الحديث، حفظا وتفهما، ليعرف مصطلح أهله ومقاصدهم ومهماتهم التي ينقص المحدّث بالجهل بها نقصا فاحشا … ».
ثم قال: (وقولي: (أو كذا المختصر) إشارة إلى هذه الأرجوزة) (١) يعني أنه ينبغي للطالب أن يقرأها حفظًا وتفهمًا، ليعرف مصطلح علوم الحديث ويتخلص بذلك من النقص العلمي الفاحش، مثلما هو شأن كتاب ابن الصلاح الذي ذكره قبلها.
قال الأنصاري: «فكلاهما جدير بأن يتحصل العناية به» (٢).
وقال السيوطي: «أشار الناظم ﵀، إلى منظومته هذه لما حوته من مسائل كتاب ابن الصلاح، مع الفوائد الزوائد» (٣).
أما الصنف الثاني من المشتغلين بالسنة: الذي قصد العراقي إفادته بهذه الألفية فهو العالم المنتهي في هذا الفن، وهو من حصل أكثره وصلح لإفادته وتعلمه، فيتذكر بالاطلاع عليها أو حفظها ما علمه وغفل عنه، أو كان عنه ذاهلا (٤)، من مجموع هذا الفن. وفي صورتها الشعرية ما يجعل استحضارها أيسر من استحضار النثر وأضبط.
وثالث من قصد العراقي إفادته بهذه الألفية، هم المسندون الذين تخصصوا في تحمل الحديث وأدائه بإسناده، سواء كانوا مبتدئين فيتبصروا بها كيفية
стр. 667
التحمل والأداء ومتعلقاتهما، أو منتهين فيتذكروا بها ما ذهلوا عنه من ذلك (١).
قال البقاعي: «حاصله أنها تذكرة وتبصرة للمبتدي والمنتهي، سواء كانا مسندين أم لا» (٢).
«وإذا كانت الغاية منها تمتد إلى إفادة من بلغوا النهاية في التحصيل والخبرة من علماء السنة ومسنديها، فإن شمولها لإفادة المتوسطين بين الابتداء والانتهاء من باب أولى» (٣)، وبذلك تعم الغاية منها إفادة سائر المشتغلين بعلوم السنة على تفاوت درجاتهم.
أما عن تحقق غاية العراقي هذه الشاملة، فقد قدمت شواهد عملية متعددة لذلك، سواء في رحلة العراقي الحجازية الثالثة التي أنجز فيها هذه الألفية، أو في وظائفه العلمية، أو في التعريف بنماذج تلاميذه وتأثيره فيهم، وثبت من تلك الشواهد أن الألفية منذ فراغ العراقي منها قد كُتِبَتْ منها النسخ، حتى بواسطة بعض شيوخ العراقي في الرواية، وانتشرت نسخها ودراستها على يد العراقي وتلاميذه في مصر وخارجها، وصارت مادة من منهج الدراسة العامة والمتخصصة، فيحفظها المبتدئون من طلاب السنة وغيرهم، ويعرضونها على العراقي وعلى غيره، ثم يدرسها المتجهون للتخصص بعلوم السنة، من المسندين والمحدثين والحفاظ، على اختلاف مستوياتهم، ثم ظلت محل دراستهم واستذكارهم، ومرجع استفادتهم في عامة مسائل المصطلح وقواعده.
стр. 668
وسيأتي مزيد من ذلك في بيان أثرها، والعناية بها بعون الله تعالى.
هـ - مصادر العراقي في الألفية وطرق اعتماده عليها:
أولا: مقدمة ابن الصلاح:
يُعتبر المصدر الأساسي للعراقي في ألفيته هذه، كتاب أبي عمرو بن الصلاح المعروف بـ «مقدمة ابن الصلاح»، والمسمى «معرفة أنواع علم الحديث» (١) وذلك لأن هذا الكتاب كان في عصر العراقي هو أشهر وأجمع ما ألف في بيان أنواع علوم الحديث، حيث نوعها فيه إلى ٦٥ نوعًا جمعت شتاتها المتفرق في مؤلفات من قبله من أهل الفن، وحل مشكلاتها وقعد قواعدها وبين أحكامها، وفصل أقسامها، وشرح مصطلحات أهل الحديث ومقاصدهم ومهماتهم (٢).
ولذلك اتخذه عامة العلماء من بعده محورًا لمؤلفاتهم في المصطلح، حتى إنه لا يحصى من نظمه أو اختصره أو شرحه مع الاستدراك عليه بالزيادة أو النقص والتعديل، والانتقاد له أو الدفاع عنه.
فكان الحافظ العراقي ممن نظم ملخص هذا الكتاب في ألفيته (٣) وصرّح في مقدمتها بذلك حيث يقول:
стр. 669
«لخصت فيها ابن الصلاح أجمعه … ................................ » (١)
يعني كتابه المشار إليه، ولهذا نجد مؤرخي العراقي يعدون هذه الألفية ملخصا لمقدمة ابن الصلاح (٢).
كما أن العراقي في شرحه الآتي للألفية صرّح في عدة مواضع بأنه أوردها في النظم على ما هي عليه، تبعا لابن الصلاح بحكم التزامه بتلخيص كتابه.
ففي مبحث «خفي الإرسال» قال: «وهذا النوع أشبه بروايات المدلسين وقد أفرده ابن الصلاح بالذكر عن نوع المرسل فتبعته على ذلك» (٣).
وفي مبحث «المؤتلف والمختلف» ذكر أن القسم الثاني، منه ما يدخل تحت الضبط بضابط معين، ثم قال: «وقد ذكرت من هذا القسم الثاني جملة منه تبعا لابن الصلاح» (٤) وهكذا صرّح في مواضع أخرى (٥).
بل هناك بعض المواضع تبع فيها ابن الصلاح في النظم، ونبه في الشرح على مخالفة ابن الصلاح فيها لغيره، مثل مبحث «السماع على نوع من الوهن».
стр. 670
فقد قال في الألفية:
ثم على السامع بالمذاكرة … بيانه كنوع وهن خامره (١)
ثم قال في الشرح: هكذا قال ابن الصلاح: إن عليه بيان ما فيه بعض الوهن، وجعل من أمثلته ما سمعه في المذاكرة، فتبعته في ذلك، ثم أشار إلى مخالفة ما ذكره ابن الصلاح، ومن تبعه فيه، لرأي الخطيب البغدادي فقال: وفي كلام الخطيب البغدادي أنه (أي بيان السماع مذاكرة) ليس بحتم، فإنه قال: وأستحب أن يقول: (حدثناه في المذاكرة) (٢) فهذا يفيد الاستحباب بينما عبارة ابن الصلاح (عليه) تفيد الإلزام والتحتم. أما في مبحث معرفة الصحابة، فقد قال العراقي في الألفية:
رائي النبي مسلما ذو صحبة … ............................ (٣)
ثم قال في الشرح: «ولو قيل في النظم: لاقي النبي، كان أولى، أي ليشمل الأعمى، ولكن تبعت فيه عبارة ابن الصلاح» (٤) كذلك ذكر غير العراقي من شراح الألفية أمثلة أخرى، كتأخير ما حقه التقديم رعاية لسياق ابن الصلاح (٥)، وإهمال ما حقه أن يذكر، تبعا لما جرى عليه أيضًا (٦) ومما يعفي العراقي من النقد في تبعيته لابن الصلاح في بعض ما هو منتقد من غيره على
стр. 671
النحو المتقدم، أنه تدارك ذلك في شرحه للألفية، فنبه على مواضع الخلاف، وبين ما هو أولى، كما في المثالين السابقين وغيرهما (١).
ثانيا: مصادر أخرى ونماذجها:
أضاف العراقي في الألفية إلى ملخص كتاب ابن الصلاح عدة إضافات رآها لازمة كما سيأتي، ونص على ذلك أيضًا في مقدمة الألفية، فبعد قوله:
«لخصت فيها ابن الصلاح أجمعه»، كما تقدم قال:
«وزدتها علما تراه موضعه» (٢).
وقد اعتمد في تلك الزيادات على عدة مصادر، منها ما صرح بالعزو إليه في نفس الألفية، إما بذكر اسم الكتاب والمؤلف معا، وذلك نادر، وإما بذكر أحدهما فقط للاختصار وهو الغالب.
مثال الأول: قوله في مبحث الحديث الحسن:
«ولأبي الفتح في الاقتراح … أن انفراد الحسن ذو اصطلاح
وإن يكن صح فليس يلتبس … كل صحيح حسن، لا ينعكس» (٣)
فأبو الفتح المذكور، هو محمد بن علي المعروف بابن دقيق العيد من أئمة عصره في الحديث والفقه، وهو متأخر عن ابن الصلاح حيث توفي سنة ٧٠٢ هـ (٤).
و «الاقتراح» اسم كتاب له، اختصر فيه مقدمة ابن الصلاح مع إضافات
стр. 672
علمية جيدة (١) مما جعله عمدة من جاء بعده، كالعراقي والسخاوي والسيوطي وغيرهم، ومع هذا فإن نسخ الكتاب حاليا تعد في حكم المفقودة (٢) وهذه الزيادة التي استمدها العراقي منه بقوله: (إن انفراد الحسن ذو اصطلاح .. الخ) عبارة عن جواب إشكال أورده ابن الصلاح في كتابه وهو أنه: إذا كان الحديث الحسن قاصرًا عن درجة الحديث الصحيح فكيف جمع الترمذي في (سننه) بينهما، حيث يقول عن كثير من الأحاديث: هذا حديث حسن صحيح؟ وقد أجاب ابن الصلاح عن ذلك في كتابه المذكور بجوابين (٣).
ولكن ابن دقيق العيد ردهما في (الاقتراح)، ثم أجاب بما ذكره العراقي عنه، وحاصله: أن الحسن لا يشترط فيه القصور عن الصحة، إلا حيث انفرد فيراد به حينئذ الحسن الاصطلاحي، لكنه في قول الترمذي: (حسن صحيح) غير منفرد، بل مجتمع مع الصحيح، وبذلك ارتفع إلى درجته، ومتى ارتفع الحديث إلى درجة الصحة، فالحسن حاصل لا محالة تبعا للصحة؛ لأن وجود الدرجة العليا وهي الحفظ والإتقان في الراوي كما هو شرط الصحيح، لا ينافي وجود الدرجة الدنيا فيه وهي الصدق، فيصح بهذا أن يوصف الحديث بأنه حسن باعتبار وجود الصفة الدنيا في راويه، وأن
стр. 673
يُوصف بالصحة باعتبار وجود الصفة العليا فيه، وعليه فكل صحيح حسن ولا عكس، ويؤيد ذلك ما جرى عليه المتقدمون من أئمة الحديث في وصف الأحاديث الصحيحة بالحسن (١).
ومثال ما اقتصر العراقي في النظم على عزوه إلى اسم الكتاب الوارد فيه أو إلى اسم المؤلف، ما ذكره في الفرع الخامس من مبحث «الحديث المقطوع»، حيث قال:
«وما أتى عن صاحب بحيث لا … يقال رأيا حكمه الرفع على
ما قال في المحصول، نحو من أتى … فالحاكم الرفع لهذا أثبتا» (٢)
فعزى أولاً كما ترى إلى كتاب «المحصول» دون ذكر مؤلفه، وعزى ثانيا إلى «الحاكم» دون ذكر كتابه الوارد فيه ما ذكر، لكنه بين في «شرحه للألفية» ما تركه في نظمها، فقال: «أي وما جاء عن صحابي موقوفا عليه ومثله لا يقال من قبل الرأي، حكمه حكم المرفوع».
كما قال الإمام فخر الدين الرازي في المحصول .. وساق كلامه، ثم قال: «وقوله: نحو من أتى، أي كقول ابن مسعود: من أتى ساحرًا أو عَرَّافًا فقد كفر بما أنزل على محمد ﷺ »، ترجم عليه الحاكم في «علوم الحديث»: معرفة المسانيد التي لا يُذكر سندها عن رسول الله ﷺ (٣).
وبذلك أوضح رجوعه التفصيلي المباشر لهذين المصدرين وأوضح أن مؤلف:
стр. 674
كتاب «المحصول» هو الإمام فخر الدين الرازي، وأن الحاكم ذكر ما نسبه إليه، في كتابه «معرفة علوم الحديث وقد رجعت إليه فوجدته فعلا كما قال» (١) وبذكره لهذا في الشرح دل على أن تركه له في النظم لمجرد الاختصار، وليس لعدم المعرفة.
ويُعتبر كتاب «المحصول» من المراجع الأساسية في أصول الفقه وما يشترك معها من مباحث أصول الحديث، كالمسألة المذكورة، وهي حكم ما روي عن الصحابي موقوفا عليه مما لا مجال للرأي فيه، وأما كتاب «معرفة علوم الحديث» لأبي عبد الله الحاكم، فهو أيضًا من المؤلفات الأساسية في المصطلح وأجمع ما ألف في بيان أنواع علوم السنة قبل ابن الصلاح، حيث أورد فيه الحاكم (٥٢) نوعًا (٢).
فالكتابان ومؤلفاهما من المصادر الأصلية المعتمدة في بابها، والمتقدمة على ابن الصلاح.
وقد يعزو العراقي ما زاده في «الألفية» على كتاب ابن الصلاح عزوا مجملا، كأن يقول: «نقلوا كذا، أو حكوا كذا، مثاله: ما ذكره في فروع مبحث الحديث المقطوع أيضًا حيث يقول:
« ..................... … قلت: من السنة عنه، نقلوا
تصحيح وقفه ........... … ............. » (٣).
стр. 675
فقوله: «من السنة عنه» أي عن التابعي، مشار بها إلى مسألة هي: إذا قال التابعي: من السنة كذا، فهل يعد ذلك حديثًا موقوفا متصلاً أو مرفوعاً مرسلا؟
وقوله: «نقلوا تصحيح وقفه» إشارة مجملة إلى المصادر التي بينت حكم هذه المسألة، «فلم يبين الناقلين»، ولا المصدر المشتمل على المنقول. وقد بين ذلك أيضًا في «شرحه للألفية» فذكر أن هذه المسألة فيها وجهان لأصحاب الشافعي …
ثم قال: «وحكى الداودي في شرح مختصر المزني: أن الشافعي كان يرى في القديم أن ذلك مرفوع، إذا صدر من الصحابي أو التابعي، ثم رجع عنه لأنهم قد يطلقونه ويريدون سنة البلد» إهـ.
ثم أتبع ذلك بقوله: والأصح في مسألة التابعي كما قال النووي في «شرح المهذب»، أنه موقوف (١).
وبذلك اتضح أن قوله في «الألفية»: «نقلوا» مشاربه إلى مصدرين هما «الداودي» في كتابه «شرح مختصر المزني» والإمام النووي في كتابه «شرح المهذب» ويُعرف .. بـ «المجموع» كما سيأتي في موضعه.
وكلا الكتابين من المراجع الأساسية للفقه الشافعي، ومولفاهما من أعمدة المذهب، وأولهما متقدم على ابن الصلاح وثانيهما متأخر عنه.
ومن الزيادات ما كان مصدره فيها خبرته بكتب السنة، مثال ذلك: أن ابن
стр. 676
الصلاح اعتبر (مسند الدارمي) من المسانيد (١)، فرد عليه العراقي في الألفية قائلا:
«. . . . . . . . . . . . . . … وعده للدارمي انتقد» (٢).
وأوضح ذلك في (شرحه للألفية) قائلا: وقد عد منها ابن الصلاح «مسند الدارمي» فوهم في ذلك؛ لأنه مرتب على الأبواب لا على المسانيد (٣).
وبذلك ترى أن مصدره في بيان وهم ابن الصلاح خبرته هو بمسند الدارمي وبمنهج مؤلفه فيه، ولولا اطلاعه عليه وممارسته له ما أُتيح له كشف هذا الوهم الذي وقع لابن الصلاح والتنبيه عليه ضمن زياداته في الألفية.
ومن الزيادات ما بين أن مصدره فيه المشاهدة الواقعية لما جرى عليه بعض شيوخه في أداء رسالتهم الحديثية، مثال ذلك: الإجازة برواية الحديث للحمل في بطن أمه، فقد ذكر في الألفية أنه لم يجد في مصدر من المصادر المكتوبة نقلا عن أحد العلماء يبين حكم الإجازة برواية الحديث للحمل في بطن أمه بل ذكر تصريح الخطيب البغدادي بأنه لم يجد من فعله من العلماء، ثم عقب على ذلك بمشاهدته هو فقال:
« .................... … قلت رأيت بعضهم قد سئله
مع أبويه فأجاز ولعل … ما أصفح الأسماء إذ فعل» (٤)
стр. 677
ثم قال في شرح الألفية موضحا ذلك: «وقد رأيت بعض شيوخنا المتأخرين سيل الإجازة لحمل بعد ذكر أبويه قبله، وجماعة معهم، فأجاز فيها وهو الحافظ أبو سعيد العلائي»، ثم ذكر أن شيخا آخر من شيوخه تحرز عن ذلك وعقب بقوله: ومن عمم الإجازة للحمل وغيره أعلم وأحفظ وأتقن؛ إلا أنه قد يقال: «لعله ما أصفح أسماء الإجازة، حتى يعلم هل فيها حمل أم لا فقد تقدم أن الإجازة تصح ولو لم يتصفح الشيخ المميز أسماء الجماعة المسئول لهم الإجازة، إلا أن الغالب أن أهل الحديث لا يجيزون إلا بعد نظر المسئول لهم، كما شاهدناه منهم» (١).
وهذا يفيد أن اعتماده على مشاهداته كان اعتمادًا واعيًا متدبرا، حيث قارن عمل شيخيه ورجح عمل الأحفظ والأعلم والأتقن منهما في تقديره، وهو العلائي، ثم دفع الاحتمال الممكن وروده عليه وهو عدم تصفح الأسماء المطلوب إجازتها حتى يعلم ذكر الحمل فيهم أم لا، معتمدًا أيضًا على ما شاهد عليه غالب أهل الحديث، من نظرهم إلى أسماء المطلوب إجازتهم لهم.
ومن الزيادات ما لم يعزها في الألفية لمصدرها، لا تصريحًا ولا تلميحا مثل قوله في مبحث (تاريخ الرواة والوفيات):
قلت حويطب بن عبد العزى … مع ابن يربوع سعيد يعزى
هذان، مع: حَمْنَي وابن نوفل … كل إلى وصف «حكيم» فاجمل (٢)
فقد ذكر قبل هذين البيتين اثنين من الصحابة عاشا ١٢٠ سنة، نصفها في
стр. 678
الجاهلية ونصفها في الإسلام، وهما: حسان بن ثابت، وحكيم بن حزام وقد اقتصر عليهما ابن الصلاح في مقدمته، فأضاف العراقي في البيتين المذكورين ٤ آخرين هم: حويطب بن عبد العزى، وسعيد بن يربوع وحمن بن عوف، ومخرمة بن نوفل.
لكننا لم نجد في النظم، كما مر بك، تصريحًا، ولا تلميحا، بمصدره في ذكرهم، ويمكن تعليل ذلك بقصد الاختصار في النظم، بدليل أنه في شرحه لهذين البيتين بين المصادر التي اعتمد عليها في ذكر هؤلاء الأربعة، كالواقدي صاحب كتاب (المغازي) وغيره، والإمام البخاري صاحب (التواريخ الثلاثة) الجامعة لرجال الحديث وهي (الكبير) و «الأوسط» و «الصغير»، وخليفة بن خياط، وأبي الحسين بن قانع المتوفى سنة ٣٥١ هـ وهو مُؤلّف (معجم الصحابة) وكتاب «الوفيات»، وابن حبان، مؤلف كتابي «الثقات» و «الضعفاء والمجروحين»، وغير ذلك، وابن عبد البر صاحب «الاستيعاب في معرفة الأصحاب»، والدارقطني في كتابه «الإخوة والأخوات»، وأبو زكريا بن مندة، في (جزء له لطيف جمع فيه من عاش ١٢٠ سنة من الصحابة) وأبو محمد بن عبد الله بن زبر البغدادي مؤلف كتاب «الوفيات»، وهو من أوائل المؤلفات فيها (١).
ونلاحظ أن كل هؤلاء الذين اعتمد عليهم، هم من أئمة علم الرجال المتقدمين على ابن الصلاح، وتعتبر مؤلفاتهم المشار إليها عمدة من جاء بعدهم ومنها المشهور المتداول، ومنها النادر وجوده حاليًا ككتاب «الإخوة
стр. 679
والأخوات» للدارقطني (١) وكجزء ابن مندة فيمن عاش ١٢٠ سنة من الصحابة.
وهناك بعض زيادات يسيرة لم يشر العراقي كلية المصدره فيها، لا في الألفية ولا في شرحها مع تيسر ذلك له.
مثال ذلك: أنه نظم في الألفية مما ذكره ابن الصلاح في أصح الأسانيد: الشافعي عن مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄، ثم أضاف إلى ذلك الإسناد: «الإمام أحمد بن حنبل ﵁»، فقال: قلت: عنه أحمد (٢) ..
أي أنه من أصح الأسانيد: أحمد بن حنبل عن الشافعي عن مالك … الخ لكنه لم يشر في الألفية ولا في شرحه لها إلى مصدره في إضافة الإمام أحمد إلى هذا الإسناد (٣) بينما ذكر الحافظ ابن حجر والسخاوي أن القائل بذلك هو شيخ العراقي، الصلاح العلائي وغيره (٤).
وإذا كان العراقي قد نبه على أنه ترك في الألفية نسبة بعض الأقوال إلى قائليها للاختصار (٥) فإنه كان عليه تلافي ذلك في الشرح، بنسبة مثل هذا القول المصدره كما فعل في غيره، خاصة وأن أحد مصادره وهو العلائي من أبرز شيوخه كما تقدم، ولذا فإنه في نظري مؤاخذ بذلك.
стр. 680
غير أن تتبعي لإضافاته التي اعتمد فيها على غيره عمومًا، أظهر أن تركه الكلي لبيان مصادره نادر، والغالب أنه يبينها بأحد الطرق المتقدم بيانها، وإذا كنا نعتبر تلك الطرق حاليًا قاصرة وغير دقيقة، لأنه ليس في أي منها تحديد موضع الأقوال في مصادرها بالجزء والصفحة كما نفعل حاليًا، إلا أن العرف العلمي في عصر العراقي كان يعتبر ما جرى عليه هو كافيًا، وبالتالي لا يتوجه إليه نقد في عدم تحديد الجزء والصفحة، بناء على عرفنا الحالي.
النتيجة:
وعلى ضوء ما قدمته عن مصادر العراقي في الألفية من خلال تتبعي العام لها يمكن تقرير الآتي:
١ - أن المصدر الأساسي في الألفية هو «مقدمة ابن الصلاح».
٢ - أن المصدر التالي لمقدمة ابن الصلاح هو المؤلفات في علوم السنة ومصطلحها، متنا وسندًا، سواء كانت للمتقدمين على ابن الصلاح، أو للمتأخرين عليه حتى شيوخ العراقي.
فمن أهم مؤلفات المتقدمين التي اعتمد عليها غير ما قدمت أمثلته:
* «الكفاية في معرفة أصول الرواية» (١) وتقدم التعريف به في الباب الأول.
* و «تاريخ بغداد» (٢) وكلاهما للخطيب البغدادي عائل أهل الفن بعده والمتوفى سنة ٤٦٣ هـ.
стр. 681
* وكتاب «الإلماع إلى معرفة أصول الرواية وتقييد السماع» (١) للقاضي عياض المتوفى سنة ٥٤٤ هـ.
* و «جزء لطيف في بيان الحديث المنقطع» (٢)، تأليف الحافظ أبي بكر أحمد بن هارون البرديجي البرذعي المتوفى ٣٠١ هـ، وهذا الكتاب يُعد نادر الوجود الآن إن لم يكن معدوما.
* وكتاب «الطبقات الكبرى» (٣) لابن سعد.
* و «ذيل الاستيعاب في معرفة الأصحاب» (٤) لأبي بكر بن فتحون.
* و «تكملة الإكمال في معرفة المختلف والمؤتلف من أسماء وأنساب وألقاب الرواة» (٥) لأبي بكر بن نقطة البغدادي.
* وكتاب «التصحيف» في بيان الأسماء والألفاظ المشكلة التي تتشابه في صورة الخط (٦) تأليف أبو أحمد العسكري (٧) المتوفى ٣٨٢ هـ وهو من أول
стр. 682
المؤلفات في موضوعه.
* و «الذيل على تاريخ بغداد»، تأليف الحافظ أبو سعد السمعاني (١)
* و «المدخل إلى معرفة السنن»، تأليف الإمام البيهقي (٢)
* وكتاب «الوهم والإيهام الواقعين في كتاب أحاديث الأحكام»، لعبد الحق الأشبيلي (٣)، وهو تأليف الحافظ الناقد أبي الحسن علي بن محمد المعروف بابن القطان الفاسي المتوفى سنة ٦٢٨ هـ، وهو ما يزال إلى الآن مخطوطاً حسب علمي (٤).
* وكتاب «اختلاف الحديث» للإمام الشافعي (٥)
* وكتاب «صحيح البخاري» (٦) و «صحيح مسلم» (٧) و «السنن الأربعة» لأبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه (٨) وسنن الترمذي وحدها (٩) وسنن أبي
стр. 683
داؤد وحدها (١) و «مسند يعقوب ابن شيبة» وهو من نوادر المسانيد (٢).
• ومن أهم مصادره من مؤلفات المتأخرين عن ابن الصلاح غير ما تقدمت أمثلته:
* كتاب «التقريب والتيسير» المعروف للإمام يحيى بن شرف النووي المتوفى سنة ٦٧٦ هـ وهو مختصر لكتابه المعروف بـ «الإرشاد» الذي اختصر فيه مقدمة ابن الصلاح، مع بعض الإضافات العلمية (٣).
* وكتاب «شرح الترمذي» لأبي الفتح محمد بن محمد المعروف بابن سيد الناس اليعمري، وهو شرح لم يكمله المؤلف وقد أكمل عليه العراقي كما سيأتي (٤).
* وكتاب «تهذيب الكمال في أسماء الرجال» وهو في بيان أحوال رجال الكتب الستة المشهورة ولواحقها، ومؤلفه الحافظ الناقد جمال الدين المزي المتوفى سنة ٧٤٢ هـ (٥) وما يزال الكتاب مخطوطا حتى الآن (٦).
стр. 684
وعدة كتب للحافظ أبو عبد الله الذهبي - معاصر العراقي - وهي:
* كتاب «ميزان الاعتدال في نقد الرجال» (١).
* وكتاب «مشتبه النسبة» في بيان ما يشتبه وما يتصحف من الأسماء والأنساب والكنى وألقاب الرواة ومن يرد ذكرهم في متون الأحاديث (٢).
* وكتاب «العبر في خبر من غبر» (٣).
ومن مؤلفات شيوخ العراقي:
* كتاب «جامع التحصيل لأحكام المراسيل» (٤)، وهو من أجمع المؤلفات في بيان أحكام وأحوال الحديث المرسل وما يزال مخطوطا حتى الآن بل إن نسخه الخطية نادرة (٥).
* وكتاب «الوشي المعلم فيمن روى عن أبيه عن جده عن النبي ﷺ » (٦)، وهو أيضا من كتب علم الرجال النادر الوجود حاليا وهذان الكتابان تأليف الحافظ الحجة صلاح الدين العلائي من شيوخ العراقي البارزين كما مر في التعريف به.
стр. 685
٣ - أما المصدر التالي لذلك في كثرة الاعتماد عليه، فهو كتب أصول الفقه المعتمدة في بابها، وغالبها للأئمة المتقدمين عن ابن الصلاح، ويليها كتب الفقه وخصوصا المذهب الشافعي لأنه مذهب العراقي.
فأهم ما اعتمد عليه من كتب أصول الفقه: كتاب (الرسالة) للإمام الشافعي (١) وكتاب «البرهان» للإمام أبي المعالي الجويني المعروف بإمام الحرمين (٢) وكتاب (المستصفى) للإمام الغزالي (٣)
• وأهم ما اعتمد عليه من كتب الفقه غير ما تقدمت أمثلته:
* كتاب (العدة) لابن الصباغ (٤)
* وكتاب (فتح العزيز في شرح الوجيز) المعروف بالشرح الكبير، تأليف الإمام أبي القاسم الرافعي (٥)، وهو ابن الصباغ من أئمة الشافعية المتقدمين.
٤ - لم يكتف العراقي في مضمون ألفيته بما جاء في المصادر المكتوبة المشار إليها، بل اعتمد بجانبها على خبراته العلمية ومشاهداته الواقعية لما جرى عليه عمل واصطلاح علماء السنة وحفاظها المعتمدين في عصره، من شيوخه وغيرهم كما مر مثاله:
٥ - يدل كل ما تقدم على جهد العراقي في البحث، وجمع المادة العلمية
стр. 686
لألفيته، وعلى سعة اطلاعه وعمق ثقافته وفهمه وإلمامه بمسائل المصطلح وبمصادرها المباشرة وغير المباشرة، والخاصة بها والمشتركة مع غيرها واستخدامه لكل مصدر في موضعه، وقد رجعت لعدة مصادر مما اعتمد عليه فوجدت بها فعلا ما ذكره، أو أشار إليه (١) وهذا يدل على أمانته العلمية وعلى دقته بالتزام بيان مصادره غالبا، وعدم التخلي عن ذلك إلا لعذر يراه مسوغا لذلك، وهذا لا يخلو منه باحث في القديم والحديث:
و - منهج العراقي في الألفية وآراؤه: تحليل ومقارنة ونقد:
بعد أن أعد العراقي المواد العلمية التي أراد إيداعها في ألفيته كما أوضحنا قام بصياغتها وترتيبها شكلا ومضمونا على منهج خاص، وعبر من خلاله عن تصوره العام لعلم المصطلح، وعن آرائه في عامة مسائله وقضاياه، وإليك بيان ذلك:
أولا: التزام نظم مصطلح علوم السنة في ألف بيت وأوليته في ذلك:
تقدم أن العراقي أطلق على منظومته هذه اسم «الألفية» الذي اشتهرت به نسبة إلى عدد أبياتها وهو ألف بيت، وتقدم أنه في مقدمة شرحه لها قال: «نظمت أرجوزة ألفتها ولبيان، اصطلاحهم ألفتها» فأشار بقوله «ألفتها» الأولى إلى أنه جعل عدد أبياتها ألفا، وبالثانية إلى تصنيفها وتنسيق مادتها العلمية (٢).
стр. 687
وعندما نرجع إلى واقع الألفية في عامة نسخها وأوثقها (١) نجدها لا تزيد على ألف بيت، غير ثلاثة أبيات فقط وهي زيادة يسيرة لا تنافي اعتبارها ألفية وبذلك يكون العراقي قد التزم باستيفاء بيان أصول علوم السنة، ومصطلحها في ألف بيت، ووفى بما التزم.
ولقد بحثت في المنظومات التي ألّفت قبل العراقي، فلم أجد من سبقه إلى نظم مصطلح علوم السنة في ألف بيت، وبذلك يكون هو أول من فتح هذا الباب، وتعد ألفيته أول ألفية عُرفت في المصطلح، وكل ما عرف من المنظومات قبلها، إما أقل أو أكثر من ألف بيت بكثير، وقد اخترتُ من ذلك إحدى المنظومات المطولة، المقارنة ألفية العراقي بها، حتى تظهر قيمتها العلمية وجهده فيها.
وتعرف تلك المنظومة بكتاب «أنواع علوم الحديث» ومؤلفها قاضي القضاة محمد بن خليل بن الخوبي المتوفى سنة ٦٩٣ هـ وقد كان معنياً بالتأليف بالنظم (٢) وهو تلميذ لابن الصلاح حيث يُلقبه في تلك المنظومة بـ «شيخنا» وهي ما تزال مخطوطة حتى الآن (٣).
وقد صرّح في نهايتها بفراغه منها سنة ٦٩١ هـ وبذلك تكون من آخر
стр. 688
مؤلفاته وأنضجها، لقرب هذا التاريخ من تاريخ وفاته المتقدم ذكره وباطلاعي عليها ومقارنتها تفصيليا بألفية العراقي، تبين لي أنهما يلتقيان في بعض النواحي الشكلية والموضوعية، ويختلفان في نواحي أخرى تثبت شخصية العراقي وجهده العلميين. فمن نواحي الالتقاء أن كلا الكتابين منظوم لا منثور، لكنهما يختلفان في عدد الأبيات، حيث التزم العراقي بعدد محدد هو ألف بيت كما مر، بينما لم يلتزم الخوبي بذلك، فبلغ عدد أبيات منظومته (١٥٠٠) بيت تقريبا، بزيادة تعادل نصف الألفية، واتفقا أيضًا في أن العراقي اعتمد في ألفيته أساسا على مقدمة ابن الصلاح كما مر وهكذا فعل الخوبي في منظومته وصرّح بذلك في مقدمتها حيث قال:
«فإن أنواع علوم السنن … أجدر ما بعلمه المرء عُني
وخير ما صُنّف فيها واشتهر … كتاب شيخنا الإمام المعتبر
وهو الذي بابن الصلاح يُعرف … فليس فيها مثله مصنف
وقد نظمت لبه مختصرًا … لا مسهب اللفظ ولا مقتصرا» (١)
لكنهما اختلفا في الاختصار لكتاب ابن الصلاح بحسب ما ظهر لكل منهما وبالتالي اختلف مضمون الكتابين وتبويبهما، كما سنوضحه في بقية عناصر منهج العراقي الآتية، وآرائه.
ثانيا: اصطلاح العراقي في الألفية:
لما كان من منهج العراقي الالتزام باستيفاء علوم السنة في عدد معين من الأبيات وهو ألف بيت تقريبا كما مر، فإنه وضع اصطلاحات خاصة
стр. 689
استعملها في النظم للاختصار وبينها في مقدمة الألفية فقال:
«فحيث جاء الفعل والضمير … الواحد ومن له مستور
كقال، أو أطلقت لفظ «الشيخ ما» … أريد إلا ابن الصلاح مبهما
وإن يكن لاثنين نحو «التزما» … فمسلم مع البخاري هما» (١).
ثم قال في شرحه: هذا بيان، ما اصطلحت عليه فيها للإختصار، أي إذا أتى فعل لواحد، لا لجماعة أو اثنين، ولم يذكر فاعله معه ولا قبله، فالمراد به الشيخ أبو عمرو بن الصلاح، كقوله: وقال:
بان لي بإمعان النظر … ... . (٢)
وكذا إذا أتى بضمير موحد، لا يعود على اسم تقدم قبله، كقوله:
« ............................... كذا له .................................. .» (٣)
أو أطلق لفظ «الشيخ» كقوله:
« ........................... … فالشيخ فيما بعد قد حققه» (٤)
فالمراد بصاحب الضمير، و بـ «الشيخ»: ابن الصلاح أيضًا.
وأما إذا كان الفعل أو الضمير المذكوران لاثنين، كقوله في الفعل:
«واقطع بصحة لما قد أسندا … ............................... .» (٥)
стр. 690
وكقوله في الضمير:
«وأرفع الصحيح مرويهما … ..................................... » (١)
فالمراد بالاثنين البخاري ومسلم (٢)
وقد وجدت العراقي التزم فعلا هذا الاصطلاح في عموم الألفية، وساعده ذلك على تقليل حجمها، مع استيعاب المعلومات المطلوبة.
وبمقارنة هذا بعمل الخوبي في منظومته، نجد أنه لم يضع لنفسه اصطلاحًا فيها، ولعل ذلك لعدم التزامه بعدد معين من الأبيات، كما التزم العراقي، غير أني وجدته في خلال المنظومة يُعبّر عن ابن الصلاح تارة بـ «الشيخ (٣)» كما في اصطلاح العراقي، وتارة بـ «شيخنا (٤)» لأنه من تلاميذ ابن الصلاح كما ذكرت من قبل، لكنه لم ينبه على ذلك كما فعل العراقي، وهذا مخالف لقواعد التأليف التي تقضي بأن يبين المؤلف اصطلاحه الخاص في كتابه حتى لا يشكل على من يطلع عليه غيره.
دفع نقد اصطلاح العراقي في الألفية:
وقد انتقد الحافظ ابن حجر اصطلاح شيخه العراقي في الألفية بأنه قد يلتبس لفظ «الفعل» المذكور لواحد والمقصود به ابن الصلاح، بلفظ «الفعل» المسند لاثنين، والمقصود به البخاري ومسلم، وذلك في حالة وقوع الفعل في
стр. 691
قافية البيت، وإشباع فتحة الحرف الأخير، فتولّد ألف الإطلاق، مثل قوله في مبحث «المنقطع والمعضل»:
«وقيل ما لم يتصل وقالا … بأنه الأقرب لا استعمالا (١)»
وقوله في مبحث اختلاف ألفاظ الشيوخ:
« ....................................... … وما ببعض ذا وذا وقالا (٢)»
فالمراد بفاعل (قال) في الموضعين، هو ابن الصلاح، ولكن وجود ألف الإطلاق فيهما المتولدة عن اشباع فتح اللام كما ترى، توهم التثنية التي يراد بها البخاري ومسلم، بناء على الاصطلاح المتقدم، بل إن بعض شيوخنا ذكر أن قول العراقي في البيت الأول: (وقالا) أراد به ابن الصلاح والنووي (٣) مع: أن ذلك يخالف اصطلاحه، ويخالف ما قرره هو وغيره من شراح الألفية من: أن المراد ابن الصلاح فقط، وأن الألف للإطلاق (٤).
وقد أجاب ابن قطلوبغا الحنفي عن العراقي في هذا بأنه يمكن التمييز بين ألف الإطلاق وألف التثنية برسم الكتابة (٥)، وأقره السخاوي على ذلك (٦).
لكني أرى أن هذا جواب غير سديد؛ لأنه مبني على القول بأن الحرف المتولد عن إشباع الحركة يُنطق ولا يُكتب، وهذا معارض بقول آخر: بأنه
стр. 692
يكتب في الشعر، كما هو الحال في الألفية، وقد أتبع ذلك فعلًا في طبعاتها المتداولة (١)، وأشار العراقي بنفسه إلى إثباتها (٢).
وهناك جواب آخر أشار إليه البقاعي: وهو أنه يمكن معرفة كون المراد بمثل هذا، ابن الصلاح، أو البخاري ومسلم، بواسطة القرائن المحيطة بلفظ (الفعل) (٣) ولكن يعارض هذا أيضًا أن القرائن قد لا تكون كافية كما في المثالين السابق ذكرهما، إلا أنه يمكنني دفع ذلك من واقع بحثي للألفية، حيث وجدت أن ما هو بصورة المثالين السابقين نادر الوقوع فيها، والغالب جار على الاصطلاح بدون لبس فيعطى الحكم للغالب.
وهناك انتقاد آخر وجهه البقاعي للعراقي في تمثيله المتقدم لاصطلاحه المرموز به للبخاري ومسلم بقوله: (نحو التزما) فقال: (إن قوله «التزما» مشكل، حيث يحتمل أن يكون المراد بالملتزم ابن الصلاح، والألف للإطلاق لإمكان أن يكون التزم شيئًا في بعض مؤلفاته، وفي نفس الوقت لا توجد قرينة تعين أن المراد الشيخين) (٤).
وقد أجاب ابن قطلوبُغَا أيضًا عن هذا بجواب أرتضيه؛ لاعتماده على واقع الألفية، وخلاصته، مع الإيضاح من جانبي: أن لفظ «التزما» الذي رأى البقاعي فيه الإشكال واللبس، لم يستعمله العراقي في الألفية مطلقًا، ولكنه ذكره في المقدمة على أنه مثال مفترض للأفعال التي تقع في الألفية مسندة.
стр. 693
للمثنى، ولهذا قال «نحو التزما» ولم يقل «كالتزما»، بينما ذكر الفعل الواقع في الألفية فعلا وهو المذكور للواحد بدون تقديم كلمة «نحو». حيث قال: «كقال» (١) ويؤكد هذا أنه في الشرح لم يذكر فعل «التزما» بل ذكر مثالا آخر من واقع الألفية كما مر ذكره.
وبذلك يندفع هذا الاعتراض على اصطلاح العراقي كما اندفع سابقه اعتمادًا على الواقع وهو خير دليل. وبالله التوفيق.
ثالثا: التقسيم الموضوعي لأنواع علوم السنة، وترتيب مباحثها في الألفية:
أهمية التقسيم والترتيب:
مع أن العراقي اعتمد في ألفيته أساسًا على كتاب ابن الصلاح كما بينت آنفًا إلا أنه أدخل تعديلات كلية وجزئية على منهج ابن الصلاح، في التقسيم العام لأنواع علوم السنة، وفي ترتيب مباحثها التفصيلية، وذلك بعكس ما فعل الخوبي في منظومته، حيث تبين لي من بحثها ومقارنتها، أنه جرى على تقسيم وترتيب شيخه ابن الصلاح، دون تغيير يذكر، وبهذا تميز منهج العراقي في الألفية عموما عن منهج الخوبي في المنظومة، كما تميز عن منهج المؤلفات الأخرى التي تناولت مصطلح علوم السنة في ضوء كتاب ابن الصلاح كما سنشير إليه.
وترجع أهمية تعديلات العراقي المنهجية عموما إلى أمرين:
أولهما: أن التقسيم والترتيب الذي انتهجه ابن الصلاح في كتابه، قد
стр. 694
انتقده العلماء من بعده حتى عصر العراقي (١). ولهذا كان على العراقي الاهتمام بتخليص ألفيته مما انتقد به أصلها وهو كتاب ابن الصلاح، وذلك بأن يعيد النظر في تقسيمه، وترتيبه، ويدخل على ذلك من خلال منهجه في الألفية من التعديل والتغيير ما يراه مناسبا.
وثانيهما: أن تعديلات العراقي تمثل فهمه الخاص لمصطلح علوم السنة وتصوره لما ينبغي أن تكون عليه أنواعها، سواء من جهة التقسيم الموضوعي العام، أو من جهة الترتيب التفصيلي بين مباحثها، وعلاقة بعضها ببعض كما سيتضح لنا خلال المباحث التالية.
١ - جمع العراقي لما فرقه ابن الصلاح من الأنواع وترتيبها:
جرى ابن الصلاح في كتابه على تقسيم أنواع علوم السنة إلى ٦٥ نوعا كما قدمت ذكره في الباب الأول، وجعل كل نوع قائما بذاته، مع ترقيمه عدديا كالنوع الأول والثاني والثالث وهكذا، فجمع العراقي في ألفيته بين عدد من هذه الأنواع في مبحث واحد بعنوان شامل، وذلك إما على سبيل الدمج بحيث يعتبر المجموع نوعا واحدا، أو على سبيل الربط فقط بين الأنواع في إطار جامع، يبين علاقتها ببعضها البعض، مع اعتبار كل نوع من المجموع قائما بذاته، وذلك هو الأكثر، وقد يغير ترتيب ابن الصلاح أو يوافقه. أما الدمج ففعله بين نوعين فقط، وبيان ذلك:
стр. 695
أن ابن الصلاح ذكر النوع الخمسين بعنوان «معرفة الأسماء والكنى» وذكر أن مراده به بيان أسماء ذوي الكنى، وأن المصنِّف فيه يُبوّب كتابه على الكنى، ثم يبين أسماء أصحابها (١).
ثم ذكر عقبه النوع «٥١» بعنوان «معرفة كنى المعروفين بالأسماء دون الكنى» وذكر أن هذا النوع، من وجه ضد النوع الذي قبله؛ لأنه ينوب على الأسماء ثم يبين كناها، عكس ما قبله، ومن وجه آخر يصلح لأن يجعل قسما من أقسام ما قبله، من حيث كونه قسما من أقسام أصحاب الكنى (٢). فلما نظم العراقي الألفية ضم هذا النوع إلى ما قبله كقسم منه، وبذلك جعل النوعين نوعًا واحدًا بعنوان «الأسماء والكنى» (٣).
ثم قال في شرح الألفية: إن ابن الصلاح قسم معرفة الأسماء والكنى إلى عشرة أقسام من وجه، وإلى تسعة أقسام من وجه آخر. ولكنه فرق ذلك في نوعين، وجمعتهما في نوع واحد، ثم ذكر وجهة نظر ابن الصلاح السابقة في تفريقهما وجمعهما، وعقب عليها بوجهة نظره هو في جمع النوع الأخير مع ما قبله فقال: «وإنما جمعته مع النوع الذي قبله، لأن الذين صنفوا في «الكنى» جمعوا النوعين معا، من عرف بالكنية، ومن عرف بالاسم» (٤). فأوضح بذلك أنه لم يراع التقسيم العقلي الذي أشار إليه ابن الصلاح فقط بل راعى مطابقة المصطلح للواقع الفعلي الذي جرى عليه العلماء في مؤلفاتهم.
стр. 696
في هذا النوع من علم الرجال، وقد أشار السيوطي إلى أن ابن جماعة في كتابه «المنهل الروي» الذي اختصر فيه كتاب ابن الصلاح، قد سبق العراقي إلى جعل هذين النوعين نوعًا واحدًا ذا أقسام عشرة (١) لكن تعليله السابق للجمع بينهما، يدل على أنه تبع ابن جماعة بناء على دليل ونظر، لا مجرد تقليد، وهذا مما جعل السيوطي نفسه يتابعه في ألفيته على جميع النوعين في نوع واحد بنفس العنوان (٢).
وأما ما جمعه من الأنواع بقصد الربط، فبيانه: أن ابن الصلاح ذكر نوع «الحديث المنقطع» وأتبعه بنوع «الحديث المعضل» وذكر في بدايته أنه يُعدّ لقبًا لنوع خاص من المنقطع، فكل معضل منقطع ولا عكس (٣)، ومع هذا أبقاهما متفرقين غير واحد من شيوخ العراقي وأقرانه وغيرهم (٤).
أما العراقي فجمع في ألفيته النوعين معا في مبحث واحد بنفس ترتيبهما عند ابن الصلاح وعنونه بـ «المنقطع والمعضل» (٥).
وقد تبعه على هذا السيوطي في ألفيته، مع ضم نوع الموصول أيضًا إليهما
стр. 697
وهو مذكور قبلهما مباشرة عند ابن الصلاح (١).
وذكر ابن الصلاح أيضا نوع «معرفة رواية الآباء عن الأبناء»، ثم أتبعه بنوع «معرفة رواية الأبناء عن الآباء» (٢)، وعلى هذا جرى غير واحد بعد ابن الصلاح حتى عصر العراقي (٣)، أما العراقي فجمعهما تحت عنوان «رواية الآباء عن الأبناء وعكسه» (٤) وفي هذا مقارنة بينهما، وتنبيه إلى علاقة التقابل بينهما وقد تبعه السيوطي على هذا في ألفيته (٥).
وأما جمعه مع تغيير ترتيب ابن الصلاح، فبيانه: أن ابن الصلاح ذكر نوع «معرفة المشهور من الحديث» وأتبعه بنوع يتضمن «معرفة الغريب والعزيز من الحديث» (٦) وتبعه على هذا كثيرون حتى عصر العراقي (٧).
أما العراقي فقد جمع الأنواع الثلاثة في مبحث واحد بعنوان «الغريب والعزيز والمشهور» (٨) ورتبهم في الكلام عليهم على نسق العنوان، وهو ترتيب
стр. 698
تصاعدي بالنسبة لعدد رواة كل منهم، وهذا مما يساعد في ضبط مفهومهم وتوضيحه، بخلاف ترتيب ابن الصلاح الذي لم يراع فيه ذلك ولهذا قارن السخاوي بين الترتيبين، فذكر أن هذه الأنواع الثلاثة رتبت في ألفية العراقي بالترقي، مع أن ابن الصلاح قدم آخرها وهو المشهور، في نوع مستقل، ثم أردفه بالغريب والعزيز في نوع آخر، وأتبع السخاوي ذلك بانتقاد ما فعله ابن الصلاح والعراقي، فذكر أنه كان الأنسب تقديم العزيز والمشهور إلى الأنواع السابقة، يعني نوع الصحيح وما بعده، وضم «الغريب» إلى نوع «الأفراد» (١) وهو أيضًا متقدم على الموضع المذكور فيه الأنواع الثلاثة بعدة أنواع (٢)، لكن السيوطي أقر جمع العراقي وترتيبه حيث تبعه في ألفيته (٣).
كذلك ذكر ابن الصلاح نوع «معرفة المزيد في متصل الأسانيد» ثم أتبعه بنوع «معرفة المراسيل الخفي إرسالها» ثم بين علاقته بالنوع السابق فذكر أن هذا النوع، منه ما كان الحكم بإرساله محالاً على مجيئه من وجه آخر بزيادة شخص واحد أو أكثر في الموضع المدعى فيه الإرسال، وهذا يمكن الاعتراض به على المزيد في متصل الأسانيد وبالعكس (٤).
ومن ذلك ترى أن بحث النوعين معا في إطار واحد أولى، بحكم هذا الجانب المشترك بينهما، ومع ذلك مشى على فصلهما كثيرون بعد ابن
стр. 699
الصلاح حتى عصر العراقي (١) أما العراقي فجمع النوعين في مبحث واحد بعنوان «خفي الإرسال والمزيد في متصل الأسانيد» (٢) ورتب الكلام عليهما حسب ترتيب العنوان، وبذلك عكس ترتيب ابن الصلاح لهما، ثم بين في شرحه للألفية أنه نظرًا لاشتباه أحد أنواع «خفي الإرسال» بـ «المزيد في متصل الأسانيد»، كما قرر ابن الصلاح فيما تقدم، فإنه جمع بينه وبين نوع خفي الإرسال، وإن كان ابن الصلاح جعلهما نوعين، ومن قبله الخطيب حيث أفردهما بالتصنيف (٣).
وبذلك ترى أن العراقي انتهج ما رآه هو لائقا، وأنه استقل في رأيه عمن تقدمه، كالخطيب البغدادي وابن الصلاح والنووي، أو من عاصره كبعض شيوخه وأقرانه الذين أشرنا لإقرارهم تقسيم ابن الصلاح وترتيبه، ثم إنه قد تبعه في جمع وترتيب هذين النوعين، السيوطي في ألفيته (٤) وأقر السخاوي أيضًا وجهة نظره مع التنبيه على أن جمعه بين هذين النوعين لا يفيد دمجهما كدمج نوعي «الأسماء والكنى» المتقدم ذكره، فقال: هذان نوعان مهمان عظيمان، وهما متجاذبان، فلذلك قرن بينهما (٥) ونحو هذا ذكر الترمسي (٦).
стр. 700
٢ - جمع العراقي لما فرقه ابن الصلاح من المباحث التفصيلية، وترتيبها:
اهتم العراقي أيضًا بالبناء الداخلي لمباحث أنواع علوم السنة الواردة في كتاب ابن الصلاح، حيث وجد من تلك المباحث ما وضعه ابن الصلاح في غير موضعه، ومنها ما فرقه عما يناسبه، فاعتنى في الألفية بتلافي ذلك حيث جمع كثيرًا من المتفرقات عند ابن الصلاح، مع تغيير ترتيبه، أو موافقته حسبما ظهر له.
فمن ذلك أن ابن الصلاح في نوع «المؤتلف والمختلف» من أسماء وألقاب الرواة، قسمه إلى قسمين: أولها عام، والثاني خاص برواة الصحيحين والموطأ، لكنه ذكر ضمن الخاص بهم من نسبه «السُّلَمي» (١)، وتبعه عليه غيره (٢) مع أن أصحاب هذه النسبة غير مختصين بالصحيحين والموطأ، بل من القسم الأول وهو العام، وبالتالي يعتبر وضع ابن الصلاح لهم في النوع الثاني الخاص بالصحيحين والموطأ خطأ، وقد تنبه العراقي لذلك فصحح الوضع بنقل تلك النسبة من النوع الثاني وضمها إلى الأول فقال:
«والسلمي افتح في الأنصار ومن … يكسر لامه كأصله لحن» (٣).
ثم قال في شرحه: «وهذه النسبة أدخلها ابن الصلاح في القسم الثاني فنقلتها هنا إلى القسم الأول، لكونها لا تتعلق بما في الصحيحين والموطأ» (٤).
стр. 701
وأقره على ذلك السخاوي أيضا (١).
ومما جمع فيه بين المتفرق ورتبه على غير ترتيب ابن الصلاح، أن ابن الصلاح ذكر في الفائدة الخامسة من نوع «كتابة الحديث وضبطه» بيان اصطلاح المحدثين في الرموز التي يستعملونها في الكتابة للاختصار وغيره: مثل «ثنا» بدل «حدثنا» (٢).
وفي التفريعة الثالثة عشرة من النوع التالي لذلك وهو «صفة رواية الحديث وشروط أدائه» ذكر اصطلاح المحدثين في حذف «قال» ونحوه، فيما بين رجال الإسناد كتابة، والنطق بها لفظا (٣) وتبعه على هذا غيره (٤) أما العراقي فنقل التفريعة الثانية من موضعها المشار إليه في نوع «صفة رواية الحديث» وضمها إلى التفريعة السابقة في نوع «كتابة الحديث»، وجعل التفريعتين مبحثا واحدًا بعنوان (الإشارة بالرمز) (٥) وذلك جمع مفيد، وترتيب مناسب لأن كلا النقطتين متعلقتين ببعضهما البعض، وصلتهما بنوع «كتابة الحديث» أقوى من صلتهما بنوع «صفة روايته» ولهذا أقر السخاوي صنيع العراقي ذلك (٦).
стр. 702
نقد العراقي في جمعه وترتيبه للمباحث التفصيلية:
ومع إصابة العراقي في غالب ما جمعه ورتبه من المباحث التفصيلية التي فرّقها ابن الصلاح كما رأينا، فإن هناك مباحث أرى أنه لم يوفّق في جمعها وترتيبها، فمن ذلك أن ابن الصلاح ذكر في الفائدة الثانية من نوع «الحديث الصحيح» رأيه في إمكان تصحيح ما لم ينص الأئمة المعتمدون على صحته في مصنفاتهم المشهورة كالكتب الستة (١)، ثم ذكر في الفائدة السابعة من نفس النوع مراتب الحديث الصحيح، باعتبار الكتب المخرج فيها من الصحيحين وغيرهما (٢) وتبعه على هذا غيره (٣).
أما العراقي فأخر الفائدة الأولى عن موضعها وقدّم الثانية أيضًا، وضمهما معا في مبحث واحد عنونه بـ «مراتب الصحيح» (٤).
وقد أقره على ذلك البقاعي (٥) لكننا حين نتأمل، نجد أن صلة مسألة إمكان التصحيح ببيان «مراتب الصحيح» غير قوية، ودلالة العنوان عليها بعيدة وبالتالي فإن جمعها مع «مراتب الصحيح» غير مناسب، بينما هناك مبحث آخر من نفس نوع الصحيح، عنونه العراقي بقوله «الصحيح الزائد على الصحيحين» وضمنه بيان مصادر الحديث الصحيح غير صحيحي البخاري ومسلم (٦).
стр. 703
فمناسبة ذكر مسألة إمكان التصحيح لذلك أقوى، ودلالة العنوان عليها واضحة، ولهذا كان ضمها إلى هذا المبحث أولى من ضمها إلى «مراتب الصحيح».
٣ - تفريق العراقي لما جمعه ابن الصلاح من المباحث التفصيلية وترتيبها:
كما جمع العراقي في الألفية بين ما فرقه ابن الصلاح على نحو ما رأينا فإنه أيضًا فرق بين بعض المباحث التي رآه جمعها على غير الوجه المناسب، فمن ذلك أن ابن الصلاح تناول في الفائدة الرابعة من نوع «الحديث الصحيح» أربعة مسائل:
أولها: بيان أن البخاري ومسلمًا لم يستوعبا في كتابيهما كل الأحاديث الصحيحة ولم يلتزما بذلك.
وثانيها: بيان استدراك الحاكم عليهما أحاديث صحيحة.
وثالثها: بيان عدد أحاديث صحيح البخاري.
ورابعها: بيان مصادر الحديث الصحيح غير صحيحي البخاري ومسلم وحكم ما انفرد الحاكم وابن حبان بتصحيحه (١).
وبالتأمل يظهر لنا أن الترابط الموضوعي بين هذه المسائل على الترتيب المذكور غير مستقيم، ومع ذلك تابع ابن الصلاح عليه آخرون حتى عصر العراقي (٢). أما العراقي فغير ترتيب هذه المسائل مع تقسيمها إلى قسمين بحسب المضمون.
стр. 704
الثالثالث: اثر العراقي ولقاءة والمالية في مصطلح على السنة وعلو حالها
فالمسألتان الأولى والثالثة وضعهما في مبحث بعنوان «أصح كتب الحديث» (١) وذلك موافق لمضمونهما.
والمسألتان الثانية والرابعة وضعهما في مبحث أيضًا بعنوان «الصحيح الزائد على الصحيحين» وهو أيضًا موافق لمضمونهما، وبذلك كان موفقًا في هذا التقسيم والترتيب وتلافي ما في كتاب ابن الصلاح من جمع المسائل بغير ترابط ولا ترتيب مناسب.
ومن ذلك أيضًا: أن ابن الصلاح ذكر النوع الرابع من أنواع الإجازة وهو «الإجازة للمجهول بالمجهول» وقال في أولها: ويتشبث بذيلها الإجازة المعلّقة بالشرط، وبيَّنهما معًا في مبحث واحد (٢)، وتبعه على هذا آخرون من شيوخ العراقي وأقرانه (٣).
أما العراقي فإنه فصل في الألفية الإجازة المعلقة بالشرط، وجعلها نوعًا خامسًا من أنواع الإجازة فقال:
والخامس التعليق في الإجازة … بمن يشاؤها الذي أجازه (٤)
ثم قال في شرحه: «النوع الخامس: الإجازة المعلقة بالمشيئة، ولم يُفرد ابن الصلاح هذا بنوع، وأدخله في النوع الذي قبله، وقال: فيه جهالة وتعليق
стр. 705
بشرط، وأفردته بنوع؛ لأن بعض الإجازات المعلقة لا جهالة فيها، كما ستقف عليه هنا … » (١)
ومن هذا تلاحظ أنه فصل هذا النوع عما ألحقه به ابن الصلاح، بعد بحث وجهة نظره في ذلك، ورده لها، بناء على إحاطته بصور الإجازة المعلقة. فابن الصلاح ألحقه بنوع «الإجازة للمجهول بمجهول»، بناء على اشتراكه معه في وجود الجهالة. فرد العراقي هذا بأن بعض الإجازات المعلقة لا جهالة فيها، وبالتالي لا يسوغ إلحاقها بنوع الإجازة بالمجهول كما فعل ابن الصلاح.
٤ - تنويع العراقي بعض أنواع لم يفردها ابن الصلاح:
رغم أن ابن الصلاح قسم أنواع علوم السنة في كتابه إلى (٦٥) نوعا فقط، فإنه نبه في بدايته على أن ذلك ليس آخر الممكن في التنويع؛ لأن أحوال وصفات رواة الحديث ومتونه لا تُحصى، وما من حالة منها ولا صفة إلا ويمكن أن تفرد بالذكر، وتعد نوعا على حياله (٢).
ولهذا فإن ممن تناولوا كتابه بالاختصار والتعليق، من أضافوا إلى الأنواع التي أفردها أنواعًا أخرى، وذلك إما بالاستنباط من أحوال السند والمتن، وإما بفصل بعض المباحث من الأنواع التي ذكرها ابن الصلاح، واعتبارها أنواعًا مستقلة، وقد وجدت العراقي في الألفية فعل ذلك في موضعين وعدهما من بعده نوعين مستقلين من أنواع علوم السنة، وإليك بيان ذلك: