← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 30167

الحافظ العراقي وأثره في السنة

أحمد بن معبد عبد الكريم

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

وأقره على ذلك السخاوي أيضا (١). ومما جمع فيه بين المتفرق ورتبه على غير ترتيب ابن الصلاح، أن ابن الصلاح ذكر في الفائدة الخامسة من نوع «كتابة الحديث وضبطه» بيان اصطلاح المحدثين في الرموز التي يستعملونها في الكتابة للاختصار وغيره: مثل «ثنا» بدل «حدثنا» (٢). وفي التفريعة الثالثة عشرة من النوع التالي لذلك وهو «صفة رواية الحديث وشروط أدائه» ذكر اصطلاح المحدثين في حذف «قال» ونحوه، فيما بين رجال الإسناد كتابة، والنطق بها لفظا (٣) وتبعه على هذا غيره (٤) أما العراقي فنقل التفريعة الثانية من موضعها المشار إليه في نوع «صفة رواية الحديث» وضمها إلى التفريعة السابقة في نوع «كتابة الحديث»، وجعل التفريعتين مبحثا واحدًا بعنوان (الإشارة بالرمز) (٥) وذلك جمع مفيد، وترتيب مناسب لأن كلا النقطتين متعلقتين ببعضهما البعض، وصلتهما بنوع «كتابة الحديث» أقوى من صلتهما بنوع «صفة روايته» ولهذا أقر السخاوي صنيع العراقي ذلك (٦).

стр. 702

نقد العراقي في جمعه وترتيبه للمباحث التفصيلية: ومع إصابة العراقي في غالب ما جمعه ورتبه من المباحث التفصيلية التي فرّقها ابن الصلاح كما رأينا، فإن هناك مباحث أرى أنه لم يوفّق في جمعها وترتيبها، فمن ذلك أن ابن الصلاح ذكر في الفائدة الثانية من نوع «الحديث الصحيح» رأيه في إمكان تصحيح ما لم ينص الأئمة المعتمدون على صحته في مصنفاتهم المشهورة كالكتب الستة (١)، ثم ذكر في الفائدة السابعة من نفس النوع مراتب الحديث الصحيح، باعتبار الكتب المخرج فيها من الصحيحين وغيرهما (٢) وتبعه على هذا غيره (٣). أما العراقي فأخر الفائدة الأولى عن موضعها وقدّم الثانية أيضًا، وضمهما معا في مبحث واحد عنونه بـ «مراتب الصحيح» (٤). وقد أقره على ذلك البقاعي (٥) لكننا حين نتأمل، نجد أن صلة مسألة إمكان التصحيح ببيان «مراتب الصحيح» غير قوية، ودلالة العنوان عليها بعيدة وبالتالي فإن جمعها مع «مراتب الصحيح» غير مناسب، بينما هناك مبحث آخر من نفس نوع الصحيح، عنونه العراقي بقوله «الصحيح الزائد على الصحيحين» وضمنه بيان مصادر الحديث الصحيح غير صحيحي البخاري ومسلم (٦).

стр. 703

فمناسبة ذكر مسألة إمكان التصحيح لذلك أقوى، ودلالة العنوان عليها واضحة، ولهذا كان ضمها إلى هذا المبحث أولى من ضمها إلى «مراتب الصحيح». ٣ - تفريق العراقي لما جمعه ابن الصلاح من المباحث التفصيلية وترتيبها: كما جمع العراقي في الألفية بين ما فرقه ابن الصلاح على نحو ما رأينا فإنه أيضًا فرق بين بعض المباحث التي رآه جمعها على غير الوجه المناسب، فمن ذلك أن ابن الصلاح تناول في الفائدة الرابعة من نوع «الحديث الصحيح» أربعة مسائل: أولها: بيان أن البخاري ومسلمًا لم يستوعبا في كتابيهما كل الأحاديث الصحيحة ولم يلتزما بذلك. وثانيها: بيان استدراك الحاكم عليهما أحاديث صحيحة. وثالثها: بيان عدد أحاديث صحيح البخاري. ورابعها: بيان مصادر الحديث الصحيح غير صحيحي البخاري ومسلم وحكم ما انفرد الحاكم وابن حبان بتصحيحه (١). وبالتأمل يظهر لنا أن الترابط الموضوعي بين هذه المسائل على الترتيب المذكور غير مستقيم، ومع ذلك تابع ابن الصلاح عليه آخرون حتى عصر العراقي (٢). أما العراقي فغير ترتيب هذه المسائل مع تقسيمها إلى قسمين بحسب المضمون.

стр. 704

الثالثالث: اثر العراقي ولقاءة والمالية في مصطلح على السنة وعلو حالها فالمسألتان الأولى والثالثة وضعهما في مبحث بعنوان «أصح كتب الحديث» (١) وذلك موافق لمضمونهما. والمسألتان الثانية والرابعة وضعهما في مبحث أيضًا بعنوان «الصحيح الزائد على الصحيحين» وهو أيضًا موافق لمضمونهما، وبذلك كان موفقًا في هذا التقسيم والترتيب وتلافي ما في كتاب ابن الصلاح من جمع المسائل بغير ترابط ولا ترتيب مناسب. ومن ذلك أيضًا: أن ابن الصلاح ذكر النوع الرابع من أنواع الإجازة وهو «الإجازة للمجهول بالمجهول» وقال في أولها: ويتشبث بذيلها الإجازة المعلّقة بالشرط، وبيَّنهما معًا في مبحث واحد (٢)، وتبعه على هذا آخرون من شيوخ العراقي وأقرانه (٣). أما العراقي فإنه فصل في الألفية الإجازة المعلقة بالشرط، وجعلها نوعًا خامسًا من أنواع الإجازة فقال: والخامس التعليق في الإجازة … بمن يشاؤها الذي أجازه (٤) ثم قال في شرحه: «النوع الخامس: الإجازة المعلقة بالمشيئة، ولم يُفرد ابن الصلاح هذا بنوع، وأدخله في النوع الذي قبله، وقال: فيه جهالة وتعليق

стр. 705

بشرط، وأفردته بنوع؛ لأن بعض الإجازات المعلقة لا جهالة فيها، كما ستقف عليه هنا … » (١) ومن هذا تلاحظ أنه فصل هذا النوع عما ألحقه به ابن الصلاح، بعد بحث وجهة نظره في ذلك، ورده لها، بناء على إحاطته بصور الإجازة المعلقة. فابن الصلاح ألحقه بنوع «الإجازة للمجهول بمجهول»، بناء على اشتراكه معه في وجود الجهالة. فرد العراقي هذا بأن بعض الإجازات المعلقة لا جهالة فيها، وبالتالي لا يسوغ إلحاقها بنوع الإجازة بالمجهول كما فعل ابن الصلاح. ٤ - تنويع العراقي بعض أنواع لم يفردها ابن الصلاح: رغم أن ابن الصلاح قسم أنواع علوم السنة في كتابه إلى (٦٥) نوعا فقط، فإنه نبه في بدايته على أن ذلك ليس آخر الممكن في التنويع؛ لأن أحوال وصفات رواة الحديث ومتونه لا تُحصى، وما من حالة منها ولا صفة إلا ويمكن أن تفرد بالذكر، وتعد نوعا على حياله (٢). ولهذا فإن ممن تناولوا كتابه بالاختصار والتعليق، من أضافوا إلى الأنواع التي أفردها أنواعًا أخرى، وذلك إما بالاستنباط من أحوال السند والمتن، وإما بفصل بعض المباحث من الأنواع التي ذكرها ابن الصلاح، واعتبارها أنواعًا مستقلة، وقد وجدت العراقي في الألفية فعل ذلك في موضعين وعدهما من بعده نوعين مستقلين من أنواع علوم السنة، وإليك بيان ذلك:

стр. 706

نوع الحديث المعلق: ذكر ابن الصلاح في الفائدة السادسة من نوع «الحديث الصحيح» تعريف الحديث المعلق وحكم الموجود منه في البخاري ومسلم (١). وفي التفريعة الرابعة من نوع «الحديث المعضل» تناول أيضا حكم معلقات الصحيحين وتعريف التعليق والتمثيل له (٢). فقدم العراقي هذه التفريعة وضمها إلى التفريعة التي قبلها في مبحث واحد ضمن مباحث الحديث الصحيح وعنونه بقوله: «حكم الصحيحين والتعليق» (٣). أما الشيخ بدر الدين بن جماعة ففصل المبحث عن نوع الصحيح، واعتبره نوعا قائما بذاته، وعنونه بـ «المعلق» وأخر وضعه، فجعله عقب «نوع الحديث المرسل» وبذلك كان عمل العراقي وسطا بين ابن الصلاح ومن تبعه كالإمام النووي، وبين ابن جماعة. وقد أشار السيوطي إلى ذلك فقال في شرح تقريب النووي: «فرق ابن الصلاح والمصنف أحكام المعلق، فذكر بعضه هنا، أي في نوع المرسل وهو حقيقته، وبعضه في نوع الصحيح، وهو حكمه، وأحسن من صنيعهما صنيع العراقي، حيث جمعهما في مكان واحد في نوع الصحيح وأحسن من

стр. 707

ذلك صنيع ابن جماعة حيث أفرده بنوع مستقل هنا (١)، يعني عقب الحديث المرسل، وهذا فعلا أنسب من وضع العراقي له ضمن نوع الصحيح؛ لأن المعلق يشارك المرسل في الضعف، وفي مطلق انقطاع السند. الحديث المعنعن: وهو الذي يقال في إسناده (عن فلان) ونحوه من يقال في إسناده (أن فلانا) وقد تناول ابن الصلاح ذلك في تفريعتين من نوع (الحديث المعضل) (٢) وتبعه على هذا الحافظ ابن كثير شيخ العراقي (٣)، وقريناه: البلقيني (٤) وابن الملقن (٥). أما العراقي ففصل التفريعتين عن نوع المعضل، وجعلهما مبحثا مستقلا بعنوان (العنعنة) (٦)، وقد سبقه إلى ذلك الشيخ بدر الدين بن جماعة وغيره (٧)، فرجح صنيعهم باتباعه له، دون صنيع ابن الصلاح، ورجحه السيوطي من بعده، فقال: «وهذان الفرعان حقهما أن يفردا بنوع يُسمّى (المعنعن) كما صنع ابن جماعة وغيره» (٨).

стр. 708

ثم طبق ذلك فعلاً في ألفيته، وأفردهما بنوع خاص (١). ٥ - تقسيم العراقي للمباحث التفصيلية وعنونتها وترتيبها: جرى ابن الصلاح في الأنواع التي اتسع الكلام فيها، على أن يقسم مباحث كل نوع، إما إلى فوائد (٢) أو تنبيهات وتفريعات (٣)، أو تفريعات فقط (٤) أو أمور مهمة (٥) أو مفيدة (٦) أو مسائل (٧) وقد يمهد للنوع، أو يختمه بعدة أمور (٨) وفي كل ذلك لا يضع عنوانًا مميزا، وقد تبعه على هذا من تناول كتابه بالنظم كالخوبي في منظومته، أو بالتلخيص والتعليق كالإمام النووي وابن كثير والبلقيني وابن الملقن. أما العراقي فقد قام في ألفيته بتقسيم تلك المباحث التفصيلية تقسيمًا خاصًا حسب مضامينها، ووضع لها عناوين توضح مقاصدها، ورتبها على ما رآه أنسب، كما سيظهر من الأمثلة، وبهذا تميزت ألفيته عن كتاب ابن الصلاح وغيره من مؤلفات علم المصطلح، نظما ونثرا كما أنه قدم من خلال هذا العمل المنهجي إفادات تعبر عن شخصيته العلمية وآرائه وإليك بعض الأمثلة لذلك:

стр. 709

ففي نوع «معرفة كيفية سماع الحديث وتحمله وصفة ضبطه» مهد له ابن الصلاح بثلاثة أمور متفرقة (١)، فجمع العراقي خلاصتها تحت عنوان «متى يصح تحمل الحديث أو يستحب؟» (٢). وهو عنوان جامع ومعبر عن مضمون الأمور الثلاثة. وفي نوع «صفة رواية الحديث وشرط أدائه» جمع العراقي التفريعات ١٩، ٢٠، ٢١ في مبحث واحد وعنونه بقوله «السماع على نوع من الوهن أو عن رجلين» (٣) وهذا العنوان كسابقه، شامل لمضمون التفريعات الثلاثة، ومعبر عنها، مما يدل على أن عمل العراقي هذا إنما تم بعد البحث والتأمل وبذلك وضح المسائل المجموعة وساعد على ضبط مفاهيمها بضابط عام يتمثل في العنوان الذي وضعه العراقي لكل منها. نقد عنونة العراقي لبعض المباحث: ومع هذا، فإن هناك بعض المباحث جاءت عنونة العراقي لها قاصرة عن الدلالة على ما جمعه تحتها، مثال ذلك أن ابن الصلاح ذكر في الفائدة السادسة عشرة من نوع «صفة رواية الحديث» حكم ما إذا روى المحدث حديثاً بإسناد، ثم أتبعه بإسناد آخر، وقال في نهايته: «مثله» أو نحوه فأراد الرواي عنه الإقتصار على الإسناد الثاني، وسوق لفظ الحديث المذكور عقب الإسناد الأول، ثم أتبع ذلك بالفائدة السابعة عشرة في حكم ما إذا ذكر.

стр. 710

الشيخ إسناد الحديث وطرف المتن فقط، ثم قال: «وذكر الحديث، وأراد الراوي عنه رواية الحديث عنه بطوله» (١). فجمع العراقي التفريعتين في قسم واحد من نوع «صفة رواية الحديث» وعنونهما بقوله: «إذا قال الشيخ: مثله أو نحوه» (٢). وبالتأمل يظهر لنا أن هذا العنوان لا يشمل مضمون التفريعة الثانية المتعلقة بحكم رواية الحديث كاملاً مع تحمل طرفه فقط، وهذا غير لائق. ولكن غالب عنونته لأقسام الأنواع مناسبة كما تقدم التمثيل له. ٦ - تغيير العراقي لعناوين بعض الأنواع، وعنونة ما أهمله ابن الصلاح: من التعديلات المنهجية التي أدخلها العراقي على كتاب ابن الصلاح من خلال الألفية، أنه غير عناوين بعض أنواع علوم السنة عما عنونها به ابن الصلاح كما عنون ما لم يعنونه كلية. وبيان ذلك، أن ابن الصلاح عنون النوع الثاني والأربعين في كتابه بعنوان «معرفة المدبج وما عداه من رواية الأقران» وتناول فيه رواية الأقران، فقسمها إلى مدبّج وغير مدبج (٣). وبهذا يظهر أنه لو عنونه بـ «رواية الأقران»، لكان مطابقا، ومختصرًا وهكذا فعل معاصر العراقي أبو الحسن التبريزي في مختصره لكتاب ابن الصلاح (٤)، فاختار العراقي في ألفيته هذا العنوان، بدلا من عنوان ابن الصلاح

стр. 711

السابق ذكره (١)، وتابعه السيوطي في ألفيته (٢)، على حين تابع ابن الصلاح بعض شيوخ العراقي وأقرانه (٣). وفي النوع السادس والأربعين من أنواع علوم السنة، عنونه ابن الصلاح بقوله: «معرفة من اشترك في الرواية عنه راويان متقدم ومتأخر، تباين وقت وفاتيهما تباينا شديدًا، فحصل بينهما أمد بعيد، وإن كان المتأخر منهما غير معدود من معاصري الأول وذوي طبقته» (٤). وهذا كما ترى عنوان في غاية الطول، بينما نجد الخطيب البغدادي قد عنون كتابه الخاص ببيان هذا النوع من الرواة بلفظين فقط هما «السابق واللاحق» وهما على وجازتهما الملائمة للعنونة، جامعان لمضمون عنوان ابن الصلاح المتطاول، ولما تناوله تحته، ولهذا اختاره الحافظ ابن كثير عنوانا لهذا النوع بدلا من عنوان ابن الصلاح (٥)، ثم اختاره العراقي من بعده (٦)، فوفق في ذلك وتابعه عليه السيوطي في ألفيته (٧). أما ما أهمل ابن الصلاح عنونته، فهو النوع الخامس والخمسون، وذلك أنه ذكر قبله نوع (٥٣) في معرفة المؤتلف والمختلف من أسماء وأنساب

стр. 712

الرواة (١)، ونوع (٥٤) في معرفة المتفق والمفترق منها (٢)، ثم ذكر نوع (٥٥) المذكور وقال: وهو نوع يتركب من النوعين اللذين قبله (٣)، فعنونه النووي بـ «المتشابه» (٤). أما العراقي فعنونه بـ «بتلخيص المتشابه» (٥)، وهذا نص عنوان كتاب للخطيب البغدادي في بيان هذا النوع من الرواة، فلعل اختيار العراقي له للربط بين القاعدة والمطابق لها من مؤلفات علم الرجال، كما سبق تصريحه برعاية ذلك في تغييرات أخرى، وبذلك يكون اختياره وجيها. نقد عنونة العراقي لبعض الأنواع: على أن العراقي قد غير عنوان النوع الأول وهو «نوع الصحيح» بما لا أقره عليه حيث عنونه ابن الصلاح بـ (معرفة الصحيح من الحديث) وذكر في بداية الكلام عليه انقسام الحديث إلى ثلاثة أقسام، ليرتب على ذلك ذكر تفاصيل النوع الأول وهو الصحيح، فقال: «اعلم علمك الله وإياي، أن الحديث عند أهله ينقسم إلى صحيح وحسن وضعيف، أما الحديث الصحيح … إلخ وتكلم عليه إلى آخر النوع» (٦).

стр. 713

وقد تبعه على هذا عامة من تناول كتابه من بعده نظما ونثرا (١). أما العراقي فعنون هذا النوع بـ «أقسام الحديث» (٢)، وذكر تحته ما ذكره ابن الصلاح تحت عنوان «معرفة الصحيح»، مع أن عنوان «أقسام الصحيح» عام، يشمل الصحيح والحسن والضعيف، والإشارة لانقسام الحديث إليهم توطئة للكلام على النوع الأول وهو الصحيح، لا تُسوّغ عنونة الموضوع كله بذلك؛ لأنها إشارة إجمالية تمهيدية، لا تزيد على سطر، وباقي الموضوع منصب على نوع الصحيح فقط، والمعروف علميا أن العنوان يبنى على أغلب ما تحته، إن لم يكن مطابقا له تماما، وكلا الأمرين غير متحققين في عنونة الموضوع بـ «أقسام الحديث» كما فعل العراقي، ولهذا أقرر: أن عنونة ابن الصلاح بـ «معرفة الصحيح من الحديث» أصوب، لانطباقها على أغلب المذكور تحت العنوان، وأولى منها لو كان العنوان هكذا «أقسام الحديث وأولها الصحيح»، حيث يكون مطابقا تماما لما ذكر تحته، ومتناسقا أيضًا مع عنونة المبحث التالي لهذا عند العراقي وابن الصلاح وهو مبحث «الحديث الحسن» بقولهما «القسم الثاني أو النوع الثاني، الحسن». ٧ - تغيير العراقي في الألفية ترتيب بعض أنواع علوم السنة ومباحثها: غير العراقي أيضا في ألفيته ترتيب بعض الأنواع والمباحث الجزئية، بالتقديم والتأخير عما جرى عليه ابن الصلاح في كتابه، ومن تبعه، ولا شك أن

стр. 714

ترتيب الموضوعات وجزئياتها، له أثر كبير في توضيحها وفهمها، كما أنه يعبر عن رأي فاعله، ولهذا عني العلماء بمقارنة ترتيب العراقي بترتيب ابن الصلاح كما سيأتي. فمن ذلك: أن ابن الصلاح رتب أنواع الحديث الآتية هكذا: المسند المتصل، المرفوع، الموقوف، المقطوع (١)، وتبعه على هذا آخرون حتى عصر العراقي (٢). أما العراقي فرتبهم هكذا: المرفوع، المسند، المتصل، الموقوف المقطوع (٣)، وقد قارن البقاعي بين الترتيبين فقال: وقد خالف الشيخ (العراقي) ترتيب ابن الصلاح، فإن ابن الصلاح ذكر المسند أولا؛ لأنه جمع بين الطريق والغاية وهي المتن، فكان الاهتمام به أشد، ثم قدم المتصل على المرفوع، لأن معرفة الطريق، قبل معرفة ما جعل الطريق، لأجله، ثم ذكر المرفوع لأنه الأصل ومناسبة تقديم الموقوف على المقطوع واضحة. وأما الشيخ (العراقي) فإنه ذكر المرفوع، لأنه هو المقصود من هذا العلم وهو أيضًا أعم من المسند، ولابد من معرفة العام قبل معرفة الخاص، وثنى بالمسند، لأنه جمع الإسناد والمتن، ولأنه ينزع إلى كل مما هو بينهما، ثم ثلث بالمتصل، لأنه معرفة الطريق، ولم يبق إلا هي، لتقدم معرفة المتن خاصة

стр. 715

على المركب منه ومن الطريق، والباقي واضح (١)، ونقل عنه ذلك العلامة الطوخي وأقره (٢). وأقر السخاوي أيضًا ترتيب العراقي مع بيان مناسبات أخرى له (٣). وكما غير العراقي ترتيب بعض الأنواع على النحو المذكور، فإنه غير أيضًا ترتيب كثير من المباحث التفصيلية داخل كل نوع، بناء على ما رآه أنسب ومن ذلك: أن ابن الصلاح ذكر في الفائدة الثانية من نوع «الصحيح» مسألة إمكان التصحيح في الأعصار المتأخرة، وفي الفائدة الثالثة «أصح كتب الحديث» (٤) وتبعه على هذا آخرون (٥). أما العراقي فجعل هذه الفائدة الثالثة مكان الفائدة الثانية، وأخر الثانية وهي «مسألة التصحيح» حتى ألحقها بالفائدة السابعة المتعلقة بمراتب الصحيح (٦). وقد استحسن البقاعي ترتيبه لمسائل الصحيح عمومًا على هذا النحو فقال: «لما كان يتكلم على الصحيح، ناسب أن يذكر الأصح فتكلم أولًا على أصح الأسانيد مطلقًا، ثم انتقل إلى أخص منه وهو أصح الأسانيد بالنسبة إلى صحابي واحد، ثم انتقل إلى أخص من ذلك وهو أصح كتب الحديث … » فلأجل حسن هذا الترتيب خالف ترتيب ابن الصلاح. وقدم هذا على مسألة

стр. 716

إمكان التصحيح في هذه الأعصار (١) وقد مرت نماذج أخرى ضمن المباحث المتقدمة. رابعاً: الحذف من مضمون كتاب ابن الصلاح: قدمنا أن العراقي قال في مقدمة الألفية: «لخصت فيها ابن الصلاح أجمعه» فقوله «لخصت» يدل على أنه التزم حذف بعض مضامين كتاب ابن الصلاح؛ لأن حقيقة التلخيص: استيفاء مقاصد الكتاب الملخص، أي مسائله الكلية بكلام أوجز، وعليه يكون تأكيده بـ «أجمع» باعتبار عدم حذف شيء من المسائل الأساسية التي تضمنها كتاب ابن الصلاح، لا باعتبار عدم حذف شيء منه رأساً (٢). وقد أشار العراقي بنفسه لذلك فقال عن نفسه: «وقوله: لخصت فيها ابن الصلاح أي كتاب ابن الصلاح، والمراد مسائله وأقسامه، دون كثير من أمثلته وتعاليله، ونسبة أقوال لقائليها، وما تكرر فيه» (٣). وأقره على ذلك غيره من شُرّاح الألفية ودارسيها (٤)، وبذلك يتقرر أنه استوعب فيها بيان جميع أنواع علوم السنة الخمسة والستين الواردة في كتاب ابن الصلاح بأقسامها ومسائلها، مع حذف بعض جزئيات فرعية، وقد حدّد

стр. 717

بنفسه منها أربعة أنواع وهي: بعض الأمثلة، والتعليل للآراء، ونسبة الأقوال لأصحابها، والمكرر، وقد صرّح الخوبي في مقدمة منظومته السابق الإشارة إليها بانتهاج ثلاثة من تلك الأنواع، فبعد ذكره أنه نظم مختصر كتاب ابن الصلاح قال: لكنني ذكرت كل مسألة … وما تركت منه غير الأمثلة ونسبة القول إلى من قالا … وما أتى خلاله استدلالا (١) أما الأشياء المكررة فقد وجدته أيضا يستبعد بعضها، وإن لم ينص على ذلك كما نص العراقي، وبذلك اتفق مع العراقي في الحذف من الأنواع الأربعة المذكورة، لكنهما يختلفان في التطبيق التفصيلي كما سيأتي. ثم إني قارنت تفصيلا، كتاب ابن الصلاح بكل من ألفية العراقي ومنظومة الخوبي، فظهر لي أن ما استبعده العراقي عموما من كتاب ابن الصلاح أكثر مما استبعده الخوبي. وأقرب مثال لذلك أن ابن الصلاح ذكر في مقدمة كتابه فهرسة لأنواع علوم الحديث المشتمل عليها الكتاب، فنظمها الخوبي كما هي، بعد مقدمة منظومته، وذلك في مبحث خاص بعنوان «فهرسة أنواع علوم الحديث» وعدد أبياته ٤٦ بيتا (٢). أما العراقي فلم ينظم هذه الفهرسة في ألفيته؛ بل بدأها بعد المقدمة بذكر

стр. 718

النوع الأول من أنواع علوم السنة مباشرة (١)، وهذا ما يفسر لنا زيادة عدد أبيات منظومة الخوبي، عن ألفية العراقي خمسمائة بيت كما تقدم ذكره كما أنه اتضح لي أيضًا أن العراقي قد استبعد عن الألفية جزئيات أخرى من كتاب ابن الصلاح غير الأنواع الأربعة التي تقدم تصريحه بحذفها، وسأتناول أولًا بالتحليل والمقارنة والنقد، ما صرح بحذفه ثم أتبعه بما أوقفني عليه البحث إن شاء الله. ١ - حذف العراقي كثيرًا من الأمثلة التي ذكرها ابن الصلاح في كتابه ورأيه في ذلك: ذكر ابن الصلاح أمثلة لإثبات وتوضيح أنواع علوم السنة وقواعدها، ولكن العراقي لم ينظم كثيرًا من تلك الأمثلة في الألفية، وقد تبين لي بالبحث أنه فعل ذلك لدواع علمية، وبناء على رأيه في تلك الأمثلة بعد بحثها. فمن الأمثلة ما حذفه لأنه وجده غير مطابق لما مثل به ابن الصلاح وبالتالي لا يصح التمثيل به. من ذلك ما جاء في مبحث «زيادة الثقات» القسم الثالث مما انفرد به الثقة عن غيره، وهو زيادة الراوي لفظة في حديث لم يذكرها سائر من رواه غيره من الثقات. فقد مثل له ابن الصلاح بمثالين: أولهما: ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله ﷺ فرض زكاة

стр. 719

الفطر من رمضان على كل حر أو عبد، ذكر أو أنثى من المسلمين (١) ونقل عن الترمذي قوله: (إن مالكًا انفرد من بين الثقات بزيادة قوله: من المسلمين). وثانيهما: حديث: (جُعِلَت لنا الأرضُ مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورا). وذكر أن قوله: «وجعلت تربتها لنا طهورًا» انفرد بزيادتها أبو مالك سعد بن طارق الأشجعي، وأن سائر الروايات بدونها (٢). فاستبعد العراقي ذكر المثال الأول عن الألفية، واكتفى بذكر المثال الثاني فقال: أو خالف الإطلاق نحو جُعِلت … تربة الأرض، فهي فرد نقلت (٣) ثم قال في شرحه للألفية: «واقتصرت على المثال الثاني، لأنه صحيح كما ذكره ابن الصلاح، وأما المثال الأول فلا يصح؛ لأن مالكا لم ينفرد بالزيادة بل تابعه عليها عمرو بن نافع والضحاك بن عثمان، ويونس بن يزيد وعبد الله بن عمر، والمعلى بن إسماعيل، وكثير بن فرقد .. وقد بينت هذه الطرق في النكت التي جمعتها على كتاب ابن الصلاح» (٤).

стр. 720

وقد بين في النكت أيضا أن كل هؤلاء الذين تابعوا مالكا ثقات (١). وبذلك يظهر لنا أن حذفه لهذا المثال، ليس جزافيا، بل هو عمل علمي في محله، لعدم صلاحية المثال لما مثل له به ابن الصلاح. كما يظهر أن العراقي فعله بعد بحث دقيق وموسع، تتبع فيه روايات الحديث، وطرقه المتعددة في عدة مصادر، وبحث في كتب الرجال لبيان حالة الرواة المشاركين لمالك في روايته للحديث بهذه الزيادة، ليتأكد من كونهم جميعا ثقات، وبذلك أثبت عدم انفراد مالك بها عن الثقات، وبالتالي لا يصلح الحديث للتمثيل به (٢). وعند المقارنة نجد أن عامة من تناول كتاب ابن الصلاح بالاختصار أو الشرح يتفقون مع العراقي، فيما قرره بشأن هذا المثال، ومن هؤلاء الإمام النووي (٣) والحافظ ابن كثير شيخ العراقي (٤) والإمامان البلقيني (٥) وابن الملقن (٦) قرينا العراقي، والحافظ ابن حجر تلميذه (٧)؛ غير أن كلا منهم دعم رأيه بما أداه إليه بحثه، وبالتالي صارت له ميزته وجهده. وهناك أمثلة أخرى مشابهة، ترك العراقي ذكرها في النظم، لعدم صحة

стр. 721

التمثيل بها، وبين ذلك بالدليل في شرحه للألفية (١). ومن الأمثلة ما ترك نظمه في الألفية، لاختلاف رأيه فيه عن رأي ابن الصلاح وغيره، من المتقدمين والمتأخرين: فمن ذلك: ما جاء في مبحث (تلخيص المتشابه) من أسماء وألقاب وكنى ونسبة الرواة، حيث ذكر الخطيب البغدادي ومن بعده ابن الصلاح في هذا النوع، ما يتقارب ويشتبه، وإن كان مختلفا في بعض حروفه في صورة الخط، ومثل له ابن الصلاح في كتابه بثور بن يزيد - بالياء المثناة في أوله - الكلاعي الشامي، وبثور بن زيد بغير ياء - وبعمرو - بالواو - ابن زرارة وعمر - بدون واو - ابن زرارة، وبعبيد الله - بالياء المثناة - ابن أبي عبد الله، وبعبد الله - بدون ياء - ابن أبي عبد الله (٢). فلم يذكر العراقي هذه الأمثلة كلية في الألفية (٣). ثم قال في شرحه لها في نهاية شرح المبحث: وقد أدخل فيه الخطيب وابن الصلاح، ما لا يأتلف خطه، كثور بن يزيد … وساق بعض الأمثلة المتقدمة ثم عقب بقوله: (فلم أذكره، لعدم الاشتباه في الغالب) (٤).

стр. 722

فعلّل عدم ذكر الأمثلة المتقدمة كما ترى بأنه لا يراها تشتبه في الغالب خلافًا لما رآه الخطيب وابن الصلاح من أنها تشتبه. وعندما نقارن رأي العراقي هذا برأي غيره ممن تناول كتاب ابن الصلاح بالبحث والتأليف، نجد الإمام النووي والحافظ ابن كثير، ومن بعده البلقيني وابن الملقن قريني العراقي، يتفقون مع الخطيب وابن الصلاح في ذكر الأمثلة المتقدمة في المتشابه (١). لكن هذا لم يثن العراقي عن رأيه، ولم يضعفه، بل تبعه فيه غير واحد ممن جاء بعده، فاستبعدوا الأمثلة المذكورة من المتشابه، كالسخاوي (٢)، والشيخ زكريا الأنصاري (٣)، وتردد السيوطي، فحذفهم تارة (٤) وأثبت بعضهم تارة أخرى (٥)، لكنه استقر في ألفيته على الحذف (٦) كما رأى العراقي. وهناك أمثلة أخرى لذلك أيضًا (٧)، وهي تدل على خبرة العراقي بدقائق علم

стр. 723

الرجال، وتميز شخصيته العلمية في الإدلاء برأيه الخاص المقتنع به، غير متقيد بمن تقدمه أو عاصره، كما تدل على تأثيره فيمن بعده. ومن الأمثلة ما حذفه للاختصار اكتفاء بغيره: فمن ذلك: ما جاء في مبحث «ألقاب المحدثين ورواة السنة» فقد ذكر ابن الصلاح قرابة ثلاثين مثالاً لهذا النوع (١). فاقتصر العراقي في الألفية على ذكر أربعة فقط، يمثلون جوانب الموضوع وترك الباقي. وقال في شرح الألفية: (وذكر ابن الصلاح عدة صالحة من الألقاب حذفتها اختصارًا) (٢)، وهناك نماذج أخرى مماثلة (٣). وحيث إن العراقي ذكر من الأمثلة ما يغطي جوانب الموضوع كما أشرت فإن حذفه للباقي يُعد تصرفًا مناسبا لمنهجه في الاختصار. نقد العراقي في حذفه لبعض الأمثلة: وإذا كان العراقي قد حذف كثيرًا من الأمثلة للاعتبارات العلمية السابقة.

стр. 724

فإن هناك أمثلة أخرى أوردها ابن الصلاح وأقره العراقي عليها، ومع ذلك لم ينظمها في الألفية، ولم يذكر بديلا عنها، لدرجة أنه أخلى من الأمثلة نهائيا عدة أنواع بأكملها، وعدة أقسام فرعية، ومن أمثلة ذلك نوعا «المنقطع» و «المعضل» فقد مثل ابن الصلاح للأول بعدة أمثلة، وأقره العراقي في شرح الألفية على أحدها (١)، ومثل للثاني بثلاثة أمثلة وأقره العراقي أيضا على مثالين منهم (٢)، ومع ذلك نظم النوعين في الألفية، بدون أمثلة كلية (٣)، ولا شك أن هذا إجحاف في الاختصار لا نقره عليه؛ لأن خير ما يثبت القاعدة ويوضحها، هو المثال، فكان عليه أن ينظم ولو مثالا واحدا لكل نوع أو قسم مما ترك التمثيل له (٤).

стр. 725

٢ - حذف أدلة وتوجيهات بعض الأقوال الواردة في كتاب ابن الصلاح: هذا هو النوع الثاني مما صرح العراقي بترك نظمه في الألفية، مع وجوده في كتاب ابن الصلاح، وقد عبر عنه كما مر بـ «التعاليل»، وهي تشمل الأدلة والتوجيهات للمسائل والآراء، وعبر الخوبي عن ذلك بـ «الاستدلال» كما تقدم ذكره أيضًا، وبذلك يتفق عمومًا مع العراقي في انتهاج هذا النوع من الحذف، وإن تميز كل منهما في التطبيق التفصيلي كما سأوضحه بالمقارنة. ومقتضى هذا النوع من الحذف بحسب بحثي ومقارناتي التفصيلية، أن المسائل والآراء التي ذكرها ابن الصلاح مدعمة بأدلتها وتوجيهاتها، يكتفي العراقي في كثير من الأحوال بنظم المسائل والآراء فقط، ويترك الأدلة والتوجيهات، لأجل الاختصار أو غيره من الاعتبارات التي قدمتها بالنسبة لحذف الأمثلة. مثال ذلك: أن ابن الصلاح ذكر قول أبي منصور التميمي: «أن أصح الأسانيد: «الشافعي عن مالك عن نافع عن ابن عمر» وذكر أن أبا منصور احتج لإضافة الشافعي إلى هذا الإسناد، بإجماع أهل الحديث على أنه لم يكن في الرواة عن مالك أجل من الشافعي (١)». فذكر العراقي في الألفية قول التميمي المذكور دون ذكر دليله حيث قال: . . . . . . . . . . فقيل مالك … عن نافع بما رواه الناسك.

стр. 726

مولاه، واختَر حَيثُ عَنهُ يَسنُدُ … الشَّافِعي ......................... (١) ويبدو أن تَرَكَهُ لنظم هذا الدليل، لأجل الاختصار، بدليل أنَّه ذَكَرهُ في شرحه وأقَرَّهُ (٢). وقد اتَّفَقَ الخُويِّيُّ مع العراقيّ في عَدَمِ ذِكرِ هذا الدليل في منظومته حيث قال: «وقالَ قَومٌ: ما رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ … عن مالك شيخ الورى عن نافع عن عابد الله عُنَيْثُ ابن عمر … ............................ » (٣) ومن الأدلة ما حَذَفَهُ لعدم موافقته عليه، مثال ذلك ما جاء في مبحث الحديث الصحيح، فقد ذكر ابن الصلاح أنه في هذه الأعصار المتأخرة لا يتجاسر العلماء على الجزم بصحة حديث لم ينص على صحته في شيء من مصنفات أئمة الحديث المعتمدة المشهورة، ودَلَّلَ لذلك بقوله: «فقد تَعَذَّرَ في هذه الأعصار الاستقلال بإدراك الصحيح بمجرد اعتبار الأسانيد؛ لأنه ما من إسناد من ذلك إلا ونجد في رجاله من اعتمد من رواته على ما في كتابه عريا عما يشترط في الصحيح من الحفظ والضبط والإتقان» (٤). فنظم العراقي رأي ابن الصلاح فقط بإيجاز دون ذكر دليله، وأعقبه بذكر مخالفة النووي له فقال: «وعنده التصحيح ليس يمكن … في عصرنا، وقال يحيى ممكن» (٥)

стр. 727

وقرر في شرحه للألفية: أن رأي النووي هو المعتمد، وبهذا دلل على عدم موافقته لابن الصلاح في رأيه، وعدم إقراره لدليله، وقد أشار السخاوي لذلك فقال: «ولكن لم يوافق ابن الصلاح على ذلك كله، حكمًا ودليلًا» (١). أما الخوبي فمع مخالفته لابن الصلاح، إلا أنه نظم الرأي ودليله فقال: «ومن يجد في هذه الأزمان … جزء حديث حسن الإتقان إسناده، ولم ينص معتبر … أو صح كل ما حواه من خبر فلاتظن ما حوى يصح … إذ أهل هذا العصر فيهم قدح» (٢) ثم أعقب ذلك ببيان مخالفته له فقال: «وشيخنا أطلق هذا القولا … وفصل الغير، وذاك الأولى» (٣) وبهذا يتبين لنا اختلاف عمل العراقي التفصيلي عن غيره ممن شاركه في نظم مضمون كتاب ابن الصلاح، وفي بعض عناصر منهجه، ومع أنه من المسلم به علميًا، أن ذكر الرأي أو المسألة بدون دليل، أمر منتقد، إلا أن العلماء اغتفروا ذلك في المؤلفات المختصرة، نظرًا لأن مؤلفيها وغيرهم، يؤلفون لها شروحًا تتكفل بإيضاحها وبيان أدلتها، وقد حدث هذا بالنسبة لألفية العراقي كما سيأتي. ٣ - حذف أصحاب بعض الأقوال الواردين في كتاب ابن الصلاح: انتهج العراقي من أجل الاختصار أيضًا، أن يورد في الألفية كثيرًا من أقوال

стр. 728

العلماء التي في كتاب ابن الصلاح، مع حذف أصحابها المنسوبة إليهم عند ابن الصلاح، وبذلك يتخلص من كمية كبيرة من الألفاظ مع بقاء المضمون العلمي وهو الأهم. وقد شارك العراقي في هذا أيضًا شهاب الدين الخوبي في منظومته كما تقدم تصريحه بذلك، غير أنهما قد يتفقان في المحذوف وقد يختلفان: فمثال ما اتفقا على حذفه، وما أورده ابن الصلاح في بحث الحديث الصحيح حيث قال: «وروينا عن أبي بكر بن أبي شيبة قال: أصح الأسانيد كلها الزهري عن علي بن الحسين عن أبيه عن علي ﵁» (١) فنظم العراقي ذلك قائلا: «وقيل زين العابدين عن أبيه … عن جده وابن شهاب عُنْهُ به» (٢) كما نظم الخويي ذلك فقال: «وقال قوم ما روى الزهري … عن شيخه وهو الرضا علي ابن الحسين الهاشمي بن علي … عن الحسين عن علي الأفضل» (٣) وهكذا اكتفى كل منهما بنظم القول، دون ذكر قائله وهو أبو بكر بن أبي شيبة، ونلاحظ أن العراقي أشار إلى القائل بلفظ «قيل»، وسيأتي أيضًا عن الخويي تعبيره به، وليس المراد بذلك تضعيفهما للأقوال المذكورة، أو عدم صحة نسبتها لقائليها، كما هو مقتضى التعبير بـ (قيل)، في اصطلاح علماء السنة (٤).

стр. 729

الحافظ العراقي وأثره في السنة. ولكن المراد مجرد الإشارة لصاحب القول، ولهذا نجد العراقي وغيره من شراح ألفيته، يفسرون قوله: «قيل» في كثير من المواضع بأنه يعني: «قال فلان كذا» بلا تضعيف (١). ومثال ما ذكر العراقي قائله وحذفه الخوبي: ما جاء في مبحث «الحديث المرفوع» فقد قال فيه ابن الصلاح: «وقال الحافظ أبو بكر بن ثابت (الخطيب البغدادي): المرفوع ما أخبر به الصحابي عن قول رسول الله ﷺ أو فعله، فخصه بالصحابة … » (٢) فنظم الخوبي ذلك بقوله: « ....................... … وقيل كل ما الصحابي نَقَلَا عن سيد الكونين من مقال … صلى عليه الله، أو فعال» (٣) أما العراقي فنظمه قائلا: « ....................... … واشترط الخطيب رفع الصاحب» (٤). وبهذا تفاوت عمله التفصيلي عن عمل الخوبي، وبالتالي تتفاوت محتوى الألفية عن محتوى منظومة الخوبي، كما تفاوتا في عدد الأبيات. التعقيب على حذف العراقي لأصحاب كثير من الأقوال: مع أن القيمة العلمية للمسائل والآراء ترجع إلى مصادرها، فإن العلماء تجاوزوا في المؤلفات المختصرة عن عزو كثير من الأقوال لقائليها، كما فعل

стр. 730

الخوبي في منظومته، والعراقي في ألفيته، وغيرهما ممن اختصر كتاب ابن الصلاح أو غيره، نظما أو نثرا. ٤ - حذف العراقي لما كرره ابن الصلاح في كتابه: لا شك أن أولى ما يحذف عند الاختصار هو المكرر، ولهذا عمد العراقي في الألفية، إلى ترك ما وجده مكررا في كتاب ابن الصلاح، سواء كان مكررا باللفظ أو بالمعنى، وقد شاركه في انتهاج ذلك الخوبي في منظومته وكذا غيره. وإن اختلفوا في التطبيق بحيث نجد أنه يبقي أحدهم ما يحذفه الآخر حسب وجهة نظره، وبالتالي تميزت ألفية العراقي عن غيرها من المؤلفات المتعلقة بكتاب ابن الصلاح نظما ونثرا، وعن مؤلفات علم المصطلح عموما. ومن أمثلة حذف المكرر لفظا، أن ابن الصلاح قال في تعريف الحديث الصحيح: «هو المسند الذي يتصل إسناده بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط إلى منتهاه، ولا يكون شاذا ولا معللا» (١) وبالتأمل يظهر أنه كرر «العدل الضابط» مرتين فحذف العراقي في الألفية الثاني، للاختصار، وذكر بدله كلمة «مثله» فقال: فالأول المتصل الإسناد … بنقل عدل ضابط الفؤاد عن مثله من غير ما شذوذ … وعلة قادحة فتوذي (٢) وقد فعل مثل ذلك الخوبي في منظومته مع اختلاف العبارة فقال:

стр. 731

«فكل ما إسناده متصل … وكل ما فيه رواة عدلوا واتصفوا بالضبط والإتقان … فهو صحيح وله شرطان سلامة عن الشذوذ المضعف … وعدم العلة فيه فاعرف» (١) وكذلك فعل شيخ العراقي ابن كثير حيث قال: «قلت: فحاصل حد الصحيح: أنه المتصل سنده، بنقل العدل الضابط عن مثله، حتى ينتهي إلى رسوله ﷺ ، أو إلى منتهاه، من صحابي أو من دونه .. الخ» (٢). أما الإمام النووي، فأراد الاختصار أكثر فقال: «هو ما اتصل سنده بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علة» (٣) فذكر (العدول الضابطين) اختصارا لقول ابن الصلاح: «العدل الضابط عن العدل الضابط» وقد انتقده السيوطي في هذا، فقال: «إنه جمع باعتبار سلسلة السند، أي بنقل العدل الضابط عن العدل الضابط، إلى منتهاه، كما عبر به ابن الصلاح، وهو أوضح، إذ عبارة المصنف توهم أن يرويه جماعة ضابطون، عن جماعة ضابطين، وهو ليس مرادا» (٤). ومع هذا فقد تبعه على ذلك ابن الملقن بالنص (٥). ويمكن القول: أن العبارة التي اختارها العراقي تعتبر وسطًا، فلا هي مشتملة على تكرير كما عبّر ابن الصلاح، ولا هي موهمة، كعبارة النووي ومن تبعه فَجَمَعَتْ بين الاختصار والوضوح.

стр. 732

ومن المكرر المعنوي ما ذكره ابن الصلاح في الأمر الثاني من آخر نوع (الحديث المقلوب) بقوله: «إنه يجوز رواية ما سوى الحديث الموضوع من أنواع الأحاديث الضعيفة، من غير اهتمام ببيان ضعفها، فيما سوى صفات الله تعالى وأحكام الشريعة: من الحلال والحرام وغيرهما، وذلك كالمواعظ والقصص وفضائل الأعمال، وسائر فنون الترغيب والترهيب، وسائر ما لا تعلق له بالأحكام والعقائد» (١). فما ذكره أولًا، من صفات الله تعالى وأحكام الشريعة من الحلال والحرام، مُتَضَمَّن في قوله ثانيًا: (الأحكام والعقائد) حيث إن صفات الله تعالى داخلة في العقائد، والحلال والحرام، داخل في الأحكام، فاقتصر العراقي في النظم على العبارة الثانية فقط فقال: «وسهلوا في غير موضوع رووا … من غير تبيين لضعف ورأوا بيانه في الحكم والعقائد … ................. » (٢) وذلك اختيار حَسَن، لشمول العبارة المذكورة للمحذوف، من صفات الله تعالى وأحكام الشريعة من الحلال والحرام وغير ذلك من بقية العقائد والأحكام بخلاف ما فعله شيخ العراقي ابن كثير، حيث اقتصر على ذكر (صفات الله تعالى والحلال والحرام) (٣). خامسا: حذف العراقي لبعض مسائل كتاب ابن الصلاح، ورأيه في ذلك: مع أن العراقي اقتصر في مقدمة شرحه للألفية على التصريح بأنه حذف من

стр. 733

كتاب ابن الصلاح الأنواع الأربعة التي فرغت من بيانها، إلا أن من يقارن كتاب ابن الصلاح بالألفية تفصيليا، يتضح له أن هناك مسائل فرعية أخرى أهمل العراقي نظمها، وقد أدرك العلماء ذلك في حياة العراقي وواجهه به تلميذه السابق التعريف به، وهو «سبط ابن العجمي» فاستدرك عليه ثلاث مسائل، ونظم كلا منها في بيت، وعرض عليه أحدها فعلا فأقره عليه وذلك أن ابن الصلاح قال في نوع «الحديث الحسن» حكاية عن الباوردي: إن مذهب النسائي أن يخرج عن كل ما لا يُجْمَعُ على تركه وأعقبه بقوله: قال ابن منده: وكذلك أبو داود السجستاني، يأخذ مأخذه، ويخرج الإسناد الضعيف، إذا لم يجد في الباب غيره؛ لأنه أقوى عنده من رأي الرجال (١). وظاهر هذا الكلام يفيد أن أبا داود يشارك النسائي في إخراج حديث، من لم يجمع العلماء على تركه، وقد صرح بذلك فعلا قرين العراقي ابن الملقن (٢)، لكن العراقي اقتصر في الألفية على نسبة ذلك للنسائي، فقط فقال: «والنسائي يخرج من لم يجمعوا … عليه تركا، مذهب متسع» (٣) وأهمل نظم نسبة هذا لأبي داؤد، فتنبه له تلميذه سبط ابن العجمي، فذكر له أن ظاهر كلام ابن الصلاح المحكي عن ابن مندة يفيد أن أبا داود يخرج كذلك حديث من لم يجمعوا على تركه، فأقره العراقي على ذلك، فنظمه «السبط» في بيت معطوف على قول العراقي السابق:

стр. 734

«والنسائي يخرج من لم يجمعوا … عليه تركا مذهب متسع» فقال: «وقال في الأزدي أيضا مثله … كذا له وشيخنا أهمله» فقوله: «وقال» أي ابن منده، وقوله «الأزدي» هو أبو داود، وقوله «وشيخنا أهمله» أي العراقي أهمله في النظم (١) وبمقارنة الألفية بمنظومة الخوبي، وجدته أهمل أيضا هذه المسألة (٢). أما المسألة الثانية فهي جزء من الأمر الثالث الذي أورده ابن الصلاح في آخر مبحث الإجازة (٣)، والمسألة الثالثة من نوع «صفة رواية الحديث وشرط أدائه» وهي عبارة عن تصويب ابن الصلاح لرأي جمهور العلماء بصحة الرواية من الكتب الموثقة المضبوطة السماع (٤). ويعتبر إقرار العراقي السابق لاستدراك تلميذه سبط ابن العجمي عليه، دليل على أن تصريحه المتقدم بحذف بعض الأمثلة والتعاليل ونسبة أقوال لقائليها والمكرر، لم يقصد به الحصر والاستقصاء، وإنما قصد أن هذه الأنواع هي التي كثر حذفه لها، ويؤيد ذلك أيضا أني وجدته حذف بعض مسائل غير ما

стр. 735

استدركه سبط ابن العجمي، ونبه بنفسه في شرح الألفية على حذفها، ووجهة نظره في الحذف. فمن ذلك أن ابن الصلاح ذكر من أقسام تحمل الحديث «السماع من لفظ الشيخ» ونقل عن القاضي عياض قوله: لا خلاف أنه يجوز في هذا أن يقول السامع منه: حدثنا وأخبرنا وأنبأنا وسمعت فلانًا يقول، وقال لنا فلان وذكر لنا فلان. ثم عقب بقوله: قلت: في هذا نظر، وينبغي فيما شاع استعماله من هذه الألفاظ مخصوصًا بما سمع من غير لفظ الشيخ … أن لا يطلق فيما سمع من لفظ الشيخ، لما فيه من الإيهام والإلباس (١)، فلم ينظم العراقي في الألفية تعقب ابن الصلاح هذا لما حكاه القاضي من الإجماع على الجواز، وقال في شرحه: «ولم أذكر هذا في النظم، لأن القاضي (عياضًا) حكى الإجماع على جوازه، وهو متجه» (٢) فهذا صريح في أنه حذف رأي ابن الصلاح، لأنه لم يوافقه عليه، بل وافق ما حكاه القاضي عياض من الإجماع على جواز استعمال الألفاظ المذكورة عمومًا في السماع، ورجحه بقوله: «وهو متجه» أما «النووي» (٣) و «ابن كثير» (٤) فاكتفيا بحذف رأي ابن الصلاح، وإبقاء ما حكاه القاضي عياض دون توجيه لذلك، فزاد العراقي عنهما التوجيه، وهو أحسن.

стр. 736

نقد حذف العراقي لبعض المسائل: غير أني وجدت بالمقارنة التفصيلية بين الألفية وبين كتاب ابن الصلاح، عدة مسائل أخرى، أهمل العراقي نظمها، دون أن يذكر مبررًا لحذفها، وهي في نفس الوقت مهمة وموجزة، بحيث تتلاءم مع منهجه في الاختصار، فمن ذلك بيان طريقة التعرف على المرسل الخفي (١) وبيان أسباب الإختلاط وحكم المختلطين المحتج بهم في الصحيحين (٢)، وبيان ما يدرك به المتفق والمفترق (٣) وتعريف الطبقة من طبقات الرواة (٤)، فهذه المسائل الهامة وغيرها مما أحصيته مذكورة في كتاب ابن الصلاح، ومع ذلك لم ينظمها العراقي في الألفية ولم يذكر سببًا لحذفها كما فعل في غيرها مما تقدم مثاله وذلك مما ننتقده فيه. سادسًا: زيادات العراقي في الألفية، على كتاب ابن الصلاح وغيره: إذا كان العراقي لم ينظم بعض مضامين كتاب ابن الصلاح في الألفية على النحو الذي تقدم، فإنه قد أضاف إلى ما استبقاه زيادات علمية عديدة واهتم بإبرازها كعنصر أساسي من جهده العلمي وعمله المنهجي في الألفية فقال في مقدمتها:

стр. 737

«لخصت فيها ابن الصلاح أجمعه … وزدتها علما تراه موضعه» (١) وقد شارك العراقي في انتهاج الزيادة على كتاب ابن الصلاح غيره، ممن تناولوا الكتاب نظما أو نثرا، لكن العراقي كما سيظهر من المقارنة، قد يتفق أو يختلف عن الآخرين، في نوعية الزيادات ومواضعها وكميتها، تبعا لآرائه الخاصة في علم المصطلح ومبلغ علمه فيه. التقسيم الشكلي لزيادات العراقي وحصر مواضعها: وقد قسم العراقي زياداته من حيث الشكل الذي وردت به في الألفية إلى ثلاثة أقسام: أحدها: ميزه بكلمة (قلت) في أوله، مثل قوله في مبحث «التدليس»: « .................................... … قلت: وشرها أخو التسوية» (٢) وقد أحصيت مواضع هذا النوع فوجدتها ٢٦ موضعا في جميع الألفية وهذا يناقض قول العراقي في شرحه: إنه ميز أكثر الزيادات بكلمة (قلت) هذه (٣)، لأن باقي الزيادات الأخرى أكثر من ذلك بكثير، كما سأذكره بعد. وثانيها: ما اعتبره متميزا بنفسه عند من له معرفة بالفن، وذلك لكونه محكيا عن أحد المتأخرين عن ابن الصلاح، كالإمام النووي وابن دقيق العيد، أو لكونه تعقيبا عليهم، أو على ابن الصلاح، وقد أحصيت مواضع هذه الزيادة في كل الألفية فبلغ أهمها ١٤ موضعا.

стр. 738

وثالثها: ما لم يميزه بكلمة «قلت» وليس مما تميز بنفسه، وقد قال في أول شرحه: إن ذلك وقع في مواضع يسيرة رأيت أن أجمعها لتعرف، وسرد منها ١٤ موضعًا (١)، لكنه في الحقيقة لم يستوعبها، بل جمع ما نشط له حين كتابة مقدمة الشرح، وترك عددًا مساويًا لما ذكر تقريبًا، اعتمادًا على التنبيه على ذلك خلال الشرح، في مواضعه (٢). وقد تتبعت أهمه في تضاعيف الشرح فوجدته في ١٣ موضعًا، وبذلك يكون مجموع المواضع التي وردت فيها أهم زيادات العراقي على كتاب ابن الصلاح يبلغ ٦٦ موضعًا. أنواع زيادات العراقي: وقد بحثت ما زاده في تلك المواضع تفصيليًا فتبين لي أن مضمونه العلمي يتنوع إلى الآتي: أ - زيادته على ما ذكره ابن الصلاح أو غيره في الموضوع: ذلك أن هناك موضوعات رأى العراقي أن ابن الصلاح وغيره تركوا جوانب أو نقاطًا هامة منها، فأضافها هو في الألفية تتميمًا للفائدة معتمدًا على بحثه واطلاعه الواسعين، وعلى فهمه واستنباطه ومشاهداته بحيث وصل حلقة علم المصطلح وتطبيقه بين عصره وعصر ابن الصلاح وما قبله. ب - تقسيمه الحديث العزيز إلى صحيح وغيره: فمن أمثلة ذلك أن ابن الصلاح ذكر انقسام كل من الحديث المشهور والغريب إلى صحيح وغير صحيح (٣) ولم يقسم الحديث العزيز إلى ذلك، وتبعه على هذا الخوبي في

стр. 739

منظومته (١) وكذا غيره حتى عصر العراقي (٢). أما العراقي فقد جمع الغريب والعزيز والمشهور في مبحث واحد كما قدمنا، وبعد تعريفهم قال: «. . . . . . . . . . . . … . . . . . . . وكل قد رأوا منه الصحيح والضعيف … . . . . . . . .» (٣). ثم قال في شرحه: «إن وصف الحديث بكونه مشهورًا أو غريبًا أو عزيزا لا ينافي الصحة ولا الضعف، بل قد يكون مشهورًا صحيحًا، أو مشهورًا ضعيفًا، أو غريبًا صحيحًا، أو غريبًا ضعيفًا، أو عزيزا صحيحًا، أو عزيزا ضعيفًا». ثم نبه على ما زاده في هذا فقال: «ولم يذكر ابن الصلاح كون العزيز يكون منه الصحيح والضعيف، بل ذكر ذلك في المشهور والغريب فقط» (٤). ويعتبر بيان العراقي لانقسام الحديث العزيز إلى صحيح وغير صحيح، من استنتاجه الخاص الذي أثبته بالبحث والمطالعة في مصادر السنة المختلفة وبذكره له في الألفية يندفع ما يتبادر إلى الذهن عند الرجوع إلى كتاب ابن الصلاح، أو من تبعه، أن كون الحديث عزيزا قد ينافي الصحة أو الحسن أو

стр. 740

الضعف، وقد تبعه على ذلك السيوطي في ألفيته (١). زياداته في مراتب التعديل والتجريح، وألفاظهما: ومن زياداته الهامة أيضا، أن ابن الصلاح قسم مراتب ألفاظ التعديل والتجريح للرواة إلى أربع مراتب، تبعا لابن أبي حاتم الرازي، مع زيادة بعض ألفاظ من مصادر أخرى، ثم ذكر عدة ألفاظ لم يبين ابن أبي حاتم ولا غيره مراتبها (٢)، وقد تبع ابن الصلاح على هذا كثيرون من بعده (٣). فلما كان عصر العراقي، زاد الحافظ الذهبي في مراتب التعديل والتجريح مرتبة خامسة، وزاد في ألفاظها عدة ألفاظ (٤)، فضم العراقي في الألفية إلى ما ذكره ابن الصلاح زيادات الذهبي، وبين مراتب الألفاظ التي لم يبينها ابن أبي حاتم ولا ابن الصلاح، وأضاف ألفاظا أخرى مما أوقفه عليه البحث والاطلاع وقد أشار إلى ذلك بقوله: والجرح والتعديل قد هذبه … ابن أبي حاتم إذ رتبه والشيخ زاد فيهما وزدت … ما في كلام أهله وجدت (٥) ومن ذلك يتضح أنه قد ضم جهود من تقدموه إلى بعضها، مضيفا إليها جهده، ليتكامل بناء هذا النوع العام من علم المصطلح، وتتحدد أقسامه
следующие страницы →