محفوظات الطلاب، ثم إسماع الأستاذ لهم بنفسه، ثم الشرح والمناقشة فيما يبدونه من آراء، وملاحظات حتى يفهموا مسائل العلم المدروسة ويستوعبوها، ثم إجازة الطالب بأداء ما تلقاه من أستاذه العراقي رواية ودراية، إلى غيره، وإجازته أيضا بباقي مروياته ومؤلفاته المختلفة نظما ونثرا، وبذلك اتصل سند هذا الطالب وأمثاله، بمجمل علوم السنة وتراثها حتى عصر العراقي، وأصبح بموجب إجازة العراقي وتدريسه، خلية عاملة في حقل السنة من بعده. هذا بالإضافة إلى قيام العراقي بإملاء السنة بتلك المدرسة، كما سيأتي وهو خاتمة نشاطه العلمي.
وهناك مدرسة ثالثة ذكر المترجمون أن العراقي درس بها للمحدثين، وهي المدرسة (القراسنقرية) بالقاهرة، دون تحديدهم زمنا لذلك (١) وهذه المدرسة كانت من أحسن مدارس القاهرة، وقد أنشئت قبل مولد العراقي بنحو ٢٥ عاما (٢)، لكن أقدم ما وقفت عليه من مباشرة نشاطه بها هو أحد مجالس إملائه للسنة في يوم الثلاثاء آخر ذي الحجة سنة ٧٩٦ هـ، ثم بعض مجالس في سنة ٧٩٧ هـ كما سيأتي، ثم وقفت على وقائع درس حافل بها في يوم الثلاثاء ١٠ من شعبان سنة ٨٠٢ هـ، حيث قرأ فيه الحافظ ابن حجر على شيخه العراقي من مروياته خمسة مجالس من أمالي الجوهري الحديثية، وهي
стр. 527
مجالس ٣، ٤، ٦، ٧، ١١، وسمع ذلك معه جماعة منهم «أحمد بن محمد بن يوسف العقبي»، وأجازهم العراقي بروايتها عنه بسنده (١)، فقام في هذا برسالة «المسند»، الذي يؤدي لطلابه ما تحمله من المرويات بإسناده عن شيوخه، ليؤدوه بدورهم إلى الآخرين فتنتشر السنة بإسنادها المتصل عبر القرون. وتاريخ هذا المجلس يفيد إمتداد نشاط العراقي بتلك المدرسة إلى أواخر حياته.
أما المدرسة الرابعة، فهي رائدة مدارس السنة بمصر كما قدمنا، وهي «المدرسة الكاملية» فقد وقفت على بعض مجالس إملائه للسنة في ١٩ جمادى الآخرة سنة ٨٠٤ هـ كما سيأتي ذكره، وهذا التاريخ متأخر عن وفاة ابن الملقن الذي كان منتزعا لها في غيبة العراقي بالمدينة، حيث توفي ابن الملقن في ٦ من ربيع الأول سنة ٨٠٤ هـ (٢)، وبذلك يكون العراقي قد عاد ثانية لمشيخة الحديث وتدريسه بها، بعد وفاة ابن الملقن، وبهذا استوفى رسميا جميع صلاحياته التي كان قبل عمله بالمدينة يتمتع بها، وينهض بمهماتها وهي: ريادته لمدرسة السنة بمصر، وأستاذيته الجيل المشتغلين بها، وصفوتهم من بعده.
بل إنه في تلك المرحلة تجاوز نشاطه العمل بتلك المدرسة الرائدة وسابقاتها إلى غيرها، من المواقع، كما أضاف لمواقفه وجهوده الرائدة في مجال السنة جديدا كما سيأتي.
ففي منتصف سنة ٧٩٩ هـ تولى تدريس الحديث بجامع أحمد بن طولون، المعروف إلى الآن بالقاهرة، وذلك بعد سفر مدرسه عماد الدين الكركي إلى
стр. 528
القدس لتولي وظيفة الخطابة به (١)، ويعتبر هذا الجامع من الأماكن الدراسية العظيمة منذ أنشأه أحمد بن طولون سنة ٢٦٥ هـ (٢)، ومع ذكر غير واحد من مترجمي العراقي أنه درس للمحدثين بهذا الجامع (٣)، وتحديد تاريخ تعيينه به كما ذكرنا إلا أني لم أقف على وقائع تطبيقية لعمله به، على نحو ما ذكرته بالنسبة لجامع القلعة ضمن مرحلة عمله الأولى بالقاهرة عموما، وما سأذكره هنا بالنسبة لغيره، وهو (جامع الأقمر) بالقاهرة، حيث وقفت على سماع شهاب الدين البوصيري القاهري، على شيخيه العراقي صحيح البخاري بسنده عن شيخيه: ابن شاهد الجيش، وابن التركماني، وكان ذلك السماع بقراءة شهاب الدين الكلوتاتي، في مجالس، آخرها يوم الأحد ١٨ من شعبان سنة ٧٩٥ هـ بجامع الأقمر بالقاهرة، وتلفظ بإجازة كل المستمعين روايته عنه (٤).
وقدمنا من قبل أن (صحيح البخاري) من أوائل مرويات العراقي عن شيخيه المذكورين، وأن سنده به عن ابن شاهد الجيش يعد من أسانيده العالية وقد ازداد علوا بقدم السماع الذي يبلغ نحو ٤٠ سنة بين تاريخ سماعه له كما أسلفنا، وإسماعه لتلاميذه بالمسجد المذكور في سنة ٧٩٥ هـ.
كما أن كلا من البوصيري والكلوتاتي من تلاميذ العراقي الذين لازموه،
стр. 529
فضلا عمن حضر معهم، وأجيز مثلهم، وقد سبق تعريفنا بالكلوتاتي وبيان أثر العراقي فيه ضمن تلاميذ المرحلة الأولى، وذكرنا أن تلمذته للعراقي قد امتدت إلى هذه الرحلة الأخيرة أيضا، أما (البوصيري) فسيأتي التعريف به ضمن نماذج تلاميذ تلك المرحلة.
ومن كل ذلك يتضح قيام العراقي، بعقد مجالس منتظمة بالمسجد المذكور لإسماع الحديث ومدارسته، كما يتضح أنه كان من ضمن منهجه إسماع (صحيح البخاري) كاملا بسنده العالي الموثق، وتعقيب السماع بالإجازة بالرواية عنه كما تقضي قواعد التحديث (١)، فضلا عن الإيضاح والضبط للمشكل، خلال السماع كما كان معتادا في دروس الحفاظ، ويتضح كذلك توافر مشاهير الطلاب للسنة بدروسه بـ (مسجد الأقمر) وخاصة الملازمين للاستفادة منه.
وامتد نشاط العراقي أيضا في تلك الرحلة إلى أشهر وأعرق مقر للصوفية بمصر، وهو الخانقاه الصلاحية المعروفة بـ «سعيد السعداء» (٢)، فتتلمذ له شيوخها، ونزلاؤها المعروفون - من خلال تراجمهم - بالعلم والصلاح.
فمن شيوخها: صديقه (الأبناسي) كما تقدم في التعريف به، ضمن.
стр. 530
تلاميذ المرحلة الأولى، وقد ذكرنا أيضا إنابته للعراقي في مشيختها.
ومنهم أيضا: أحمد بن محمد بن صلاح الأموي، المعروف بابن السمسار وب «ابن المجمرة» وقد قدمنا ملازمته لتلقي علوم الحديث عن العراقي، ثم إنه صار مدرسا جليلا للحديث بدمشق والقدس (١). ومنهم أيضا نور الدين القاياتي الصوفي، الذي صار عالم عصره وملأت شهرته وتلاميذه الدنيا (٢)، ومن نزلائها حتى سنة ٧٩٧ هـ: زين الدين القمني وقد قرأ على العراقي «نكته» على مقدمة ابن الصلاح سنة ٧٩٦ هـ (٣)، وغير هؤلاء كثيرون، وهذا يدل على إسهامه الجيد في تغذية صوفية عصره بثاني ركائز التعبد الصحيح بعد القرآن الكريم، وهو علم السنة. ثم إن تلميذ العراقي «صلاح الدين الأقفهسي» المولود سنة ٧٦٣ هـ (٤) أثبت بخطه: أن شيخه العراقي أسمع «صحيح البخاري» لطلاب الحديث بمشاركة رفيقه الهيثمي والمسند الكبير «ابن أبي المجد»، وذلك بالخانقاه الصلاحية «سعيد السعداء»، بالقاهرة في ٣٧ مجلسا أولها يوم ١٥ من ربيع الأول وآخرها يوم الإثنين ٢٥ منه سنة ٧٩٩ هـ وتبادل القراءة على العراقي، وزميليه كل من: ولي الدين بن العراقي، وتلميذه الزين عبد الرحمن الفارسكوري (المولود بفارسكور سنة ٧٥٥ هـ) (٥)، وكان ممن حضر المجلس الأخير برهان الدين الحلبي (المعروف بسبط ابن
стр. 531
العجمي، والمولود بحلب سنة ٧٥٣ هـ (١)، ومحمد بن محمد بن عبد السلام المغربي الأصل، الصنهاجي (المولود بمنوف سنة ٧٧٥ هـ) (٢). ومحمد بن محمد بن عبد اللطيف، قاضي سنباط (المولود ٧٨٠ هـ) والأقفهسي، كاتب هذا السماع، وأثبت صحته، وإجازة العراقي وزميليه للسامعين (٣).
ونلاحظ من هذا أن «صحيح البخاري» كان في مقدمة كتب السنة التي يعتنى بتلقيها ودراستها في عصر العراقي، وأنه أسهم في ذلك بعقد مجالس منتظمة، في مختلف أماكن الدراسة، سواء بمفرده، كما مر، أو بمشاركة غيره كما في المثال المذكور، ثم إن هذه المشاركة في الأداء مع غيره من القائمين برواية السنة ونشرها، دليل على حسن صلته بمن يشاركونه في تخصصه وتعاونه معهم، وتقديره لهم، حتى ولو كانوا أقل منه علما ومكانة، وذلك مصداق ما قدمنا في أخلاقه، من التواضع، وسلامة القلب من الحقد والشحناء.
ثم إن عقد مجالسه المنتظمة بالخانقاه الصلاحية، يعد من جوانب نشره لعلوم السنة بين طلابها الوافدين على القاهرة، من داخل مصر وخارجها، حيث كانت تلك الخانقاه مأوى أساسيا للوافدين، ويظهر مصداق ذلك ممن تقدم ذكر حضورهم مجالس البخاري عليه، فمنهم الحلبي، والمغربي، والفارسكوري، والسنباطي، وجميعهم أيضا ممن كثرت تلمذتهم للعراقي في.
стр. 532
غير المجالس المذكورة (١).
كما أنه يظهر من تواريخ ميلادهم التي ذكرتها أنه قد تتلمذ للعراقي طلاب السنة من مختلف الأعمار والمستويات الدراسية والعملية:
فمنهم من هو في شبابه وقمة نشاطه التحصيلي ومنهم المتقدم في التحصيل ويطلب المزيد من حافظ السنة الناضج، ثم إنهم بعد هذا قد صاروا أعلاما للسنة في مواطنهم ومواقعهم داخل مصر وخارجها كما سيأتي في التعريف ببعضهم تفصيلا.
ومع اتساع نشاط العراقي الموزع بين أماكن الدراسة السابقة، فإن شدة الإقبال على الرواية عنه والدراسة عليه، جعلته يفتح منزله الذي اتخذه بجزيرة «الفيل» كما قدمنا، لطلابه، فيغدون عليه ويروحون في وقت فراغه من دروسه الرسمية، ومن اشتغاله بالتأليف، فيفيدون منه، ومن أبرز من تلقى عنه كثيرا من الرواية والدراية بمنزله (الحافظ ابن حجر) كما سيأتي في التعريف به. كما أن هناك ما يدل على أنه كان لا يمتنع عن التحديث والسماع عليه في أي منزل آخر يحل فيه، ولو بطريقة عارضة، فقد توجه مرة إلى منزل تلميذه ابن حجر لتوديعه في أحد أسفاره، فطلب منه تحديث زوجته، وكبرى بناته، بالحديث المسلسل بالأولية، ففعل، ثم تقدم إليه في نفس الزيارة العلامة «ابن خضر»، فعرض عليه من حفظه، كتاب «عمدة الأحكام» في أحاديث الأحكام (٢) وهو نحو ٤٥٠ حديثا (٣)، وهذا يوضح لنا مدى استغراق أوقاته.
стр. 533
حينذاك، في خدمة السنة، حتى خلال حياته العادية واتصالاته بمجتمعه، في المجاملات، وشمول إفادته لطلاب السنة، ذكورا وإناثا، أفرادا وأسرا.
ب - جمعه الناس على دراسة السنة بمجالس الأمراء، وتلمذتهم له وتقرير مشيخته للسنة:
من وظائف العراقي العامة التي مارس تعليم السنة من خلالها، مجالس الأمراء الحديثية، حيث يذكر السخاوي أن أمراء المماليك كان لهم في أواخر القرن الثامن الهجري اعتناء بالعلماء، وخاصة علماء السنة، حتى اتخذ كل أمير عالما بالحديث، ليعقد مجلسا عنده، يسمع الناس فيه الحديث، ويدعوهم لذلك، ويحضر الأمير معهم، ولو بصفة رمزية، فاتفق أن الجلال عبيد الله الأردبيلي .. أحد مشاهير الحنفية، كان يتردد للأمير «نوروز» لإسماع الحديث عنده، فقيل للأمير: «إن شيخ الحديث هو العراقي، فاستدعى به، أي طلبه، فلما حضر، طلب الأردبيلي من الأمير إعفاءه». وقال له: «قد حصل الإستغناء، يعني بوجود العراقي، فقال له الأمير: بل كونا معا، لكن العراقي أحس فيما يبدو بحرج الوضع بالنسبة للأردبيلي، فآثر هو الانقطاع، مع كون الأمير هو الذي طلبه»، ولهذا يقول السخاوي: «والظاهر أن العراقي ترك المجيء، من ثم، أي رعاية لجانب الأردبيلي، وعندما نتأمل طلب الأمير للعراقي بناء على تقرير غيره له بأنه هو شيخ الحديث، ثم تقرير الأردبيلي مع شهرته العلمية، بحصول الإستغناء عنه به، نجد في ذلك اعترافا من العام والخاص، بريادة العراقي المدرسة السنة بمصر، وتقديمه على غيره من مشاهير المشتغلين بها، فضلا عمن دونهم، كما أن انقطاعه رعاية الرفيقه في حمل الرسالة مع اختلاف مذهبهما الفقهي، دليل على أن الإعتراف بكفايته
стр. 534
ومشيخته لم يحمله على الغرور، أو التعالي، أو تجاهل مشاعر ومصالح الآخرين، وستأتي بعض الأمثلة الأخرى المؤكدة لهذا، وفي انقطاعه أيضًا دليل لعدم تهافته على الوظائف، ولو سَعَت هي إليه، وكانت هامة، على أنه لم يغب عن الإسهام في تلك الظاهرة ذات الأهمية في مدارسة السنة بين الخاصة والعامة، حيث يذكر السخاوي أن هناك أميرين آخرين عُرف عقد العراقي عندهما مجالس الحديث المشار إليها، وهما: الأمير «أَيْتَمِش» صاحب المدرسة الأيتمشية التي أقامها بحي «باب الوزير» بالقاهرة، والأمير «يَشْبَك» الناصري الكبير، ثم ذكر مثالًا لبعض مجالسه عند الأمير يَشْبَك فحكى عن تلميذ العراقي (عثمان بن سليمان) المعروف بالمحب بن الأشقر والمولود سنة ٧٧١ هـ، أنه سمع «صحيحي البخاري ومسلم» على شيخه العراقي بمجلس الأمير «يَشْبَك» المذكور، وهذا المثال يوضح عناية العراقي بصحيح «مسلم» رواية وبحثا، بجانب عنايته بصحيح البخاري، كما يوضح نتائج عمل العراقي خلال تلك المجالس في نشر السنة بسندها مع الضبط والشرح لمصادرها، كما هو معتاد عند السماع أو القراءة على الحفاظ ويؤكد ما ذكره ابن الأشقر أنه كان من تلاميذ العراقي الملاصقين والملازمين له في غير هذه المجالس أيضًا (١)، ويُفهم من سماعه الصحيحين على العراقي في هذه المجالس، أنها كانت تضم طلاب السنة المنتظمين، إلى جانب الأمير المعقود عنده المجلس، وعامة الناس المحبين لمعرفة السنة، وبذلك كانت عامة النفع لكل الفئات والمستويات.
وقد حكى ابن الأشقر أيضًا هيئة عقد العراقي لتلك المجالس فقال: «إن
стр. 535
الشيخ لم يكن يجلس للحديث إلا على طهارة، فإذا أحدث، أشار لمن يقرأ عليه بقطع القراءة حتى يتوضأ ويعود للمجلس، ولما كان الأمراء يفرشون أماكنهم الخاصة بالبسط الحريرية الفاخرة، مخالفين بذلك أحكام الدين مع عنايتهم الظاهرة به، فإن العراقي لم يكن يسمح بالمشي على بساط الأمير بدون حائل (١)، وهذا دليل على أن صلته بالأمراء وتوظفه لديهم، لم تجعله يجاملهم على حساب الشرع، والتطبيق العملي لسنة الرسول ﷺ .
ثم إني وقفت على صورة خط العراقي بإثبات سماع الأمير «يلبغا السالمي» من أمراء عصره الكبار، وولده أيضا، لكتابه المعروف بـ «النكت على علوم ابن الصلاح»، وذلك في عدة مجالس، مع بعض تلاميذ العراقي، ومنهم مالك النسخة المثبت بها ذلك، ونص كلامه: «بلغ مالكه الشيخ نور الدين التلواني، قراءة علي والجماعة سماعا: الجناب السيفي «يلبغا السالمي» وولده أبو الحسن محمد، والشيخ جمال الدين عبد الله بن أحمد بن الغرياني، وولده أبو الوفاء إبراهيم، والشيخ شهاب الدين أبو الفضل ابن حجر سماعا كتبه مؤلفه» وعلم بهذا على النسخة في ١٩ موضعا (٢). ولما كان «ابن حجر» من ضمن السامعين كما ترى، فإن هذا يدل على تأخر هذا السماع عن شروعه في طلب الحديث على العراقي في سنة ٧٩٦ هـ كما سيأتي، وبالتالي يكون سماع الأمير المذكور معه هو وولده في هذه المرحلة أيضا، لكن
стр. 536
مكان السماع كما ترى غير محدد، فلعل العراقي عقد بعض مجالس الحديث المشار إليها، عند هذا الأمير أيضا، أو لعله سمع منه بمجالسه بخانقاه «سعيد السعداء» السابق الإشارة إليها، لأن هذا الأمير تولى نظرها خلال سنة ٧٩٧ هـ وفترة بعدها (١). ومن هذا السماع وما قبله، يظهر لنا أن العراقي تتلمذ له في علوم السنة رواية ودراية عدد من أمراء عصره الكبار، وبعض أبنائهم، وفي هذا تقدير رمزي منهم لمكانته العلمية في السنة، كما يلاحظ أن غيرهم من تلاميذه كانوا يحرصون على إحضار أبنائهم أيضا مجالسه، وإثبات سماعهم منه علوم السنة لأدائها عند تأهلهم، وهذا مصداق ما ذكرت في مرحلة عمله الأولى بالقاهرة، من أستاذيته لجيل المحدثين من بعده، طبقة فطبقة.
جـ - تدريسه للفقه وأصوله وغيرهما:
قدمنا في الفقرة (أ) أن العراقي في هذه المرحلة استأنف تدريسه للفقه وأصوله بالمدرسة الفاضلية بعد عودته، وإلغاء نيابة ولده أبي زرعة عنه في ذلك، ويذكر السخاوي أن العراقي درس الفقه لطلابه بالمدرسة الفاضلية وغيرها، لكنه لم يبين متى قام بتدريسه بالفاضلية، ولا عين حتى الأماكن الأخرى (٢). ولم يوقفني البحث على مثال تطبيقي لممارسة العراقي في هذه المرحلة تدريس علم آخر غير السنة، بأي موقع، سواء المدرسة الفاضلية أو غيرها، لكن التقي الفاسي الذي تتلمذ عليه في نفس هذه المرحلة، قرر أنه درس «الفقه» بعدة مدارس (٣)، فلعله شاهده بنفسه، وإن كان لم يحدد المدارس التي درس.
стр. 537
بها؛ تقديرًا لأن اشتغاله بغير السنة من الفقه والأصول وغيرهما كان عملًا جانبيًا، ويؤكد هذا وجود نماذج متعددة للتلمذة عليه خلال تلك المرحلة في الفقه والأصول، وغيرهما من العلوم التي حصلها في دراسته العامة، كما تقدمت، وإن كان المؤرخون لم يعنوا بتحديد أماكن تلك التلمذة.
فمثلًا: عبد الرحمن بن أحمد المعروف بالجلال أبي المعالي القمصي، المولود أول شعبان سنة ٧٩٢ هـ بالقاهرة، وقفت على أنه في سنة ٨٠١ هـ فما بعدها، قد عرض محفوظاته من كتب العلوم المختلفة على شيوخه، ومما عرضه على شيخه العراقي وأجازه به عن شيوخه، الكتب الآتية:
١ - منهاج الوصول إلى علم الأصول، للبيضاوي (في علم الأصول) وأجازه به عن شيخه شمس الدين بن اللبان.
٢ - زوائد منهاج الوصول، للأسنوي (في أصول الفقه) وأجازه به عن مؤلفه.
٣ - منهاج الطالبين، للنووي (في الفقه الشافعي)، وأجازه به عن شيخه أبي عبد الله النعماني.
٤ - الشاطبية، للإمام الشاطبي (في علم القراءات) وأجازه به عن جماعة، منهم البرهان الرشيدي.
٥ - السخاوية، للسخاوي (في علم القراءات أيضًا) وأجازه به عن شيخه عز الدين بن جماعة.
٦ - ألفية ابن مالك (في النحو) وأجازه به عن شيخه «محمد بن إسماعيل
стр. 538
الأنصاري» (١).
وأيضا: أحمد بن عبد الرحمن بن سليمان المعروف بابن حرمي، فقد ولد بالقاهرة سنة ٧٩٢ هـ، وأخذ علم الفقه عن العراقي (٢).
وكذلك: محمد بن محمد بن محمد البكري، ولد في القاهرة سنة ٧٨٥ هـ تقريبا، وعرض كتاب (المنهاج) في سنة ٧٩٠ هـ على جماعة منهم الزين العراقي (٣)، لكن يلاحظ أن هذه السنة كان العراقي ما يزال خارج مصر، على قضاء المدينة المنورة، كما تقدم، فلعل المقصود ولده (الولي العراقي).
ومحمد بن محمد بن أحمد البلبيسي، ولد ببلبيس سنة ٧٧٠ هـ ثم انتقل إلى القاهرة سنة ٧٩٢ هـ، فعرض بعض محفوظاته في شوال من السنة المذكورة، على العراقي، ومنها (المنهاج) للنووي في الفقه، وأجازه بروايته بسنده عن مؤلفه (٤).
فهذه النماذج لتلقي العلوم المذكورة عنه في تلك المرحلة، سواء بطريقة عرض المحفوظات عليه، أو بطريقة التدريس والشرح، تدل صراحة على مشاركته للمختصين بهذه العلوم في إفادة طلابها بمختلف الوجوه، مع إجازتهم بما تحمله من مصادرها عن شيوخه، تطبيقا لمنهج التعليم في ذلك العصر كما أسلفنا. وفي كتب تراجم رجال العصر نماذج أخرى متعددة لمن تلقوا عنه تلك العلوم في هذه المرحلة على النحو المذكور دون تحديد مكان التلقي.
وقد ظهر لي من هذه النماذج عموما، أن أكثر العلوم التي درسها لطلابه غير.
стр. 539
السنة هما الفقه وأصوله وارتباطهما الموضوعي بعلوم السنة معروف، ولعله كان يقوم بتدريسهما في نفس الأماكن والمدارس التي درس بها السنة ولو لم يوظف فيها لذلك، بدليل أن التلاميذ الثلاثة السابق ذكرهم، وأكثر من وقفت على تلمذتهم له في الفقه والأصول غيرهم، وجدتهم أيضا تتلمذوا له في علوم السنة، وبدرجة أكبر سواء في هذه المرحلة، أو في المرحلة الأولى (١). وهذا يدل أيضا على أن إسهامه الجيد في تدريس هذين العلمين، فضلا عن غيرهما، لم يطغ على عنايته بتخصصه الأصلي، وهو علوم السنة، كما يظهر من سابق جهوده وما سيأتي بعد.
د - إحياؤه سنة إملاء الحديث بمصر:
١ - مفهوم الإملاء، وسنيته، وأهميته في الرواية:
الإملاء في الأصل: الكتب عن ظهر قلب، من غير نظر إلى مكتوب (٢)، وفي الاصطلاح طريقة جيدة لأداء الحديث إلى الغير.
وهو من السنن العملية، التي سلكها الرسول ﷺ في تبليغ الدعوة والتشريع، حيث أملى كتبه إلى الملوك، والحكام، لدعوتهم إلى الإسلام، وأملى صلح الحديبية وغيره، وقد اقتدى به الصحابة الكرام فمن بعدهم، ومن ذلك أن وائلة بن الأسقع ﵁ أملى الأحاديث على الناس وكتبوها عنه (٣).
стр. 540
وبهذا صار إملاء العلم، فضلا عن الحديث، سنة متبعة اقتدى فيها العلماء بالرسول ﷺ وبسلفه الصالح (١).
لكن علماء السنة وحفاظها، بحكم اختصاصهم، كانوا أكثر من عني بإملاء السنة واستملائها، وتقعيد القواعد لذلك (٢)، فعدوهما من أعلا مراتب الأداء والتحمل، وأقواها وأحسنها، نظرا لتيقظ الشيخ والطالب خلالهما، أكثر من غيرهما من وجوه التحمل والأداء، كما أنه يعقب الإملاء مقابلة ما كتبه الطالب مع الشيخ، لتصحيحه وتوثيقه (٣) وعدوا الإملاء أيضا من المهمات العلمية التي يستحب للمحدث القيام بها متى توفرت له الدراية الكافية بعلل الحديث واختلاف طرقه ورواياته وغير ذلك من علوم السنة، واستنبطوا من مسلك الرسول ﷺ في التبليغ والتعليم، ومن مسلك الصحابة والأئمة من بعدهم، ضوابط وشروط، شكلية وموضوعية، يتبعها المحدث في هيئة الإملاء ومضمونه، وجعلوها من مباحث علم أصول السنة ومصطلحها، بحيث يلم المحدث بها ويجري في عمله عليها (٤).
ومما يحتاجه المقام هنا من ذلك، أن مجلس الإملاء يعقد مرة واحدة كل أسبوع خشية الملل، وإذا كثر الحاضرون لزم الشيخ تعيين «مشتمل» أو أكثر
стр. 541
للتبليغ عنه منعا للإختلاط، ويختاره من ذوي المعرفة بالحديث، مع الفهم واليقظة، حتى يحسن التبليغ، وعليه أن يلتزم بلفظ المملي، فإذا انعقد المجلس، افتتحه المستملي أو غيره بقراءة بعض الآيات القرآنية، ثم يستنصت المستملي الحاضرين إذا لزم الأمر، ويبسمل، ويحمد الله تعالى، ثم يتجه إلى المملي فيسأله الابتداء في الإملاء داعيا له بالمغفرة أو الرحمة ونحوهما، فيستهل الشيخ كلامه بالحمد لله والصلاة والتسليم على الرسول ﷺ ، ثم يشرع في إملاء ما أعده من الأحاديث لذلك، مكتوبا، أو من الذاكرة، والثاني أدل على تمكن الشيخ وجودة حفظه، ويتأنى في التحديث، بحيث يتمكن الحاضرون من كتابة ما يقول، فإذا فرغ من الإملاء انتظر حتى يراجع الطلاب معه ما كتبوه، لإصلاح أخطاء النسخ وغيرها، وتوثيق مكتوبهم حتى يمكن اعتمادهم عليه فيما بعد.
ولهذا كان الإملاء والاستملاء أكثر تحقيقا من بقية طرق التحمل والأداء. وإذا تصدى المحدث للإملاء دون دراية كافية بعلم الحديث أو كان مشغولا بمهمات أخرى أو ضعيف القوى فعليه الإستعانة بغيره من ذوي المعرفة، ليخرج له الأحاديث التي يريد إملاءها من مصادرها، ويعدها له على الوجه الصحيح.
٢ - انقطاع الإملاء قبل العراقي ثم إحياؤه له:
وقد واظب أئمة الحديث وحفاظه على عقد مجالس الإملاء هذه، جيلا فجيلا، وكونت الأمالي الحديثية جانبا كبيرا من تراث السنة (١) لكن بعد نكبة
стр. 542
العالم الإسلامي باحتياج الصليبيين والتتار، كما قدمنا في حالة العصر، أصاب (مجالس الإملاء) ما أصاب النشاط العلمي عموما من الضعف، كما أشار لذلك ابن الصلاح المتوفى سنة ٦٤٣ هـ (١)، فقلت العناية بعقدها والإقبال عليها، حتى عدت في حكم المنقطعة، إلى أواخر عصر الحافظ العراقي حيث قيضه الله تعالى لإحيائها لأول مرة بالمدينة المنورة بعد سنة ٧٨٨ هـ كما تقدم، وفي تلك الفترة المقاربة قرنا ونصفا، بين التاريخ المذكور وبين وفاة ابن الصلاح، لم يعرف عقد مجالس إملاء الحديث إلا على يد الجهابذة من علماء السنة في فترات متباعدة ولمدة يسيرة، مثل الحافظ المنذري (٢) بمصر، وقد توفي سنة ٧٥٦ هـ، ثم الحافظ المزي (٣) بالشام وقد توفي سنة ٧٤٢ هـ، ثم قرين العراقي (ابن الملقن)، وقد قطع الإملاء بعد مجالس يسيرة لم يوفق فيها كما سيأتي، أما العراقي فإنه بعد افتتاح مجالس الإملاء بالمدينة، استأنف إحياءها بالقاهرة، واستمر قائما بها فوق عشر سنوات متواصلة، حتى لقي ربه، فكانت خاتمة أعماله العلمية (٤)، ولهذا رأى المؤرخون أن مجالس الإملاء فيما بينه وبين ابن الصلاح تعتبر منقطعة، بحسب الحالة الغالبة في عامة بلاد الإسلام.
стр. 543
وسجل التاريخ العلمي للعراقي بإحيائها على النحو المشار إليه، عملا رائدا في عصره، تتوج به ما قدمته من جهوده ومواقفه المشهودة في سبيل إحياء السنة والنهوض بعلومها، كما تأكد به استمرار ريادته المدرسة السنة في عصره إلى آخر حياته (١).
٣ - لماذا لم يشرع العراقي في الإملاء مبكرا؟ وما رأيه في القطاعه ثم إحيائه؟
ثم إن نهوضه بإحياء هذه السنة العلمية في أواخر حياته، لا يعني تراخيه عنها أو عدم كفاءته لها من قبل؛ لأنه قد رشح لها من غير واحد من علماء عصره قبل ذلك بسنين، وكان المانع خارجا عن إرادته. فقد طلب منه ذلك قاضي القضاة الشافعية، تاج الدين ابن السبكي المتوفى سنة ٧٧١ هـ (٢)، وكان طلبه في وقت سابق على تاريخ وفاته المذكور بكثير، وبعد خبرة بالعراقي وبمؤلفاته كما قدمنا في رحلاته الشامية، ومن بعد ابن السبكي طلبه ابن العراقي المحبب عنده وهو «أبو زرعة»، ولكن العراقي اعتذر في المرتين بعدم وجود إقبال من طلاب السنة حينذاك على حضور تلك المجالس والمواظبة عليها (٣). ولم يكن حفزهم عليها بعد طول انقطاع ليتأتى في وقت قصير، فاستمر الحال على هذا، حتى كانت مرحلة عمل العراقي بالمدينة المنورة كما ذكرنا، وهناك تجدد الطلب مرة ثالثة، لكن من جماعة، وأبدوا رغبتهم القوية في التلقي عنه بطريقة «الإملاء»، اقتداء بالسلف الصالح كما مر ذكره، وبذلك زال مانع العراقي السابق،
стр. 544
وانشرح صدره لإحياء هذه السنة فعلا - لأول مرة - في فترة عمله بالمدينة.
وكان توافقا رائعا أن يزول - بتوافر الراغبين، المانع الذي ثبطه فيما مضى؛ فينشرح صدره ويبدأ إحياء سنة الإملاء في نفس المنبع الأصلي لها ولغيرها من السنن النبوية، وهو الروضة الشريفة، فأملى فيها الأربعين حديثا العشارية الإسناد، وتوابعها كما قدمنا وجمعها في كتابه «الأربعين حديثا العشارية الإسناد» كما سيأتي بحثه.
وفي مقدمة هذا الكتاب ذكر أن الرسول ﷺ بلغ ما أمر به حتى مضى لسبيله .. وأمر بتبليغ ما بلغه إلى من لم يبلغه ليدوم اتصال نقله، فبلغ عنه جهابذة النقل، وقاموا بأعباء حمله، ونصحوا لله ورسوله في نشر ذلك، حتى انتشر، فلا يعذر الجاهل على جهله، فكان اتصال هذه الشريعة المطهرة بالأسانيد مما خص الله به هذه الأمة بفضله، ثم قال: «ولقد كانت مجالس الحديث عامرة بأهله، حتى وسد الأمر إلى غير أهله، فانقطعت مجالس الإملاء لتقاعد الهمم عنها، ورغبة الطالبين عن عقد ذلك وحله .. وقد كنت آسف على ذلك أن لو وجدت راغبا في قبول بذلت، فلما كنت بالمدينة الشريفة، رغب إلي جماعة من أهل العلم الواردين إليها في ذلك ليقتفي المملي والمستملي سنة من مضى قبله، ورغبوا إلي أن يكون ذلك من الأحاديث العالية الإسناد، فاستخرت الله تعالى في إملاء أربعين حديثا عشارية الإسناد، فهي أعلا ما يقع اليوم للشيوخ، مع ثقة رجال الإسناد ووصله» (١).
ويعتبر هذا التقديم من العراقي لإفتتاح أماليه مطابقا لما قدمته عن
стр. 545
«الإملاء» وموقفه منه، كما أنه بيان إجمالي لرأيه فيه، فهو يشير إلى أنه نوع من مسلك الرسول ﷺ في تبليغ ونشر ما أمر به من الله ويقرر اقتداء من بعده به، تحملا وأداء حتى انتشرت الشريعة متصلة بالسند إليه ﷺ فكانت تلك خاصية هذه الأمة، ثم يصرح بانقطاع الإملاء قبله، بعد أن كانت مجالسه عامرة، وقد أوضحت من قبل أن مناط الحكم بانقطاع تلك المجالس ملاحظة الأمر الأغلب.
ثم رجع بهذا الإنقطاع إلى أمر أساسي وهو توسيد أمر الاشتغال بالسنة تعلما وتعليما إلى غير أهله ذوي الهمم العالية والرغبات الأكيدة، فكان أن تقاعدت همم المحدثين عن الإملاء لعدم توافر الكفاية العلمية اللازمة لديهم كما رغب الطلاب عن ذلك لعدم وجود الدافع والمشجع.
ثم بين أن تأخره في إحياء سنة الإملاء، مع تكرر الطلب، إلى الأوان الذي بدأ فيه بالمدينة، لم يكن عن رضا منه بانقطاعها، بل كان شديد الأسف لذلك، كما لم يكن عن قصور أو تقصير؛ بل كانت الكفاءة والرغبة متوفرين لديه. ولكنه كان يفتقد الطرف المقابل وهم طلاب السنة الراغبون في المواظبة على تلك المجالس. فلما توافرت جماعة منهم سارع إلى النهوض بذلك في نفس مكان وزمان تواجدهم، ومما يوضح الكفاءة والرغبة الصادقة من جانبه، أنه لم يقترح عليهم ما يمليه، بل أملى عليهم أجود ما رغبوا هم في استملائه من الأحاديث العالية الإسناد.
ولعلنا نتساءل بعد ذلك: لماذا إذن لم يواصل العراقي إحياء سنة الإملاء بالمدينة وتوقف بعد إملاء عدد محدود من الأحاديث؟
стр. 546
ويجيب العراقي عن ذلك في نهاية تلك الأحاديث المملاة بقوله: «وقد انتهى الغرض بنا فيما سئلنا إملاءه» (١).
ويبدو أن جماعة الوافدين على المدينة الذين سوغوا له افتتاح الإملاء بتلك المجالس المعدودة قد آذنوا بالرحيل إلى مواطنهم، ولم تتوافر رغبة من غيرهم فعاد آسفا إلى التوقف لذهاب المسوغ.
وهذا أيضا يمكن أن يفسر لنا عدم شروعه في عقد مجالس «الإملاء» بمصر إثر عودته إليها مباشرة؛ لأنه قرر أن مانعه الوحيد هو عدم توافر الراغبين في المواظبة على مجالس الإملاء، فتأخر إذن حتى توافروا، وبمجرد توافرهم نهض ثانيا لإحياء هذه السنة أطول فترة ممكنة، وعلى الوجه الأكمل ولأول مرة بالقاهرة، بعد انقطاعها حقيقة أو حكما، سواء أكان منها أو من بقية بلاد الإسلام نحو قرن ونصف، كما أوضحنا من قبل، وفي حالة العصر العلمية.
٤ - تصحيح بداية شروعه في الأمالي القاهرية:
اتفق عامة مؤرخي العراقي من تلاميذه وغيرهم على أنه شرع في الإملاء بالقاهرة سنة ٧٩٥ هـ (٢) لكن الحافظ السيوطي حدد ذلك في عدة مؤلفات له بسنة ٧٩٦ هـ (٣) ثم تبعه على هذا غير واحد من بعده (٤) وواقع ما وقفت عليه
стр. 547
من تلك الأمالي يدفع ذلك ويؤيد الرأي الأول.
فقد وقفت على نسخة موثقة لما أملاه العراقي في المجلس ٨٢ من مجالس إملائه بالقاهرة وهو بخط تلميذه «يعقوب» بن أحمد الأطفيحي وفي نهايته ما نصه: «بلغ مقابلة على مؤلفه فصح ولله الحمد» (١).
وقد أرخ إملاء العراقي لهذا المجلس في يوم الثلاثاء ثاني ذي الحجة سنة ٧٩٦ هـ، وقد قدمنا أن من قواعد الإملاء، عقد مجلسه مرة واحدة كل أسبوع، فلو مشينا على قول السيوطي ومن تبعه، بأن ابتداء الإملاء كان في سنة ٧٩٦ هذه، واستمر العراقي فيه أسبوعيا، كان عدد المجالس ٤٧ مجلسا على الأكثر، حتى ثاني ذي الحجة المؤرخ به المجلس السالف ذكره بينما نجد أن ترتيبه ٨٢ كما قدمت، فلا بد إذن أن يكون بدء العراقي في الإملاء متقدما عن سنة ٧٩٦ هـ بنحو ستة أشهر حتى تبلغ المجالس هذا العدد.
ومن جهة أخرى سيأتي أن العراقي بدأ الإملاء بموضوعات متفرقة بحسب المناسبات التي اعتادها الناس، كمولد الرسول ﷺ ويوم عاشوراء ونحوهما.
وقد وقفت على نصوص كاملة وموثقة مما أملاه في المجلسين العاشر والحادي عشر، فوجدتهما متعلقين بمولد الرسول ﷺ كما سيأتي، وهذا يدل على إملائهما في شهر ربيع الأول، فلو كان ابتداء الإملاء سنة ٧٩٦ هـ ومع الاستمرار أسبوعيا، كما هو مقرر، لما بلغ عدد المجالس من ربيع الأول إلى
стр. 548
ثاني ذي الحجة ٨٢ مجلسا، بينما لو مشينا على أن ابتداء الإملاء كان في أول المحرم سنة ٧٩٥ هـ، لوافق ذلك ترتيب المجلسين العاشر والحادي عشر، حيث يكون أملى في المحرم وصفر من سنة ٧٩٥ هـ ثمانية مجالس تقريبا، بواقع مجلس واحد كل أسبوع، كما هو مصطلح عليه، وبذلك يقع المجلسان المذكوران في شهر ربيع الأول فعلا، حيث مولد الرسول ﷺ لكن بمقتضى العدد المذكور من الأمالي وهو ٨٢، حتى ٢ ذي الحجة سنة ٧٩٦ هـ يكون بعد الشروع في بداية ٧٩٥ هـ حصل انقطاع عن الإملاء في بعض الأسابيع خلال تلك السنة وما بعدها من سنة ٧٩٦ هـ.
وبناء على هذا كله أقرر: أن تحديد بدء العراقي في الإملاء في القاهرة، بسنة ٧٩٦ هـ كما ذهب السيوطي ومن تبعه خطأ، وأن الصواب المطابق لواقع الأمالي ابتداؤه في أوائل سنة ٧٩٥ هـ مع انقطاعه بعض الأسابيع خلال ذلك، كما قدمت، وبالله التوفيق
٥ - اشتغاله بالإملاء فوق عشر سنوات حتى أواخر حياته، وعدد أماليه:
وقد اختار العراقي يوم الثلاثاء من كل أسبوع لعقد مجلس الإملاء فيه، بناء على عدم وجود دليل قطعي بتحديد يوم معين للإملاء (١) وبلغ عدد مجالسه تلك بالتحديد ٤١٦ مجلسا (٢). وقرر ابن حجر وغيره أنه قام بإملائها ابتداء من سنة ٧٩٥ هـ كما قدمنا إلى وفاته في سنة ٨٠٦ هـ كما سيأتي (٣).
стр. 549
ويلاحظ أن هذه الفترة تزيد على عشر سنوات، وبالتالي فإن عدد أسابيعها أكثر من عدد المجالس المذكور، وهذا يفيد أن العراقي فوت كثيرا من الأسابيع بدون إملاء، وقد قرر ذلك ابن حجر فعلا فقال: «وعقد مجلس الإملاء في كل ثلاثاء غالبا (١) وتبعه من بعده (٢)». وهناك تفاصيل أخرى تدل على أن عدم الانتظام في عقد تلك المجالس أكثره كان في آخرها بعد المجالس الأربعمائة، فقد ذكر ابن حجر وابن فهد «أنه أملى المجلس ٤٠٨ في شهر ربيع الآخر سنة ٨٠٥ هـ (٣)» واستمر إلى المجلس ٤١٣ فجعل موضوعه الأحاديث المتعلقة بطول العمر، وأنشد في آخره من نظمه قصيدة تزيد على ٢٠ بيتا قال فيها:
بلغت في ذات اليوم من الهرم … تهدم العمر كسيل العرم (٤)
وكان حينئذ قد طعن في الثمانين من عمره، وهي سن الهرم التي كره بعض المحدثين لأصحابها التحديث، لكون الغالب على من يبلغها اختلال الجسم والذاكرة وحصول الضعف، فيخشى أن يبدأ بالمحدث عندئذ التغير والاختلال. ولا يفطن له إلا بعد وقوع بعض الأخطاء العلمية منه، مع تعلقها بالركن الثاني للإسلام وهو السنة النبوية (٥) فكأن العراقي أشار بهذا المجلس صراحة إلى
стр. 550
ختم نشاطه العلمي كلية احتياطا من الوقوع في مثل هذا، خاصة وأنه حينئذ ظهرت عليه متاعب الشيخوخة وصعب عليه التخريج لما يمليه من مصادره المختلفة، فتوقف فعلا عن الإملاء بعد المجلس المذكور، بل احتجب عنه وعن غيره نهائيا في شوال سنة ٨٠٥ هـ (١)، لكن تلاميذه سرعان ما أحسوا بفراغه، ورغبوا في الاستفادة الشفاهية منه بأي وجه مستطاع خاصة وأنه رغم ضعف الشيخوخة بقي متمتعا بقواه العقلية، فلم يختلط ولم يتغير فهمه، مع سلامة حواسه أيضا، وبذلك توافرت له شروط الضبط المعتبرة في رواة السنة وعلمائها، بجانب تقدم السن المحقق لعلو السند. وقد قرر أكثر أئمة الاصطلاح أن من كان هذا شأنه فلا ينبغي له الامتناع تقييدا بالسن، لأن الناس أحوج ما تكون في هذا الوقت لروايته (٢).
لهذا فقد اجتمع ثلاثة من كبار طلبته وهم: ولده أبو زرعة، ورفيقه الهيثمي والحافظ ابن حجر، وقرروا أن يطلبوا إليه إعادة مجلس الإملاء، على الأقل، باعتباره مرة واحدة كل أسبوع، وكان الحافظ ابن حجر قد خرج له من قبل من مروياته ٦٠ حديثا عشرية الإسناد، كما سيأتي تكملة للأربعين التي خرجها هو وأملاها بالمدينة كما ذكرت، فسأله ابن حجر أن يعاود عقد مجلس الإملاء ويعلي من هذه الأحاديث الستين التي هي من مسموعاته العالية مع كونها مخرجة جاهزة على الوجه الصحيح، بعنايته وذلك عن خبرة بالفن وبمرويات شيخه، وما على الشيخ إلا أن يمليها من لفظه بسنده العالي ليتحملها عنه إملاء تلاميذه المتعطشون لذلك.
стр. 551
وزكى للعراقي ذلك ولده أبو زرعة ورفيقه الهيثمي فاستجاب، نظرا لأن قواعد الإملاء أجازت هذا كما قدمنا ذكره. وقرره أيضا ابن كثير شيخ العراقي بالنسبة للرواية عموما عمن تقدمت به السن، احترازا من اختلاطه (١).
وعاد العراقي ثانية لعقد مجلس الإملاء بعد قطعه مدة واحتجابه، فأملى المجلسين ٤١٤، ٤١٥ من الأحاديث الستين المشار إليها (٢).
لكن يظهر أنه لم ير في هذا كبير جدوى بالنسبة لمجالسه السابقة التي اختار بنفسه موضوعاتها، وأعدها وأداها متميزة بميزات خاصة كما سيأتي فتوقف ثانية عن «الإملاء» وعاد للاحتجاب، وعندئذ لم يجد أحد من طلابه مساءا للإلحاح عليه من جديد.
٦ - المجلس الختامي للإملاء وإسهامه به في أحداث عصره:
غير أنه حدث في شهر صفر سنة ٨٠٦ هـ أن توقف النيل (أي هبط مستوى مياهه جدا دفعة واحدة) فشرق غالب البلاد، وبالتالي توقفت المحاصيل الزراعية ووقع الغلاء المفرط في القمح وغيره، فكانت تلك السنة بداية سني المحن، لعامة الديار المصرية، وذعر الناس، وخرجوا مع العلماء والقضاة وشيوخ الخوانق (٣) إلى المساجد والخوانق والخلوات للدعاء والتضرع إلى الله تعالى رجاء تخفيف هذه الشدائد، وعندئذ لم يمنع العراقي كبر سنه واحتجابه،
стр. 552
من الخروج ومشاركة مصر محنتها، بعد أن ولد بها وتربى بين أحضانها، فعقد مجلسا للإملاء، مؤكدا بذلك مواكبته لأحداث عصره وحمله لراية السنة في المواقف الرائدة كعادته، وتجمع عليه طلابه فأملى عليهم دعاء الاستسقاء الوارد في كتب السنة وتضرع معهم بهذا الدعاء إلى الله تعالى أن يفيض ماء النيل الذي هو حياة مصر، ليعود إليها رخاؤها من جديد.
وختم المجلس بقصيدة في نفس المعنى من نظمه، فكان ذلك آخر مجلس أملاه مطلقا، وهو المجلس السادس عشر بعد الأربعمائة، وبه انتهت أماليه (١). قال الحافظ ابن حجر: (وعاش الشيخ بعد ذلك خمسة أشهر وأياما) (٢).
٧ - كيفية إعداد العراقي لأماليه وأدائه لها بجانب غيرها:
كان العراقي بجانب مشاغله العلمية العديدة، تدريسا وتأليفا ومراجعة يعني بالإعداد العلمي الجيد لما يمليه على طلابه، خاصة وأن غالب أماليه كما سيأتي كانت عبارة عن مؤلفات متكاملة، فكان يخرج أحاديثها من مصادرها، ويبحثها متنا وسندا ويدونها بخطه، مع خلاصة بحثه لها، ثم يحفظ ذلك جيدا عن ظهر قلب ثم يمليه من حفظه.
ويذكر ولده أبو زرعة أنه كان ربما لا يشتغل بتخريجها إلا ليلة الثلاثاء، ولا تكتمل إلا صبيحة يوم الثلاثاء، فيكون زمن اشتغاله بحفظها لحظة لطيفة من أول النهار قبل الإملاء (٣).
стр. 553
فإذا علمنا أنه كان يملي الأحاديث بأسانيدها المتصلة منه إلى الرسول ﷺ بالإضافة لخلاصة بحثها سندا ومتنا، أدركنا مدى تمكنه العلمي، وتمتعه رغم تقدم السن، بما قدمنا عنه من سرعة الحافظة والضبط وجودة الذهن، حتى يرى السخاوي أن تمكنه من الإعداد العلمي والحفظ في تلك الفترة اليسيرة ولو في بعض الأحيان، ليس إلا إعانة من الله تعالى وتأييدا له (١).
ويقرر ابن حجر أن العراقي التزم هذا الإعداد الجيد والإملاء من الحفظ في كل أماليه، فيقول: «وكان الشيخ يمليها من حفظه، متقنة محررة مهذبة كثيرة الفوائد الحديثية» (٢).
وقد قدمنا أن الإملاء من الحفظ أدل على تمكن المملي من علمه وأرفع مكانة له. وتبعا لما قدمنا من الإصطلاح على ما يفتتح به مجلس الإملاء، فإن العراقي اعتاد افتتاح مجلس إملائه بقراءة قارئ لسورة (الأعلى) وقد أبدى الحافظ ابن حجر وجود مناسبة لطيفة بينها وبين الإملاء؛ لاشتمالها على قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنسَى﴾ (٣)، وقوله: ﴿فَذَكِّرْ﴾ (٤)، وقوله: ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ (٥).
٨ - إقبال طلاب السنة على مجالس إملاء العراقي ونشرها
قدمنا أنه يلزم المملي إذا كثر الحاضرون عنده أن يتخذ مستمليا يبلغ عنه وقد ذكر ابن حجر أن العراقي عين ولده أبا زرعة للإستملاء عليه، فإذا غاب
стр. 554
استملى عليه ابن حجر، فإذا غاب قام الفخر عثمان بن إبراهيم البرماوي بذلك (١).
وأضاف السخاوي أنه استملى على العراقي أحيانا البرهان الحلبي (٢) المعروف بسبط ابن العجمي، وهذا يدلنا على أنه كان هناك إقبال كبير من طلاب السنة على حضور مجالس إملاء العراقي هذه، بحيث لم يستطع إيصال صوته بوضوح إلى آخرهم فاستعان بولده وبغيره من تلاميذه الملازمين ذوي الخبرة والفهم للتبليغ عنه، كما نلاحظ أن من المستملين من كان من خارج الديار المصرية، وهو البرهان الحلبي، من علماء الشام المعروفين. وعندما نرجع إلى المصادر التي ترجمت لعلماء هذه الفترة نجد مصداق ذلك، حيث عني المؤرخون بذكر كثير من تلاميذ العراقي الذين حضروا تلك المجالس وواظبوا على تحملها عنه وملازمته فيها وكتابة كثير منها أو جميعها، رغم كثرتها وطول مدتها، وقد كان عقد مجالسها على امتداد أكثر من عشر سنوات، مما ساعد أيضا على كثرة المترددين عليها وانتشارها، سواء بين أبناء عامة الديار المصرية أو الوافدين عليها من الشرق والغرب، وكثير من هؤلاء تتلمذ للعراقي أيضا في بقية علوم السنة، ثم صاروا محدثين ومدرسين للسنة داخل مصر وخارجها ومؤلفين فيها، فنشروا ما تحملوه وكتبوه من تلك الأمالي بروايته لغيرهم واستفادوا منه في مؤلفاتهم، وتناقلوه في مجاميعهم المختارة من النصوص والمرويات (٣)
стр. 555
حتى أن كثيرا من النصوص والمجالس الكاملة من تلك الأمالي قد وقفت عليها متفرقة في مؤلفات غير العراقي من تلاميذه، ومن بعدهم كما سيأتي ومن أمثلة تلاميذه المشار إليهم، بعض من قدمنا التعريف بهم، كرفيقه الهيثمي الذي كتب عنه جميع هذه الأمالي مع مشاركته في رواية غالب أحاديثها عن شيوخه.
و «عز الدين بن الفرات» مسند الديار المصرية في عصره، الذي كتب عنه كثيرا من تلك الأمالي. والجلال عبد الرحمن بن أحمد القمصي الذي قدمنا أنه عرض على العراقي أيضا كثيرا من محفوظاته في العلوم، وقد حدث كثيرا مع الإتقان.
ومنهم أيضا علي بن أبي بكر البلبيسي المولود بالقاهرة سنة ٧٨٨ هـ وقد لازم العراقي في هذه المجالس وفي غيرها نحو عشر سنين ثم تولى نقابة الدروس بعدة مواضع (١).
ومنهم محمد بن محمد بن أحمد المعروف بابن البيشي الذي لم يخلف في الشرقية مثله علما وفقها (٢).
ومنهم أبو بكر بن علي المعروف بابن الحريري الحنبلي الذي كتب بعض تلك الأمالي ثم درس بعدة أماكن (٣).
стр. 556
ومنهم أحمد بن عمر المعروف بابن الشامي المولود بالقاهرة سنة ٧٨٥ هـ وقد كتب السخاوي عنه بعض ما كتبه من أمالي العراقي (١).
ومنهم أحمد بن ناصر الدين العقبي الذي لازم العراقي في أماليه وغيرها، ثم حدث كثيرا بمسموعاته بما فيها تلك الأمالي حتى توفي سنة ٨٦١ هـ (٢).
ومنهم محمد بن عمر المصري، نائب الخطابة بجامع عمرو بن العاص، وقد كتب عن العراقي كثيرا من الأمالي (٣).
وسيأتي أيضا غير هؤلاء في التعريف بأبرز تلاميذ العراقي في تلك المرحلة وهكذا قام العراقي وتلاميذه في تلك الأمالي بالأداء والتحمل عدة سنين لمئات الأحاديث بأسانيدها وأحكامها، متقنة محررة بأقوى وجوه التحمل والأداء وأحسنها، وقام هو بما تقضي به قواعد الإملاء من مراجعة المملي مع طلابه بعد الفراغ منه، للتوثيق ثم نشرها تلاميذه فيمن بعده وأفادوا منها.
٩ - الأماكن التي عقد العراقي بها مجالس الإملاء في القاهرة:
هناك ثلاثة أماكن وقفت على عقد العراقي مجالس إملائه، بها وجميعها تقدم التعريف بها حيث كان العراقي يدرس بها أيضا علوم السنة وغيرها وهي:
١ - المدرسة القراسنقرية، حيث وقفت على نسخة من المجلس ٨٦ من الأمالي، وفي أوله أن العراقي أملاه في يوم الثلاثاء ١٥ من المحرم سنة ٧٩٧ هـ
стр. 557
بالمدرسة القراسنقرية بالقاهرة المعزية (١).
٢ - «المدرسة الكاملية» حيث وقفت على نسخة من المجلس ٣٨١ من الأمالي وفي أوله أنه أملاه يوم الثلاثاء التاسع عشر من جمادى الآخرة سنة ٨٠٤ هـ بالمدرسة الكاملية بالقاهرة المحروسة (٢).
٣ - المدرسة الفاضلية حيث وقفت على نسخة ٦ مجالس، أثبت في أول كل منها إملاؤه بالمدرسة الفاضلية بالقاهرة المعزية المحروسة، وتواريخ إملائها تقع في الفترة من ٢٨ جمادى الأولى حتى ١٦ شعبان سنة ٨٠٤ هـ (٣).
وقد مر أن هذه المدارس كانت من أعلا وأشهر مدارس القاهرة العامرة بطلاب السنة والمخرجة لأعلامها، وقد يكون العراقي أملى في بقية الأماكن التي كان يدرس بها السنة، كجامعي القلعة وابن طولون والمدرسة الظاهرية البيبرسية وغير ذلك، لكني لم أقف على وقائع لذلك كالتي ذكرتها بالنسبة للمدارس السابقة (٤).
هـ - آخر الأعمال العلمية للعراقي وتلقي تلاميذه لها وإسهامه بها في الأحداث العامة لمجتمعه:
قدمنا عن ابن حجر قوله: إن العراقي بعد إملائه آخر مجالسه في صفر سنة ٨٠٦ هـ عاش خمسة أشهر وأياما، وأن حالة الجدب والغلاء التي عمت البلاد.
стр. 558
المصرية حينئذ هي التي جعلته يخرج بعد احتجابه ليسهم في دفع تلك المحنة بعلمه وتضرعه، فأملى هذا المجلس الأخير من أدعية الإستسقاء الواردة في السنة، وابتهل بها مع طلابه إلى الله، لإفاضة ماء النيل وكشف هذه الكروب ولكن الذي حدث أن حالة الجفاف وتوابعها استمرت واشتدت وطأتها فصام الناس في بداية شهر ربيع الآخر من نفس السنة ٣ أيام لله تعالى وبعدها هرع جماعة منهم إلى العراقي مرة أخرى لثقتهم في صلاحه وتقواه وطلبوا إليه الخروج معهم إلى صحراء القاهرة ليصلي بهم صلاة الاستسقاء ويشاركهم الضراعة إلى الله تعالى لكشف هذه الكروب فأجابهم لذلك رغم شيخوخته وخرج معهم إلى الصحراء وصلى بهم إماما صلاة الاستسقاء، ولم يكتف بذلك بل قام فيهم خطيبا ليقوي من عزيمتهم على الصبر والاحتمال ويرفع معنوياتهم ويحثهم على طاعة الله الموصلة لرضاه، ورغم كبر السن وتوقفه السابق عن النشاط العلمي فإن ابن حجر وغيره قد وصفوا هذه الخطبة بأنها كانت بليغة، وأنه ضمنها أحاديث المجلس الأخير من الإملاء وغيرها (١).
وقد حرص بعض تلاميذ العراقي على الخروج معه في ذلك المشهد الحافل وحضروا تلك السانحة الأخيرة من توجيهه وتحديثه وأثبت من حضر منهم سماعه عنه تلك الخطبة البليغة وما تضمنته من الأحاديث.
ومن هؤلاء أحمد بن عبد الرحمن بن سليمان القاهري، المعروف بابن حرمي الذي سبق ذكر تلمذته على العراقي في الفقه، وقد قال: «كنت فيمن ظهر مع الزين العراقي للاستسقاء سنة ٨٠٦ هـ،
стр. 559
وسمعت خطبته» (١) وتعتبر خطبة العراقي هذه هي آخر ما وقفنا عليه من أعماله العلمية والحديثية وشاء الله تعالى أن تنفرج هذه الأزمة بجميع جوانبها على أثر ذلك الإسهام العملي والعلمي الأخير للعراقي في أحداث عصره، ومعالجتها بما في مكنته، فقد قرر مؤرخو العراقي وأحداث عصره: أنه بعد صلاته بالناس صلاة الإستسقاء وخطبته السابقة فيهم، رأوا البركة، وتراجعت الأشياء فجاء النيل عاليا وكثرت الأقوات جدا ونشطت حركة التجارة وأحوال الباعة (٢).
قال ابن فهد: «ولم تطل حياة العراقي بعد ذلك» (٣)، وفعلا كانت وفاته عقب ذلك بفترة قصيرة في نفس السنة، لكننا قبل ذكر وفاته وتحديد تاريخها ستعرف ببعض تلاميذه وتلميذاته البارزين في تلك المرحلة.
و - من أبرز تلاميذ العراقي وتلميذاته في تلك المرحلة وتأثيره فيهم:
يعتبر من سنعرف به من تلاميذ العراقي وتلميذاته في تلك المرحلة الأخيرة من حياته بمثابة التكملة لمن قدمنا التعريف به أو الإشارة إليه من تلاميذه وتلميذاته سواء في غضون عرضنا لنشاطه في نفس هذه المرحلة، أو في المرحلتين السابقتين، حتى تتكامل نماذج التلمذة عليه، وجوانب تأثير أستاذيته، وتتحدد عناصر المنهج الذي اتبعه في رواية وتدريس علوم السنة، ويتبين مدى ما أنجزه وأداه عمليا لجيل المحدثين والمحدثات بعده من خلال هذا المنهج وتكرر.
стр. 560
التنبيه إلى أن فيمن سنعرف به هنا من قد تتلمذ للعراقي قبل هذه المرحلة لكن كثرت تلمذته فيها أيضا.
١ - فممن تخرج به من المغاربة «الكمال الشمني» كما أحضر عليه ولده:
والكمال الشمني هو: محمد بن محمد بن حسن «الشمني» نسبة لمكان ولادته، وهو إحدى مزارع أو قرى (قسنطينة) بالجزائر الحالية، وذلك في سنة ٧٦٦ هـ على الراجح، وقد تلقى هناك بعض مبادئ العلوم ثم رحل إلى مصر، كما كان معتادا في عصره، باعتبارها كعبة العلم حينئذ، ونزل بالإسكندرية، فأقام بها مدة، وولد له فيها ابنه أبو العباس أحمد سنة ٨٠١ هـ فرحل به في نفس السنة إلى القاهرة، ولازم الحافظ العراقي حتى تخرج به في علم الحديث، كما أحضر عليه ولده أبا العباس واستجازه له، ثم أسمعه على ولي الدين بن العراقي أيضا، وقد صار الشمني وولده من مدرسي علوم السنة والمؤلفين فيها، ومن الأماكن التي درس الشمني بها للمحدثين المدرسة الجمالية بالقاهرة، ومن مؤلفاته نظم «نخبة الفكر» لابن حجر وشرحها أيضا شرحا جيدا، أما ولده فشرح نظم والده لها، وقد ظلا قائمين برسالتهما في خدمة السنة تدريسا وتأليفا حتى توفي الشمني في ربيع الأول سنة ٨٢١ هـ وتوفي ولده سنة ٨٧٢ هـ (١) وهما يعتبران من صور التلمذة الأسرية للعراقي، وتلمذة أكثر من طبقة من جيل المحدثين عليه، وتلمذة الوافدين على مصر من طلاب المغرب.
стр. 561
٢ - ومنهم: «الشهاب الحناوي» الذي كتب عنه كثيرا من أماليه وسمع عليه كثيرا من مؤلفاته:
وهو أحمد بن محمد بن محمد، المالكي ويعرف بالحناوي، وقد ولد في شعبان سنة ٧٦٣ هـ بـ «فيشا المنارة» من أعمال طنتدا (طنطا حاليا) وقدم القاهرة لطلب العلم، فأخذ فنون الحديث عن العراقي، رواية ودراية، فكتب عنه كثيرا من أماليه، وسمع من لفظه عددا من مؤلفاته في علوم السنة كألفية المصطلح، وشرحها أو أكثره، وألفيته، في غريب القرآن وغير ذلك، وبلغت ملازمته لدروسه درجة سماعه عليه بعض مؤلفاته أكثر من مرة، كألفيته في السيرة النبوية، ويستفاد مما تلقاه الحناوي عن شيخه العراقي، أنه كان من منهجه تدريس مؤلفاته وبحثها وروايتها لطلابه، بجانب تدريس ورواية كتب السنة الأخرى كالصحيحين والسنن الأربعة، وعلوم الحديث لابن الصلاح وغير ذلك، كما مر في عرض نشاطه العلمي، وقد قام الحناوي بعد تلمذته للعراقي على النحو المشار إليه بالتحديث بما تلقاه عنه وعن غيره وسمع منه الكثيرون حتى توفي بالقاهرة في ٢٤ جمادى الأولى سنة ٨٤٨ هـ (١).
٣ - ومنهم: «المحدث شهاب الدين البوصيري» الذي واصل فكرة العراقي ومنهجه في جمع زوائد كتب السنة واعتمد فيها عليه.
وهو أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل، البوصيري القاهري، ولد في المحرم سنة ٧٦٢ هـ بـ «أبي صير» من بلاد الوجه البحري، وبعد نشأته بها انتقل إلى القاهرة لاستكمال دراسته، ومع أنه لم يبكر بطلب الحديث كالمعتاد، إلا
стр. 562
أنه عندما اتجه إليه عني جدا بدراسته، ولازم في ذلك العراقي كثيرا، وكان مما سمعه منه «الحديث المسلسل بالأولية» كما سمع عليه «صحيح البخاري» كاملا بجامع الأقمر سنة ٧٩٥ هـ وأجازه به مع بقية الحاضرين كما قدمنا ذكره، وسمع عليه أيضا خمسة مجالس من «أمالي الجوهري» من مروياته ومؤلفاته، كما تتلمذ من بعده لولده ولي الدين وتلميذه ابن حجر، ونتيجة لذلك كله برع في علم الحديث رواية ودراية وتلقاه عنه الكثيرون حتى وصفه ابن حجر بـ «المفيد الصالح والمحدث الفاضل» كما أنه ألف عدة مؤلفات مفيدة في علوم السنة وظهر تأثره بالعراقي فيها فكرة ومنهجا ومضمونا، ذلك أن العراقي كما قدمنا، قد وجه تلميذه الهيثمي لفكرة جمع زوائد معاجم الطبراني وعدة مسانيد عن الكتب الستة، وأشار عليه بمنهج تأليفها، وتابعه وأعانه في تنفيذ الفكرة وتطبيق المنهج في صوره المختلفة، فإذا رجعنا إلى مؤلفات البوصيري، نجد أن غالبها تنفيذ موسع لنفس فكرة جمع الزوائد هذه، وتطبيق لنفس المنهج الذي رسمه العراقي بصوره المختلفة للهيثمي، كما نجد أن البوصيري نقل عن شيخه العراقي في أوسع تلك المؤلفات، فضلا عن غيرها.
فقد جمع زوائد سنن «ابن ماجة» على بقية الكتب الستة، وبوبها، وتكلم على أحاديثها، وقد رأيت صورة لبعض نسخه الخطية في مجلد، وفعل مثل ذلك أيضا بالنسبة لزوائد «السنن الكبرى» للبيهقي على الكتب الستة، في مجلدين أو ثلاثة، أما أضخم ما جمعه وبوبه وبين درجة غالب أحاديثه فهو زوائد عشرة مسانيد، على ما في الكتب الستة، ومن ضمن تلك المسانيد مما جمع الهيثمي زوائده من قبل، مع إضافة زوائد غيرها، وقد جمع الكل في كتاب «إتحاف السادة المهرة بزوائد المسانيد العشرة» ثم اختصره بحذف
стр. 563
الأسانيد ما عدا الصحابي، كما فعل الهيثمي بتوجيه العراقي في «مجمع الزوائد»، وأطلق عليه البوصيري «مختصر إتحاف المهرة» وقد وجدته نقل فيه، وبالتالي في أصله وهو «الإتحاف» عن شيخه العراقي، خاصة في بيان درجة الأحاديث (١).
وبذلك كان أثر العراقي كبيرا في تكوين البوصيري العلمي، وفي نتاجه في علوم السنة، وكان من ثمار غرسه الذي أتى أكله طيبا، ونشر علمه حتى توفي في ٢٧ من المحرم سنة ٨٤٠ هـ (٢).
٤ - ومنهم «جمال الدين الحلبي» الذي طاف بعلمه الشرق الإسلامي عموما. وهو محمد بن علي بن عبد الله، الحلبي الأصل، المصري المنشأ، ولد في أحد ضواحي دمشق في ٢٤ رجب سنة ٧٨٥ هـ، ثم انتقل على عادة العصر إلى القاهرة طلبا للعلم وفيها تتلمذ للعراقي في علم الحديث، وظل بمصر إلى ما بعد وفاة العراقي بكثير وبعد سنة ٨٢٥ هـ طاف بكثير، من بلاد الشرق الإسلامي ناشرا فيه علمه ومثبتا تغطية العراقي بتلاميذه رقعة العالم الإسلامي في عصره، فقد تنقل تلميذه هذا بين الشام، والمدينة المنورة، واليمن، وعدن، وهرمز، والبحرين والقطيف، وشيراز وواسط، وتكريت، وإربل، والموصل، وصعيد مصر، وأخيرا عاد إلى قاعدة انطلاقه وهي القاهرة فتوفي فيها سنة ٨٤٥ هـ (٣).
стр. 564
٥ - ومنهم: «المحدث ابن يعقوب» الذي تتلمذ هو ووالده للعراقي وصاهره، فاشتهر بيته ببيت العراقي: وهو أحمد بن يعقوب بن أحمد، ولد بالقاهرة سنة ٧٩٠ هـ ونشأ بها فتتلمذ للعراقي من الصغر، حيث كان والده أيضا تلميذا ملازما للعراقي، وكتب عنه بعض أماليه كما قدمنا، وقد حفظ أحمد في صغره كتاب «تقريب الأسانيد» في أحاديث الأحكام للعراقي، وعرضه بتمامه عليه، ثم أسمعه والده بعد ذلك كثيرا على العراقي بمصاحبته وقد وقفت على إثبات العراقي بخطه أنه قرأ عليه المحدث المقرئ «يعقوب بن أحمد» جميع «النكت على كتاب ابن الصلاح» وسمع جماعة منهم ولد القارئ المذكور «أحمد» سمع مجالس كثيرة، وفاته مجالس من أول الكتاب … وكانت القراءة والسماع في مجالس (١)، آخرها في يوم الثلاثاء ٢٩ ربيع الآخر سنة ٧٩٩ هـ ثم أجازه مع الجماعة المشار إليهم بجميع ما يجوز له، وعنه روايته من: مسموع، ومجاز، وتأليف من: نثر ونظم (٢) وبهذا تلقى عن العراقي مجمل قواعد علوم السنة، واتصل سنده عن طريقه بتراثها حتى عصره ويفهم من حفظه لكتاب «تقريب الأسانيد» وعرضه على العراقي، وسماعه عليه مع الجماعة «للنكت على علوم ابن الصلاح» أن مؤلفات العراقي في علوم الرواية والدراية صارت منذ عصره ضمن منهج التعليم، رواية وحفظا ودراسة، وأنه قام بنفسه بروايتها والإجازة بها وتدريسها لطلابه، بجانب غيرها من مؤلفات المتقدمين والمتأخرين، وقد واصل شهاب الدين التلمذة.
стр. 565
بصحبة والده وبنفسه على العراقي، فحمل عنه كثيرا من أماليه وغيرها، حتى تضلع في علوم السنة، وصار من رجال القاهرة المعدودين، ونشط للتحديث بمروياته، فسمع منه الأئمة والحفاظ كالسخاوي وابن حجر، وشارك أيضا ابن حجر في التحديث بمروياتهما معا، وكانت محبته للحديث وأهله تجعله ينتقل معهم إلى الأماكن المتعددة لإسماعهم بها كما كان معتادا حينذاك، وبهذا نشر ما تلقاه عن شيخه العراقي رواية ودراية، حتى آخر حياته. ويعد هو ووالده من نماذج تلمذة (طبقات جيل المحدثين) للعراقي، كما أن صلته به توطدت، حيث صاهره على ابنته (زينب) وأنجب منها ذرية صالحة ومتعددة فصار بيته مشهورا بـ (بيت العراقي) وتسمى أحد أولاده باسم جده العراقي، وصار من علماء الحديث أيضا، فأحيا ذكرى جده، اسما وعلما، لثالث جيل (١) ويلاحظ أن هذا ثاني من صاهر العراقي من تلاميذه المصريين، أصلا وموطنا بعد الهيثمي وثالث من صاهره، وهو الكلوتاتي مصري موطنا، كما أن ولده أبا زرعة قد تزوج مصرية (٢) وبذلك اندمجت أسرة العراقي تماما بأبناء وبنات مصر، وحملت بيوتها اسمه وعلمه من بعده.
وقد توفي ابن يعقوب هذا في ربيع الأول سنة ٨٥٦ هـ مشيعا بثناء العلماء والطلاب على السواء (٣).
٦ - ومنهم: «الحافظ: صلاح الدين الأقفهسي» الذي نشر الحديث ببلاد