← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 30167

الحافظ العراقي وأثره في السنة

أحمد بن معبد عبد الكريم

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

جهوده هو، وذلك أن العراقي قال في «أقسام الحديث»: وأهل هذا الشأن قَسَّموا السنن … إلى صحيح وضعيف وحسن (١)، فعلق على ذلك بقوله: «هذا التقسيم الكلي إلى بعض أجزائه، كتقسيم الكلمة إلى اسم وفعل وحرف، ولذا فإنه يتعين التعبير بالواو، واعلم أن هذا التقسيم بالنظر إلى المتن أما إذا نظرنا إلى أوصاف الرواة فقيل: هو ثقة، عدل ضابط، أو غير ثقة، أو متهم، أو مجهول، أو كذاب، أو نحو ذلك، فيكون البحث عن الجرح والتعديل. وإذا نظرنا إلى كيفية أخذهم، وطرق تحملهم الحديث، كان البحث عن أوصاف الطالب، وإذا بحث عن أسمائهم وأنسابهم، كان البحث عن تعينهم وتشخيص ذواتهم «تحفة الباقي» (٢)، وبمراجعة كتب المصطلح، نجد أن هذه التعليقة مأخوذة عن كتاب «الخلاصة في معرفة الحديث» للإمام الطيبي مع بعض تصرف (٣)، ولكنه لم يعزها لا إلى الخلاصة، ولا إلى غيرها. هذا وقد كان طبع تلك الحاشية بالمطبع الفاروقي، في دهلي بالهند، وتقع في ١٦٢ صفحة من القطع الكبير، وقد عنى المؤلف بتصويب أهم أخطاء الطبع، ولكن شكل الطبعة يجعل الاطلاع عليها صعبًا، لأن التعليقات مطبوعة، إما بين سطور الألفية، أو على هامش الصفحات في اتجاهات متعددة، ومن أعلا إلى أسفل، وبالعكس، بحيث يضطر المطلع إلى إدارة الكتاب أمامه في كل الإتجاهات، فضلا عن أنه قد مر على تلك الطبعة نحو.

стр. 807

قرن من الزمان، ولهذا فإنه ينبغي إعادة طبعها، طبعة محققة تيسر الانتفاع بها، وانتشارها. تعقيب: ولعلي بهذا قد وفقت في عرض عناية العلماء والدارسين لعلم المصطلح بشرح تلك الألفية وبحثها والعمل على نشرها والاستفادة بها في مختلف العصور والأقطار، حتى عصرنا الحاضر. وبالله التوفيق.

стр. 808

٢ - الشرح الكبير للعراقي لألفيته وأهميته، ولماذا لم يكمله؟ ذكرت من قبل أنه كان من عناية العراقي المستديمة بألفيته، تأليف شرحين لها، وهذا هو الشرح الأول منهما، وقد كان من مناهج التأليف المعتادة في عصر العراقي، أن العالم بعد أن يؤلف كتابًا موجزًا في أحد الفنون، منثورًا أو منظومًا، ويُعرف بـ «المتن»، يتصدى لشرحه بشرح أو أكثر، وتعتبر مباشرة مؤلف المتن لشرحه، ذات أهمية كبيرة، من ناحية أنه يكشف بنفسه عما أودعه في كلامه الوجيز أو المنظوم، من معان وإشارات دقيقة، وما أراده من مقاصد متعددة، قد يعسر أو يتعذر على غيره الاهتداء إليها (١). ولهذا فإن الحافظ ابن حجر لما سبقه كمال الدين الشُّمُنِّي، المتوفى ٨٢١ هـ (٢) إلى شرح كتابه «نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر» بشرح ضخم، ثم تصدى هو بعد ذلك لشرحه بنفسه، قال في مقدمة الشرح معرضًا بالشمني: «فبالغت في شرحها في الإيضاح والتوجيه، ونبهت على خبايا زواياها؛ لأن صاحب البيت أدرى بما فيه» (٣). ومن هنا كان تصدي العراقي لشرح ألفيته بنفسه، له أهميته الكبرى في توضيح محتوياتها للدارسين، وبيان مقاصده العلمية فيها، سواء في هذا الشرح الكبير، أو المتوسط الآتي بعده، بالمشيئة.

стр. 809

ويزيد من أهمية (الشرح الكبير) - وإن كان لم يكمل - أنه شرح موسع كما أنه أول شروح الألفية مطلقا؛ حيث إن شروح وتعليقات العلماء على الألفية، متأخرة كلها عن شرحي العراقي، كما قدمت بيانه، ثم صرح العراقي نفسه في مقدمة شرحه المتوسط، بتقدم الشرح الكبير، حيث قال بعد ذكر نظمه للألفية: «وشرعت في شرح لها بسطته وأوضحته، ثم رأيته كبير الحجم فاستطلته، ومللته، ثم شرعت في شرح لها متوسط .. إلخ» (١). ومن هذا يتضح أنه شرع في الشرح الكبير وأنجز ما أنجزه منه، بعد نظم الألفية وقبل شروعه في الشرح المتوسط، ومع أنه لم يحدد تاريخا، للشروع ولا التوقف، إلا أنه بالرجوع لتاريخي فراغه من الألفية، ومن شرحها المتوسط الذي ذكر فيه ذلك، يمكن حصر الفترة التي ألف فيها العراقي ما تيسر له من هذا الشرح، بين أواخر ٧٦٨ هـ، وأوائل ٧٧١ هـ، لأنه فرغ من الألفية كما تقدم في ١٤ رجب ٧٦٨ هـ، ومن شرحها المتوسط كما سيأتي في ٢٩ رمضان سنة ٧٧١ هـ، ويلاحظ أن العراقي لم يحدد اسما لهذا الشرح ولكنه لقبه بـ (الشرح الكبير)، وذلك عند إحالته عليه في مواضع من شرحه المتوسط (٢) وتبعه على ذلك غيره كما سيأتي ذكره. يلاحظ كذلك أن العراقي جعل السبب في انصرافه عن إتمام هذا الشرح والملل منه، هو توسعه الكبير فيه، بحيث رأى أنه لو أتمه لكان كبيرا في حجمه، مطولا في مضمونه، ولا ينبغي أن يفهم من هذا تقليله القيمة العلمية لما أنجزه من هذا الشرح، لقوله عنه بعد ذلك عند الإحالة عليه: إن

стр. 810

فيه فوائد مهمة، لا يستغني عنها طالب الحديث (١). كما أنه سيتضح لنا جودة المعلومات والآراء التي حدَّد بنفسه، فضلا عن غيره، وجودها فيه، وعليه، فإن كلامه السابق عن عدم إتمام هذا الشرح ينبغي حمله على أنه كان يميل أساسًا إلى التركيز والتوسط في التأليف في علم المصطلح، دون استطراد أو إطناب، نظرًا لأن موضوعه، وهو القواعد والحدود المصطلح عليها بين علماء السنة، طابعها الإيجاز، بعكس المجال التطبيقي لذلك في شرح الأحاديث، وبيان أحوال أسانيدها وفقهها، فإنه حبذ التوسع في ذلك وانتهجه في التأليف كما سيأتي. القدر الذي أنجزه العراقي من الشرح: لم يحدد العراقي في كلامه السابق عن هذا الشرح، القدر الذي أنهاه منه كما أني لم أجده تعرض لذلك في موضع آخر خلال إطلاعي على أكثر مؤلفاته، ولكني وقفت على تحديد ابن فهد المكي، لذلك إجمالاً، حيث قال بعد ذكر الألفية: إن العراقي شرع في شرح مطول عليها، كتب منه نحوًا من ٦ كراريس (٢). أما الإمام البقاعي فقد حدَّد ذلك تفصيلاً، حيث علق في حاشيته الآتي ذكرها بعد، على قول العراقي المتقدم عن هذا الشرح: «ثم رأيته كبير الحجم»، فقال: قوله كبير الحجم، أي ظننت أنه إذا أكمل، يكون كبيرًا.

стр. 811

وَإِلَّا فهو لم يوجد منه إلا قطعة يسيرة، وصل فيها إلى الضعيف (١). ومبحث الحديث الضعيف هذا هو الباب التاسع من الألفية، البالغ عدد أبوابها ١٠٤ أبواب، وَيُعْتَبَرُ تحديد البقاعي هذا مؤكدًا؛ لأنه صرح باطلاعه على هذه القطعة من الشرح بخط المصنف (٢)، ونقل عنها في حاشيته مرارًا كما سيأتي. ما وقفت عليه من نصوص الكتاب ومضامينه، ونماذجها، وأثرها: لم يوفقني البحث في فهارس كثير من مكتبات العالم، فضلا عن مصر على أي شيء من نسخ تلك القطعة من الشرح، لكني وقفت على تعريف العراقي نفسه ببعض مضامينها، حيث أحال عليها في خمسة مواضع من شرحه المتوسط، كما أشرت لذلك من قبل، ثم وقفت على أكبر قدر من النقول عنها في حاشية البقاعي، حيث نقل في ١٤ موضعًا منها، عن هذا الشرح (٣). ونقل عنه أيضًا الحافظ قاسم قطلوبغا الحنفي في حاشيته الآتية بعد، وذلك في موضوعين (٤)، ونقل عنه السخاوي في شرحه الذي تقدم ذكره، للألفية وذلك في موضع واحد (٥)، ونقل عنه الأنصاري في شرحه المتقدم أيضًا للألفية.

стр. 812

وذلك في ٣ مواضع (١)، أما السيوطي فنقل عنه في موضع واحد في شرحه لألفيته في المصطلح (٢)، وفي التدريب نقل في موضع مع العزو إلى العراقي (٣)، وفي آخر نقل الفكرة بدون عزو (٤). وبالنظر إلى تاريخ وفاة هؤلاء العلماء، يظهر لنا أن قطعة الشرح المذكور كان موجودًا بعض نسخ منها، ومتداولة للاستفادة منها، خلال قرن من الزمان بعد وفاة العراقي، ثم تداول نقولهم السابقة، من جاء بعدهم كما سيأتي في الأمثلة، ومع تعدد هذه النقول، إلا أنها متفرقة، لا تصور منهج العراقي المتكامل في هذا الشرح، ولذا فإني سأكتفي بذكر بعض النماذج الموضحة لمضمون الكتاب وآراء العراقي فيه، وآثارها. الآراء في أصح الأسانيد: فمن ذلك أول موضوع أحاله العراقي بنفسه على هذا الشرح، في مبحث أقسام الحديث، حيث ذكر في شرحه المتوسط، الأقوال التي ذكرها ابن الصلاح في أصح الأسانيد، ثم قال: (وفي المسألة أقوال أخر، ذكرتها في الشرح الكبير) (٥). وقد علق على قول العراقي هذا، الشيخ زكريا الأنصاري في شرحه للألفية فقال: «قال الناظم وفي المسألة أقوال أُخر ذكرتها في (الشرح الكبير)

стр. 813

وعقب قائلاً: جملتها على ما ذكره ستة» (١)، وهذا يدل صراحة على وقوفه على تلك الأقوال في هذا الشرح وإحصائها تفصيلاً، لكنه لم ينقل منها في شرحه شيئاً، بل اكتفى بالإشارة المذكورة إلى عددها، أما الحافظ زين الدين قاسم بن قطلوبغا الحنفي، فإنه ذكر الأقوال الستة في حاشيته على شرح العراقي المتوسط، حيث قال: «قوله: وفي المسألة أقوال أخر، ذكرتها في الشرح الكبير» قلت: منها أن قوماً قالوا: أصح الأسانيد يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة، حكاه الحاكم … ... .. ، وساق الأقوال الخمسة الأخرى (٢)، وهذا مما يدل على إطلاعه على الشرح المذكور ونقلها منه واستفادته عموماً به. وكذا علق البقاعي في حاشيته على قول العراقي المذكور قائلاً: «قوله: أقوال أخر ذكرتها في الشرح الكبير» جملتها مع ما هنا - يقصد المذكور في الشرح المتوسط، عشرة، فقيل: يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة … ... … ، وساق ثلاثة آراء آخرين، مثلما عند ابن قطلوبغا (٣)، مما يدل على اتفاقهما في الاعتماد على قطعة الشرح المذكورة نصاً. بيان العراقي لأوائل المصنفين للحديث: هذا هو الموضوع الثاني الذي قرر العراقي أنه تناوله في «الشرح الكبير» وذلك أنه في شرحه المتوسط في مبحث «أقسام الحديث» ذكر أول من صنف في جمع الحديث الصحيح، ثم قال: «وأما أول من صنف مطلقاً لا

стр. 814

يقيد جمع الصحيح، فقد بينته في «الشرح الكبير» (١). وقد علق ابن قطلوبغا في حاشيته على ذلك فقال: «قوله: فقد بينته في الشرح الكبير: المذكور ثمة، أن أول من صنف العلم وبوبه: ابن جريج بمكة ومالك وابن أبي ذئب بالمدينة والأوزاعي بالشام، والثوري بالكوفة، وسعيد ابن أبي عروبة، والربيع بن صبيح بالبصرة، ومعمر باليمن، وكل هؤلاء، في عصر واحد فلا يدري أيهم أسبق» (٢). فقول ابن قطلوبغا: «المذكور ثمة»، يعني في «الشرح الكبير» للعراقي وهذا يدل على وقوفه عليه، ونقله المباشر منه، لكنا نجد البقاعي في حاشيته يشرك شيخه ابن حجر مع العراقي في ذكر هذا الموضوع بنصه المتقدم، حيث يقول: قال شيخنا - يعني ابن حجر - أول من صنف في العلم وبوبه .. إلى آخر النص المتقدم، ثم قال: «هكذا في شرح المصنف - يعني العراقي - الكبير» (٣)، فهذا يدل على أن ابن حجر قد أخذ ذلك عن شرح شيخه العراقي وأقره عليه، ويعتبر هذا الموضوع أشهر الموضوعات التي تناولها العلماء بعد البقاعي، منسوبة إلى العراقي وتلميذه ابن حجر معا (٤). رأي العراقي في الرواة الذين احتج بمثلهما البخاري ومسلم، أو غيرهما وبماذا تعرف المثلية؟ ذكر العراقي في شرحه المتوسط قول الحاكم في مقدمة مستدركه على

стр. 815

الصحيحين: وأنا أستعين الله تعالى على إخراج أحاديث رواتها ثقات، احتج بمثلها الشيخان أو أحدهما. ثم قال: «وقد بينت المثلية في «الشرح الكبير» (١) فقال البقاعي في حاشيته: عبارته فيه: «ثم ما المراد بالمثلية عندهما أو عند غيرهما؟ فقد يكون بعض من لم يخرج عنه في الصحيح، مثل من خرج عنه فيه، أو أعلا منه عند غير الشيخين، ولا يكون الأمر عندهما على ذلك، فالظاهر أن المعتبر وجود المثلية عندهما، ثم المثلية عندهما تعرف، إما بتنصيصهما على أن فلانا مثل فلان أو أرفع منه، وقلما يوجد ذلك، وإما بالألفاظ الدالة على مراتب التعديل، كأن يقولان في بعض من احتجا به: ثقة، أو ثبت، أو صدوق، أو لا بأس به، أو غير ذلك، من ألفاظ التوثيق، ثم وجدنا عنهما أنهما قالا ذلك، أو أعلا منه، في بعض من لم يحتجا به في كتابيهما فيستدل بذلك على أنه عندهما في رتبة من احتجا به؛ لأن مراتب الرواة معيار معرفتها، ألفاظ التعديل والجرح» ثم استدرك العراقي قائلا: «ولكن هنا أمر فيه غموض لابد من الإشارة إليه، وذلك أنهم لا يكتفون في التصحيح بمجرد حال الراوي في العدالة والاتصال من غير نظر إلى غيره، بل ينظرون في حاله مع من روى عنه، في كثرة ملازمته له أو قلتها، أو كونه من بلده، ممارسا لحديثه أو غريبا عن بلد من أخذ عنه، فهذه أمور تظهر بتصفح كلامهم وعملهم في ذلك، والله تعالى أعلم»» (٢).

стр. 816

وبالتأمل فيما ذكر نجد أن بيان العراقي للمثلية عند الشيخين وغيرهما وتحقيقه ما تعرف به المثلية عندهما، وكشفه الجوانب الغموض، وكيفية التغلب عليها، كل ذلك من آرائه واستنتاجه العلمي، الذي قرره اعتمادًا على بحثه في تصرف البخاري ومسلم في صحيحيهما، وتصرف غيرهما، وعلى خبرته الجيدة بقواعد الجرح والتعديل والتصحيح والتمريض وتطبيقها، ولم أجد من تعرض لهذا البحث على النحو المذكور غيره، وقد نقله البقاعي برمته كما ترى عن الشرح الكبير، وأقره. ثم تلقفه عنه من بعده (١). وبهذا توالى امتداد أثر بحوث العراقي وآرائه. رأي العراقي في التقسيم، والترتيب الموضوعي لبعض المباحث مقارنا بغيره: ذكر الحاكم في كتابه (معرفة علوم الحديث) في نوع الجرح والتعديل عددًا من آراء العلماء في أصح الأسانيد، ثم ذكر عددًا من الآراء أيضًا في أوهى الأسانيد (٢)، فجاء ابن الصلاح من بعده وألحق بيان الجرح والتعديل بمبحث «معرفة من تقبل روايته ومن ترد» (٣). وألحق بعض الأقوال في أصح الأسانيد بنوع الحديث الصحيح لتناسبهما (٤)، وأهمل كلية ذكر الآراء في أوهى الأسانيد، فجاء بعده الإمام البلقيني قرين العراقي، فذكر بيان أوهى الأسانيد في مبحث الحديث الصحيح، عقب بيان أصح الأسانيد رعاية لتقابلهما، حيث قال بعد

стр. 817

ذكر الآراء في أصح الأسانيد: زيادة مقابلة لما تقدم: «قال الحاكم: أوهى أسانيد أهل البيت عمرو بن شمر عن جابر الجعفي عن الحارث عن علي … وساق بقية الآراء» (١). أما العراقي فرأى أن علاقة المقابلة بين أصح الأسانيد وأوهاها، لا تكفي مبررا لذكرها معها في مبحث الصحيح كما فعل البلقيني، لعدم مناسبة الواهي للصحيح، وعليه قرر في شرحه الكبير للألفية: أن الأولى ذكر أوهى الأسانيد في مبحث «الحديث الضعيف» لتناسبهما، ثم طبق ذلك فعلا بعد ذلك في نظمه لكتاب «الاقتراح» لابن دقيق العيد كما سيأتي. فلما ألف البقاعي حاشيته على شرح العراقي المتوسط، تبع البلقيني في ذكر أوهى الأسانيد ضمن مبحث الصحيح، في مقابلة أصح الأسانيد؛ لكنه أعقب ذلك بذكر رأي العراقي السابق، وصدقه عليه، حيث قال: «قال العراقي فيما وجد من شرحه الكبير: إن ذكر أوهى الأسانيد في قسم الضعيف أليق، وصدق» (٢). أما السيوطي فذكر ذلك في (التدريب) وطبقه فعلا، لكنه لم ينسبه للعراقي، بل ذكر أصح الأسانيد، ثم قال: «ذكر الحاكم هنا، والبلقيني في «محاسن الاصطلاح»، أوهى الأسانيد، مقابلة لأصح الأسانيد، وذكره في نوع الضعيف أليق، وسيأتي إن شاء الله تعالى - يعني في نوع الضعيف (٣)، ثم ذكرها فعلا فيه» (٤).

стр. 818

ويلاحظ أن إشراك السيوطي للحاكم مع البلقيني في ذكر أوهى الأسانيد مع أصحها هنا، أي في مبحث الحديث الصحيح الذي أورد فيه كلامه السابق غير دقيق؛ لأن الحاكم لم يوردهما في مبحث الصحيح كالبلقيني، بل أوردهما في مبحث (الجرح والتعديل) كما قدمت، كأمثلة تطبيقية لقواعدهما، وبذلك كان ذكر الحاكم لهما معًا في هذا المبحث، غير منتقد لشموله لهما بعكس ذكر البلقيني لهما في مبحث (الصحيح) الذي لا يشمل الواهي، ولهذا فإن ابن الصلاح اقتصر على ذكر أصح الأسانيد مع الصحيح، فكان على من بعده تتميما للتقسيم والترتيب الموضوعي، ذكر أوهى الأسانيد في مبحث الضعيف؛ لمناسبتها له، وهذا ما رآه العراقي وطبقه، وصدقه البقاعي والسيوطي عليه، كما أشرنا. تعريف العراقي للمُحدِّث: من الضوابط الاصطلاحية التي تناولها العراقي في شرحه الكبير تعريفه للمحدث، حيث كان ذِكْرُ حَدٌ ضابط ومميز له عن غيره، من المشتغلين بالسنة، مما يشغل معاصريه، فضلًا عمن قبلهم (١)، وقد ذكره في شرح قوله في الألفية: «وأهل هذا الشأن قسموا السنن … » (٢). وذكر عنه أبو سعيد الهزاروي الهندي في حاشيته على الألفية كما تقدم ذكرها، فقال: «وأهل هذا الشأن، وهم المحدثون رضوان الله عليهم، قال الناظم في الشرح الكبير: المحدث من كتب وقرأ وسمع ووعى ورحل إلى

стр. 819

المدائن والقرى، وحصل أصولاً من متون الأحاديث وفروعًا من كتب الأسانيد، والعلل، والتواريخ التي تقرب من ألف، من التصانيف» هـ (١). تعقيب: ولعل هذه النماذج توضح لنا بجلاء، القيمة العلمية لما أنجزه العراقي من هذا الشرح الكبير، وتؤكد أن إعراضه عن تكملته ليس قدحًا في أهمية محتواه كما تدلنا على امتداد وعمق تأثير العراقي بتأليفه وآرائه في مصطلح علوم السنة. انتقاد بعض مضامين الشرح: ومع ذلك فإن من العلماء الذين اطلعوا على هذه القطعة من الشرح واستفادوا منها، من عارض العراقي في بعض ما أودعه فيها من آرائه، فمن ذلك: أن الترمذي قال في العلل التي بآخر جامعه: «وما ذكرنا في هذا الكتاب (حديث حسن)، فإنما أردنا به حسن إسناده، وعندنا كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذا. ويروى من غير وجه نحو ذلك فهو عندنا حديث حسن» فاعترض بعض العلماء على الترمذي بأنه حكم بنفسه في جامعه على بعض أحاديث بالحسن وصرح بأنها لا تروى إلا من وجه واحد (٢). فتصدى العراقي للجواب عنه في (الشرح الكبير) ونقل السخاوي عنه ذلك.

стр. 820

فقال: «إن العراقي قال في شرحه الكبير: الظاهر أنه، أي الترمذي لم يرد بقوله «عندنا» حكاية اصطلاحه مع نفسه - أي في جامعه - وإنما أراد عند أهل الحديث، كقول الشافعي: «وإرسال ابن المسيب عندنا» أي أهل الحديث، فإنه كالمتفق عليه بينهم»، انتهى، ثم عقب السخاوي على ما استظهر العراقي حمل كلام الترمذي عليه، بالرد فقال: «ويبعده قوله - أي الترمذي - وما ذكرنا في هذا الكتاب» وكذا قوله: «فإنما أردنا به» وحينئذ فالنون لإظهار نعمة التلبس بالعلم المتأكد تعظيم أهله، وعلى كل حال، فما اقتصر عليه الترمذي أليق (١). والذي أراه أن السخاوي على صواب في استبعاد توجيه العراقي السابق لكلام الترمذي، وباقي كلام الترمذي فعلا، لا يساعد عليه، ولكن مثل هذا الانتقاد قليل بجانب باقي آراء العراقي الصائبة وبحوثه الجيدة السابق ذكر نماذجها، واعتماد العلماء عليها، وما من عالم إلا يؤخذ منه ويرد عليه، والله الموفق للصواب. ٣ - الشرح المتوسط للعراقي على ألفيته زمن تأليفه: هذا هو الشرح الثاني للعراقي على ألفيته في المصطلح، وهو يعتبر أول شرح كامل عليها، وإذا أطلق شرح العراقي لألفيته يكون هو المقصود، وقد أوضح العراقي في مقدمته، أنه شرع فيه بعد انصرافه عن إتمام «الشرح الكبير» الذي تقدم، حيث يقول: «فاستطلته ومللته، ثم شرعت في شرح لها متوسط» (٢).

стр. 821

ثم حدد تاريخ ومكان فراغه منه فقال في نهايته: «وكمل هذا الشرح عليها - أي الألفية - في يوم السبت ٢٩ رمضان المعظم سنة ٧٧١ هـ بالخانقاة الطَّشْتُمُرِيَّة، خارج القاهرة المحروسة» (١). وقد ذكر صاحب «كشف الظنون» ٢٥ من رمضان بدلا من ٢٩ (٢) وتبعه على هذا غيره (٣)، ولكن الموجود بعامة نسخ الشرح الخطية الموثقة، هو ٢٩ فيكون أصوب. تعدد أسمائه وأهم نسخه الخطية في مكتبات العالم أما تسمية الشرح فلم أجد تصريحًا للعراقي بتسميته باسم معين، لا في الشرح نفسه، ولا في خارجه، ولهذا تعددت تسميته، واحتدم الخلاف فيها، ففي بعض النسخ الخطية الموثقة لهذا الشرح، وجدت إثبات العراقي بخطه قراءة الشرح عليه بقوله: «قرأ علي هذا الشرح على الألفية في علم الحديث» (٤)، وهكذا ذكره عدة مرات بعبارة «شرح الألفية» (٥)، وعليه جرى عامة من ترجم للعراقي وعدد مؤلفاته، من تلاميذه ومن تبعهم (٦).

стр. 822

ولهذا فإن نسخ الشرح التي في أعلا درجات الصحة والتوثيق، قد عنونت بكلمة «شرح» فقط، مضافة إلى العراقي، أو إلى الألفية، أو إليهما معا. وقد وقفت من ذلك على ذكر نسخ متعددة من مكتبات العالم شرقا وغربا. فمن ذلك: نسخة دار الكتب المصرية ذات الرقم (٢١٨) مصطلح الحديث بمكتبة طلعت، وعنوانها «شرح الألفية في علوم الحديث». وقد وجدت عليها توثيقات متعددة، وفي مكتبات تركيا توجد عدة نسخ (١). منها: نسخة بمكتبة أحمد الثالث باستامبول رقم (٦٦٧) أصول الحديث منها صورة ميكروفيلمية بمعهد المخطوطات العربية بالقاهرة رقم (٢٨٦) حديث ومصطلح، وقد جاء بفهرس المعهد أنها بخط المصنف سنة ٧٧١ هـ وأن عدد أوراقها/ ١٣٣ ورقة (٢) ولكني اطلعت عليها فوجدتها ناقصة من آخرها عدة أبواب وعدد أوراقها ٨٩ ورقة فحسب، كما أنها ليست بخط العراقي ولا كتبت حتى في حياته، وذلك لأن عنوانها «كتاب شرح الألفية في علم الحديث» للشيخ العلامة … زين الدين العراقي طيب الله ثراه وجعل الجنة متقلبه ومثواه» فهذا صريح في أنها كتبت بعد موته، كما أن

стр. 823

خط النسخة، نسخ، جميل، واضح، مع النقط، والضبط بالحركات للكلمات المشتبهة وهذا مخالف لما رأيته من خط العراقي. وفي مكتبات الموصل بالعراق توجد أيضًا عدة نسخ (١) منها نسخة بمكتبة مدرسة الملا زكريا، وقد ذكرت بالفهرس برقم (٧٠) وعنوانها «شرح ألفية العراقي» وذكر المفهرس أنها كاملة، وأنها بخط المؤلف، ثم ذكر أن بآخرها إجازة من المؤلف بالشرح وغيره، مكتوبة بخطه، ونقل نصها (٢)، وهذا ينفي قوله السابق إن النسخة كلها بخط المؤلف، حيث لا يسوغ كتابة الإجازة منه على نسخته التي بخطه. وفي المكتبة الظاهرية بدمشق توجد ٤ نسخ (٣)، ومن أهمها نسخة برقم عام (٩٢٨٦) ومنها صورة ميكروفيلمية بمعهد المخطوطات برقم (٢٣٥) مصنف غير مفهرس، وقد اطلعت عليها فوجدت عنوانها «شرح ألفية العراقي في علم الحديث»، كما أن بهامشها توثيقا، بمقابلتها وبسماعها على ولي الدين بن العراقي. ومن نسخ هذا الشرح ما هو معنون ومذكور في الفهارس «بشرح التبصرة والتذكرة» وقد يوجد في فهرس المكتبة الواحدة بعض نسخ معنونة بهذا وبعضها الآخر معنون بشرح الألفية، أو ألفية العراقي، كما قدمت، ثم لا يُعْنى المفهرس بالتنبيه على أن الجميع نسخ لكتاب واحد، وإن تعددت التسمية. فمن لا يعلم أن الألفية هي «التبصرة والتذكرة»، كما قدمنا، يظنهما.

стр. 824

شرحين لكتابين. ومن أمثلة ذلك: نسخة لمكتبة الظاهرية بدمشق رقم (٤٠٤) علم الحديث وقد ذكرت في الفهرس بعنوان «شرح التبصرة والتذكرة للمؤلف». وقد قدمت أنه توجد بنفس الفهرس عدة نسخ بعنوان «شرح الألفية» دون تنبيه المفهرس على أن الكل نسخ لكتاب واحد، مع اختلاف العنوان. وهكذا فعل مفهرس مخطوطات الموصل، فذكر النسخة رقم (٨٠) بمكتبة مدرسة الحجيات، وعنوانها «شرح التبصرة والتذكرة» (١)، دون أن يربط بينها وبين النسخ الأخرى التي ذكرها في نفس الفهرس بعنوان «شرح ألفية العراقي» كما تقدم. ومن النسخ المعنونة بشرح «التبصرة والتذكرة» بمكتبات تركيا: نسخة بمكتبة كوبريلي زادة باستانبول برقم (٢٢٢) أصول الحديث. ومن نسخ هذا الشرح ما جمع في عنوانه ذكر «الألفية» و «التبصرة والتذكرة» معا، وأورد هكذا في فهرس المكتبات الموجود بها، وهذا أفيد للباحثين في دفع توهم التعدد والاختلاف، والتمكين من الحصول على عدد أكبر من نسخ الشرح الخطية، بضم ما يحمل اسم «الألفية» أو «التبصرة والتذكرة» منفردين كما قدمنا، ومن هذه النسخ الجامعة بين «الألفية» و «التبصرة والتذكرة» نسخة بدار الكتب المصرية برقم (١٣٩) مصطلح تيمور، وعنوانها كما رأيته: «كتاب شرح الألفية في الحديث، المسماة بالتبصرة والتذكرة».

стр. 825

وعلى هذا جرى فهرس مكتبة تيمور المطبوع سنة ١٩٤٧ م (١). وتعتبر النسخة المذكورة أجود وأهم النسخ التي وقفت عليها، فإن بأولها لوحتين منقوشتين بزخارف عربية بديعة ومذهبة، وجميع عناوين الأبواب مذهبة أيضا، وأما خطها فواضح، والكلمات المشكلة النطق مضبوطة بالحركات. وفي آخرها أنها كتبت بخط محمد بن محمد اللاذقي، في مستهل صفر سنة ٨٤٠ هـ، وقد أثبت في عدة مواضع منها وبآخرها بخط «سبط العجمي» تلميذ العراقي، قراءة شرف الدين أبو بكر بن محمد بن عمر بن النصيبي، جميع الشرح عليه، وسماع جماعة معه، ومناولة السبط جميع الشرح لكل منهم، وذلك في غرة صفر سنة ٨٤١ هـ، كذلك أثبت بعدة مواضع بهامشها، أنها قوبلت بأصل «سبط ابن العجمي» وتوقيعه بذلك، ثم أثبت بآخرها مراجعتها أيضا على نسخة صحيحة قرئت على المصنف، وهذه كلها توثيقات، قل أن تجتمع لنسخة غيرها، وهي بذلك جديرة بأن يعتمد عليها في بحث الكتاب وتحقيق نصوصه، ولهذا فقد استعنت بها في النماذج والنصوص التي احتاجها البحث من هذا الشرح. أما عدد أوراقها فيبلغ (٤٧٣) ورقة في مجلد ضخم، وعدد سطور الصفحة/ ١٢ سطرا. ومما امتازت به هذه النسخة أيضا وجود بعض تعليقات ملحقة بها مع أوراق صغيرة ملصقة بين أوراق النسخة في عدة مواضع، وكل منها تسمى «طيارة».

стр. 826

إلا أن بعضها ملصق في غير محله (١). كذلك امتازت هذه النسخة باشتمال هوامشها على استدراكات سبط ابن العجمي على شيخه العراقي في بعض المسائل التي فاته نظمها من مقدمة ابن الصلاح كما مر ذكره، وفي غيرها، ومع كثرة البحث ومراجعة كثير من نسخ الشرح الخطية، فإني لم أجد تلك الإستدراكات متكاملة إلا بهوامش تلك النسخة، ولذا عولت عليها في بحث تلك الإستدراكات كما تقدم. وبالإضافة إلى ذلك كله، توجد بهوامشها تعليقات منقولة عن العراقي، وتعليقات تبين ما أصلحه من عبارات الشرح عند قراءة تلميذه سبط ابن العجمي عليه (٢). ومن النسخ الموجودة ببعض مكتبات تركيا ومعنونة بالعنوان الجامع بين «الألفية» و «التبصرة والتذكرة»، نسخة بمكتبة «لاله لي»، باستانبول برقم (٣٦٤) أصول الحديث. تسمية هذا الشرح بـ «فتح المغيث» وردُّها: أول من وجدته ذكر هذا الشرح باسم (فتح المغيث في شرح ألفية الحديث) هو صاحب كشف الظنون، حيث قال: (فتح المغيث في شرح ألفية الحديث) لمؤلف المتن الحافظ زين الدين العراقي (٣). ولم يكتف بذلك بل قرر أن العراقي نفسه هو الذي سماه بهذا الاسم (٤)، وقد اطلع صاحب «كشف الظنون» على

стр. 827

شرح العراقي، لأنه ذكر في مقدمة الكشف أن ما رآه من الكتب ذكر شيئًا من أوله (١)، وقد فعل ذلك بالنسبة له، فنقل بعض مقدمته في التعريف به (٢)، بل نقل عنه في مواضع أخرى من الكشف (٣). ثم إنه ذكر شرح السخاوي المتقدم التعريف به، بدون اسم (٤)، وقد مر هناك إثباتي تصريح السخاوي بتسمية شرحه بـ «فتح المغيث»، كما قدمت في صدر كلامي عن هذا الشرح أنه لم يعرف تسمية العراقي لشرحه كلية باسم معين، وجرى تلاميذ العراقي وغيرهم ممن ترجمه، وعدد مؤلفاته على هذا، ثم ذكرت نسخا منه متعددة، وفي غاية التوثيق الذي يجعلها حاكمة على سواها، ولم تحمل أية نسخة منهم هذا الاسم. وعليه يكون صاحب «كشف الظنون» قد وهم في ذكر شرح العراقي باسم «فتح المغيث»، وأخطأ في دعواه - بلا دليل -: أن العراقي هو الذي سماه بذلك. ولعله وجد هذه التسمية على النسخة التي اطلع عليها من الشرح، فاعتمدها ونسبها للعراقي، كما لا أستبعد أن يكون سها، فذكر كُلاًّ من شرح العراقي وشرح السخاوي، مكان الآخر، وقد وجدت هذا العكس وقع منه غير مرة كما سيأتي ذكره، وجل من لا يسهو. ومع ذلك فإن كثيرا ممن جاء بعد صاحب «كشف الظنون» من المعنيين.

стр. 828

يبحث التراث، وتحقيقه، وفهرسته، والترجمة لأعلامه، قد تبعوه على هذا الوهم والخطأ، فذكروا - دون نقد أو تمحيص -، شرح العراقي باسم «فتح المغيث»، سواء في بيان مؤلفاته، أو في فهرسة نسخه الخطية في مكتبات العالم مع الإحالة على «كشف الظنون» (١) أو بدونها (٢) وعلى سبيل المثال فإن مفهرسي دار الكتب المصرية (٣) والأزهر (٤) قد ذكروا جميع النسخ الموجودة بالمكتبتين باسم «فتح المغيث» مع أني رجعت لنفس النسخ جميعها بالمكتبتين فلم أجد واحدة منها قد عنونها ناسخها بهذا الاسم، بل بعضها بدون عنوان كلية (٥) والباقي معنون بكلمة «شرح» مضافة إلى العراقي، وإلى الألفية، ومن

стр. 829

نسخ مكتبة الأزهر، نسخة كتبت في حياة العراقي نقلا عن نسخته، ونسخة ولده وقرئت على العراقي، وكتب على أول كل كراسة منها «كراسة رقم كذا من شرح التبصرة» (١). وقد وجدت بعض مفهرسي دار الكتب، تجرأوا وكتبوا على عدد من النسخ بجانب عنوانها الأصلي عنوان «فتح المغيث بشرح ألفية الحديث»، ومنهم من دعم هذا بنقل كلام صاحب «كشف الظنون» السابق ذكره (٢). ومنهم من وقع باسم «اللبان» وأرخ كتابته للعنوان الدخيل في ١٧/¬١٠ /¬١٩٣٥ م (٣)، وهذا مخالف لقواعد الفهرسة، كما أن طابع الشرح بمصر كما سيأتي، قد عنونه بـ «فتح المغيث»، رغم تصريحه بأن النسخ الخطية التي اعتمد عليها لا تحمل هذا الاسم، وقد قرر أنه طبع الكتاب بهذا الاسم، تبعا لصاحب «كشف الظنون» ومن تبعه من المفهرسين كما أشرت، ولا شك أن هذا مخالف أيضا لقواعد تحقيق النصوص ونشرها. نتيجة البحث: وعلى ضوء ما تقدم أقرر الآتي: ١ - أنه لم يثبت تسمية العراقي لهذا الشرح باسم معين، وقد جرى على ذلك جمهور من ترجم العراقي وعدد مؤلفاته. ٢ - أن نسخ هذا الشرح الخطية منتشرة بكثرة في مكتبات العالم شرقا وغربا.

стр. 830

من الهند إلى أسبانيا. ٣ - أن أعلا نسخ الشرح صحة وتوثيقا، معنونة بكلمة «شرح» مضافة للعراقي وللألفية، أو للألفية، والتبصرة والتذكرة. ٤ - أن تسمية هذا الشرح بـ (فتح المغيث) تسمية دخيلة ولم يثبت تصريح العراقي بها، وإنما تثبت هذه التسمية لشرح السخاوي، وقد صرّح بها بنفسه وعليه فإن عنونة شرح العراقي أو تسميته بهذا الاسم، خطأ يجب تصحيحه. طبعات الكتاب وتصحيح الخطأ في ذلك: ١ - جاء في (معجم المطبوعات) أن شرح العراقي هذا قد طبع بالهند بدون ذكر تاريخ لذلك (١). وجاء بفهرس مكتبة الأزهر أيضًا ذكر ثلاث نسخ طبع حجر بالهند (٢) واطلعت على إحداهن وهي النسخة رقم (٦٥٧) مصطلح بخيت، فوجدتها نسخة من شرح السخاوي المطبوع بالهند كما قدمت ذكره، وليس شرح العراقي كما جاء بالفهرس. أما صاحب (اكتفاء القنوع بما هو مطبوع) فذكر ألفية العراقي وقال: «له عليها شرح سماه (فتح المغيث)» … طبع في لكناو بالهند سنة ١٣٠٣ هـ مع شرح آخر عليها لشمس الدين محمد السخاوي (٣). والصواب أن شرح العراقي لم يطبع بالهند كلية، وإنما الذي طبع في المكان والتاريخ المذكورين،

стр. 831

هو شرح السخاوي وحده كما تقدم. ٢ - أما شرح العراقي فقد طبع حتى الآن طبعتان: أولاهما: بمدينة فاس بالمغرب سنة ١٣٥٤ هـ وتقع في ثلاثة أجزاء كبيرة وبهامشها شرح الشيخ زكريا الأنصاري المتقدم ذكره (١)، وقد عنونت هكذا: «شرح ألفية العراقي المسماة بالتبصرة والتذكرة» (٢) ولكن أكثر من يحيل عليها من الباحثين يحيلون عليها هكذا «التبصرة والتذكرة» فقط، وهذا خطأ شائع للأسف؛ لأن هذا إسم الألفية فقط كما هو معروف. ويظهر أيضًا من النصوص المنقولة عن تلك الطبعة وجود اختلاف بينها وبين نسخ الشرح الموثقة، وكذا المصادر التي اعتمد عليها العراقي (٣). وهذا يدل على أن الطابع اعتمد على أصل أقل صحة وتوثيقًا، كما يدل على أن الطبعة غير محققة تحقيقًا علميًا يطمأن إليه، وهي الآن سنة ١٣٩٨ هـ في حكم المخطوطة، وقد أَسْهَمَتْ عموما في توسيع دائرة انتشار الشرح والاستفادة منه، بالإضافة المصاحبته لشرح الأنصاري أيضا. أما طبعته الثانية: فكانت بالقاهرة لأول مرة سنة ١٣٥٥ هـ أي في السنة التالية للطبعة السابقة، وتقع في ٤ أجزاء صغيرة أولها ١٤٨، وثانيها ٨٠، وثالثها ١٠٧، ورابعها ١٦٨ صفحة، وذلك على نفقة الناشرين: أحمد نشأت، ومحمود سكر، وقام بتحقيق الشرح بعض أعضاء جمعية النشر.

стр. 832

والتأليف الأزهرية برئاسة الشيخ محمود حسن ربيع ﵀، الذي درس لي بمعهد القاهرة الديني، وقد كتب ﵀ مقدمة الطبعة وخاتمتها وبعض تعليقات كما سيأتي. وقد عنونت هذه الطبعة بـ (فتح المغيث بشرح ألفية الحديث) وذكر في مقدمة الطبعة أن تسميتهم الشرح بهذا الاسم، تبعا لصاحب (كشف الظنون) و «الفهارس دار الكتب المصرية» و «الأزهرية» ولما رآه نَفَرٌ مِنَ العلماء: أن هذه تسمية العراقي لشرحه، وإن استعارها بعض تلاميذ السخاوي، فوضعها على ظهر نسخة من شرحه أيضًا (١)، وقد سبق ردي على ذلك. ويظهر أنهم أنفسهم لم يروا هذا كافيًا في القطع بتلك التسمية لشرح العراقي، نظرًا لأن النسخ التي اعتمدوا عليها في الطبع لا تحمل واحدة منها هذه التسمية، ولهذا ذكروا أنهم احتاطوا للأمر، فكتبوا تحت العنوان السابق ما نصه (وهو الشرح المتوسط على المتن المسمى بتبصرة المبتدي وتذكرة المنتهي) (٢) وما أن تم طبع أجزاء الشرح حتى تحقق الشيخ محمود ربيع أن (فتح المغيث) اسم لشرح السخاوي، لا لشرح العراقي، فأثبت ذلك في خاتمة الطبع (٣)، لكنه لم يكن بالإمكان تغيير العنوان على الصواب بعد تمام الطبع. ولهذا بقيت الطبعة كما هي، وعنوانها الرئيسي (فتح المغيث بشرح ألفية الحديث) مثل عنوان طبعة شرح السخاوي المتقدم، وأصبح الشرحان مطبوعين بعنوان واحد، نتيجة لما قرره صاحب «كشف الظنون» خطأ، ثم

стр. 833

تابعه عليه من بعده، ولكن ينبغي تصحيح ذلك عند إعادة طبع شرح العراقي. هذا وقد جاء في مقدمة الطبعة المذكورة لشرح العراقي، أن المحققين اعتمدوا على نسخ خطية، ثم عرفوا بها تعريفا ناقصا ومجافيا في معظمه لواقع تلك النسخ بحسب إطلاعي على خمس نسخ منها (١) كما أن اعتمادهم عليها لم يجر على قواعد التحقيق العلمي (٢)، حيث جعلوا أصل الطبعة نسختهم الخطية الخاصة، مع نقصها وعدم توثيقها حسب وصفهم هم لها (٣)، ومع أنهم بذلوا جهدا مشكورا في إخراج نص الكتاب قريبا إلى الصحة والكمال، إلا أنه ظهر لي من فحصي للكتاب جميعه، وجود مخالفات متعددة في هذه الطبعة للنسخ الأوثق مما اعتمد عليه المحققون، وذلك مثل النسخة رقم (١٣٩) مصطلح تيمور السابق التعريف بها، فقد وجدت بينها وبين تلك الطبعة اختلافات متعددة في بعض الألفاظ وخاصة الاصطلاحية منها، والأعلام، وبعض العبارات، والسياق، والنقص (٤)، كما وجدت بها مخالفات متعددة لأوثق النسخ التي صرحوا بالاعتماد عليها في الطبع (٥).

стр. 834

هذا بالإضافة إلى بعض الألفاظ الساقطة من الطبعة والتي لم تستدرك، وعموما فإن هذه الطبعة قد أسهمت - بلا شك - في إخراج الكتاب إلى عالم المطبوعات، مثل طبعة فاس السابقة، ووسعت دائرة انتشاره، والاستفادة منه على الصورة التي خرج عليها، ولكن الكتاب ما زال بحاجة إلى طبعة محققة تحقيقا علميا يعتمد على النسخ الأوثق، والأكمل، ويراعى فيها أصول التحقيق العلمي للنصوص، ويعدل فيها عنوان الكتاب من فتح المغيث إلى «شرح العراقي لألفيته في المصطلح» أو «شرح الألفية المسماة بالتبصرة والتذكرة، للعراقي». تعليقات شيخنا الشيخ محمود ربيع، على الشرح، ونقدها: عمل الشيخ محمود ربيع تعليقات على الشرح أسماها «الدراري الفاخرة على شرح التبصرة» (١) وطبعت بهامش الطبعة المذكورة، وقد قمت ببحث هذه التعليقات تفصيلا، فوجدتُ معظمها منقولا بنصه، حتى بأخطائه النسخية، من هوامش بعض النسخ الخطية التي اعتمد عليها في تحقيق الكتاب كالنسختين ٧٣، ٨٤ مصطلح الأزهر، والنسخة رقم (٦٤) مصطلح دار الكتب المصرية، ولكن الشيخ ﵀ لم يُصرح بذلك، وأحيانا يحيل بعبارات مبهمة كقوله: «في بعض الهوامش كذا» وهذا مخالف للأمانة العلمية، ولأصول التحقيق المعتبرة.

стр. 835

مصادر العراقي في شرحه، وكيفية اعتماده عليها ونقدها لم يذكر العراقي بيانًا إجماليا لأهم المصادر التي اعتمد عليها في شرحه كما يفعل غيره، وإنما اكتفى بذكر كل منها عند النقل عنه خلال الشرح، ولهذا فإن بيان مصادره اقتضى مني قراءة الشرح من أوله إلى آخره لاستخراجها، وقد تبين لي أنه اعتمد على نفس مصادره في الألفية كما سبق بيانها، بالإضافة إلى أكثر من مائة وخمسين مصدرًا آخر. وكيفية اعتماده على تلك المصادر مختلفة، فتارة يصرح باسم الكتاب واسم مؤلفه، بل قد يحدد الموضع الذي نقل منه، كقوله قال الحاكم في خطبة المستدرك (١)، وقد يحدد نوع النسخة التي اعتمد عليها من الكتاب، وبعض مضامينه، كذكره أن في خط الخطيب البغدادي: الاقتصار على كتابة الصلاة فقط، على النبي ﷺ ، ثم قال: «شاهدته بخطه كذلك في كتاب «الموضح» (٢)، ثم قال في مبحث «من ذكر بنعوت متعددة» وصنف فيه الخطيب البغدادي كتابًا كبيرًا سماه (الموضح لأوهام الجمع والتفريق)، بدأ فيه بأوهام البخاري في ذلك، وهو عندي بخط الخطيب (٣). لكنه لم يلتزم مثل هذه التحديدات الدقيقة التي تدل على الأمانة العلمية، مع التوفير على الباحث من بعده عناء البحث والتنقيب، إذا أراد تحقيق الكتاب وإحالة مضامينه إلى مصادرها الأصلية، أو التوسع في الاطلاع.

стр. 836

بل أحياناً يكتفي بالعزو إلى الشخص، مع تعدد مؤلفاته، وعدم وجود قرينة محددة، كقوله: قال النووي كذا (١)، وقال ابن حبان كذا (٢)، وقال الدارقطني كذا (٣)، وقد يكون الشخص من المتقدمين، وليس له مؤلفات متداولة، مثل ابن معين (٤)، وعلي بن المديني (٥)، وغيرهما. وقد يكتفي أيضاً بذكر اسم الكتاب، دون ذكر مؤلفه، مع عدم شهرة ذلك الكتاب، فلا يدل ذكره على مؤلفه، مثل قوله: «وفي كتاب «عمدة المحدثين» كذا (٦)، وهذا كتاب غير مشهور، لا هو ولا مؤلفه، وقد يحيل على بعض المراجع بصيغة مبهمة مثل قوله: «وفي بعض كتب الأصول للحنفية كذا» (٧)، وذكر بعض أهل التاريخ كذا (٨)، وهذا كله مما يعرقل وصول الباحث إلى مصدر تلك النقول والآراء، ولكنه من الإنصاف أن نقول: إنَّ العراقي لم يكن بدعًا في ذلك؛ بل هكذا كان يفعل عامة معاصريه في مؤلفاتهم بالإضافة إلى أن الغالب هو التزامه بذكر مصادره بطريقة محددة، بالكتاب والمؤلف، كما كان معتادًا في عصره. ولما كانت مصادره كثيرة العدد، كما أشرت، فإني سأذكر هنا بعضًا من

стр. 837

المصادر الهامة، أو النادرة، أو التي كثر اعتماده عليها، بالإضافة للمصادر السابق ذكرها بالنسبة للألفية. فمما اعتمد عليه بالنسبة لعلوم السنة: البزار في جزء له في معرفة من يترك حديثه أو يقبل (١)، والحاكم في كتابه «المدخل إلى الإكليل» (٢)، وفي «المستدرك على الصحيحين (٣)»، والخطيب البغدادي في كتابه «الجامع بين آداب الراوي والسامع (٤)»، وفي «المدرج (٥)»، وفي جزء له في «الإجازة للمعدوم والمجهول (٦)»، وفي «تمييز المزيد في متصل الأسانيد (٧)»، وفي «المتفق والمفترق (٨)»، وفي «رواية الآباء عن الأبناء (٩)»، والترمذي في «العلل» التي في آخر جامعه (١٠)، وابن أبي حاتم في كتابه «العلل (١١)»، وفي «الجرح والتعديل (١٢)»، وفي كتاب له في «أوهام البخاري في تاريخه (١٣)»، والإمام مسلم في كتاب «الطبقات (١٤)»، وفي «التمييز (١٥)»، وفي «المنفردات والوحدان (١٦)»، وفي «الكنى (١٧)»، والنسائي في «السنن الكبرى (١٨)»، وفي «الكنى (١٩)»، وفي «جمعه لحديث مالك (٢٠)»،

стр. 838

والخلال في كتاب «العلل» (١)، وابن ياطيش في كتابه «مشتبه النسبة» (٢)، والحافظ أبو البركات بن الأنماطي، شيخ ابن الجوزي في «جزء له في منع إجازة المجاز» (٣)، والوليد بن بكر الغمري في كتابه «الوجازة في تجويز الإجازة» (٤)، وأبو محمد بن خلاد الرامهرمزي في كتابه «المحدث الفاصل» (٥)، والبرقاني في كتاب «اللفظ» (٦)، وأبو جعفر الطحاوي في «جزء التسوية بين حدثنا وأخبرنا» (٧)، وأبو الشيخ ابن حيان في «تاريخه» (٨)، وفي «طبقات الأصبهانيين» (٩)، وعلي بن إبراهيم البغدادي في «كتاب الخط ورقومه» (١٠)، والبيهقي في «الزهد»، وفي «شعب الإيمان» (١١)، وفي «السنن الكبرى» (١٢)، وفي «الاعتقاد» (١٣)، وفي «معرفة السنن والآثار» (١٤)، وفي «دلائل النبوة» (١٥)، والحافظ أبو جعفر الكاتب في تصنيفه فيمن أجاز الإجازة العامة (١٦)، والحافظ أبو طاهر السلفي في «جزء له في شرط القراءة على المحدث» (١٧)، وفي «فهرسته» (١٨)، والحازمي في «شروط الأئمة» (١٩)، وفي

стр. 839

«الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الأخبار» (١)، وابن خزيمة في (صحيحه) (٢) والنووي في «تهذيب الأسماء واللغات» (٣)، وفي «شرح مسلم» (٤)، وفي «الإرشاد» (٥)، وفي «مختصر المبهمات» (٦)، والحافظ محمد بن طاهر المقدسي في (شروط الأئمة) (٧)، وفي «أطراف الغرائب» (٨)، وفي (جزء له في الإسناد العالي) (٩)، والذهبي في «مختصر المستدرك للحاكم» (١٠)، وفي تاريخ الإسلام (١١)، وفي «الوفيات» (١٢)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية في الأحاديث الواهية»، وفي «الموضوعات» (١٣)، وفي التحقيق في أحاديث الخلاف (١٤)، وفي «التلقيح» (١٥)، وابن عبد البر في «التمهيد» وفي «التقصي» (١٦)، وفي «الاستذكار» (١٧)، والدارقطني في «العلل» (١٨)، وفي «السنن» (١٩)، وفي «تأليف له في المدبج» (٢٠)، وابن المواق في «بغية النقاد» (٢١)، والحافظ المزي في «الأطراف» (٢٢)، وأبي علي الجياني في

стр. 840

«تقييد المهمل» (١)، والحافظ أبو الحسن الرشيد العطار في «الغرر المجموعة» (٢)، وعبد الغني بن سعيد في «الإكمال» (٣)، وفي «إيضاح الإشكال» (٤)، والخطابي في «معالم السنن» (٥)، والبغوي في «مصابيح السنة» (٦)، وأبو نعيم في «علوم الحديث» (٧)، وفي «تاريخ أصبهان» (٨)، والقرطبي في «المفهم شرح صحيح مسلم» (٩)، وأبو يعلى الخليلي في «الإرشاد» (١٠)، وابن ماجه في «سننه» (١١)، والعقيلي في «الضعفاء» (١٢)، وابن عدي في «الكامل» (١٣)، والحافظ علاء الدين التركماني شيخ العراقي في «الدر النقي في الرد على البيهقي» (١٤)، وأبو موسى المديني في «الصحابة» (١٥)، والإمام أحمد في «مسنده» (١٦)، وفي «سؤالاته» (١٧). ومن كتب الفقه والأصول: الإمام الشافعي ﵁ في «الرسالة» (١٨)، وفي «الأم» (١٩)، وإمام الحرمين في «الإرشاد» (٢٠)، والروياني في «البحر» (٢١)، وسيف الدين الآمدي صاحب «الإحكام» (٢٢).

стр. 841

وأبو الحسن الماوردي في كتابه «الحاوي» (١)، وأبو عمر بن الحاجب صاحب «المختصر في الأصول» (٢)، والبغوي في «التهذيب» (٣)، والقاضي أبو بكر الباقلاني (٤)، والإمام النووي في «الخلاصة» (٥)، وفي زياداته على «الروضة» (٦)، وأبو بكر الصيرفي في «الدلائل والأعلام» شرح رسالة الإمام الشافعي (٧)، وابن حزم في «المحلى» (٨). ومن كتب اللغة: الجوهري صاحب «الصحاح» (٩)، وابن سيده صاحب «المحكم» (١٠)، والزمخشري في «المفصل» (١١)، وابن الأعرابي (١٢)، وابن فارس (١٣). وإن نظرة فاحصة وشاملة في تلك المصادر وغيرها مما قدمته في مصادره في الألفية، تكشف لنا عن مدى اتساع وعمق إطلاع العراقي وثقافته، سواء في مجال تخصصه وهو علوم السنة، أو فيما يتصل به من العلوم الأخرى من فقه وأصول ولغة. كما تكشف لنا قيمة هذا الشرح، في اشتماله على نصوص كثير من المصادر العلمية التي تعد في حكم المفقودة حاليًا، أو يندر وجود نسخها.

стр. 842

الخطية، أو ما تزال حتى الآن مع توفر نسخها الخطية، لم تخرج إلى عالم المطبوعات. كذلك يظهر لنا الجهد العلمي الكبير الذي بذله العراقي في جمع المادة العلمية لهذا الشرح، مصداقا لقوله الآتي: إنه ضمنه ما لا يوجد مجتمعًا إلا فيه ثم إنه قد قام بعرض مادته وتنسيقها ووضع كل جزئية في موضعها، وبالإضافة إلى هذا فإن طريقة اعتماده على تلك المصادر لم تقتصر على النقل والتوزيع على الموضوعات، وإنما نجده يوضح بخبرته منهج كثير من المصادر ومحتواها العام (١) والنص المنقول، ثم يستنبط منه أو ينتقد ما لا يرتضيه ويصح غيره، ويقارن ويرجع ما يراه، وغير ذلك مما يميز كتابه كمرجع مستقل، ويظهر شخصيته العلمية بين أصحاب المصادر التي اعتمد عليها من المتقدمين والمتأخرين حتى عصره، كما ستأتي أمثلة ذلك.

стр. 843

منهج العراقي في شرحه وأهم آرائه عرض ومقارنة ونقد أجمل العراقي في مقدمة هذا الشرح منهجه فيه، فذكر أنه شرح متوسط غير مفرط، ولا مفرّط يوضح مشكل الألفية ويفتح مقفلها، ما كثر فأمل، ولا قصر فأخل، مع فوائد لا يستغني عنها الطالب النبيه، وفوائد لا توجد مجتمعة إلا فيه (١). وهذا الإجمال يحتاج إلى تفصيل لا يتأتى إلا يبحث الشرح جميعه ومقارنته بغيره من شروح الألفية، وبعض مؤلفات علم المصطلح. وهذا ما قمت به مستعينا بالله تعالى، وذلك على النحو التالي: ١ - المنهج الشكلي للشرح: جرى العراقي في شرحه على أن يقسم الباب من أبواب الألفية إلى فقرات، كل فقرة عبارة عن بيت أو أكثر، بحيث تتضمن الفقرة مسألة أو أكثر من مسائل الباب، وربما يُعبّر عنها بالفصل، ثم يتناولها بالشرح، وينتقل إلى غيرها، وهكذا، حتى ينتهي الباب. وفي الشرح، يذكر اللفظ أو العبارة من الألفية، أو طرفًا منها، فيقول: قولي كذا، أو يُعبّر عن نفسه بضمير الغائب فيقول: قوله كذا، ويتناوله بالشرح كما سنرى في الأمثلة، وتعرف هذه الطريقة بطريقة الشرح بالقول، وتختلف بذلك عن طريقة الشرح الممزوج التي اتبعها غير العراقي من شراح الألفية السابق ذكرهم، وهم: السخاوي، والسيوطي، والأنصاري، وتمتاز

стр. 844

طريقة الشرح بالقول التي اتبعها العراقي عن طريقة الشرح الممزوج التي اتبعها غيره، بالوضوح، حيث لا يكون الشارح فيها متقيدًا بسياق معين، ولا بألفاظ خاصة، حتى ينسبك الشرح مع المتن، كما قدمت بيانه، في الشروح السابقة. كما أنه لا يحتاج إلى كثرة استخدام الجمل الاعتراضية، والفصل بين أجزاء الجملة الواحدة من الفعل والفاعل، أو المفعول، أو بين الجار والمجرور ومتعلقه، ويترتب على ذلك تشتت المعنى وغموضه. مثال ذلك أن العراقي قال في الألفية: «لكن قال يحيى البر … لم يفت الخمسة إلا النزر» فقال السخاوي في شرحه: «لكن قال الشيخ محيي الدين أبو زكريا (يحيى) النووي (البر)، لما اجتمع فيه من الزهد والورع وأصناف البر ما فاق فيه (١)، بحيث قال بعضهم: إنه كان سالكًا منهاج الصحابة، لا نعلم في (٢) عصره من سلكه غيره، في كتابه (الإرشاد) بعد قوله: فالصحيح قول غير ابن الأخرم: إنه فاتهما كثير، ويدل عليه المشاهدة، قلت: والصواب قول من قال: «لم يفت «الكتب» «الخمسة» أصول الإسلام، وهي الصحيحان والسنن الثلاثة (٣)، إلا النزر»: يعني القليل» (٤). وخلاصة ما ذكر: أنه يريد أن يقول: «لكن قال الشيخ يحيى النووي في كتابه (الإرشاد): الصواب أنه لم يفت الأصول الخمسة

стр. 845

إلا القليل من الحديث الصحيح». لكن من أجل مزج الشرح بالمتن، فصل السخاوي كما ترى بين الجار والمجرور وهو «في كتابه» وبين متعلقه وهو «قال» بنحو ٣ سطور، كما فصل بين «قال» أيضا ومفعولها بنحو ٤ سطور. وبهذا يشتت المعنى على القارئ، ويجد معاناة في استخلاصه، خاصة وأن الفاصل قد يصل أحيانا إلى عشرة سطور. أما العراقي فيقول في شرح البيت المذكور: ويحيى هو الشيخ محيي الدين النووي، قال في «التقريب والتيسير»: والصواب أنه لم يفت الأصول الخمسة إلا اليسير، أعني «الصحيحين» و «سنن أبي داود» و «الترمذي» و «النسائي» (١). وبذلك شرح معنى البيت في وضوح وترابط وإيجاز. ٢ - بيان العراقي المراده بألفاظ وعبارات الألفية: من العناصر الهامة في شرح مؤلف المتن كما أشرت من قبل، أنه يوضح بنفسه ما يقصده بألفاظ المتن وعباراته، وقد فعل العراقي ذلك في شرحه للألفية. مثال ذلك: أنه قال في الألفية في تعريف الحديث الصحيح: «فالأول المتصل الإسناد … بنقل عدل ضابط الفؤاد» فقال في شرحه: «فقولي: «المتصل الإسناد»، احتراز عما لم يتصل،
следующие страницы →