جاء عن الإمام أحمد وغيره من السلف (١)
وعلى ضوء ذلك قال الإمام بدر الدين الأهدل (٢): إن المبعوث على رأس المائة الثامنة: قيل هو سراج الدين عمر بن رسلان البلقيني (ت ٨٠٥ هـ) وعزا ذلك إلى جماعة من فقهاء مصر منهم شمس الدين ابن الجزرى - تلميذ العراقي.
ثم قال: وقيل الإمام ناصر الدين بن بنت الميلق الشاذلي، وعزا ذلك إلى جماعة من الصوفية، ولكن رده بأن وفاة الشاذلي هذا كانت سنة ٧٩٧ هـ ثم قال: ويحتمل أنه الشيخ زين الدين العراقي، وكان حافظ عصره في الحديث، مع الديانة والأمانة والتصانيف النافعة، وكانت وفاته سنة ٨٠٦ هـ، ثم قال: ويحتمل كلهم - يعنى الثلاثة - فإن المجدد قد يكون واحدًا، أو أكثر (٣).
وقد أشار الحافظ ابن حجر أيضا إلى ذلك، مع ذكر ابن الملقن بدل «الشاذلى» فقال: وهؤلاء الثلاثة: العراقي والبلقيني، وابن الملقن (ت ٨٠٤ هـ) كانوا أعجوبة هذا العصر على رأس القرن، الأول في معرفة الحديث وفنونه، والثاني في التوسع في معرفة مذهب الشافعي، والثالث في كثرة التصانيف (٤)
стр. 632
وفي ترجمة ابن حجر لشيخه محمد بن يعقوب الشيرازي، الفيروزابادي (ت ٨١٧ هـ) قال: وهو آخر من مات من الرؤساء الذين انفرد كل منهم بفن فاق فيه أقرانه على رأس القرن الثامن، رحمهم الله تعالى أجمعين، الشيخ سراج الدين البلقيني في الفقه على مذهب الشافعي، والشيخ زين الدين العراقي في الحديث، والشيخ سراج الدين ابن الملقن في كثرة التصانيف، في فني الفقه والحديث … وذكر اثنين آخرين، ثم قال: والشيخ مجد الدين السيرازى في اللغة، ثم قال: وقد وفق الله أن الجميع ممن أخذت عنهم (١).
وفي رثائه للعراقي قال:
فيا أهل الشام ومصر فابكوا … على عبد الرحيم بن العراقي
على الخبر الذي شهدت قروم … له بالانفراد على اتفاق
على حاوى علوم الشرع جمعًا … بحفظ لا يخاف من الإباق
ومن فتحت له قِدْمًا علوم … غدت عن غيره ذات انغلاق
وجاز إلى الحديث قديم عهد … فأحرز دونه خيل السباق
ثم قال:
ومن ستين عاما لم يجارى … ولا طمع المجارى في اللحاق (٢)
وقال السخاوى في تعداده للمجددين على رأس كل قرن: وفي الثامنة - يعنى المائة الثامنة -: البلقيني أو العراقي (٣) وذكر السيوطي أن عدد المجتهدين ازداد تناقصه إلى رأس المائة الثامنة فكان عليها في أقطار الأرض أكثر من مائة إمام
стр. 633
إلا أن المجتهدين منهم قليل، فمن كان على رأس الثمانمائة: البلقيني وولداه والعراقي وولده … وسرد تكملة سبعة وعشرين … ثم قال: وخلائق (١).
ثم قال: وقد نظمت أرجوزة، سميتها: «تحفة المهتدين بأسماء المجددين» … وساقها بتمامها، وذكر من عده العلماء مجدد قرنه، مبتدئا بعمر بن عبد العزيز في القرن الأول، فما بعده حتى قال: -
والثامن العَدُّ هو البلقيني أو حافظ الأنام زين الدين (٢) وقد تابع السيوطي على هذا من جاء بعده (٣).
стр. 634
من تقدير العلماء وغيرهم للعراقي بعد وفاته حتى الآن
ونظرا لعلو منزلة العراقي العلمية وشهرته الواسعة على النحو السابق حتى لقب بمجدد القرن الثامن في علوم السنة على مستوى الأقطار الإسلامية عموما فإن وفاته أحدثت ضجة كبرى ترامت أصداؤها إلى أقاصي العالم الإسلامي الذي انتشر فيه علمه وتلاميذه كما قدمنا، فخفقت قلوب القاصي والداني بالحزن والأسى لرحيله، وزَرَفت العيون غزير الدمع لفراقه، وتوالت التعازي على ولده أبي زرعة من كل فج، وكما مدح العراقي في حياته غير واحد بالنظم كما مر ذكره. فقد لهجت الألسنة بعد مماته برثائه، وذكر مآثره، وعبر عامة الناس وخاصتهم عن تقديرهم لعلمه وفضله، فمن ذلك قول تلميذه الحافظ ابن الجزري إمام القراء في وقته: «لما بلغته وفاته وهو بـ (سمرقند) في أعماق آسيا»:
رحمة الله للعراقي تترى … حافظ الأرض حبرها باتفاق
إنني مقسم أَلِيَّةً صدق … لم يكن في البلاد مثل العراقي (١)
ثم كتب إلى ولده أبي زرعة معزيا ومشجعًا له على مواصلة رسالة والده من بعده كما تقدم، ولا شك أن وصول نبأ وفاة العراقي من القاهرة إلى سمرقند، في وقت سمح لابن الجزري بالعزاء، دليل على شهرته الواسعة، والاهتمام بتناقل خبر وفاته والتأثر بذلك على أوسع نطاق. ولذلك يقول تلميذه المقريزي: «كان للدنيا بهجة ولمصر به فخر، وللناس به أُنس ولهم منه فوائد جمة» (٢).
كذلك طار نبأ وفاته إلى الشام والحجاز، فتأثر القطران لفقده، وأعرب أعلام السنة بهما من تلاميذه عن تقديرهم البالغ لعلمه وخُلقه، وقد قدمت
стр. 635
خلال تناولي الجوانب شخصيته بعض ما قرره في ذلك تلميذه «سبط ابن العجمي» من أعلام الشام، وتلميذاه المكيان: تقي الدين الفاسي، وابن فهد في ترجمة كل منهما له بعد وفاته، وسيأتي مزيد لذلك في موضعه بعون الله.
أما مصر التي حظيت منه بأوفر نصيب، فقد تكاثر أبناؤها وأعيان علمائها على حمله على أعناقهم وتشييعه، وأعرب كبار تلاميذه بها عن تقديرهم لمكانته.
فهذا تلميذه ورفيقه «الهيثمي» يرفض أن يتمشيخ بعده، ويكثر الثناء عليه كما تقدم في التعريف به. أما تلميذه البارز ابن حجر، فكان بالحجاز حين وفاته ووفاة قرينه السراج البلقيني من قبله بشهور، وكلاهما من أعيان شيوخه فما كاد يصل إلى القاهرة، حتى نظم في رثائهما قصيدتين كبيرتين، أجاد فيهما، مبنى ومعنى، بالنسبة لمستوى الشعر في ذلك العصر، وإحداهما «رائية» رثى بها البلقيني وضمنها رثاء العراقي أيضًا، تارة في أبيات خاصة به وأخرى في أبيات جمعه فيها مع البلقيني، ومما خصه به قوله:
نعم ويا طول حزني ما حييت على … عبد الرحيم فحزني غير مقتصر
لهفي على حافظ العصر الذي اشتهرت … أعلامه كاشتهار الشمس في الظهر
علم الحديث انقضى لما انقضى ومضى … والدهر يفجع بعد العين بالأثر
ومما جمعه فيه مع البلقيني قوله:
لهفي على فقد شيخي اللذين هما … أعز عندي من سمعي ومن بصري
الدين تتبعه الدنيا مضت بهما … رزية لم تهن يوما على بشر
بالشمس وهو سراج الدين يتبعه … بدر الدياجي زين الدين في الأثر (١)
стр. 636
ثم يقول:
دَمْعي عَلَيْهِمْ وَشِعْرِي فِي رِثَائِهِمْ … كَالدُّرِّ مَا بَيْنَ مَنْظُومٍ وَمُنْتَثِرْ
دَارَتْ كُؤُوسُ الْمَنَايَا حِينَ غِبْتَ عَلَى … أَحْبَابِ قَلْبِي فَلَيْتَ الْكَأْسَ لَمْ تَدُرْ (١)
أما القصيدة الثانية: فهي «قافية» وقد خص ابن حجر بها شيخه العراقي وحده، ولذلك يقول «وقد ألممت برثائه في الرائية التي رثيت بها شيخ الإسلام البلقيني، وخصصته بمرثية قافية، وهي: وذكرها … ».
وهذا دليل واضح على عظيم تقدير ابن حجر للعراقي حيث أشركه في مرثية البلقيني، ثم خصه بمرثية وحده، وإن كان وجه فيها بيتا واحدًا للبلقيني حيث يقول:
فأَطْفَأَتِ الْمَنُونُ سِرَاجَ عِلْمٍ … وَنَوَّرَ نَارُهُ لأَولي النِّفَاقِ (٢)
وقد أطال ابن حجر النفس في مرثية العراقي هذه، حيث ذكر السيوطي أنها تبلغ ٣٥ بيتا، لكن بعض طبعات كتابه «حسن المحاضرة» ورد فيه «٢٨» بيتا، وبعضها ذكر فيه «٣٦» (٣).
بينما وردت في الطبعة المحققة لكتاب ابن حجر «إنباء الغمر» ٣٧ بيتا (٤). ومع هذا فإن البيت الثامن عند السيوطي ليس في الإنباء والسياق لا يستقيم بدونه فيصبح المجموع ٣٨ بيتا، ثم ذكر «ابن خطيب الناصرية» القصيدة
стр. 637
أيضًا في نهاية ترجمته للعراقي ضمن مجموعه، وبها ٣ أبيات أخرى زيادة على ما في (حسن المحاضرة) و (الإنباء) وهي الأبيات ٣٣ و ٣٦ و ٣٧ والسياق يقتضيها أيضًا، وبذلك يصبح عددها في أكمل ما وقفت عليه (٤١) بيتا، لكن المرجع الموجودة فيه هكذا وهو (مجموع ابن خطيب الناصرية) مخطوط ونادر جدا، ومصاب بالأرضه كما سيأتي التعريف به، و «حسن المحاضرة» و «الإنباء»، لم يعتن في طبعتهما المحققة بتصحيح نص الأبيات مع أن هذه المرثية لها قيمتها العلمية، حيث لم يقتصر فيها ابن حجر على بث مشاعر الأسى والحزن لوفاة العراقي؛ بل قرر فيها مكانته العلمية في عصره وفصل فيها مفاخره الخلقية وألقابه العلمية، ومؤلفاته، وعنايته بإفادة طلابه وإكرامهم، ولهذا أوردت عدة أبيات منها خلال بحثي السابق الجوانب شخصية العراقي وألقابه العلمية، وسأورد غيرها فيما يتعلق به من المباحث التالية إن شاء الله، وأكتفي هنا بذكر بعض مقتطفات منها:
فمن ذلك استهلال ابن حجر لها ببيان مدى الفجيعة بوفاة الحافظ الكبير حيث يقول:
مصابٌ لم يُنفَّس للخناق … أصارَ الدّمعُ جارٌ للمآقي
فروضُ العِلمِ بعدَ الزهوِ ذاوٍ … وروحُ الفضلِ قد بلغ التراقي
وبحر الدمع يجري في اندفاق … وبدر الصبر يسري في انمحاق
وللأحزان في القلب اجتماع … ينادي الصبر حي على افتراق (١)
* ثم يشير إلى جوانب شخصيته فيقول:
стр. 638
فِيَا أَسَفَى عَلَيْهِ لِحُسْنِ خُلُقٍ … أَرَقُّ مِنَ النَّسِيمَاتِ الرِّقَاقِ (١)
وَيَا أَسَفَى عَلَيْهِ لِحِفْظِ وُدٍّ … إِذَا نُسِّيَتْ مَوَدَّاتُ الرِّفَاقِ (٢)
وَيَا أَسَفَى لِتَقْيِيدَاتِ عِلْمٍ … تَوَلَّتْ بَعْدَهُ ذَاتُ انْطِلَاقِ (٣)
* ثُمَّ خَتَمَ المَرْثِيَّةَ بِقَوْلِهِ:
عَلَيْهِ سَلامُ رَبِّي كُلَّ حِينٍ … يُلاقِيهِ الرِّضَا فِيمَا يُلاقِي
وَأَسْقَتْ لَحْدَهُ (٤) سُحُبُ الغَوَادِي … إِذَا انْهَمَلَتْ بِهَا ذَاتُ الطِّبَاقِ
وَوَافَتْ رُوحَهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ … تَحِيَّاتٌ إِلَى يَوْمِ التَّلاقِي (٥)
ومن تقدير أبناء مصر في عصرنا الحاضر للحافظ العراقي ما قدمته عن إقامة أهالي العطوف مسجدا باسمه، وتولي وزارة الأوقاف له، بحيث تقام به الشعائر الدينية ودروس العلم التي كان العراقي فارس ميدانها، ثم أقام أحد أئمة المسجد ويدعى (أحمد الصوفي) اليمني الأصل، بمعاونة الشيخ عطية
стр. 639
السابق ذكره، بجمع ترجمة للحافظ العراقي من بعض المراجع وختمها بمرثية ابن حجر السابقة، ثم طبع ذلك بعنوان «تاريخ الإمام العراقي» في ٦ صفحات من الحجم الصغير، وقد أهداني الشيخ عطية نسخة منه، وفي نهايتها ما نصه: «جمع هذا التاريخ العظيم من أمهات الكتب الموجودة في دار الكتب المصرية، ومكتبة الأزهر الشريف خطيب مسجد الإمام العراقي ليعرف الناس في هذا العصر - خصوصا أهل حي العطوف - ما للإمام العراقي من الفضل في خدمة الدين وسنة سيد المرسلين».
ثم قال: وقد أقام الشيخ محمد أحمد عطية وهو من أهالي العطوف مسجدًا بجوار ضريحه (١) فرحم الله العراقي، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرًا. كما كتبت صورة من هذا الكتيب في لوحة مساحتها نحو نصف متر مربع ووضعت في غلاف زجاجي وعلّقت داخل الضريح.
ولكن يجدر التنبيه إلى أني وجدت في تلك الترجمة عدة أخطاء تاريخية بعضها موجود بالمراجع المنقول عنها والتي وفقني الله لتصحيحها في ثنايا هذا البحث، وبعضها إضافة جامع الترجمة مثل قوله: «إن بيت العراقي كان في الجمالية بالدرب الأصفر»، وهو خلاف تحديدي السابق لمكان منزله اعتمادًا على المصادر الموثقة. ومثل قوله: «إن العراقي رزق زوجة صالحة ولدت له الولي أحمد وجويرية وزينب» (٢).
وهذا خلاف ما أثبته أيضًا بالدليل القوي أن جويرية وزينب، من زوجة
стр. 640
أخرى، تزوجها العراقي بعد وفاة أم الولي أحمد، يعني أبا زرعة ابن العراقي، وقد سبق التعريف به ضمن تلاميذ والده. ومثل نسبته البيتين اللذين رثى بهما ابن الجزري شيخه العراقي، إلى الحافظ الهيثمي (١) وهو خلاف ما قدمته أيضا، فليتنبه لذلك من يقف على هذا الكتيب، أو على صورته المعلقة بضريح العراقي منعًا لانتشار الأخطاء وتداولها وبالله التوفيق.
تعقيب:
ولعلي بهذا قد وفقت في البحث المنهجي لشخصية الحافظ العراقي في إطار عصرها، من عامة جوانبها، ممخصة ومتكاملة، منذ ولادته إلى رحيله لدار البقاء مع إبراز أثره الشخصي خلال نحو ٦٠ عاما من حياته، في إحياء السنة ونهضة علومها، حتى عده غير واحد المجدد لها بحق في القرن الثامن الهجري وذلك بالمواقف والجهود العامة، وبالتوفر على الرواية والتعليم والإشراف على الإنتاج والبحث، والتوجيه للعامة والخاصة، وبتخريج أعلام السنة على مستوى العالم الإسلامي. أما أثره الخالد بمؤلفاته وآرائه المدونة فسأتناوله في الباب التالي وما بعده بعون الله.
стр. 641
الباب الثالث: أثر العراقي بمؤلفاته وآرائه في مصطلح علوم السنة وعلوم رجالها
القسم الأول: أثر العراقي بمؤلفاته وآرائه في مصطلح علوم السنة
القسم الثاني: اثر العراقي بمؤلفاته وآرائه في علوم رجال السنة
стр. 642
ألف العراقي في هذين الجانبين مؤلفات متعددة قائمة بذاتها، وضمنها خلاصة جهود وآراء من قبله، مضيفًا إلى ذلك جهوده وآراءه.
كما قدم بحوثاً وآراء متفرقة في بقية مؤلفاته في جوانب علوم السنة الأخرى الآتي بيانها بعد، وفي أماليه المنثورة، وإجاباته عن بعض الأسئلة والفتاوى الحديثية وفي دروسه ومناقشاته مع طلابه وغيرهم للتوضيح والتفهيم، وتعد هذه المتفرقات مكملات لأثره ظفي جانبي المصطلح وعلم الرجال، لكني سأركز هنا على تناول ما هو قائم بذاته، وما قد يحتاجه البحث من المتفرقات لأن إيراد العراقي لما يتعلق بالمصطلح وعلم الرجال في بقية مؤلفاته وبحوثه الأخرى إيراد إضافي لأجل بعض المناسبات، كالاستدلال أو التطبيق العملي أو كعنصر مكمل.
ولهذا فإني سأتناول مثل هذا ضمن الإطار العام للموضوع الأصلي للكتاب أو البحث الذي يرد فيه، كما أن مؤلفاته في جانبي المصطلح وعلم الرجال تحتوي بدورها على ما يتعلق بغيرهما من بقية علوم السنة التي خصها العراقي بمؤلفات وبحوث مستقلة؛ نظرًا لأن علوم السنة يُكمل بعضها بعضًا وسأتناول ذلك أيضًا في إطار المؤلفات التي ورد فيها بطريق التبع، وأحيل ما يمكن إحالته على ما يتصل به، رعاية للوحدة الموضوعية.
هذا وقد رأيت تناول ما للعراقي في جانبي المصطلح وعلم الرجال على النحو التالي:
стр. 643
القسم الأول: أثر العراقي بمؤلفاته وآرائه في مصطلح علوم السنة
стр. 644
١ - ألفيته في المصطلح وآثارها
أ - ترتيبها بين مؤلفاته ونسبتها إليه وزمن تأليفها وتبييضها:
قدمت في الرحلة الثالثة من رحلات العراقي الحجازية أن هذه الألفية هي باكورة مؤلفاته في قواعد علوم السنة المصطلح عليها بين علمائها، فلم يُعرف له في ذلك مؤلف قبلها.
كما ذكرت هناك تصريحه بنسبتها إلى نفسه، ومر أيضًا في نشاطه العلمي وفي التعريف بأهم تلاميذه وتأثيره فيهم، إثبات نسبتها إليه وتلقيها عنه، وقد نص في أولها على نسبتها إليه فقال:
يقول راجي ربه المقتدر … عبد الرحيم بن الحسين الأثري (١)
وفي المباحث التالية سيأتي مزيد لذلك.
أما زمن تأليفها، فقد ذكر العراقي في نهاية شرحه المتوسط لها أنه فرغ منها بالمدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وذلك في ٣ جمادى الآخرة سنة ٧٦٨ هـ (٢).
وهكذا جاء في نهاية عدد من نسخها الخطية (٣)، وجرى عليه صاحب «كشف الظنون» وغيره (٤).
لكن البحث أوقفني على أن التاريخ المذكور هو تاريخ الفراغ من تسويدها
стр. 645
فقط، وأن المؤلف قد بيضها بنفسه في تاريخ لاحق، فقد عثرت في نهاية إحدى النسخ الموثقة للألفية (١) على ما نصه: (قال ناظمها .. فرغت منها يوم الخميس المبارك ٣ جمادى الآخرة بالمدينة الشريفة … وأكملت تبييضها في يوم الثلاثاء ١٤ رجب سنة تاريخه) أي في نفس ٧٦٨ هـ، وهذا مما ينبغي إبرازه والتنبه له؛ لأن تحديد تاريخ تبييض الكتاب وتعيين القائم بالتبييض له أهميته في تحقيق نصوص الكتاب وترجيح أصوله الخطية عند الاختلاف وعندما يباشر المؤلف بنفسه التبييض كما هنا، تكون المبيضة أوثق من المسودة وأصح، باعتبارها الصورة النهائية التي اعتمدها المؤلف للكتاب وكثيرا ما تختلف نسخ الكتاب الواحد الاختلاف مسودة الكتاب عن مبيضته، أو لكونه لم يبيض بواسطة المؤلف.
وقد وقع فعلا بين نسخ هذه الألفية اختلاف في بعض النصوص واختلف تبعا لذلك المعنى المستفاد، كما سيأتي في بحث شروحها وحواشيها، وقد دعم البعض رأيه بموافقة ما ذكره لنسخة المؤلف.
ومن هنا كان التوصل لتاريخ تبييض الألفية وإثبات مباشرة العراقي لذلك بنفسه مما له أهميته في مجال اختلاف النسخ وترجيح نصوص المتأخر عن تاريخ التبييض على المتقدم عنه، خاصة وأنه بدئ في نسخ هذه الألفية وتدوالها منذ فراغ المؤلف منها بالمدينة كما قدمنا في الرحلة الحجازية الثالثة.
ب - تعدد تسمية العراقي وغيره للألفية، وأهم نسخها الخطية في العالم:
مع أن الاسم هو عنوان الكتاب وأول مميزاته عن غيره، فإن العراقي لم.
стр. 646
يُصرّح في نفس الألفية بتسميتها، كما فعل في بعض ما عني بتسميته من مؤلفاته، لكنه قال في إجازته لتلميذه ابن حجر كما قدمنا: « .. وقرأ علي الألفية المسماة بـ «التبصرة والتذكرة» من نظمي» (١).
فنص بذلك على وصفها بـ «الألفية»، وتسميتها بـ «التبصرة والتذكرة». أما في مقدمة شرحه المتوسط لها فقد قال بعد بيان ضرورة العناية بمعرفة علم المصطلح: «وقد نظمت فيه أرجوزة ألفتها ولبيان اصطلاحهم ألفتها (٢) فأطلق عليها «أرجوزة»»، وكذلك قال في آخر شرحها المذكور: « .. وكملت هذه الأرجوزة بطيبة … » (٣).
وأشار في عبارته السابقة بقوله: «ألفتها» الأولى، إلى عدد أبياتها أي جعلتها ألفا (٤)، وعليه يكون قوله: «أَلْفتُها» الثانية بمعنى نَظَمْتُها. وصرح في آخر بعض النسخ التي قُرئت عليه من شرحه لها بتسميتها بالألفية فقال: «قرأ علي هذا الشرح على (الألفية) في علم الحديث .. الخ» (٥).
وقد نتج من تعدد تسمية العراقي لها على هذا النحو، تعدد الأسماء التي تذكر بها في المجال العلمي والتاريخي عند النقل عنها أو التعريف بها، كما تعددت عناوين نسخها الخطية والطباعية، وتعدد تبعا لذلك ما تذكر به في
стр. 647
فهارس مكتبات العالم التي هي من مفاتيح البحث الهامة والمتداولة، وقد جعل هذا التعدد في الاسم بعض المختصين بدراسة السنة، فضلا عن غيرهم يعدون هذه الألفية كتابين، لا كتابًا واحدًا كما سنذكره.
لهذا رأيت لزوم بحث تسميتها وتتبع ورودها في أهم المصادر العلمية المتداولة والتعريف بأهم النسخ الخطية التي تحمل عناوينها وتسميتها المتعددة لتتضح الحقيقة ويرتفع اللبس لدى الباحثين من بعدي، فتسميتها بـ «الألفية» و «الأرجوزة» مرجعه للمنهج الشكلي، والكمي في تأليفها، فقد صاغها العراقي في قالب شعري، على وزن أحد بحور الشعر العربي المعروفة وهو بحر الرجز (١). ولذلك أطلق عليها «الأرجوزة» كما بلغت كميتها ألف بيت مزدوج حيث جعل العراقي آخر الشطر الأول في جميعها، مثل آخر الشطر الثاني مثل قوله في مقدمتها:
«من بعد حمد الله ذي الآلاء … على امتنان جل عن إحصاء» (٢)
وما كان كذلك يُسمَّى «مشطور الرجز» ويُعدُّ كل شطر بيتا مستقلا على المختار عند العروضيين (٣).
وبذلك كان عدد أبياتها ألف بيت مزدوج، وسميت لذلك بـ «الألفية» ويعد هذا الاسم أشهر ما أطلق عليها، وعرفت به في الوسط العلمي، منذ عصر المؤلف، ورغم أن له ألفيتين أخريين في غير المصطلح كما سيأتي، إلا
стр. 648
أنه إذا أُطلقت «ألفية العراقي» خاصة في مجال علوم السنة، كانت هي المقصودة، ولهذا يقول الغزي في ترجمة العراقي: «ونظم علوم الحديث لابن الصلاح، المسماة اليوم بـ «الألفية»» (١).
وذكر في ترجمة أحد علماء الحديث المتوفى سنة ٨٤٠ هـ أنه قرأ أرجوزة العراقي المسماة بالألفية في علوم الحديث (٢).
أما الحافظ ابن حجر فيقول في إجازته لبعض تلاميذه: «قرأ علي جميع هذه المنظومة «الألفية» من نظم شيخنا … العراقي» (٣).
وقال السخاوي أيضًا: ومن تصانيفه: «الألفية» في علوم الحديث (٤).
ومثله قال الشوكاني (٥) والمناوي (٦) وصاحب «معجم المؤلفين» (٧).
وقد ذكرت بهذا الاسم عدة نسخ خطية في فهارس مكتبات العالم مثل: النسخة رقم ٤٥٥ أصول الحديث، بفهرس مكتبة «ولي الدين» باستانبول وذكر أن عدد أوراقها ٨٨ ورقة وعدد سطور الصفحة منها ١٣ سطرًا. وأنبه هنا إلى أن المفهرس اختلط عليه العراقي بولده ولي الدين أبو زرعة، فذكر
стр. 649
وفاته سنة ٨٢٦ هـ (١) وهو تاريخ وفاة ولده كما قدمنا، فليتنبه لذلك.
أما البقاعي فأطلق عليها «الألفية الحديثية» (٢).
وقال السيوطي «ألفية الحديث» (٣) ويرجع هذا لقول العراقي في مقدمتها:
...................... … تُوضِّحُ من علم الحديث رَسْمَه (٤).
وقد ذكر بعنوان «ألفية الحديث»، هذا عدة نسخ خطية:
منها: نسخة بالمكتبة الظاهرية بدمشق برقم (٣٩٥) علم الحديث (٥).
ونسخة بمكتبة مدرسة (الحجيات) بالموصل ضمن مجموعة برقم (٥٣)(٦).
وذكرها الزركلي في مؤلفات العراقي بقوله: «الألفية في مصطلح الحديث» (٧).
وقد فهرست عدة نسخ منها بنحو هذا منها: نسخة بمكتبة الجامع الكبير بصنعاء باليمن الشمالي تحت رقم (٤٦) لغة، ومنها صورة ميكروفيلمية بدار الكتب المصرية برقم (٣٧١)(٨).
стр. 650
وقد اطلعت على هذه الصورة فوجدتُ عنوان النسخة «ألفية العراقي» وهي تُعتبر أقدم النسخ التي وقفت عليها، حيث أُثْبِتَ في نهايتها الفراغ من نسخها يوم السبت ٣ من شوال سنة ٧٧٥ هـ تجاه الكعبة المعظمة، أي أنها كتبت في حياة المؤلف وبعد قرابة ٧ سنين من تأليفها، كما أثبت بعدة هوامش من صفحاتها أنها قوبلت بغيرها (١) وأثبتت بالهوامش بعض تصحيحات للأصل.
والنسخة مكتوبة بخط النسخ مع ضبط معظم كلماتها بالحركات، وعدد أوراقها ٤٥ ورقة متوسطة الحجم، وعدد سطور الصفحة ١٣ سطرا. وتوجد نسخة أخرى بمكتبة المسجد الأحمدي بطنطا برقم (١١٢) خ (١٣٣٣) ع وذُكرت في فهرس المكتبة بعنوان «ألفية العراقي في المصطلح» وخطها نسخ جيد مكتوب سنة ١٠٦٣ هـ (٢).
وبنفس العنوان السابق ذُكرت نسخة أخرى موجودة بمكتبة البلدية بالإسكندرية ضمن مجموعة خطية برقم (٢٨٢٥ - ج) (٣).
وفي بعض الفهارس ذُكرت عدة نسخ خطية بعنوان «ألفية العراقي» فقط دون أي إيضاحات، سوى وضعها في الفهرس ضمن علم الحديث وأصوله فمن ذلك: نسخة ذُكرت بفهرس المكتبة الأحمدية بحلب تحت رقم (٣٥٤) فن الحديث وعلومه، وأنبه هنا إلى أنه قد ذكر بنفس الفهرس بعد تلك النسخة، نسخة أخرى بعنوان مغاير، كما سيأتي ذكرها، ولم ينبه
стр. 651
المفهرس على أنهما نسختان لكتاب واحد وإن «اخْتَلَفَ» العنوان، وهذا يجعل غير الخبير بتعدد أسماء هذه الألفية، فضلا عن باقي مؤلفات العراقي يظن أنهما كتابان لا كتاب واحد، ما لم يطلع على النسختين ويقابلهما بعضهما ببعض، وذلك ما لا يتاح لكل من يطلع على الفهرس المذكور.
ولقد وجدت الشيخ محمد عبد الحي الكتاني ﵀ وكان من المختصين بعلوم السنة - يُعد ألفية العراقي هذه، كتابين، لتعدد الاسم حيث قال في ترجمة العراقي: «ومن تأليفه الألفية الاصطلاحية والحديثية، وقد سارت بهما الركبان في كل مكان وزمان وشرحهما» (١) مع أن الواقع كما ذكرت أنها كتاب واحد متعدد العنوان، وقد شرحها العراقي كما سيأتي بشرحين، لذلك كان على مفهرس المكتبة الأحمدية بحلب - وهو من المختصين بالسنة - وبتحقيق تراثها (٢). كما أن على غيره من ذوي الخبرة بتراث السنة أن يُنبهوا على أن التعدد في العنوان فقط، دفعا لمثل هذا اللبس الذي حدث لمتخصص مثل الكتاني فضلا عن سواه.
ولعل هذا يوضح أهمية تتبعي للعناوين المتعددة لهذه الألفية، سواء في نسخها الخطية وطبعاتها أو في فهارس المكتبات الموجودة بها، أو في المصادر العلمية، وهناك نسخة أخرى بمكتبة «نور عثمانية» باستانبول برقم (٦١٩) (أصول الحديث) وتقع في مجلد بخط مختلف. وقد ذكرت في فهرس المكتبة بعنوان «ألفية العراقي» دون أي إيضاحات.
стр. 652
أخرى، بل ذكر المفهرس وفاة العراقي سنة ٨٠٥ هـ (١) وهو خلاف المتفق عليه كما مر ذكره. ويذكر صاحب «كشف الظنون» هذه الألفية بقوله: ألفية العراقي في أصول الحديث (٢).
وقد وجدت عدة نسخ خطية بهذا العنوان منها: نسخة بمكتبة المدرسة الأحمدية بالموصل، كتبت سنة ٩٧١ هـ وهي رقم ٢ في مجموعة برقم (٢١٩)(٣) وأنبه هنا إلى أنه قد ذكرت بالفهرس نسخة أخرى قبل هذه النسخة برقم (٨٩)(٤) وهي موجودة بنفس المكتبة ومعنونة بـ «أصول الحديث» للعراقي ومكتوبة سنة ٨٥٣ هـ، ولم ينبه المفهرس إلى أنهما نسختان لكتاب واحد منعًا للاختلاط، وظنَّ غير المحيط بمؤلفات العراقي أنهما كتابين كما أشرت من قبل، فليتنبه لذلك من يطلع على هذا الفهرس وأمثاله.
وتوجد نسخة أخرى بمكتبة مدرسة «الخياط» بالموصل أيضًا، وعنوانها «ألفية العراقي في أصول الحديث»، ورقمها في المكتبة (٤٧)(٥).
وهناك نسخة أخرى بدار الكتب الوطنية بلبنان برقم (٨٤) / ٢٤١٢ رقم تنسيقي، وهي ضمن مجموعة تبلغ ٤٣ ورقة (٦).
وتوجد نسخة خطية أيضًا بمكتبة الجمعية الآسيوية بالبنغال، وتقع في مجلد
стр. 653
بخط نسخ، تحت رقم (٦٠٥) قديم (و [١٢/ A.b] جديد) (١).
وإذا كانت التسمية بـ (الألفية) مضافة للعراقي أو الموضوعها وهو علوم الحديث أو مصطلحه أو أصوله، قد اشتهرت على هذا النحو، فإنه يلي هذه التسمية في الشهرة، اسم (التبصرة والتذكرة) الذي صرح به المؤلف خارج الألفية كما قدمنا، وقد توصف مع ذلك بالقصيدة، فيقال: «القصيدة المسماة بـ (التبصرة والتذكرة) في علم الحديث» (٢) أو بالألفية أيضًا مثل قول ابن فهد في بيان مؤلفات العراقي … . والألفية المسماة بـ «التبصرة والتذكرة» (٣).
وقد ذكر السخاوي بعد أن أطلق عليها «ألفية الحديث» (٤) أن قول العراقي في مقدمتها:
«نظمتها تبصرة للمبتدي … تذكرة للمنتهي والمسند»
قد أشير فيه بـ «التبصرة والتذكرة» إلى لقب هذه المنظومة.
وقال الشيخ زكريا الأنصاري في مقدمة شرحه لها: «وبعد فإن ألفية علم الحديث المسماة بالتبصرة والتذكرة … ». ثم قال مثل السخاوي: إن العراقي أشار بـ (التبصرة والتذكرة) في البيت السابق إلى اسم منظومته (٥).
وقد أقرهما على ذلك الطوخي في حاشيته على شرح الأنصاري (٦).
стр. 654
أما العدوي في حاشيته على شرح الأنصاري أيضًا، فعارض ذلك قائلًا: «إن قول المصنف نظمتها تبصرة … الخ لا يقتضي تسميتها بذلك. إلا أن يُقال: ثبت عند الشارح أي الأنصاري، أن المصنّف، أي العراقي سماها بذلك (١).
وفي تقديري أن هذه المعارضة من العدوي في محلها؛ لأن قول العراقي:
(نظمتها تبصرة .. الخ) بيان لهدفه من تأليفها، وليس إشارة لتسميتها ولكن المعول عليه هو تصريحه بهذه التسمية، وقد ثبت ذلك عنه في خارج الألفية كما قدمنا، وبذلك تحقق للعدوي مطلبه.
وقد ذُكرت بعض النسخ الخطية باسم «التبصرة والتذكرة» هذا، منها: نسخة بالمكتبة الأحمدية بحلب برقم (٣٦٢) (حديث وعلومه) وقد أشرت من قبل إلى أنه ذُكر بفهرس المكتبة نسخة أخرى قبل هذه باسم «ألفية العراقي» ولم ينبه المفهرس على أنهما نسختان لكتاب واحد وإن اختلف العنوان، منعًا للاشتباه كما أسلفت، فليكن في بياني هذا دفع لهذا اللبس عن الباحثين في فهرس المكتبة المذكورة وما يشابهه.
وهناك نسخة أخرى بمكتبة (قاضي عسكر) بتركيا، وقد ذكرت بعنوان تبصرة العراقي» تحت رقم (٣٤٨) (علم الحديث وأصوله)، ولم يذكر المفهرس أي إيضاحات أخرى عنها (٢) بل إن الشيخ طاهر الجزائري ﵀ وهو من علماء السنة، عمل فهرسًا لنوادر المخطوطات ووقفت عليه بخطه، وذكر نفس هذه النسخة فيه برقم (٦٠) بنفس العنوان
стр. 655
السابق دون أي إيضاح من جانبه (١)
وتوجد نسخة أيضًا بدير الاسكوربال بأسبانيا برقم (١٤٨٩) وعنوانها «كتاب التبصرة والتذكرة» للحافظ العراقي (٢).
وأفيد ما ذكرت به الألفية في المصادر العلمية أو الفهارس، هو الجمع بين «التبصرة والتذكرة» و «الألفية» على أنهما اسمان لمسمى واحد وبهذا يندفع الاشتباه، وحسبان التعدد كما مر.
وممن فعل ذلك مؤخرًا: كارل بروكلمان الألماني، حيث ذكر أول مؤلفات العراقي قائلًا: «التبصرة والتذكرة» أو «الألفية» في مصطلح الحديث.
وذكر عدة نسخ خطية بمكتبات العالم، منها نسخة بالمتحف البريطاني برقم (١٥٩٨)(٣) ومثل ذلك فعل الدكتور محمد أسعد طلس في فهرسة بعض النسخ الموجودة بمكتبة الأوقاف العامة ببغداد (٤).
وجرى على ذلك أيضًا مفهرسو دار الكتب المصرية فقالوا: «ألفية العراقي في أصول الحديث»، المعروفة بتبصرة المبتدي، وتذكرة المنتهي، وأوردوا عدة نسخ خطية منها (٥).
ثم ذكروها ثانيًا بعنوان «تبصرة المبتدي وتذكرة المنتهي» وقالوا: وهي المشهورة بألفية العراقي، وأحالوا على النسخ المتقدمة (٦).
стр. 656
وقد بلغ عدد النسخ الخطية التي أحصيتها بدار الكتب المصرية عموما ٢١ نسخة، ثم قمت بفحص معظمها فوجدت من هذه النسخ ما يحمل العنوان المزدوج، مثل النسخة ذات الرقم (٤٠٣) مصطلح، حيث عُنونت بكتاب (التبصرة والتذكرة).
ثم كُتب عليها بخط مغاير (ألفية العراقي)، وبذلك اجتمع عليها الاسمان كما ذكر المفهرسون، وتعد هذه أقدم النسخ المذكورة عموما وأكثرها توثيقا وإن كان المفهرسون لم يبينوا ذلك، فقد جاء في نهايتها، أنها نقلت من نسخة منقولة من الأصل الذي بخط المصنف، في مجالس آخرها يوم الأربعاء ١٨ شوال المبارك سنة ٧٩٥ هـ، وأن النسخة المنقول منها قرئت أيضًا على المصنف، وقوبلت جهد الطاقة، وشرفها المصنف بخطه الكريم في النصف من شوال سنة ٧٧٥ هـ، ثم كتب بهامش عدة صفحات منها: (بلغ قراءة على مؤلفه)، كما أن ببعض هوامشها تصحيحات للأصل وحواش عليه وخطها واضح والكلمات المشكلة النطق مضبوطة بالحركات كما جاء في نهايتها ذكر العراقي لتاريخ فراغه من تسويد الألفية ثم تبييضه لها بنفسه في تاريخ لاحق، كما قدمت ذكره، وكل هذه توثيقات جيدة ومميزات هامة لم تتوفر لباقي نسخ الدار الأخرى رغم كثرتها كما ذكرت. ولهذا فإنها تترجح على غيرها، ويعتمد عليها عند اختلاف بعض النصوص عنها في النسخ الأخرى.
стр. 657
وقد أثبت في نهايتها أنه علقها (أي كتبها) لنفسه محمد بن يحيى بن محمد … المعروف بابن الرشيد. وعدد أوراقها ٣٤ ورقة متوسطة، وعدد سطور الصفحة ١٧ سطرا.
ووجدت نسخة أخرى برقم (٣٢١) مصطلح وعنوانها «هذا نظم فاخر لأصول الحديث»، ولم يذكر بها لا اسم «الألفية» ولا «التبصرة والتذكرة» كما بالفهرس، ولم ينبه المفهرس على ذلك، بل وضعها تحت العنوان المذكور بالفهرس، اعتمادا على مضمونها، لا على العنوان الذي تحمله، وهذا مخالف لأصول الفهرسة، فليتنبه لذلك.
وهذه النسخة متأخرة جدا عن النسخة السابقة، فقد جاء في نهايتها أن ناسخها هو: علي بن يحيى بن علي .. الدمشقي المجاور بالقدس الشريف وأنه نقلها في مجالس آخرها ١٥ رجب سنة ١٠٣٢ هـ. وكتب أيضا في نهايتها بالهامش: بلغ مقابلة من أولها إلى آخرها على نسخة مصححة، في تاريخه، وفي هذا توثيق لها، كما أن خطها نسخ واضح، ومعظم كلماتها مضبوطة بالحركات، وبين سطورها وعلى هوامشها تعليقات موقعة باسم «محمد»، وكثير منها منقول عن شرح العراقي المتوسط لها، تارة بالعزو إليه وتارة بدون عزو، وبأولها فهرس للموضوعات، وعدد أوراقها ٤١ ورقة متوسطة، وعدد سطور الصفحة ١٣ سطرا.
ثم وجدت نسخة برقم (٢٣٧٧٦ ب) وعنوانها «كتاب نظم الألفية في مصطلح الحديث المسماة بالمقاصد المهمة»، ولم ينبه المفهرس أيضا لوجود هذه التسمية على النسخة، مع أنها لم تعنون بغير ذلك، وهذه تسمية مستنبطة من
стр. 658
قول العراقي في مقدمة الألفية:
فهذه المقاصد المهمة … توضح من علم الحديث رسمه (١)
وقد فهرست نفس النسخة مرة ثانية بهذا العنوان في فهرس آخر وهو القسم الثالث من نشرة المخطوطات بدار الكتب المصرية من سنة ١٩٣٦ - ١٩٥٥ م (٢) فقال المفهرس: «المقاصد المهمة» ونسبها للعراقي ثم قال: وهي منظومة ألفية في مصطلح الحديث .. الخ.
ولعله استشعر عدم شهرة الكتاب باسم «المقاصد المهمة» هذا ففصل التعريف به كما أشرت دفعا لما توهمه هذه التسمية غير المشهورة من كون هذا كتابا آخر غير ألفية المصطلح المعروفة، وذلك خير من عمل المفهرس الأول لجمعه بين الإفادة الواضحة، والدقة، ببيان واقع عنوان النسخة.
وهذه النسخة بخط نسخ، وغالبها مضبوط بالشكل، وجاء في نهايتها ٧ أبيات من نظم الناسخ أحمد الرفاعي الشافعي الأزهري بين فيها أنها تمت بنقل محكم، وقوبلت بشرحها مع نسخ متعددة، وذلك في يوم الأحد غرة صفر سنة ١٠٩٢ هـ. وهي تقع في ٣٣ ورقة وسطور كل صفحة ١٧ سطرًا.
هذا ما يتعلق بنسخ دار الكتب المصرية وفهرستها.
أما مكتبة الأزهر الشريف: فقال مفهرسوها: «ألفية العراقي» في أصول الحديث، وقيل اسمها «التبصرة والتذكرة»، وهذا يشير إلى تضعيفهم التسمية الأخيرة، مع أن العراقي قد صرّح بها كما مر، فلعلهم لم يقفوا على
стр. 659
تصريحه بها.
وقد أحصيت النسخ الخطية التي وردت بفهرس مكتبة الأزهر، فوجدتها ٢٧ نسخة (١)، لكني لم أجد منها ما هو أقدم ولا أوثق مما عرفت به من النسخ فيما تقدم، ولذا أكتفي به.
ثم إني وقفت على ذكر نسخة موجودة بمكتبة «أيا صوفيا» باستانبول تحت رقم (٤٧٨٩) مجاميع، ورقمها في المجموعة (٥) وعنونت باسم «منظومة في الحديث» للعراقي (٢) وكذا عنونت نسخة أخرى بدار الكتب برقم (١٥٢) مصطلح/ طلعت، وهي نسخة متأخرة جدًا وغير موثقة والتسمية بالمنظومة منطبق على الألفية باعتبارها شعرًا منظومًا، وقد أطلق الحافظ ابن حجر عليها ذلك في بعض نقوله عن شرح العراقي لها حيث يقول: «وقد بين شيخنا ذلك في شرح منظومته» (٣) لكن الواقع أن تسميتها بـ «المنظومة» فقط غير مشهور.
ج - أهم طبعات الألفية وتقويمها:
قد طبع كتاب الألفية هذا في عدة طبعات، في عدة صور، نذكر منها ما يلي:
١ - طبعة باسم «ألفية مصطلح الحديث» ضمن مجموعة بعنوان «نفائس» ثالثها كتاب الألفية، وتلك المجموعة بتحقيق الشيخ محمد حامد الفقي ﵀.
стр. 660
وطبعت مرتان وقفت على نسخة من الطبعة الثانية، المطبوعة بمطبعة السنة المحمدية بالقاهرة سنة ١٣٧٢ هـ، وهي عبارة عن متن (الألفية) مع تعليقات ثمانية فقط للمحقق، وهي تعليقات ليست ذات أهمية؛ لأن سبعة منها عبارة عن تعريف ببعض الأعلام التي وردت في الألفية، تعريفا بمجرد ذكر اسم الشخص ونسبه ثنائيًا أو ثلاثيًا أو أكثر، وتعليق واحد لبيان إحدى العبارات الغامضة.
وقد عني المحقق بضبط بعض الكلمات المشكلة النطق بالحركات وهو عمل مفيد لكنه لم يقدم للطبعة بشيء، وبذلك لم نعلم الأصل الذي اعتمد عليه في الطبع. وقد قمت بمقابلة معظم الألفية في هذه الطبعة بأكثر النسخة الخطية المتقدمة توثيقا، وهي التي برقم (٤١٣) مصطلح دار الكتب المصرية، وبالنسخة ذات الرقم (٣٢١) مصطلح دار الكتب أيضًا وهي موثقة كما تقدم، كما قابلت بعضها بمتن الألفية المطبوع مع شرح المؤلف الآتي، وغيره.
وقد اتضح لي وجود اختلاف بين هذه الطبعة وبين تلك النسخ الجيدة التوثيق، مما يدل على أن المحقق اعتمد على أصل غير معتمد، وإن كانت هذه الاختلافات في مواضع قليلة، منها في باب المقطوع (١) قول الناظم:
وسم بالمقطوع قول التابعي … وفعله وقد رئي للشافعي
فقد ذكر قوله «رئي» كما ترى وضبطه بضم الراء وكسر الهمزة، على أنه مبني للمجهول، والذي في نسخة (٤٠٣) وفي المطبوع مع شرح المؤلف (٢)
стр. 661
«رأى» بفتح الراء والهمزة مبنيا للمعلوم، وعلق عليه بهامش من النسخة الخطية رقم (٤٠٣) بقوله: أي ابن الصلاح.
وسيأتي في منهج العراقي في هذه الألفية أنه إذا أورد فيها فعلا فاعله ضمير مفرد مستتر، كما في الفعل «رأى» هذا، فالمراد بالفاعل: ابن الصلاح ولهذا قال في الشرح: «وقد رأى» أي ابن الصلاح، ووجدت التعبير بالمقطوع عن المنقطع في كلام الشافعي، وبذلك يكون «رئي» المبني للمجهول في تلك الطبعة، مخالفا للمعنى المقصود للناظم ولمنهجه؛ لأن الرائي بموجب ما في الطبعة، يكون مجهولا بينما قصد الناظم ومنهجه، أنه معلوم.
٢ - وفي باب «الرواية من النسخ التي إسنادها واحد» قال:
«والأغلب البدء به ويذكر … مع بعده مَعْ وبه الأكثر»
فقوله «مع» الأولى ذكرها هكذا وضبطها بفتح الميم وسكون العين مما يدل على عدم كونه خطأ مطبعيًا.
والذي بشرح المؤلف (١) وشرح السيوطي (٢) «ما» بدل «مع» وهي الموافقة للمعنى كما في الشرحين المذكورين، بخلاف «مع» الواردة في هذه الطبعة فلا يستقيم المعنى عليها. وقد طبعت الألفية أيضًا ضمن شروحها وبعض حواشيها الآتي التعريف بها في موضعها.
стр. 662
الاستنتاج:
ومما تقدم يتضح الآتي:
١ - أن ألفية العراقي هي أول مؤلفاته في مصطلح علوم السنة، وأنها ثابتة النسبة إليه، وقد أتم تبييضها بنفسه عقب الفراغ من تسويدها بأيام.
٢ - تعدد الأسماء التي أطلقها المؤلف وغيره على الألفية، وبالتالي تعدد ما تذكر به في المصادر العلمية وفهارس مكتبات العالم.
فتارة تفرقت الأسماء حتى في المرجع الواحد، دون ربط بينها، فأوهمت تعدد المسمى، وتارة جمعت معا، أو ربط بينها، وهذا هو الصواب، لدفعه اللبس، ودلالته لأي باحث من أقرب طريق على أن المسمى كتاب واحد وإن تعددت الأسماء والعناوين.
٣ - يُعتبر أشهر ما عُرف به الكتاب اسم «الألفية»، مضافة إلى العراقي أو لموضوعها، وهو علم الحديث، أو مصطلحه أو أصوله، ولذا فإني سأجري في بحثي على هذا الإطلاق عند اللزوم.
٤ - أن بعض المختصين اعتبر هذه الألفية كتابين، لتعدد اسمها، وهذا خطأ كما أن بعض فهارس المكتبات الموجود بها نسخ الألفية، فيه قصور في فهرستها يوقع في اللبس، وخاصة فهارس المكتبات خارج مصر، ولعل ما أوضحته بشأن مواضع اللبس في بعض تلك الفهارس، يسهم في جبر نقصها فيما يستجد من بحث تراث السنة، وفهرسته فهرسة علمية دقيقة.
٥ - أن ما اطلعت عليه من النسخ الخطية العديدة الموثقة، والنسخ المطبوعة جميعها، تتفق في عدد أبيات الألفية وهو (١٠٠٣) بيت، فيما عدا نسخة.
стр. 663
واحدة زادت بيتا في آخرها، وهي موجودة بدار الكتب المصرية برقم (٦) مصطلح، ضمن مجموعة من ورقة ٢٣١ - ٢٦٨، فقد انتهت عامة النسخ بقول العراقي:
«وأفضل الصلاة والسلام … على النبي سيد الأنام» (١)
أما النسخة المشار إليها فجاء بها بعد هذا:
«وآله وصحبه وتابع … وناظر وقارئ وسامع»
وهي نسخة متأخرة، حيث جاء في نهايتها أن الفراغ من نسخها كان في ٦ من شعبان سنة ١٠٥٤ هـ، كما أنه ليس فيها علامات توثيق، بيان أصلها أو مقابلتها بغيرها، ونحو ذلك.
ولهذا فإني أرجح ما اتفقت عليه عامة النسخ الأخرى وهو عدم وجود البيت المذكور ضمن نص الألفية، فلعله من زيادة بعض النساخ مثلما زاد كاتب النسخة رقم (٢٣٧٧٦) ب السابق التعريف بها، في نهايتها ٧ أبيات من نظمه، لكنه كان أمينا، حيث فصلهم عن نص الألفية، كما أنهم متميزون بمحتواهم؛ لأنه ذكر فيهم أنه نقل الألفية بإتقان، وقابلها بغيرها بعكس هذا البيت، فقد ألحقه ناظمه بنص الألفية، وجعله منسبكًا مع آخر بيت منها فَلْيُتَنَبَّه لذلك، ثم إن هذا البيت كما مر، ليس فيه مادة علمية، بل هو استطراد في ختام الألفية، وعليه فإن استبعاده لا يخل بمضمونها العلمي بل ولا بختامها.
стр. 664
د - موضوع الألفية والغاية من تأليفها وتحقق تلك الغاية:
قال العراقي في مفتتح الألفية:
«فهذه المقاصد المهمة … توضح من علم الحديث رسمه» (١)
ثم قال في شرحها: «وبعد: فعلم الحديث خطير وقعه، كثير نفعه، عليه مدار أكثر الأحكام وبه يُعرف الحلال والحرام ولأهله اصطلاح لابد للطالب من فهمه، فلهذا ندب إلى تقديم العناية بكتاب في علمه، وكنت نظمت فيه أرجوزة ألفتها، ولبيان اصطلاحهم ألفتها» (٢).
وقال في شرح البيت الأول: «والمراد بـ «رسم الحديث» آثار أهله التي بنوا عليها أصولهم»، وذكر أنه عبر بـ «الرسم» إشارة إلى دروس كثير من هذا العلم، وأنه بقيت منه آثار يُهتدى بها، ويُبنى عليها، وهي التي تكفلت تلك الألفية بتوضحيها.
وقال أيضًا في مقدمة الألفية:
«نظمتها تبصرة للمبتدي … تذكرة للمنتهي والمسند» (٣).
ومما تقدم يتضح لنا تصريح العراقي بأن موضوع هذه الألفية بيان قواعد علم الحديث وأصوله الهامة، وما تنبني عليه تلك الأصول والقواعد والحدود التي استنبطها علماء السنة من استقراء أحوال السند والمتن، والمؤلفات فيهما واصطلحوا عليها في بيان حدود وأنواع علوم السنة المتعددة، وتمييز مقبولها.
стр. 665
من مردودها، وقد بلغ مجموع ما تضمنته الألفية ٦٥ نوعًا، كل نوع منها يُعد علمًا من علوم السنة كما سنفصله.
وقد قدمت في الباب الأول أن مجموع تلك القواعد التي تضمنتها الألفية يطلق عليها «علم الحديث دراية» أو «علم أصول السنة» أو مصطلحها وقدمنا أيضًا تعريفه وشرح التعريف، بما يبين مشتملات هذا العلم، وبالتالي مشتملات مؤلفاته، وذكرنا أن الغاية منه تمييز أنواع علوم السنة سندا ومتنا ومعرفة ما يقبل منها وما يرد.
ولهذا ذكر العراقي هنا في بيان غايته من تأليفها: «أنه لابد لطالب السنة من معرفة مصطلح أهلها، قبل الشروع في دراستها، حتى يسير على بصيرة» وبين أن ذلك يتحقق بدراسة كتاب في علم المصطلح، وأتبع ذلك بذكر نظمه لتلك الألفية في علم المصطلح المذكور، ثم صرّح بأنه قصد بنظمها إفادة عامة للمشتغلين بالسنة وعلومها، وفي مقدمتهم الطلاب المبتدئون في دراستها الذين أشار إليهم، فتكون تلك الألفية تبصرة لهم وتوعية إجمالية بمسائل علم المصطلح عمومًا، خاصة وأن قالبها الشعري الموزون يعينهم على حفظها كما كان معتادًا في عصره (١).
وقد وجه أنظارهم مرة أخرى لدراستها في باب آداب طالب الحديث فقال:
«واقرأ كتابًا في علوم الأثر … كابن الصلاح أو كذا المختصر» (٢)
وذكر في شرحه: «أنه ينبغي للطالب أن يُقدم قراءة كتاب في علوم
стр. 666
الحديث، حفظا وتفهما، ليعرف مصطلح أهله ومقاصدهم ومهماتهم التي ينقص المحدّث بالجهل بها نقصا فاحشا … ».
ثم قال: (وقولي: (أو كذا المختصر) إشارة إلى هذه الأرجوزة) (١) يعني أنه ينبغي للطالب أن يقرأها حفظًا وتفهمًا، ليعرف مصطلح علوم الحديث ويتخلص بذلك من النقص العلمي الفاحش، مثلما هو شأن كتاب ابن الصلاح الذي ذكره قبلها.
قال الأنصاري: «فكلاهما جدير بأن يتحصل العناية به» (٢).
وقال السيوطي: «أشار الناظم ﵀، إلى منظومته هذه لما حوته من مسائل كتاب ابن الصلاح، مع الفوائد الزوائد» (٣).
أما الصنف الثاني من المشتغلين بالسنة: الذي قصد العراقي إفادته بهذه الألفية فهو العالم المنتهي في هذا الفن، وهو من حصل أكثره وصلح لإفادته وتعلمه، فيتذكر بالاطلاع عليها أو حفظها ما علمه وغفل عنه، أو كان عنه ذاهلا (٤)، من مجموع هذا الفن. وفي صورتها الشعرية ما يجعل استحضارها أيسر من استحضار النثر وأضبط.
وثالث من قصد العراقي إفادته بهذه الألفية، هم المسندون الذين تخصصوا في تحمل الحديث وأدائه بإسناده، سواء كانوا مبتدئين فيتبصروا بها كيفية
стр. 667
التحمل والأداء ومتعلقاتهما، أو منتهين فيتذكروا بها ما ذهلوا عنه من ذلك (١).
قال البقاعي: «حاصله أنها تذكرة وتبصرة للمبتدي والمنتهي، سواء كانا مسندين أم لا» (٢).
«وإذا كانت الغاية منها تمتد إلى إفادة من بلغوا النهاية في التحصيل والخبرة من علماء السنة ومسنديها، فإن شمولها لإفادة المتوسطين بين الابتداء والانتهاء من باب أولى» (٣)، وبذلك تعم الغاية منها إفادة سائر المشتغلين بعلوم السنة على تفاوت درجاتهم.
أما عن تحقق غاية العراقي هذه الشاملة، فقد قدمت شواهد عملية متعددة لذلك، سواء في رحلة العراقي الحجازية الثالثة التي أنجز فيها هذه الألفية، أو في وظائفه العلمية، أو في التعريف بنماذج تلاميذه وتأثيره فيهم، وثبت من تلك الشواهد أن الألفية منذ فراغ العراقي منها قد كُتِبَتْ منها النسخ، حتى بواسطة بعض شيوخ العراقي في الرواية، وانتشرت نسخها ودراستها على يد العراقي وتلاميذه في مصر وخارجها، وصارت مادة من منهج الدراسة العامة والمتخصصة، فيحفظها المبتدئون من طلاب السنة وغيرهم، ويعرضونها على العراقي وعلى غيره، ثم يدرسها المتجهون للتخصص بعلوم السنة، من المسندين والمحدثين والحفاظ، على اختلاف مستوياتهم، ثم ظلت محل دراستهم واستذكارهم، ومرجع استفادتهم في عامة مسائل المصطلح وقواعده.
стр. 668
وسيأتي مزيد من ذلك في بيان أثرها، والعناية بها بعون الله تعالى.
هـ - مصادر العراقي في الألفية وطرق اعتماده عليها:
أولا: مقدمة ابن الصلاح:
يُعتبر المصدر الأساسي للعراقي في ألفيته هذه، كتاب أبي عمرو بن الصلاح المعروف بـ «مقدمة ابن الصلاح»، والمسمى «معرفة أنواع علم الحديث» (١) وذلك لأن هذا الكتاب كان في عصر العراقي هو أشهر وأجمع ما ألف في بيان أنواع علوم الحديث، حيث نوعها فيه إلى ٦٥ نوعًا جمعت شتاتها المتفرق في مؤلفات من قبله من أهل الفن، وحل مشكلاتها وقعد قواعدها وبين أحكامها، وفصل أقسامها، وشرح مصطلحات أهل الحديث ومقاصدهم ومهماتهم (٢).
ولذلك اتخذه عامة العلماء من بعده محورًا لمؤلفاتهم في المصطلح، حتى إنه لا يحصى من نظمه أو اختصره أو شرحه مع الاستدراك عليه بالزيادة أو النقص والتعديل، والانتقاد له أو الدفاع عنه.
فكان الحافظ العراقي ممن نظم ملخص هذا الكتاب في ألفيته (٣) وصرّح في مقدمتها بذلك حيث يقول:
стр. 669
«لخصت فيها ابن الصلاح أجمعه … ................................ » (١)
يعني كتابه المشار إليه، ولهذا نجد مؤرخي العراقي يعدون هذه الألفية ملخصا لمقدمة ابن الصلاح (٢).
كما أن العراقي في شرحه الآتي للألفية صرّح في عدة مواضع بأنه أوردها في النظم على ما هي عليه، تبعا لابن الصلاح بحكم التزامه بتلخيص كتابه.
ففي مبحث «خفي الإرسال» قال: «وهذا النوع أشبه بروايات المدلسين وقد أفرده ابن الصلاح بالذكر عن نوع المرسل فتبعته على ذلك» (٣).
وفي مبحث «المؤتلف والمختلف» ذكر أن القسم الثاني، منه ما يدخل تحت الضبط بضابط معين، ثم قال: «وقد ذكرت من هذا القسم الثاني جملة منه تبعا لابن الصلاح» (٤) وهكذا صرّح في مواضع أخرى (٥).
بل هناك بعض المواضع تبع فيها ابن الصلاح في النظم، ونبه في الشرح على مخالفة ابن الصلاح فيها لغيره، مثل مبحث «السماع على نوع من الوهن».
стр. 670
فقد قال في الألفية:
ثم على السامع بالمذاكرة … بيانه كنوع وهن خامره (١)
ثم قال في الشرح: هكذا قال ابن الصلاح: إن عليه بيان ما فيه بعض الوهن، وجعل من أمثلته ما سمعه في المذاكرة، فتبعته في ذلك، ثم أشار إلى مخالفة ما ذكره ابن الصلاح، ومن تبعه فيه، لرأي الخطيب البغدادي فقال: وفي كلام الخطيب البغدادي أنه (أي بيان السماع مذاكرة) ليس بحتم، فإنه قال: وأستحب أن يقول: (حدثناه في المذاكرة) (٢) فهذا يفيد الاستحباب بينما عبارة ابن الصلاح (عليه) تفيد الإلزام والتحتم. أما في مبحث معرفة الصحابة، فقد قال العراقي في الألفية:
رائي النبي مسلما ذو صحبة … ............................ (٣)
ثم قال في الشرح: «ولو قيل في النظم: لاقي النبي، كان أولى، أي ليشمل الأعمى، ولكن تبعت فيه عبارة ابن الصلاح» (٤) كذلك ذكر غير العراقي من شراح الألفية أمثلة أخرى، كتأخير ما حقه التقديم رعاية لسياق ابن الصلاح (٥)، وإهمال ما حقه أن يذكر، تبعا لما جرى عليه أيضًا (٦) ومما يعفي العراقي من النقد في تبعيته لابن الصلاح في بعض ما هو منتقد من غيره على