وأبو الحسن الماوردي في كتابه «الحاوي» (١)، وأبو عمر بن الحاجب صاحب «المختصر في الأصول» (٢)، والبغوي في «التهذيب» (٣)، والقاضي أبو بكر الباقلاني (٤)، والإمام النووي في «الخلاصة» (٥)، وفي زياداته على «الروضة» (٦)، وأبو بكر الصيرفي في «الدلائل والأعلام» شرح رسالة الإمام الشافعي (٧)، وابن حزم في «المحلى» (٨).
ومن كتب اللغة: الجوهري صاحب «الصحاح» (٩)، وابن سيده صاحب «المحكم» (١٠)، والزمخشري في «المفصل» (١١)، وابن الأعرابي (١٢)، وابن فارس (١٣).
وإن نظرة فاحصة وشاملة في تلك المصادر وغيرها مما قدمته في مصادره في الألفية، تكشف لنا عن مدى اتساع وعمق إطلاع العراقي وثقافته، سواء في مجال تخصصه وهو علوم السنة، أو فيما يتصل به من العلوم الأخرى من فقه وأصول ولغة.
كما تكشف لنا قيمة هذا الشرح، في اشتماله على نصوص كثير من المصادر العلمية التي تعد في حكم المفقودة حاليًا، أو يندر وجود نسخها.
стр. 842
الخطية، أو ما تزال حتى الآن مع توفر نسخها الخطية، لم تخرج إلى عالم المطبوعات.
كذلك يظهر لنا الجهد العلمي الكبير الذي بذله العراقي في جمع المادة العلمية لهذا الشرح، مصداقا لقوله الآتي: إنه ضمنه ما لا يوجد مجتمعًا إلا فيه ثم إنه قد قام بعرض مادته وتنسيقها ووضع كل جزئية في موضعها، وبالإضافة إلى هذا فإن طريقة اعتماده على تلك المصادر لم تقتصر على النقل والتوزيع على الموضوعات، وإنما نجده يوضح بخبرته منهج كثير من المصادر ومحتواها العام (١) والنص المنقول، ثم يستنبط منه أو ينتقد ما لا يرتضيه ويصح غيره، ويقارن ويرجع ما يراه، وغير ذلك مما يميز كتابه كمرجع مستقل، ويظهر شخصيته العلمية بين أصحاب المصادر التي اعتمد عليها من المتقدمين والمتأخرين حتى عصره، كما ستأتي أمثلة ذلك.
стр. 843
منهج العراقي في شرحه وأهم آرائه عرض ومقارنة ونقد
أجمل العراقي في مقدمة هذا الشرح منهجه فيه، فذكر أنه شرح متوسط غير مفرط، ولا مفرّط يوضح مشكل الألفية ويفتح مقفلها، ما كثر فأمل، ولا قصر فأخل، مع فوائد لا يستغني عنها الطالب النبيه، وفوائد لا توجد مجتمعة إلا فيه (١).
وهذا الإجمال يحتاج إلى تفصيل لا يتأتى إلا يبحث الشرح جميعه ومقارنته بغيره من شروح الألفية، وبعض مؤلفات علم المصطلح.
وهذا ما قمت به مستعينا بالله تعالى، وذلك على النحو التالي:
١ - المنهج الشكلي للشرح:
جرى العراقي في شرحه على أن يقسم الباب من أبواب الألفية إلى فقرات، كل فقرة عبارة عن بيت أو أكثر، بحيث تتضمن الفقرة مسألة أو أكثر من مسائل الباب، وربما يُعبّر عنها بالفصل، ثم يتناولها بالشرح، وينتقل إلى غيرها، وهكذا، حتى ينتهي الباب.
وفي الشرح، يذكر اللفظ أو العبارة من الألفية، أو طرفًا منها، فيقول: قولي كذا، أو يُعبّر عن نفسه بضمير الغائب فيقول: قوله كذا، ويتناوله بالشرح كما سنرى في الأمثلة، وتعرف هذه الطريقة بطريقة الشرح بالقول، وتختلف بذلك عن طريقة الشرح الممزوج التي اتبعها غير العراقي من شراح الألفية السابق ذكرهم، وهم: السخاوي، والسيوطي، والأنصاري، وتمتاز
стр. 844
طريقة الشرح بالقول التي اتبعها العراقي عن طريقة الشرح الممزوج التي اتبعها غيره، بالوضوح، حيث لا يكون الشارح فيها متقيدًا بسياق معين، ولا بألفاظ خاصة، حتى ينسبك الشرح مع المتن، كما قدمت بيانه، في الشروح السابقة. كما أنه لا يحتاج إلى كثرة استخدام الجمل الاعتراضية، والفصل بين أجزاء الجملة الواحدة من الفعل والفاعل، أو المفعول، أو بين الجار والمجرور ومتعلقه، ويترتب على ذلك تشتت المعنى وغموضه.
مثال ذلك أن العراقي قال في الألفية:
«لكن قال يحيى البر … لم يفت الخمسة إلا النزر»
فقال السخاوي في شرحه: «لكن قال الشيخ محيي الدين أبو زكريا (يحيى) النووي (البر)، لما اجتمع فيه من الزهد والورع وأصناف البر ما فاق فيه (١)، بحيث قال بعضهم: إنه كان سالكًا منهاج الصحابة، لا نعلم في (٢) عصره من سلكه غيره، في كتابه (الإرشاد) بعد قوله: فالصحيح قول غير ابن الأخرم: إنه فاتهما كثير، ويدل عليه المشاهدة، قلت: والصواب قول من قال: «لم يفت «الكتب» «الخمسة» أصول الإسلام، وهي الصحيحان والسنن الثلاثة (٣)، إلا النزر»: يعني القليل» (٤).
وخلاصة ما ذكر: أنه يريد أن يقول: «لكن قال الشيخ يحيى النووي في كتابه (الإرشاد): الصواب أنه لم يفت الأصول الخمسة
стр. 845
إلا القليل من الحديث الصحيح».
لكن من أجل مزج الشرح بالمتن، فصل السخاوي كما ترى بين الجار والمجرور وهو «في كتابه» وبين متعلقه وهو «قال» بنحو ٣ سطور، كما فصل بين «قال» أيضا ومفعولها بنحو ٤ سطور.
وبهذا يشتت المعنى على القارئ، ويجد معاناة في استخلاصه، خاصة وأن الفاصل قد يصل أحيانا إلى عشرة سطور.
أما العراقي فيقول في شرح البيت المذكور:
ويحيى هو الشيخ محيي الدين النووي، قال في «التقريب والتيسير»: والصواب أنه لم يفت الأصول الخمسة إلا اليسير، أعني «الصحيحين» و «سنن أبي داود» و «الترمذي» و «النسائي» (١).
وبذلك شرح معنى البيت في وضوح وترابط وإيجاز.
٢ - بيان العراقي المراده بألفاظ وعبارات الألفية:
من العناصر الهامة في شرح مؤلف المتن كما أشرت من قبل، أنه يوضح بنفسه ما يقصده بألفاظ المتن وعباراته، وقد فعل العراقي ذلك في شرحه للألفية.
مثال ذلك: أنه قال في الألفية في تعريف الحديث الصحيح:
«فالأول المتصل الإسناد … بنقل عدل ضابط الفؤاد»
فقال في شرحه: «فقولي: «المتصل الإسناد»، احتراز عما لم يتصل،
стр. 846
وهو المنقطع، والمرسل، والمعضل»، وسيأتي إيضاحها.
وقوله: «بنقل عدل» احتراز عما في سنده من لم تعرف عدالته، إما بأن يكون عُرف بالضعف أو جهل عينًا أو حالا كما سيأتي في بيان المجهول. وقولي: «ضابط»: احتراز عما في سنده روا مغفل، كثير الخطأ وإن عرف بالصدق والعدالة (١).
وقال في بيان الآراء في أصح الأسانيد:
«أو فابن سيرين عن السلماني … عنه أو الأعمش عن ذي الشأن»
فقال في الشرح: «أو» هنا في الموضعين ليست للتخيير، ولا للشك ولكنها لتنويع الخلاف (٢).
وقال في مبحث المستخرجات:
«واستخرجوا على الصحيح كأبي … عوانة ونحوه واجتنب
عزوك ألفاظ المتون لهما … إذ خالفت لفظًا أو معنى ربما»
فقال في الشرح: «والمستخرجون لم يلتزموا لفظ واحد من الصحيحين بل رووه بالألفاظ التي وقعت لهم من شيوخهم مع المخالفة لألفاظ الصحيحين وربما وقعت المخالفة أيضًا في المعنى، فلهذا، قال» يعني نفسه:
«واجتنب عزوك ألفاظ المتون لهما»: أي لا تَعْزُ ألفاظ متون المستخرجات للصحيحين، فلا تقل أخرجه البخاري ومسلم بهذا اللفظ إلا إن علمت أنه في المستخرج بلفظ الصحيح، بمقابلته عليه، فلك ذلك، فقوله «ربما» متعلق
стр. 847
بمخالفة المعنى فقط، لأن مخالفة الألفاظ كثيرة كما تقدم.
ثم قال فيها أيضًا:
«أو ما تزيد فاحكمن بصحته فهو مع العلو من فائدته» فقال في الشرح: «أي ما تزيد المستخرجات، أو ما يزيد المستخرج على الصحيح من ألفاظ زائدة عليه، من تتمة لمحذوف، أو زيادة شرح في حديث أو نحو ذلك».
«فاحكم بصحته»: لأنها خارجة من مخرج الصحيح.
وقوله: «فهو مع العلو من فائدته»: هذا بيان لفائدة المستخرج، فمنها: زيادة الألفاظ المذكورة، لأنها ربما دلت على زيادة حكم، ومنها علو الإسناد؛ لأن مصنف المستخرج لو روى حديثًا مثلًا عن طريق مسلم، لوقع أنزل من الطريق الذي رواه في المستخرج. ثم قال: ولم يذكر ابن الصلاح للمستخرج إلا هاتين الفائدتين، وأشرت إلى غيرهما بقولي: من فائدته، فمن فوائده أيضًا: القوة، بكثرة الطرق للترجيح عند المعارضة (١).
وقد تبع العراقي على ما تقدم شراح الألفية من بعده (٢).
وبهذا أراحهم مع غيرهم من راغبي الاستفادة بها، من محاولة التماس الوجوه والمحامل لكلامه، وربما يكون ما يذكرونه أو يتبادر لأذهانهم غير مقصوده.
стр. 848
لكنه في الواقع لم يلتزم ببيان مراده بكل ألفاظ وعبارات الألفية، بل تناول ما رأى أن ظاهره مُشكل، ويحتاج في نظره لبيان، كما أشار إلى ذلك في مُجمل منهجه المُتقدّم ذكره، ولهذا ترك كثيرًا من ألفاظ وعبارات «الألفية» دون بيان مراده بها، وقد ترتب على ذلك وجود اختلاف في توجيهها بين أصحاب الشروح والحواشي على الألفية من بعد العراقي، ما بين مُنتقد ومُدافع.
فمن ذلك: أن العراقي قال في تعريف الحديث الصحيح، كما قدمته:
«فالأول المتصل الإسناد … بنقل عدل ضابط الفؤاد»
ولم يتعرض في شرحه لبيان قصده من تقييد الضبط بقيد «الفؤاد»، وهو القلب مع أن الذي استقر عليه اصطلاح العلماء ومنهم العراقي نفسه، كما سيجيء: أن الضبط قسمان: ضبط فؤاد بالحفظ والاستحضار، وضبط كتاب وهو صونه لكتابه عن تطرق الخلل إليه، من حين سمع فيه وقابله بأصله، إلى أن يؤدي منه (١)، وكل منهما كاف في صحة الرواية، وقد سلك الشراح وأصحاب الحواشي مسالك في تناول عبارة العراقي، فمشى السخاوي (٢) والسيوطي (٣) والأنصاري (٤) في شروحهم، على أن «ضابط» في كلام العراقي يشمل نوعي الضبط، ولم يعتبروا ذكره كلمة «الفؤاد» قيدًا مقصودًا له، وأشار السخاوي إلى أنه ربما أراد به العراقي الإشارة إلى أن بعض العلماء منع الرواية من الكتاب.
стр. 849
أما البقاعي في حاشيته على شرح العراقي المذكور، فقد قال: قوله: «ضابط الفؤاد» يمكن أن يكون «الفؤاد» قيدًا يُدخل من لم يكن لسانه ضابطًا، بأن كان يسبق إلى الخطأ ثم يرده حفظه إلى الصواب، ثم استدرك قائلا: «لكن يخل التقيد به، بضبط الكتاب» (١).
فجاء الطوخي من بعده، وتصدى للجواب عن هذا، فقرر أن «ضابط» في كلام العراقي، تشمل نوعي الضبط، وأنه يمكن الجواب: بأن العراقي إنما قيد بـ «الفؤاد» نظرًا للغالب، من أن أهل الحديث لا يتقيدون إلا بالحفظ، ولا يعتمدون إلا عليه، خصوصًا أهل العصر الأول … أو أن يراد بـ «الفؤاد» حقيقة، أو حكمًا، والكتاب فؤاد حكمًا (٢)، وبذلك لا يكون التقييد به مخلا.
وهكذا تعددت الآراء في توجيه كلام العراقي، نتيجة لعدم بيانه في شرحه. والذي يظهر لي: أن تقييده الضبط بـ «الفؤاد»، في النظم، لم يقصد به إخراج ضبط الكتاب، لأنه ذكرهما معا بعد ذلك في «صفة من تقبل روايته» فقال:
«يحفظ إن حدث حفظًا يحوي كتابه إن كان منه يروي» (٣).
وقال في شرحه: «وقولي يحوي كتابه، أي يحتوي عليه ويحفظه من التبديل والتغيير» (٤).
стр. 850
فلعله اعتمد على أن هذا التفصيل سيجيء بعد، لكن هذا لا يعفيه من النقد لأن الأولى أن يحذف من المتأخر لدلالة المتقدم عليه، وليس العكس كما فعل، وكان عليه مع ذلك أن ينبه في الشرح على أنه سيأتي تفصيل في محله، كما نبه في غير موضع على مثل ذلك، ولكنه لم يفعل أيضًا.
ثم إن جواب الطوخي الأول عن العراقي، بأن غالب أهل الحديث لا يعتمدون إلا على الحفظ، مخالف لما استقر عليه الاصطلاح عند المتقدمين (١)، والمتأخرين بما فيهم العراقي نفسه، كما مر كلامه، من تقسيم الضبط إلى ضبط صدر وضبط كتاب، والاعتماد على كل منهما، ثم صرّح أيضًا في «صفة من تقبل روايته» بأن ما عليه أكثر أهل الحديث: تجويز الاعتماد على الكتاب المصون في ضبط المسموع، حتى يجوز له أن يروي ما فيه، وإن كان لا يذكر أحاديثه، أما جوابه الثاني، بأن الفؤاد كتاب حكمًا، فالتكلف فيه واضح.
على أن العراقي ربما شرح عبارته بما يخالف المعنى الصحيح، وإن كان ذلك قليلًا.
مثاله أنه قال في الألفية في بيان أصح الأسانيد:
« .............. فقيل مالك … عن نافع بما رواه النّاسِكِ» (٢)
فقال في شرحه: «وقولي: فقيل مالك»: أي فقيل أصح الأسانيد: ما رواه مالك عن نافع عن ابن عمر (٣)، وهكذا عبّر في بيان باقي الأقوال فيها (٤)
стр. 851
والصواب أن لا يذكر عبارة «ما رواه». بل يقول: أصح الأسانيد: مالك عن نافع .. وهكذا كما عبر الحاكم (١)، وابن الصلاح (٢)؛ لأن ما رواه مالك وغيره، ليس الأسانيد، بل متون الأحاديث، والكلام على الأسانيد .. والعجيب أن السخاوي، والسيوطي، لم يتنبها لذلك، فعبرا مثل تعبير العراقي (٣)، أما الأنصاري فتنبه لذلك فقال: «وفي قول الناظم في شرحه: أصح الأسانيد ما رواه مالك» تجوز؛ لأن ما رواه متن لا سند، فكان حقه أن يقول كابن الصلاح: أصح الأسانيد: مالك … الخ». وكذا الكلام في نظائره (٤).
٣ - شرحه لاصطلاحه في الألفية، وتحديده للزيادة، والنقص، والتغيير فيها عن كتاب ابن الصلاح:
من مميزات شرح العراقي هذا أيضًا لألفيته، أنه تولى فيه بنفسه شرح اصطلاحه الخاص في الألفية، وتحديد أكثر الزيادات التي زادها فيها على ما في كتاب ابن الصلاح، والنقاط التي لم يذكرها فيها مع وجودها في كتاب ابن الصلاح، ووجه إسقاطها، وكذلك بين فيه وجوه مخالفته أو موافقته لابن الصلاح، وقد مرت أمثلة ذلك في بحث الألفية، حيث اعتمدت على إشاراته، وتصريحاته في هذا الشرح بذلك.
ولا شك أنه لولا تصدي العراقي في شرحه لكل ذلك، لأوقع الشارحين.
стр. 852
والدارسين من بعده في خلافات كثيرة كما رأينا في المثال المتقدم، وربما استعصى أو صعب على غيره إيضاح هذه النقاط على وجهها، خاصة ما لم يضع هو له علامة مميزة، ولا تميز بذاته: من زياداته، وما أسقطه، ومخالفاته المنهجية لابن الصلاح أو غيره، ومن ذلك أيضًا إجابته عن بعض النقاط التي لم يستدركها في الألفية على ابن الصلاح، مثال ذلك: أن ابن الصلاح في باب (المؤتلف والمختلف) قال: «لا نعلم في الصحيحين البزار بالراء المهملة في آخره، إلا خلف بن هشام البزار، والحسن بن الصباح البزار» (١) فاعترض عليه بعض العلماء بأن من شيوخ البخاري في صحيحه، يحيى بن محمد بن السكن البزار، وأنه روى فيه أيضًا استشهادًا، عن بشر بن ثابت البزار، ولكن العراقي لم يذكر هذين الشخصين في الألفية.
واكتفى بمن ذكرهما ابن الصلاح (٢)، وذكرهما أيضًا في الشرح، ثم قال: «قال ابن الصلاح: لا نعلم في الصحيحين بالراء المهملة إلا هما، ثم عقب قائلا: قلت: ذكر الجياني في تقييد المهمل في هذه الترجمة: يحيى بن محمد بن السكن البزار من شيوخ البخاري، وبشر بن ثابت البزار، استشهد به البخاري، قلت، ولم يقع ذكرهما في البخاري منسوبين، أي ملقبين بالبزار؛ بل خاليين من النسبة، فلذلك لم أستدركهما في النظم على ابن الصلاح (٣). وهكذا صرح في مواضع أخرى (٤).
стр. 853
٤ - الجوانب اللغوية في الشرح، وأهميتها، وتأثيرها:
يعتمد علم المصطلح الذي هو موضوع الألفية في تعريفاته وقواعده وألفاظه الاصطلاحية، على ضبط الكلمات المستعملة، ومعرفة مأخذها اللغوي، وتحديد مفهومها، وصلته بالمعنى الاصطلاحي (١)، ثم إن العراقي قد ارتبط اصطلاحه في الألفية بقواعد النحو والصرف، حيث أورد كثيرا من الأفعال مسندة للضمير المفرد المستتر، أو الضمير المثنى الظاهر، قاصدًا بالأول ابن الصلاح، وبالثاني البخاري ومسلم، كما قدمنا، وبالإضافة لهذا فإن صياغة النظم جعلته يرتكب بعض الضرورات الشعرية، كما جعلت التركيب البلاغي والإعرابي لكثير من جمل الألفية تحتاج إلى بيان حتى يتضح المعنى المقصود منها، ولهذا عنى العراقي في شرحه بتلك الجوانب عموما، بالنسبة لألفاظ وعبارات الألفية، بل وبالنسبة للنصوص والنماذج التي اعتمد عليها في شرحها، لكنه بحسب منهج التوسط الذي سلكه لم يستوعب، بل تناول ما اختلف فيه، وما بدا له أن فيه غموضًا أو إشكالا، خاصة على المبتدئين، سواء من ناحية الضبط بالشكل أو الإعراب، أو بيان الاشتقاق أو المعنى اللغوي، والمقصود منه في الاستعمال، أو وجه الضرورة الشعرية، أو التركيب البلاغي، وتركزت عنايته على الألفاظ والعبارات المستعملة في اصطلاح علماء السنة، أو الواردة في متون الأحاديث، أو أسماء الرواة، والعلماء، وكناهم، ونسبهم، وألقابهم، ومواطنهم، وأبدى في ذلك جهدًا علميا واضحا، وآراء مفيدة.
стр. 854
وإليك بعض النماذج لذلك مع التحليل والمقارنة والنقد:
قال العراقي في الألفية: «ويكتب الساقط وهو اللحق … » (١).
وقال في الشرح: «أهل الحديث والكتابة يسمون ما سقط من أصل الكتاب فألحق بالحاشية أو بين السطور: «اللحق»: بفتح اللام والحاء المهملة معا. وأما اشتقاقه: فيحتمل أنه من الإلحاق، قال الجوهري: واللحق بالتحريك شيء يلحق بالأول، قال: واللحق أيضا من الثمر الذي يأتي بعد الأول. وقال صاحب المحكم: اللحق كل شيء ألحق شيئا، أو ألحق به، من الحيوان والنبات، وحمل النخل، وأنشد: ولحق يلحق من أعرابها».
ثم أضاف احتمالا آخر مع التدليل اللغوي عليه، فقال: «ويحتمل أنه من الزيادة يدل عليه كلام صاحب المحكم، فإنه قال: «واللحق الشيء الزائد»» قال ابن عيينة:
« … ... … ... … ... … ... … ... … ... كأنه بين أسطر لحق»
ثم بين وجها آخر في ضبطه غير الذي ذكره أولا، فقال: وقد وقع في شعر نسب لأحمد بن حنبل، بإسكان الحاء، أنشده الشريف أبو علي محمد بن أحمد بن أبي حوس الهاشمي، لأحمد بن محمد بن حنبل، وذكر أربعة أبيات عن طالب الحديث ثالثها قوله:
«يضجره الضرب في دفاتره … وكثرة اللحق في حواشيها»
ثم عقب على ذلك بقوله: «وكأنه خفف حركة الحاء لضرورة
стр. 855
الشعر (١) وهذا يعد ترجيحًا منه لضبطه الأول، بفتح الحاء، وعندما نرجع إلى قريني العراقي وهما: البلقيني وابن الملقن، نجدهما لا يعلقان على هذه الكلمة الاصطلاحية بشيء (٢).
أما من بعده فقد تبعوه على ما قرره فيها لغة واصطلاحا، سواء في شرحهم لألفيته أو في غيرها (٣).
ومن ذلك أيضًا أنه قال في الألفية:
ماتستفيد عاليًا ونازلًا … لكثرة الشيوخ صيتًا عاطِلاً
ومن يقل إذا كتبت قمشَن ثم إذا رويته ففتِشَن
فليس من ذا … ... … (٤).
وقال في الشرح: «ولتكن همة الطالب تحصيل الفائدة، سواء وقعت له بعلو أو ينزل، ولا يأنف أن يكتب عمن هو دونه ما يستفيده … ، وليحذر الطالب أن تكون همته بكثرة الشيوخ لمجرد اسم الكثرة وصيتها» ثم قال: «قال ابن الصلاح: وليس من ذلك قول أبي حاتم الرازي: إذا كتبت فقمش، وإذا حدثت ففتش» وأوضح اللفظ بقوله: «والتقميش، والقمش أيضًا، جمع الشيء من ها هنا وها هنا» ثم قال: «ولم يبين ابن الصلاح ما المراد بذلك؟،
стр. 856
وتصدى هو لبيانه فقال: «وكأنه أراد: اكتب الفائدة ممن سمعتها ولا تؤخر ذلك حتى تنظر فيمن حدَّثك أهو أهل أن يؤخذ عنه أم لا، فربما فات ذلك بموت الشيخ أو سفره أو سفرك، فإذا كان وقت الرواية عنه أو وقت العمل بذلك، ففتشن حينئذ، وقد ترجم عليه الخطيب «باب من قال يكتب عن كل أحد» ثم وجه توجيها آخر فقال: «ويحتمل أن مراد أبي حاتم: استيعاب الكتاب المسموع، وترك انتخابه، أو استيعاب ما عند الشيخ وقت التحمل، ويكون النظر فيه حال الرواية» (١).
وهكذا أوضح العراقي المعنى اللغوي لكلمة «قمش» والمعنى العام الذي يمكن أن تحمل عليه العبارة عموما عند المحدثين في ضوء ذلك، مستعينا بالأدلة المساعدة على ذلك من اللغة، واستعمال المحدثين، بينما اكتفى سابقه وهو ابن الصلاح بترديد العبارة كما قالها ابن أبي حاتم، وكذا مر عليها في كلام ابن الصلاح، كل من: ابن الملقن والبلقيني، بلا تعليق (٢).
وقد أقر العراقي على ما ذكر، من بعده، وتناقلوه عنه في شرحهم لألفيته وغيرها (٣).
ومما يتعلق بمتون الأحاديث قوله في «غريب ألفاظ الحديث» ولا ينبغي أن يقلد من الكتب المصنفة في الغريب إلا ما كان مصنفوها أئمة جلة، في هذا الشأن، فمن لم يكن من أهله تصرف فيه فأخطأ»، ثم بين خبرته وممارسته.
стр. 857
العملية في هذا، فقال: «وقد كان بعض العجم يقرأ علي من مدة سنين في «المصابيح» للبغوي، فقرأ حديث «إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حقها، وإذا سافرتم في الجدب فبادروا بها نقيها»، فقرأها: نقبها، بفتح النون وبالباء الموحدة بعد القاف، فقلت له: إنما هي «نقيها» بالكسر والياء آخر الحروف، فقال: هكذا ضبطه بعض الشراح في طرة الكتاب (أي هامشه)، فأخذت منه الكتاب وإذا على الحاشية كما ذكر، وقال: النقب: الطريق الضيق بين جبلين، فقلت: هذا خطأ وتصحيف فاحش، وإنما هي النقي، أي المخ الذي في العظم، ومنه قوله في حديث (أم زرع): «لا سمين فينتقى»، وفي حديث الأضحية «العجفاء التي لا تنقى»، وهكذا نبه العراقي على الخطأ والتصحيف الفاحش، اللدين وقع فيهما غيره من شراح الحديث، ثم بين لتلميذه ضبط اللفظة ومعناها على الصواب، مؤيدا له بأحاديث أخرى، ثم عقب على ذلك بقوله: فليحذر طالب العلم ضبط ذلك، (أي الغريب) من الحواشي، إلا إذا كانت بخط من يعرف خطه من الأئمة» (١).
ومع أنه حدد منهجه في الشرح بالتوسط، فإن هناك بعض مباحث لغوية توسع فيها أزيد مما يقتضيه هذا المنهج، وما يقتضيه المقام أيضا، مثل «الوجادة»، فقد قال في الألفية:
«ثم الوجادة وتلك مصدر … وجدته مولدا ليظهر
تغاير المعنى … .... ............................. » (٢)
стр. 858
ثم قال في الشرح: القسم الثامن من «أقسام أخذ الحديث ونقله» الوجادة - بكسر الواو، وهي مصدر مولد، لوجد يجد، قال المعافي بن زكريا النهرواني: إن المولدين فرعوا قولهم: «وجادة» فيما أخذ من العلم من صحيفة، من غير سماع ولا إجازة ولا مناولة، من تفريق العرب بين مصادر «وجد» للتمييز بين المعاني المختلفة، قال ابن الصلاح: يعني قولهم: وجد ضالته وجدانا، ومطلوبه وجودًا، وفي الغضب موجدة، وفي الغني وجدًا، وفي الحب وجدًا، ثم أردف على كلام ابن الصلاح قائلًا: قلت: ولوجد مصدران آخران لم يذكرهما، وهما: جدة في الغضب وفي الغني، واجدان بكسر الهمزة، في الضالة وفي المطلوب، حكاهما ابن الأعرابي، قال ابن سيدة: «وهذا على بدل الهمزة من الواو»، ثم قال: «وليس معنى من المعاني التي ذكرها مقتصرا على مصدر واحد إلا في الحب، فإن مصدره: وجد بالفتح لا غير، كما قال ابن سيدة، وكذلك هو مصدر وجد بمعنى حزن»، قاله الجوهري وغيره.
ثم قال: «وأما في المطلوب فله مصدران وذكرهما … » ثم قال: «وأما بمعنى الغضب فله مصادر» وذكر أربعة.
ثم قال: «أما بمعنى الغني فله أيضًا مصادر أربعة»، وذكرهم، ثم أضاف أنه قرى بثلاثة منهم في قوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ﴾ [الطلاق: ٦] (١).
ويلاحظ أن المقام كان يكفي في توضيحه ما نقله عن ابن الصلاح فقط،
стр. 859
وأما ما أضافه بعد ذلك من بيان المصادر العديدة للفعل، ومعانيها، وما يقصد ببعضها من القراءات، فذلك وإن دل على وفرة محصول العراقي من اللغة، إلا أنه استطراد زائد عن المطلوب، ولهذا فإن غيره ممن علق على كتاب ابن الصلاح، أو شرح الألفية، اكتفى بما ذكره ابن الصلاح فقط، وهو الأليق (١)، لأن مباحث اللغة هنا وسيلة للإيضاح، وليست غاية، حتى يتوسع فيها كما رأينا، وإن كان فعله لذلك نادرًا.
وأما اهتمامه بضبط الأعلام من أسماء، وكنى، وألقاب، ونسب، فيرجع إلى أن ضبطها لا يدرك بالقياس، ولا يستدل عليه بسابق ولا لاحق، وإنما الاعتماد فيه على النقل (٢)، وقد تركز اهتمام العراقي على الأنواع المتعلقة بعلم الرجال، مثل: أفراد العلم، والأسماء، والكنى، واهتم أكثر بما يتوقف التمييز فيه بين الأشخاص على ضبط أسمائهم، أو كناهم، ونحوها، وذلك كالمؤتلف والمختلف، والمتفق والمفترق، والمتشابه (٣).
ومن أمثلة ضبطه للاسم واللقب: أن ابن الصلاح ذكر في «المؤتلف والمختلف»: حبّان - بكسر الحاء - بن العرقة، دون تعرضه للتعليق على العرقة (٤)، وكذا ابن الملقن من بعده (٥)، أما البلقيني فنقل عن الواقدي أن العرقة
стр. 860
بفتح الراء -، وأن أهل مكة يقولون كذلك، ونقل عن ابن الكلبي أنها العرقة بنت سعيد بن سهم (١).
وأما العراقي في شرحه للألفية فقال: «واختلف في ضبط هذا الحرف» فالمشهور أنه بعين مفتوحة ثم راء مكسورة بعدها قاف، وحكى ابن ماكولا عن الواقدي: أنه بفتح الراء، والأول أشهر. ثم قال: وقيل لها ذلك لطيب رائحتها، واسمها فيما قال ابن الكلبي: قلابة - أي بكسر القاف - بنت سعيد - أي بضم السين - ابن سهم، وتكنى أم فاطمة (٢).
ويتضح من المقارنة: أن العراقي أوفى بيانا من ابن الملقن الذي اكتفى بذكر ضبط حرف واحد منها، وهو الراء، وذكر ضبطه بالفتح، وسكت عليه، مع أنه غير الأشهر، بينما ضبط العراقي حروف الكلمة الثلاثة، وبين أن الأشهر في ضبط رائها هو الكسر، لا الفتح الذي أقره البلقيني، وبين العراقي أيضا أن العرقة هي أم حبان المذكورة، ثم بين أن هذا لقب لها، ووضح سبب تلقيبها به، ثم بين اسمها، ونسبها، مع ضبط الحرف المشكل من اسمها واسم أبيها، ولم يذكر البلقيني من ذلك غير اسم أبيها وجدها، كما مر، وقد تبع العراقي على ما ذكر من بعده، سواء في شرح ألفيته (٣) أو في غيرها (٤).
ومن ضبطه للكنى: أن ابن الصلاح ذكر أن من الرواة من انفرد بكنية
стр. 861
«أبو معيد» واكتفى في ضبطه بقوله: «إنه مصغر مخفف الياء» (١) ومشى على ذلك البلقيني (٢)، وابن الملقن (٣)، أما العراقي فذكر في الألفية «أبو معيد» هذا (٤). ثم قال في ضبطه في الشرح: أبو معيد- بضم الميم وفتح العين المهملة وسكون الياء المثناة من تحت وآخره دال مهملة (٥). ولا شك أن هذا الضبط أدق وأكمل من ضبط ابن الصلاح السابق.
ومن ضبطه للنسبة وتمييزها: أن ابن الصلاح ذكر من المؤتلف والمختلف في النسبة: «السلمي» فقال: «السلمي» إذا جاء في الأنصار، فهو بفتح السين نسبة إلى بني سلمة منهم، ومنهم جابر بن عبد الله، وأبو قتادة، ثم إن أهل العربية يفتحون اللام منه في النسبة، كما في النمري والصدفي وبابهما، وأكثر أهل الحديث يقولونه بكسر اللام على الأصل، وهو لحن والله أعلم (٦).
وقد نظم العراقي ذلك في الألفية (٧)، وقال في شرحه: «إن السلمي إذا جاء في الأنصار، بفتح السين واللام أيضا، كجابر بن عبد الله، وأبي قتادة وغيرهم، نسبة إلي بني سلمة - بفتح السين وكسر اللام - وفتحت في النسب كالنمري والصدفي وبابهما، قال السمعاني: وهذه النسبة عند النحويين، قال: وأصحاب الحديث يقولونه بكسر اللام على الأصل، وهو لحن، ثم
стр. 862
عقب عليه بقوله: واقتصر ابن باطيش في (مشتبه النسبة) على كسر اللام، وجعل المفتوح اللام نسبة إلى (سلمية) من عمل حماة، ثم بين ما يشتبه بهذه النسبة أيضًا فقال: وتشتبه هذه النسبة بالسلمي بضم السين وفتح اللام نسبة إلى بني سليمة، كعباس بن مرداس، وبالسلمي بالفتح وسكون اللام، نسبة إلى بعض أجداد المنتسب» (١).
وبمقارنة هذا بكلام ابن الصلاح المتقدم عن هذه النسبة، نجد أن العراقي زاد ضبط حرف اللام بالفتح، وضبط اسم القبيلة المنسوب إليها، وهي: بني سلمة، ثم بين أن ما قرره ابن الصلاح من كون ضبط أهل الحديث للسلمي بكسر اللام لحن ليس كذلك، حيث قرره من علماء الأنساب: ابن باطيش في كتابه في مشتبه النسبة، وجعل ما هو بفتح اللام، نسبة إلى بلد تابعة لحلب لا لبني سلمة من الأنصار، وبين ما يشتبه بهذه النسبة وميزه.
أما النووي ومن بعده ابن الملقن، فلم يزيدا على القول بأن الكسر ليس لحنا بل يجوز في لغة قليلة، وأنه جاء السلمي بضم السين في النسبة إلى بني سليم (٢). وبهذا كان ما ذكره العراقي أكمل وأوفى، واستفاد منه السخاوي في شرحه للألفية (٣).
لكن لا يفوتني هنا أن أقرر: أن العراقي يضبط بعض الحروف على طريقة الأقدمين، تبعا لابن الصلاح فيقول مثلا: «البزار» آخره راء مهملة (٤).
стр. 863
والحزامي، بالزاي غير المهملة (١)، فتقييده للراء بالمهملة، وللزاي بغير المهملة لا حاجة إليه، حيث لا توجد راء معجمة، ولا زاي مهملة، ولهذا انتقده في ذلك تلميذه سبط ابن العجمي (٢). وأنا أقره على ذلك، ولكني أقرر: أن العراقي لم يلتزم هذا باطراد، بل فعله قليلا، كما في المثال الأول من المثالين السابقين، ونقله عن ابن الصلاح أحيانا وأقره، كالمثال الثاني.
وأما اهتمامه بإعراب المشكل، أو المختلف فيه، من الألفية فمن أمثلته: أنه قال في نوع الحديث المرسل:
«لكن إذا صح لنا مخرجه … بمسند أو مرسل يخرجه
من ليس يروي عن رجال الأول … نقبله. . . . . . .» (٣).
وقال في الشرح: وقوله: «نقبله» هو مجزوم، جواب الشرط - يعني: «إذا» التي في البيت الأول، وذلك على مذهب الكوفيين والأخفش، ثم استشهد لذلك بقول الشاعر:
وإذا تصبك مصيبة فاصبر لها … وإذا تصبك خصاصة فتحمل (٤)
وقد أقر الأنصاري في شرحه للألفية العراقي على هذا (٥)، أما البقاعي فقال في حاشيته على الشرح: ولو جعل الشيخ العراقي «متى» موضع «إذا» يعني
стр. 864
في النظم»، لكان جاريًا على الكثير الفاشي، ولم يحتج إلى أن يُخَرِّجَهُ على مذهب الكوفيين، أو كان يَبْقي (إذا) ويسقط الهاء ويقول: يقبل مرفوعًا (١).
ونقل السخاوي نحو ذلك عن شيخه ابن حجر وأقره (٢)، وقال العراقي أيضًا في الألفية:
ومعظم الكوفة والحجاز … مع البخاري إلى الجواز
وابن جريح وكذا الأوزاعي … . . . . . . . . . . . (٣)
والذي يتبادر إلى الذهن أن قوله: (وابن جريح) معطوف على ما قبله، ولكن المعنى المطلوب لا يستقيم على ذلك، ولهذا فإن العراقي يقول في إعرابه: وقولي: «وابن جريح» مبتدأ، وليس بمعطوف (٤)، ولم يتعرض كل من السخاوي والسيوطي والأنصاري في شرحهم لإعراب تلك الكلمة مع إشكالها كما ترى (٥).
وقد أخطأ العراقي في نسبة إعراب بعض الكلمات المختلف فيها بين النحويين إلى مصدره، فقد قال في الألفية عن استعمال بعض المتأخرين لفظ «عن» في الإجازة، وفي السماع المشكوك فيه:
стр. 865
« ......................... … وحرف «عن» بينهم فمشترك» (١).
وقال في الشرح «وقولي: فمشترك» دخلت الفاء في الخبر، على رأي الكسائي (٢).
فاستدرك عليه الأنصاري في شرحه: فقال: «إن ذلك رأي الأخفش، لا الكسائي، كما وقع للناظم» (٣). ونحو ذلك قال السخاوي (٤).
أما السيوطي فقال في شرحه: «قال المصنف: والفاء مزيدة في الخبر، على رأي الكسائي».
وعقب قائلاً: «قلت: ولو قال بدله: «قد اشترك» لسلم من ذلك» (٥)، ونحوه ذكر البقاعي في نكته على شرح العراقي (٦).
وهذا يفيد أنهما يقران العراقي على ما خطأه فيه السخاوي والأنصاري من نسبة الرأي للأخفش، ولعلهما لم ينتبها لذلك.
ومن المسائل النحوية المتعلقة باصطلاح المحدثين: ما اختلف فيه العراقي مع بعض معاصريه من علماء العربية، ورد عليه في هذا الشرح، وذلك أن العراقي قرر كابن الصلاح وغيره، اصطلاح المحدثين على حذف كلمة «قال» الواقعة فيما بين رجال إسناد الحديث، سواء تكررت كقوله البخاري: ثنا صالح بن
стр. 866
حبان قال: قال عامر الشعبي … إلخ، أم لا، وذلك في الكتابة فقط، مع اشتراط النطق بها عند قراءة الحديث» ثم قال: «وقد كان بعض من لقيته من أئمة العربية ينكر اشتراط المحدثين للتلفظ بـ «قال»، في أثناء السند، وهو العلامة شهاب الدين عبد اللطيف بن عبد العزيز بن المرحل، وما أدري وجه إنكاره لذلك؟ لأن الأصل الفصل بين كلامي المتكلمين، للتمييز بينهما، وحيث لم يفصل فهو مضمر، والإضمار خلاف الأصل» (١).
ولكن الحافظ ابن حجر رجح رأي ابن المرحل، فذكر أن وجه إنكاره معروف، وبين ذلك بما خلاصته: أنه يوجد أيضًا بين رجال السند «حدثنا» فلان ونحوها، وهي بمنزلة «قال لنا» وبمعناها، فيصير النطق بها تكريرا بلا موجب (٢)، وقد تبعه على هذا السيوطي (٣) والسخاوي (٤)؛ لكن البقاعي قدح في هذا قدحًا وجيها، وهو أن «قال» موضوعة في اللغة لتحكى بها الجمل، بخلاف «حدث»، فلابد لها من آلة تهيئوها لحكاية الجملة (٥)، وعليه فلا يكون التلفظ بها مع «حدثنا» أو «أخبرنا» تكريرًا، بل ينبغي فعله، كما قرره العراقي وكذا قرره البلقيني (٦)، وابن الملقن (٧).
وأما اهتمام العراقي بمباحث البلاغة وقواعد النظم المتعلقة بعبارات الألفية
стр. 867
وأسلوبها، فمن أمثلته: أنه قال في الألفية عن عدد الصحابة:
والعد لا يحصرهم فقد ظهر … سبعون ألفًا بتبوك وحضر
الحج أربعون ألفًا وقبض … عن ذين مع أربع آلاف تنض (١).
وقال في الشرح: «وقولي (تنِضُّ) بكسر النون وتشديد الضاد، أي تيسر يقال خذ ما نض لك من دين، أي تيسر، حكاه الجوهري» ثم قال: «والنض والناض، وإن كان إنما يطلق على الدنانير والدراهم، فقد استعير للصحابة، لرواجهم في النقد وسلامتهم من الزيف بعدالة كلهم».
وانتقل لقواعد النظم فقال: «وأسقطت الهاء من «أربع» لضرورة الشعر، وإن كان «الألف» مذكرًا» (٢) وقد نقل الأنصاري في شرحه للألفية ما ذكره العراقي وأقره (٣)، أما السخاوي، فذكر أن في «تنِضُّ» تشبيهًا بنِضِّ الدراهم (٤) وهذا تقصير في البيان، لأن التشبيه هو المرحلة الأولى فقط من الاستعارة كما هو مقرر عند البلاغيين، والتعبير به لا يكفي في الدلالة عليها.
ومن أمثلة بيان العراقي لبلاغة الأسلوب: أنه قال في الألفية في «رواية الأبناء عن الآباء»:
«والثاني أن يزيد فيه بعده … كبهز أو عمرو أبا أو جده» (٥).
وقال في الشرح: «وفي البيت المذكور: لف ونشر، وتقديم وتأخير، تقديره:
стр. 868
والثاني أن يزيد بعد الأب أبا، كبهز بن حكيم، أو جدا كعمرو بن شعيب (١). ومن بيانه أيضًا لقواعد النظم أنه قال في نوع «الأخوة والأخوات من الرواة»:
وأفردوا الأخوة بالتصنيف … فذو ثلاثة بنو حنيف (٢)
وذكر في الشرح أن قوله: «بنو حنيف» مصغر، وعليه تكون نونه مفتوحة بينما نون «التصنيف» الواقعة في القافية المقابلة مكسورة، فأجاب العراقي عن ذلك بقوله: «ولا يضر عند أهل العلم بالقوافي فتح نونه، في مقابلة كسر نون التصنيف»، وأيد ذلك بقول حسان بن ثابت:
صلى الإله على الذين تبايعوا … يوم الرجيع فأكرموا وأثيبوا
فلم تتفق القافيتان في الحركات كما ترى، ويفهم من قوله: «ولا يضر عند أهل العلم بالقوافي»، ومن تأييد كلامه بشاهد الشعر، أنه كان يؤلف منظوماته مثل هذه الألفية وما سيأتي غيرها، عن دراية جيدة بعلمي العروض والقوافي كما قدمنا في جوانب شخصية، كما أن تناوله للجوانب اللغوية عموما على النحو المتقدم، يدل على إلمام جيد بفروعها المختلفة، والاستعانة بها في تخصصه، بالإضافة لما سيأتي في بحث باقي عناصر منهجه ومؤلفاته.
٥ - بيان العراقي للضوابط والتعريفات الاصطلاحية، وآراؤه في ذلك وآثارها:
يختص علم المصطلح، ببيان القواعد العامة الضابطة للمسائل الجزئية من علوم السنة، وبالتعريفات المحددة والمميزة لماهية أنواع السنة، ولهذا اهتم
стр. 869
العراقي في شرحه للألفية ببيان ما تضمنته من ذلك، أو رأى هو إضافته، مع ذكر الأمثلة التطبيقية الموضحة، وتركزت عنايته أكثر على المختلف فيه بين العلماء، أو ما لم يتناوله كثيرون غيره، فظهر في ذلك جهده وآراؤه، واستفاد منه من بعده، وإليك بعض النماذج لذلك:
قال العراقي في الألفية، في مبحث (الحديث المرسل):
(مرفوع تابع على المشهور … مرسل أو قيده بالكبير
أو سقط راو منه، ذو أقوال … والأول الأكثر في استعمال) (١).
وقال في الشرح: (اختلف في حد الحديث المرسل:
فالمشهور: أنه ما رفعه التابعي إلى النبي ﷺ ، سواء كان من كبار التابعين، كعبيد الله بن عدي بن الخيار، وقيس بن أبي حازم، وسعيد بن المسيب، وأمثالهم، أو من صغار التابعين، كالزهري، وأبي حازم، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأشباههم).
والقول الثاني: أنه ما رفعه التابعي الكبير إلى النبي ﷺ ، وهذا معنى قوله: أو قيده بالكبير، أي بالكبير من التابعين، فهذه الصورة لا خلاف فيها، كما قال ابن الصلاح، أما مراسيل صغار التابعين، فإنها لا تسمى مرسلة على هذا القول، بل هي منقطعة، هكذا حكاه ابن عبد البر عن قوم من أهل الحديث؛ لأن أكثر رواياتهم عن التابعين، ولم يلقوا من الصحابة إلا الواحد والإثنين.
والقول الثالث: أنه ما سقط راو من إسناده فأكثر، من أي موضع كان، فعلى هذا، المرسل والمنقطع واحد، قال ابن الصلاح: (والمعروف في الفقه:
стр. 870
أن ذلك يسمى مُرسَلًا، وبه قطع الخطيب، قال الخطيب: إلا أن أكثر ما يوصف بالإرسال من حيث الاستعمال، ما رواه التابعي عن النبي ﷺ وقطع الحاكم وغيره من أهل الحديث: أن الإرسال مخصوص بالتابعين).
ويلاحظ أن هذه الأقوال الثلاثة، هي التي ذكرها العراقي في النظم، واعتمد في بيانها في الشرح على ما ذكره ابن الصلاح في المقدمة (١)، مع تصرف من جانبه، وتنسيق في السياق، وبعض إضافات مستمدة من مصدر آخر.
ثم زاد قولاً رابعًا فقال: «وسيجيء في فصل التدليس أن ابن القطان قال: «إن الإرسال روايته، أي الراوي، عن من لم يسمع منه، فعلى هذا من روى عمن سمع منه، ما لم يسمعه منه، بل بينه وبينه فيه واسطة ليس بإرسال، بل تدليس، وعقب بقوله: وعلى هذا فيكون هذا قولًا رابعا في حد المرسل»» (٢). وقد أقره على ذلك السيوطي في «التدريب» (٣).
ولكن عارض البقاعي في عد هذا قولاً رابعًا في حد المرسل، فقال: «قوله: وعلى هذا فيكون قولا رابعًا، ليس كذلك، بل التحقيق أنه مُقَيِّدٌ للقول الثالث، كأنهم لما قالوا: ما سقط من إسناده راو فأكثر، قال: بشرط أن لا يكون تدليسًا، بأن لا يكون للراوي سماع ممّن فوقه، فيحمل ذلك الإطلاق على كلامه»، وأتبع ذلك بقوله: (وإنما القول الرابع الذي لابد منه، قول من يسوي بين المرسل والمنقطع فيقول: المرسل: ما سقط من إسناده راو واحد،
стр. 871
وهذا موجود في استعمال أهل الحديث .. ) (١)، وأقره على ذلك الأنصاري أيضًا في شرحه للألفية واستوجهه (٢)، ويشير إليه أيضًا كلام السخاوي في شرحه للألفية (٣).
لكن هذه معارضة منهم في التقسيم الشكلي، دون قدح في الضابط العلمي الذي قرره العراقي، ولكل وجهته في التقسيم.
ومن القواعد التي قررها العراقي أيضًا في شرحه لما هو مُخْتَلَفٌ لضبط المختلف فيه، مع تطبيقها: أنه ذكر في الألفية مجمل ما ذكره ابن الصلاح في حكم الاتصال والإرسال في الإسناد المعنعن، وهو ما فيه «فلان عن فلان»، والمؤنن، وهو ما فيه «أن فلانًا قال» وعقب قائلا:
قلت:
والصواب أن من أدرك ما … رواه بالشرط الذي تقدما
يحكم له بالوصل كيفما روى … بقال، أو بعن، أو بأن، فسوا (٤)
وفي الشرح فصل آراء العلماء في حكم الإسناد المعنعن والمؤنن، من حيث الاتصال والإرسال، وعقب على ذلك بقوله: «ثم بينت ذلك بقاعدة يعرف بها المتصل من المرسل، وتقرير هذه القاعدة: أن الراوي إذا روى حديثا فيه قصة أو واقعة، فإن كان أدرك ما رواه، بأن حكى قصة وقعت بين النبي ﷺ وبين بعض الصحابة، والراوي لذلك صحابي أدرك تلك الواقعة، فهي
стр. 872
محكوم لها بالاتصال، وإن لم يُعْلَم أنه شاهدها، وإن لم يدرك تلك الواقعة فهو مرسل صحابي، وإن كان الراوي تابعيًا فهو منقطع، وإن روى التابعي عن الصحابي قصة أدرك وقوعها كان متصلاً، وإن لم يدرك وقوعها وأسندها إلى الصحابي كانت متصلة، وإن لم يدركها ولا أسند حكايتها إلى الصحابي فهي منقطعة، كرواية ابن الحنفية الثانية عن عمار (١)، ولابد من اعتبار السلامة من التدليس في التابعين ومن بعدهم، ثم أيد تلك القاعدة وبين مثالاً تطبيقيًا آخر لها فقال: «وقد حكى أبو عبد الله بن المواق، اتفاق أهل التمييز من أهل الحديث على ذلك في كتابه (بغية النقاد) عند ذكر حديث عبد الرحمن بن طرفة أن جده عرفجة قُطِعَ أنفه يوم الكلاب، و الحديث» فقال: الحديث عند أبي داؤد مرسل، وقد نبه ابن السكن على إرساله فقال: فذكر الحديث مرسلا، قال ابن المواق: وهو أمر بين، لا خلاف بين أهل التمييز من أهل هذا الشأن في انقطاع ما يروى كذلك، إذا علم أن الراوي لم يدرك زمان القصة، كما في هذا الحديث» (٢).
وقد أقر العراقي على تلك القاعدة التي قررها وطبقها، العلماء من بعده سواء في شرحهم لألفيته أو غيره، كالسخاوي (٣) والأنصاري (٤) والبقاعي (٥) ونقله عنه
стр. 873
السيوطي في «التدريب» وأقره (١).
ومن التعريفات التي ناقش الخلاف فيها وحرر عباراتها لتسلم من الاعتراض، مع الشرح، والتمثيل، وبيان المحترزات: «تعريف الصحابي» فقد قال في الألفية:
«رائي النبي مسلما ذو صحبة … وقيل إن طالت ولم يثبت (٢)»
وقال في الشرح: «وقد اختلف في حد الصحابي من هو؟ على أقوال: إحداها: وهو المشهور بين أهل الحديث: أنه من رأى النبي ﷺ في حال إسلامه، هكذا أطلقه كثير من أهل الحديث، ومرادهم بذلك، مع زوال المانع من الرؤية كالعمى، وإلا فمن صحبه ﷺ ، ولم يره لعارض بنظره، كابن أم مكتوم ونحوه، معدود في الصحابة بلا خلاف، قال أحمد بن حنبل: «من صحبه سنة أو شهرا أو يوما أو ساعة أو رآه فهو من أصحابه»، وقال البخاري في صحيحه: «من صحب النبي ﷺ أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه».
ثم انتقد تعريف البخاري بكونه غير جامع فقال: «وفي دخول الأعمى الذي جاء إلى النبي ﷺ ولم يصحبه ولم يجالسه، في عبارة البخاري نظر».
ثم بين وجه تعبيره في الألفية، فقال: «ولو قيل في النظم: لاقي النبي» يعني بدل «رائي النبي» كان أولى، ولكن تبعت فيه عبارة ابن الصلاح».
وأتبع ذلك بقوله:
والعبارة السالمة من الاعتراض أن يقال: «الصحابي من لقي النبي ﷺ :
стр. 874
مسلماً، ثم مات على الإسلام، ليخرج من ارتد ومات كافراً، كابن خطل وربيعة بن أمية، ومقيس بن صبابة، ونحوهم .. » ثم قال: «والمراد برؤية النبي ﷺ ، رؤيته في حال حياته، وإلا فلو رآه بعد موته قبل الدفن أو بعده فليس بصحابي على المشهور».
ثم قال: «واحترزت بقولي: (مسلماً) عما لو رآه وهو كافر ثم أسلم بعد وفاته ﷺ ، فإنه ليس بصحابي على المشهور، كرسول قيصر، وقد أخرجه أحمد في المسند» (١).
وهكذا صاغ بخبرته وفهمه، تعريف الصحابي، صياغة فنية جامعة، وسالمة من الاعتراض، لتعبيره باللقاء بدلاً من الرؤية التي عبر بها المتقدمون، وتابعهم عليها المتأخرون حتى عصره، كما أضاف من القيود المانعة، ما لم يذكروه (٢) فأصبح تعريفه محرراً، وأجمع، وأمنع من غيره، وأقر العلماء بعده بحسنه وأولويته، وتداولوه عنه في شرحهم لألفيته، وفي غيرها، حتى الآن (٣).
نقد بعض التعريفات والضوابط التي ذكرها العراقي:
وقد تبين لي أن العراقي لم يوفق في بعض التعريفات والضوابط التي أوردها في هذا الشرح.
стр. 875
فمن ذلك: أنه عرف المستخرج - بفتح الراء - بقوله: أن يأتي المصنف إلى كتاب البخاري أو مسلم، فيخرج أحاديثه بأسانيد لنفسه من غير طريق البخاري أو مسلم، فيجتمع إسناد المصنف مع إسناد البخاري أو مسلم في شيخه، أو من فوقه، كالمستخرج على صحيح البخاري لأبي بكر الإسماعيلي … ، وكالمستخرج على صحيح مسلم لأبي عوانة (١).
وبهذا قصر التعريف وأمثلته التطبيقية كما ترى على المستخرجات على الصحيحين، مع أن هناك مستخرجات على غير الصحيحين، كالمستخرج على سنن أبي داؤد لمحمد بن عبد الملك بن أيمن، وعلى الترمذي لأبي علي الطوسي، ومستخرج أبي نعيم على كتاب (التوحيد) لابن خزيمة (٢)، بل ألف العراقي نفسه متسخرجًا على (مستدرك الحاكم)، كما سيأتي، وهذا كله لا يشمله التعريف الذي ذكره، مع أن شرط التعريف أن يكون جامعًا لأفراد المعرف أو أغلبهم، ولهذا فإن العلماء بعد العراقي، بعضهم أدخل على تعريفه تعديلاً فقال: «والاستخراج: أن يعمد حافظ إلى صحيح البخاري مثلا، فيورد أحاديثه حديثا حديثا بأسانيد لنفسه .. الخ» (٣)، فزيادة لفظ (مثلا) جعلت البخاري، مثالاً فقط، وصار التعريف شاملا للمستخرج على غيره، وقدم البقاعي عبارة أخرى للتعريف، فقال: (وحق العبارة أن يقال: أن يأتي المصنف إلى كتاب من كتب الحديث فيخرج أحاديثه بأسانيد لنفسه من غير
стр. 876
طريق صاحب الكتاب، فيجتمع معه في شيخه الخ (١)، وتبعه على هذا السيوطي في شرحه لألفية العراقي (٢)، أما في شرحه لألفيته، فذكر تعريف العراقي السابق، ونسبه للزركشي معه» (٣)، وفي التدريب نسب عبارة التعريف العام التي قررها البقاعي، إلى العراقي (٤)، فلعله سهو منه.
ثم إن البقاعي حاول الإجابة عن العراقي في تقييد تعريف المستخرج بالصحيحين بأنه أورد مبحث المستخرجات، ضمن كلامه عن نوع الحديث الصحيح، فقال: «وعذر المصنف في ذلك، أن كلامه سابقا ولاحقا في الصحيح (٥)».
وهذا في تقديري لا ينهض عذرًا؛ لأنه وإن كان كلامه سابقا ولاحقا في الصحيح، إلا أنه عنون المبحث بعنوان عام هو «المستخرجات» ولم يقيدها بالصحيحين، ومقتضى هذا أن يكون تعريفه لها عاما غير مقيد بالصحيحين كما فعل.
كذلك ذكر العراقي في القسم السابع من أقسام المتفق والمفترق من الرواة أن يتفق أكثر من راو في الاسم فقط، أو الكنية، ويقع أيهما مطلقا من غير ذكر أبيه أو نسبة تميزه، أو نحو ذلك.
ثم ذكر ضابطاً لتمييزه فقال: «ويتميز ذلك عند أهل الحديث بحسب من
стр. 877
أطلق الرواية عنه (١). أما ابن الصلاح فقد زاد على ذلك: أنه قد يتميز ذلك الراوي أيضا بالنظر في حال المروي عنه، أو في رواياته؛ لأنه كثيرا ما يأتي مميزا في بعضها (٢)، وبذلك يكون هذا الضابط أوفى وأشمل من الضابط الذي ذكره العراقي.
بيان العراقي للأدلة، والأمثلة التطبيقية، وآراؤه في ذلك، وأثره: أولا: الأدلة:
قدمت في منهج العراقي في ألفيته، أنه حذف في النظم كثيرا من الأدلة والأمثلة التي ذكرها ابن الصلاح في مقدمته، وأقرر هنا: أنه عوض ذلك في شرحه للألفية، فاهتم بذكر وتحقيق الأدلة والأمثلة التطبيقية لقواعد وأنواع ومسائل علوم السنة، وخاصة ما اختلف العلماء فيه، أو أهمل ابن الصلاح أو غيره التدليل أو التمثيل له كلية، أو لم يستوعبوه، أو كان ما ذكروه منتقدا، كما أنه استمد بعض الأدلة والأمثلة من واقع الحياة العلمية في عصره، فصار شرحه هذا سجلا علميا لها، والخبرته بها، وإليك نماذج ذلك:
ذكر ابن الصلاح من أمثلة المؤتلف والمختلف من الرواة «سلام» والد محمد بن سلام بن الفرج البيكندي البخاري، شيخ البخاري، وذكر خلاف العلماء في ضبطه، بتخفيف اللام وتشديدها، ثم قرر أن التخفيف أثبت، واستدل بأن غنجار ذكره بالتخفيف في (تاريخ بخارى) وأنه أعلم بأهل بلاده (٣).
стр. 878
وأما صاحبي كتابي «المطالع، والمشارق» فرجحا التشديد، واستدلا بأنه الأكثر (١)، فأصبح معنا دليلان، كل منهما يرجح خلاف ما يرجحه الآخر، وبهذا بقي الخلاف قائما، فعرضه العراقي في الشرح، ثم عقب عليه بأن من جعل سلام والد شيخ البخاري بتشديد اللام، كأنه اشتبه عليه بشخص آخر، يُسمى محمد بن سلام البيكندي أيضًا، مثل شيخ البخاري، وهو بالتشديد فعلاً، لكنه يعرف بالبيكندي الصغير، … وعرف به، ثم قال: فأما البيكندي شيخ البخاري فقد روينا بالإسناد إليه، أي إلى البخاري، أنه قال: «أخبرنا محمد بن سلام، بالتخفيف، وعقب قائلاً: «وهذا قاطع للنزاع فيه»» (٢).
وهكذا وفق العراقي لتقديم الدليل القاطع للنزاع بين المتقدمين والمتأخرين، حيث روى بسنده عن البخاري التصريح بضبط اسم والد شيخه بالتخفيف وقد تبع العراقي على هذا السخاوي في شرحه للألفية (٣).
ومن الأدلة التي ذكرها للأنواع، دليل نوع رواية أكابر الرواة عن الأصاغر، فقد ذكره ابن الصلاح (٤) والنووي (٥) دون ذكر دليل عليه، أما العراقي فبدأ شرحه لهذا النوع بدليله حيث قال: «الأصل في هذا الباب رواية النبي ﷺ
стр. 879
عن تميم الداري، حديث الجساسة، وسو عند مسلم (١)، وقد قرر ابن كثير والبُلقِيني، أن هذا أجل ما يذكر في رواية الأكابر عن الأصاغر (٢)، ثم تابع العراقي على جعله هذا الدليل أصل الباب، العلماء من بعده في شرحهم لألفيته، وغيرها حتى الآن (٣).
ومن أدلة العراقي على بعض المسائل من واقع عصره: أنه دلل على أهمية معرفة المحدث بأسماء الرواة بقوله: «ولقد بلغني عن بعض من درس الحديث ممن رأيته، أنه أراد الكشف عن ترجمة أبي الزناد، فلم يهتد إلى معرفة ترجمته من كتب الأسماء، مع كون اسمه معروفًا عند المبتدئين من طلبة الحديث، وهو عبد الله بن ذكوان، وأبو الزناد لقب له، وكنيته أبو عبد الرحمن» (٤).
ونلاحظ أنه لما كان في هذا الدليل تعريض بصاحب الواقعة أبهمه العراقي سترًا لحاله، بينما صرح السخاوي بأنه جمال الدين بن هشام، إمام العربية المشهور (٥)، أما السيوطي فنقل هذا الدليل عن العراقي ملتزمًا الإبهام مثله (٦).
نقد بعض استدلالات العراقي:
ومع هذا، فليس كل ما استدل به العراقي في شرحه مُسَلَّم له، بل ربما
стр. 880
استدل بما يرد عليه من نفس كلامه، مثال ذلك، أنه ذكر أن المواضع التي رواها مسلم في صحيحه بإسناده المتصل ثم قال عقبها: وراه فلان، ليست من باب التعليق، إنما أراد ذكر من تابع راويه الذي أسنده من طريقه عليه، أو أراد بيان اختلاف في السند، كما يفعل أهل الحديث، وأتبع ذلك بقوله: «ويدل على أنه ليس مقصوده بهذا إدخاله في كتابه، أنه يقع في بعض أسانيد ذلك، من ليس هو في شرط مسلم، كعبد الرحمن بن خالد بن مسافر» (١).
وقد تعقب البقاعي العراقي في هذا، فقال: «قوله: وهذا ليس من باب التعليق، قال شيخنا - يعني ابن حجر - بلى، قد ذكره أصحاب الأطراف في المعلق، ثم أضاف قائلاً: قلت: واستدلاله على ذلك بأنه قد يقع في السند ما ليس من شرطه، يكفي في رد إطلاقه ما قاله بعده، من أن المعلق تارة يكون صحيحًا، وتارة يكون غير صحيح، فالذي جزم به مسلم، لا مانع من إدخاله في مقصود الكتاب، والله أعلم» (٢).
ثم نقل الطوخي في حاشيته عن البقاعي هذا الانتقاد وأقره (٣)، وهو انتقاد في محله، وإن كان لا يغض من إصابة العراقي في غالب استدلالاته، وأخذ من بعده بها، كما تقدمت أمثلته.
ثانيا: الأمثلة:
وأما بيانه للأمثلة التطبيقية فقد قرر رأيه بشأنها عمومًا، وهو: أن الأنواع