← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 30167

الحافظ العراقي وأثره في السنة

أحمد بن معبد عبد الكريم

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

نقد حذف العراقي لبعض المسائل: غير أني وجدت بالمقارنة التفصيلية بين الألفية وبين كتاب ابن الصلاح، عدة مسائل أخرى، أهمل العراقي نظمها، دون أن يذكر مبررًا لحذفها، وهي في نفس الوقت مهمة وموجزة، بحيث تتلاءم مع منهجه في الاختصار، فمن ذلك بيان طريقة التعرف على المرسل الخفي (١) وبيان أسباب الإختلاط وحكم المختلطين المحتج بهم في الصحيحين (٢)، وبيان ما يدرك به المتفق والمفترق (٣) وتعريف الطبقة من طبقات الرواة (٤)، فهذه المسائل الهامة وغيرها مما أحصيته مذكورة في كتاب ابن الصلاح، ومع ذلك لم ينظمها العراقي في الألفية ولم يذكر سببًا لحذفها كما فعل في غيرها مما تقدم مثاله وذلك مما ننتقده فيه. سادسًا: زيادات العراقي في الألفية، على كتاب ابن الصلاح وغيره: إذا كان العراقي لم ينظم بعض مضامين كتاب ابن الصلاح في الألفية على النحو الذي تقدم، فإنه قد أضاف إلى ما استبقاه زيادات علمية عديدة واهتم بإبرازها كعنصر أساسي من جهده العلمي وعمله المنهجي في الألفية فقال في مقدمتها:

стр. 737

«لخصت فيها ابن الصلاح أجمعه … وزدتها علما تراه موضعه» (١) وقد شارك العراقي في انتهاج الزيادة على كتاب ابن الصلاح غيره، ممن تناولوا الكتاب نظما أو نثرا، لكن العراقي كما سيظهر من المقارنة، قد يتفق أو يختلف عن الآخرين، في نوعية الزيادات ومواضعها وكميتها، تبعا لآرائه الخاصة في علم المصطلح ومبلغ علمه فيه. التقسيم الشكلي لزيادات العراقي وحصر مواضعها: وقد قسم العراقي زياداته من حيث الشكل الذي وردت به في الألفية إلى ثلاثة أقسام: أحدها: ميزه بكلمة (قلت) في أوله، مثل قوله في مبحث «التدليس»: « .................................... … قلت: وشرها أخو التسوية» (٢) وقد أحصيت مواضع هذا النوع فوجدتها ٢٦ موضعا في جميع الألفية وهذا يناقض قول العراقي في شرحه: إنه ميز أكثر الزيادات بكلمة (قلت) هذه (٣)، لأن باقي الزيادات الأخرى أكثر من ذلك بكثير، كما سأذكره بعد. وثانيها: ما اعتبره متميزا بنفسه عند من له معرفة بالفن، وذلك لكونه محكيا عن أحد المتأخرين عن ابن الصلاح، كالإمام النووي وابن دقيق العيد، أو لكونه تعقيبا عليهم، أو على ابن الصلاح، وقد أحصيت مواضع هذه الزيادة في كل الألفية فبلغ أهمها ١٤ موضعا.

стр. 738

وثالثها: ما لم يميزه بكلمة «قلت» وليس مما تميز بنفسه، وقد قال في أول شرحه: إن ذلك وقع في مواضع يسيرة رأيت أن أجمعها لتعرف، وسرد منها ١٤ موضعًا (١)، لكنه في الحقيقة لم يستوعبها، بل جمع ما نشط له حين كتابة مقدمة الشرح، وترك عددًا مساويًا لما ذكر تقريبًا، اعتمادًا على التنبيه على ذلك خلال الشرح، في مواضعه (٢). وقد تتبعت أهمه في تضاعيف الشرح فوجدته في ١٣ موضعًا، وبذلك يكون مجموع المواضع التي وردت فيها أهم زيادات العراقي على كتاب ابن الصلاح يبلغ ٦٦ موضعًا. أنواع زيادات العراقي: وقد بحثت ما زاده في تلك المواضع تفصيليًا فتبين لي أن مضمونه العلمي يتنوع إلى الآتي: أ - زيادته على ما ذكره ابن الصلاح أو غيره في الموضوع: ذلك أن هناك موضوعات رأى العراقي أن ابن الصلاح وغيره تركوا جوانب أو نقاطًا هامة منها، فأضافها هو في الألفية تتميمًا للفائدة معتمدًا على بحثه واطلاعه الواسعين، وعلى فهمه واستنباطه ومشاهداته بحيث وصل حلقة علم المصطلح وتطبيقه بين عصره وعصر ابن الصلاح وما قبله. ب - تقسيمه الحديث العزيز إلى صحيح وغيره: فمن أمثلة ذلك أن ابن الصلاح ذكر انقسام كل من الحديث المشهور والغريب إلى صحيح وغير صحيح (٣) ولم يقسم الحديث العزيز إلى ذلك، وتبعه على هذا الخوبي في

стр. 739

منظومته (١) وكذا غيره حتى عصر العراقي (٢). أما العراقي فقد جمع الغريب والعزيز والمشهور في مبحث واحد كما قدمنا، وبعد تعريفهم قال: «. . . . . . . . . . . . … . . . . . . . وكل قد رأوا منه الصحيح والضعيف … . . . . . . . .» (٣). ثم قال في شرحه: «إن وصف الحديث بكونه مشهورًا أو غريبًا أو عزيزا لا ينافي الصحة ولا الضعف، بل قد يكون مشهورًا صحيحًا، أو مشهورًا ضعيفًا، أو غريبًا صحيحًا، أو غريبًا ضعيفًا، أو عزيزا صحيحًا، أو عزيزا ضعيفًا». ثم نبه على ما زاده في هذا فقال: «ولم يذكر ابن الصلاح كون العزيز يكون منه الصحيح والضعيف، بل ذكر ذلك في المشهور والغريب فقط» (٤). ويعتبر بيان العراقي لانقسام الحديث العزيز إلى صحيح وغير صحيح، من استنتاجه الخاص الذي أثبته بالبحث والمطالعة في مصادر السنة المختلفة وبذكره له في الألفية يندفع ما يتبادر إلى الذهن عند الرجوع إلى كتاب ابن الصلاح، أو من تبعه، أن كون الحديث عزيزا قد ينافي الصحة أو الحسن أو

стр. 740

الضعف، وقد تبعه على ذلك السيوطي في ألفيته (١). زياداته في مراتب التعديل والتجريح، وألفاظهما: ومن زياداته الهامة أيضا، أن ابن الصلاح قسم مراتب ألفاظ التعديل والتجريح للرواة إلى أربع مراتب، تبعا لابن أبي حاتم الرازي، مع زيادة بعض ألفاظ من مصادر أخرى، ثم ذكر عدة ألفاظ لم يبين ابن أبي حاتم ولا غيره مراتبها (٢)، وقد تبع ابن الصلاح على هذا كثيرون من بعده (٣). فلما كان عصر العراقي، زاد الحافظ الذهبي في مراتب التعديل والتجريح مرتبة خامسة، وزاد في ألفاظها عدة ألفاظ (٤)، فضم العراقي في الألفية إلى ما ذكره ابن الصلاح زيادات الذهبي، وبين مراتب الألفاظ التي لم يبينها ابن أبي حاتم ولا ابن الصلاح، وأضاف ألفاظا أخرى مما أوقفه عليه البحث والاطلاع وقد أشار إلى ذلك بقوله: والجرح والتعديل قد هذبه … ابن أبي حاتم إذ رتبه والشيخ زاد فيهما وزدت … ما في كلام أهله وجدت (٥) ومن ذلك يتضح أنه قد ضم جهود من تقدموه إلى بعضها، مضيفا إليها جهده، ليتكامل بناء هذا النوع العام من علم المصطلح، وتتحدد أقسامه

стр. 741

ومفاهيمه. وبيان ذلك، أن ابن أبي حاتم وابن الصلاح جعلا المرتبة الأولى من مراتب ألفاظ التعديل هي وصف الراوي بأنه: ثقة أو متقن أو ثبت أو حجة أو عدل ضابط، أو عدل حافظ (١)، فجعل الذهبي والعراقي تبعا له، هذه المرتبة ثانية، وجعلا تكرير ألفاظها المذكورة، مرتبة أولى وبذلك صارت مراتب التعديل خمسا بزيادة هذه المرتبة على ما ذكرهم ابن الصلاح، وقد بدأ بها العراقي قائلا: فأرفع التعديل ما كررته … كثقة ثبت ولو أعدته (٢) وقال في شرحه: مراتب التعديل على أربع أو خمس طبقات: فالمرتبة الأولى، العليا من ألفاظ التعديل، ولم يذكرها ابن أبي حاتم، ولا ابن الصلاح فيما زاده عليه، وهي إذا كرر لفظ التوثيق المذكور في هذه المرتبة الأولى، إما مع تباين اللفظين كقولهم: ثبت حجة .. أو نحو ذلك، وإما مع إعادة اللفظ الأول، كقولهم: ثقة ثقة، ونحوه .. فهذه المرتبة أعلا العبارات في الرواة المقبولين، كما قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي في مقدمة كتابه «ميزان الاعتدال» (٣). ثم نظم العراقي باقي مراتب التعديل وألفاظها فقال: «ثم يليه ثقة أو ثبت أو متقن أو … حجة أو إذا عزوا الحفظ، أو ضبطا لعدل، ويلي … ليس به بأس أو صدوق، وصل بذاك مأمونا خيارا، وتلا … محله الصدق، رووا عنه، إلى الصدق ما هو، كذا شيخ وسط … أو وسط فحسب، أو شيخ فقط

стр. 742

وصالح الحديث أو مقاربه … جيده، حسنه، مقاربه صويلح صدوق إن شاء الله … أرجو بأن ليس به بأس عراه» (١) وبالتأمل والمقارنة لما ذكر بما عند ابن الصلاح والذهبي، نجد أن العراقي قد استوعب ما ذكراه، مع زيادة بعض الألفاظ التي أوقفه عليها البحث في المصادر الأخرى، واضعا كلا منها في مرتبته، ثم أخر لفظ «محله الصدق» عن المرتبة التي وضعه فيها ابن أبي حاتم وابن الصلاح، وهي المرتبة الثانية عندهما، إلى المرتبة الثالثة عندهما، أو الرابعة عند الذهبي، ولهذا التأخير وجاهته؛ لأن الدرجة التي وضعه فيها ابن أبي حاتم وابن الصلاح، من ألفاظها «صدوق» الدالة على المبالغة في الوصف بالصدق، بينما «محله الصدق» تدل على مجرد الوصف بالصدق، فكيف يسوي بينهما في المرتبة؟ (٢) كذلك نجد العراقي قد وضع ما ذكره ابن الصلاح من ألفاظ التوثيق بدون بيان مرتبته في المرتبة الرابعة عند ابن أبي حاتم أو الخامسة عند الذهبي، وتلك الألفاظ هي: فلان قد روي عنه الناس، أو فلان وسط أو مقارب الحديث أو ما أعلم به بأسا (٣). وقد اهتم العراقي بتحديد زياداته فقال في شرحه: «وأما تمييز الألفاظ التي زدتها على كتاب ابن الصلاح فهي: المرتبة الأولى بكمالها، وفي المرتبة الثالثة: قولهم: مأمون، خيار، وفي المرتبة الرابعة: قولهم: فلان إلى الصدق ما هو وشيخ وسط، و شيخ، و جيد الحديث و حسن الحديث، وصالح الحديث

стр. 743

وصويلح و صدوق إن شاء الله، وأرجو أنه لا بأس به، وهي نظير «ما أعلم به بأسا»، أو الأولى أرفع؛ لأنه لا يلزم من عدم العلم حصول الرجاء بذلك (١). وبمقارنة هذه الألفاظ بما ذكره الذهبي، يظهر أن العراقي زاد عليه أربعة ألفاظ هي: خيار، ومأمون، وإلى الصدق ما هو، وأرجو أنه لا بأس به (٢). كما يلاحظ أن قوله: «خيار، ومأمون»، قد ذكرهما ابن الصلاح عن عبد الرحمن بن مهدي، لكنه لم يحدد مرتبتهما، فحددها العراقي بالثالثة كما رأيت، ولهذا عدهما من زياداته باعتبار تحديده لمرتبتهما. وقد تبع العراقي على ما زاده في مراتب التعديل وألفاظه من جاء بعده حتى الآن، مع الاقتصار أو الزيادة، كتلميذه الحافظ ابن حجر العسقلاني (٣) والسيوطي في ألفيته (٤) والإمام اللكنوي (٥)، وذلك دليل واضح على سلامة منهجه في وضع قواعد التعديل، وعلى عمق تأثيره فيمن بعده. وأما مراتب التجريح، فقد رتب ابن أبي حاتم وابن الصلاح ألفاظهما في أربع مراتب، ابتداء من أدناها وهو الأخف، إلى أعلاها وهو الأسوأ (٦)، وجرى على هذا من بعد ابن الصلاح كثيرون، حتى عصر العراقي (٧)، وفيه رتبها.

стр. 744

الحافظ الذهبي بعكس هذا، فجعلها من الأغلا إلى الأدنى، وزاد مرتبة خامسة بألفاظها، وجعلها أعلا من الأربعة كما فعل في مراتب التعديل وفرق أيضا في المراتب بين بعض الألفاظ التي جمعها ابن أبي حاتم وغيره في مرتبة واحدة، كما زاد ألفاظا أخرى (١) وقد تبعه العراقي على كل هذا، فأضافه في الألفية إلى ما ذكره ابن الصلاح، مع بعض زيادات من جانبه، وبدأ بالمرتبة الأولى فقال: «وأسوأ التجريح كذاب يضع … يكذب، وضاع ودجال، وضع» ثم أتبعه بذكر المراتب الأربعة الأخرى، مستوعبا ألفاظها المذكورة عند ابن الصلاح والذهبي، وما لم يبين ابن أبي حاتم ولا ابن الصلاح مرتبته من الألفاظ، وضعه هو في المرتبة المناسبة (٢) كما زاد ألفاظا كثيرة، واضعا لها فيما يناسبها من المراتب، وبين ذلك في شرحه فقال: «وأما تمييز ما زدته من ألفاظ الجرح على ابن الصلاح فهي .. » وساق واحدا وثلاثين لفظا، ثم عقب عليها بقوله: «فهذه الألفاظ لم يذكرها ابن أبي حاتم ولا ابن الصلاح، وهي موجودة في كلام أئمة هذا الشأن» (٣). وبذلك بين العراقي جهده، وميزة ألفيته عن غيرها. فميزة ألفيته أنها اشتملت على تلك الألفاظ العديدة بالإضافة لما جمعه من

стр. 745

قبله ابن الصلاح، في كتابه، كما أننا حين نقارن الألفاظ الواحد والثلاثين التي زادها على ابن الصلاح، بما ذكره الذهبي في مقدمة الميزان (١)، نجد أن العراقي قد زاد عنه ثلاثة عشر لفظا هي كالآتي: فلان وضع، ولا يعتبر به، ورد حديثه، وطرحوا حديثه، وارم به، ولا يساوي شيئا، وواه، وليس بالمتين، وليس بعمدة، وليس بالمرضي، وللضعف ما هو، وطعنوا فيه (٢). وأما جهد العراقي فيتمثل في جمع شتات هذه الألفاظ من مصادرها ووضع كل منها في المرتبة المناسبة له، بحسب ما ظهر له، وقد كان هذا هو عمل المتأخرين من علماء الجرح والتعديل، وعلى أساسه تفاوتت جهودهم. وقد تابع العراقي على ما قرره في ألفيته من مراتب التجريح وما زاده فيها من ألفاظ اصطلاحية من جاء بعده حتى الآن، مع الاقتصار أو الزيادة، كالسيوطي في (ألفيته) (٣) و (تدريبه) (٤) واللكنوي في (الرفع والتكميل) (٥). وبذلك اعتبر العراقي من أئمة الجرح والتعديل المرجوع إلى قولهم فيه (٦). إثباته صحة الإجازة للكافر استنباطا: وإذا كان من زيادات العراقي ما جمعه من مؤلفات سابقيه من علماء السنة وأعاد ترتيبه بخبرته وفهمه، كما رأيناه فإن من الزيادات ما لم يجد فيه نصا

стр. 746

ولا عملا للسابقين، فاستنبطه من عمل العلماء في عصره، وضمه إلى رصيد علم المصطلح. ومن ذلك أنه في مبحث النوع السابع من أنواع «تحمل الحديث» تناول حكم الإجازة للطفل والكافر فقال: «والسابع الإذن لغير أهل … للأخذ عنه، كافر أو طفل غير مميز، وذا الأخير … رأي أبو الطيب والجمهور ولم أجد في كافر نقلا بلى … بحضرة المزي تترى فعلا» (١) ثم ذكر في الشرح أن ابن الصلاح ذكر جواز الإجازة للصبي المميز عند الجمهور، كما هو في النظم، ثم قال: «وزدت عليه في النظم: الإجازة للكافر» (٢)، وبعد ذكر كلام ابن الصلاح عن إجازة الصبي قال: «وأما الإجازة للكافر فلم أجد فيها نقلا .. ولم أجد عن أحد من المتقدمين والمتأخرين الإجازة للكافر»، ثم بين مستنده فقال: «إلا أن شخصا من الأطباء بدمشق ممن رأيته بدمشق ولم أسمع عليه، يقال له محمد بن عبد السيد الديان، سمع الحديث في حال يهوديته على أبي عبد الله محمد بن عبد المؤمن الصوري وكتب اسمه في طبقة السماع مع السامعين، وأجاز ابن عبد المؤمن لمن سمع وهو من جملتهم، وكان السماع والإجازة بحضور الحافظ أبي الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المزي، وبعض السماع بقراءته، وذلك في غير ما جزء، منها جزء ابن عترة»، ثم عقب العراقي على ذلك قائلا: «فلولا أن المزي يرى جواز ذلك، ما أقرَّ عليه»، وأتبع ذلك بقوله: «ثم هدى الله ابن

стр. 747

عبد السيد المذكور للإسلام، وحدث، وسمع منه أصحابنا (١). وبذلك ترى أن العراقي استنبط جواز الإجازة برواية الحديث للكافر حال كفره، شريطة أن يؤدي بعد إسلامه، من هذه الوقائع العملية التي عاصرها بنفسه، أما قرينه ابن الملقن فقد وجدته استنبط ذلك بالقياس، حيث إن العلماء أجازوا سماع الكافر للحديث حال كفره، وإن كان لا يحل له الأداء إلا إذا أسلم، فقاس ابن الملقن صحة الإجازة له على صحة سماعه، فقال: «وقياس سماع الكافر حال كفره، صحة الإجازة له (٢)». فلعل ابن الملقن لم يطلع على الوقائع السابقة التي اعتمد عليها العراقي ولا شك أن الدليل العملي أقوى من القياس النظري، فتميزت ألفية العراقي بتسجيل هذه الوقائع العملية وأشباهها، واستنباط بعض قواعد علوم السنة منها أو تأييدها بها. ثم تبع العراقي على ذلك السيوطي في ألفيته (٣). ٢ - ما زاده العراقي في الألفية بديلا عما حذفه: قدمنا من قبل أن العراقي حذف بعض مضامين كتاب ابن الصلاح لكونه رأى عدم صلاحيتها في موضوعها، ونضيف هنا أنه جعل بعض زياداته في الألفية بديلا عما حذفه، ومثال ذلك: أن ابن الصلاح في نوع «الحديث المنكر» مثل الفرد المخالف للثقات، بحديث مالك عن الزهري عن علي بن

стр. 748

حسين عن عمر بن عثمان عن أسامة بن زيد عن رسول الله ﷺ قال: «لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم». وقال: «فخالف مالك غيره، في عمرو ابن عثمان - بضم العين»، ونقل ابن الصلاح عن الإمام مسلم أن كل من رواه من أصحاب الزهري قال «فيه: عمرو بن عثمان يعني - بفتح العين»، وذكر أن مسلما وغيره حكموا على مالك بالوهم فيه» (١). لكن العراقي عارض ابن الصلاح في التمثيل بهذا الحديث، فلم يذكره في النظم وذكر حديثا آخر بديلا عنه مع الإشارة للرد على ابن الصلاح حيث قال: « ................................ … ومالك سمى ابن عثمان عمر قلت فماذا، بل حديث نزعه … خاتمه عند الخلاء ووضعه» (٢) ثم قال في شرحه، بعد ذكر حديث الإمام مالك المتقدم: «هكذا مثل ابن الصلاح بهذا المثال، وفيه نظر من حيث إن هذا الحديث ليس بمنكر، ولم يطلق عليه أحد اسم النكارة فيما رأيت، والمتن ليس بمنكر، وغايته أن يكون السند منكرا أو شاذا؛ لمخالفة الثقات لمالك في ذلك، ولا يلزم من شذوذ السند ونكارته، وجود ذلك الوصف في المتن … وإلى هذا الإشارة بقولي: قلت: فماذا؟ أي وإذا قال مالك عمر بن عثمان، فماذا يلزم منه من نكارة المتن؟ وأتبع ذلك بقوله: ثم أشرت إلى مثال صحيح لأحد قسمي المنكر بقولي: (بل حديث نزعه) إلى آخره، أي بل هذا الحديث مثال لهذا القسم

стр. 749

مِنْ المُنكر وهو ما رواه أصحاب السنن الأربعة من رواية همّام بن يحيى عن ابن جريج عن الزهري عن أنس قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل الخلاء وضع خاتمه، قال أبو داود بعد تخريجه: هذا حديث مُنكر … ، وكذا قال النسائي إنه غير محفوظ (١). وبالتأمل يظهر لنا أن العراقي رد المثال الذي ذكره ابن الصلاح، معتمدًا على فهمه لقواعد علوم السنة وتطبيقها، وعلى الدليل المستمد من كتب السنة كما يظهر أيضًا أن المثال البديل الذي ذكره، قد استخرجه بالبحث المباشر في عدة مصادر أصيلة، وهذا مما يدل على جهده العلمي المبذول من خلال الألفية في معالجة نقاط الضعف والخطأ في كتاب ابن الصلاح خصوصًا، وفي استكمال مباحث علوم السنة عمومًا. ثم إني وجدت ابن الملقن قد عارض وصف أبا داود الحديث «نزع الخاتم» بالنكارة فقال: «إن فيه نظرًا» (٢) وذكر السخاوي نحو هذا أيضًا (٣). وقد كان العراقي يعلم ذلك، ولكنه قرر أن رأي أبي داود أولى بالصواب وأنه اشتهر تفرد همّام بالحديث عن ابن جريج (٤). ولعل مما يؤيده قول النسائي أيضًا بأنه غير محفوظ كما تقدم. وبذلك يعد تمثيله بالحديث في الألفية ترجيحا منه لرأي أبي داؤد على غيره.

стр. 750

وَقَدْ أقَرَّهُ عَلَى هَذَا السُّيُوطِيُّ مِنْ بَعْدِهِ (١). ٣ - زيادات العراقي الانتقادية: خصص العراقي عددًا من زياداته في الألفية لتصفية آراء المتقدمين عليه من علماء السنة، سواء ابن الصلاح أو غيره، فتناول بالنقد المنصف عددًا من آرائهم. نقده لابن الصلاح: يعد ابن الصلاح أكثر من اعتنى العراقي في الألفية بنقد آرائه وغربلتها، باعتبار أن كتابه هو مصدر الألفية الأساسي كما قدمنا. ومن أمثلة ذلك أن ابن الصلاح ذكر في (نوع الحديث الصحيح) أن الأحاديث الصحيحة الزائدة على ما في كتابي البخاري ومسلم، تؤخذ بما اشتمل عليه أحد المصنفات المعتمدة المشهورة لأئمة الحديث، منصوصًا على صحته فيها، أو يكون موجودًا في كتب من اشترط منهم الصحة فيما جمعه ككتاب ابن خزيمة وغيره (٢). وقد تبع ابن الصلاح على هذا تلميذه الخوبي في منظومته، فقال: «ويوجد الزائد فيما اعتمدا … من التصانيف إذا ما وجدا فيها قضاؤهم لها بالصحة … فليس في صحتها مِنْ قَدْحَة» (٣) وتبعه أيضاً الإمام النووي في تقريبه (٤).

стр. 751

أما العراقي فقال: «وخذ زيادة الصحيح إذ تنص … صحته أو من مصنف يخص من يجمعه نحو ابن حبان الزكي … وابن خزيمة وكالمستدرك» (١). ويلاحظ أنه لم يقيد أخذ الصحيح بالمصنفات المعتمدة كما قيد ابن الصلاح وبين في شرحه أنه قصد بذلك رد رأي ابن الصلاح في هذا التقييد، فقال بعد ذكر كلامه: «كذا قيده ابن الصلاح بمصنفاتهم، ولم أقيده، بل إذا صح الطريق إليهم أنهم صححوه ولو في غير مصنفاتهم، أو صححه من لم يشتهر له تصنيف من الأئمة، كيحيى بن سعيد القطان، وابن معين ونحوهما فالحكم كذلك على الصواب» (٢). والواقع أن في تقييد ابن الصلاح تضييق بدون موجب، لدائرة مصادر أهم أنواع الحديث وهو الحديث الصحيح، ولهذا فإن العراقي مصيب في انتقاده ورده عليه في محله. وقد التقى معه في هذا سراج الدين ابن الملقن حيث علق على كلام ابن الصلاح السابق بقوله: «قيد المصنف بمصنفاتهم، ولا يحتاج إليه، فإطلاقه أولى (٣)، ومشى على ذلك أيضا السيوطي في ألفيته» (٤). نقده للإمام الترمذي: ومن زيادات العراقي الانتقادية ما وجهه لمن تقدم على ابن الصلاح، كالإمام

стр. 752

الترمذي، وذلك أن ابن الصلاح في نوع الحديث المعلل قال: «وسَمَّى الترمذي النَّسْخَ عِلَّة» ولم يعلق على ذلك بشيء (١). وهكذا فعل النووي من بعده (٢)، بينما حذف الحافظ ابن كثير في اختصاره لكتاب ابن الصلاح هذه النقطة كلية (٣). أما العراقي فنظم قول الترمذي مع زيادة الرد عليه من جانبه. فقال: «والنسخ سمَّى الترمذي عِلَّة فإن يرد في عمل فاجنح له» (٤) وقال في شرحه: أي وسمى الترمذي النسخ علة من علل الحديث وقولي: «فإن يرد … » هو من الزوائد على ابن الصلاح، أي فإن أراد الترمذي أنه علة في العمل بالحديث، فهو كلام صحيح، فاجنح له أي: مِلْ إلى كلامه وإن يرد أنه علة في صحة نقله فلا؛ لأن في الصحيح أحاديث كثيرة منسوخة (٥). وبهذا أيد العراقي نقده بالدليل المقنع. وقد وافقه في هذا قرينه ابن الملقن فذكر قول الترمذي وعقب عليه بأنه لعل مراده كون النسخ علة لترك العمل بالمنسوخ (٦)، كما تابعه عليه السيوطي في ألفيته (٧).

стр. 753

نقده للإمام النووي: ومن زياداته: ما رد به على من تأخر عن ابن الصلاح كالإمام النووي، فمن ذلك أن ابن الصلاح نقل عن الحافظ أبي عبد الله بن الأخرم قوله: قل ما يفوت البخاري ومسلما مما يثبت من الحديث، وعقب عليه بقوله: يعني في كتابيهما، ثم رد عليه بأمرين: أحدهما: أن الحاكم قد استدرك عليهما في كتابه المعروف بالمستدرك على الصحيحين أحاديث كثيرة، صحيحة. وثانيهما: أن البخاري نفسه قال: «أحفظ مائة ألف حديث» بينما جملة ما في كتابه أقل كثيرا، حيث يبلغ ٧٢٧٥ حديثا بالمكرر (١). فذكر الإمام النووي قول ابن الأخرم مع الإشارة لرد ابن الصلاح عليه فقال: قيل ولم يفتهما إلا القليل، وأنكر هذا، ثم أتبع ذلك بقوله: والصواب أنه لم يفت الأصول الخمسة إلا اليسير، أعني الصحيحين وسنن أبي داود والترمذي والنسائي (٢). وقد تبعه على هذا الخويي في منظومته فقال: «ولم يفتهما سوى القليل … من الصحيح الثابت المنقول في قول بعضهم، ولم يصوب … بل الصواب أن خَمْسَ الكتب ما فاتها من الصحيح إلا شيء يسر عده قد قلا» (٣)

стр. 754

أما العراقي فذكر تصويب النووي المذكور وضعفه فقال: « … لكن قال يحيى البر … لم يفت الخمسة إلا النزر وفيه ما فيه لقول الجعفي … أحفظ منه عشر ألف ألف» (١) وقال في شرحه: «ويحيى هو الشيخ محيي الدين النووي»، وقال في: «التقريب والتيسير»: «والصواب أنه لم يفت الأصول الخمسة إلا اليسير … » ثم قال: «وفيه ما فيه» أي في كلام النووي ما فيه، لقول الجعفي وهو البخاري أحفظ مائة ألف حديث صحيح (٢). وقد ذكر البقاعي (٣) والسخاوي (٤) أن قول العراقي «فيه ما فيه» كناية عن ضعف ما تعقبه، وهو رأي النووي المشار إليه، واستعماله الكناية في النقد من دلائل عفته فيه، كما أنه التزم بأصول النقد، حيث قرن تضعيفه لرأي النووي بالدليل الكافي؛ لأن عدد أحاديث الكتب الخمسة مجتمعة، أقل مما صرح البخاري وحده بأنه يحفظه من الأحاديث الصحيحة، فضلا عن أصحاب الكتب الأربعة الأخرى، وهم: الإمام مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي (٥). ومع هذا فقد حاول السيوطي تصحيح رأي النووي. وذلك بحمل قول البخاري: «أحفظ مائة ألف» على أنه أدخل في هذا العدد الأحاديث المكررة والموقوفة على الصحابة أو التابعين، ثم قال: «وبهذا الاعتبار، يرجع المرفوع.

стр. 755

من المائة ألف، السالم من التكرار، إلى ما في الكتب الخمسة، وزيادة يسيرة توجد في المسانيد فصح كلام النووي (١) ومشى على هذا في ألفيته مخالفا لرأي العراقي (٢). وبالنظرة المتأنية نجد أن حمل كلام البخاري على ما ذكر السيوطي لا ينهض دليلا لصحة رأي النووي، فقد ذكره العراقي عقب استدلاله بظاهر قول البخاري «أحفظ مائة ألف» فقال: «وعله أراد بالتكرار … لها، وموقوف … .. » (٣) فلو كان يرى هذا كافيا في تصحيح رأي النووي، لما قدم عليه القول بتضعيفه، ثم إننا لو قبلنا هذا المحمل لكلام البخاري، يبقى علينا أصحاب الكتب الأربعة الأخرى، فمن المقرر أن كلا منهم لم يستوعب في كتابه أكثر ما صح لديه، خشية التطويل باعتراف السيوطي نفسه (٤)، كما أن هناك من ألف في الصحيح غيرهم، ووجد عنده كثير مما ليس عندهم، كابن خزيمة وابن حبان وغيرهما، وأكثر من هذا، أن السيوطي نفسه نقل عن الحافظ ابن حجر أنه قال: «قول النووي: لم يفت الخمسة إلا القليل، مراده من أحاديث الأحكام خاصة، أما غير الأحكام فليس بقليل» (٥)، وبهذا يترجح تضعيف العراقي لرأي النووي.

стр. 756

٤ - ما انتقد على العراقي من زياداته: من واجب الباحث المنصف أن يقدم الشخصية التي يدرسها بما لها وما عليها ما استطاع؛ ولهذا فإني أقرر أنه: «إذا كان العراقي في زياداته على ابن الصلاح كما أوضحت قد ثَرَّى علم المصطلح بإضافات علمية، وتحقيقات دقيقة وآراء صائبة، فإن من زياداته ما هو منتقد فيه، وإن قل». فمن ذلك: أن ابن الصلاح ذكر أن من أراد العمل أو الإحتجاج بحديث وهو ممن يسوغ له ذلك، فسبيله أن يرجع إلى أصل من أصول كتب الحديث المعتمدة، يكون مقابلاً بأصول صحيحة (١)، فأضاف العراقي في الألفية إلى ذلك قوله: "قلت: ولابن خير امتناع … جزم سوى مرويه إجماع" (٢) وقال في شرحه: «لما ذكر ابن الصلاح أن من أراد أخذ حديث من كتاب من الكتب المعتمدة، أخذه من كتاب مقابل، أحببت أن أذكر أن بعض الأئمة حكى الإجماع على أنه لا يحل الجزم بنقل الحديث، إلا لمن له به رواية وذلك هو الحافظ أبو بكر محمد بن خير بن عمر الأموي - بفتح الهمزة - الإشبيلي»، فقال في برنامجه المشهور: «فقد اتفق العلماء ﵏ على أنه لا يصح لمسلم أن يقول: «قال رسول الله ﷺ كذا، حتى يكون عنده ذلك القول مرويًا، ولو على أقل وجوه الروايات، لقوله ﷺ : «من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار» وفي بعض الروايات: «من كذب علي

стр. 757

مطلقا، دون تقييد» (١). وهكذا نجد العراقي ذكر في الألفية والشرح حكاية ابن خير لهذا الإجماع وأقره، كما نجد أنه فسره في الشرح بظاهره، وهو تحريم الجزم بنقل الحديث من الكتب المعتمدة لمن ليس له بها رواية. ولكن العلماء من قبل العراقي وفي عصره ومن بعده، قد ردوا على ابن خير حكاية الإجماع المذكور، بل نقلوا الإجماع على خلافه، وصرفوا كلامه عن ظاهره الذي فسره به العراقي، وأقر ابن خير عليه، وانتقد المتأخرون العراقي في ذلك، فقال البقاعي: «إن معنى كلام ابن خير مشكل جدا منطوقا ومفهوما، وقد نقله الشيخ (العراقي) ساكتا، فكأنه ارتضاه (٢) أما السيوطي فقد ذكر كلام العراقي في الألفية وشرحها كما تقدم»، ثم قال: «هكذا ذكره العراقي ولم يتعقبه»، وقد تعقبه الزركشي (٣) فقال: «الإجماع منعقد على جواز النقل من الكتب المعتمدة، ولا يشترط اتصال السند إلى مصنفيها وممن حكى ذلك الأستاذ أبو إسحق الإسفراييني، وهو شامل لكتب الحديث والفقه، وعمل الناس على ذلك»، ثم نقل الزركشي عن الشيخ عز الدين بن عبد السلام أن العلماء في عصره اتفقوا على جواز الاعتماد على الكتب الصحيحة الموثوق بها، والمشهورة في سائر العلوم؛ لأن الثقة قد حصلت بها كما تحصل بالرواية، وأن من اعتقد أن الناس اتفقوا على الخطأ فهو أولى بالخطأ منهم، … ثم قال الزركشي: «وأما ما ذكره ابن خير، فنقله الإجماع.

стр. 758

عجيب، وإنما حكى ذلك عن بعض المحدثين، ثم هو معارض بنقل ابن برهان إجماع الفقهاء على الجواز، وقد جزم به ابن الصلاح، وشدد النكير على قائل خلافه، وكذلك (الكيا الطبري) و (الغزالي) وغيرهما، وليس هذا الناقل (يعني ابن خير) مشهورا بالعلم مثل اشتهار هؤلاء الأئمة، وقد قال أبو الوليد الباجي في كتابه (الفصول): (روي عن الشافعي في الرسالة أنه يجوز أن يحدث بالخبر وإن لم يعلم أنه سمعه، فأي إجماع يبقى بعد ذلك؟). ثم ناقش الزركشي استدلال (ابن خير) على منع النقل بحديث (من كذب علي) فقال: «واستدلاله على المنع بالحديث المذكور، أعجب، إذ ليس في الحديث اشتراط ذلك، وإنما فيه تحريم الجزم بنسبة الحديث إلى النبي ﷺ حتى يتحقق أنه قاله، وهذا لا يتوقف على روايته، ويكفي في ذلك علمه بوجوده في كتب من أخرج الصحيح، أو نص إمام على صحته» (١). وأما سراج الدين بن الملقن فوصف حكاية ابن خير للإجماع المذكور، بأنها من النقول الغريبة، وقال: (إن استدلاله بحديث (من كذب علي) ليس مطابقا لما ادعاه) (٢). وبهذا يتضح لنا أن العراقي لم يصب في موافقته لابن خير؛ لأن الإجماع الذي حكاه وأقره العراقي عليه بظاهره، منقوض، واستدلاله مرفوض والجمهور متفقون على جواز النقل من الكتب المعتمدة بالصورة التي منعها ابن خير، وهي أن يجزم الناقل فيقول: (وقال رسول الله ﷺ كذا، ونحو ذلك

стр. 759

دون توقف على وجود رواية بذلك للناقل» قال الزركشي: «فمن قال إن شرط التخريج من كتاب يتوقف على اتصال السند إليه، فقد خرق الإجماع وغاية المخرج أن ينقل الحديث من أصل موثوق بصحته، وينسبه إلى من رواه (١). ولهذا، فإن السيوطي في ألفيته، قد خالف العراقي، وغَلَّطَ ابن خير صراحة في حكاية الإجماع فقال: «ومن لنقل في الحديث شرطًا … رواية ولو مُجَازاً غَلَطًا» (٢) كذلك لم يصب العراقي في جعل منع النقل من الكتب في كلام ابن خير على ظاهره، وهو الحرمة المطلقة كما مر؛ لأن العلماء بعد الرد على كلام ابن خير كما قدمنا، اتجهوا لصرفه عن ظاهره، فالإمام البقاعي بعد ذكره أن كلام ابن خير مشكل منطوقًا ومفهومًا كما مر، قال: «أما منطوقا فإنه صريح في أنه لا يسوغ لأحد الجزم بما وجده من الأحاديث الصحيحة التي ليس له بها رواية أصلا. وأما مفهوما، فإنه يقتضي أنه إذا وجد أحد حديثا له به رواية، ساغ له الجزم به، سواء كان ضعيفًا أو غير ضعيف»، وهذا لا يوافق عليه أحد»، ثم استدرك قائلا: «لكن تعليله بحديث «من كذب علي» يرشد إلى أن كلامه ليس على ظاهره، وأن مراده الزجر عن الجزم بما لم يعرف كونه محتجا به وسكت عن بيان حاله، أما إذا نقله بصيغة التمريض، أو غيرها ثم بين حاله من صحة وسقم، فإنه لا يمنع من ذلك» ثم قال: «وكأن ابن خير أراد هذا

стр. 760

المعنى فانقلب عليه التعبير عنه، ولو قال: حتى يكون عنده محتجا به» بدل قوله «مرويا … الخ» لكان حسنا، ثم قال: وكأن النظم (يعني في ألفية العراقي) حينئذ يكون: «قلت ولابن خير امتناع … جزم بغير ثابت إجماع» (١) أما السيوطي فقال في تأويله: «إن ابن خير إنما قصد بذلك ردع العوام ومن لا علم له بالأحاديث عن الإقدام على الرواية عن النبي ﷺ بغير مستند، وأما أهل العلم الذين يمكنهم مراجعة الكتب والنقل منها، فلا يمتنع عليهم ذلك ويكون مستندهم في ذلك الوجادة، وهي من أقل وجوه الروايات»، وانظر إلى قوله: «حتى يكون عنده مرويًا» ولم يقل «حتى يكون مرويا له» وبينهما فرق؛ فإن العبارة الثانية تشعر بأن يكون له به رواية والأولى لا تدل على ذلك بل تدل على أنه ثبت عنده أنه مروي عن النبي ﷺ ، وإن لم يتصل السند إليه، بأن يرويه غيره ويتحقق هو بذلك، ثم قال: «وهذا شرط في غاية الحسن وما أظن أحدا يخالف فيه» (٢). وأقول: «إن هذا ما يجري عليه العمل حتى عصرنا الحاضر، ويظهر أن العراقي لم يظل على ما قرره في الألفية وشرحها من موافقة ابن خير على ظاهر كلامه، بل مال بالتدريج إلى تأويله»، وذلك فيما ألفه بعد الألفية وشرحها ففي كتابه (تقريب الأسانيد)، أشار إلى حمل كلام ابن خير على الكراهة فقط، وليست الحرمة كما ذكر في الألفية وشرحها (٣) أما في كتابه «الباعث

стр. 761

على «الخلاص» فحمله على منع جماعة مخصوصين، وهم من لم يعرف لهم تعلم شيء من علم الحديث عن أهله (١) كما سيأتي بيان ذلك في محله. وهذا التأويل الأخير يلتقي مع تأويل السيوطي السابق ذكره، لكن لا يعفي العراقي كلية من النقد فيما قرره أولا في الألفية ثم شرحها؛ لأنه لم يصرح برجوعه عن ذلك كما فعل في غيره مما سنذكره في الفقرة التالية. ٥ - تصريح العراقي بالرجوع عن بعض زياداته في الألفية: لما كانت الألفية من أوائل مؤلفات العراقي، فإنه زاد فيها على كتاب ابن الصلاح ما تبين له فيما بعد خطؤه، وذلك في موضع واحد، فلم يستنكف عن الإعتراف بخطئه، وبيان سببه، وتسجيل الرجوع عنه فيما ألفه بعد ذلك وهذا من خير الأدلة على اتصافه بالأمانة العلمية وتقديمه لها على أي اعتبار. وبيان ذلك: أن ابن الصلاح قال في نوع «المختلف والمؤتلف»: جميع ما في الصحيحين والموطأ هو على صورة «بشر» بالشين المنقوطة وكسر الباء إلا أربعة، فإنهم بالسين المهملة وضم الباء، وهم عبد الله بن بسر المازني من الصحابة، وبسر بن سعيد، وذكر الإثنين الآخرين (٢) فزاد العراقي في الألفية ذكر بسر المازني والد عبد الله المذكور، فقال: وابن سعيد بُشْر مثل المازني (٣) وقال في شرحه: «ولم يذكر ابن الصلاح «بُشْر المازني» وحديثه في

стр. 762

صحيح مسلم على ما ذكره المزي في التهذيب، وإنما ذكر ابنه عبد الله بن بسر» (١). ولكن في نكته على كتاب ابن الصلاح الذي فرغ من تأليفه بعد الألفية وشرحها، علق على ذكر ابن الصلاح لـ «عبد الله بن بسر» بقوله: وقد كنت اعترضت على المصنف في شرح الألفية، حيث لم يذكر أباه «بسر المازني» فإن حديثه في صحيح مسلم، وكنت قلدت في ذلك الحافظ أبا الحجاج المزي، فإنه قال في «تهذيب الكمال»: «إنه روى له مسلم، ورقم له علامة مسلم، في روايته عن النبي ﷺ ورواية ولده عبد الله بن بسر عنه، ثم تبين لي أن ذلك وهم، وأنه لم يخرج له مسلم، وإنما أخرج لابنه «عبد الله بن بسر» قال: «نزل النبي ﷺ على أبي فقدمنا له طعامًا» وليس لأبيه (بسر) فيه رواية، ولا ذكر باسمه إلا في نسب ابنه (عبد الله بن بسر) … وسبب وقوع المزي في ذلك تقليده لصاحب الكمال، فإنه سبقه لذلك» (٢). وهكذا نجد أن العراقي بحث الموضوع باستفاضة وعمق، وبين أن ما قرره في الألفية وشرحها وإن كان خطأ، فإنه لم يكن صادرًا فيه عن تخمين أو استنتاج شخصي، بل قلد فيه سلفه الحجة في علم الرجال، وهو الحافظ المزي فيما ذكره في كتابه «تهذيب الكمال، في أسماء الرجال»، ولم يكتف العراقي بهذا بل تابع البحث لكشف المصدر الأصلي للخطأ، فبين أن المزي بدوره وقع في الخطأ المذكور نتيجة لتقليد سلفه وهو الحافظ عبد الغني المقدسي صاحب كتاب (الكمال في أسماء الرجال) الذي هذبه «المزي»

стр. 763

في كتابه «تهذيب الكمال». وبهذا أتيح للعراقي تلافي ذلك الخطأ المتوارث عن حفاظ السنة من قبله وتصحيحه، بعد الوقوع فيه، ثم تبعه على هذا التصحيح تلميذه ابن حجر في مختصره لـ «تهذيب المزي» (١).

стр. 764

ز - الأثر العام للألفية في مصطلح علوم السنة بعد أن تناولت بالتحليل والمقارنة والنقد، منهج العراقي في الألفية ونماذج لآرائه وبحوثه في علم المصطلح من خلالها، ثم أثر ذلك فيمن بعده يجدر بي أن أبين الأثر العام للألفية، بمنهجها ومفاهيمها، في مصطلح علوم السنة وذلك على النحو التالي: ١ - محاذاة السيوطي لها في ألفيته في المصطلح: لعل أوضح الآثار العامة لألفية العراقي، اتخاذ السيوطي لها نموذجا، احتذاه في نتاجه العلمي في فن المصطلح، حيث نظم ألفية على منوالها شكلا ومضمونا، وسماها «نظم الدرر في علم الأثر» (١) وجعل ألفية العراقي أصلا لها فقال فيها: «واقرأ كتابًا تدر منه الاصطلاح … كهذه وأصلها وابن الصلاح» فقوله «كهذه» إشارة لألفيته، وقوله «وأصلها» إشارة لألفية العراقي (٢). وقد صرح بذلك أيضًا في خلال شرحه لها (٣)، كما صرح في مقدمة هذا الشرح بأنها احتوت على جميع علوم ابن الصلاح، وزوائد ألفية العراقي وزوائد أخرى من جانبه (٤)، وقد قدمت في بيان منهج العراقي وآرائه في الألفية عدة أمثلة لما تبع فيه السيوطي في ألفيته، العراقي في ألفيته.

стр. 765

ثم إن السيوطي أثبت في نهاية ألفيته أنه فرغ منها في عاشر ربيع الآخر سنة ٨٨١ هـ (١)، وبذلك يكون الفاصل الزمني بين تأليفها، وتأليف العراقي لألفيته قرابة ١١٣ عاما، وهذا دليل على عمق أثرها العام، وامتداده عبر الأجيال حتى رأى السيوطي في منهجها ومضمونها، رغم تطاول الزمن، الأصل الصالح لبناء ما بعده عليه، والمثل الذي يحتذى في التصنيف في علم المصطلح. مقارنة السيوطي لألفيته بألفية العراقي، والرد عليه في ذلك: لم يدع السيوطي لغيره مهمة المقارنة بين ألفيته، وبين أصلها وهو ألفية العراقي، وينتظر الحكم لها أو عليها، ولكنه أسرع في القيام بذلك بنفسه، فقارن بين الألفيتين مقارنة عامة، أعطى فيها لألفيته كل شيء من المميزات الشكلية والموضوعية، فقال في بدايتها: «وهذه ألفية تحكي الدرر … منظومة ضَمَّنْتُها علم الأثر فائقة ألفية العراقي … في الجمع والإيجاز واتساق» (٢) وفي مقدمة شرحه لها قال: «وبعد فإني نظمتُ في علم الحديث ألفية سميتها (نظم الدرر في علم الأثر) كادت عقود الجواهر أن تكون لأبياتها خُدامًا، احتوت على جميع علوم ابن الصلاح، وزوائد ألفية العراقي، وزادت بضعف ذلك تماما، مع ما حوته من سلاسة النظم، وخلت عنه من الحشو والتعقيد، فبلغت بذلك محلا

стр. 766

لا تسام فيه ولا تسامي، وفاقت منثورات هذا الفن جميعها ومنظوماته نظامًا» (١). ولا شك أن هذه المقارنة قد شحنت بالمبالغات المجافية للحقيقة، والخالية من الإنصاف. والحق أن كل واحدة من الألفيتين لها مميزات شكلية وموضوعية، وفيها عيوب كذلك، وقد مر تناولي لذلك تفصيلا بالنسبة لألفية العراقي مع مقارنتها بسابقها ولاحقها، بما فيه ألفية السيوطي، ولذا أكتفي هنا بالآتي: من ناحية تفوق ألفية السيوطي في الجمع، بحيث احتوت كما قال، على جميع علوم ابن الصلاح، وزوائد ألفية العراقي، وزادت بضعف ذلك تماما، لم يظهر لي من المقارنة التفصيلية صحة ذلك بهذا الإطلاق، والصواب أنها اشتملت فعلا على زوائد كثيرة، ليست في مقدمة ابن الصلاح ولا في ألفية العراقي، لكنها أقل من الضعف كثيرا، وقد عني الشيخ أحمد شاكر ﵀ في طبعته لألفية السيوطي بوضع زيادات السيوطي على ألفية العراقي بين قوسين، فمن يرجع إليها يُدرك لأول وهلة مصداق ما قلت (٢). ثم إن تفوقها في الجمع، لا يقدح في ألفية العراقي ولا في علمه، ذلك لأن من زيادات السيوطي ما هو خارج عن المنهج الذي التزم به العراقي في ألفيته. مثال ذلك: ما بدأ به السيوطي، من نظم تعريف علم الحديث وموضوعه وفائدته وتعريف بعض الألفاظ التي يستعملها المحدثون، كالسند والمتن والحديث والخبر والأثر (٣)، فهذا يعتبر من زوائده على ألفية العراقي، وهي زوائد مفيدة، لأنها من المبادئ التي يحتاج إلى معرفتها من يشرع في دراسة

стр. 767

علم الحديث (١)، لكن العراقي حدَّد منهجه في الألفية بنظم مقاصد علم الحديث، دون مبادئه فقال: «فهذه المقاصد المهمة … توضح من علم الحديث رَسْمه» (٢) وبذلك لم يلزمه نظم المبادئ كما فعل السيوطي. على أن السيوطي قد أهمل من الألفاظ الاصطلاحية لفظ «السنة»، فلم يذكره، و لم يبين معناه الاصطلاحي كما فعل غيره (٣)، حيث إنها من الألفاظ الاصطلاحية الهامة والمستعملة بكثرة في الفن، بل قد استعملها هو بنفسه في نفس المبحث الذي تناول فيه غيرها، من الحديث والخبر، حيث قال: «والأكثرون قسموا هذي السنن إلى صحيح وضعيف وحسن» (٤) كذلك من زوائد السيوطي ما ذكره العراقي في بعض مؤلفاته في علم المصطلح غير الألفية، مثل بيانه لأول من جمع الحديث مطلقا دون التقييد بنوع خاص كالصحيح (٥). فقد ذكر العراقي أنه بينه في شرحه الكبير لألفيته (٦) وأيضا ذكره لأصح الأسانيد المقيدة بصحابي، أو بلد (٧).

стр. 768

فقد ذكر العراقي أنه بينه في شرحه المتوسط لألفيته (١). هذا فضلا عن أن السيوطي أورد بعض زوائد، قرر العلماء من قبله أنه لا حاجة لذكرها، مثل حكم الرواية عن المجنون المتقطع الجنون، حيث قال: «ويقبل المجنون إن تقطَّعا ولم يؤثر في إفاقة معا» (٢) فقد قال ولي الدين ابن العراقي: إنه لا يحتاج إلى ذكره، فإنه في حال الإفاقة إذا لم يستمر به الخبل، ليس مجنونا، وإن استمر به الخبل فهو في تلك الحالة مجنون، وإن اختلفت أحوال الجنون، وقد نقل ذلك الشيخ الترمسي شارح ألفية السيوطي وأقره (٣). هذا بالنسبة لميزة الجمع والزيادات، أما من ناحية التفوق في الاتساق، فمن يقارن الألفيتين بعضهما ببعض يجد خلاف ذلك؛ حيث يكثر العراقي ذكر المعنى المستقل في بيت واحد، بينما يفرق السيوطي ذلك بين أواخر الأبيات وأوائل ما يليها، وهذا ينافي الاتساق، ويشتت القارئ عن استجماع المعنى وأوضح دليل على ذلك، أن السيوطي نفسه في شرحه لألفيته، يضطر بسبب هذا، أن يشرح جزءا من البيت في فقرة، لتعلقه بها، ثم يحيل باقي البيت على الفقرة التالية من الشرح، فيتناوله فيها، لتعلقه بما بعده من الأبيات (٤)، أما العراقي فنادر جدا لجوؤه لذلك في شرحه لألفيته، على نفس المنهج (٥).

стр. 769

أما من ناحية سلاسة النظم وعدم التعقيد، فالمقارنة التفصيلية أيضًا، تدل على عدم إطراد ذلك. ففي نوع الحديث المعلل ذكر ابن الصلاح أن الترمذي سمّى النسخ علة ونظم العراقي ذلك مع الرد على الترمذي كما قدمنا، بأن ذلك لا يصح، إلا على إرادة عدم العمل بالحديث، لا على إرادة العلة الاصطلاحية، فقال: «والنسخ سمى الترمذي علة … فإن يرد في عمل فاجنح له» (١) فنظم السيوطي ذلك قائلا: «والنشخ قد أدرجه في العلل … الترمذي وخُصه بالعمل» (٢) فقول العراقي: «فإن يرد في عمل فاجنح له»، واضح الدلالة على المقصود بينما قول السيوطي «وخصه بالعمل»، مشكل لأنه يحتمل عود الضمير في (خصه) على الترمذي، فيكون المعنى أن الترمذي قد خص النسخ بكونه علة في العمل بالحديث، وهذا خلاف المعنى المقصود للسيوطي، وهو مخاطبة القارئ بأن يخص هو ذلك بالعمل بالحديث. وأما من جهة الخلو من الحشو، فهو أيضًا غير مسلم، والصواب أن الألفيتين مشتركتين في الاشتمال عليه وإن قل. فالسيوطي يقول في أصح الأسانيد: كذا ابن مهران عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود الحسن (٣)

стр. 770

فوصفه لابن مسعود بـ «الحسن» حشو كمل به البيت، كما هو واضح وكما قرره الترمسي في شرحه (١)، ويشبهه في هذا العراقي، حيث يقول فيمن جرد الحديث الصحيح في تأليفه: « .............................. … نحو ابن حبان الزكي» (٢) فوصفه لابن حبان بـ «الزكي» حشو واضح. وبهذا كله، يتضح ما في مقارنة السيوطي لألفيته بألفية العراقي من مجازفة وعدم تجرد، والله يعصمنا من الزلل. ولعل الإقبال الشديد على دراسة ألفية العراقي، والاعتماد عليها، سواء قبل تأليف السيوطي لألفيته، أو بعدها، من خير أدلة رجحانها في ميزان النقد والتقويم العلمي. ٢ - الاستفادة العامة بالألفية دراسة واستدلالا: ذكرت من قبل في تحقق غرض العراقي من تصنيف الألفية، أنها منذ فراغه منها، صارت منهجا للحفظ والدراسة لطلاب السنة وعلمائها داخل مصر وخارجها، وأضيف هنا، أنها قد استمرت على ذلك، سواء في عصر العراقي أو بعده، وحينما نرجع إلى تاريخ أعلام عصر العراقي وما تلاه، نجد أن الألفية مادة أولية وأساسية، سواء في منهج تدريس العلماء في مصر وغيرها (٣) أو في

стр. 771

ثقافة طلاب السنة وغيرهم، وفي ذلك نجد المؤرخين تارة يذكرون الألفية وحدها، فيقولون عن الشخص في حياته العلمية: إنه حفظ أو بحث أو قرأ ألفية الحديث، أو ألفية العراقي (١)، وتارة يجمعون بينها وبين ألفية النحو لابن معطي (٢)، أو يقولون: ألفيتي الحديث والنحو (٣)، أو (الألفيتين) (٤)، نظرًا لشهرتهما وكثرة ذكرهما في تراجم الأعلام، ولهذا يقول السخاوي عن ألفية العراقي: «إن الناس انتفعت بها، وسارت لأكثر الأقطار (٥)». ويقول السيوطي: «وغيره، إنها اشتهرت في الآفاق (٦)». ويقول الشيخ الكتاني: «إنها سارت بها الركبان، في كل زمان ومكان (٧)». وعندما نرجع أيضًا إلى التراث والنتاج العلميين، في مجال علوم السنة من بعد العراقي وإلى الآن، نجد الألفية عمدة للمؤلفين في علم المصطلح وغيره من علوم السنة، منهم من يختصرها (٨)، ومنهم من يستدل بنصوصها، أو يقرر أو يناقش ما أودعه العراقي فيها من بحوث وآراء له ولغيره، من أئمة.

стр. 772

وحفاظ السنة كما مر تفصيله (١)، ومنهم من يشرحها أو يعمل حاشية على شرح غيره لها كما سنوضحه بعد.

стр. 773

ح - عناية العراقي بألفيته قدمت في وظائف العراقي العلمية، أنه كان يقوم بتسميع الألفية لمن يحفظها من طلاب السنة وغيرهم، ويقرأها بنفسه لتلاميذه، ويجيزهم بها ويدرسها لهم مع المباحثة التفصيلية لعباراتها، وقد بلغ الأمر به أنه كان خلال ذلك يغير بعض ألفاظها لتكون أنسب وأدل على المعنى المقصود (١). ولكنه لم يكتف بهذه الجهود الموقوتة بحياته، بل سجل عنايته بتلك الألفية في شرحين لها، أحدهما كبير، ولم يتمه، والثاني متوسط، وقد أتمه سنة ٧٧١ هـ كما سيأتي، وهو المتداول حتى الآن، وبذلك قدم بيانا مستمرا لها اعتمد عليه عامة من تصدى لدراستها وشرحها من بعده، وسنفرد كل شرح منهما بمبحث خاص، بعد استكمال مباحث الألفية، وذلك باعتبار أن كلا منهما جهد مستقل من جهود العراقي المؤثرة في علم المصطلح عموما، وبالله التوفيق.

стр. 774

ط - شرح العلماء لألفية العراقي وأهميته من أثبت الأدلة وأوضحها في بيان أهمية الألفية ومكانتها في علم المصطلح قيام خيرة العلماء في مختلف العصور، بالتأليف في شرح ألفاظها ومراميها وما حوته من آراء واصطلاحات ومفاهيم، ثم تأليف حواش على الشروح فلو لم يكن هؤلاء العلماء على امتداد عصورهم، مقتنعين بأهمية الألفية ومكانتها، و ملاحظين حاجة الدارسين لعلوم السنة إليها، وإقبالهم عليها، لما أتعبوا أنفسهم في التأليف في شرحها وتوضيحها. ولهذا عنيتُ هنا ببيان أهم ما توصلت إليه من الشروح والحواشي، والبحوث التي تناولت ألفية العراقي؛ لأنها تمثل الدليل العملي على أهميتها، والميزان الصحيح لقيمتها العلمية، وتجدد الحاجة إليها، والاستفادة منها في علم المصطلح عبر الأجيال، وسأتناول تلك الشروح والحواشي والبحوث حسب الترتيب الزمني غالبًا، سواء لتأليفها، أو لوفاة مؤلفيها، مع بيان المفقود منها والموجود، وذكر المنهج الإجمالي لكل منها، وبعض النماذج لما وقفت عليه منها بعد معاناة البحث والتنقيب، والله المستعان. ١ - شرح ولي الدين ابن العراقي، وبعض نصوصه النادرة: ذكر السخاوي في ترجمته لولي الدين أبي زرعة أحمد بن العراقي وتلميذه كما قدمت، أنه شرح أبياتا من ألفية والده في المصطلح (١)، ولم أجد من ذكر ذلك غير السخاوي، كما أنه لم يذكر أي تفصيلات أخرى، لكن البحث أوقفني على مصداق ما ذكر، كما سيأتي، وبذلك تكون هذه أقدم محاولة.

стр. 775

لتأليف شرح للألفية، بعد شرحي العراقي نفسه، السابق الإشارة إليهما. ولم يوقفني البحث على نسخة من شرح تلك الأبيات، لكني وجدتُ الحافظ قاسم بن قطلوبغا الحنفي، في حاشيته على شرح العراقي كما سيأتي ذكرها، قد ذكر اعتراض بعض الفضلاء على العراقي في قوله أول الألفية: «يقول راجي ربه المتقدر» (١)، بأن الاقتدار من الصفات التي لا تناسب مقام الرجاء، فكان الأنسب أن يقول: «راجي ربه الغفور»، لأن الغفران من صفات الجمال التي تناسب مقام الرجاء. ثم قال ابن قطلوبغا: «وأجاب ابن الناظم رحمة الله عليهما: بأنه إنما جمع بين ذكر الرجاء وصفة الاقتدار إشارة إلى غلبة رجائه وقوته، حيث بقي بحاله ولم يزل، مع استحضاره ما يثير ضده من الهيبة والخوف». وختم ابن قطلوبغا ذلك بقوله: «انتهى» (٢) وهذا يدل على أنه نقل الجواب المذكور نصا عنه، كما أنه معاصر للسخاوي فلعل هذه القطعة التي شرحها ابن العراقي رغم قلتها، قد نسخت وتداولها العلماء في عصره ومن بعده، فوقف عليها السخاوي المتوفى ٩٠٢ هـ، وابن قُطلُوبَنَا المتوفى ٨٧٩ هـ، بينما توفي ولي الدين ابن العراقي ٨٢٦ هـ كما تقدم في التعريف به. لكن حاليا تعد تلك القطعة في حكم المفقودة كما أشرت، بل إن حاشية ابن قطلوبغا التي احتوت على بعض نصوصها كما ذكرت، لم أقف منها إلا على قطعة وحيدة، من نسخة عليها خط المؤلف كما سيأتي.
следующие страницы →