمامة المسلمين في الصلاة بالمسجد النبوي، وكان هذا العمل معدودا من فروع وظيفة القضاة (٣) حيث كان مقررا أن قاضي المدينة هو الذي يؤم المصلين بمسجد الرسول ﷺ بها، وإنه لشرف رفيع أن يقف العراقي موقف الرسول ﷺ أكثر من مرة في اليوم والليلة، ورغم أن هذه كانت وظيفة فرعية، فإنه قد ظهر له فيها أثر جليل خالد، وبيان ذلك: أن أهل مكة كانوا يصلون التراويح أربع ركعات، ثم يطوفون بالبيت الحرام سبعا، ثم يعاودون الصلاة والطواف، حتى يستكملوا من الصلاة عشرين ركعة ومن الطواف أربعا، وكان أهل المدينة النبوية يستعيضون عن ذلك بصلاة التراويح ٣٦ ركعة، منها ١٦ ركعة عوضا عن مرات الطواف التي يطوفها المكيون في خلال صلاتهم للتراويح ثم يوترون بعدها، ولما كانت هذه بدعة مخالفة للكتاب والسنة، فإن العراقي بحكم إمامته، عمل على إزالتها، واستبدالها بإحياء سنة كانت مهملة، وهي (التهجد) في آخر الليل، واتبع في ذلك طريقة ذكية وحكيمة حتى يضمن عدم فتنة.
стр. 512
المعارضة للمألوف، وحدوث ضرر بذلك، من حيث قصد هو النفع والإصلاح، فاقترح عليهم أن يصلي بهم التراويح ٢٠ ركعة فقط عقب صلاة العشاء، ويوتر بثلاث، ثم ينتظر إلى وقت التهجد من الليل، فيصلي بهم الستة عشرة ركعة الباقية، وبذلك لا ينقص عدد الركعات الذي اعتادوه شيئا، وفي نفس الوقت يقضي على بدعة ضم هذه الركعات إلى التراويح في الأداء، وتحيا بها سنة التهجد، وقد شرح الله صدور أهل المدينة لهذا، فقبلوا اقتراح إمامهم العراقي، ونفذوه معه خلال السنوات الثلاث التي أقامها، ثم كان من الرائع أن يستمر هذا بعد عزل العراقي، حيث يذكر السخاوي المتوفى سنة ٩٠٢ هـ: «أنه قد اقتدي بالعراقي في ذلك الأئمة الذين توالوا على الحرم النبوي من بعده إلى تاريخه» (١) وهذا مما جعله جديرا بقول تلميذه صلاح الدين الأقفهسي في مدحه:
كم سنة أحيا وكم بدعة أفنى … بعزم صادق مستقيم
فاق إياسا في ذكاء، وفي الحلم ابن قيس وله الجود خيم (٢)
ج - خطابته بالمسجد النبوي وإذاعتها للسنة:
كان من وظائف قاضي المدينة أيضا، أن يتولى الخطابة بالمسجد النبوي (٣)، ولهذا فإن العراقي قام بتلك الرسالة خلال مدة قضائه.
ويالها من درجات عليا كان يصعدها كل جمعة، ليقف حيث وقف رسول الله.
стр. 513
ﷺ من أمته، فيعظهم ويوجههم، وينشر على مسامعهم من جديد، ما سبق أن بلغه ﷺ لأسلافهم من وحي الكتاب الكريم، وبيانه بسنته القولية والعملية، ولنا أن نتصور مئات السامعين من أهل المدينة والواردين عليها، لما ضمنه العراقي خطبه من الحكمة والموعظة، وما أذاعه عليهم من سنة الرسول ﷺ ، ولو أنه أو غيره من السامعين اعتنى بتسجيل تلك الخطب خلال سني ولايته، لأوقفنا على رصيد كبير من آرائه ومواقفه، وما أذاعه بين عامة أهل المدينة، من علم الكتاب والسنة، لكني للأسف لم أقف من خطب العراقي عموما إلا على خطبة وعظية واحدة غير محددة المكان أو الزمان، كما سيأتي ذكرها في مؤلفاته، وفيما ألفه في الآداب والترغيب والترهيب خلال تلك المرحلة المدنية ما يكفي أنموذجا لذلك كما سنعرض له.
د - نشاطه في علوم السنة، تحديثا وتدريسا وتأليفا، وإحياؤه سنة إملائها:
لعل مما يلفت النظر، قيام العراقي خلال ولايته قضاء المدينة بنشاط كبير في علوم السنة، دون أن يكون داخلا في الواجبات الأساسية لوظيفته، وهي القضاء والإمامة والخطابة، وهذا يؤكد ما قررناه في صدر مبحث وظائف العراقي، من أنه كان يرى قيامه برسالته الحديثية، وظيفة شرعية يلزمه النهوض بها، سواء وظف لذلك رسميا أم لا، ولهذا فإن العراقي في مرحلة عمله بالمدينة لم يكتف بما تضمنه عمله الوظيفي من إذاعة السنة عبر خطبه، وإحياء ما كان مهملا منها في إمامته، وإنما انتصب بالمسجد النبوي والروضة الشريفة منه، بين قبر الرسول ﷺ ومنبره، وأخذ يحدث بانتظام بمروياته وبمؤلفاته، ودرس أيضا علوم السنة لطلابها من أهل المدينة والواردين عليها. وقد أشار تلميذه التقي الفاسي، مؤرخ الحرمين إلى أن ذلك كان زيادة على مهام منصبه.
стр. 514
حيث قال: «إنه ولي قضاء المدينة النبوية وخطابتها وإمامتها فباشر وظائفه بها وأفاد بها الطلبة وأسمع الحديث» (١).
ويقول السخاوي: «إنه حدث بالحرمين كثيرا، وأملى عشارياته بالمدينة» (٢)، ويلتقي معه في هذا ابن فهد حافظ مكة، وتلميذ العراقي، حيث يقول عنه: «إنه حدث كثيرا بالحرمين» (٣) يعني بمكة، كما قدمنا في رحلاته وبالمدينة كما في هذه المرحلة وما سبقها في رحلاته أيضا. وبالإضافة إلى هذا يقول ابن حجر عنه: «وأملى الأربعين العشارية الإسناد التي خرجها بالمدينة المنورة» (٤)، وذكر نحوه الشوكاني (٥). وقال ابن فهد عنه أيضا: «إنه أملى عشارياته بالمدينة، بين القبر و المنبر، وهي أول أماليه» (٦).
ويعتبر إملاء الحديث، من السنن والوظائف التي يستحب للمحدث القيام بها متى تأهل لذلك وهي من أعلا مراتب الرواية، والسماع فيها أحسن وجوه التحمل وأقواها كما سنفصله في أمالي العراقي بالقاهرة، ويكفينا هنا القول: إن العراقي ألف بالمدينة كتابا تضمن أربعين حديثا عشارية الإسناد مع افتتاحها بالحديث المسلسل بالأولية، وذكر ثلاثة تساعية في آخره كما سيأتي، وأشار في مقدمته إلى انقطاع سنة الإملاء في عصره ثم قال: «وقد كنت آسف
стр. 515
على ذلك أن لو وجدت راغبا في قبول لبذلت، فلما كنت بالمدينة الشريفة رغب إلي جماعة من أهل العلم الواردين إليها في ذلك ليقتفي المملي والمستملي سنة من مضى من قبله، ورغبوا إلى أن يكون ذلك من الأحاديث العالية الإسناد المتصلة بنقلته، فاستخرت الله تعالى في إملاء أربعين حديثا عشارية الإسناد» … الخ (١). ويفهم من هذا أنه كان متأثرا لانقطاع هذه السنة، ويتطلع إلى وجود الراغبين ليحييها، فلما توفروا في مرحلة إقامته هذه بالمدينة، وخاصة من الواردين عليها من بلاد العالم الإسلامي، استجاب لهم وسارع لإحيائها من جديد، قاصدا بذلك أمرين:
أحدهما: تحقيق اقتدائه هو بمن تقدم من أئمة الحديث الذين قاموا بإملائه منذ عصر الرسول ﷺ .
وثانيهما: تحقيق اقتداء طلابه بسلفهم، ممن استملى عن الرسول ﷺ وصحابته وأئمة الحديث من بعدهم، ثم إعطاء العراقي القدوة لمن يستملون عليه، لكي يواصلوا مسيرة إحياء هذه السنة من بعده في مواطنهم التي وردوا منها شرقا وغربا.
ويظهر أن العراقي توقف عن الإملاء بعد الوفاء بما طلبه منه جماعة الواردين، الذين أشار إليهم، ولهذا قال في نهاية الكتاب: «وقد انتهى الغرض بنا فيما سئلنا إملاءه» (٢) وهكذا شهدت المدينة إحياء تلك السنة الهامة على يد العراقي بعد انقطاعها بها كما شهدت مولدها الأول في عصر الرسول ﷺ ، وأعطى
стр. 516
منها القدوة، وإشارة البدء لطلابه من أنحاء العالم الإسلامي ليحيوها في مواطنهم.
وإذا كنا قدمنا أدلة لريادته المدرسة السنة بمصر، فإن هذا العمل يدل على ريادته المدرسة السنة في خارجها، على مستوى عصره، بالإضافة لما سنذكره بعد.
ولم يقتصر نشاط العراقي في مجال السنة على التحديث والإملاء، بل أنجز أيضا عدة مؤلفات في علوم السنة دعت إليها الحاجة، وأوحى إليه بها المقام، وهي تعتبر خير ما يصور أثره العلمي الذي ارتبط بالمدينة في تلك المرحلة. فمن ذلك أنه نظم سيرة الرسول ﷺ في (ألفية) كما سيأتي، وقال بنفسه: «نظمتها وكتبتها بالمدينة الشريفة، وبعضها بالروضة بجوار الحجرة الشريفة» (١). وقرر هذا أيضا تلميذه ابن الهائم في شرحه لها (٢).
كذلك ألف بالمدينة في تلك الرحلة كتاب «محجة القرب في محبة العرب» وقال في نهايته: «أكملت تبييضه يوم الثلاثاء ٢٥ رجب الفرد سنة ٧٩١ هـ بالمدينة الشريفة» (٣).
تنوع تلاميذ العراقي وبعض تلميذاته بالمدينة المنورة:
يعتبر ما وقفت عليه من إثبات تلقي مؤلفاته السابقة عنه بالمدينة المنورة في نفس المرحلة خير بيان لنوعية تلاميذه الذين استفادوا منه علوم السنة رواية
стр. 517
ودراية في هذه المرحلة، ومدى حرصه على نفعهم العلمي، ففي مقدمة كتابه «الأربعين العشارية» يقول: «ورأيت أن أقدم قبل الأربعين إملاء الحديث المسلسل بالأولية وإن لم يكن عشاريا، ليحصل التسلسل لمن أراد السماع من الصبيان والغرباء» (١) وذكر السخاوي أن «صفية ابنة المحدث الشمس أبي جعفر المدنية مولدا، حضرت في الرابعة من عمرها على الحافظ العراقي ألفيته في السيرة النبوية من نظمه، وفاتها بعضها، ثم حدثت بعد ذلك بمروياتها بمكة وغيرها، حتى توفيت بمكة سنة ٨٤٥ هـ» (٢).
أما كتاب «محجة القرب» فإن العراقي في مقدمته يدعو الله تعالى أن ينفع به جامعه وسامعه (٣). وفي نهايته يقول: «سمع علي هذا التأليف المسمى «محجة القرب إلى محبة العرب» بقراءة الشيخ الإمام البارع المحدث تاج الدين محمد بن محمد بن يحيى السندبيسي، من أول الكتاب إلى قوله في الباب ١٥ «فضل عنزة»، ومن هنا إلى آخر الكتاب بقراءة الشيخ الإمام الحافظ نور الدين علي بن أبي بكر بن سليمان الهيثمي: الشيخ الفقيه الفاضل زين الدين خلف بن أبي بكر .. المالكي، والسيد الشريف أبو عبد الله محمد بن قاسم .. البنزرتي، وشمس الدين محمد بن علي بن محمد النشرتي المالكي، وسمع الحافظ نور الدين الهيثمي ما قرأه الشيخ تاج الدين السندبيسي فكمل له وللثلاثة المذكورين قبله، سماع الكتاب.
وسمع الشيخ الإمام محيي الدين محمد بن يحيى التلمساني، جميع
стр. 518
الكتاب خلا المجلسين ١٧، ١٩، وسمع نور الدين علي بن عمر بن خلف الفيومي، من أول الكتاب إلى آخر مجلس ١٧، وسمع الشيخ يحيى بن عمر .. المسعودي المصري، من أول المجلس ١٧ إلى آخر ١٩، وسمع الطالب المشتغل محمد بن عثمان المسوفي، من أول الكتاب إلى آخر المجلس ١٣، ١٨ أيضا، وسمع عبد الرحمن بن يحيى .. التلمساني المتقدم ذكره، من أول المجلس ١٧ إلى آخر ١٩، وسمع أخوه أحمد بن يحيى المجلس ١٨، ١٩، ١٠، ١٣، وسمع الشيخ الفقيه الإمام فخر الدين أبو بكر بن أحمد بن عبد الرحمن بن الشامي المدني، المجلس ١٥ والأخير.
وسمع الحاج أحمد بن محمد بن عبيد السمسار المصري، المجلسين ١٨، ١٩.
وسمع شهاب الدين أحمد بن إبراهيم المرشدي المكي المجلس ١١.
وسمع الشيخ رمضان .. المصري المجلس ١٢، وسمع علي بن محمد بن نجم الشهابي الضرير المجلس ١٣.
وسمع الشريف شهاب الدين أحمد بن محمد الحسيني المؤذن بجامع دمشق، المجلس ١٩ وسمع محمد بن أحمد .. بن القسطلاني المكي، المجلس الأخير.
وصح ذلك في ٢٠ مجلسا آخرها في يوم الأحد ٩ من شعبان المعظم سنة ٧٩١ هـ بالروضة الشريفة، بين القبر والمنبر الشريفين، وأجزت الجميع الجماعة .. أن يرووا عني الكتاب المذكور، وجميع ما يجوز لي وعني روايته، متلفظا لهم بالإجازة، كتبه مؤلفه عبد الرحيم بن الحسين بن عبد الرحمن بن العراقي الشافعي (١)
стр. 519
ومما ذكره السخاوي وما سجله العراقي بنفسه يتضح الآتي:
١ - أنه كان يعقد مجالس تدريسه بانتظام، في المسجد النبوي، أو في الروضة الشريفة منه.
٢ - أنه كان يحضر مجلس إملائه وإسماعه وتدريسه مستويات متعددة منهم الجيل المبتدئ في دراسة السنة، وهم الصبيان الصغار ذكورا وإناثا، سواء من أهل المدينة أو من أبناء الوافدين عليها، ومنهم الطلاب المشتغلون الذين تجاوزوا مرحلة الإبتداء وقطعوا مرحلة في التحصيل، ومنهم العلماء المتخرجون الراغبون في الإستزادة بعلمه من محدثين وحفاظ وفقهاء وأشخاص عاديين محبين لسماع الحديث.
٣ - أنه قد أقبل على دروس العراقي الحديثية أهل المدينة والوافدين عليها من مختلف البقاع الإسلامية شرقا وغربا، كالمصري والمكي والدمشقي والبنزرتي والتلمساني، ومنهم من حرص على إحضار أخيه، أو ابنته في الصغر ليتصل لهم سند الحديث عن طريق العراقي، وأثبت لهم ذلك كتابيا كما ترى، ليعتمدوا عليه في الرواية عند تأهلهم لذلك، والاحتياج إليهم كما تقضي قواعد الأداء.
٤ - أن كل هؤلاء كانوا سفراء عن العراقي في نشر علوم السنة، بعد أن وصل سندهم بها، سواء عن طريق كتابيه «المحجة» و «الأحاديث العشارية» لإيراده فيهما الأحاديث بسنده المتصل منه إلى رسول الله ﷺ وأصحابه، أو عن طريق إجازته لهم بجميع ما يجوز له وعنه روايته، وهو يشمل سائر مروياته، من علوم السنة كما فصلناها قبلا، بالإضافة لسائر
стр. 520
مؤلفاته التي أنجزها، حتى تاريخ الإجازة المذكورة.
ثم إن العراقي أثبت قراءة رفيقه وتلميذه الهيثمي، عليه ألفيته في السيرة في خمسة مجالس بالروضة الشريفة، آخرها في الحادي والعشرين من شوال سنة ٧٩١ هـ (١).
بينما قدمنا أن عزله عن قضاء المدينة وتوابعه كان في ١٣ من الشهر المذكور وهذا يدل على عدم ارتباط نشاطه الحديثي بالوظيفة، وإن كانت هي العامل الرئيسي الذي حول نشاطه العلمي في تلك المرحلة إلى المدينة المنورة، لتشع منها آثاره على العالم الإسلامي كما رأينا.
رابعا: عودة العراقي إلى القاهرة ومرحلة عمله الأخيرة بها ونتائجها:
مع أن العراقي كان معتادا المجاورة بالحرمين، وأداء رسالته الحديثية فيها بدون وظيفة رسمية، إلا أنه لم يطل الإقامة بالمدينة بعد عزله من منصبه، فغادرها حتى يفسح المجال لمن عين بدله، وهو الشيخ السلاوي السابق ذكره، ولكنه لم يعد من المدينة إلى القاهرة رأسا، بل قرر أن يكون وداعه الأخير للحرمين معا، وأن يختم تلك الرحلة بالحج، كما بدأها به، فخرج من المدينة إلى مكة وأدى شعائر الحج، ثم عاد منها إلى القاهرة ليقضي بقية حياته ويواصل رسالته العلمية من جديد، خاصة في مجال السنة (٢)، وعلى هذا يكون قد وصل إلى القاهرة في أوائل سنة ٧٩٢ هـ وأقام بها حتى وفاته في سنة ٨٠٦ هـ كما سيأتي.
стр. 521
ويظهر أن العراقي قد اتخذ لنفسه في هذه الفترة منزلا خاصا بالقاهرة، بعد أن كان قبل سفره إلى المدينة مقيما بالخانقاه «الطغيتمرية» بظاهر القاهرة بالصحراء كما قدمنا، وإلى هذا يشير قول تلميذيه «ابن حجر والعيني» وغيرهما: «أنه بعد عودته من المدينة سكن القاهرة (١)» ثم حدد ابن حجر والسخاوي مكان المنزل حيث ذكرا أنه لما عزم ابن حجر على طلب الحديث في سنة ٧٩٦ هـ اتجه إلى شيخه العراقي بمنزله بجزيرة «الفيل» على شاطئ النيل، وتتلمذ له به، كما سنفصله (٢).
وإذا كان قد ثبت لنا أن العراقي في المرحلتين السابقتين كان رائدا لمدرسة السنة داخل مصر وخارجها، وأستاذا لجيل المحدثين وصفوتهم من بعده، فإن تلاميذ العراقي ومؤرخيه، قد اتفقوا على أن تلك المرحلة الأخيرة، هي أكمل المراحل وأخصبها عطاء حيث كان في قمة نضجه العلمي، واستقر بالقاهرة، دون أسفار، أو رحلات، وتمحضت أوقاته للعطاء العلمي، فلم يكن مشغولا بالتلمذة على غيره، ولو لبعض الوقت كما في مرحلة عمله الأولى بالقاهرة، ولا مشغولا بمسئوليات القضاء، كما في مرحلة عمله السابقة بالمدينة، وفي
стр. 522
هذا يقول تلميذه ابن حجر: «ثم رجع إلى القاهرة واستمر على الاشتغال والنفع حتى توفي ﵀» (١)
ويقول التقي الفاسي تلميذه أيضا: «وتوجه إلى القاهرة، فأقام بها مشتغلا بالتصنيف، والإفادة، والإسماع، حتى مضى لسبيله محمودا» (٢) ونحو هذا ذكر ابن تغري بردي (٣)، وذكر ابن فهد أنه كان مواظبا على العبادة، وعلى الإسماع، والإقراء، والتدريس (٤)، وقال المناوي: إنه عاد إلى القاهرة فولي عدة تداريس (٥).
لكن هذا الإجمال من جانب تلاميذه ومؤرخيه، يحتاج إلى تفصيل تطبيقي يحدد أبعاده، ونتائجه الفعلية في علوم السنة وما يتصل بها، ومن أجل هذا، قمت بمطابقة ما ذكروه على وقائع نشاط العراقي ووظائفه العلمية خلال هذه المرحلة الختامية من حياته، والمتفق على تميزها بخصوبة العطاء العلمي، بمختلف صوره، وإليك بيان ذلك:
أ - إسماع العراقي السنة وتدريس علومها منهجيا، بأعلا مدارس القاهرة وجوامعها، وخانقاتها، ومنازلها:
كان من حق العراقي عند عودته إلى القاهرة، مباشرة وظائفه السابقة للتدريس، والتحديث، والتي أناب ولده أبا زرعة فيها مدة غيابه بالمدينة،
стр. 523
وذلك فيما عدا مدرسة الحديث الكاملية التي انتزعها ابن الملقن كما قدمنا، فظلت بيده حتى وفاته، ثم تولاها العراقي بعده كما سيلي.
وبمقتضى هذا يكون قد استأنف تدريس علوم السنة وروايتها بالقلعة، وجامعها، وتدريس الفقه وأصوله بالمدرسة الفاضلية، كما كان في مرحلة عمله الأولى بالقاهرة، لكني وجدت تعيينه بجانب ذلك لتدريس الحديث بكل من: المدرسة الفاضلية، والظاهرية البيبرسية العتيقة بالقاهرة (١)، وذلك في ثامن المحرم سنة ٧٩٣ هـ، عوضا عن القاضي صدر الدين بن رزين، بعد وفاته في نفس الشهر من السنة المذكورة (٢) ثم لم أجد من أشار لعزله من أيهما حتى وفاته، وبذلك يكون استمر ما يزيد على ١٣ عاما يدرس علوم السنة ويرويها لطلابها بالمدرستين المذكورتين، كما قام أيضا بإملاء - السنة بهما كما سيأتي، مع زيادة تدريس الفقه وأصوله بالمدرسة الفاضلية كما أشرنا. وقد وقفت على ما يفيد مباشرته لتدريس الحديث بالمدرسة الظاهرية واحتفاء
стр. 524
طلابها به، منذ سنة توليه لها، فقد كتب ولده أبو زرعة بخطه قال: «أنشدنا الشيخ شرف الدين عيسى ابن حجاج لنفسه في ٢٦ ربيع الآخر سنة ٧٩٣ هـ بالمدرسة الظاهرية القديمة يخاطب والدي:
يا زين دين الله الذي لا أرتجي … في وقت عسري سواه
أكتب لداء العسر يسرا ففي … دارك يا كنز البرايا دواه (١)
فقول أبي زرعة «أنشدنا» يدل على وجود جماعة من السامعين غيره من تلاميذ والده، الذين تواجدوا في درسه بالظاهرية في التاريخ المذكور، ومدح الشيخ شرف الدين للعراقي بما تقدم، مع إجماع المؤرخين على ضيق ذات يده، يفيد أن ذلك الضيق لم يكن من الشدة بحيث لا يمكنه من نجدة من يحتاجه، كما أنه عرف بإيثار غيره على نفسه، كما قدمنا في أخلاقه، وقد يكون مراد المؤرخين: ضيق عيشه بالنسبة لمن عرف بالثراء الواسع من علماء عصره وأقرانه.
ثم أثبت العراقي على نسخة كتابه «الأربعين حديثا العشارية الإسناد» التي بدأ بها إحياء سنة الإملاء للسنة في المدينة المنورة كما قدمنا، أنه: «قد قرأها عليه الشيخ الفقيه القاضي محمد بن إبراهيم بن أحمد الزبيدي، بالظاهرية، والجماعة سماعا في ٢٨ جمادى الأولى سنة ٧٩٣ هـ (٢)».
كذلك وجدت أن الشيخ نور الدين الرشيدي - من تلاميذ العراقي - قد سأله بدرس الحديث بالمدرسة البيبرسية عمن يستحق أن يخلفه من الحفاظ؟ فأجابه بأن في الشيخ شهاب الدين بن حجر كفاية (٣). وهذا يدل على استمرار
стр. 525
تدريسه للسنة، ومباحثة طلابه معه في قضاياها، إلى أواخر حياته حيث كان هذا السؤال بعد تخرج ابن حجر على يديه، وتقدمه في الفن، وذلك في أواخر حياة العراقي.
أما بالنسبة لتدريس الحديث وروايته بالمدرسة الفاضلية:
فقد وجدت أحد تلاميذه الوافدين من الشام، وهو محمد بن خليل المقري الحلبي الشهير بابن القباقبي، يذكر أنه قرأ ألفية علم الحديث، حفظا من صدره على ناظمها، وسمعها أيضا منه لفظا وبحثا، في شهور سنة ٨٠٣ هـ، وأن القراءة والسماع المذكورين كانا بالمدرسة الفاضلية بدرب الملوخية، وأنه أجازه بقراءتها وإقرائها، وروايتها عنه، ورواية ماله من نظم ونثر، ورواية ما يجوز له وعنه بشرطه المعتبر (١). ولما كانت ألفية العراقي المذكورة قد جمعت خلاصة قواعد علوم السنة ومصطلحاتها، كما ذكرنا من قبل، فإن ما ذكره تلميذه المذكور، يدل على أنها كانت ضمن المنهج الدراسي لطلاب السنة حينذاك بحيث حفظها ثم عرضها على أستاذه العراقي، ثم قام العراقي بتدريسها له ولغيره ممن كانوا يحضرون، وبحث معهم مضامينها. كما أن ما قام به العراقي مع ما ذكره هذا التلميذ أيضا، يعتبر أنموذجا جامعا لما تقضي به قواعد رواية السنة وتدريسها (٢). ولما كان يقوم به مدرسو السنة عموما في ذلك العصر، ولما قام به العراقي خصوصا في دروسه في تلك المدرسة، من أداء علوم السنة ونشرها بمختلف الوجوه المصطلح عليها: من سماع
стр. 526
محفوظات الطلاب، ثم إسماع الأستاذ لهم بنفسه، ثم الشرح والمناقشة فيما يبدونه من آراء، وملاحظات حتى يفهموا مسائل العلم المدروسة ويستوعبوها، ثم إجازة الطالب بأداء ما تلقاه من أستاذه العراقي رواية ودراية، إلى غيره، وإجازته أيضا بباقي مروياته ومؤلفاته المختلفة نظما ونثرا، وبذلك اتصل سند هذا الطالب وأمثاله، بمجمل علوم السنة وتراثها حتى عصر العراقي، وأصبح بموجب إجازة العراقي وتدريسه، خلية عاملة في حقل السنة من بعده. هذا بالإضافة إلى قيام العراقي بإملاء السنة بتلك المدرسة، كما سيأتي وهو خاتمة نشاطه العلمي.
وهناك مدرسة ثالثة ذكر المترجمون أن العراقي درس بها للمحدثين، وهي المدرسة (القراسنقرية) بالقاهرة، دون تحديدهم زمنا لذلك (١) وهذه المدرسة كانت من أحسن مدارس القاهرة، وقد أنشئت قبل مولد العراقي بنحو ٢٥ عاما (٢)، لكن أقدم ما وقفت عليه من مباشرة نشاطه بها هو أحد مجالس إملائه للسنة في يوم الثلاثاء آخر ذي الحجة سنة ٧٩٦ هـ، ثم بعض مجالس في سنة ٧٩٧ هـ كما سيأتي، ثم وقفت على وقائع درس حافل بها في يوم الثلاثاء ١٠ من شعبان سنة ٨٠٢ هـ، حيث قرأ فيه الحافظ ابن حجر على شيخه العراقي من مروياته خمسة مجالس من أمالي الجوهري الحديثية، وهي
стр. 527
مجالس ٣، ٤، ٦، ٧، ١١، وسمع ذلك معه جماعة منهم «أحمد بن محمد بن يوسف العقبي»، وأجازهم العراقي بروايتها عنه بسنده (١)، فقام في هذا برسالة «المسند»، الذي يؤدي لطلابه ما تحمله من المرويات بإسناده عن شيوخه، ليؤدوه بدورهم إلى الآخرين فتنتشر السنة بإسنادها المتصل عبر القرون. وتاريخ هذا المجلس يفيد إمتداد نشاط العراقي بتلك المدرسة إلى أواخر حياته.
أما المدرسة الرابعة، فهي رائدة مدارس السنة بمصر كما قدمنا، وهي «المدرسة الكاملية» فقد وقفت على بعض مجالس إملائه للسنة في ١٩ جمادى الآخرة سنة ٨٠٤ هـ كما سيأتي ذكره، وهذا التاريخ متأخر عن وفاة ابن الملقن الذي كان منتزعا لها في غيبة العراقي بالمدينة، حيث توفي ابن الملقن في ٦ من ربيع الأول سنة ٨٠٤ هـ (٢)، وبذلك يكون العراقي قد عاد ثانية لمشيخة الحديث وتدريسه بها، بعد وفاة ابن الملقن، وبهذا استوفى رسميا جميع صلاحياته التي كان قبل عمله بالمدينة يتمتع بها، وينهض بمهماتها وهي: ريادته لمدرسة السنة بمصر، وأستاذيته الجيل المشتغلين بها، وصفوتهم من بعده.
بل إنه في تلك المرحلة تجاوز نشاطه العمل بتلك المدرسة الرائدة وسابقاتها إلى غيرها، من المواقع، كما أضاف لمواقفه وجهوده الرائدة في مجال السنة جديدا كما سيأتي.
ففي منتصف سنة ٧٩٩ هـ تولى تدريس الحديث بجامع أحمد بن طولون، المعروف إلى الآن بالقاهرة، وذلك بعد سفر مدرسه عماد الدين الكركي إلى
стр. 528
القدس لتولي وظيفة الخطابة به (١)، ويعتبر هذا الجامع من الأماكن الدراسية العظيمة منذ أنشأه أحمد بن طولون سنة ٢٦٥ هـ (٢)، ومع ذكر غير واحد من مترجمي العراقي أنه درس للمحدثين بهذا الجامع (٣)، وتحديد تاريخ تعيينه به كما ذكرنا إلا أني لم أقف على وقائع تطبيقية لعمله به، على نحو ما ذكرته بالنسبة لجامع القلعة ضمن مرحلة عمله الأولى بالقاهرة عموما، وما سأذكره هنا بالنسبة لغيره، وهو (جامع الأقمر) بالقاهرة، حيث وقفت على سماع شهاب الدين البوصيري القاهري، على شيخيه العراقي صحيح البخاري بسنده عن شيخيه: ابن شاهد الجيش، وابن التركماني، وكان ذلك السماع بقراءة شهاب الدين الكلوتاتي، في مجالس، آخرها يوم الأحد ١٨ من شعبان سنة ٧٩٥ هـ بجامع الأقمر بالقاهرة، وتلفظ بإجازة كل المستمعين روايته عنه (٤).
وقدمنا من قبل أن (صحيح البخاري) من أوائل مرويات العراقي عن شيخيه المذكورين، وأن سنده به عن ابن شاهد الجيش يعد من أسانيده العالية وقد ازداد علوا بقدم السماع الذي يبلغ نحو ٤٠ سنة بين تاريخ سماعه له كما أسلفنا، وإسماعه لتلاميذه بالمسجد المذكور في سنة ٧٩٥ هـ.
كما أن كلا من البوصيري والكلوتاتي من تلاميذ العراقي الذين لازموه،
стр. 529
فضلا عمن حضر معهم، وأجيز مثلهم، وقد سبق تعريفنا بالكلوتاتي وبيان أثر العراقي فيه ضمن تلاميذ المرحلة الأولى، وذكرنا أن تلمذته للعراقي قد امتدت إلى هذه الرحلة الأخيرة أيضا، أما (البوصيري) فسيأتي التعريف به ضمن نماذج تلاميذ تلك المرحلة.
ومن كل ذلك يتضح قيام العراقي، بعقد مجالس منتظمة بالمسجد المذكور لإسماع الحديث ومدارسته، كما يتضح أنه كان من ضمن منهجه إسماع (صحيح البخاري) كاملا بسنده العالي الموثق، وتعقيب السماع بالإجازة بالرواية عنه كما تقضي قواعد التحديث (١)، فضلا عن الإيضاح والضبط للمشكل، خلال السماع كما كان معتادا في دروس الحفاظ، ويتضح كذلك توافر مشاهير الطلاب للسنة بدروسه بـ (مسجد الأقمر) وخاصة الملازمين للاستفادة منه.
وامتد نشاط العراقي أيضا في تلك الرحلة إلى أشهر وأعرق مقر للصوفية بمصر، وهو الخانقاه الصلاحية المعروفة بـ «سعيد السعداء» (٢)، فتتلمذ له شيوخها، ونزلاؤها المعروفون - من خلال تراجمهم - بالعلم والصلاح.
فمن شيوخها: صديقه (الأبناسي) كما تقدم في التعريف به، ضمن.
стр. 530
تلاميذ المرحلة الأولى، وقد ذكرنا أيضا إنابته للعراقي في مشيختها.
ومنهم أيضا: أحمد بن محمد بن صلاح الأموي، المعروف بابن السمسار وب «ابن المجمرة» وقد قدمنا ملازمته لتلقي علوم الحديث عن العراقي، ثم إنه صار مدرسا جليلا للحديث بدمشق والقدس (١). ومنهم أيضا نور الدين القاياتي الصوفي، الذي صار عالم عصره وملأت شهرته وتلاميذه الدنيا (٢)، ومن نزلائها حتى سنة ٧٩٧ هـ: زين الدين القمني وقد قرأ على العراقي «نكته» على مقدمة ابن الصلاح سنة ٧٩٦ هـ (٣)، وغير هؤلاء كثيرون، وهذا يدل على إسهامه الجيد في تغذية صوفية عصره بثاني ركائز التعبد الصحيح بعد القرآن الكريم، وهو علم السنة. ثم إن تلميذ العراقي «صلاح الدين الأقفهسي» المولود سنة ٧٦٣ هـ (٤) أثبت بخطه: أن شيخه العراقي أسمع «صحيح البخاري» لطلاب الحديث بمشاركة رفيقه الهيثمي والمسند الكبير «ابن أبي المجد»، وذلك بالخانقاه الصلاحية «سعيد السعداء»، بالقاهرة في ٣٧ مجلسا أولها يوم ١٥ من ربيع الأول وآخرها يوم الإثنين ٢٥ منه سنة ٧٩٩ هـ وتبادل القراءة على العراقي، وزميليه كل من: ولي الدين بن العراقي، وتلميذه الزين عبد الرحمن الفارسكوري (المولود بفارسكور سنة ٧٥٥ هـ) (٥)، وكان ممن حضر المجلس الأخير برهان الدين الحلبي (المعروف بسبط ابن