← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 30167

الحافظ العراقي وأثره في السنة

أحمد بن معبد عبد الكريم

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

٢ - ومنهم: «الشهاب الحناوي» الذي كتب عنه كثيرا من أماليه وسمع عليه كثيرا من مؤلفاته: وهو أحمد بن محمد بن محمد، المالكي ويعرف بالحناوي، وقد ولد في شعبان سنة ٧٦٣ هـ بـ «فيشا المنارة» من أعمال طنتدا (طنطا حاليا) وقدم القاهرة لطلب العلم، فأخذ فنون الحديث عن العراقي، رواية ودراية، فكتب عنه كثيرا من أماليه، وسمع من لفظه عددا من مؤلفاته في علوم السنة كألفية المصطلح، وشرحها أو أكثره، وألفيته، في غريب القرآن وغير ذلك، وبلغت ملازمته لدروسه درجة سماعه عليه بعض مؤلفاته أكثر من مرة، كألفيته في السيرة النبوية، ويستفاد مما تلقاه الحناوي عن شيخه العراقي، أنه كان من منهجه تدريس مؤلفاته وبحثها وروايتها لطلابه، بجانب تدريس ورواية كتب السنة الأخرى كالصحيحين والسنن الأربعة، وعلوم الحديث لابن الصلاح وغير ذلك، كما مر في عرض نشاطه العلمي، وقد قام الحناوي بعد تلمذته للعراقي على النحو المشار إليه بالتحديث بما تلقاه عنه وعن غيره وسمع منه الكثيرون حتى توفي بالقاهرة في ٢٤ جمادى الأولى سنة ٨٤٨ هـ (١). ٣ - ومنهم: «المحدث شهاب الدين البوصيري» الذي واصل فكرة العراقي ومنهجه في جمع زوائد كتب السنة واعتمد فيها عليه. وهو أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل، البوصيري القاهري، ولد في المحرم سنة ٧٦٢ هـ بـ «أبي صير» من بلاد الوجه البحري، وبعد نشأته بها انتقل إلى القاهرة لاستكمال دراسته، ومع أنه لم يبكر بطلب الحديث كالمعتاد، إلا

стр. 562

أنه عندما اتجه إليه عني جدا بدراسته، ولازم في ذلك العراقي كثيرا، وكان مما سمعه منه «الحديث المسلسل بالأولية» كما سمع عليه «صحيح البخاري» كاملا بجامع الأقمر سنة ٧٩٥ هـ وأجازه به مع بقية الحاضرين كما قدمنا ذكره، وسمع عليه أيضا خمسة مجالس من «أمالي الجوهري» من مروياته ومؤلفاته، كما تتلمذ من بعده لولده ولي الدين وتلميذه ابن حجر، ونتيجة لذلك كله برع في علم الحديث رواية ودراية وتلقاه عنه الكثيرون حتى وصفه ابن حجر بـ «المفيد الصالح والمحدث الفاضل» كما أنه ألف عدة مؤلفات مفيدة في علوم السنة وظهر تأثره بالعراقي فيها فكرة ومنهجا ومضمونا، ذلك أن العراقي كما قدمنا، قد وجه تلميذه الهيثمي لفكرة جمع زوائد معاجم الطبراني وعدة مسانيد عن الكتب الستة، وأشار عليه بمنهج تأليفها، وتابعه وأعانه في تنفيذ الفكرة وتطبيق المنهج في صوره المختلفة، فإذا رجعنا إلى مؤلفات البوصيري، نجد أن غالبها تنفيذ موسع لنفس فكرة جمع الزوائد هذه، وتطبيق لنفس المنهج الذي رسمه العراقي بصوره المختلفة للهيثمي، كما نجد أن البوصيري نقل عن شيخه العراقي في أوسع تلك المؤلفات، فضلا عن غيرها. فقد جمع زوائد سنن «ابن ماجة» على بقية الكتب الستة، وبوبها، وتكلم على أحاديثها، وقد رأيت صورة لبعض نسخه الخطية في مجلد، وفعل مثل ذلك أيضا بالنسبة لزوائد «السنن الكبرى» للبيهقي على الكتب الستة، في مجلدين أو ثلاثة، أما أضخم ما جمعه وبوبه وبين درجة غالب أحاديثه فهو زوائد عشرة مسانيد، على ما في الكتب الستة، ومن ضمن تلك المسانيد مما جمع الهيثمي زوائده من قبل، مع إضافة زوائد غيرها، وقد جمع الكل في كتاب «إتحاف السادة المهرة بزوائد المسانيد العشرة» ثم اختصره بحذف

стр. 563

الأسانيد ما عدا الصحابي، كما فعل الهيثمي بتوجيه العراقي في «مجمع الزوائد»، وأطلق عليه البوصيري «مختصر إتحاف المهرة» وقد وجدته نقل فيه، وبالتالي في أصله وهو «الإتحاف» عن شيخه العراقي، خاصة في بيان درجة الأحاديث (١). وبذلك كان أثر العراقي كبيرا في تكوين البوصيري العلمي، وفي نتاجه في علوم السنة، وكان من ثمار غرسه الذي أتى أكله طيبا، ونشر علمه حتى توفي في ٢٧ من المحرم سنة ٨٤٠ هـ (٢). ٤ - ومنهم «جمال الدين الحلبي» الذي طاف بعلمه الشرق الإسلامي عموما. وهو محمد بن علي بن عبد الله، الحلبي الأصل، المصري المنشأ، ولد في أحد ضواحي دمشق في ٢٤ رجب سنة ٧٨٥ هـ، ثم انتقل على عادة العصر إلى القاهرة طلبا للعلم وفيها تتلمذ للعراقي في علم الحديث، وظل بمصر إلى ما بعد وفاة العراقي بكثير وبعد سنة ٨٢٥ هـ طاف بكثير، من بلاد الشرق الإسلامي ناشرا فيه علمه ومثبتا تغطية العراقي بتلاميذه رقعة العالم الإسلامي في عصره، فقد تنقل تلميذه هذا بين الشام، والمدينة المنورة، واليمن، وعدن، وهرمز، والبحرين والقطيف، وشيراز وواسط، وتكريت، وإربل، والموصل، وصعيد مصر، وأخيرا عاد إلى قاعدة انطلاقه وهي القاهرة فتوفي فيها سنة ٨٤٥ هـ (٣).

стр. 564

٥ - ومنهم: «المحدث ابن يعقوب» الذي تتلمذ هو ووالده للعراقي وصاهره، فاشتهر بيته ببيت العراقي: وهو أحمد بن يعقوب بن أحمد، ولد بالقاهرة سنة ٧٩٠ هـ ونشأ بها فتتلمذ للعراقي من الصغر، حيث كان والده أيضا تلميذا ملازما للعراقي، وكتب عنه بعض أماليه كما قدمنا، وقد حفظ أحمد في صغره كتاب «تقريب الأسانيد» في أحاديث الأحكام للعراقي، وعرضه بتمامه عليه، ثم أسمعه والده بعد ذلك كثيرا على العراقي بمصاحبته وقد وقفت على إثبات العراقي بخطه أنه قرأ عليه المحدث المقرئ «يعقوب بن أحمد» جميع «النكت على كتاب ابن الصلاح» وسمع جماعة منهم ولد القارئ المذكور «أحمد» سمع مجالس كثيرة، وفاته مجالس من أول الكتاب … وكانت القراءة والسماع في مجالس (١)، آخرها في يوم الثلاثاء ٢٩ ربيع الآخر سنة ٧٩٩ هـ ثم أجازه مع الجماعة المشار إليهم بجميع ما يجوز له، وعنه روايته من: مسموع، ومجاز، وتأليف من: نثر ونظم (٢) وبهذا تلقى عن العراقي مجمل قواعد علوم السنة، واتصل سنده عن طريقه بتراثها حتى عصره ويفهم من حفظه لكتاب «تقريب الأسانيد» وعرضه على العراقي، وسماعه عليه مع الجماعة «للنكت على علوم ابن الصلاح» أن مؤلفات العراقي في علوم الرواية والدراية صارت منذ عصره ضمن منهج التعليم، رواية وحفظا ودراسة، وأنه قام بنفسه بروايتها والإجازة بها وتدريسها لطلابه، بجانب غيرها من مؤلفات المتقدمين والمتأخرين، وقد واصل شهاب الدين التلمذة.

стр. 565

بصحبة والده وبنفسه على العراقي، فحمل عنه كثيرا من أماليه وغيرها، حتى تضلع في علوم السنة، وصار من رجال القاهرة المعدودين، ونشط للتحديث بمروياته، فسمع منه الأئمة والحفاظ كالسخاوي وابن حجر، وشارك أيضا ابن حجر في التحديث بمروياتهما معا، وكانت محبته للحديث وأهله تجعله ينتقل معهم إلى الأماكن المتعددة لإسماعهم بها كما كان معتادا حينذاك، وبهذا نشر ما تلقاه عن شيخه العراقي رواية ودراية، حتى آخر حياته. ويعد هو ووالده من نماذج تلمذة (طبقات جيل المحدثين) للعراقي، كما أن صلته به توطدت، حيث صاهره على ابنته (زينب) وأنجب منها ذرية صالحة ومتعددة فصار بيته مشهورا بـ (بيت العراقي) وتسمى أحد أولاده باسم جده العراقي، وصار من علماء الحديث أيضا، فأحيا ذكرى جده، اسما وعلما، لثالث جيل (١) ويلاحظ أن هذا ثاني من صاهر العراقي من تلاميذه المصريين، أصلا وموطنا بعد الهيثمي وثالث من صاهره، وهو الكلوتاتي مصري موطنا، كما أن ولده أبا زرعة قد تزوج مصرية (٢) وبذلك اندمجت أسرة العراقي تماما بأبناء وبنات مصر، وحملت بيوتها اسمه وعلمه من بعده. وقد توفي ابن يعقوب هذا في ربيع الأول سنة ٨٥٦ هـ مشيعا بثناء العلماء والطلاب على السواء (٣). ٦ - ومنهم: «الحافظ: صلاح الدين الأقفهسي» الذي نشر الحديث ببلاد

стр. 566

الهند والعجم، ونظم قصيدة في مدح العراقي (١): وهو خليل بن محمد ابن عبد الرحيم، الأقفهسي، المصري، ولد تقريبا سنة ٧٦٣ هـ، لكنه مال إلى دراسة السنة قبيل سنة ٧٩٠ هـ، فرحل في ذلك إلى الشام والحجاز، ثم عاد إلى القاهرة سنة ٧٩٨ هـ، حيث كانت دروس العراقي بها متعددة كما سبق، وقد أثبت بخطه سماعه «صحيح البخاري» مع جماعة على العراقي في ٣٧ مجلسا بخانقاة «سعيد السعداء»، وكان آخرها يوم ٢٥ ربيع الأول سنة ٧٩٩ هـ وأجازه العراقي به مع الحاضرين أيضا (٢) ثم أكثر التلمذة عليه حتى تبصر به في علوم الرواية والدراية، ومهر في معرفة المرويات والسند العالي والنازل ورجال السنة المتقدمين والمتأخرين، ومكنه ذلك من تأليف بعض معاجم الشيوخ، وإثبات المرويات والتخاريج الجيدة لنفسه ولغيره. وقد لقبه رفيقه ابن حجر بـ «المحدث المفيد الحافظ»، وشهد بأنه أمثل رفقته مطلقا وصرح باستفادته من «ثبته وأجزائه». ويعتبر «الأقفهسي» من تلاميذ العراقي المكملين لرسالته في إفادة علوم السنة ونشرها خارج مصر، إلى أقاصي بلاد المسلمين شرقا، ذلك أنه بعد أن تبصر به في علوم السنة، رحل إلى الحجاز غير مرة، وجاور بمكة سنين، فحدث بها كثيرا وتخرج به من لم يدرك من شيخه العراقي إلا الإجازة «كتقي الدين بن فهد» وغيره، ثم خرج من الحجاز إلى الهند وما يليها من بلاد العجم، وظل قائما بنشر علوم السنة، مقدما المثل الصادق لانتشار علم العراقي بتلك البلاد

стр. 567

النائية حتى توفي فجأة ببلاد العجم في ذي الحجة سنة ٨٢٠ هـ. وقد أوضح الأقفهسي تأثره بأستاذية العراقي وتقديره لها بأكثر من وجه فعندما كان مجاورا بمكة، ألف «لجمال الدين بن ظهيرة» معجما بشيوخه ولما كان العراقي من أبرزهم، فإنه خصه بترجمة جيدة، وقرر فيها مكانته العلمية على مستوى عصره كما سيأتي، ثم خصه أيضا من شعره الجيد بقصيدة مدح، أشار إليها السخاوي، وحصلت على نصها الكامل في ٢١ بيتا (١) وقد سبق ذكري لبعض أبياتها، كما سيأتي بعض آخر، وقد رأيته ضمنها تعديد محاسن العراقي وأخلاقه، وتفصيل جهوده في إحياء (السنة) علما وعملا، وهذا يدل على عمق صلته بأستاذه، واطلاعه على تراثه العلمي واستفادته منه، كما يظهر من مطلعها أنه نظمها بعد رحيله إلى الحجاز في أواخر حياة العراقي، حيث يفتتحها بقوله: حديثي وجدي في هواكم قديم … والصبر ناء واشتياقي مقيم وما لقلبي عنكم سلوة … كلا، ولو ذاق عذاب الجحيم وهذا يشير إلى عمق تأثره بشيخه وتعلقه به مهما بعد عنه. ٧ - ومنهم الحافظ: «تقي الدين الفاسي» ناشر علم العراقي بالحرمين والشام واليمن. وهو: أبو الطيب، محمد بن أحمد بن علي، الفاسي، المكي، ولد بها في.

стр. 568

ربيع الأول سنة ٧٧٥ هـ، ونشأ بالحرمين، ثم رحل غير مرة إلى القاهرة على عادة العصر، لاستكمال دراسته وأول رحلاته إليها كانت ٧٩٧ هـ، حيث كانت دروس العراقي ومجالس إملائه في أوجها، وكانت عناية الفاسي بعلم الحديث فائقة، فأخذ منه عن العراقي أوفر نصيب، وقرر بنفسه ذلك فقال: «أخذت عنه: الألفية الحديثية وشرحها بقراءته، وأجاز لي بالتدريس في علم الحديث، وانتفعت به فيه كثيرا، وقرأت عليه وسمعت عليه أجزاء كثيرة، وأكثر «مسند العدني» و «فوائد تمام» وغير ذلك» (١) وهذا يدل أيضا على تعدد نشاطه في دروسه ومنهجه فيها، فهو تارة يقرأ بنفسه لهم مؤلفاته، مع التوضيح والبيان، وتارة يقرأون هم عليه مروياته العديدة من كتب السنة المختلفة، وهو ينصت لهم ويبين ما يحتاجون إليه ضبطا وشرحا، وواظب على ذلك، حتى كثر انتفاعهم، ومن أظهر منهم صلاحيته لحمل الرسالة، فإنه يأذن له ويخرجه، سواء كان من أبناء مصر أو من الوافدين عليها، وهكذا، وذلك ما يقضي به منهج تعلم السنة وتعليمها، تحملا وأداء، وقد واصل التقي الفاسي دراسته على العراقي وغيره حتى صار من حفاظ السنة المعدودين، حتى قرر ولي الدين بن العراقي أنه لا يوجد بمكة في عصره من يستحق لقب «الحافظ» غيره (٢). وبموجب تصريح الفاسي بوفرة إفادته من شيخه العراقي، ويإجازته له بالتدريس فإنه يعد رسوله الناشر لعلمه، رواية ودراية وتأليفا أينما حل، وقد قام كما أذن له العراقي بالتحديث والتدريس في الحرمين المكي والمدني، وفي

стр. 569

دمشق وبلاد اليمن، وأخذ عنه العديد من طلاب تلك البلاد وأئمتها، وبذلك انتشر بها ما تلقاه عن شيخه العراقي من مروياته ومؤلفاته، كما أنه ألف عدة مؤلفات في علوم السنة ودرسها لطلابه، لكنها تبددت من بعده ومما بقي في علم الرجال المتأخرين، كتاب «ذيل التقييد في رواة السنن والمسانيد» ورتب التراجم فيه على حروف المعجم، وهو يقع في مجلد عادي (١). وقد ترجم فيه شيخه العراقي ترجمة جيدة، مبينا كثيرا من مروياته من السنن والمسانيد والأجزاء، مع ذكر كثير من مؤلفاته، وهذا يدل على خبرته بعلمه ونتاجه، وقد صرح في هذه الترجمة باستفادته الكبرى من العراقي كما قدمت نقله عنه، واستهلها بقوله: «شيخنا الحافظ المعتمد» (٢). ومع هذا فقد نقل عنه السخاوي تفضيله لابن حجر على شيخه العراقي في حياته كما سيأتي ذكره والرد عليه. وقد ختم الفاسي رحلاته العالمية، وأقام بمكة، وتولى قضاء المالكية بها سنة ٨٠٧ هـ؛ لكنه عزل بعد ذلك، ونشط في رسالته الحديثية، وصار شيخ الحرم وتوفي بمكة في شوال سنة ٨٣٢ هـ ولم يخلف بعده بالحجاز مثله (٣). ٨ - وممن تخرج بالعراقي: «سبط ابن العجمي» شيخ حفاظ عصره بالشام وشارح ألفية العراقي في المصطلح: وهو برهان الدين إبراهيم بن محمد بن خليل، المعروف بـ «سبط ابن العجمي» و بـ «البرهان الحلبي» حيث ولد،

стр. 570

بحلب في ٢٢ رجب سنة ٧٥٣ هـ، ومع أنه لم يبكر بطلب الحديث كالمعتاد إلا أنه جد في دراسته بالشام ومصر، حتى لقب بشيخ السنة وحافظ الشام، بل وبشيخ حفاظها، بلا منازع، وقد أثر العراقي في تكوينه العلمي وفي مؤلفاته. فبالنسبة للتكوين، ذكر السخاوي عنه، أنه لازم شيخه العراقي في علم الحديث نحو عشر سنين (١) وهي مدة طويلة بالنسبة له باعتباره وافدا من خارج مصر كما أنها كافية في إفادته أكبر قدر ممكن من آراء شيخه ومروياته ومؤلفاته ويظهر أن تلك الملازمة كانت على مرحلتين، حيث قرر السبط بنفسه مع غيره أنه ارتحل إلى مصر مرتين، وحدد السخاوي بداية الرحلة الأولى بسنة ٧٨٠ هـ، وأثبت السبط أنه في تلك الرحلة قرأ جميع شرح ألفية الحديث على مؤلفه العراقي، وبين أنها كانت قراءة بحث ومناقشة تفصيلية، حتى كان العراقي يصلح أثناءها بعض عبارات الشرح ويضيف بعض الزيادات (٢) كما كان للبرهان الحلبي بعض الاستدراكات على شيخه كما سيأتي، ويبدو أنه مكث في هذه الرحلة ملازما العراقي ٥ سنين، حيث أثبت له بخطه أنه قرأ عليه تأليفه في (فتوى عاشوراء) في ٢١ ذي القعدة سنة ٧٨٥ هـ ولقبه حينئذ بالإمام الأوحد، والمحدث المفيد، بينما لقب غيره من تلاميذه الشاميين في نفس الإثبات بالفقيه المشتغل المحصل (٣).

стр. 571

وهذا يدل على تأثير تلك الملازمة في تقدم السبط في علوم السنة أكثر من غيره، وعلى دقة العراقي في منح الألقاب العلمية المصطلح عليها، ويلاحظ أن الملازمة المذكورة كانت في مرحلة عمل العراقي الأولى بالقاهرة، قبل تحوله إلى المدينة المنورة. تصحيح تاريخ رحلة السبط الثانية للقاهرة وإذن العراقي له بالتدريس والتأليف: أما رحلة السبط الثانية إلى القاهرة فيحدد السخاوي بدايتها بسنة ٧٨٦ هـ (١) وهذا لا يتفق مع ما قرره السخاوي بنفسه بشأن ملازمة السبط للعراقي ووقائع تلمذته له، فقد قرر أنه لازم العراقي نحو ١٠ سنين كما ذكرت، وقد تبين لنا أنه استغرق ٥ سنين في الرحلة الأولى، فتكون ملازمة السبط في الرحلة الثانية أقل من ٥ سنين بيسير، فإذا حسبت ابتداء من سنة ٧٨٦ هـ يكون السبط قد استغرق منها سنتين على الأقل قبل سفر العراقي للمدينة سنة ٧٨٨ هـ، واستغرق الباقي بعد عودته سنة ٧٩٢ هـ كما قدمنا، وبذلك لا يكون السبط أدرك أمالي العراقي القاهرية التي ابتدأها أول سنة ٧٩٥ هـ كما قدمنا، بينما السخاوي نفسه قرر أن البرهان الحلبي استملى على العراقي بعض تلك الأمالي (٢). ومن جهة أخرى فإني قد وقفت على إثبات حضوره المجلس الأخير من مجالس العراقي لإسماع «صحيح البخاري» بخانقاة سعيد السعداء

стр. 572

بالقاهرة سنة ٧٩٩ هـ (١). وبمقتضى هذا تزيد فترة ملازمة السبط للعراقي عن ١٠ سنين، وهو خلاف ما قرره السخاوي قبلا، والذي يظهر لي أن هذه الرحلة بدأت سنة ٧٩٦ هـ واستمرت ملازمة السبط للعراقي نحو خمس سنين، تكملة لفترة الملازمة في الرحلة الأولى، بدليل سماعه عليه سنة ٧٩٩ هـ كما قدمت. وبجانب حضوره في هذه المرحلة مجالس العراقي لإسماع البخاري، فإنه قرر سماعه عليه فيها شرح الألفية الذي قرأه عليه بنفسه في الرحلة الأولى (٢). أما السخاوي فذكر أن البرهان الحلبي قرأ على العراقي ألفية المصطلح ونكته على علوم ابن الصلاح، مع البحث في جميعها وغيرها، من تصانيفه وغيرها، وأنه تخرج به، وأذن له في الإقراء والكتابة على الحديث، بل أشار له أن يخرج ولده الولي (أبا زرعة)، لكنه لم يؤرخ شيئا من ذلك، وصرح السبط نفسه بأنه بجانب قراءته على العراقي شرح الألفية المتقدم، قرأ عليه نكته على ابن الصلاح ولم يؤرخ ذلك أيضا (٣). ولكن هذا لا ينفي أنه تلقى عن العراقي مؤلفاته المذكورة خلال تلمذته عليه مع دراستها عليه دراسة جيدة بجانب غيرها مما ذكرته وما أشار إليه السخاوي وبذلك كله كان لملازمة البرهان الحلبي للعراقي أثرها البالغ في تكوينه العلمي وتقدمه وفي نشاطه المتعدد، حيث مكث بضعا وستين سنة قائما بقراءة الحديث بنفسه لطلابه وإسماعه لهم بقراءة غيره وتدريس علومه مع صبره على

стр. 573

ذلك حتى كان يقوم بالإسماع أياما كاملة، دون ضجر ولا ملل، مع تفرده ببعض مروياته فرحل إليه الطلاب من أنحاء البلاد، وأخذ عنه الأئمة عبر تلك السنين طبقة بعد طبقة، ومنهم من كان يجد كفايته في التلمذة عليه وحده، ولا عجب فقد شهد له رفيقه ابن حجر بأنه أحق الناس في عصره بالرحلة إليه، لعلو سنده حسا ومعنى، ومعرفته بالعلوم فنا فنا وهذا يصور لنا مدى نشره لما تلقاه عن العراقي رواية ودراية من مؤلفاته وغيرها، بالإضافة إلى أنه ألف كثيرا في علوم السنة، واعتمد في ذلك على ما استفاده من العراقي مشافهة، وعلى مؤلفاته، كما شرع في تأليف حاشية على ألفية الحديث وشرحها لشيخه كما سنوضحه، وبذلك كله كان البرهان الحلبي أنموذجا لتلاميذ العراقي الوافدين، الذين عظم تأثيره فيهم وخرجهم، ثم صاروا أعلاما للسنة في بلادهم، وكانوا امتدادا جيدا لأثره في علوم السنة تعليما وتأليفا. وقد توفي السبط بحلب بعد حياته الحافلة بخدمة السنة، وذلك في ٢٦ شوال سنة ٨٤١ هـ ولم يتأخر هناك في علم الحديث مثله (١). ٩ - وممن تخرج به أيضا وشرح بعض مؤلفاته: «ابن حجر العسقلاني» حافظ الدنيا من بعده (٢) وهو أحمد بن علي بن محمد، المعروف بابن حجر

стр. 574

العسقلاني الأصل، ثم المصري، وقد كتب بخطه مولده في ٢٣ شعبان سنة ٧٧٣ هـ وسأركز على جوانب تأثير العراقي فيه وبيان موقفه منه لأن غيري قد تناوله بالبحث المتخصص، وتلميذه السخاوي ترجمه في كتاب يقع في مجلدين متوسطين باسم «الجواهر والدرر في ترجمة شيخ الإسلام ابن حجر»، وقد بدأ اتصاله العلمي بالعراقي في صغره حيث كانت ألفيته في علوم الحديث ضمن محفوظاته في أول سلمه التعليمي، غير أن تلقيه المباشر عنه تأخر كثيرا، لعدم وجود من يعتني بتوجيهه لدراسة الحديث من صغره، كما كان معتادا، ولعل هذا ما جعله يثير هذه النقطة ويوسعها بالنسبة لشيخه العراقي كما قدمت ذكره والرد عليه، بل إنه بعد أن تتلمذ قليلا على شيخه في سنة ٧٨٦ هـ حيث كان في الثالثة عشر من عمره تقريبا، انقطع نحو عشر سنين مشتغلا بعلم الأدب، وفي ذلك يقول: «اجتمعت به في سنة ٧٨٦ هـ فقرأت عليه، ثم فتر العزم إلى رمضان سنة ٧٩٦ هـ حيث رفع الحجاب وانفتح الباب» (١). وعندئذ عزم على الاختصاص بالسنة وجد كثيرا في الطلب لتعويض ما فاته وتم له ذلك مثلما فعل شيخه العراقي أيضا، وتلاحظ من قول ابن حجر «رفع الحجاب وانفتح الباب» أنه يعلل تأخره وفتور عزمه حتى التاريخ المذكور بالقضاء والقدر، بينما علل تأخر شيخه العراقي بتراخيه وتشاغله وبعدم عناية والده بفن الحديث كما قدمنا، مع أنه كان بإمكانه تعليله أيضا بالقضاء والقدر لو لم يقصد الغمز، غير أن هذه الغمزة التي سبق ردنا عليها، وغيرها من الانتقادات والاستدراكات العلمية التي وجهها لشيخه، تصريحا أو

стр. 575

تلميحا، مثل قوله: «إنه لم يكن له من يخرجه على طريقة أهل الإسناد» كما سبق رده أيضا، وقوله بعد بعض الاستدراك عليه كما سيأتي بحثه: «ولي مع الشيخ مراجعات كثيرة يطول شرحها» (١). كل ذلك لم يمنع ابن حجر نفسه وغيره، من تقرير أن المئات من شيوخه في علوم السنة أجلهم وأعمقهم تأثيرا فيه هو العراقي، فالسخاوي يقول: «إن ابن حجر سمع المسلسل بالأولية من جماعة، أجلهم حافظ الوقت أبو الفضل العراقي» (٢). ويقول ابن حجر نفسه: «لازمت شيخنا عشرة سنين، تخلل في أثنائها رحلاتي إلى الشام وغيرها» (٣) وحددها بأنها بدأت من رمضان سنة ٧٩٦ هـ إلى أن حجب الشيخ عن التدريس وغيره، كما قدمنا في شوال سنة ٨٠٥ هـ (٤). وقد أشرنا من قبل إلى أن ملازمة الطالب لأستاذه هي أبلغ صور التلمذة، بحيث اصطلح المؤرخون والمحدثون على التعبير بـ «الملازمة» في بيان عمق التأثر والاستفادة من الشيوخ، حتى لو كانت مدتها قصيرة، فما بالنا لو قاربت ملازمة ابن حجر للعراقي عشرة سنين، وكانت في ذروة اتساع مجالس دروس العراقي وأماليه؟ ولهذا يقول ابن حجر عن العراقي: «قرأت عليه كثيرا ولازمته طويلا» (٥).

стр. 576

ومما يصور تلك الملازمة وكثرة عائدها، أنها تجاوزت أماكن الدراسة إلى منزل العراقي نفسه فكان ابن حجر يتردد عليه كثيرا منذ اتجاهه للتخصص بالسنة حيث يقول عن بداية ذلك في رمضان سنة ٧٩٦ هـ: «فاجتمعت به بمنزله بجزيرة الفيل وحدثني من لفظه بالمسلسل بالأولية .. ثم قرأت عليه كتابه «الأربعين العشارية» من جمعه» (١). وقد أثبت أيضا بخطه سماع جماعة بقراءته هذه للكتاب على العراقي وأرخ ذلك في ١٢ شوال من السنة المذكورة (٢). ويقول السخاوي عن ابن حجر: «إنه قرأ على العراقي ألفيته وشرحه لها بحثا، وانتهى ذلك في يوم الجمعة ٢٣ رمضان سنة ٧٩٨ هـ بمنزل المصنف بجزيرة الفيل على شاطئ النيل» (٣). وكتب له العراقي بخطه أن قراءة الكتابين المذكورين كانت قراءة بحث وتأمل ونظر وتعقل، وأنه تم ذلك في مجالس آخرها في العشر الأخير من رمضان سنة ٧٩٨ هـ (٤) كما ذكر السخاوي قراءة ابن حجر على العراقي بمنزله المذكور بعض أحاديث «مسند أحمد» (٥) ويؤكده قول ابن حجر: «إنه قرأ على العراقي بمنزله بظاهر القاهرة الجزء الذي ألفه في الأحاديث التي قيل

стр. 577

بوضعها في مسند أحمد» (١). وأثبت العراقي قراءة ابن حجر لهذا الجزء عليه في ١٦ شعبان سنة ٨٠٢ هـ (٢). وهذا يفيد امتداد تلمذته عليه بمنزله إلى أواخر حياته، كما يثبت ما قدمته من أن العراقي فتح منزله لطلابه، للتلقي عنه في وقت فراغه من العمل في الأماكن الدراسية المتعددة، السابق بيانها. وبالنسبة لملازمة ابن حجر له في تلك الأماكن الدراسية وما تلقاه عنه فيها رواية ودراية، فإن تفاصيل ذلك ضخمة، ونكتفي فيها بالنماذج المعبرة، فمن ذلك ما قدمته من قراءته على العراقي عددا من مروياته بالمدرسة (القرسنقرية) وإجازته مع الحاضرين (٣). وصرح ابن حجر كذلك بأنه استملى على شيخه كثيرا من أماليه (٤). وقال السخاوي: «وحمل عنه من أماليه جملة مستكثرة واستملى عليه بعضها» (٥) وأثبت العراقي له ذلك أيضا بخطه (٦) وقد تقدم أن العراقي عقد مجالس إملائه في عدة مدارس، مع قيامه فيها أيضا بتدريس علوم السنة وعليه يكون ابن حجر قد لازم العراقي في دروسه وأماليه بتلك المدارس. وقد قرر السخاوي ذلك فقال: «وأكثر ﵁ من التردد إلى العراقي

стр. 578

المذكور، فقرأ عليه غير ما تقدم، الكتب الكبار، والأجزاء القصار الكثير (١). وقال الشوكاني: «فعكف علي الزين العراقي، وحمل عنه جملة نافعة من علم الحديث سندا ومتنا وعللا واصطلاحا» (٢) وقد عدد ابن حجر في «معجم شيوخه» مما قرأ أو سمع جميعه أو بعضه على العراقي، أكثر من مائة كتاب في علوم الرواية والدراية، من مؤلفات العراقي وغيره من المتأخرين والمتقدمين، ومنها ما يبلغ المقروء أو المسموع منه عدة مجلدات كـ «السنن الكبرى» للبيهقي، و «تكملة شرح الترمذي» للعراقي، ومنها الأجزاء الصغيرة ككتاب «التسوية بين حدثنا وأخبرنا» لأبي جعفر الطحاوي وكتاب «المراسيل» للعراقي (٣). ومع هذا فإنه لم يستوعب كل ما قرأه أو سمعه على العراقي من مؤلفاته وغيرها حيث ذكر في غير «المجمع» كتبا أخرى متعددة، مثبتا قراءتها أو سماعها كلها أو بعضها على العراقي (٤) كما ذكر غيره إضافات ثالثة (٥) وفضلا عن هذا ما أجازه به أو ناوله إياه (٦) أو أفاده شفاهة من آراء وتحقيقات علمية وإجابات عن بعض الأسئلة كما ستأتي أمثلته.

стр. 579

ولئن أعطانا هذا صورة وافية عن اجتهاد ابن حجر وحرصه على تحصيل أكبر قدر ممكن من علم العراقي خلال ملازمته، فإنه أيضا يعطينا صورة وافية للتأثير البالغ والمجهود الشاق الذي بذله العراقي في بناء شخصية ابن حجر الحديثية على خير وجه خلال سني ملازمته له، ويعطينا في نفس الوقت صورة وافية للضخامة في الكيف والكم لما أداه العراقي إلى طلابه عموما خلال منهجه الدراسي للسنة في تلك الفترة الختامية فضلا، عما سبقها؛ لأن ابن حجر لم ينفرد بتلقي غالب ما تقدم عنه، بل شاركه الكثيرون وخاصة الذين كانوا يلازمون العراقي مثله، ويترددون على دروسه ومجالسه للإملاء كما أشرنا من قبل. أولية تخريج العراقي لابن حجر ونص إجازته له بالرواية عنه وبتدريس علوم السنة وغيرها وترشيحه لخلافته: ونتيجة لوفرة تحصيل ابن حجر على النحو المشار إليه وجودة فهمه، فإن العراقي بكر بتخريجه، حيث أذن له بعد نحو ٣ سنين من الملازمة بتدريس علوم السنة مع توثيقه، ومنحه الألقاب الحديثية المصطلح عليها، تشجيعا له وتقديرا لما أبداه من الاجتهاد في التحصيل وجودة الفهم، وكان ذلك في جمادى الآخرة سنة ٧٩٩ هـ (١)، فكتب له بخطه بعد بيان أهمية علم الحديث: «لما كان الشيخ العالم الكامل .. الإمام المحدث المفيد المجيد، الحافظ المتقن الثقة المأمون، شهاب الدين أحمد أبو الفضل .. ممن وفقه الله لطلبه، فجمع الرواة والشيوخ، وميز بين الناسخ والمنسوخ، وجمع الموافقات والأبدال (٢) وميز بين الثقات والضعفاء من الرجال وأفرط بجده الحثيث، حتى انخرط في سلك أهل

стр. 580

الحديث. وحصل في الزمن اليسير على علم غزير .. » ثم ذكر مما قرأه عليه بتعقل وبحث، ألفيته وشرحها ونكته على مقدمة ابن الصلاح، بالإضافة إلى قراءة عدة أجزاء من مروياته العالية الإسناد، وكتابة عدة مجالس من الأمالي كما قدمت، ثم قال: «وأجزت له أن يروي ذلك عني ويقرئ الألفية والشرح عليها والنكت المذكورة، ويفيدها لمن أراد، ويقرئ كتب الحديث وعلوم الحديث وأذنت له أن يروي ذلك، ويلقي بذلك الدروس الحديثية، ويروي عني جميع مؤلفاتي ومروياتي .. وهو غني عن التوصية، لرغبته في الخير، زاده الله علما وفهما ووقارا وحلما … » (١) وجدير بالذكر أن العراقي كان أول من منح ابن حجر كل هذه الصلاحيات (٢)، وبموجبها صار من رجال السنة وحفاظها المعتمدين والمؤهلين على يد رائد السنة في عصره، لممارسة جميع أنشطتها، وبذلك كان العراقي هو الأستاذ الأول لابن حجر، وبداية انطلاقه إلى مجده العلمي المشهود له به حتى الآن، رواية وتدريسا وبحثا وتأليفا، وإليه - بعد الله تعالى - يرجع الفضل الأكبر في تفجير عبقريته العلمية، وتنمية مواهبه بالمناقشة والبحث، وتغذيتها بعلمه، على امتداد سني الملازمة، وصقلها بخبرته، وقد قرر ذلك أبو زرعة ابن العراقي فقال: «إن ابن حجر صحب والده من سنة ٧٩٦ هـ وتخرج به وتنبه وفهم هذا الشأن كما ينبغي، وخرج وصنف وأفاد» (٣).

стр. 581

وقال الغزي وغيره من تلاميذ ابن حجر: «إنه تخرج على حافظ العصر وبقية الأعلام أبي الفضل العراقي، ومهر عليه وقرأ عليه الكثير من مصنفاته وغيرها». على أنه قد تتلمذ للعراقي أيضا في علم الفقه، رغم تلقيه من قبل عن إمام عصره فيه، وهو السراج البلقيني وعن ولده جلال الدين، حتى أذن له العراقي بالإفتاء والتدريس عقب إذنهما، فكتب بخطه: «كذلك أجزت له أن يدرس ويشغل ويفتي بما حصله مما ذكره وما علمه من مذهب الشافعي ﵁، لما اجتمع فيه من العلم والفهم والإفادة» (١). ولما كان التخرج كما قدمت من قبل، مجرد مرحلة ينطلق منها الدارس إلى ما بعدها من التبحر في العلوم والإستيعاب، فإن ابن حجر ظل بعد تخرجه ومزاولة نشاطه الحديثي والفقهي مواظبا على التلمذة لمخرجه، إلى ختام نشاطه العلمي كما قدمنا، وظل العراقي أيضا يوالي إفادته ويوليه عنايته وتقديره ويتابع نشاطه وإنتاجه العلمي، فمن ذلك أنه كان يذهب بنفسه لتوديعه عند السفر في رحلاته العلمية خارج مصر، ولتهنئته بسلامة العودة منها (٢)، وذلك غاية التشجيع والتقدير من أستاذ لتلميذه، كما كان يجلسه بجانبه عندما يحضر مجلس الإملاء، وكان ابن حجر يعرض على شيخه ما ينجزه من مؤلفاته، فيقرظها له ويثني في ذلك عليه، ومن ذلك كتابه الضخم «لسان الميزان» الذي كثر اعتماده فيه على عدة مؤلفات للعراقي كما سيأتي، وقد

стр. 582

منحه في تقريظه من الألقاب الحديثية ما لم يمنحه له عند التخرج، تقديرًا منه لتقدمه الكبير في علوم السنة، حيث قال: «كتاب لسان الميزان»، تأليف الحافظ المتقن الناقد الحجة شهاب الدين أحمد .. وأرخ ذلك في ٢١ شوال سنة ٨٠٥ هـ (١) ويلاحظ أن العراقي احتجب في نفس الشهر المذكور، مما يدل على متابعته لنشاط تلميذه لآخر حد ممكن، كما أنه في أواخر أيامه أخذ تلاميذه يحسون بالفراغ الذي سيتركه، فيسألونه عمن يستحق أن يخلفه في ريادة مدرسة السنة، فسأله كمال الدين بن العديم عمن بقي بعده من الحفاظ؟ فبدأ بابن حجر وثنى بولده أبي زرعة وثلث بالهيثمي، ثم سأله نور الدين الرشيدي مرة أخرى فقال: في الشيخ شهاب الدين ابن حجر كفاية (٢). وحين يقدم الأستاذ تلميذه على ولده الأثير عنده والمشارك له في نفس التخصص، فإنه يقدم أكبر دليل على تجرده وإنصافه، ولهذا كان اعتزاز ابن حجر كبيرًا بهذا التقديم المطلق من شيخه له (٣) وعده مؤرخوه من مفاخره (٤). وكما كان للعراقي أثره الكبير في التكوين العلمي لابن حجر ورفع مكانته حتى قدمه على ابنه وساواه بنفسه، واعتمد على تخريجه وتأليفه في بعض أماليه، فقد كان له أيضًا أثره الخالد في كثير من مؤلفاته في علوم السنة سواء الموسوعات الضخمة التي عرف بها، كـ «فتح الباري بشرح صحيح البخاري» و «الإصابة في تمييز الصحابة» و «لسان الميزان» و «تغليق التعليق»، أو

стр. 583

المؤلفات الدقيقة، كالقول المسدد، وغيره، حيث طعم ابن حجر هذه المؤلفات وغيرها، كما سنفصله، بمروياته عن العراقي وبما استفاده منه شفاهة خلال دروسه، وببعض مؤلفاته كاملة بنصها، أو ما يحتاجه المقام منها، ومن مؤلفاته ما وافق فيه شيخه العراقي فكرة ومنهجا وموضوعا كما سيأتي تفصيله ومثال ذلك: جمعه لزوائد كتب السنة على بعضها وتبويبها، وأجمع ماله في ذلك كتاب (المطالب العالية في زوائد المسانيد الثمانية) وهو مطبوع حاليا في صورته المختصرة ٤ مجلدات وفي صورته المسندة أيضا أكثر من طبعة، بل إن لابن حجر بعض المواقف الدالة على تأثره بالعراقي في منهجه التعليمي حيث أراد تدريب العلاء القلقشندي ليكون معه كالهيثمي مع العراقي، لكن لم يتيسر له ذلك وقد تتلمذ له (العلاء) هذا بعد أن تتلمذ لشيخه العراقي، فأخذ عنه أكثر شرح ألفية الحديث، ولازمه حتى كتب عنه الكثير من أماليه، وأثبت العراقي بنفسه اسمه في عدة مجالس (١) ومن أجل هذا قرر ابن حجر بنفسه التأثير العام للعراقي فيه فقال إنه: شيخنا وأستاذنا وسيدنا وقدوتنا ومعلمنا ومفيدنا ومخرجنا (٢). وقد شكل ابن حجر بجهوده في نشر السنة وتعليمها امتدادا علميا لشيخه العراقي فقد حدث طلابه بغالب مروياته عنه، كما تقدم، ذكرها من مؤلفاته وغيرها طويلها ومختصرها (٣)، وكان من يتأسف على عدم إدراك العراقي وولده أبي زرعة لأخذ الحديث عنهما يجد عزاءه في إدراك تلميذهما ابن

стр. 584

حجر ويقول: «نحمد الله على وجود الشيخ شهاب الدين بن حجر» (١). وقد أحيا أيضا سنة الإملاء بعد العراقي وولده، وصرح باقتدائه بهما في ذلك (٢). كما أنه تناول بعض مؤلفات شيخه بالشرح أو التعليق أو الاستدراك كما سيأتي تفصيله. وبهذا كله كان خير خلف له في حمل لواء السنة داخل مصر وخارجها، وتكميل مسيرته بمختلف جوانبها حتى صار حافظ الدنيا بأجمعها في عصره وانتهت إليه رئاسة الحديث بمصر وغيرها إلى أن توفي بالقاهرة بمنزله داخل باب الشعرية في ٢٨ ذي الحجة سنة ٨٥٢ هـ، وقد قرر السيوطي أنه ختم به الفن وقرر غيره تحول مدرسة السنة من مصر بعد تلاميذه، كالسخاوي والسيوطي، إلى الهند (٣). ١٠ - ومن تلميذاته: «هاجر» ابنة المحدث الشرف محمد بن محمد القدسي أسند أهل عصرها (٤): وهي عزيزة ابنة محمد بن محمد بن أبي بكر المعروف بالمحدث الشرف أبي الفضل القدسي الأصل، القاهري، وقد ولدت في ربيع الأول سنة ٧٩٠ هـ بعد وفاة أخت لها كانت تسمى «عزيزة» فسميت باسمها، ثم ترك هذا

стр. 585

الاسم، إلى «هاجر» لتمييزها عن أختها، ولما كان والدها محدثا فإنه اعتنى بتنشئتها الحديثية، فأحضرها الكثير جدا من عوالي الأجزاء والكتب والمشيخات والفوائد الحديثية على كثير من الشيوخ والشيخات، وكان ممن أحضرت وأسمعت عليه الحافظ العراقي، ومما حضرته عليه وهي في الرابعة من عمرها كتاب (الأربعين العشارية الإسناد) وهو من أعلا مروياته (١). وقد عمرت فوق الثمانين، فصارت أسند أهل عصرها من النساء، وتزاحم عليها الطلبة وقرأ السخاوي عليها كثيرا، وأسمع ولده بقراءته عليها، وبذلك انتشرت مروياتها عن العراقي، وممن قرأ عليها (الأربعين العشارية) له، المحدث شرف الدين يحيى بن محمد بن سعيد القبابي التاجر، وسمعها عليها بقراءته، المحدث بدر الدين محمد بن أحمد العلائي (٢)، وقد توفيت في ٦ من المحرم سنة ٨٧٤ هـ. ١١ - ومنهن: ابنته (زينب) التي حدثت بالكثير، وتزوجها ابن يعقوب، المحدث، تلميذ العراقي: وقد ذكر السخاوي أنها ولدت قبيل الصبح من ليلة ١٢ ذي الحجة سنة ٧٩١ هـ وعني أبوها بتوجيهها لطلب الحديث منذ الصغر، فأحضرها عليه وعلى غيره، ثم أسمعها منه أيضا ومن غيره، ومما سمعته عليه بعض مسند أحمد، واستجاز لها أيضا في سنة ٧٩٥ هـ وما بعدها من كثيرين، وبعضهم من شيوخه المعمرين، ذوي السند العالي، كالتاج بن موسى السكندري.

стр. 586

وقد مكنها ذلك كله من التصدي للتحديث بالكثير، وسمع منها الفضلاء، ومنهم السخاوي الذي أثنى عليها، وقد تزوجها المحدث الشهاب أحمد بن يعقوب تلميذ والدها أيضا كما تقدم التعريف به، وتكونت بذلك منهما أسرة حديثية تعاونت على نشر السنة وإذاعة مروياتهما عن العراقي. وقد توفيت في ٢٨ ربيع الأول سنة ٨٦٥ هـ بعد أن كف بصرها، وثقل سمعها (١). ١٢ - ومنهن ابنته أيضا (جويرية) التي سمع منها الأئمة وتزوجها تلميذ المحدث الكلوتاتي (٢): وقد ولدت على الراجح قبل سنة ٧٨٨ هـ تقريبا، وعني والدها أيضا بضمها لأسرة السنة كباقي أخوتها، فاستجاز لها كثيرا من الشيوخ في الحرم سنة ٧٨٨ هـ فما بعدها، وأسمعها منذ الصغر على نفسه، وعلى غيره وقد اصطحبها معه في الحج، وفي مدة عمله بالمدينة المنورة، مما أتاح لها التلقي الكثير عنه، والتربية على يديه علما وخلقا، وأتت ثمار تربيته لها، فكانت صالحة خيرة، وأحبت الحديث، وتصدت لنشر ما تلقته عن والدها وعن غيره، فسمع منها كثير من الأئمة كالسخاوي وغيره. وقد تردد السخاوي في ترجمته لها، في تحديد من تزوجها من تلاميذ والدها فقال: «وتزوجها» الهيثمي ظنا، والشهاب الكلوتاتي وقتا، لكنه قطع في ترجمة الكلوتاتي بأنه تزوجها، وقطع في ترجمة الهيثمي بأنه تزوج ابنة أخرى للعراقي تسمى (خديجة)، كما قدمت ذكره في التعريف بهما.

стр. 587

وبذلك اندفع تردده، وقد تكونت منها ومن زوجها أسرة حديثية، تتلمذت على يد العراقي وقام عضواها بنشر السنة من بعده، وقد توفي زوجها من قبلها سنة ٨٥٦ هـ، وظلت هي قائمة برسالتها حتى توفيت في ٤ من المحرم سنة ٨٦٣ هـ. ١٣، ١٤ - ومنهن الأختان: «زليخا» و «زينب» اللتان أحضرتا في الطفولة وحدثتا من بعده: وكلتاهما ابنتا إبراهيم بن محمد بن أحمد، وقد اعتنى والدهما بإحضارهما منذ الصغر مجالس الحديث، لتحصيل علو السند فأحضرهما على العراقي بعض السنن «لأبي داود» والمجلس الأخير من مجالس إسماع (البخاري) التي سبق ذكرها في نشاط العراقي، وكان ذلك في سنة ٧٩٨ هـ حيث كانت دروس العراقي متكاثرة في عدة أماكن كما مر، وقد كانت «زليخا» حينئذ في الرابعة من عمرها، و «زينب» في الثالثة، وهما نموذجان لتلمذة الأسر على العراقي ولتلمذة أصغر من أدركه من جيل المحدثات من بعده حيث قامت كل منهما بالتحديث بعد تأهلها للأداء، وسمع منهما الأئمة، وقد كان ما حضرتاه على العراقي من عوالي ما حدثتا به، لتحملهما عنه في الصغر كما ذكرنا، وقد قرأ السخاوي على (زليخا) بعض مروياتها، كما كانت (زينب) تعني بالاطلاع في كتب السنة، وظلتا تؤديان رسالتهما حتى توفيت (زليخا) سنة ٨٦٧ هـ وتوفيت (زينب) سنة ٨٧٩ هـ (١)

стр. 588

خلاصة نتائج وظائف العراقي العلميّة واثرها في السنّة مما تقدّم في بحث وظائف العراقي وبيان آثارها في علوم السنّة يتلخص لنا تحقيق النتائج التالية: ١ - أن قيام العراقي برسالته العلمية في مجال السنّة كان أسبق وأعم من توظفه رسميًا لذلك، وقد استمر قائمًا بذلك خلال أزيد من ستين عامًا، منذ ٧٤٥ هـ حتى ٨٠٦ هـ التي توفي فيها ولعل هذا ما جعل ابن حجر يقول في رثائه: ومن ستين عامًا لم يجارى … ولا طمع المجاري في اللحاق (١) ٢ - أنه في مراحل عمله الثلاثة قد تقلد عدة وظائف رسمية، بمصر وبالمدينة المنورة، عن كفاءة علمية وخُلقية، ودون طلب منه أو منازعة لأحد، كما كان يحدث من غيره. ٣ - أن هذه الوظائف تركزت في التكليف برواية السنّة وتدريس علومها، فأفاد وتكلّم على العلل والإسناد، ومعاني المتون وفقهها فأجاد، مع المشاركة في تدريس غيرها، خاصة علمي الفقه وأصوله، وتولي القضاء وتوابعه من الفتوى والإمامة والخطابة. ٤ - أنه قام خلال مراحل عمله داخل مصر وخارجها بجهود عامة ومواقف رائدة، أحدثت تأثيرًا عامًا في النهوض بالسنّة وإحيائها علمًا وعملا ودفع غير الأكفاء عن حقلها، فحقق بذلك ريادته لمدرسة علوم السنّة في عصره ومصره. ٥ - أن من أبرز جهوده الرائدة والمؤثرة، إحياء سنة إملاء الحديث بعد اندثارها من العالم الإسلامي عمومًا، قرابة قرن ونصف، وابتدأ ذلك في

стр. 589

الروضة الشريفة بالمدينة المنورة، ثم استأنف مواصلته بالقاهرة فوق عشر سنوات إلى أواخر حياته، فأدى بذلك مئات الأحاديث بأسانيدها ومعناها بأقوى وجوه الأداء، وخلف تراثًا ضخمًا، ثم اقتدى به تلاميذه وغيرهم من بعده. ٦ - أنه كما تحمل علوم السنة عن شيوخه بأسانيدها وحصلها بمختلف وجوه التحمل والتحصيل الإصطلاحية والمتعارفة في عصره، فإنه قام في مراحل عمله الثلاثة بأداء ما تحمله رواية، وما استوعبه فهمًا ودراية، وما ألفه إلى تلاميذه متبعا في أدائه القواعد المصطلح عليها للأداء عند علماء السنة والمناهج المتعارفة في ذلك حتى عصره، من قراءة، وعرض، وإسماع، وإجازة ومناولة وتصحيح لنسخ المراجع والأمالي، ومقابلتها وغير ذلك، وبهذا وصل جيلا من طلاب وطالبات السنة بأسانيدها وتراثها منذ عصره حتى عصر النبوة، كما أمدهم خلال دروسه بآرائه وفهمه، وخبرته المستمدة من شيوخه وممارسته الواسعة لكتب السنة، وجرى في تدريسه على ما تقضي به المناهج الصحيحة للتربية والتعليم، من المناقشة فيما يدرس وإثارة أفكار وملكات التأمل والبحث عند الطلاب، وتغذية مداركهم بعلمه وخبرته وتوسيعها بتوجيهه، وإتاحة الفرصة لهم لإبداء آرائهم وإظهار علمهم دون تهيب أو جمود، وتشجيعهم على ذلك، مع المتابعة والتصحيح، وبذلك أدى جميع مهماته باعتباره مسندا، ومحدثا، وحافظا، وأستاذا، وموجها. ٧ - أنه قد أدى علوم السنة خلال منهجه التعليمي ونشاطه التثقيفي والتوجيهي إلى عامة الناس وخاصتهم من العلماء والسلاطين والأمراء وتتلمذ له بمختلف وجوه التلمذة، الآباء والأبناء والبنات والأحفاد، من مختلف بقاع العالم الإسلامي، وتكون منهم جيل متكامل من المسندين والمسندات

стр. 590

والمحدثين والمحدثات الذين عاونوه في نشر السنة شرقا وغربا في حياته، ونهضوا بذلك بعد مماته. كما تخرَّج به صفوة من الحفاظ الأعلام الذين تأثروا كثيرا بفكره وتراثه في تكوينهم العلمي وإنتاجهم، وصاروا خلفاءه وسفراءه في مواطنهم ومواقعهم التي شملت العالم الإسلامي من الأندلس وبلاد المغرب، حتى الهند وبلاد فارس والروم، وبواسطتهم انتشرت السنة وعلومها، واستعادت بقدر جهودهم نهضتها الغابرة في تلك الأقطار رواية وتدريسا وعملا وتأليفا ولعل آخر ما يجسد أثر العراقي في علوم السنة بتخريج هؤلاء الأعلام ما قررته إحدى تلميذات الدكتور طه حسين عن أثره فيها حيث تقول: «فكم أخذتُ عنك في حياتك، وكم سأظل آخذ عنك ما حييت، فما أنا إلا كتاب من كتبك» (١). فلو أننا اعتبرنا كل تلميذ خرَّجه العراقي بمثابة كتاب من تأليفه، لتجمع لدينا من ذلك مئات الكتب، بل ما يزال تراث الأعلام الذين خرجهم والمطعم بعلمه، عمدة المشتغلين بالسنة حتى الآن. - أنه قام بما يماثل نظام الدراسات الجامعية العليا في عصرنا فَوَجَّه تلميذه الحافظ الهيثمي إلى التأليف في بعض جوانب علوم السنة التي لم تنل عناية العلماء من قبله، ورسم له المنهج الذي يسير عليه، وأمده بما توفر لديه من المراجع، ثم أشرف عليه وتابع أعماله بالمراجعة والتوجيه، حتى خرجت إلى حيز الوجود، وسَمَّى له بعضها، كما كان يمنح طلابه من الألقاب العلمية

стр. 591

المصطلح عليها، ما يناسب درجتهم في الاجتهاد والتحصيل ويجيزهم بممارسة التدريس والتأليف والفتوى. ٩ - أنه أسهم ببعض دروسه الحديثية في أحداث عصره وشدائد مجتمعه كجفاف النيل، والغلاء والمجاعات، وإضطراب الأحوال العامة للبلاد. ١٠ - بجانب هذا كله قام العراقي بإنجاز كثير من مؤلفاته التي تركز أغلبها في علوم السنة نظما ونثرا، مع تبييض ما كمل منها ومراجعته وتحرير عباراته ومضامينه كما سنعرض له في الباب التالي وما بعده بعون الله. وبهذا كانت حياة العراقي عطاء حافلاً ومؤثرا في علوم السنة وعلمائها بمختلف وجوه التأثير العلمي وتحقق فيه قول تاج الدين السبكي: «إن العالم مهما بلغ اجتهاده في نشر العلم، فنفعه قاصر على مدة حياته ما لم يُصنف كتابا يخلده بعده، أو يورث علمًا ينقله عنه تلميذ أو تهتدي به فئة (١)».

стр. 592

وفاة العراقي وتصحيح تاريخها وتحديد مكانها بالقاهرة ذكرت من قبل أن العراقي لم تطل حياته بعد خطبته البليغة التي ختم بها نشاطه العلمي كلية، عقب صلاته بالناس صلاة الاستسقاء. وقد عاش بعد ذلك عدة أشهر، احتجب فيها عن الناس وتفرغ للعبادة، وذكر ولده ولي الدين أبو زرعة: أنه كان ملازما لوالده حينذاك، وأنه أوصى وصيته حال صحته وقوته، ثم كان يشكو انحطاط قواه، المجاوزة عمره إحدى وثمانين سنة فلما قربت وفاته مرض مرض الموت (١) ويبدو أنه كان مرضًا خفيفًا بحيث تمكن معه من الخروج من منزله إلى الحمام في الساعات الأخيرة من حياته، حيث كانت الحمامات تقام حينذاك لعامة الناس خارج البيوت في كل حي أو شارع، ويتفق عامة مؤرخيه من تلاميذه وغيرهم، على أنه عقب خروجه من الحمام، وعودته إلى منزله بالقاهرة (٢) حضرته الوفاة، وذلك في ليلة الأربعاء، منتصفها، أو قبل التسبيح منها، أو وقت التسبيح قبيل الفجر، ثامن شهر شعبان سنة ٨٠٦ هـ (٣) الموافق ٢١ فبراير سنة ١٤٠٤ م وبهذا يكون عمر العراقي بالتحديد: واحدًا وثمانين عاما وثلاثة أشهر، إلا أياما، وقد ساوى بذلك عمر قرينه في إمامة العصر: سراج الدين البلقيني الذي تقدمه في الميلاد والوفاة بشهور

стр. 593

ولهذا يقول تلميذهما ابن حجر: لا ينقضي عجبي من وفق عمرهما العام كالعام حتى الشهر كالشهر … عاشا ثمانين عاما بعده سنة وربع عام سوى نقص المعتبر وذكر أنه أشار بقوله (سوى نقص) إلى أنهما لم يكملا ربع السنة، بل ينقص أياما (١). لكن أكثر المراجع المترجم فيها للعراقي لا يجتمع في واحد منها هذا التحديد الدقيق لعمر العراقي، ولزمن وفاته معا، حتى لو كان المؤلف عالماً بذلك، فإنه يكتفي بالتقريب والإجمال، فمع تحديد ابن حجر السابق لعمر العراقي، نجده في مرجع آخر يكتفي بتحديده بواحد وثمانين عاما وربع ولا يُعنى ببيان نقص الأيام كما حددها بنفسه فيما تقدم، ويذكر أن الوفاة في ٨ شعبان، دون عناية بتحديد الوقت الذي مر ذكره (٢). أما العيني فيحدّد الوفاة بوقت التسبيح من ليلة الأربعاء، ثم يجمل في تقدير عمر العراقي بواحد وثمانين عاما وربع، دون عناية بذكر نقص الأيام (٣)، ثم نجد ابن فهد، يتردد في تحديد الوقت، بين ليلة الأربعاء ويوم الأربعاء (٤) وهو تردد في غير محله؛ لأن اليوم يُطلق على الليل والنهار معا فكيف يتردد بين ليلة الأربعاء ويوم الأربعاء؟! ثم إن المحدّدين للوقت غيره، متفقون على ليلة الأربعاء، وإن تعدد تحديدهم

стр. 594

للجزء الذي وقعت فيه الوفاة منها كما مر ذكره. ونجد ابن قاضي شهبة في (طبقات الشافعية) يذكر وفاة العراقي في شعبان سنة ٨٠٠ هـ (١). وغالب الظن أن هذا خطأ من ناسخ الكتاب، بدليل أن ابن قاضي شهبة نفسه ذكر في كتابه (الأعلام) وفاة العراقي في شعبان سنة ٨٠٦ هـ، وحدّد عمره إجمالاً بواحد وثمانين عاما و ٣ أشهر (٢)، وتبعه على هذا الغزي (٣). ونجد السخاوي في (الضوء اللامع) يذكر التحديد الدقيق لعمر العراقي ولزمن وفاته كما قدمته، ثم يجملهما في (فتح المغيث) فيقول: (إنه تُوفي في شعبان سنة ٨٠٦ هـ عن أزيد من واحد وثمانين عاما) (٤). وأكثر من هذا إجمالاً قول المناوي: «إنه توفي في شعبان سنة ٨٠٦ هـ فعمر واحدا وثمانين سنة» (٥) وأكثر المراجع المتأخرة تكتفي بذكر سنة الوفاة فقط (٦). ثم إن تلميذ العراقي ابن الجزري حدّد تاريخ الوفاة بالثاني من شعبان (٧) وهذا خلاف المتفق عليه من بقية تلاميذ العراقي وغيرهم، وهو الثامن من شعبان

стр. 595

كما تقدم، وقد أسلفت في التعريف بابن الجزري أنه كان بسمرقند حين وفاة العراقي، فلعل هذا ما وصل إليه، كما أني لا أستبعد أن يكون اشتبه على الناسخ أو المحقق لكتاب ابن الجزري لفظ «الثامن» بلفظ «الثاني» لتقارب شكلهما في الكتابة العددية واللفظية. ومع ذلك فقد تسرب هذا الخطأ إلى المراجع المتداولة لبعض المؤرخين المتأخرين والمفهرسين (١) فَلْيَتَنَبَّه لذلك، منعًا لمواصلة الخطأ. أما «بروكلمان» فتردد بين الثامن والسابع والعشرين من شعبان أيضًا (٢). ثم عاد فاقتصر على السابع والعشرين (٣)، وهناك مراجع أخرى شائعة التداول من تأليف بعض الباحثين في علوم السنة والمؤرخين للتراث، والمحققين له والمفهرسين، وقد أرخوا فيها وفاة العراقي سنة ٨٠٥ هـ (٤). وهناك مراجع أخرى ترددت بين سنة ٨٠٥ هـ وسنة ٨٠٦ هـ (٥).

стр. 596

وأكثر من هذا أن بعض المراجع أرخت وفاة العراقي بسنة ٨٢٦ هـ (١) وهذا ناتج من اشتباه العراقي بولده ولي الدين أبي زرعة؛ لأن هذا تاريخ وفاة «أبي زرعة» كما قدمنا. والصواب من ذلك كله، التحديد بسنة ٨٠٦ هـ؛ لأنه الموافق لما قرره أبو زرعة ابن العراقي الذي حضر وفاة والده، أنه جاوز إحدى وثمانين سنة (٢) وقد وافقه في هذا عامة المؤرخين من تلاميذ والده وغيرهم كما قدمنا. وعليه يكون التاريخ المعتمد لوفاة العراقي هو: (ليلة الثامن من شعبان سنة ٨٠٦ هـ) ولا يعتد بما خالفه، مهما كان انتشاره في مراجع عربية أو أفرنجية، وبالله التوفيق. تحديد مكان دفن العراقي ومَن صلَّى عليه، ومسجده حاليا بالقاهرة: كما ثبت لنا من قبل أن العراقي ولد ونشأ بإحدى ضواحي القاهرة، على شاطئ النيل المبارك الجميل، فإن كافة مؤرخيه مجمعين على أنه توفي بالقاهرة حيث كان منزله كما قدمنا، ثم حُمِلَتْ جنازته صبيحة الأربعاء في مشهد مهيب حافل، إلى جامع الحاكم بأمر الله، وهو معروف إلى الآن بالقاهرة (٣) حيث صلي عليه، ثم دفن بتربته التي كانت مقامة بالصحراء، تجاه خانقاة الطويل، خارج السور الشرقي للقاهرة من ناحية أحد بابيها الشرقيين المعروف.

стр. 597

بـ «باب البرقية» (١). وهكذا كانت مصر مولد هذا الحافظ الكبير ومرباه، ومركز مجده العلمي ثم كان بها وفاته ومثواه الأخير، وستظل تربتها حفيظة على رفاته بين أحضانها الحانية إلى يوم النشور، ولهذا انتسب كما قدمنا في مشخصاته العامة إلى مصر والقاهرة ومنشأة المهراني التي ولد بها على شاطئ النيل وعده السيوطي من حفاظ السنة المصريين، وستظل مصر تفخر به كعلم للسنة في عصره من أبنائها. وأما ذكر بعض الباحثين في عصرنا له ضمن مشاهير العلماء الذين ظهروا ببغداد والبلاد العراقية في القرن الثامن الهجري (٢). فهو أخذ بظاهر نسبته للعراق فقط، والتي سرت إليه من والده وأصل أسرته واشتهر بها كما قدمنا في مشخصاته، لكن هذا خلاف الإجماع التاريخي كما ترى، على أنه مصري المولد والمنشأ والوفاة والمدفن ولم يقدر له دخول أي بلد عراقي، ولو راحلا في طلب العلم كما تقدم في رحلاته. ولهذا عده الكتاني ضمن حفاظ السنة المصريين، ثم عقد فصلا لبيان حفاظ العراق ولم يورده فيهم (٣).

стр. 598

ومن كل ذلك يتضح أنه ليس لمن عدّ العراقي من مشاهير العلماء الذين ظهروا بالبلاد العراقية، مستند يعول عليه. هذا وقد ذكر ابن خطيب الناصرية، أنه قدم لإمامة الناس في صلاة الجنازة على العراقي: برهان الدين الأبناسي (١) وذلك مخالف لما قدمناه في التعريف بالأبناسي اعتمادًا على مصادر موثقة، أنه توفي سنة ٨٠٢ هـ أي قبل وفاة العراقي بنحو ٤ سنين، فلعل الصواب ما ذكره السخاوي من أن الذي قدم للصلاة هو الشيخ شهاب الدين بن الذهبي (٢). ويظهر أنه دفن بجانب العراقي بعض أفراد أسرته، حيث يقول غير واحد من مؤرخيه: «ودفن بتربتهم» (٣). كما قرر غير واحد أيضًا أن ولده أبا زرعة دفن بجنبه (٤). وعندما اتجهت للبحث عن مكان قبر العراقي بالقاهرة الحالية بعد تغيرها الكبير عن وقته، وجدتُ الشيخ حسن القويسني الذي كان موجودًا سنة ١٢٤١ هـ يقرر أن قبر العراقي موجود بإحدى الحارات بحي يُعرف حاليا بحي «العطوف»، وأن عنده قبر ولده أبي زرعة (٥).

стр. 599

لكني وجدت صاحب (الخطط التوفيقية) ذكر عدة أضرحة بأحياء مختلفة بالقاهرة، كل منها يعرف بـ «ضريح العراقي» دون تحديد الاسم والنسب (١) غير أن الذي يتفق مع ما قدمته عن مؤرخي العراقي وعن الشيخ القويسني الذي قابلته في الحي نفسه، وهو من المعمرين فيه، هو ما ذكره صاحب «الخطط» بقوله: (حارة العراقي) وعُرفت بذلك لأن بها ضريحًا يُعرف بضريح (سيدي العراقي). ثم حدد موقعها بقوله: «وهي عن يمين المار من حارة العطوف، وبنهايتها أرض براح» أي فضاء ثم قال: «وبوسط حارة العراقي أيضًا ضريح يعرف صاحبه بالشيخ محمود» (٢). ولهذا ترجح عندي أن قبر الحافظ العراقي هو المقام عليه الضريح المشار إليه، وما عداه فهو لبعض الشيوخ العراقيين الذين كانوا يفدون أو يهاجرون كأسرة العراقي إلى القاهرة، ويتوفون ويدفنون بها، وقد اتجهت بنفسي إلى حارة العطوف المذكورة، وهي كائنة الآن بحي الجمالية جهة الشرق من مسجد الإمام الحسين بن علي ﵄، وكان ذهابي إلى هناك يوم الجمعة ٢٧ من ربيع الأول سنة ١٣٩٥ هـ الموافق ٩ من مايو سنة ١٩٧٥ م فوجدت حارة العراقي المذكورة متفرعة فعلا من العطوف وبوسطها ضريح الشيخ «محمود» الذي أشار إليه صاحب (الخطط)، أما الأرض الفضاء التي أشار إليها فقد بنيت، واسم الحارة تغير من اسم «العراقي» إلى «كوم الريش» ثم إلى حارة «الوسائيمة» حاليا، ووجدت بها قبر الحافظ العراقي فعلا في حجرة صغيرة ملاصقة لمؤخرة مسجده، ولها باب خاص يفتح على المسجد،

стр. 600

ومن يدخل المسجد يكون باب حجرة القبر عن يساره. وقد أقيم عليه مقصورة تحجزه عن المسجد، ويفتح باب المسجد في الحارة المذكورة ورقمه فيها (٢٩)، والمسجد والضريح يكونان شكلا مستطيلا، مساحته (١٣٠ مترا مربعا تقريبا)، وبناؤهما عادي، ويقع الضريح في الركن الخلفي للمسجد، عن يسار الداخل، وهو عبارة عن حجرة مربعة الشكل مساحتها ١٦ مترًا مربعًا تقريبًا، وأرضيتها منخفضة عن أرضية المسجد بنحو نصف متر تقريبا، وفي وسطها قبر الحافظ العراقي مكسوا بالقماش المطرّز عليه اسمه، وبهذا الضريح شباكان أحدهما من الجهة البحرية، ويطل على حارة (ست الملك) والآخر من الجهة الغربية ويطل على «حارة الوسايمة» التي يُفتح فيها المسجد، وتقام بالمسجد صلاة الجمعة والأوقات ودروس الوعظ، وقد التقيت بإمام المسجد لمعرفة بعض المعلومات للتأكد، فاستدعى لي رجلا يدعى (الشيخ محمد أحمد عطية)، وشهرته الشيخ (عطية)، وقال لي إنه منشئ هذا المسجد والضريح بمعاونة أهالي الحي، فَيُعْتَبَرُ شاهد عيان، وقد ذكر لي الشيخ عطية أنه من مواليد حي العطوف، ويبلغ السادسة والستين من عمره، وأن قبر العراقي كان موجودًا في هذا المكان، وفي مقدمه حجر نقش عليه اسمه وتاريخي ميلاده ووفاته، وكان بجواره قبر يُعرف بقبر الشيخ الملاخ وبجوارهما بعض الأراضي الفضاء، ومكتب صغير، كان الشيخ عطية نفسه يعلم فيه الأطفال ويُحفظهم القرآن الكريم، وفجأة جاء شخص يريد عمل الفضاء المجاور لقبري العراقي والملاخ «مربطا» للبغال وغيرها، غير مكترث بحرمة القبرين، فاستنهض الشيخ عطية حمية أهل العطوف لمنع هذا الرجل وإقامة مسجد بدل «المربط» وفعلا أنجح الله هذا
следующие страницы →