← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 30167

الحافظ العراقي وأثره في السنة

أحمد بن معبد عبد الكريم

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

ثقافة طلاب السنة وغيرهم، وفي ذلك نجد المؤرخين تارة يذكرون الألفية وحدها، فيقولون عن الشخص في حياته العلمية: إنه حفظ أو بحث أو قرأ ألفية الحديث، أو ألفية العراقي (١)، وتارة يجمعون بينها وبين ألفية النحو لابن معطي (٢)، أو يقولون: ألفيتي الحديث والنحو (٣)، أو (الألفيتين) (٤)، نظرًا لشهرتهما وكثرة ذكرهما في تراجم الأعلام، ولهذا يقول السخاوي عن ألفية العراقي: «إن الناس انتفعت بها، وسارت لأكثر الأقطار (٥)». ويقول السيوطي: «وغيره، إنها اشتهرت في الآفاق (٦)». ويقول الشيخ الكتاني: «إنها سارت بها الركبان، في كل زمان ومكان (٧)». وعندما نرجع أيضًا إلى التراث والنتاج العلميين، في مجال علوم السنة من بعد العراقي وإلى الآن، نجد الألفية عمدة للمؤلفين في علم المصطلح وغيره من علوم السنة، منهم من يختصرها (٨)، ومنهم من يستدل بنصوصها، أو يقرر أو يناقش ما أودعه العراقي فيها من بحوث وآراء له ولغيره، من أئمة.

стр. 772

وحفاظ السنة كما مر تفصيله (١)، ومنهم من يشرحها أو يعمل حاشية على شرح غيره لها كما سنوضحه بعد.

стр. 773

ح - عناية العراقي بألفيته قدمت في وظائف العراقي العلمية، أنه كان يقوم بتسميع الألفية لمن يحفظها من طلاب السنة وغيرهم، ويقرأها بنفسه لتلاميذه، ويجيزهم بها ويدرسها لهم مع المباحثة التفصيلية لعباراتها، وقد بلغ الأمر به أنه كان خلال ذلك يغير بعض ألفاظها لتكون أنسب وأدل على المعنى المقصود (١). ولكنه لم يكتف بهذه الجهود الموقوتة بحياته، بل سجل عنايته بتلك الألفية في شرحين لها، أحدهما كبير، ولم يتمه، والثاني متوسط، وقد أتمه سنة ٧٧١ هـ كما سيأتي، وهو المتداول حتى الآن، وبذلك قدم بيانا مستمرا لها اعتمد عليه عامة من تصدى لدراستها وشرحها من بعده، وسنفرد كل شرح منهما بمبحث خاص، بعد استكمال مباحث الألفية، وذلك باعتبار أن كلا منهما جهد مستقل من جهود العراقي المؤثرة في علم المصطلح عموما، وبالله التوفيق.

стр. 774

ط - شرح العلماء لألفية العراقي وأهميته من أثبت الأدلة وأوضحها في بيان أهمية الألفية ومكانتها في علم المصطلح قيام خيرة العلماء في مختلف العصور، بالتأليف في شرح ألفاظها ومراميها وما حوته من آراء واصطلاحات ومفاهيم، ثم تأليف حواش على الشروح فلو لم يكن هؤلاء العلماء على امتداد عصورهم، مقتنعين بأهمية الألفية ومكانتها، و ملاحظين حاجة الدارسين لعلوم السنة إليها، وإقبالهم عليها، لما أتعبوا أنفسهم في التأليف في شرحها وتوضيحها. ولهذا عنيتُ هنا ببيان أهم ما توصلت إليه من الشروح والحواشي، والبحوث التي تناولت ألفية العراقي؛ لأنها تمثل الدليل العملي على أهميتها، والميزان الصحيح لقيمتها العلمية، وتجدد الحاجة إليها، والاستفادة منها في علم المصطلح عبر الأجيال، وسأتناول تلك الشروح والحواشي والبحوث حسب الترتيب الزمني غالبًا، سواء لتأليفها، أو لوفاة مؤلفيها، مع بيان المفقود منها والموجود، وذكر المنهج الإجمالي لكل منها، وبعض النماذج لما وقفت عليه منها بعد معاناة البحث والتنقيب، والله المستعان. ١ - شرح ولي الدين ابن العراقي، وبعض نصوصه النادرة: ذكر السخاوي في ترجمته لولي الدين أبي زرعة أحمد بن العراقي وتلميذه كما قدمت، أنه شرح أبياتا من ألفية والده في المصطلح (١)، ولم أجد من ذكر ذلك غير السخاوي، كما أنه لم يذكر أي تفصيلات أخرى، لكن البحث أوقفني على مصداق ما ذكر، كما سيأتي، وبذلك تكون هذه أقدم محاولة.

стр. 775

لتأليف شرح للألفية، بعد شرحي العراقي نفسه، السابق الإشارة إليهما. ولم يوقفني البحث على نسخة من شرح تلك الأبيات، لكني وجدتُ الحافظ قاسم بن قطلوبغا الحنفي، في حاشيته على شرح العراقي كما سيأتي ذكرها، قد ذكر اعتراض بعض الفضلاء على العراقي في قوله أول الألفية: «يقول راجي ربه المتقدر» (١)، بأن الاقتدار من الصفات التي لا تناسب مقام الرجاء، فكان الأنسب أن يقول: «راجي ربه الغفور»، لأن الغفران من صفات الجمال التي تناسب مقام الرجاء. ثم قال ابن قطلوبغا: «وأجاب ابن الناظم رحمة الله عليهما: بأنه إنما جمع بين ذكر الرجاء وصفة الاقتدار إشارة إلى غلبة رجائه وقوته، حيث بقي بحاله ولم يزل، مع استحضاره ما يثير ضده من الهيبة والخوف». وختم ابن قطلوبغا ذلك بقوله: «انتهى» (٢) وهذا يدل على أنه نقل الجواب المذكور نصا عنه، كما أنه معاصر للسخاوي فلعل هذه القطعة التي شرحها ابن العراقي رغم قلتها، قد نسخت وتداولها العلماء في عصره ومن بعده، فوقف عليها السخاوي المتوفى ٩٠٢ هـ، وابن قُطلُوبَنَا المتوفى ٨٧٩ هـ، بينما توفي ولي الدين ابن العراقي ٨٢٦ هـ كما تقدم في التعريف به. لكن حاليا تعد تلك القطعة في حكم المفقودة كما أشرت، بل إن حاشية ابن قطلوبغا التي احتوت على بعض نصوصها كما ذكرت، لم أقف منها إلا على قطعة وحيدة، من نسخة عليها خط المؤلف كما سيأتي.

стр. 776

٢ - نكت الحافظ ابن حجر على الألفية: النكت: هي عبارة عن تعليق على بعض الألفاظ والعبارات والموضوعات التي يرى المؤلف أهمية التعليق عليها بالشرح أو الانتقاد أو الدفاع، مع تركه لغير ذلك من الكتاب المعلق عليه، بدون تعرض له، وبهذا تفترق النكت عمومًا عن الشروح، وقد يطلق عليها اسم الشرح تجاوزًا. وقد ذكر السخاوي عن الحافظ ابن حجر قوله: «إنه شرع في تأليف نكت على ألفية شيخه العراقي»، وعلّق على ذلك بأنه لم ير من هذه النكت غير ورقتين (١)، وإذا كان السخاوي وهو من تلاميذ ابن حجر الملازمين له، لم ير منها غير ورقتين، فما بالك بنا نحن الآن، بعد تطاول القرون وتعرض كثير من التراث الإسلامي للعبث والضياع؟ ٣ - شرح الشيخ إسماعيل بن جماعة: ذكر هذا الشرح صاحب (كشف الظنون)، وذكر أن مؤلفه هو أبو الفداء إسماعيل بن إبراهيم بن جماعة الكناني المقدسي المتوفى ٨٦١ هـ (٢) وبمقتضى تاريخ وفاته المذكور، يكون شرحه هذا أقدم ما وقفت على ذكره من الشروح الكاملة للألفية، بعد شرحها المتوسط للعراقي نفسه، لكن الحافظ السخاوي ذكر في نهاية شرحه للألفية، أيضًا الذي فرغ منه ٨٨٢ هـ، كما سيأتي أنه حين ابتدأ فيه ما كان يعلم بوجود شرح للألفية سوى شرحي المؤلف

стр. 777

ومختصر المتوسط منهما للشمس بن عماد المالكي (١)، فلعله لم يقف على شرح ابن جماعة المذكور مع تقدم وفاة ابن جماعة كثيرا عن تاريخ فراغ السخاوي من شرحه كما ترى، بل إن صاحب «كشف الظنون» المتأخر عن السخاوي بأكثر من قرن ونصف (٢)، وصف شرح ابن جماعة هذا بأنه شرح حسن (٣)، فلعله رآه، ولكن لم أجد له ذكرا، لا في فهارس المكتبات المصرية عموما، ولا في كثير من فهارس المكتبات العالمية، ولم أجد نقولا معزوة إليه. ٤ - شرح السخاوي: هذا الشرح مؤلفه هو الحافظ شمس الدين محمد بن عبد الرحمن بن محمد السخاوي القاهري الشافعي المتوفى ٩٠٢ هـ، من أعيان تلاميذ ابن حجر العسقلاني، ومن أئمة الفن في عصره (٤) وقد صرّح في ختامه بأنه قد كمل في ١١ رمضان ٨٨٢ (٥). إثبات تسمية السخاوي له «بفتح المغيث»: ولم يصرح السخاوي في أول

стр. 778

هذا الشرح، ولا في خلاله، ولا في آخره، باسم معين له، ولهذا دار حول تسميته خلاف واسع بين المعنيين بالتراث تاريخا وتحقيقا ونشرا، فمنهم من ذكره بدون اسم (١)، ومنهم من ذكر أن السخاوي سماه «فتح المغيث بشرح ألفية الحديث» دون أن يذكر دليله على ذلك (٢)، ومنهم من أطلق هذا الاسم على شرح العراقي المتوسط، دون شرح السخاوي (٣)، فتصدى له غيره بالرد (٤). ومنهم من أشرك الشرحين في الاسم، مع التفريق بينهما في حرف واحد، فأطلق على شرح العراقي «فتح المغيث بشرح ألفية الحديث» وعلى شرح السخاوي «فتح المغيث في شرح ألفية الحديث» (٥). وكان من نتيجة هذا الخلاف الذي امتد بين مصر والهند (٦)، أن طُبع كلا الشرحين بالاسم المذكور، كما تلاحظ هذا في إحالاتي عليهما خلال البحث ورغم هذا، لم يوفق أحد من المتنازعين، لإثبات تصريح السخاوي ولا العراقي بتسمية شرحه بهذا الاسم، حتى يقطع النزاع، ولكن قد وُفِّقْتُ - بحمد

стр. 779

الله - إلى تصريح السخاوي غير مرة، بتسمية شرحه (بفتح المغيث) ففي كتابه «الضوء اللامع» ترجم لنفسه وكان أول ما ذكر من مؤلفاته في علوم الحديث هذا الشرح فقال: «ومما صنفه في هذا الشأن» «فتح المغيث بشرح ألفية الحديث» وهو مع اختصاره في مجلد ضخم (١). وفي كتاب آخر له، وهو «الإعلان بالتوبيخ، لمن ذم أهل التاريخ»، تكلم على المعاجم والمشيخات بإيجاز، ثم قال: «وقد استوفيت ذلك في «فتح المغيث»» (٢)، فهذان نصان صريحان في تسمية السخاوي بنفسه، لشرحه للألفية (بفتح المغيث بشرح ألفية الحديث)، بينما لم أقف حتى الآن على تصريح العراقي بتسمية شرحه بذلك، وهذا كاف في قطع الخلاف واختصاص شرح السخاوي بهذا الاسم، دون شرح العراقي، فيلاحظ ذلك فيما يستقبل من البحوث. ولعل السخاوي بدا له تسمية شرحه بهذا الاسم، بعد ما أكمله وخرجت نسخه للتداول، وبالتالي لم ينص فيه على هذا الاسم، ويؤكد هذا كتابته للإسم المذكور بخطه على بعض النسخ التي قُرئت عليه، كما سأبينه في النسخة الهامة التي وقفت عليها منه. أهم نسخ الشرح الخطية: توجد عدة نسخ خطية من هذا الشرح بمكتبات العالم، كتركيا (٣)

стр. 780

والمغرب (١) ومصر، حيث توجد نسختان بمكتبة الأزهر برقمي (٩٠) (١٠٧) مصطلح الحديث، كما توجد نسخة بمكتبة البلدية بالإسكندرية رقم (٢١٧٨ - ج) مصطلح الحديث، وقد وهم فيها «بروكلمان» فعدها من شروح ألفية العراقي في السيرة النبوية كما سيأتي (٢)، والصواب أنها نسخة من شرح السخاوي المذكور لألفية المصطلح، فلينتبه لذلك أما أهم النسخ التي وقفت عليها لهذا الشرح، فهي نسخة دار الكتب المصرية تحت رقم (٣٤٠) مصطلح الحديث، وهي أوثق ما وقفت عليه وقد كتب عنوانها الأعلا هكذا «فتح المغيث بشرح ألفية الحديث» لكاتبه محمد بن عبد الرحمن .. السخاوي الشافعي فقوله: «لكاتبه» يدل على أنه هذه التسمية مكتوبة بخط السخاوي، وعند مقارنتي لهذا بخطوط السخاوي الموجودة بهوامش النسخة نفسها في عدة مواضع، وفي نهايتها، مع التوقيع باسمه، تبين لي مشابهة خط العنوان لتلك الخطوط، وتلك الخطوط عبارة عن إثبات السخاوي قراءة صاحب النسخة وبحثها عليه، وسماع جماعة لها في عدة مجالس، وإجازته لهم بها، أما النسخة نفسها فهي بخط رجل آخر، حيث جاء في نهايتها ما نصه: «انتهت كتابته من نسخة مكتوبة من خط مؤلفه، أمتع الله ببقائه أهل الإيمان، على يد الفقير إلى عفو الله، محمد بن أحمد المقسمي نسبا، الشافعي مذهبًا، .. » فيستفاد من ذلك أن النسخة مكتوبة في حياة المؤلف، ومنقولة من نسخة

стр. 781

نقلت من نسخة بخط المؤلف، وهذا يُعَدُّ توثيقا جيدًا للنسخة، يجعلها صالحة للاعتماد عليها لتكون أصلًا في تحقيق نصوص الكتاب ونشره، وقد استفدت منها في تصحيح الطبعة التي اعتمدت عليها في هذا البحث. وتقع تلك النسخة في مجلد ضخم، وعدد أوراقها ٣٤٢ ورقة من الحجم المتوسط، وعدد سطور صفحاتها مختلف (١). طبع الشرح: ثم طبع هذا الشرح لأول مرة بالهند مؤرخا في ربيع الأول ١٣٠٣ هـ في مجلد، يبلغ ٥٠٢ صفحة من القطع الكبير، وعنوانه (فتح المغيث بشرح ألفية الحديث)، وذلك في المطبع المعروف هناك بـ (أنوار محمدي)، وقد رأيت نسخة هذه الطبعة بالمكتبة الأزهرية، وهي طبعة حجرية، ولما تطاول الزمن على تلك الطبعة حتى أصبحت في حكم المخطوط، أعيد طبع الشرح مرة ثانية بالقاهرة ١٣٨٨ هـ، ١٣٨٩ هـ، بالاعتماد على الطبعة السابقة مع بعض التصحيحات لأخطائها، بواسطة (عبد الرحمن محمد عثمان)، وباشر الطبع، مطبعة العاصمة، لحساب الناشر وهو صاحب المكتبة السلفية بالمدينة المنورة، وتقع تلك الطبعة في ثلاثة أجزاء متوسطة. وقد اطلعت على هاتين الطبعتين اطلاعا تفصيليا وقابلت كثيرا من نصوصهما على مخطوطة دار الكتب المصرية السابق بيان توثيقها، وعلى كتب علم المصطلح الأخرى، وخاصة ما اعتمد عليه السخاوي في الشرح وتبين لي من هذا الاطلاع والمقابلة، أن الطبعتين ليس لهما صفة التحقيق

стр. 782

العلمي للنصوص، لا شكلا ولا مضمونًا، وقل أن تجد ورقة واحدة من أي الطبعتين خالية من الخطأ المطبعي أو الخطأ العلمي الناتج من اختلال النص ولهذا أُحذر من الإستقلال في الاعتماد على أي من الطبعتين أو كليهما خاصة بالنسبة للموضوعات أو الفقرات الكاملة، بل لابد من الرجوع بجانبهما إلى إحدى النسخ الخطية الموثقة للشرح، مثل نسخة دار الكتب المصرية السابق ذكرها، أو إلى كتب علم المصطلح الأخرى المحققة تحقيقا علميًا يطمأن إليه، كما فعلتُ فيما استفدته من هذا الشرح في بحثي هذا معانيا في ذلك من المشقة ما يعلمه الله، وحبذا لو نشطت عزيمة المختصين بعلوم السنة لإعادة طبع هذا الشرح المفيد طبعة محققة تحقيقا علميا حتى يستفاد به على الوجه الصحيح (١). منهج السخاوي في شرحه للألفية، ونقده وأنموذجه: نهج السخاوي في هذا الشرح من حيث الشكل، طريقة دمج ألفاظ الألفية في سياق شرحها، فيذكر اللفظ أو العبارة من الألفية، ويذكر قبلها وبعدها من كلامه ما يوضحها، وفي نفس الوقت، يلتئم معها في السياق كما سيتضح من المثال بعد، وتعرف هذه الطريقة بطريقة الشرح الممزوج؛ نظرًا

стр. 783

لأنه يمزج لفظ المتن بشرحه في سياق واحد، ويميز لفظ المتن في المخطوطات بكتابته بمداد أحمر، أو بخط أكبر من الخط الذي يكتب به كلام الشارح أما في الطباعة فيوضع المتن بين قوسين، تمييزا له، وانتهاج هذا الشكل في الشرح يقتضي من المؤلف أن يتخير الألفاظ والعبارات التي يذكرها قبل وبعد ألفاظ المتن، بحيث تكون موضحة للمراد، ومنسبكة في كثير من الأحيان مع لفظ المتن، وكثيرًا ما لا يتوفر تحقيق الغرضين معًا، فنجد عبارة الشارح منسبكة مع لفظ المتن في السياق، ولكنها غير موضحة له وبالعكس وخصوصا إذا كان المتن المشروح «نظما» مثلما في الألفية، ولهذا عاب بعض العلماء طريقة الشرح الممزوج، بالنسبة لشرح المتون المنظومة، لكن السخاوي وغيره، يرون أن ذلك أبلغ في إظهار المعنى، ولهذا رد السخاوي على من عاب هذا المنهج، عقب ذكر اختياره له كما سنذكره، ولكن الاطلاع على شرحه، يدل على وجود غموض في كثير من المواضع، بسبب طريقة الشرح هذه كما سيظهر من مقارنته بشرح العراقي إن شاء الله. أما منهج السخاوي من حيث المضمون، فقد اعتنى ببيان ألفاظ الألفية وتراكيبها، وما يكون من اختلاف النسخ في ذلك، وتوسع كثيرا في بحث ما تضمنته من مسائل علم المصطلح وقضاياه، لأجل الإفادة، حتى إن هذا الشرح يُعد أوسع ما وجد حتى الآن من شروح الألفية، وقام السخاوي أيضًا بالبحث والتحقيق والترجيح لما يراه، كما جعل من منهجه العناية بآراء العراقي ومنهجه في الألفية، بحيث نجده يوضح وجهة نظره، ويدافع كثيرا عنها، مع قلة الانتقاد له، كما أنه اعتمد كثيرًا على شرحي العراقي للألفية، وعلى غيرهما من مؤلفاته في المصطلح.

стр. 784

هذا أهم ما ظهر لي من البحث التفصيلي لجميع هذا الشرح، ولكني لن أتتبع ذلك بالتفصيل؛ لأنه من شأن من يدرس السخاوي، وسأذكر بعض النقاط المحتاج إليها عند مقارنة شرح العراقي بغيره، أما هنا فسأكتفي بذكر بيان السخاوي نفسه لأهمية شرحه هذا، ولعناصر منهجه، ومميزاته كما أوضحته، ثم أتبع ذلك بأنموذج منه. يقول السخاوي في مقدمة شرحه: «وبعد فهذا تنقيح لطيف، وتلقيح للفهم منيف، شرحت فيه ألفية الحديث، وأوضحت به ما اشتملت عليه من القديم والحديث، ففتح من كنوزها المحصنة الأقفال كل مُرتَج، وطرح عن رموزها الإشكال بأبين (١) الحجج، سابكًا لها فيه، بحيث لا تتخلص منه إلا بالتمييز؛ لأنه أبلغ في إظهار المعنى، تاركًا لمن لا يرى حُسن ذلك في خصوص النظم والترجيز؛ ولكونه - إن لم يكن متعنتًا - لم يذق الذي هو أهنى مراعيًا فيه الاعتناء بالناظم رجاء بركته، ساعيًا في إفادة ما لا غناء عنه لأئمة الشأن وطلبته، غير طويل مُمل، ولا قصير مُخلّ، … إجابة لمن سألني فيه من الأئمة ذوي الوجاهة والتوجيه» (٢)، ثم قال: «إن هذا الشرح لا ترى نظيره في الإتقان والجمع، مع التلخيص والتحقيق» (٣). ومن نماذج هذا الشرح: أن العراقي قال في مبحث الحديث الموقوف: وسم بالموقوف ما قصرته … بصاحب، وصلت أو قطعته

стр. 785

وبعض أهل الفقه سماه الأثر … وإن تقف بغيره قيد تبر (١) فبدأ السخاوي الشرح ببيان مناسبة ترتيب المبحث فقال: «وقدم على ما بعده (٢)، لاختصاصه بالصحابي، ثم انتقل إلى شرح النظم» فقال: «وسم» أيها الطالب «الموقوف ما قصرته بصاحب» أي على صحابي، قولا وفعلا، أو نحوهما مما لا قرينة فيه للرفع، سواء «وصلت» السند بذلك، (أو قطعته)، وشدّد الحاكم، فاشترط عدم الانقطاع، واختلف فيه (٣): هل يسمّى خبرا أم لا؟ فمقتضى القول المرجوح بعدم (٤) مرادفة الخبر للحديث، وإن الخبر ما جاء عن غير النبي ﷺ ، الأول «وبعض أهل الفقه» من الشافعية «سماه الأثر»، بل حكاه أبو القاسم الفوراني من الخراسانيين عن الفقهاء وأطلق فإنه قال: الفقهاء يقولون: الخبر ما كان عن النبي ﷺ ، والأثر ما يروى عن الصحابة، انتهى، وظاهر تسمية البيهقي كتابه المشتمل عليهما «بمعرفة السنن والآثار» معهم، وكأن سلفهم فيه إمامهم، فقد وجد ذلك في كلامه كثيرا واستحسنه بعض المتأخرين، قال: «لأن التفاوت في المراتب يقتضي التفاوت في المرتب عليها، فيقال لما نسب لصاحب الشرع الخبر، وللصحابة الأثر وللعلماء القول والمذهب، ولكن المحدثين (٥) كما عزاه إليهم النووي في كتابيه يطلقون الأثر على المرفوع والموقوف، وظاهر تسمية الطحاوي لكتابه المشتمل

стр. 786

عليهما «شرح معاني الآثار» معهم، وكذا أبو جعفر الطبري في تهذيب الآثار له، إلا أن كتابه اقتصر فيه على المرفوع، وما يورده فيه من الموقوف فبطريق التبعية، بل في «الجامع» للخطيب من حديث عبد الرحيم بن حبيب الفاريابي عن صالح بن بيان عن أسد بن سعيد الكوفي، عن جعفر بن محمد، عن أبيه عن جده مرفوعا: ما جاء عن الله فهو فريضة، وما جاء عني فهو حتم وفريضة، وما جاء عن أصحابي فهو سنة، وما جاء عن أتباعهم فهو أثر، وما جاء عمن دونهم فهو بدعة، قال شيخنا (١): «وينظر في سنده، فإني أظن أنه باطل». قلت: بل لا يخفى بطلانه على أحد أتباعه (٢)، فالفاريابي، رمي بالوضع وفي ترجمته أورده الذهبي في الميزان، واللذان فوقه، قال المستغفري في كل منهما: «يروي العجائب، وينفرد بالمناكير». وأصل الأثر: ما ظهر من مشي الشخص على الأرض، قال زهير: والمرء ما عاش فمدود له أثر … لا ينتهي العمر حتى ينتهي الأثر ثم إنه لا اختصاص في الموقوف بالصحابي، بل ولو أُضيف المروي للتابعي وكذا لمن بعده، كما اقتضاه كلام ابن الصلاح، بسماع تسميته موقوفا «و» لكن «إن تقف بغيره» أي على غير الصحابي، وفي بعض النسخ «بتابعي» والأول أشمل (٣) فقيد ذلك بقولك: موقوف

стр. 787

على فلان، «تبر (١) أي يزكو عملك ولا ينكر. ٥ - شرح السيوطي للألفية: نسخه الخطية، ومنهجه، وهدفه، ومميزاته، وأنموذجه: توجد من هذا الشرح عدة نسخ خطية مفرقة في مكتبات العالم، كتركيا وسوريا والعراق، وقد وجدت منه بمصر نسخة وحيدة بدار الكتب المصرية رقم (٢٣٢٣٤) ب، وعدد أوراقها ٤٥ ورقة من القطع العادي، وهي نسخة جيدة الخط والتوثيق، فخطها نسخ واضح، وأثبت في نهايتها الفراغ من نسخها يوم السبت ١٦ جمادى الأولى ٨٨٦ هـ (٢). وهذا يفيد أنها كتبت في حياة السيوطي كما يفيد أنه ألف هذا الشرح قبل التاريخ المذكور. ثم إنه أثبت بهامشها في عدة مواضع، مقابلتها على المؤلف (٣)، ولم يطبع هذا الشرح حتى الآن فيما أعلم، ولذلك اعتمدت في البحث على هذه النسخة، وقرأت الشرح كله فيها. ولم أجد على تلك النسخة، ولا خلال الشرح تسمية معينة له، كما أن السيوطي ذكره ضمن مؤلفاته في علم المصطلح، ولم يذكر له اسما (٤)، لكن

стр. 788

الكتاني ذكر أن السيوطي سماه «قطر الدرر (١)» فلعله وقف على ذلك. وقد تبين لي من قراءة الشرح، أن السيوطي انتهج فيه مزج الشرح بمتن الألفية مثلما فعل السخاوي من قبله، وتقدم توضحه، لكن السيوطي لم يتوسع كالسخاوي، بل انتهج الإيجاز، ولكنه مع إيجازه مفيد، وله مميزاته فقد وجدت به من المعلومات ما لم أجده في غيره، نظرًا لخبرة مؤلفه بألفية العراقي خصوصًا وبتراثه عمومًا، فقد عني بتحديد كثير من زوائده على ابن الصلاح، وتعرض للمقارنة بين ألفية العراقي وألفيته هو، وبين ألفية العراقي وبعض مؤلفات العراقي الأخرى، كما اعتمد على شرح العراقي وعلى غيره من مؤلفاته، ويعبر عنه عند ذلك بـ «الناظم أو بالمصنف» وقد أجمل في مقدمته منهجه، والداعي لتأليف هذا الشرح فقال: «وبعد فهذه تعليقة على ألفية الحديث للحافظ أبي الفضل العراقي ﵀، توضح كلامها وتفكك نظامها، وتبلغ طلابها مرامها، على وجه وجيز، سهل للمبتدئين حسن للناظرين، ألفتها إجابة لمن سأل، وصنتها عن الحشو والتطويل، حذرًا من السامة والملل، فخير الكلام ما قل ودل (٢)». أنموذج الشرح: وإليك أنموذجا توضيحيا من هذا الشرح: قال العراقي في نوع الحديث «المدرج»: «المدرج الملحق آخر الخبر … من قول راو ما، بلا فصل ظهر

стр. 789

نحو إذا قلت «التشهد» وصل … ذاك زهير، وابن ثوبان فصل قلت: ومنه مدرج قبل «قلب» كأسبغوا الوضوء ويل للعقب (١) فقال السيوطي في شرحه: «المدرج»، هذه ترجمة (٢). ثم انتقل لشرح النظم قائلاً: «المدرج» هو الملحق آخر الخبر، «من قول راو ما»: أي راو كان، صحابيًا أو غيره: «بلا فصل»: بينه وبين الحديث «ظهر» ويدرك ذلك بوروده مفصولاً في رواية أخرى، أو بالتنصيص على ذلك من الراوي، أو من بعض الأئمة المطلعين، أو باستحالة كونه ﷺ يقول ذلك، «نحو» ما رواه أبو داود قال: «حدثنا عبد الله بن محمد النفيلي ثنا زهير ثنا الحسن بن الحر عن القاسم بن مخيمرة» قال: «أخذ علقمة بيدي فحدثني أن عبد الله بن مسعود أخذ بيده، وأن رسول الله ﷺ أخذ بيد عبد الله بن مسعود، فعلمنا التشهد في الصلاة»، قال: فذكر مثل حديث الأعمش: «إذا قلت أو قضيت هذا فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد». فقوله: «إذا قلت هذا … » الخ، مدرج من كلام ابن مسعود كما قال الحاكم والبيهقي والخطيب، وذكر النووي في «الخلاصة» اتفاق الحفاظ عليه لكن قد «وصل ذاك»: أي إذا قلت إلخ الحديث، «زهير» بن معاوية كما في الرواية السابقة. «وابن ثوبان فَصَل»: ذاك عنه، فتبين أنه من قول ابن مسعود، في روايته عن الحسن بن الحر، وكذلك رواه شبابة بن سوار عن زهير مفصولاً، مبينا أنه من قوله، ورواه.

стр. 790

حسين الجعفي وابن عجلان ومحمد بن أبان عن الحسن بن الحر بترك: (إذا قلت .. ، الخ فصوب الدارقطني قول شبابة، برواية ابن ثوبان والجعفي ومن معه). ثم أشار السيوطي إلى ما زاده العراقي في الألفية على ابن الصلاح فقال: «وما ذكره الناظم من كون المدرج هو الآتي في آخر الحديث، هو كلام ابن الصلاح، وزاد عليه تبعا للخطيب بقوله «قلت: وقيل مدرج قبل» أي قبل آخر الخبر، إما في أوله، أو وسطه، (قلب) عما الغالب إثباته فيه، وهو الآخر فالمدرج في أول الحديث: «كأسبغوا الوضوء، ويل للعقب» الذي رواه أبو قطن وشبابة عن شعبة عن محمد بن زياد عن أبي هريرة ولفظه: «قال رسول الله ﷺ : أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار»، فـ «أسبغوا الوضوء» مدرج من كلام أبي هريرة، وصله الراويان عن شعبة وفصله آدم بن أبي إياس في روايته عن شعبة عن محمد عن أبي هريرة، ولفظه: قال: «أسبغوا الوضوء» فإن أبا القاسم ﷺ قال: «ويل للأعقاب من النار» وكذلك رواه عن شعبة مفصولاً: غندر وهشيم والنضر بن شميل ووكيع، وآخرون، ثم بين السيوطي وجه ذكر العراقي للحديث المذكور في الألفية بلفظ «ويل للعقب» بالإفراد مع أن الروايات السابقة «ويل للأعقاب»، بالجمع، فقال: وقول المصنف «ويل للعقب» بالإفراد، رواية لأبي داود الطيالسي عن شعبة آثرها لأجل الوزن». ثم قال السيوطي: «والمدرج في الوسطى مثل ما رواه الدارقطني من رواية عبد الحميد بن جعفر عن هشام بن عروة عن أبيه عن بشرة بنت صفوان» قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «من مس ذكره أو أُنثَيَيْهِ أو رفعه فليتوضأ».

стр. 791

فقوله: «أو أنثييه أو رفعه» مدرج من كلام عروة، كما قاله الدارقطني وصله عبد الحميد وغيره، كما قال المصنف، وفصله الثقات في روايتهم عن هشام، منهم: أيوب السختياني، وحماد بن زيد، بلفظ «من مس ذكره فليتوضأ» وبذلك أنهى السيوطي شرح الأبيات الثلاثة السابق ذكرها. وعندما ترجع إلى شرح العراقي المتوسط، ونقارن به، نجد اعتماد السيوطي عليه واضحا (١) وقد أشار إلى ذلك كما ترى بقوله: «كما قال المصنف». ٦ - حاشية محمد بن خليل الدمشقي، على الألفية: هذه الحاشية ذكرها السخاوي في ترجمة مؤلفها المذكور، فقد عرف به قائلا: هو محمد بن خليل المحب البصروي الدمشقي، أحد أعيان شافعيتها توفي قريبا من ٨٨٩ هـ عن بضع وستين سنة، ثم ذكر تقدمه في العلوم وتصديه للتدريس والإفتاء وانتفاع الفضلاء به، وأعقب ذلك بقوله: «وله عدة مؤلفات في النحو والأصول، وحاشية على ألفية العراقي، مزجا» (٢). وقول السخاوي «مزجا» إشارة إلى منهج تلك الحاشية، وهو مزجها بمتن الألفية، كما فعل السخاوي نفسه، ثم السيوطي في شرحيهما، لكن الفرق بين الشرح والحاشية: أن الحاشية تتناول مواضع متفرقة من المتن يرى المؤلف أهمية تناولها، مثل «النكت». ولعل تحديد السخاوي لمنهج تأليف هذه الحاشية بناء على اطلاعه عليها، ويدل هذا، على أنها كانت متداولة في عصره، وإن لم يصرح بشيء من ذلك، كما أني لم أجد من ذكرها غيره.

стр. 792

ولم يوقفني البحث على نسخة لها، أو على نصوص منسوبة إليها. تعقيب: ثم إن وصف السخاوي لمؤلفها المعاصر له بأنه كان من أعيان شافعية دمشق والمدرسين النافعين الفضلاء، يدل على اتساع أثر الألفية وتقديرها العلمي، بإقبال العلماء والطلاب عليها، على السواء، خارج مصر كما في داخلها فدرسوا علم المصطلح من خلالها، وتصدي أعيان العلماء للتأليف في توضيح مضامينها العلمية، بما في ذلك آراء العراقي وزياداته السابق توضيحها، ويزيد ذلك تأكيدا الشرح الآتي بعده: ٧ - شرح الحافظ قطب الدين الخيضري الدمشقي للألفية: مؤلف هذا الشرح هو الحافظ محمد بن عبد الله بن خيضر الشافعي ويعرف بالخيضري، وهو من حفاظ الحديث في عصره، وقد تتلمذ لابن حجر العسقلاني، حتى وصفه بالحفظ والتحصيل، ومع أنه توفي بالقاهرة في ربيع الثاني ٨٩٤ هـ، إلا أنه أصلا دمشقي، وكانت مدارسها محط نشاطه العلمي والحديثي (١). وقد ذكر السخاوي وغيره، أن الخيضري سمى شرحه هذا «صعود المراقي» (٢)، وأتم صاحب «إيضاح المكنون» التسمية، فقال: «صعود المراقي شرح ألفية العراقي» (٣) ويُفهم من كلام السخاوي، أن شرحه متقدم على شرح الخيضري هذا؛ حيث ذكر أن الخيضري استعار منه شرحه، بعد أن كتب من هذا الشرح كراسة وورقتين (٤)، ثم ذكر أنه

стр. 793

أكمله (١)، ولكني لم أقف على نسخة منه، ولا على نقول معزوة إليه، وما أكثر ما ضيعت الأحداث من تراثنا. ٨ - شرح شيخ الإسلام زكريا الأنصاري للألفية: تسميته ونسخه وطبعه، وإثبات اعتماده على شرح السخاوي، والداعي لتأليفه، ومنهجه، وقيمته، وأنموذجه: مؤلف هذا الشرح هو قاضي قضاة مصر ومسندها، شيخ الإسلام زكريا بن محمد الأنصاري السنيكي، القاهري الأزهري الشافعي، وقد توفي على الأرجح ٩٢٦ هـ (٢) وكثير من شيوخه هم من تلاميذ العراقي، كالحافظ ابن حجر، وقد تلقى عنهم الألفية وشرحها بسندهم عن العراقي، مع البحث والدراسة (٣)، وقد ذكر في مقدمة شرحه أنه سماه «فتح الباقي بشرح ألفية العراقي (٤)». ويعتبر هذا الشرح من أشهر شروح الألفية، ولذا وجدتُ نُسخه الخطية منتشرة من شرق العالم إلى غربه، وذلك في مكتبات: استانبول بتركيا، وحلب بسوريا، وبغداد بالعراق، و «كابل» بأفغانستان (٥)، ودير الاسكوريال بأسبانيا، أما في مصر فيوجد بمكتباتها أكثر من ستين نسخة، من أهمها:

стр. 794

وأقدمها وأوثقها إحدى نسخ مكتبة الأزهر ذات الرقم (١٥٩) مصطلح الحديث، وهي مكتوبة في حياة المؤلف في ١٨ رجب ٩١٧ هـ بخط نسخ جيده وموثقة بإثبات مقابلتها في عدة مواضع بهامشها، مع تصحيحات واستدراكات على المؤلف. وعدد أوراقها ١٤٠ ورقة متوسطة الحجم، وعدد سطور الصفحة/ ٢١ سطرا. وقد وقفت على طبعة لهذا الشرح بمدينة (فاس) بالمغرب، على هامش شرح العراقي المتوسط ١٣٥٤ هـ كما سيأتي ذكره. وذكر بعض المحققين، أنه طُبع بمصر، لكن لم يحدد تاريخ ولا مكان الطبع (١) وهذا بعيد. وقد حدد الأنصاري في نهاية شرحه، تاريخ فراغه من تأليفه في ١٠ رجب ٨٩٦ هـ، وبذلك يكون متأخرًا عن شرح السخاوي الذي فرغ منه ٨٨٢ هـ كما قدمنا، وقد ترجم السخاوي في كتاب «الضوء اللامع» (٢) للأنصاري وهو ما زال حيا، وغمزه في تلك الترجمة لمنافسة بينهما، كما هو شأن الأقران ومما ذكره في هذا الصدد قوله: «وكنت أتوهم أن كتابته أمتن من عبارته إلى أن اتضح لي أمره حين شرع في غيبتي بشرح ألفية الحديث مستمدًا من شرحي، بحيث عجب الفضلاء من ذلك، وقلت لهم: من ادعى ما لم يعلم كذب فيما علم» (٣).

стр. 795

ويلاحظ تجاوز السخاوي في كلامه من النقد إلى التجريح كما ترى، ولعل هذا ما جعل بعض الباحثين يرد عليه دعوى استمداد الأنصاري من شرحه (١)، لكني وجدت دعواه في حد ذاتها صحيحة، حيث قارنت عدة مواضع من شرح السخاوي، بمقابلتها في شرح الأنصاري، فوجدت مطابقة لفظية شبه تامة بينهما (٢). لكن هذا لا ينفي أن للأنصاري في شرحه جهده وإضافاته المميزة التي تبينتها أيضا من قراءة غالبه، مع المقارنة، وقد اتفق الأنصاري مع السخاوي والسيوطي في انتهاج الشرح الممزوج بمتن الألفية، إلا أنه يعتبر وسطا بينهما فلم يتوسع مثل السخاوي، ولم يبالغ في الإيجاز مثل السيوطي، كما أنه تناول بالشرح والإعراب كثيرا من ألفاظ وتراكيب الألفية التي لم يتناولاها، واعتنى بجانب ذلك بتمييز كثير من زوائد العراقي على ابن الصلاح، وقد ساعده الإيجاز المتوسط على تجنب الإكثار من الجمل الاعتراضية الطويلة التي نجدها في شرح السخاوي، والتي تجعل المعنى غامضا وغير مترابط في ذهن القارئ في كثير من الأحيان، وقد اعتمد كالسخاوي على شرحي العراقي للألفية وعلى غيرهما من مؤلفاته، ويعبر عنه عند ذلك بـ «الناظم». وقد بين بنفسه في أول شرحه داعيه إلى تأليف هذا الشرح للألفية بما يؤكد ما قدمته عن أهميتها وآثارها، كما أجمل منهجه في الشرح حيث قال:

стр. 796

«وبعد: فإن ألفية علم الحديث المسماة «التبصرة والتذكرة» للشيخ الإمام العالم الحافظ شيخ الإسلام، أبي الفضل عبد الرحيم … العراقي؛ لما اشتملت على نقول عجيبة ومسائل غريبة، وحدود منيعة وموضوعات بديعة، مع كثرة علمها ووجازة نظمها، طلب مني بعض الأعزة علي من الفضلاء المترددين إلي أن أضع عليها شرحًا يحل ألفاظها ويبرز دقائقها ويحقق مسائلها ويحرر دلائلها فأجبته إلى ذلك بعون القادر المالك ضامًا إليه من الفوائد المستجادات ما تقر به أعين أولي الرغبات، … ثم بين أنه إذا أطلق في هذا الشرح لفظ «شيخنا» فمراده به الحافظ ابن حجر العسقلاني (١). وإليك أنموذجًا توضيحيا لهذا الشرح: قال العراقي في مبحث الحديث «المقطوع»: وسم بالمقطوع قول التابعي … وفعله وقد رأى للشافعي تعبيره به عن المنقطع … قلت وعكسه اصطلاح البردعي (٢) فقال الأنصاري في شرحه: «(المقطوع) يُجمع على مقاطيع ومقاطع». ثم انتقل لشرح النظم فقال: «وسم بالمقطوع قول التابعي وفعله» إذا خلى ذلك عن قرينة الرفع والوقف، وكالتابعي من دونه، قاله شيخنا. «وقد رأى»: أي ابن الصلاح.

стр. 797

«للشافعي»: ﵀. «تعبيره به»: أي بالمقطوع، «عن المنقطع»: أي الذي لم يتصل إسناده والمقطوع من مباحث المتن، والمنقطع من مباحث الإسناد، وسيأتي بيانه، وأفاد ابن الصلاح أنه رأى ذلك لغير الشافعي أيضًا ممن تأخر عنه. «قلت: وعكسه»: أي ما للشافعي «اصطلاح»: الحافظ أبي بكر أحمد ابن هارون البرديجي «البردعي»: بدال مهملة على الأكثر، نسبة إلى «بردعة» بلدة من أقصى بلاد «آذربيجان»، حيث جعل المنقطع: هو قول التابعي، وهذا كما قال الناظم: حكاه ابن الصلاح في محل آخر، لكنه لم يعين قائله، قال: فأتيت بـ «قلت»، لأن تعيين قائله من زيادتي عليه (١). ونلاحظ اعتماده على العراقي في بيان زيادته على ابن الصلاح، كما يعرف ذلك بمراجعة شرح العراقي (٢). ٩ - حاشية الطوخي على شرح الأنصاري، وإثبات نسبتها له، وبيان صلتها بالألفية وغيرها، من مؤلفات العراقي: هذه الحاشية عبارة عن تعليقات جيدة كتبها العلامة الشيخ منصور بن عبد الرزاق الطوخي الشافعي المصري المتوفى ١٠٩٠ هـ، على نسخته الخاصة من شرح الأنصاري المتقدم، ولكنه لم يتح له أن يجردها بنفسه في تأليف مستقل، فقام بتجريدها بعض من وقعت له نسخته المذكورة، فجاءت في مجلد متوسط، وقد وقفتُ على ثلاث نسخ خطية منها، فوجدتها جميعًا.

стр. 798

خالية من المقدمة، نظرًا لعدم مباشرة الطوخي نفسه لتجريدها، كما أشرتُ ولم ينص في واحدة منها على اسم من قام بتجريدها، من نسخة الطوخي وتتفق النسخ الثلاثة أيضًا في سقوط ٩ مباحث من آخرها، من أول مبحث «من ذكر بنعوت متعددة»، إلى آخر الألفية، فلعل المجرد لم يجد الشيخ علق عليهم بشيء؛ لأنه جاء بآخر نسخة مكتبة الأزهر الآتي ذكرها ما نصه (هذا آخر ما تيسر جمعه ولله الحمد) وأجود النسخ الثلاث، نسخة موجودة بمكتبة الأزهر برقم (٦٠٢) مصطلح الحديث، وعدد أوراقها ٢٧٧ ورقة وعدد سطور الصفحة ٢٥ سطرًا وخطها واضح، وسقطها أقل، كما أن في آخرها تاريخ الفراغ من نسخها في هـ ذي الحجة ١١٠٦ هـ، وهو تاريخ قريب من حياة المؤلف المتوفى ١٠٩٠ هـ كما سبق، وقد كتب على الصفحة الأولى فيها تحت العنوان: «أنها جُرِّدَتْ من هامش نسخة العلّامة … الشيخ منصور الطوخي ﵀». ومع ذلك جاء بفهرس مكتبة الأزهر أنه لم يعلم مؤلفها (١)، لكن الشيخ العدوي صاحب الحاشية الآتي التعريف بها بعد تلك الحاشية، صرح باعتماده عليها، ونسبتها للشيخ الطوخي، ولقبه بـ «شيخ شيوخنا» (٢)، فهذا يدل على معرفته به عن طريق تلاميذه، وتأكده منهم أن تلك الحاشية فعلا من تأليفه وعدم تجريده لها بنفسه لا يمنع نسبتها إليه، سواء جُردَتْ بعلمه، أو بدون علمه، في حياته أو بعد وفاته، كما تعارف العلماء على ذلك (٣)، ومنهج

стр. 799

الطوخي في تلك الحاشية: أنه يذكر «الكلمة» أو «العبارة» أو طرفًا منها ثم يعلق عليها بما يراه، من التوضيح، أو التكملة، أو الاعتراض، أو الدفاع أو غير ذلك، ويعبر عن الأنصاري بالشارح، أو شيخ الإسلام، وقد يرمز له ب «الشا» اختصارًا. وأهمية هذه الحاشية بالنسبة للألفية ترجع إلى أن شرح الأنصاري كما أوضحنا، ممزوج بالألفية، ولهذا فإنه كثيرًا ما يكون اللفظ أو العبارة التي يتناولها الطوخي بالتعليق، هي جزء من الألفية، فيجعل الطوخي توضيحه أو نقده، أو دفاعه، موجها إلى العراقي، لا إلى الأنصاري، هذا فضلًا عن تناوله بنفس الطريقة، لباقي نقول الأنصاري في شرحه، عن مؤلفات العراقي الأخرى، كشرحيه للألفية، ونكته على ابن الصلاح (١). كما أنه يعرض المقارنة شرح العراقي بشرح الأنصاري (٢)، وقد عبر عن العراقي بالمصنف أو الناظم، وبذلك نجد أن تلك الحاشية، برغم تعلقها المباشر بشرح الأنصاري، إلا أنها تضم بحوثًا عديدة عن ألفية العراقي، وباقي مؤلفاته في علم المصطلح، ومن جهة أخرى فإنه اعتمد على مؤلفات العراقي مباشرة حتى إنه يقول في بعض المواضع: «قال الناظم في شرحه ما نصه كذا (٣)» وإليك بعض أمثلة من تلك الحاشية، توضيحا لذلك. قال العراقي في مبحث «أصح كتب الحديث»:

стр. 800

أول من صنف في الصحيح … محمد وخص بالترجيح (١) فقال الأنصاري في شرحه: «أول من صنف»: في الحديث «الصحيح»: الإمام، (محمد): هو ابن إسماعيل البخاري (٢). فقال الطوخي في حاشيته: «وقول الشارح: «في الحديث»: قال الناظم في شرحه: (جمع الصحيح): قال البقاعي عليه: قيل فائدة لفظ (جمع): إخراج غير الصحيح؛ لأنه إذا كتب شيئا صحيحا، وأدرج فيه شيئا غير صحيح، لم يصدق أنه صنف في جمع الصحيح، وعندي أنه لا فرق بين وجود هذه اللفظة وعدمها؛ لأن كلا العبارتين غير صريح في تجريد الصحيح فإن من كتب الصحيح وضم إليه قليلا من غيره كما فعل مالك، لا يخرج عن كونه صنف في الصحيح أو في جمع الصحيح وعبارة ابن الصلاح: «أول من صنف الصحيح» كما تقدم، أي جعله أصنافا، وهي غير صريحة في أن المراد أول من أفرد الصحيح من غيره فلو قال (العراقي في النظم)»: أول من صنف الصحيح … فقط محمد وبالترجيح خص، فمسلم وبعض الغرب مع … أبي علي فضلوا ذا لو نفع لكان أحسن (٣)

стр. 801

١٠ - حاشية العِدْوي على شرح الأنصاري: منهجها، ومميزاتها، وصلتها بالألفية وغيرها من مؤلفات العراقي في المصطلح: مؤلف هذه الحاشية، هو الإمام شيخ الشيوخ في عصره، علي بن أحمد بن مكرم الصعيدي العدوي المالكي المتوفى بالقاهرة ١١٨٩ هـ (١)، وتوجد منها عدة نسخ خطية (٢)، من أجودها خطا وتوثيقا، نسخة بدار الكتب المصرية برقم (٢١٥٩٦) ب، وتقع في مجلد، وعدد أوراقه ٣٣٩ ورقة من القطع المتوسط، وعدد سطور الصفحة ٢٤ سطرًا، ما عدا ورقتين من الوسط مسطرتهما أقل، وخطها عادي، ومثبت بهامشها تصحيحات للأصل. كما أثبت بالهامش أيضًا في مواضع كثيرة من أولها إلى آخرها علامة مقابلتها على نسخة المؤلف التي بخطه، ولذا كان اعتمادي في هذا المبحث عليها، مع الإستعانة بغيرها من النسخ الأخرى، وقد جاء في نهاية بعض النسخ الموثقة أيضًا: أن العدوي فرغ من تلك الحاشية في يوم الثلاثاء ١٦ شوال ١١٦٧ هـ (٣). ومنهجه فيها هو نفس منهج الطوخي في حاشيته السابقة، لأنه جعلها عمدة له، كما سيأتي، ولهذا فإن ما قدمته عن صلة حاشية الطوخي بالألفية ويباقي مؤلفات العراقي في هذا الفن، ينطبق على حاشية العدوي هذه؛ لكن

стр. 802

وجدتها بعد البحث والمقارنة، تمتاز عنها بعدة مميزات، أهمها: تناول كثير مما أغفله عامة الشارحين للألفية قبله من ألفاظها ومضامينها العلمية، وتناول ما أودعه الطوخي في حاشيته بالتحقيق، والاستدراك، والقطع في بعض ما لم يقطع فيه برأي، وتناول ما لم يتناوله من شرح الأنصاري، خاصة وأنه ألف تلك الحاشية بعد دراسة تفصيلية للشرح. وقد بين العدوي بنفسه ما دعاه إلى تأليفها، ومنهجه فيها، فقال: «وبعد فيقول الفقير إلى الله تعالى، عليّ الصعيدي العدوي المالكي: لما تفضل المولى الكريم بحضور هذا الكتاب «يعني شرح الأنصاري» من أوله إلى آخره وأخذه عن المشايخ الثقات، وإجازتهم به، وبمطالعته مع الإخوان، وظهر شيء مما يتعلق بحل الشرح، أحببت أن أضعه، مع ما أضمه إليه من كتب هذا الفن، ومن حاشية شيخ شيوخنا الشيخ العلامة الورع الزاهد، الشيخ منصور الطوخي، مشيرًا إليه بمادة «هـ. طخ» في أوراق، تذكرة لنفسي ولمن هو قاصر مثلي» (١). ومن نماذج تلك الحاشية: أن العراقي في الألفية نسب نفسه إلى الأثر بقوله: «عبد الرحيم بن الحسين الأثري» (٢) فقال الأنصاري: «الأثري»: نسبة إلى الأثر وهو الأحاديث مرفوعة أو موقوفة، وإن قصره بعض الفقهاء على الموقوفة (٣) فقال العدوي: «قوله مرفوعة: أي إلى النبي ﷺ حقيقة، وهو ظاهر، أو حكما كأن يقول.

стр. 803

الصحابي قولًا ولا يُسنده إليه ﷺ ، إلا أنه ليس للرأي فيه مجال وقوله: «أو موقوفة»: أي على الصحابي، كقال ابن عمر كذا، مما للرأي فيه مجال. ولا فرق في المرفوع بين أن يسقط من سنده راوٍ، أو اثنان، على التوالي أم لا أو لا يسقط منه راوٍ، فهو يشمل أنواعًا كثيرة، كما يأتي، فلذا قابل الشيخ «مرفوعة» بـ «موقوفة»، أفاده «طخ»، ثم أضاف قائلًا: قوله: «وإن قصره، الواو للحال، أو للمبالغة، أي هذا إذا لم يلاحظ قصر بعض الفقهاء؛ بل وإن لوحظ فلا يضرنا، إما لأنه اصطلاح طار منه، أو لمخالفته للأكثر، فافهم» (١). ١١ - شرح إبراهيم الشبراخيتي للألفية، وبعض نصوصه النادرة: مؤلف هذا الشرح هو الشيخ برهان الدين إبراهيم بن مرعي بن عطية الشبراخيتي المالكي نزيل مصر المتوفى ١١٠٦ هـ، وقد ذكر هذا الشرح صاحب «إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون» (٢)، ومن تاريخ وفاة مؤلفه يظهر لنا تأخره عن الشروح والحواشي المتقدمة عمومًا، ما عدا حاشية العدوي، ومع ذلك لم يوقفني البحث على نسخة منه، لكني وقفت على عدة نصوص منسوبة إليه، وذلك في حاشية أبي سعيد الهزاروي الهندي على الألفية. وسأعرف بها عقب هذا مباشرة، وقد ذكر أبو سعيد أنه استمد في حاشيته من شروح الألفية، ومن ضمنها «شرح الشبراخيتي» ثم قال: «ولم أقف على مؤلفه» (٣).

стр. 804

فيظهر أنه وجد نسخة من الشرح معنونة بشرح الشبراخيتي، دون تعريف به أما النقول التي عزاها إلى الشرح فهي عبارة عن ثلاث تعليقات، في مبحث أقسام الحديث (١)، وتعليق واحد في مبحث «الحديث المرفوع» (٢). ومما نقله عنه في (أقسام الحديث) التعليق على قول العراقي في الألفية: (لخصت فيها ابن الصلاح أجمعه)؛ حيث قال بعد التعريف بابن الصلاح: «واعتنى باختصار كتابه جماعة، منهم: النووي في إرشاده، واختصر أيضًا التاج التبريزي، وقاضي القضاة بدر الدين بن جماعة» والناظم في هذه المنظومة، والحافظ ابن حجر العسقلاني وغيرهم، انتهى الشبراخيتي (٣). ولما كان الهزاروي الذي وقف على هذا الشرح واستمد منه، قد عاش في سنة ١٣٠٠ هـ كما سيأتي، فإن هذا يدل على وجود بعض نسخ الشرح وتداولها بعد عصر الشبراخيتي بكثير. ١٢ - حاشية أبي سعيد الهزاروي على الألفية: هذه تعليقات جمعها أحد علماء الهند في القرن الثالث عشر الهجري وجعلها حاشية على ألفية العراقي، ثم قام بطبعها، وفي بدايتها عرف بنفسه فذكر أنه: أبو سعيد محمد بن حسين بن عبد الستار الإسرائيلي، نسبًا السني مذهبًا، الهزاروي وطنًا. وأما في خاتمة الطبع فبين منهجه في جمع تلك التعليقات، ومصادره وهدفه

стр. 805

من جمعها، وخلاصة ما ذكره، أنه وقف على بعض النسخ الخطية للألفية فوجد عليها بعض التعليقات بالهامش فنسخها مع الألفية، ثم زاد عليها تعليقات أخرى، أخذها من شروح الألفية السابق التعريف بها، وهي: «شروح السخاوي»، والسيوطي، والأنصاري، والشبراخيتي، ثم أضاف تعليقات أخرى استمدها من بعض المؤلفات في علم المصطلح، أو تلقاها شفاهة من شيوخه، وسمى تلك التعليقات خاصة: «تحفة الباقي» لكنه جمع كل التعليقات ورتبها، بحيث ذكر التعليقات المأخوذة عن الشروح ناسبًا غالبها إلى مصدره، وتارة يرمز «لفتح الباقي» للأنصاري، أو «فتح المغيث» للسخاوي بحرف (الفاء) وأما التعليقات التي سماها «تحفة الباقي» فيذكر هذا الاسم في آخرها، وبعد هذا الجمع والترتيب، قام بطبع تلك التعليقات مع الألفية بالهند سنة ١٣٠٠ هـ، رغبة منه في توضيح محتواها من علم المصطلح، للدارسين، وعملا على نشرها وتداولها بأقطار الهند الشاسعة، فضلا عن سواها، وهذا من خير الأدلة على استمرار كل من العناية والاستفادة بألفية العراقي، وما تعلق بها من الشروح في علم المصطلح، وعلى أوسع نطاق، في مختلف الأزمنة والأمكنة، من شرق العالم الإسلامي وغربه، وفوق أن هذه الحواشي، قد وضحت كثيرًا من ألفاظ ومضامين الألفية ويشرت الاستفادة العامة بها، كما قصد جامعها، فإنها تمتاز أيضًا باشتمالها على نصوص بعض شروح الألفية المفتقدة، كالشرح الكبير للعراقي كما سيأتي، وشرح الشبراخيتي كما تقدم بيانه. أنموذج تحفة الباقي: وسأكتفي هنا بذكر أنموذج لما سماه المؤلف «تحفة الباقي»، لأنه عده من

стр. 806

جهوده هو، وذلك أن العراقي قال في «أقسام الحديث»: وأهل هذا الشأن قَسَّموا السنن … إلى صحيح وضعيف وحسن (١)، فعلق على ذلك بقوله: «هذا التقسيم الكلي إلى بعض أجزائه، كتقسيم الكلمة إلى اسم وفعل وحرف، ولذا فإنه يتعين التعبير بالواو، واعلم أن هذا التقسيم بالنظر إلى المتن أما إذا نظرنا إلى أوصاف الرواة فقيل: هو ثقة، عدل ضابط، أو غير ثقة، أو متهم، أو مجهول، أو كذاب، أو نحو ذلك، فيكون البحث عن الجرح والتعديل. وإذا نظرنا إلى كيفية أخذهم، وطرق تحملهم الحديث، كان البحث عن أوصاف الطالب، وإذا بحث عن أسمائهم وأنسابهم، كان البحث عن تعينهم وتشخيص ذواتهم «تحفة الباقي» (٢)، وبمراجعة كتب المصطلح، نجد أن هذه التعليقة مأخوذة عن كتاب «الخلاصة في معرفة الحديث» للإمام الطيبي مع بعض تصرف (٣)، ولكنه لم يعزها لا إلى الخلاصة، ولا إلى غيرها. هذا وقد كان طبع تلك الحاشية بالمطبع الفاروقي، في دهلي بالهند، وتقع في ١٦٢ صفحة من القطع الكبير، وقد عنى المؤلف بتصويب أهم أخطاء الطبع، ولكن شكل الطبعة يجعل الاطلاع عليها صعبًا، لأن التعليقات مطبوعة، إما بين سطور الألفية، أو على هامش الصفحات في اتجاهات متعددة، ومن أعلا إلى أسفل، وبالعكس، بحيث يضطر المطلع إلى إدارة الكتاب أمامه في كل الإتجاهات، فضلا عن أنه قد مر على تلك الطبعة نحو.

стр. 807

قرن من الزمان، ولهذا فإنه ينبغي إعادة طبعها، طبعة محققة تيسر الانتفاع بها، وانتشارها. تعقيب: ولعلي بهذا قد وفقت في عرض عناية العلماء والدارسين لعلم المصطلح بشرح تلك الألفية وبحثها والعمل على نشرها والاستفادة بها في مختلف العصور والأقطار، حتى عصرنا الحاضر. وبالله التوفيق.

стр. 808

٢ - الشرح الكبير للعراقي لألفيته وأهميته، ولماذا لم يكمله؟ ذكرت من قبل أنه كان من عناية العراقي المستديمة بألفيته، تأليف شرحين لها، وهذا هو الشرح الأول منهما، وقد كان من مناهج التأليف المعتادة في عصر العراقي، أن العالم بعد أن يؤلف كتابًا موجزًا في أحد الفنون، منثورًا أو منظومًا، ويُعرف بـ «المتن»، يتصدى لشرحه بشرح أو أكثر، وتعتبر مباشرة مؤلف المتن لشرحه، ذات أهمية كبيرة، من ناحية أنه يكشف بنفسه عما أودعه في كلامه الوجيز أو المنظوم، من معان وإشارات دقيقة، وما أراده من مقاصد متعددة، قد يعسر أو يتعذر على غيره الاهتداء إليها (١). ولهذا فإن الحافظ ابن حجر لما سبقه كمال الدين الشُّمُنِّي، المتوفى ٨٢١ هـ (٢) إلى شرح كتابه «نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر» بشرح ضخم، ثم تصدى هو بعد ذلك لشرحه بنفسه، قال في مقدمة الشرح معرضًا بالشمني: «فبالغت في شرحها في الإيضاح والتوجيه، ونبهت على خبايا زواياها؛ لأن صاحب البيت أدرى بما فيه» (٣). ومن هنا كان تصدي العراقي لشرح ألفيته بنفسه، له أهميته الكبرى في توضيح محتوياتها للدارسين، وبيان مقاصده العلمية فيها، سواء في هذا الشرح الكبير، أو المتوسط الآتي بعده، بالمشيئة.

стр. 809

ويزيد من أهمية (الشرح الكبير) - وإن كان لم يكمل - أنه شرح موسع كما أنه أول شروح الألفية مطلقا؛ حيث إن شروح وتعليقات العلماء على الألفية، متأخرة كلها عن شرحي العراقي، كما قدمت بيانه، ثم صرح العراقي نفسه في مقدمة شرحه المتوسط، بتقدم الشرح الكبير، حيث قال بعد ذكر نظمه للألفية: «وشرعت في شرح لها بسطته وأوضحته، ثم رأيته كبير الحجم فاستطلته، ومللته، ثم شرعت في شرح لها متوسط .. إلخ» (١). ومن هذا يتضح أنه شرع في الشرح الكبير وأنجز ما أنجزه منه، بعد نظم الألفية وقبل شروعه في الشرح المتوسط، ومع أنه لم يحدد تاريخا، للشروع ولا التوقف، إلا أنه بالرجوع لتاريخي فراغه من الألفية، ومن شرحها المتوسط الذي ذكر فيه ذلك، يمكن حصر الفترة التي ألف فيها العراقي ما تيسر له من هذا الشرح، بين أواخر ٧٦٨ هـ، وأوائل ٧٧١ هـ، لأنه فرغ من الألفية كما تقدم في ١٤ رجب ٧٦٨ هـ، ومن شرحها المتوسط كما سيأتي في ٢٩ رمضان سنة ٧٧١ هـ، ويلاحظ أن العراقي لم يحدد اسما لهذا الشرح ولكنه لقبه بـ (الشرح الكبير)، وذلك عند إحالته عليه في مواضع من شرحه المتوسط (٢) وتبعه على ذلك غيره كما سيأتي ذكره. يلاحظ كذلك أن العراقي جعل السبب في انصرافه عن إتمام هذا الشرح والملل منه، هو توسعه الكبير فيه، بحيث رأى أنه لو أتمه لكان كبيرا في حجمه، مطولا في مضمونه، ولا ينبغي أن يفهم من هذا تقليله القيمة العلمية لما أنجزه من هذا الشرح، لقوله عنه بعد ذلك عند الإحالة عليه: إن

стр. 810

فيه فوائد مهمة، لا يستغني عنها طالب الحديث (١). كما أنه سيتضح لنا جودة المعلومات والآراء التي حدَّد بنفسه، فضلا عن غيره، وجودها فيه، وعليه، فإن كلامه السابق عن عدم إتمام هذا الشرح ينبغي حمله على أنه كان يميل أساسًا إلى التركيز والتوسط في التأليف في علم المصطلح، دون استطراد أو إطناب، نظرًا لأن موضوعه، وهو القواعد والحدود المصطلح عليها بين علماء السنة، طابعها الإيجاز، بعكس المجال التطبيقي لذلك في شرح الأحاديث، وبيان أحوال أسانيدها وفقهها، فإنه حبذ التوسع في ذلك وانتهجه في التأليف كما سيأتي. القدر الذي أنجزه العراقي من الشرح: لم يحدد العراقي في كلامه السابق عن هذا الشرح، القدر الذي أنهاه منه كما أني لم أجده تعرض لذلك في موضع آخر خلال إطلاعي على أكثر مؤلفاته، ولكني وقفت على تحديد ابن فهد المكي، لذلك إجمالاً، حيث قال بعد ذكر الألفية: إن العراقي شرع في شرح مطول عليها، كتب منه نحوًا من ٦ كراريس (٢). أما الإمام البقاعي فقد حدَّد ذلك تفصيلاً، حيث علق في حاشيته الآتي ذكرها بعد، على قول العراقي المتقدم عن هذا الشرح: «ثم رأيته كبير الحجم»، فقال: قوله كبير الحجم، أي ظننت أنه إذا أكمل، يكون كبيرًا.
следующие страницы →