وأكثر من هذا أن بعض المراجع أرخت وفاة العراقي بسنة ٨٢٦ هـ (١) وهذا ناتج من اشتباه العراقي بولده ولي الدين أبي زرعة؛ لأن هذا تاريخ وفاة «أبي زرعة» كما قدمنا.
والصواب من ذلك كله، التحديد بسنة ٨٠٦ هـ؛ لأنه الموافق لما قرره أبو زرعة ابن العراقي الذي حضر وفاة والده، أنه جاوز إحدى وثمانين سنة (٢) وقد وافقه في هذا عامة المؤرخين من تلاميذ والده وغيرهم كما قدمنا. وعليه يكون التاريخ المعتمد لوفاة العراقي هو: (ليلة الثامن من شعبان سنة ٨٠٦ هـ) ولا يعتد بما خالفه، مهما كان انتشاره في مراجع عربية أو أفرنجية، وبالله التوفيق.
تحديد مكان دفن العراقي ومَن صلَّى عليه، ومسجده حاليا بالقاهرة:
كما ثبت لنا من قبل أن العراقي ولد ونشأ بإحدى ضواحي القاهرة، على شاطئ النيل المبارك الجميل، فإن كافة مؤرخيه مجمعين على أنه توفي بالقاهرة حيث كان منزله كما قدمنا، ثم حُمِلَتْ جنازته صبيحة الأربعاء في مشهد مهيب حافل، إلى جامع الحاكم بأمر الله، وهو معروف إلى الآن بالقاهرة (٣) حيث صلي عليه، ثم دفن بتربته التي كانت مقامة بالصحراء، تجاه خانقاة الطويل، خارج السور الشرقي للقاهرة من ناحية أحد بابيها الشرقيين المعروف.
стр. 597
بـ «باب البرقية» (١).
وهكذا كانت مصر مولد هذا الحافظ الكبير ومرباه، ومركز مجده العلمي ثم كان بها وفاته ومثواه الأخير، وستظل تربتها حفيظة على رفاته بين أحضانها الحانية إلى يوم النشور، ولهذا انتسب كما قدمنا في مشخصاته العامة إلى مصر والقاهرة ومنشأة المهراني التي ولد بها على شاطئ النيل وعده السيوطي من حفاظ السنة المصريين، وستظل مصر تفخر به كعلم للسنة في عصره من أبنائها.
وأما ذكر بعض الباحثين في عصرنا له ضمن مشاهير العلماء الذين ظهروا ببغداد والبلاد العراقية في القرن الثامن الهجري (٢). فهو أخذ بظاهر نسبته للعراق فقط، والتي سرت إليه من والده وأصل أسرته واشتهر بها كما قدمنا في مشخصاته، لكن هذا خلاف الإجماع التاريخي كما ترى، على أنه مصري المولد والمنشأ والوفاة والمدفن ولم يقدر له دخول أي بلد عراقي، ولو راحلا في طلب العلم كما تقدم في رحلاته. ولهذا عده الكتاني ضمن حفاظ السنة المصريين، ثم عقد فصلا لبيان حفاظ العراق ولم يورده فيهم (٣).
стр. 598
ومن كل ذلك يتضح أنه ليس لمن عدّ العراقي من مشاهير العلماء الذين ظهروا بالبلاد العراقية، مستند يعول عليه.
هذا وقد ذكر ابن خطيب الناصرية، أنه قدم لإمامة الناس في صلاة الجنازة على العراقي: برهان الدين الأبناسي (١) وذلك مخالف لما قدمناه في التعريف بالأبناسي اعتمادًا على مصادر موثقة، أنه توفي سنة ٨٠٢ هـ أي قبل وفاة العراقي بنحو ٤ سنين، فلعل الصواب ما ذكره السخاوي من أن الذي قدم للصلاة هو الشيخ شهاب الدين بن الذهبي (٢).
ويظهر أنه دفن بجانب العراقي بعض أفراد أسرته، حيث يقول غير واحد من مؤرخيه: «ودفن بتربتهم» (٣).
كما قرر غير واحد أيضًا أن ولده أبا زرعة دفن بجنبه (٤).
وعندما اتجهت للبحث عن مكان قبر العراقي بالقاهرة الحالية بعد تغيرها الكبير عن وقته، وجدتُ الشيخ حسن القويسني الذي كان موجودًا سنة ١٢٤١ هـ يقرر أن قبر العراقي موجود بإحدى الحارات بحي يُعرف حاليا بحي «العطوف»، وأن عنده قبر ولده أبي زرعة (٥).
стр. 599
لكني وجدت صاحب (الخطط التوفيقية) ذكر عدة أضرحة بأحياء مختلفة بالقاهرة، كل منها يعرف بـ «ضريح العراقي» دون تحديد الاسم والنسب (١) غير أن الذي يتفق مع ما قدمته عن مؤرخي العراقي وعن الشيخ القويسني الذي قابلته في الحي نفسه، وهو من المعمرين فيه، هو ما ذكره صاحب «الخطط» بقوله: (حارة العراقي) وعُرفت بذلك لأن بها ضريحًا يُعرف بضريح (سيدي العراقي). ثم حدد موقعها بقوله: «وهي عن يمين المار من حارة العطوف، وبنهايتها أرض براح» أي فضاء ثم قال: «وبوسط حارة العراقي أيضًا ضريح يعرف صاحبه بالشيخ محمود» (٢).
ولهذا ترجح عندي أن قبر الحافظ العراقي هو المقام عليه الضريح المشار إليه، وما عداه فهو لبعض الشيوخ العراقيين الذين كانوا يفدون أو يهاجرون كأسرة العراقي إلى القاهرة، ويتوفون ويدفنون بها، وقد اتجهت بنفسي إلى حارة العطوف المذكورة، وهي كائنة الآن بحي الجمالية جهة الشرق من مسجد الإمام الحسين بن علي ﵄، وكان ذهابي إلى هناك يوم الجمعة ٢٧ من ربيع الأول سنة ١٣٩٥ هـ الموافق ٩ من مايو سنة ١٩٧٥ م فوجدت حارة العراقي المذكورة متفرعة فعلا من العطوف وبوسطها ضريح الشيخ «محمود» الذي أشار إليه صاحب (الخطط)، أما الأرض الفضاء التي أشار إليها فقد بنيت، واسم الحارة تغير من اسم «العراقي» إلى «كوم الريش» ثم إلى حارة «الوسائيمة» حاليا، ووجدت بها قبر الحافظ العراقي فعلا في حجرة صغيرة ملاصقة لمؤخرة مسجده، ولها باب خاص يفتح على المسجد،
стр. 600
ومن يدخل المسجد يكون باب حجرة القبر عن يساره.
وقد أقيم عليه مقصورة تحجزه عن المسجد، ويفتح باب المسجد في الحارة المذكورة ورقمه فيها (٢٩)، والمسجد والضريح يكونان شكلا مستطيلا، مساحته (١٣٠ مترا مربعا تقريبا)، وبناؤهما عادي، ويقع الضريح في الركن الخلفي للمسجد، عن يسار الداخل، وهو عبارة عن حجرة مربعة الشكل مساحتها ١٦ مترًا مربعًا تقريبًا، وأرضيتها منخفضة عن أرضية المسجد بنحو نصف متر تقريبا، وفي وسطها قبر الحافظ العراقي مكسوا بالقماش المطرّز عليه اسمه، وبهذا الضريح شباكان أحدهما من الجهة البحرية، ويطل على حارة (ست الملك) والآخر من الجهة الغربية ويطل على «حارة الوسايمة» التي يُفتح فيها المسجد، وتقام بالمسجد صلاة الجمعة والأوقات ودروس الوعظ، وقد التقيت بإمام المسجد لمعرفة بعض المعلومات للتأكد، فاستدعى لي رجلا يدعى (الشيخ محمد أحمد عطية)، وشهرته الشيخ (عطية)، وقال لي إنه منشئ هذا المسجد والضريح بمعاونة أهالي الحي، فَيُعْتَبَرُ شاهد عيان، وقد ذكر لي الشيخ عطية أنه من مواليد حي العطوف، ويبلغ السادسة والستين من عمره، وأن قبر العراقي كان موجودًا في هذا المكان، وفي مقدمه حجر نقش عليه اسمه وتاريخي ميلاده ووفاته، وكان بجواره قبر يُعرف بقبر الشيخ الملاخ وبجوارهما بعض الأراضي الفضاء، ومكتب صغير، كان الشيخ عطية نفسه يعلم فيه الأطفال ويُحفظهم القرآن الكريم، وفجأة جاء شخص يريد عمل الفضاء المجاور لقبري العراقي والملاخ «مربطا» للبغال وغيرها، غير مكترث بحرمة القبرين، فاستنهض الشيخ عطية حمية أهل العطوف لمنع هذا الرجل وإقامة مسجد بدل «المربط» وفعلا أنجح الله هذا
стр. 601
المسعى وتعاون أهل الحي مع الشيخ عطية في إقامة المسجد مع إدخال القبرين ضمن سور المسجد، لكنهم أقاموا ضريحا واحدا على قبر العراقي كما وصفت، وذكر لي الشيخ عطية أنهم للأسف سووا قبر الشيخ الملاخ بأرضية المسجد وردموها عليه، لذهاب أكثر معالمه، ثم سألته عما إذا كانوا وقفوا على دفن أحد مع العراقي خاصة ولده أبو زرعة الذي أثبت المؤرخون دفنه بجانبه، فأجاب بأنهم لم يجدوا ما يدل على شيء من ذلك، وبهذا صار الجامع والضريح المذكوران، معروفين في حي العطوف عموما بجامع وضريح «سيدي العراقي».
ومن المعروف أن هذا البحث الجغرافي والتاريخي الميداني، له قيمته في دراسة جوانب الشخصيات الرائدة، ولهذا اقتضى الأمر إعطاء هذه الصورة الحية لتحديد قبر العراقي الآن؛ لتكون دليلا لمن بعدنا من مؤرخي الأعلام.
لكن لابد من التنبيه إلى أن إقامة مثل هذه الأضرحة، واتخاذها مساجد كلاهما من الأمور المبتدعة التي عمت بلاياها ربوع العالم الإسلامي وأساءت للإسلام وأهله، ناهيك عما يقع عندها من جهلة الناس، من شركيات ومخالفات، يتأذى بها، ويبرأ منها أموات المسلمين، وأحيائهم!
стр. 602
ألقاب العراقي العلمية، وتجديده للقرن الثامن وتقدير العلماء وغيرهم له حتى الآن
بعد أن مر بنا الاستعراض الموثق الجوانب شخصية العراقي، وبيان ما توافر لديه عبر مراحل حياته، من صنوف التحمل والأداء، لعلوم الرواية، وفنون الدراية، وإحياء ما أميت أو أُهمل من السنن العملية والعلمية، مع ما سيأتي من جهود مشهودة في التصنيف في علوم السنة، والمشاركة الجيدة في بقية العلوم المكملة لرسالته الحديثية من لغة وفقه، وأصوله، وعلوم القراآت والتفسير، يسوغ لنا أن نقرر هنا: أن ذلك قد أَهله لاستحقاق مختلف الألقاب الحديثية والعلمية التي وصف بها - عن استحقاق وكفاءة - أمثاله من كبار أئمة وعلماء وحفاظ السنة وعلومها، ورواد مدارسها في العصور المختلفة بل إنه صار يحتكم إليه في شروط من يستحق تلك الألقاب في عصره والمفاضلة بينهم - كما سيأتى، وقد ذكر السخاوى عن لقب «الحافظ»: إنه لا ينبغي أن يقبل الوصف به إلا من موصوف به (١).
وفي عصر العراقي وسابقه ولاحقه كان هناك اهتمام من المحققين من العلماء بتحديد الشروط والصفات التي ينبغي توافرها في الشخص حتى يستحق لقبا أو أكثر من تلك الألقاب الحديثية، وغيرها من الألقاب العلمية، التي توضح مرتبة أصحابها في اختصاصهم العلمى في جوانب الشريعة وعلوم السنة، مع تحديد بعضهم لمن ينطبق عليه ذلك من الأشخاص، كما سيأتي.
ومجمل ما أوقفنى عليه البحث والتتبع، أن العراقي قد لقب بالآتى:
стр. 603
١ - الشيخ (١)
والمراد به كما ذكر الملا على قارى: هو الكامل في فنه، ولو كان شابا (٢).
وقال الكتاني: يطلق الشيخ مجازاً على المعلم والأستاذ لكبره وعظمته (٣).
وفي ذلك يقول ابن حجر تلميذ العراقي في رثائه:
فتى كرم يزيد وشيخ علم لدى الطلاب مع حمل المشاق (٤) ولقبه تلميذه ابن الجزري بـ «شيخ الديار المصرية» (٥). ولقبه غيره بـ «شيخ الحديث» (٦).
وأبرز شيوخ العراقي وهو عز الدين ابن جماعة في مصنفه في تخريج أحاديث الرافعي، شحن حواشيه بخطه، بقوله: يُسأل من الشيخ عبد الرحيم عنه (٧).
ولقبه معاصره ابن ناصر الدين الدمشقى بـ «شيخ العصر» (٨)
стр. 604
٢ - المسند (١) - بكسر النون -
وهو من يروى الحديث بإسناده، سواء كان عنده علم به، مثل العراقي، أو ليس له إلا مجرد الرواية، وهذا أدنى درجة من المحدث: فمن اقتصر على المرويات، ومارس القراءة والسماع، ورحل في ذلك للقاء الأشياخ، وحصل من ذلك ما يطلق عليه اسم الاستكثار من ذلك عرفا، وأهمل مع ذلك معرفة الاصطلاح، بحيث لا يصلح أن يُدَرِّسَه، ويُفيده، فهذا يقال له، مسند وراو، وقد يطلق عليه اسم محدث، لكن بالنسبة لمن جمع الأمرين - يعنى الرواية ومعرفة الاصطلاح - إنما يقال له ذلك مجازا (٢)؛ لأنه بناء على ما تقدم يكون أعلا مرتبة من المسند المجرد، وقد تقدم، وسيأتي ما يفيد أن العراقي حقق مطالب الرواية والإسناد، بجانب مطالب الدراية، وقد قال عنه صاحب فهرس الفهارس: إنه من مسندى الحجاز، ومصر، والشام (٣).
٣ - المفيد (٤)
قال السمعاني: هذه اللفظة لمن يفيد الناس الحديث عن المشايخ، قال: واشتهر به جماعة (٥).
стр. 605
ومن أقدم من لقب بذلك أبوبكر محمد بن أحمد بن يعقوب المتوفى سنة ٣٧٨ هـ، حيث قال: إن موسى بن هارون سماني «المفيد»، وموسى هذا من شيوخ أبي بكر المذكور، فهو متقدم في الزمن عن سنة ٣٠٠ هـ، ولذلك علق الذهبي على هذا بقوله: فهذه العبارة - يعني «المفيد» أول ما استعملت لقبا، في هذا الوقت، قبل الثلاثمائة (١)، ثم بين مرتبة هذا اللقب، فقال: والحافظ أعلا من المفيد في العرف، كما أن الحجة فوق الثقة (٢)، وسيأتي عن ابن ناصر الدين وابن فهد المكي وصف العراقي بأنه «حدث وأفاد»، وقال تلميذه ابن حجر: قدوتنا ومعلمنا ومفيدنا (٣) وتقدم تصريح ابن كثير باستفادته منه تخريج حديث صعب على غيره من المحدثين بالشام تخريجه حينذاك (٤).
٤ - المحدث ومؤكداته (٥)
وتقدم أنه لقب أعلا من «المفيد»، وقد تعددت الأقوال في شروط المحدث لدى المتقدمين والمتأخرين حتى عصر العراقي وشيوخه (٦).
كان المحققون منهم يراعون ذلك فيمن يصفونه بهذا اللقب (٧)، وغالبها
стр. 606
يدور على العدالة في الدين، وتحصيل علوم الرواية وفنون الدراية، كما قدمت تفصيلها في صدر هذا الكتاب، وخلال جوانب شخصية العراقي.
وأقرب ما يصور هذا قول معاصر العراقي: أبو الفتح ابن سيد الناس اليعمري المتوفى سنة ٧٣٤ هـ لما سئل عن ذلك فقال: المحدث في عصرنا، من اشتغل بالحديث رواية ودراية (١) وجمع واطلع على كثير من الرواة والروايات، في عصره وتميز في ذلك حتى عُرف فيه خطه، واشتهر فيه ضبطه (٢) ويقرب من هذا تعريف العراقي نفسه للمحدث، في شرحه الكبير لألفيته في المصطلح كما سيأتي، وقال ابن الجزرى تلميذ العراقي: المحدث من تحمل الحديث رواية واعتنى به دراية (٣).
وقد لقب العراقي بالمحدث فقط كما قدمت، وقال شيخه عز الدين ابن جماعة - كما تقدم أيضًا - كل من يدعى الحديث في الديار المصرية سواه فهو مُدع أو مدفوع (٤).
وأما شيخه تقى الدين ابن رافع السلامي (ت ٧٧٤ هـ) من أبرز حفاظ الشام (٥) فإنه لما رأى العراقي بمكة سنة ٧٦٣ هـ قال: ما في القاهرة محدث إلا هذا والقاضي عز الدين بن جماعة، فلما بلغه وفاة القاضي عز الدين وهو
стр. 607
بدمشق قال: ما بقى الآن بالقاهرة محدث إلا الشيخ زين الدين العراقي (١).
وقد توفى عز الدين جماعة سنة ٧٦٧ هـ وهو من أبزر شيوخ العراقي كما تقدم. وبذلك نرى أن شيخيه ابن جماعة وابن رافع قد قررا جدارته بالتفرد بهذا اللقب من بين أقرانه، سواء في عاصمة مصر، وهى القاهرة، أو في عامة الديار المصرية، وأن ذلك كان في وقت مبكر من حياته، وتقدم كذلك أنه تولى مشيخة الحديث بعدة مواضع، ودرسه بعدة مدارس، منها المدرسة الكاملية، وشرط مدرسها أن يكون أعلم أهل القاهرة بالحديث (٢).
وكل من أحمد بن حجي (ت ٨١٦ هـ) وابن ناصر الدين (ت ٨٤٢ هـ) من أبرز حفاظ الشام، وقد وصفا العراقي بأنه شيخ المحدثين (٣).
ووصفه كل من تلميذه ابن الجزري وأحمد بن حجي، وابن قاضي شهبة (ت ٨٥١ هـ) بأنه كان محدث الديار المصرية، وزاد ابن حجي: انتهت إليه بها معرفة علم الحديث (٤).
وقال تلميذه ابن فهد: وقد انتهت إليه رئاسة الحديث، ودرس بعدة أماكن وأفتى، وحدث كثيرا بالحرمين، ومصر والشام، وأفاد (٥)، وقال ابن ناصر
стр. 608
الدين: وحدث وأملى، وأفاد، وقال هو وابن فهد (ت ٨٧١ هـ) في وصف العراقي: وتكلم على العلل والإسناد، ومعاني المتون وفقهها فأجاد (١) زاد ابن ناصر الدين: وخرج تخاريج رويت وانتشرت
٥ - الحافظ ومؤكداته (٢):
وهذا أشهر ألقاب العراقي عموما، واتفق عليه كبار شيوخه كتقى الدين السبكي وصلاح الدين العلائي، وجمال الدين الاسنوى، وكبار تلاميذه كابن حجر العسقلاني وبدر الدين العيني، وبرهان الدين الحلبي المعروف بسبط ابن العجمي، فمن بعدهم (٣).
стр. 609
ولهذا لقبته به في عنوان هذا الكتاب كما ترى، ولم يقتصر الواصفون للعراقي على لفظة (الحافظ) فقط، ولكنهم أضافوا إليها بعض الألفاظ التي تؤكد: استحقاقه لهذا اللقب العلمي، وتفيد ارتفاع منزلته إلى درجة الريادة للموصوفين به من أقرانه ومعاصريه، سواء بمصر أو بغيرها من بلاد الإسلام حينذاك.
فلقب بالحافظ الكبير، الشهير، والحافظ المعتمد، والحافظ الجهبذ، والحافظ الكامل، وعُدة الحفاظ، وحافظ الديار المصرية، وحافظ مصر والشام، وحافظ الوقت، وحافظ العصر، حافظ الإسلام (١) وقد تقدم تعريف ابن سيد الناس للمحدث وبيان شروطه في عصره الذي هو عصر العراقي وشيوخه، وبعد ذكره التعريف والشروط قال: فإن انبسط في ذلك وعرف أحوال من تقدم شيوخه من شيوخهم، وشيوخ شيوخهم طبقة طبقة، بحيث تكون السلامة من الوهم في المشهورين غالبة عليه، ويكون ما يعلمه من أحوال الراوة في كل طبقة أكثر مما يجهله، فهذا حافظ، ثم قال: وأما ما نقل عن المتقدمين في ذلك من سعة الحفظ: فيمن يسمى حافظا، والدؤوب في الطلب الذي لا يستحق الطالب أن يطلق عليه (محدث) إلا به، كما قال بعضهم: كنا لا نعد صاحب حديث من لم يكتب عشرين ألف حديث إملاء، فذلك بحسب أزمنتهم (٢).
стр. 610
ومن هذا يعرف أن ما ذكره الملا على قاري، بأن الحافظ هو من أحاط علمه بمائة ألف حديث (١) هو بحسب عرف المتقدمين وأزمنتهم
والحافظ تقى الدين السبكي ت (٧٥٦ هـ) من أبرز شيوخ العراقي وأقدم من لقبه بالحافظ كما تقدم، وقد سأل رفيقه جمال الدين المزي عن حد الحافظ الذي إذا انتهى إليه الرجل جاز أن يطلق عليه الحافظ؟ قال يرجع إلى العرف، فقال له السبكي: وأين أهل العرف؟ قليل جدا قال: أقل ما يكون، أن يكون الرجال الذين يعرفهم، ويعرف تراجمهم وأحوالهم، وبلدانهم أكثر من الذين لا يعرفهم، ليكون الحكم للغالب فقلت له هذا عزيز في هذا الزمان، فذكر له أنه يمكن تحققه في وقته في الحافظ شرف الدين الدمياطي (ت ٧٠٥ هـ) (٢)
ومن هذا يفهم أن السبكي لما وصف العراقي بالحافظ كان وصفه عن معرفة الحد الاصطلاحي لذلك، ومباحثته فيه مع قرينه المزي المشهود له بالخبرة العالية في هذا الاختصاص، لكن لما كان ما قرره المزي وأقره السبكي بشأن هذا اللقب، فيه تشدد عما تقدم عن ابن سيد الناس، فإن الحافظ ابن حجر اتجه إلى شيخه العراقي في ذلك لمعرفة موقفه، فسأله عن الحد الذي إذا بلغه الطالب في هذا الزمان المتأخر عمن سبقاه، استحق أن يسمى حافظا، وهل يتسامح بنقص بعض الأوصاف التي ذكرها الحافظان المزي وابن سيد الناس لنقص الزمان أم لا؟
стр. 611
فأجابه بما خلاصته أن الوصف بذلك أمر اجتهادي في باب الجرح والتعديل فيختلف باعتبارات متعددة من حيث وقت حصول غلبة ظن الواصف أو عدم حصولها، أو كثرة مخالطته للموصوف أو قلتها، أو تشدده في تحقق الشروط أو تساهله، وأن كلام المزي السابق فيه تشدد، بحيث لم يسم ممن رآه بهذا الوصف إلا الدمياطي، وأن كلام أبى الفتح ابن سيد الناس أسهل، ثم ذكر أن الوصف بالحافظ يتنوع، فإن أريد الوصف به في نوع معين من أنواع علوم الحديث، فذلك سهل ممكن لمن جعل فنه ذلك النوع فقط دون غيره، أما إن أريد الاتصاف بالحفظ في كافة علوم الرواية والدراية فذلك صعب، لاحتياجه إلى فراغ، وطول عمر، وانتفاء الموانع، وعليه فيحمل كلام المتقدمين والمتشددين من المتأخرين على رتبة الكمال في الحفظ والإتقان، وإن وجد في زمان الموصوف غيره ممن يوصف بالحفظ أيضا، وكم من حافظ وغيره أحفظ منه (١).
ومن هذا يتضح أن العراقي لم يقتصر أمره على وصف غيره له باستحقاق هذا اللقب على المستوى العام في عصره، ولكنه كان يحتكم إليه في تحديد المواصفات الحديثية لمن يستحق هذا اللقب في عصره. كما يلاحظ أن جوابه السابق عن شروط هذا اللقب، فيه إشارة إلى ما يسمى في عصرنا هذا بالتخصص الدقيق داخل دائرة التخصص العام، وأن لقب «الحافظ» هذا يمكن اطلاقه باعتبار التخصص الدقيق فقط لمن برز فيه، وإن كان قاصرا عن ذلك في باقى فروع تخصص علوم السنة، وسيأتى ظهور أثر ذلك في تطبيق العراقي، وتطبيق أبرز تلاميذه عليه وعلى غيره.
стр. 612
فمن ذلك قول تلميذه ابن حجر: الحافظ: من مهر في معرفة الحديث (١) وقوله أيضا: للحافظ في عرف المحدثين شروط، إذا اجتمعت في الراوى سموه حافظا، وهو الشهرة بالطلب، والأخذ من أفواه الرجال، لا من الصحف، والمعرفة بطبقات الرواة ومراتبهم، والمعرفة بالتجريح والتعديل وتمييز الصحيح من السقيم، حتى يكون ما يستحضره من ذلك أكثر مما لا يستحضره، مع استحضار الكثير من المتون، فهذه الشروط إذا اجتمعت في الراوى سموه حافظا (٢)، وزاد في موضع آخر أنهم اصطلحوا على أن الحافظ: من يعرف العلل، والجرح، وطرق الحديث (٣)، وقال أيضا: لا يكون حافظا ولا محدثا في الاصطلاح إلا من عرف الأمرين، ومارس الفنين - يعنى الرواية والدراية - فمن جمعهما فهو الكامل (٤). وسيأتى تقريره تحقق ذلك في شيخه العراقي.
وذكر الحافظ أبو شامة المقدسي (ت ٦٦٥ هـ) إن علوم الحديث في عصره ثلاثة، أشرفها: حفظ متونها، ومعرفة غريبها، وفقهها، والثاني: حفظ أسانيدها، ومعرفة رجالها، وتمييز صحيحها من سقيمها .. والثالث: جمعه وكتابته وسماعه، وتطريقه، وطلب العلو فيه، والرحلة إلى البلدان (٥).
стр. 613
ومما عقب به الحافظ ابن حجر على ذلك أن كلا من هذه الثلاثة له أهميته. وأن من جمع الثلاثة كان حافظا وفقيها ومحدثا كاملا، ومن جمع الأول والثاني وقصر في الثالث ففيه قصور، ومن اقتصر على الثاني والثالث فهو محدث صرف، ولكن فيه نقص عمن جمع الثلاثة (١).
وعلق السيوطي على هذا بأن في ثنايا كلام الحافظ ابن حجر ما يشعر باستواء المحدث والحافظ، وأن السلف كانوا يطلقونهما بمعنى، وذكر من كلام بعضهم ما يؤيده.
ثم قال: والحق أن الحافظ أخص (٢) وتقدم من كلام ابن سيد الناس تقرير أن الحافظ أعلا من المحدث، وفي كلام الخطيب ما يؤيد هذا، ويفيد علو درجة الحافظ حيث ذكر أن الوصف بالحافظ عند الإطلاق، ينصرف إلى أهل الحديث خاصة، دون سواهم، ثم قرر أنه أعلا صفات، وأسمى درجات الناقلين، وأن من بلغ تلك الدرجة قبلت أقاويله، وسلم له تصحيح الحديث وتعليله، ثم قال: غير أن المستحقين لها يقلون، بل يتعذر وجودهم (٣).
وقد أشار السخاوي إلى اعتناء شيخه ابن حجر بانطباق شروط المتأخرين في حد الحافظ على من يلقبه بذلك، فقال: إنه لم يكن بالمتساهل في الوصف بلفظة (الحافظ) هذه (٤).
стр. 614
وقد جاء عنه مباحثة تطبيقية في هذا مع شيخه العراقي، وقرر هو فيها انطباق الشروط كاملة على شيخه العراقي، فقد سأل ابن حجر شيخه العراقي عن أربعة من المحدثين تعاصروا أيهم أحفظ وأدرى بفن الحديث خاصة، ومن منهم أولى أن يُسمى حافظا لاجتماع ما شرطه الأئمة المتأخرون في حد الحافظ، لا المتقدمون؟ وهم ابن كثير (ت ٧٧٤ هـ) ومغلطاي (ت ٧٦٢ هـ)، وابن رافع (ت ٧٧٤ هـ) والحسيني (ت ٧٦٥ هـ) فأجاب بأن أحفظهم للمتون، ابن كثير، وأعلمهم بالأنساب، مغلطاي على أغاليط تقع له في ذلك، وأكثرهم طلبا وتحصيلا للشيوخ، والمؤتلف والمختلف، ابن رافع، … وأما الحسيني فمتأخر عن طبقتهم، ثم قال: وقد أطلق على كل من المذكورين وصف الحفظ باعتبار غلبة فن من فنون الحديث عليه (١).
وعقب ابن حجر على جواب شيخه هذا بقوله: إن الإنصاف أن ابن رافع أقرب إلى وصف الحفظ على طريقة أهل الحديث من ابن كثير، لعنايته بالعوالي والأجزاء والمسموعات، دون ابن كثير، وابن كثير أقرب إلى الوصف بالحفظ على طريقة الفقهاء، لمعرفته بالمتون الفقهية والتفسيرية، دون ابن رافع فيُجمع منهما حافظ كامل، ثم قال: وقل من جمعهما - يعني حفظ الحديث والفقه - بعد أهل العصر الأول كابن خزيمة والطحاوي وابن حبان والبيهقي وفي المتأخرين شيخنا العراقي (٢) وفي هذا كما ترى شهادة خبير وملازم باستحقاق العراقي درجة الحافظ الكامل بجمعه شروط حفظ الحديث والفقه.
стр. 615
باصطلاح عصره، وارتفاع منزلته في ذلك إلى مصاف عدد ممن اجتمع فيه ذلك من المتقدمين.
وقد قال السخاوي تلميذ ابن حجر: والله ما رأيت أحفظ منه، هو ما رأى أحفظ من شيخه العراقي (١)، وسيأتي عنه أيضا إضافات أخرى.
أما الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي (ت ٨٤٢ هـ) معاصر العراقي فقد ذكر أن الحافظ في المتأخرين: هو المكثر من الحديث حفظا ورواية، المتقن لأنواعه، ومعرفة رواته دراية، المدرك للعلل، السالم في الغالب من الخلل (٢).
ثم جاء عنه وصف العراقي بالحافظ، وبعدة ألقاب أخرى مؤكدة، ففى كتابه الذي نظم فيه وفيات الحفاظ وأعيان العلماء، ذكر العراقي بقوله: - لابن العراقي الحافظ البهاء وعوده ضمانها الوفاء (٣).
ولما ترجم له في كتاب «الرد الوافر» قال: - الشخ الإمام العلامة الأوحد، شيخ العصر، حافظ الوقت، شيخ المحدثين علَمُ الناقدين، عمدة المخرجين، حدث وأملى، وأفاد، وتكلم على العلل والإسناد، ومعاني المتون وفقهها فأجاد (٤).
وتلميذ العراقي: على بن محمد المعروف بابن خطيب الناصرية (ت ٨٤٣ هـ) قال: ووصفه أئمة عصره المشايخ بالحفظ والإتقان، والمعرفة والتحقيق
стр. 616
والعرفان، كالعلامة تقى الدين السبكي والحافظ العلائي وقاضي القضاة عز الدين بن جماعة والشيخ جمال الدين الإسنوى، وغيرهم، وأخذ عنه العلم والحديث الأئمة (١).
ونحو هذا ذكر تلميذاه تقى الدين الفاسي وابن حجر (٢) وابن قاضي شهبة (٣) وزاد فيمن أثنى عليه الحافظ ابن كثير، وكذلك السيوطي (٤).
وابن تغرى بردى، وقال: أخذ عنه الأئمة والحفاظ (٥)، والمناوي (٦) ويلاحظ اتفاق هؤلاء جميعا على أن العراقي قد لقب بلقب الحافظ هذا ومؤكداته من أبرز شيوخه بمصر والشام، الذين عايشوه، وخبروه علميا، كما قدمت في جوانب شخصيته.
أما تلميذه البرهان الحلبي المعروف بسبط ابن العجمي (ت ٨٤١ هـ) فقال: حفاظ مصر أربعة أشخاص، وهم من مشايخي: البلقيني وهو أحفظهم لأحاديث الأحكام، والعراقي وهو أعلمهم بالصنعة، والهيثمي وهو أحفظهم للأحاديث من حيث هي، وابن الملقن، وهو أكثرهم فوائد في الكتابة على الحديث (٧).
стр. 617
وقال عن شيخه العراقي: إنه غلب عليه فن الحديث فاشتهر به، وانفرد بالمعرفة فيه، مع العلو - يعنى في الإسناد - وقال أيضا: شيخنا الحافظ الجهبذ (١). وقال أيضا: لم أر أعلم بصناعة الحديث منه، وبه تخرجت (٢). وقال تلميذه ابن الجزري ت (٨٣٣ هـ) في مقدمة أربعينه العشارية: إنه من كبار الحفاظ (٣) وفي كتاب آخر له في علوم الحديث قال عنه: آخر حفاظ الحديث وتمليه، وجامع أنواعه والمؤلف فيه، وبه خُتم أئمة هذا العلم.
ثم قال: وقد قلت لما بلغني وفاته وأنا بسمرقند:
رحمة الله للعراقي تترى … حافظ الأرض حبرها باتفاق
إني مُقْسِم أَلِية صدق … لم يكن في البلاد مثل العراقي
وقال في تعزيته لولي الدين ابن العراقي في وفاة والده: إذا فقد الناس العراقي حفاظا إمام هُدًى حَبْرا فأنت لهم وَلِيّ (٤) وفي ترجمته له في طبقات القراء قال:
وبرع في الحديث متنا وإسنادا … وكتب، وألف، وجمع، وخرج، وانفرد في وقته (٥).
ووصفه أيضا تلميذه صلاح الدين الأقفهسي بأنه برع في الحديث متنا وإسنادا، وشارك في الفضائل، وصار المشار إليه بالديار المصرية وغيرها
стр. 618
بالحفظ والإتقان والمعرفة، مع الدين والورع (١).
وكذلك تلميذه ابن حجر: قال: حافظ العصر … وصار المنظور إليه في هذا الفن، من زمن الشيخ جمال الدين الإسناوي (ت ٧٧٢ هـ) وهلم جرا، ولم نر في هذا الفن أتقن منه، وعليه تخرج غالب أهل عصره، … ثم قال: وصار الهيثمي لشدة ممارسته أكثر استحضارًا للمتون من شيخه - يعنى العراقي - حتى يظن من لا خبرة له أنه أحفظ منه، وليس كذلك، لأن الحفظ المعرفة (٢).
وقال في صدر أسئلة كتب بها إليه: سألت سيدنا وقدوتنا، ومعلمنا ومفيدنا ومخرجنا، شيخ الإسلام، أوحد الأعلام، حسنة الأيام، حافظ الوقت (٣).
وقد سطر ابن حجر أيضا نحو هذا ضمن رثائه له نظما فقال:
فيا أهل الشام ومصر فابكوا … على عبد الرحيم بن العراقي
على الحبر الذي شهدت قروم … له بالانفراد على اتفاق
على حاوي علوم الشرع جمعا … بحفظ لا يخاف من الإباق
دعاه بحافظ العصر الـ … إمام الكبير الإسنوى لدى الطباق (٤)
وعلى قدره السبكي وابن الـ … علائى، والأئمة باتفاق (٥)
стр. 619
وقال تلميذه بالمكاتبة: محمد بن فهد المكي (ت ٧٨١ هـ): الإمام الأوحد العلامة الحجة، الحبر الناقد، عمدة الأنام، حافظ الإسلام، فريد دهره، ووحيد عصره، من فاق بالحفظ والإتقان في زمانه، وشهد له بالتفرد في فنه أئمة عصره وأوانه، وقال أيضا: وكان إمامًا مُفَنَّنا حافظا ناقدا متقنا وصار المشار إليه في الديار المصرية بالحفظ والاتقان والمعرفة.
وقال أيضا: إنّه غلب عليه هذا الفن، وصار مشهورا به، فتقدم فيه وانتهت إليه رياسته في البلاد الإسلامية، مع المعرفة والإتقان والحفظ بلا ريب ولا مرية، بحيث إنه لم يكن له نظير في عصره، شهد له بالتفرد فيه عدة من حفاظ عصره، منهم السبكي، والعلائي، والعز بن جماعة وابن كثير والاسنائي، فكانوا يبالغون في الثناء عليه بالمعرفة (١) وقال أيضا: وأفتى وحدث كثيرا بالحرمين، ومصر والشام … وقصد من مشارق الأرض ومغاربها (٢).
أقول: وكان هذا مما رشحه لتقرير غير واحد من العلماء بأنه يعتبر أحد من جدد للأمة الإسلامية أمر دينها على رأس القرن الثامن، كما سيأتي. وكذلك بقية الأقوال الآتية:
فقد قال تلميذه بدر الدين العيني: الشيخ الإمام العلامة مفتى الأنام، شيخ الإسلام، حافظ مصر والشام (٣) وقال: المحدث المسند حافظ العصر (٤).
стр. 620
وقال تلميذه عبد الرحيم بن عبد الكريم الشيرازي (ت ٨٢٨ هـ) (١) عند ملازمته له بالمدينة النبوية المشرفة: لقيت فيها أوحد دهره علما وفضلا وأكمل عصره علما وعقلا، شيخ الإسلام على التمام، وخطيب منبر سيد الأنام، وإمام محرابه ﵊، رأسا للملة والشريعة والتقوى والدين (٢).
وقال الحافظ محمد بن أحمد الغزى (ت ٨٦٤ هـ) الشيخ الإمام العلامة حافظ الإسلام، بقية الأعلام، … ثم قال: وشهرته تغنى عن الإطناب في أمره، وتصانيفه ناطقة بفضله، وهو شيخ الجماعة والأئمة الذين كانوا في عصره، ولعل غالبهم تلامذته في هذا الفن (٣).
وقال الحافظ السخاوى (ت ٩٠٢ هـ) كان إماما علامة، مقرئا فقيها شافعي المذهب، أصوليا منقطع القرين في فنون الحديث، وصناعته وشهد له بالتفرد فيه أئمة عصره، وعولوا عليه فيه، ودرس وأفتى، وحدث وأملى، وولى قضاء المدينة … وانتفع به الأجلاء … وهو في مجموعة كلمة إجماع (٤)، ولقيه أيضا بحافظ الوقت، وشيخ الإسلام، وتلقى من طريقه الحديث المسلسل بالحفاظ (٥).
والسخاوى كما هو معروف من أهل الاصطلاح وممن عنى بمراعاة ذلك في
стр. 621
إطلاق الألقاب الحديثية وعدم التساهل في إطلاقها لا سيما في رأس المائة الثامنة - التي هي عصر العراقي - ثم ما بعده (١).
والحافظ السيوطي - تقدم عنه ما يفيد عنايته أيضا بتمييز لقب الحافظ عن المحدث والمسند (٢).
وقد طبق هذا عمليا في كتابه حسن المحاضرة، فخصص فصلا بعنوان: "ذكر من كان بمصر، من حفاظ الحديث " وترجم للعراقي فيهم ترجمة حافلة، وفي مطلعها قال: الحافظ الكبير، حافظ العصر (٣).
ثم ذكر بعد هذا فصلا بعنوان: من كان بمصر من المحدثين الذين لم يبلغوا درجة الحفظ (٤)
وأيضا لما عمل ذيلا على تذكرة الحفاظ للذهبي، ترجم للعراقي فيه، وصدر ترجمته كذلك بقوله: الحافظ الإمام الكبير الشهير (٥) وشرط الذهبي في التذكرة التي ذيل عليها السيوطى وغيره هو: ذكر معدلي حملة العلم النبوى ومن يرجع إلى اجتهادهم، في التوثيق والتضعيف، والتصحيح والتزييف (٦).
وسيأتي تلقيب السيوطى للعراقي بأنه مجدد القرن الثامن الهجرى
أما الحافظ عبد الرءوف المناوي (ت ١٠٣١ هـ) والذي يعتبر العراقي جده
стр. 622
الأعلا من جهة الأم، فإنه قال عنه: هو جدي الشيخ الإمام الحبر الهمام جمال الحافظ الفخام (١).
وقال أيضا: جدنا الأعلا، حافظ مصر والشام (٢).
وقال أيضا: وصار المنظور إليه في فن الحديث من بين أهل عصره، وانتفع به الأصاغر والأكابر (٣).
ويلاحظ من شهادات هؤلاء تلقيب العراقي أيضا بألقاب علمية أخرى زائدة على ما تقدم، وتفيد تكامل جوانب شخصيته العلمية مع ريادته في تخصصه بعلوم الحديث لمدرسة الحديث في أبرز أقطار العالم الإسلامي في عصره. وتلك الألقاب هي:
٦ - الناقد، وتأكيده: عَلَمُ الناقدين
وهذا مأخوذ من (النقد) وهو في اللغة له إطلاقات، والمناسب منها لما هنا: اختبار الشيء أو الكلام، وتمييز الجيد من ذلك من الردئ والزيف والصحيح من الفاسد (٤).
والمراد به في وصف العراقي ما ذكره السمعانى بقوله: هذه اللفظة لجماعة
стр. 623
من نقاد الحديث وحفاظه، لقبوا به، لنقدهم ومعرفتهم (١).
والمراد بالنقد بيان صحيح الحديث من سقيمه، وتمييز مراتب الرواة، جرحا أو تعديلا، وغير ذلك من دقائق علوم السنة، وجهود العراقي في ذلك مشهودة، كما تقدم في وظائفه العلمية، وما سيأتي من مصنفاته الحديثية.
٧ - المتقن:
من الإتقان، وهو في الاصطلاح بمعنى زيادة الضبط، أو بمعنى الحفظ، أو زيادة الحفظ عن مجرد سرد المحفوظ في الذهن، دون فهم ولا تمحيص (٢).
وتقدم قول العراقي نفسه: كم من حافظ غيره أحفظ منه، كما تقدم في شهادات العلماء بحفظ وفهم العراقي ما يؤيد استحقاقه لهذا اللقب بمعناه الاصطلاحي هذا (٣).
٨ - الحجة:
وهو في اصطلاح المحدثين من أعلا مراتب التوثيق، حيث يعتبر أرفع من لفظ (ثقة) (٤). وتقدم تقرير الذهبي لذلك (٥).
وقد كان هذا اللقب في عصر المماليك - الذي عاش فيه العراقي من ألقاب أكابر العلماء والقضاة (٦).
стр. 624
٩ - الإمام:
وممن لقب العراقي به غير من تقدم شيخه ابن رافع (١)، ويطلق هذا اللقب على من يؤم الناس في الصلاة، وعلى من يعتبر قدوة صالحة، ومثلا يُحتذى ويقتدى به الناس في أمور الدين، أو في علم العلوم الشرعية، كما يطلق على كبار رجال العلم الشرعي، وعلى الحكام وولاة أمر المسلمين (٢).
١٠ - العلامة:
وَصْفٌ من العلم للمبالغة، وزيدت فيه التاء لتأكيد المبالغة (٣) هو من ألقاب العلماء والمراد به العالم للغاية ومن هو من أعلام العلم والدين الشاهقة الخافقة (٤)، وذكر ابن فضل الله العمري (ت ٧٤٩ هـ): أنه لقب يختص بالمفتى (٥) ولعل ذلك باعتبار عصره، وسيأتى تلقيب العراقي بالمفتى أيضا، وتقدم في هذا المبحث جوابه عن بعض ما استفتى فيه، وسيأتى في نتاجه العلمى بعض فتاواه الجامعة بين الفقه والحديث.
١١ - الحبر:
وهو العالم، وجمعه «أحبار»، وشموا بذلك لما يبقى من أثر علومهم في
стр. 625
قلوب الناس، ومن أثر أفعالهم الحسنة المقتدى بها (١).
وقال ابن الأثير: كان يقال لابن عباس: الحبر والبحر، لعلمه وسعته (٢).
١٢ - المفنن:
وقد لقب بهذا تلميذه ابن فهد المكي، وأوضح مراده بذلك فقال: وكان لديه فنون من العلم، منها: القراآت والفقه، وأصوله، والنحو واللغة والغريب (٣) وليس في ذلك منافاة لما تقرر من اختصاصه بعلوم الحديث وانفراده بالريادة في ذلك في عصره كما تقدم، لأن إلمامه بتلك الفنون من متممات شخصيته الحديثية، ولا يستغني عنها عالم الحديث مهما كان مبلغ علمه فيه، وسيأتي في نتاجه العلمي ما يؤيد ذلك.
ويؤيد هذا أن تلميذه ابن فهد نفسه الذي وصفه بهذا اللقب، وبما يطابقه من الفنون المتعددة، قد وصفه أيضا بأعلا الألقاب الحديثية والتخصص في فنونه، والتفرد فيها كما تقدم.
وجاء أيضا عن تلميذه سبط ابن العجمي وغيره، ما يؤيده، وعبارة السبط في هذا قال: وكان عالما بالنحو واللغة والغريب والقراآت والحديث والفقه وأصوله، غير أنه غلب عليه فن الحديث، فاشتهر به، وانفرد بالمعرفة فيه، مع العلو (٤).
стр. 626
١٣، ١٤، ١٥ - المفتى، الفقيه، الأصولي.
فالمفتي: مأخوذ من الفتيا، أو الفتوى وهى الجواب عما يشكل من المسائل والأحكام (١).
وهو في الاصطلاح: المتمكن من معرفة الوقائع شرعا بالدليل، مع استيعابه لأكثر الفقه (٢).
والفقيه: على ما يؤخذ من تعريف الفقه - هو العالم بالأحكام الشرعية المستفادة من أدلتها التفصيلية مع الاجتهاد في الاستنباط (٢) ومن تأهل للقضاء كان أهلا للفتوى (٣).
والفرق بينهما: أن حكم القضاء ملزم، بخلاف الفتوى (٤).
ومن شروط كل من المفتى والقاضي أن يكون مسلما عدلا، مكلفا، فقيها مجتهدا، ولو في بعض مذهب إمامه كالشافعي وأبي حنيفة، وذلك باعتبار ما بعد عصر أولئك الأئمة وحتى عصر العراقي فما بعده، ويشترط أيضا أن يكون كل من المفتى والقاضي صحيح الذهن والتصرف في الفقه وما يتعلق به عارفا بأصول الفقه (٥).
стр. 627
قال الصيرفي: موضوع هذا الاسم لمن قام للناس بأمر دينهم، وعلم جمل عموم القرآن وخصوصه، وناسخه ومنسوخه، وكذلك في السنن والاستنباط (١) وقد ترجم للعراقي في فقهاء الشافعية (٢).
والأصولي: نسبة إلى علم أصول الفقه، وهو العلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى الفقه (٣) وقد سبق أن معرفته تعتبر من شروط كل من المفتي والقاضي.
١٦ - شيخ الإسلام:
قال السخاوي: هو يطلق على ما استقرئ من صنيع المعتبرين - على المتبع لكتاب الله تعالى، وسنة رسوله، مع المعرفة بقواعد العلم والتبحر في الاطلاع على أقوال العلماء، والتمكن من تخريج الحوادث على النصوص، ومعرفة المنقول والمعقول على الوجه المرضى (٤).
ثم ذكر أن الوصف به تزايد في عصر العراقي، ولكنه كان مقصوراً على قرين العراقي سراج الدين البلقيني حتى توفى سنة ٨٠٥ هـ (٥) في حين تقدم وصف العراقي به من كل من بدر الدين العيني وابن حجر العسقلاني وكلاهما قد تتلمذ لكل من العراقي والبلقيني في فترة زمنية واحدة مع تأخر وفاة العراقي عن البلقيني بنحو سنة تقريبا.
стр. 628
وفي ذلك يقول ابن حجر العسقلاني:
لا ينقضى عجبي من وفق عمرهما العام كالعام حتى الشهر كالشهر (١) وبذلك لا يتصور أنهما لم يطلقا عليه هذا اللقب إلا خلال السنة الأخيرة من عمره فقط بعد وفاة البلقيني.
وجاء في جزء في التراجم وقفت عليه مخطوطا (٢): أنه في عصر العراقي وما بعده كان من عاداتهم أن من ولى منصب «قاضي القضاة» يطلقون عليه (شيخ الإسلام) (٣).
ومعلوم أن العراقي، وما ذكره السخاوى لهذا اللقب من شروط قد توافر في العراقي، فاستحقاقه له ثابت. سواء باعتبار توافر الشروط السابقة أو باعتبار توليه المنصب المذكور.
١٧ - مجدد القرن الثامن الهجري في علوم السنة
والأصل في هذا الوصف ومبعث الاعتناء به، هو حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها (٤)
стр. 629
وقد اعتمد العلماء هذا الحديث، وعنوا ببيان معناه، ودلالاته، وأسهم العراقي نفسه في ذلك كما سيأتى بعد قليل وفي ترجمته لشيخه عبد الرحيم الإسنوى.
وخلاصة أقوال العلماء كالتالي:
أن المراد بقوله: يبعث أي يوجهه ويهيء لمن يبعثه ملكة يستطيع بها دفع الباطل ونصرة الحق (١).
و «الأمة»: هم جماعة المسلمين في أقطار الأرض، و «رأس المائة» آخرها وابتداء ما بعدها، بحيث ينقضى أواخر القرن ويبدأ ما بعده، والمحدد حي بين الناس، عالم معروف بينهم قائم بالحجة، وتخصيص رأس القرن بذلك.
стр. 630
لكونه مظنة انخرام علمائه غالبا، وظهور البدع والدجالين (١).
فيظهر المجدد حينئذ، ويكون معروفا بين الناس في بلده وغيرها، مشهورا مشهودا له بالتفرد في مجاله الشرعى من فقه أو عقيدة أو تفسير، أو حديث أو دعوة أو ولاية لأمر المسلمين، أو غير ذلك مع قيامه الظاهر للكافة، بتقوية أمور الدين وتعليمها، وإحياء السنن وإماتة البدع والانحرافات، ونشر العلم الشرعي، وظهور آثار المجدد في ذلك علما وعملا، ونفى الكذب على الله وعلى رسوله ﷺ ، ونصرة دينه، وصيانة أمته ﷺ .
و «مَنْ» في قوله «مَنْ يُجدد» تصدق على الواحد وعلى الجمع وبالتالي، لا مانع أن يتعدد المجددون في رأس كل قرن، ويقوم كل منهم بما تأهل له من جوانب التجديد السابق الإشارة إلى أنواعها وبذلك يجمع بين أقوال وآراء من حددوا في رأس كل قرن مجدًدا من أهل اختصاصهم، كما أن كل قوم ينتفعون بما لا ينتفع به غيرهم (٢).
وقد قرر العراقي وغيره أن تحديد شخص المجدد على رأس كل قرن، يكون بغلبة الظن من معاصريه من العلماء، بناء على ما يتبين لهم من قرائن أحواله وأعماله، كالتفرد في فنه الذي اختص به، ومعرفة كفاءته فيه، وظهور عموم نفعه بشخصه، وبتلامذته، ومصنفاته، وباعتبار أن العلماء هم ورثة الأنبياء وحملة رسالتهم إلى العالمين، وتأسيا بمن حد بعض أشخاص المجددين، كما
стр. 631
جاء عن الإمام أحمد وغيره من السلف (١)
وعلى ضوء ذلك قال الإمام بدر الدين الأهدل (٢): إن المبعوث على رأس المائة الثامنة: قيل هو سراج الدين عمر بن رسلان البلقيني (ت ٨٠٥ هـ) وعزا ذلك إلى جماعة من فقهاء مصر منهم شمس الدين ابن الجزرى - تلميذ العراقي.
ثم قال: وقيل الإمام ناصر الدين بن بنت الميلق الشاذلي، وعزا ذلك إلى جماعة من الصوفية، ولكن رده بأن وفاة الشاذلي هذا كانت سنة ٧٩٧ هـ ثم قال: ويحتمل أنه الشيخ زين الدين العراقي، وكان حافظ عصره في الحديث، مع الديانة والأمانة والتصانيف النافعة، وكانت وفاته سنة ٨٠٦ هـ، ثم قال: ويحتمل كلهم - يعنى الثلاثة - فإن المجدد قد يكون واحدًا، أو أكثر (٣).
وقد أشار الحافظ ابن حجر أيضا إلى ذلك، مع ذكر ابن الملقن بدل «الشاذلى» فقال: وهؤلاء الثلاثة: العراقي والبلقيني، وابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) كانوا أعجوبة هذا العصر على رأس القرن، الأول في معرفة الحديث وفنونه، والثاني في التوسع في معرفة مذهب الشافعي، والثالث في كثرة التصانيف (٤)
стр. 632
وفي ترجمة ابن حجر لشيخه محمد بن يعقوب الشيرازي، الفيروزابادي (ت ٨١٧ هـ) قال: وهو آخر من مات من الرؤساء الذين انفرد كل منهم بفن فاق فيه أقرانه على رأس القرن الثامن، رحمهم الله تعالى أجمعين، الشيخ سراج الدين البلقيني في الفقه على مذهب الشافعي، والشيخ زين الدين العراقي في الحديث، والشيخ سراج الدين ابن الملقن في كثرة التصانيف، في فني الفقه والحديث … وذكر اثنين آخرين، ثم قال: والشيخ مجد الدين السيرازى في اللغة، ثم قال: وقد وفق الله أن الجميع ممن أخذت عنهم (١).
وفي رثائه للعراقي قال:
فيا أهل الشام ومصر فابكوا … على عبد الرحيم بن العراقي
على الخبر الذي شهدت قروم … له بالانفراد على اتفاق
على حاوى علوم الشرع جمعًا … بحفظ لا يخاف من الإباق
ومن فتحت له قِدْمًا علوم … غدت عن غيره ذات انغلاق
وجاز إلى الحديث قديم عهد … فأحرز دونه خيل السباق
ثم قال:
ومن ستين عاما لم يجارى … ولا طمع المجارى في اللحاق (٢)
وقال السخاوى في تعداده للمجددين على رأس كل قرن: وفي الثامنة - يعنى المائة الثامنة -: البلقيني أو العراقي (٣) وذكر السيوطي أن عدد المجتهدين ازداد تناقصه إلى رأس المائة الثامنة فكان عليها في أقطار الأرض أكثر من مائة إمام
стр. 633
إلا أن المجتهدين منهم قليل، فمن كان على رأس الثمانمائة: البلقيني وولداه والعراقي وولده … وسرد تكملة سبعة وعشرين … ثم قال: وخلائق (١).
ثم قال: وقد نظمت أرجوزة، سميتها: «تحفة المهتدين بأسماء المجددين» … وساقها بتمامها، وذكر من عده العلماء مجدد قرنه، مبتدئا بعمر بن عبد العزيز في القرن الأول، فما بعده حتى قال: -
والثامن العَدُّ هو البلقيني أو حافظ الأنام زين الدين (٢) وقد تابع السيوطي على هذا من جاء بعده (٣).
стр. 634
من تقدير العلماء وغيرهم للعراقي بعد وفاته حتى الآن
ونظرا لعلو منزلة العراقي العلمية وشهرته الواسعة على النحو السابق حتى لقب بمجدد القرن الثامن في علوم السنة على مستوى الأقطار الإسلامية عموما فإن وفاته أحدثت ضجة كبرى ترامت أصداؤها إلى أقاصي العالم الإسلامي الذي انتشر فيه علمه وتلاميذه كما قدمنا، فخفقت قلوب القاصي والداني بالحزن والأسى لرحيله، وزَرَفت العيون غزير الدمع لفراقه، وتوالت التعازي على ولده أبي زرعة من كل فج، وكما مدح العراقي في حياته غير واحد بالنظم كما مر ذكره. فقد لهجت الألسنة بعد مماته برثائه، وذكر مآثره، وعبر عامة الناس وخاصتهم عن تقديرهم لعلمه وفضله، فمن ذلك قول تلميذه الحافظ ابن الجزري إمام القراء في وقته: «لما بلغته وفاته وهو بـ (سمرقند) في أعماق آسيا»:
رحمة الله للعراقي تترى … حافظ الأرض حبرها باتفاق
إنني مقسم أَلِيَّةً صدق … لم يكن في البلاد مثل العراقي (١)
ثم كتب إلى ولده أبي زرعة معزيا ومشجعًا له على مواصلة رسالة والده من بعده كما تقدم، ولا شك أن وصول نبأ وفاة العراقي من القاهرة إلى سمرقند، في وقت سمح لابن الجزري بالعزاء، دليل على شهرته الواسعة، والاهتمام بتناقل خبر وفاته والتأثر بذلك على أوسع نطاق. ولذلك يقول تلميذه المقريزي: «كان للدنيا بهجة ولمصر به فخر، وللناس به أُنس ولهم منه فوائد جمة» (٢).
كذلك طار نبأ وفاته إلى الشام والحجاز، فتأثر القطران لفقده، وأعرب أعلام السنة بهما من تلاميذه عن تقديرهم البالغ لعلمه وخُلقه، وقد قدمت
стр. 635
خلال تناولي الجوانب شخصيته بعض ما قرره في ذلك تلميذه «سبط ابن العجمي» من أعلام الشام، وتلميذاه المكيان: تقي الدين الفاسي، وابن فهد في ترجمة كل منهما له بعد وفاته، وسيأتي مزيد لذلك في موضعه بعون الله.
أما مصر التي حظيت منه بأوفر نصيب، فقد تكاثر أبناؤها وأعيان علمائها على حمله على أعناقهم وتشييعه، وأعرب كبار تلاميذه بها عن تقديرهم لمكانته.
فهذا تلميذه ورفيقه «الهيثمي» يرفض أن يتمشيخ بعده، ويكثر الثناء عليه كما تقدم في التعريف به. أما تلميذه البارز ابن حجر، فكان بالحجاز حين وفاته ووفاة قرينه السراج البلقيني من قبله بشهور، وكلاهما من أعيان شيوخه فما كاد يصل إلى القاهرة، حتى نظم في رثائهما قصيدتين كبيرتين، أجاد فيهما، مبنى ومعنى، بالنسبة لمستوى الشعر في ذلك العصر، وإحداهما «رائية» رثى بها البلقيني وضمنها رثاء العراقي أيضًا، تارة في أبيات خاصة به وأخرى في أبيات جمعه فيها مع البلقيني، ومما خصه به قوله:
نعم ويا طول حزني ما حييت على … عبد الرحيم فحزني غير مقتصر
لهفي على حافظ العصر الذي اشتهرت … أعلامه كاشتهار الشمس في الظهر
علم الحديث انقضى لما انقضى ومضى … والدهر يفجع بعد العين بالأثر
ومما جمعه فيه مع البلقيني قوله:
لهفي على فقد شيخي اللذين هما … أعز عندي من سمعي ومن بصري
الدين تتبعه الدنيا مضت بهما … رزية لم تهن يوما على بشر
بالشمس وهو سراج الدين يتبعه … بدر الدياجي زين الدين في الأثر (١)