← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 30167

الحافظ العراقي وأثره في السنة

أحمد بن معبد عبد الكريم

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

طريق صاحب الكتاب، فيجتمع معه في شيخه الخ (١)، وتبعه على هذا السيوطي في شرحه لألفية العراقي (٢)، أما في شرحه لألفيته، فذكر تعريف العراقي السابق، ونسبه للزركشي معه» (٣)، وفي التدريب نسب عبارة التعريف العام التي قررها البقاعي، إلى العراقي (٤)، فلعله سهو منه. ثم إن البقاعي حاول الإجابة عن العراقي في تقييد تعريف المستخرج بالصحيحين بأنه أورد مبحث المستخرجات، ضمن كلامه عن نوع الحديث الصحيح، فقال: «وعذر المصنف في ذلك، أن كلامه سابقا ولاحقا في الصحيح (٥)». وهذا في تقديري لا ينهض عذرًا؛ لأنه وإن كان كلامه سابقا ولاحقا في الصحيح، إلا أنه عنون المبحث بعنوان عام هو «المستخرجات» ولم يقيدها بالصحيحين، ومقتضى هذا أن يكون تعريفه لها عاما غير مقيد بالصحيحين كما فعل. كذلك ذكر العراقي في القسم السابع من أقسام المتفق والمفترق من الرواة أن يتفق أكثر من راو في الاسم فقط، أو الكنية، ويقع أيهما مطلقا من غير ذكر أبيه أو نسبة تميزه، أو نحو ذلك. ثم ذكر ضابطاً لتمييزه فقال: «ويتميز ذلك عند أهل الحديث بحسب من

стр. 877

أطلق الرواية عنه (١). أما ابن الصلاح فقد زاد على ذلك: أنه قد يتميز ذلك الراوي أيضا بالنظر في حال المروي عنه، أو في رواياته؛ لأنه كثيرا ما يأتي مميزا في بعضها (٢)، وبذلك يكون هذا الضابط أوفى وأشمل من الضابط الذي ذكره العراقي. بيان العراقي للأدلة، والأمثلة التطبيقية، وآراؤه في ذلك، وأثره: أولا: الأدلة: قدمت في منهج العراقي في ألفيته، أنه حذف في النظم كثيرا من الأدلة والأمثلة التي ذكرها ابن الصلاح في مقدمته، وأقرر هنا: أنه عوض ذلك في شرحه للألفية، فاهتم بذكر وتحقيق الأدلة والأمثلة التطبيقية لقواعد وأنواع ومسائل علوم السنة، وخاصة ما اختلف العلماء فيه، أو أهمل ابن الصلاح أو غيره التدليل أو التمثيل له كلية، أو لم يستوعبوه، أو كان ما ذكروه منتقدا، كما أنه استمد بعض الأدلة والأمثلة من واقع الحياة العلمية في عصره، فصار شرحه هذا سجلا علميا لها، والخبرته بها، وإليك نماذج ذلك: ذكر ابن الصلاح من أمثلة المؤتلف والمختلف من الرواة «سلام» والد محمد بن سلام بن الفرج البيكندي البخاري، شيخ البخاري، وذكر خلاف العلماء في ضبطه، بتخفيف اللام وتشديدها، ثم قرر أن التخفيف أثبت، واستدل بأن غنجار ذكره بالتخفيف في (تاريخ بخارى) وأنه أعلم بأهل بلاده (٣).

стр. 878

وأما صاحبي كتابي «المطالع، والمشارق» فرجحا التشديد، واستدلا بأنه الأكثر (١)، فأصبح معنا دليلان، كل منهما يرجح خلاف ما يرجحه الآخر، وبهذا بقي الخلاف قائما، فعرضه العراقي في الشرح، ثم عقب عليه بأن من جعل سلام والد شيخ البخاري بتشديد اللام، كأنه اشتبه عليه بشخص آخر، يُسمى محمد بن سلام البيكندي أيضًا، مثل شيخ البخاري، وهو بالتشديد فعلاً، لكنه يعرف بالبيكندي الصغير، … وعرف به، ثم قال: فأما البيكندي شيخ البخاري فقد روينا بالإسناد إليه، أي إلى البخاري، أنه قال: «أخبرنا محمد بن سلام، بالتخفيف، وعقب قائلاً: «وهذا قاطع للنزاع فيه»» (٢). وهكذا وفق العراقي لتقديم الدليل القاطع للنزاع بين المتقدمين والمتأخرين، حيث روى بسنده عن البخاري التصريح بضبط اسم والد شيخه بالتخفيف وقد تبع العراقي على هذا السخاوي في شرحه للألفية (٣). ومن الأدلة التي ذكرها للأنواع، دليل نوع رواية أكابر الرواة عن الأصاغر، فقد ذكره ابن الصلاح (٤) والنووي (٥) دون ذكر دليل عليه، أما العراقي فبدأ شرحه لهذا النوع بدليله حيث قال: «الأصل في هذا الباب رواية النبي ﷺ

стр. 879

عن تميم الداري، حديث الجساسة، وسو عند مسلم (١)، وقد قرر ابن كثير والبُلقِيني، أن هذا أجل ما يذكر في رواية الأكابر عن الأصاغر (٢)، ثم تابع العراقي على جعله هذا الدليل أصل الباب، العلماء من بعده في شرحهم لألفيته، وغيرها حتى الآن (٣). ومن أدلة العراقي على بعض المسائل من واقع عصره: أنه دلل على أهمية معرفة المحدث بأسماء الرواة بقوله: «ولقد بلغني عن بعض من درس الحديث ممن رأيته، أنه أراد الكشف عن ترجمة أبي الزناد، فلم يهتد إلى معرفة ترجمته من كتب الأسماء، مع كون اسمه معروفًا عند المبتدئين من طلبة الحديث، وهو عبد الله بن ذكوان، وأبو الزناد لقب له، وكنيته أبو عبد الرحمن» (٤). ونلاحظ أنه لما كان في هذا الدليل تعريض بصاحب الواقعة أبهمه العراقي سترًا لحاله، بينما صرح السخاوي بأنه جمال الدين بن هشام، إمام العربية المشهور (٥)، أما السيوطي فنقل هذا الدليل عن العراقي ملتزمًا الإبهام مثله (٦). نقد بعض استدلالات العراقي: ومع هذا، فليس كل ما استدل به العراقي في شرحه مُسَلَّم له، بل ربما

стр. 880

استدل بما يرد عليه من نفس كلامه، مثال ذلك، أنه ذكر أن المواضع التي رواها مسلم في صحيحه بإسناده المتصل ثم قال عقبها: وراه فلان، ليست من باب التعليق، إنما أراد ذكر من تابع راويه الذي أسنده من طريقه عليه، أو أراد بيان اختلاف في السند، كما يفعل أهل الحديث، وأتبع ذلك بقوله: «ويدل على أنه ليس مقصوده بهذا إدخاله في كتابه، أنه يقع في بعض أسانيد ذلك، من ليس هو في شرط مسلم، كعبد الرحمن بن خالد بن مسافر» (١). وقد تعقب البقاعي العراقي في هذا، فقال: «قوله: وهذا ليس من باب التعليق، قال شيخنا - يعني ابن حجر - بلى، قد ذكره أصحاب الأطراف في المعلق، ثم أضاف قائلاً: قلت: واستدلاله على ذلك بأنه قد يقع في السند ما ليس من شرطه، يكفي في رد إطلاقه ما قاله بعده، من أن المعلق تارة يكون صحيحًا، وتارة يكون غير صحيح، فالذي جزم به مسلم، لا مانع من إدخاله في مقصود الكتاب، والله أعلم» (٢). ثم نقل الطوخي في حاشيته عن البقاعي هذا الانتقاد وأقره (٣)، وهو انتقاد في محله، وإن كان لا يغض من إصابة العراقي في غالب استدلالاته، وأخذ من بعده بها، كما تقدمت أمثلته. ثانيا: الأمثلة: وأما بيانه للأمثلة التطبيقية فقد قرر رأيه بشأنها عمومًا، وهو: أن الأنواع

стр. 881

التي تكثر أفرادها وتشتهر، لا ينبغي التوسع في ذكر أمثلتها في كتب القواعد والمصطلحات، وذلك أنه في باب «الأسماء والكنى»، ذكر القسم التاسع، من اشتهر باسمه، دون كنيته، وذكر بعض الأمثلة التي مثل بها ابن الصلاح. ثم قال: «وفي هذا النوع كثرة لا يحتاج مثله إلى مثال» (١). فقوله هذا عقب اقتصاره على بعض الأمثلة، يدل على أنه يرى عدم التوسع في التمثيل لمثل هذا. ومما ترك ابن الصلاح وغيره التمثيل له، ومثل له العراقي في شرحه، القسم الثاني من «أفراد الحديث»، وهو الأحاديث المفردة بالنسبة إلى جهة خاصة، كتقييد الفردية بثقة، أو بلد معين، كمكة، والبصرة، والكوفة، أو يكون الحديث لم يروه من أهل البصرة أو الكوفة مثلا إلا فلان، أو لم يروه عن فلان إلا فلان، ونحو ذلك، فقد قال ابن الصلاح بعد ذكر هذه الأنواع: «ولسنا نطول بأمثلة ذلك، فإنه مفهوم دونها» (٢) وتبعه على هذا آخرون، كالنووي (٣) وابن كثير (٤) والبلقيني (٥) وابن الملقن (٦). لكن أبا عبد الله الحاكم، المتقدم على ابن الصلاح، ذكر الأنواع السابقة ومثل لكل منها بمثال (٧)، فتبع العراقي مسلكه، وذكر أمثلة بعض الأنواع.

стр. 882

السالفة من عنده، وبعضها من مصادر أخرى مع التوضيح (١). ونكتفي هنا بأحد الأمثلة التي ذكرها، حيث قال: «ومثال تقييد الانفراد بالثقة، حديث: أن النبي ﷺ كان يقرأ في الفطر والأضحى بـ (ق)، و «اقتربت الساعة» رواه مسلم وأصحاب السنن من رواية ضمرة بن سعد المازني عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي واقد الليثي عن النبي ﷺ ». ثم بين العراقي وجه التفرد فقال: «وهذا الحديث لم يروه أحد من الثقات إلا ضمرة، ودلّل لذلك فقال: قال شيخنا علاء الدين التركماني في الدر النقي: مداره على ضمرة، وفسر مراد شيخه بقوله: يريد حديث أبي واقد»، ثم أردف قائلاً: «وإنما قيدت هذا الحديث بقولي: أحد من الثقات؛ لأن الدارقطني رواه من رواية ابن لهيعة عن خالد بن يزيد عن الزهري عن عروة عن عائشة عن النبي ﷺ . وابن لهيعة ضعفه الجمهور» (٢). وقد حذا غير واحد من العلماء بعد العراقي حذوه، سواء في شرحهم للألفية أو في غيرها، واعتمدوا على ما ذكره من أمثلة وتوضيح (٣). وهذا يدل على سلامة رأيه ومنهجه في هذا، وتأثيره فيمن بعده. ومن الأمثلة ما زاد فيه على من تقدمه لكونه أفيد، فقد ذكر الحاكم في نوع الحديث المسلسل، ثمانية أمثلة للأحاديث التي يدل تسلسلها على اتصال

стр. 883

السند (١)، فذكرها العراقي جميعًا ثم عقب عليها بأن هناك أمثلة أخرى تدل على الاتصال، ولم يذكرها الحاكم، وعد منها خمسة فقال: «كالمسلسل بقولهم: أطعمنا وسقانا، والمسلسل بقولهم: أضافنا بالأسودين التمر والماء والمسلسل بقولهم: أخذ فلان بيدي، والمسلسل بالمصافحة، والمسلسل بقص الأظافر يوم الخميس، ونحو ذلك» (٢) وبهذا بلغ مجموع الأمثلة التي ذكرها ١٢ مثالاً. ثم أتبعها بقول ابن الصلاح: «إن خير المسلسلات، ما كان فيه دلالة على اتصال السماع، وعدم التدليس، للإشارة بأنه أكثر من ذكر تلك الأمثلة الدالة على الاتصال وعدم التدليس، لهذا السبب، حتى لا يظن إكثاره الأمثلة بدون داع». ويؤيده قول السخاوي: «إن ما يدل على الاتصال هو غاية المقصد من نوع المسلسل هذا» (٣). ومن الأنواع ما توسع العراقي في تتبع أمثلته من عصر الصحابة حتى عصره مع استبعاده لما رآه منتقدا من تمثيل غيره، مثل: «رواية الآباء عن الأبناء»، فقد استبعد منه الأمثلة التي رآها منتقدة مما ذكره ابن الصلاح، ثم أضاف ٢٢ مثالاً آخرين، أولهم أنس بن مالك ﵁، وذكر أنه روى عن ابن له غير مسمى حديثا واحدًا، واستمر في ذكر الشخص وابنه الذي روى عنه، وعدد الأحاديث التي رواها، حتى قال: وروى قاضي القضاة بدر الدين ابن

стр. 884

جماعة عن ابنه قاضي القضاة عز الدين بن جماعة حكاية عجيبة (١). وقد مشى السخاوي على منهج العراقي، وفصل الحكاية المشار إليها، فقال: أخبرني بها أبو الفتح المراغي حدثنا المصنف - يعني العراقي - لفظا إملاء، أنشدنا أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن بن إبراهيم بن سعد الله بن جماعة .. الخ (٢). وبهذا وصل العراقي ماضي تطبيق أنواع الرواية بحاضرها في عصره، ومستقبلها لمن بعده، ولعله توسع على النحو المشار إليه في بيان أمثلة هذا النوع، نظرًا لأن العلماء من قبله قد اهتموا به، حتى أفرده الخطيب البغدادي بمؤلف خاص، ذكر السخاوي أنه لطيف الحجم، لكن فيه أمثلة كثيرة (٣). ويزيد أهمية تلك الأمثلة العديدة التي ذكرها العراقي في شرحه، أن كتاب الخطيب المشار إليه يعد حاليًا في حكم المفقود، وبذلك نجد فيما ذكره العراقي العزاء والعوض، خاصة وأن في ضبط هذا النوع كما ذكر السخاوي: الأمن من التحريف الناشئ عن كون الإبن أبا (٤)، ولهذا تناقل العلماء عن العراقي جميع تلك الأمثلة على كثرتها، سواء في شرحهم لألفيته، أو في غيره، تعميمًا للاستفادة بها (٥). من أمثلة العراقي المنتقدة: ومن الأمثلة ما ذكره العراقي، ولكن لم يوفق فيه، وذلك نادر لا يغض من

стр. 885

قيمة ما تقدم، كتمثيله للحديث الغريب من الصحيح، بحديث مالك عن سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعًا «السفر قطعة من العذاب» (١) ومثل به مرة ثانية أيضًا قبل هذه (٢). وقد اعترض السخاوي على هذا، بأن الغرابة فيه منتقضة برواية أبي مصعب عن عبد العزيز الدَّرَاوَرْدِي، عن سهيل عن أبيه أبي صالح، وهي صحيحة، واستدرك قائلا: «بل وبطريق عصام بن رواد عن أبيه عن مالك عن ربيعة عن القاسم عن عائشة، ولكنها رواية ضعيفة (٣)، ويعتبر ما ذكره السخاوي دليلا كافيا في رد تمثيل العراقي بالحديث». ٧ - بيان العراقي لآراء العلماء، وموقفه منها، تعبيرًا عن رأيه الخاص، وأثر ذلك فيمن بعده: اعتنى العراقي في شرحه، ببيان آراء العلماء في قضايا ومسائل المصطلح، ومتعلقاتها، بأجمع وأوضح مما أورده في الألفية، مع تحديد موقفه في الغالب، معبرًا بذلك عن رأيه الخاص، سواء بالإقرار، أو الرد، أو الترجيح، أو التصحيح، أو التضعيف، أو الجمع، أو التوقف، وقد تبين لي من البحث التفصيلي الكامل للشرح: أن الآراء التي تناولها العراقي فيه، إما آراء صرح بها أصحابها، وإما آراء استنبطها غيره، أو استنبطها هو من كلام أصحابها، ومناهجهم وتصرفاتهم العلمية، معتمدًا في ذلك على قواعد للاستنباط قررها خلال الشرح أيضًا، كما شمل تناوله وتمحيصه، آراء المتقدمين، والمتأخرين.

стр. 886

حتى عصره، وسجل من آرائه ما ظهر له حتى وقت تأليف الشرح، واستمد من كل ذلك، من جاء بعده من العلماء. وإليك بعض النماذج التوضيحية لهذا كله: فمن طرق الاستنباط التي قررها وطبقها في بيان الآراء، أن من حكى رأياً أو رأى عملاً لغيره وسكت عليه، فإنه يعتبر قائلاً بالرأي المحكي، وينسب إليه، كما يعتبر قائلاً بالرأي المجيز للعمل الذي أقره. مثال الأول: أن ابن الصلاح قال عن الاحتجاج بالحديث المرسل: وقال مسلم في صدر كتابه الصحيح: «المرسل في أصل قولنا، وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة»، فذكر العراقي هذا، وعقب بقوله: هكذا أطلق ابن الصلاح نقله عن مسلم، ومسلم إنما ذكره في أثناء كلام خصمه الذي رد عليه اشتراط ثبوت اللقاء، فقال: «فإن قال: قلته لأني وجدت رواة الأخبار قديما وحديثا كلهم يروي أحدهم عن الآخر الحديث ولما يُعَايِنُهُ، وما سمع منه شيئًا قط، فلما رأيتهم استجازوا رواية الحديث بينهم هكذا، على الإرسال، من غير سماع والمرسل في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة، احتجت لما وصفت من العلة، إلى البحث عن سماع راوي كل خبر عن راويه … إلى آخر كلامه .. » ثم اتجه العراقي إلى قارئ كلامه؛ ليشركه معه في هذا البحث والاستنتاج، فقال: «فهذا كما تراه حكاه، أي الإمام مسلم، على لسان خصمه، ولكنه لما لم يَرُدُّ هذا القدر منه حين رد كلامه، كان

стр. 887

كأنه قائل به، فلهذا نسبه ابن الصلاح إليه» (١). وقد أقر العلماء من بعد العراقي تلك الطريقة في الاستنباط، وبيانه لنسبة الرأي إلى الإمام مسلم على ضوئها، وتناقلوا ذلك عنه في شروحهم للألفية، وحواشيهم على شرحه (٢)، ومما يدل على إقرار تلك القاعدة عموما، أن العلماء من قبل العراقي ومن بعده، جروا على نسبة القول السابق برد الحديث المرسل، إلى الإمام مسلم مباشرة (٣)، كما أنه على أساسها جرى غير واحد من العلماء، في نسبة آراء المتقدمين، إلى من يحكيها عنهم ويقرها من المتأخرين، وبالتالي فإن كل ما حكاه العراقي في شرحه هذا عن غيره وأقره، يعد من آرائه، وسيأتي تصريحه بذلك. وأما المثال الثاني: فقد ذكر في جواز الإجازة برواية الحديث للكافر، كما تقدم في بحث الألفية: أن شخصا من الأطباء، ممن رآه هو بدمشق، سمع الحديث في حال يهوديته، على ابن عبد المؤمن الصوري، وكتب اسمه في السماع مع السامعين، وأجاز ابن عبد المؤمن لمن سمع، وهو من جملتهم، وكان السماع والإجازة بحضور الحافظ المزي، وبعض السماع بقراءته، ولأكثر من جزء،

стр. 888

وعقب العراقي على ذلك بقوله: «فلولا أن المزي يرى جواز ذلك، ما أقر عليه (١)، وبهذا استنبط من إقرار المزي لإجازة ابن عبد المؤمن لهذا اليهودي، أنه يرى جواز الإجازة برواية الحديث للكافر حال كفره، على أن يؤدي بعد إسلامه». وقد أخذ العلماء من بعد العراقي بهذا الرأي، وأقروا استنباطه له، سواء من حيث التقعيد، أو من حيث الاستنتاج، وتناقلوا ذلك عنه (٢). ومن طرق الاستنباط التي قررها واستنتج الآراء على أساسها: فعل الشخص فقد ذكر ابن الصلاح في النوع السابع من أنواع الإجازة، وهو إجازة المجاز، أن الصحيح الذي عليه العمل، جواز ذلك، وذكر من أدلته: أن الفقيه نصر بن إبراهيم المقدسي، كان يروي بالإجازة عن الإجازة، حتى ربما والى في روايته بين إجازات ثلاث (٣)، فذكر العراقي ذلك في الألفية (٤)، ثم قال في الشرح: إن فعل نصر لذلك، دال على جوازه عنده، ثم أتبع ذلك بذكر فعل بعض العلماء، كما وقف عليه هو بنفسه، تدليلًا على رأيهم، فقال: «قلت: وقد رأيت في كلام غير واحد من الأئمة وأهل الحديث، الزيادة على ثلاث أجائز فرووا بأربع أجائز متوالية، وخمس، وقد روى الحافظ أبو محمد عبد الكريم الحلبي في «تاريخ مصر»، عن عبد الغني بن سعيد الأزدي، بخمس أجائز.

стр. 889

متوالية، في عدة مواضع (١). وقد تناقل العلماء ذلك عن العراقي، وأخذوا به في استنباطهم للآراء (٢). كذلك قرر العراقي: أنه إذا كان في المسألة أكثر من رأي، وساق ذلك شخص دون أن يصرح بدرجة كل رأي في نظره، فإنه يمكن استنباط ذلك من السياق، فما بدأ به منها، يعتبر مرجحًا عنده على باقيها، وما ثنى به يعتبر أقوى عنده من الثالث، … وهكذا. مثال ذلك أن ابن الصلاح ذكر ثلاثة آراء في آخر من مات بالمدينة المنورة من الصحابة، وبدأ بذكر الرأي القائل: إنه جابر بن عبد الله، ﵁ (٣)، فذكر العراقي الآراء الثلاثة بعكس ترتيب ابن الصلاح لها، بحيث كان هذا الرأي المذكور، ترتيبه الأخير، وساقه قائلاً: «القول الثالث: أن آخرهم موتا بها، أي بالمدينة، جابر بن عبد الله، رواه أحمد بن حنبل عن قتادة، وبه صدر ابن الصلاح كلامه، فاقتضى ترجيحه عنده» ثم كر العراقي بالرد على ما استنتج ترجيح ابن الصلاح له، فقال: «وهو رأي ضعيف؛ لأن السائب مات بالمدينة بلا خلاف، وقد تأخر بعده، أي بعد جابر ﵁» (٤) وبهذا قرر ضعف الرأي القائل بأن جابرًا آخر من مات بالمدينة من الصحابة، رغم أنه مروي عن قتادة وعن غيره من المتقدمين، ورَغْمَ استنتاجه ترجحه عند

стр. 890

ابن الصلاح من المتأخرين، وقد أيد تضعيفه كما نرى بالدليل، وعندما نقارن، نجد أن البلقيني وابن الملقن (١)، قد أقرا ترجيح ابن الصلاح لهذا الرأي الضعيف، أما السيوطي فنقل تضعيف العراقي له، ودليله، وأقره (٢)، وقد طبق العراقي القاعدة المذكورة على نفسه أيضًا، فقرر كما سيأتي: أن ما يُصَدِّرْ به كلامه دون تعقيب عليه، يعتبر راجحًا عنده، وإن لم يصرح بذلك. ومثال ما جعل العراقي فيه تقديم الرأي، مفيدًا للتقوية فقط: أنه بين آراء العلماء في سن سيدنا علي ﵁، عند وفاته، وذكر في نهايتها الرأي بأنه كان سنه حينذاك ٥٧ سنة، وقال: وبه صدر ابن قانع كلامه، وقدمه ابن الجوزي والمزي عند حكاية الخلاف (٣)، فنلاحظ أنه فرق بين من صدر كلامه بهذا الرأي، فاقتضى ترجيحه عنده، كما تقدم، وبين من قدمه فقط على غيره، ولكن لم يصدر به كلامه، فأشار بالتقديم إلى تقويته فقط عن غيره. وقرر العراقي أيضا: أنه إذا كان في المسألة أكثر من رأي، فاقتصر الشخص على ذكر رأي واحد منها فقط، فإنه يعتبر جازما بصحته، وإن خالفه غيره، مثال ذلك: أن ابن الصلاح ذكر أن الصحابي الجليل عامر بن الطفيل توفي سنة مائة من الهجرة. ولم يذكر آراء أخرى (٤). فذكر العراقي ذلك في (الشرح)، وعقب عليه بقوله: «كذا جزم به ابن الصلاح» ثم ذكر هو عدة آراء أخرى مخالفة،

стр. 891

ومنها ما جزم به غير ابن الصلاح، حيث قال: «وجزم ابن حبان وابن قانع وأبو زكريا بن مندة: أنه أي ابن الطفيل، توفي سنة ١٠٧ هـ» (١). ومثال الآراء التي استنبطها من كلام العلماء، وإن لم يصرحوا بها، قوله عن تعليق الإجازة برواية الشيء المعين، على إرادة المجاز: إن ابن الصلاح وإن لم يصرح بتعليق الإجازة في المعين، فتعليله وبعض أمثلته يقتضي الصحة فيه بعمومه (٢). وقد نقل عنه ذلك السخاوي في شرحه للألفية، وأقره (٣). ومما يظهر تميز العراقي في الاستنباط: أنه قد يختلف مع غيره فيما يستنبط من كلام الشخص الواحد، إثباتا أو نفيا، فمن ذلك: أن ابن معين قال: «إذا قلت: فلان ليس به بأس، فهو ثقة» فذكر ابن الصلاح: أن كلام ابن معين هذا يقتضي تسويته بين اللفظين، فرد عليه العراقي قائلا: «قلت: ولم يقل ابن معين: إن قولي: ليس به بأس، كقولي: ثقة، حتى يلزم منه التساوي بين اللفظين، إنما قال: إن من قال فيه هذا، فهو ثقة، وللثقة مراتب، فالتعبير عنه بقولهم: ثقة، أرفع من التعبير عنه بأنه لا بأس به، وإن اشتركا في مطلق الثقة، والله أعلم» (٤). لكن الحافظ ابن حجر عارض استنباط شيخه العراقي في هذا، وأقر استنباط ابن الصلاح، فذكر أن قول ابن معين يلزم منه التساوي، فإنه حكم أن هذا

стр. 892

ذاك، فإما أن يكون الموضوع (١)، الذي هو: ليس به بأس، مساويا لـ «ثقة»، أو أخص منه، وعلى كل حال يكون حكمه، حُكمَه (٢). ولكني أرى أن رد ابن حجر غير موفق، حيث قرر أن عبارة ابن معين غير قاطعة في إفادة التساوي، بل تحتمل الدلالة على التساوي، والدلالة على أن: ليس به بأس، أخص، وهو ما ذهب إليه العراقي، وما انتهى إليه ابن حجر من أن حكم اللفظين واحد، لا يعارض ما قرره العراقي، لأنه قرر اشتراكهما في الدلالة على مطلق الثقة، وإن تفاوتا في الدرجة. ولهذا فإن أبرز تلاميذ ابن حجر نفسه، وغيرهم، لم يتبعوه في هذا، وأخذوا باستنباط العراقي، مع استحسانه وتعزيزه، فنقله السيوطي وأقره (٣)، وذكر السخاوي خلاصته واستحسنه (٤)، ونقل البقاعي رد شيخه ابن حجر، ثم أعقبه بتعزيز بعض تلاميذه لرأي العراقي (٥). وبهذا يكون استنباط العراقي هو الراجح، وبه يُجمع بين رأي ابن معين، ورأي باقي العلماء القائلين بتفاوت اللفظين. نقد بعض استنباطات العراقي: ومما ترجح فيه استنباط غير العراقي: أنه ذكر قول الحاكم في مقدمة (المستدرك على الصحيحين): وأنا أستعين الله تعالى على إخراج أحاديث

стр. 893

رواتها ثقات، قد احتج بمثلها الشيخان أو أحدهما، ثم قال: «فقوله: بمثلها أي بمثل رواتها، لا بهم أنفسهم، ويحتمل أن يراد بمثل تلك الأحاديث، وإنما تكون بمثلها، إذا كانت بنفس رواتها، وفيه نظر» (١)، أي لأن واقع المستدرك أنه خرج أحاديث لغير رواة الشيخين (٢). وبهذا رجع العراقي أن المراد بالمثلية في كلام الحاكم معناها الحقيقي وهو مشابهة من أخرج له الحاكم، لرجال الصحيحين في الدرجة، بينما رأى ابن الصلاح وابن دقيق العيد والذهبي: أن المثلية في كلام الحاكم أراد بها المعنى المجازي، وهو عين رواة الصحيحين، على حد قولهم: مِثْلُكَ لا يفعل كذا، أي أنت، فقد ذكر ابن الصلاح: أن الحاكم أودع في مستدركه ما أخرج الشيخان عن رواته في كتابيهما، وابن دقيق العيد والذهبي، ينقلان عن الحاكم تصحيحه للحديث على شرط البخاري مثلاً، ثم يعترضان عليه بأن في سنده فلانًا، ولم يخرج له البخاري. وقد رد العراقي على الثلاثة فقال: (ليس ذلك منهم بجيد، فإن الحاكم صرح في خطبة كتابه المستدرك بخلاف ما فهموه عنه) وذكر … كلام الحاكم، وبيانه أنه ليس المراد بالمثلية فيه نفس الرواة، كما قدمت. لكن ما فهمه ابن الصلاح ومن معه، من أن المراد بالمثلية نفس رواة الصحيحين، هو الذي اختار رجحانه الحافظ العلائي شيخ العراقي، وأيده بواقع صنيع الحاكم خلال المستدرك، وقرر على أساسه أن يمن أخرج لهم.

стр. 894

الحاكم ممن هم في مرتبة رجال الصحيحين لا أعينهم، قليلون بالنسبة لمن أخرج عنهم، من نفس رجالهما (١). ولهذا رد ابن حجر على شيخه العراقي انتقاده لما فهمه ابن الصلاح ومن معه عن الحاكم، وقال: «إنهم أجادوا وأصابوا، وأيد ذلك بنحو ما ذكرته عن العلائي، مع إضافات أخرى مرجحة، وتبعه على ذلك تلاميذه وغيرهم» (٢). هذا عن الآراء الاستنباطية ومواقفه منها تعبيرا عن رأيه. أما الآراء التي صرح بها أصحابها، فمنها ما ذكره وسكت عليه، وبهذا يعتبر مقرا له وقائلا به، حسبما قدمت من قواعد استنباط الآراء التي قررها العراقي بنفسه. ومنها ما يذكره ويصرح، أو يلمح بتوقفه فيه، مثال ذلك أنه ذكر آراء العلماء من متقدمين ومتأخرين حتى عصره وشيوخه، في الإجازة العامة، وهي التي لا يعين الشيخ فيها المجاز له كقوله: «أجزت لجميع المسلمين» ومجمل ما ذكره، أن بعضهم صحح جوازها، وعليه جمهور المتأخرين، وبعضهم منعها، وبعضهم جوزها، ولكن لم يستعملها بنفسه تورعا، وبعضهم جوزها واستعملها تحملا وأداء، وعقب العراقي على ذلك بعمله ورأيه هو فيها فقال: «وقرأت بها عدة أجزاء على الوجيه عبد الرحمن العوفي، بإجازته العامة من عبد اللطيف بن القبيطي، وأبي إسحق الكاشغري، وابن رواج، والسبط، في آخرين، من البغداديين والمصريين» وأردف قائلا: «وفي

стр. 895

النفس من ذلك شيء، وأنا أتوقف عن الرواية بها»، ثم اعتذر عما تلقاه عن شيخه المتقدم فقال: «وأهل الحديث يقولون: إذا كتبت فَقَمش، وإذا حدثت ففتش» (١)، وقد قدمت تفسيره لهذه العبارة من قبل. وهذا التوقف من العراقي في حكم الإجازة العامة، يعد أنموذجا لآرائه المؤقتة بزمن تسجيلها في هذا الشرح، ثم غيره فيما ألفه بعد ذلك كما سيأتي. ومما ألمح فيه إلى التوقف: أنه ذكر من أمثلة ما يقع مبهما من الأشخاص في الحديث، ما جاء في حديث عقبة بن الحارث قال: «تزوجت امرأة فجاءتنا امرأة سوداء فقالتْ إني قد أرضعتكما» الحديث. ثم ذكر عن ابن بشكوال أن اسم زوجة عقبة التي أبهمها: غنية بنت أبي إهاب بن عزيز بن قيس، وعقب بقوله: «قلت: ووقع في بعض طرق الحديث من رواية إسماعيل بن أمية عن ابن أبي مليكة عن عقبة بن الحارث قال: تزوجت زينب بنت أبي إهاب، فالله أعلم» (٢). فقوله عقب سياق الرأيين: فالله أعلم، إشارة إلى توقفه في تحديد الصواب، أو الراجح منهما، وقد ذكرها السخاوي مثله على التوقف أيضًا (٣). لكني لاحظت أن ما توقف فيه العراقي من الآراء، خلال الشرح كله قليل جدا بالنسبة لما حدد موقفه منه. اعتدال العراقي في رأيه، وفي موقفه من الآراء: كما لاحظت أن موقفه عموما يتسم بالاعتدال، فلا يقر التشدد، ولا

стр. 896

التساهل فمن رده لرأي المتشددين، ما ذكره من أن من مذاهب أهل التشديد في الرواية: أنه لابد من ذكر السند في كل حديث، وإن كان الإسناد واحدًا إلى صاحب الكتاب، وعقب على ذلك بقوله: والصحيح أنه لا يحتاج إلى إعادة السند في كل حديث (١). وقد أقره على هذا السخاوي والأنصاري والسيوطي في شروحهم للألفية (٢) ونقله عنه السيوطي في «التدريب» (٣). ومن تصويبه لعدم التساهل حتى في كتابة الحديث، ما ذكره من أن من رمز في الكتابة إلى اسم راو برمز بدلا من ذكر اسمه، أو بلون مداد، كالأحمر أو الأخضر، فعليه أن يبين المقصود بذلك الرمز في أول الكتاب أو في آخره، ولا يعتمد على حفظه في ذلك، فربما نسي، وأتبع ذلك بقوله: «فالصواب كما قال القاضي عياض: أن لا يتساهل في ذلك ولا يهمله»، وعلل ذلك بقول ابن الصلاح: «إنه قد يقع كتاب هذا الشخص في يد غيره، فيقع في حيرة من رموزه» (٤)، أي إذا تساهل وأهمل بيانها. وهناك أمثلة أخرى، رد فيه الرأي المتساهل ونقد دليله (٥)، وأقره من بعده (٦).

стр. 897

وعلى ضوء هذا المنهج المعتدل بين التساهل والتشدد، تناول العراقي عامة الآراء التي أوردها في الشرح وبين رأيه حيالها. فمما أورده واستحسنه: أن الرامهرمزي ذكر في التخريج للساقط من كاتب الحديث عند كتابته، أن الأجود أن يخرج من موضع السقط خطا، ويمده حتى يلحق به طرف الحرف الأول من الكلمة الساقطة المكتوبة في الحاشية، فلم يرتض القاضي عياض وابن الصلاح هذا، متعللين بأنه وإن كان فيه بيان، لكن فيه تسخيم وتسويد له، لا سيما إن كثرت الإلحاقات والنقص ولكنهما لم يتعرضا لحالة الإضطرار لإلحاق الساقط في موضع من الحاشية غير مقابل لمكان سقوطه، فنقل العراقي عنهما ما تقدم، وأتبعه بقوله: (قلت فإن لم يكن اللحق قبالة موضع السقوط، بأن لا يكون مقابله خاليا، وكتب اللحق في موضع آخر، فيتعين حينئذ جر الخط إلى أول اللحق، أو يكتب قبالة موضع السقوط: يتلوه كذا وكذا في الموضع الفلاني ونحو ذلك، لزوال اللبس)، ثم قال: وقد رأيت في خط غير واحد ممن يعتمد، اتصال الخط إذا بَعُدَ اللحق عن مقابل موضع النقص، وهو جيد حسن (١)، وقد استمد السخاوي ذلك في شرحه للألفية، وأقر العراقي على استحسانه (٢). ومما بين فيه رأي الجمهور وصححه وصوبه، مع بيان مجمله: الخلاف في أصح كتب الحديث، حيث قرر أن كتاب (صحيح البخاري) أصح من كتاب (صحيح مسلم) عند الجمهور، وعقب بقوله: (وهو الصحيح، وقال النووي إنه الصواب)، ثم بين مجمل رأي الجمهور هذا فقال: والمراد ما

стр. 898

أسنده البخاري دون التعليق والتراجم (١). وقد أقر العراقي على ذلك العلماء من بعده، كالحافظ ابن حجر في (شرح نخبته) (٢) و «مقدمته لفتح الباري» (٣)، والبقاعي في (نكته على شرح العراقي) للألفية (٤)، والسخاوي في «شرحه للألفية» (٥)، والسيوطي في (شرحه للألفية) (٦)، و (شرحه لألفيته) (٧)، و (لتقريب النووي) (٨). ومما بين فيه رأي الجمهور ورد دليله، ثم صوب غيره، ودلل للتصويب: تحديد الوقت الذي يصح فيه للصغير سماع الحديث، حيث قال: «وفي الوقت الذي يصح فيه السماع نزاع بين العلماء على أربعة أقوال: أحدهما: ما ذهب إليه الجمهور: أن أقله خمس سنين، وحكاه القاضي عياض في «الإلماع» عن أهل الصناعة». وقال ابن الصلاح: «هو الذي استقر عليه عمل أهل الحديث المتأخرين، وحجتهم في ذلك، ما رواه البخاري في «صحيحه»، والنسائي، وابن

стр. 899

ماجه، من حديث محمود بن الربيع قال: «عقلت عن النبي ﷺ مجة مجها في وجهي من دلو، وأنا ابن خمس سنين»، وبوب عليه البخاري: متى يصح سماع الصغير» (١). وقال ابن عبد البر: «حَفِظَ ذلك عنه وهو ابن أربع سنين أو خمس سنين»، وعقب العراقي بقوله: «وليس في حديث محمود سُنَّة متبعة، أي دليل للاطراد، إذ لا يلزم منه أن يميز كل أحد تمييز محمود، بل قد ينقص عنه وقد يزيد، ولا يلزم منه ألا يعقل مثل ذلك وسنه أقل من ذلك، ولا يلزم من عقل المجَّة أن يعقل غير ذلك مما يسمعه». ثم قال: القول الثاني: من الخلاف في صحة سماع الصغير: اعتبار تمييزه على الخصوص، فمتى كان يفهم الخطاب ويرد الجواب كان سماعه صحيحًا وإن كان ابن أقل من خمس سنين، وإن لم يكن كذلك لم يصح، وإن زاد على «الخمس»، وعقب على ذلك قائلا: «وهذا هو الصواب»، ثم قال: «ومما يدل على اعتبار التمييز في صحة سماع الصبي قول أحمد بن حنبل وقد سئل متى يجوز سماع الصبي للحديث؟ فقال: إذا عقل وحفظ». ثم ذكر الرأيين الآخرين (٢). وقد أقر العراقي على ما ذكر العلماء من بعده، كتلميذه ابن حجر (٣).

стр. 900

وغيره، سواء في شرحهم لألفيته، أو في غيره، وذكروا عن غيره ما يوافقه (١). ومما رجح فيه خلاف ما رجحه أو صححه غيره من المتقدمين والمتأخرين حتى عصره، مع رد ما لم يرتضه: «تعريف الحديث المنقطع»، فقد رجح النووي: أنه ما لم يتصل إسناده على أي وجه كان انقطاعه (٢). وذكر ابن الصلاح أن هذا أقرب لمفهوم الانقطاع، دون استعمال الكثير من المحدثين (٣). وقال الحاكم وغيره غير ذلك. أما العراقي فقال: «اختلف في صورة الحديث المنقطع، فالمشهور أنه ما سقط من رواته راو واحد غير الصحابي». ثم أردف باقي الآراء فقال: «وحكى ابن الصلاح عن الحاكم وغيره من أهل الحديث أنه ما سقط منه قبل الوصول إلى التابعي شخص واحد، وإن كان أكثر من واحد سمي معضلا، ويُسمى أيضا منقطعًا»، وعقب بقوله: فقول الحاكم: «قبل الوصول إلى التابعي، ليس بجيد، فإنه لو سقط التابعي كان منقطعا أيضًا، فالأولى أن يعبر بما قلناه في «الألفية»: قبل الصحابي» ثم ذكر رأي ابن عبد البر فقال: «وقال ابن عبد البر: المنقطع ما لم يتصل إسناده، والمرسل مخصوص بالتابعين»، وعقب بقوله: «فالمنقطع أعم، أي من المرسل، عند ابن البر».

стр. 901

وختم برأي ابن الصلاح فقال: «وحكى ابن الصلاح عن بعضهم: أن المنقطع مثل المرسل، وكلاهما شامل لكل ما لا يتصل إسناده، قال: أي ابن الصلاح وهذا المذهب أقرب، صار إليه طوائف الفقهاء وغيرهم، وهو الذي ذكره الخطيب في كفايته، إلا أن أكثر ما يوصف بالإرسال من حيث الاستعمال: ما رواه التابعون عن الصحابة، وأكثر ما يوصف بالإنقطاع: ما رواه من دون التابعين عن الصحابة، مثل مالك عن ابن عمر، ونحو ذلك» (١). وهكذا نلاحظ أن العراقي حدد الرأي المشهور، وصدر به كلامه، إشارة إلى ترجيحه له كما تقدم تقريره في قواعد الاستنباط، وهذا الرأي كما ترى مخالف لما صححه ورجحه النووي، ثم رد العراقي عبارة الحاكم في تعريف المنقطع، لعدم شمولها لسقوط التابعي، وبين أن عبارته هو أولى، لشمولها، ثم ذكر رأي كل من ابن عبد البر وابن الصلاح، وفي تأخيره لهما إشارة إلى عدم ترجيحهم عنده، وقد أقر العراقي على ذلك تلميذه ابن حجر وغيره (٢). وهذا الأنموذج من بيان العراقي للآراء، وموقفه منها، له أهميته؛ لأن مبحث الحديث المنقطع من المباحث التي لم يعلق هو عليها كلية في نكته على ابن الصلاح، كما سيأتي ذكره. ومما ذكر فيه غيره الإجماع وبين هو وجود خلاف فيه، مع بيان رأي الجمهور: تعديل من لم يلابس الفتن من الصحابة، فقد فقال ابن الصلاح: إن الأمة مجمعة على تعديل جميع الصحابة، ومن لابس الفتن منهم:

стр. 902

فكذلك، بإجماع العلماء الذين يعتد بهم في الإجماع (١)، وأقره على هذا البلقيني (٢)، والنووي (٣)، أما العراقي فقال: «هكذا حكى ابن الصلاح إجماع الأمة على تعديل من لم يلابس الفتن منهم، وفيه نظر؛ فقد حكى الآمدي وابن الحاجب قولاً: «أنهم كغيرهم، في لزوم البحث عن عدالتهم مطلقا». وقولاً آخر: أنهم عدول إلى وقوع الفتن، فأما بعد ذلك فلابد من البحث عمن لَيْسَ ظاهر العدالة … ثم ذكر ثلاثة آراء أخرى وعقب قائلا: «والذي عليه الجمهور كما قال الآمدي وابن الحاجب: أنهم كلهم عدول مطلقا». وقال الآمدي: «إنه المختار»، ثم نقل إجماعًا خاصا فقال: «وحكى ابن عبد البر إجماع أهل الحق من المسلمين، وهم أهل السنة والجماعة، على أن الصحابة كلهم عدول» (٤)، وقد أقر العراقي على هذا العلماء من بعده (٥) وتفسيره لأهل الحق بأنهم أهل السنة والجماعة، دليل على مذهبه الاعتقادي كما قدمت في جوانب شخصيته. ومن الآراء التي تردد فيها غيره، فبين هو الصواب منها: أن ابن الصلاح في مبحث «المبهمات» قال عن المرأة التي سألت الرسول ﷺ عن الغسل من الحيض: هي أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية، وكان يقال لها خطيبة.

стр. 903

النساء، وفي رواية لمسلم، تسميتها أسماء بنت شكل، والله أعلم (١)، وبهذا لم يقطع فيها برأي، وتبعه على هذا ابن الملقن (٢)، والبلقيني (٣)، والنووي في «التقريب» (٤)، ثم قال في مختصره للمبهمات: يحتمل أن تكون القصة جرت للمرأتين في مجلس أو مجلسين (٥)، وبهذا جمع بين الرأيين، لكن دون قطع أيضًا. أما العراقي فقال: اختلف من صنف في المبهمات في تعيين أسماء هذه، فقال الخطيب: «هي أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية». وقال ابن بشكوال: «هي أسماء بنت شكل» وعقب قائلا: وهذا هو الصواب، ودلّل بقوله: «فقد ثبت في بعض طرق الحديث، في صحيح مسلم»، ثم أتبع ذلك بذكر جمع النووي بين الرأيين كما تقدم (٦)، مشيرًا بتأخيره إلى عدم رجحانه عنده. لكن الحافظ ابن حجر والسيوطي مالا إلى القول بالجمع مثل النووي، غير أنهما لم يقدما دليلا مرجحا (٧)، بينما قدم العراقي الدليل لما صوبه، كما ذكرت. ومن الموضوعات التي تضمن بيانه للآراء فيها أكثر من عمل علمي دال على

стр. 904

جهده وشخصيته: «قبول الجرح والتعديل» فقد اكتفى فيه ابن الصلاح وغيره بذكر رأي واحد مع وصفه بالصحة والشهرة كما سيأتي (١) وكذا اقتصر عليه العراقي في «الألفية» (٢). أما في شرحها فقال: اختلف في التعديل والجرح هل يقبلان أو أحدهما من غير ذكر أسبابها أم لا يقبلان إلا مفسرين؟ على أربعة أقوال: الأول: وهو الصحيح المشهور، التفرقة بين التعديل والجرح، فيقبل التعديل من غير ذكر سببه، لأن أسبابه كثيرة فتثقل ويشق ذكرها … ، أما الجرح فإنه لا يقبل إلا مفسرا مبين السبب، لأن الجرح يحصل بأمر واحد، فلا يشق ذكره، ولأن الناس مختلفون في أسباب الجرح، فيطلق أحدهم الجرح بناء على ما اعتقده جرحا وليس بجرح في نفس الأمر، فلابد من بيان سببه، ليظهر أهو قادح أم لا؟ ثم أتبع ذلك التوجيه للرأي بالدليل فقال: «ويدل على أن الجرح لا يقبل غير مفسر، أنه ربما استفسر الجارح فذكر ما ليس بجرح، ومثل لذلك بقوله: فقد روى الخطيب بإسناده إلى محمد بن جعفر المدائني قال: قيل لشعبة لم تركت حديث فلان؟ قال: رأيته يركض على برذون (٣)، فتركت حديثه»، وبين العراقي أن ذلك لا يستدعي الجرح فقال: «فماذا يلزم من ركضته على برذون؟» ثم ذكر ثلاثة أمثلة أخرى لمن سئل عن جرحه للراوي فذكر ما لا يعد جارحا في نظر غيره، وأتبعها بقوله: «وقد عقد

стр. 905

الخطيب لهذا بابا في «الكفاية»، يعني «باب من استفسر في جرحه فذكر ما لا يصلح جارحًا» (١)، ثم انتقل للرأي الثاني، وبدأ بمقارنته بالأول فقال: القول الثاني: عكس القول الأول، ثم بينه، وهو: أنه يجب بيان سبب العدالة، ولا يجب بيان سبب الجرح، وعلّل بقوله: «لأن أسباب العدالة يكثر التصنع فيها، فيبني المعدلون على الظاهر، ثم بين مصدره مع تأصيله» فقال: «حكاه صاحب المحصول وغيره»، ونقله إمام الحرمين في «البرهان»، والغزالي في (المنخول) تبعا له، عن القاضي أبي بكر الباقلاني، وتعقب هذا التتابع على نسبته إلى القاضي أبي بكر، فقال: (والظاهر أنه وهم منهما)، وقدم البديل عن ذلك بقوله: «والمعروف عنه أنه لا يجب ذكر أسبابهما معا، كما سيأتي». ثم انتقل للرأي الثالث: وهو أنه لابد من ذكر أسباب العدالة والجرح، وعزاه لمصدره، مع بيان وجهه ودليله فقال: «حكاه الخطيب، والأصوليون: قالوا: وكما قد يجرح الجارح بما لا يقدح، كذلك قد يوثق المعدل بما لا يقتضي العدالة»، كما روى يعقوب الفسوي في «تاريخه» قال: «سمعت إنسانًا يقول لأحمد بن يونس: عبد الله العمري ضعيف؟ قال: إنما يضعفه رافضي مبغض لآبائه»، لو رأيت لحيته وخضابه، وهيئته، لعرفت أنه (ثقة) وبين وجه الاستدلال المذكور حيث قال: فاستدل أحمد بن يونس على ثقته - أبي عبد الله المذكور - بما ليس بحجة، لأن حسن الهيئة يشترك فيه العدل والمجروح. ثم ذكر الرأي الرابع: وبدأ بمقارنته أيضًا بالثالث فقال: «إنه عكسه» ثم

стр. 906

ذكره، وهو: «أنه لا يجب ذكر سبب واحد منهما إذا كان كل من الجارح والمعدل عالماً بصيراً»، ثم بين درجة هذا الرأي ومصدره فقال: «وهو اختيار القاضي أبي بكر الباقلاني، ونقله عن الجمهور». ثم بين تقوية الباقلاني له إذ يقول: «والذي يقوى عندنا، ترك الكشف عن ذلك، إذا كان الجارح عالماً، كما لا يجب استفسار المعدل عما به صار عنده المزكى عدلا»، ثم بين تضارب الغزالي في ذكر رأي الباقلاني هذا، فقال: «وممن حكاه عن القاضي أبي بكر: الغزالي في «المستصفى»، خلاف ما حكاه عنه في «المنخول»، أي أن الغزالي ذكر في كتابه «المستصفى»: أن القاضي الباقلاني يرى هذا الرأي الرابع، وذكر في كتابه «المنخول» (١): أنه يرى الثالث، وهو عكسه كما ذكرت». وبهذا التتبع والمقارنة، أظهر العراقي ما وقع فيه الغزالي من تضارب في كتابيه، ثم قرر الصواب من ذلك فقال: «وما ذكره عنه في «المستصفى»: هو الذي حكاه صاحب «المحصول». ثم عاد العراقي مرة أخرى إلى القول الأول من تلك الآراء الأربعة، فقال: والقول الأول هو الذي نص عليه الشافعي»، وقال الخطيب: «هو الصواب» وقال ابن الصلاح: «وهذا ظاهر مقرر في الفقه وأصوله» لكن ابن الصلاح استشعر أن تقرير هذا الرأي، يثير تساؤلاً: بأن الناس يعتمدون في جرح الرواة ورد حديثهم على مصنفات أئمة الجرح والتعديل، وقلما يتعرض فيها لبيان السبب، وكذلك كتب متن الحديث، يكتفون في غالبها بوصف الحديث

стр. 907

بالضعف، دون تفصيل، فاشتراط بيان السبب يفضي إلى تعطيل تلك الأحاديث، وسد باب الجرح في غالب الرواة وقد أورد العراقي تساؤل ابن الصلاح هذا، ثم أتبعه بجواب ابن الصلاح عليه بقوله وجوابه «إن ذلك وإن لم نعتمده في إثبات الجرح والحكم به، فقد اعتمدناه في أن توقفنا عن قبول حديث من قالوا فيه مثل ذلك، بناء على أن ذلك أوقع عندنا فيهم ريبة قوية، يوجب مثلها التوقف، ثم من انزاحت عنه الريبة منهم يبحث عن حاله أوجب الثقة بعدالته، قبلنا حديثه ولم نتوقف، كالذين احتج بهم صاحبا الصحيحين وغيرهما، ممن مسهم مثل هذا الجرح من غيرهم». واعتبر ابن الصلاح أنه قد وفق في هذا الجواب فقال: «فافهم ذلك فإنه مخلص حسن (١)». والواقع أن ابن الصلاح في تقديري لم يوفق في هذا المخلص الذي استحسنه لأن السؤال المثار، مؤداه كما تقدمت عبارته: أن الكتب المصنفة بعد بحثها جميعها، ظهر لنا عدم اشتمالها على سبب جرح أكثر الرواة، فأين نجد بيان هذه الأسباب، حتى نحكم بموجبها؟ وهذا ما لم يجب عنه إلا بالتوقف في قبول مروياتهم، وهو ما يؤدي بنا إلى سد باب الجرح غالبا، وإلى تعطيل كثير من الأحاديث المدونة، وما استدل به منها الأئمة المجتهدون من قبله، ولهذا فإن العلماء من بعد ابن الصلاح، منهم من وافقه على ترجيحه للرأي الأول وعلى جوابه السابق عن السؤال المترتب عليه، ومن هؤلاء النووي (٢) وابن الملقن (٣). وخالفه الكثيرون، ومنهم العراقي، فتعقب ترجيحه وجوابه عن

стр. 908

السؤال: بأنَّ إمام الحرمين أبا المعالي الجويني قال في كتابه (البرهان): الحق أنه إن كان المزكي عالماً بأسباب الجرح والتعديل، اكتفينا بإطلاقه (الجرح وإلا فلا)، وأردف قائلاً: وهذا هو الذي اختاره أبو حامد العزالي، والإمام فخر الدين بن الخطيب، وتقدم نقله عن القاضي أبي بكر، وأنه نقله عن الجمهور، وممن اختاره أيضًا من المحدثين الخطيب، فقال بعد أن فرق بين الجرح والتعديل في بيان السبب: على أنا نقول أيضًا: إن كان الذي يُرْجَعُ إليه في الجرح عدلاً مرضيًا، في اعتقاده، وأفعاله، عارفًا بصفة العدالة والجرح وأسبابهما، عالماً باختلاف الفقهاء في أحكام ذلك، قبل قوله فيمن جرحه مجملاً، ولا يسأل عن سببه (١). وبهذا رد العراقي ترجيح ابن الصلاح للقول الأول، ورد أيضًا جوابه عن فائدة ذكر الجرح المجمل، الذي استحسنه، مع أنه يفضي إلى التوقف المطلق في قبول كثير من الأحاديث، وأقر ترجيح الرأي الرابع الذي عليه الجمهور، وبه يرتفع التساؤل كلية، ويمتنع التوقف في قبول حكم العلماء المجمل، سواء على الراوي أو المروي؛ لأن أئمة هذا الشأن لا يوثقون ولا يجرحون إلا عن فحص وتأمل كاف. وهكذا نجد في هذا المثال صورة واضحة، لمباحث العراقي القيمة والجامعة في هذا الشرح، فقد اشتمل تناوله لهذا الموضوع على نماذج عديدة لبحثه للقضايا، ومعالجته للآراء المتعلقة بها، وتحديد موقفه منها، بحيث يمكنني الاكتفاء بذلك عن تعديد أمثلة أخرى، فقد رأينا أنه حدد درجة الآراء: من الصحة، والشهرة، والصواب، والظاهر، والمعروف، والقوي، والمختار، وقارن بين الآراء وبعضها البعض، وبين وجهة نظر القائل بالرأي ودليله، ومثاله، وقام بتأصيل الرأي المتداول.

стр. 909

بِتَتَبُّعِ انتقاله من المُتَقَدِّم إلى المُتَأَخِّر، وهو ما يعرف بالمنهج التاريخي في البحث، ونَبَّهَ على وَهْمِ بعض العلماء وتضاربهم، وَرَدَّ ذلك، مُبَيِّنَا ما ظهر له بشأنه، وبين من المؤلفات ما خَصَّ بعض الموضوعات بباب كامل، كما رَجَّح، واختار، من الآراء ما لم يرجحه أو يختاره غيره، ورد ما لم يرتضه. وكلُّ عمل من هذه الأعمال العلمية التي تَجَلَّتْ في هذا المثال، له نظائر عديدة، تَبَيَّنْتُها خلال البحث التفصيلي المقارن لعامة الشرح، ومن يراجعه يجد مِصداق ذلك، ثم إن ما قرره في مسألة قبول الجرح والتعديل هذه، عندما نقارنه ونتتبع أثره نجد العراقي يلتقي فيه مع ما قرره شيخه ابن كثير (١) وقرينه البلقيني (٢) مع توسعه كثيرًا عنهما في عرض الآراء وبحثها، كما نجد العلماء من بعده، حتى عصرنا الحاضر، قد سلكوا مسلكه هذا، في العرض والبحث، وتناقلوه عنه، مع إضافة ما بدى لهم (٣)، ونسب السيوطي إلى العراقي والبلقيني تصحيح الرأي الرابع (٤). تم الجزء الثاني من «كتاب الحافظ العراقي وأثره في السنة» ويليه الجزء الثالث وأوله: «رجوع العراقي عن بعض آرائه الواردة في الشرح، ورأيه في تقليد الغير».

стр. 910

٨ - رجوع العراقي عن بعض آرائه الواردة في الشرح، ورأيه في تقليد الغير: وإذا كان العراقي قد وفق في عرضه للآراء، وتمحيصها مع بيان رأيه الخاص قبولا أو ردا، وتأثر به من بعده على النحو الذي فصلته، فإنه لم يسلم بدوره من بعض الانتقادات والأوهام اليسيرة فيما قرره وارتآه، ومن أظهر الأمثلة لهذا ما صرح هو بنفسه برجوعه عنه. وذلك أن ابن الصلاح قرر في «المؤتلف والمختلف» أن زياد بن رياح - بالياء المثناة - الواقع في الصحيح، هو أبو قيس، الراوي عن أبي هريرة في أشراط الساعة ومفارقة الجماعة (١)، وتبعه على هذا غيره (٢). أما العراقي فقال في شرحه: «إن زياد بن رياح هذا، هو القيسي البصري، ويكنى أبا رياح أيضا، كاسم أبيه»، ثم قال: «وقيل: كنيته أبو قيس، تابعي له في «صحيح مسلم» عن أبي هريرة حديثان … » وذكرهما (٣). لكنه عاد في نكته على ابن الصلاح التي فرغ منها بعد الشرح كما سيأتي، فقال معلقا على زياد بن رياح هذا: «إن ما ذكره المصنف، أي ابن الصلاح، من أن كنيته أبو قيس، قد خالفه المزي في «التهذيب»، فرجح «أبا رياح» بالمثناة، كاسم أبيه فقال: زياد بن رياح، ويقال ابن رباح القيسي، أبو رياح، ويقال أبو قيس»، وأتبع ذلك بقوله: «وقد كنت قلدت المزي في ترجيحه

стр. 911

لذلك، فصدرت به كلامي في شرح الألفية، ثم تبين لي أنه وهم، أو خلاف مرجوح، وأن الصواب ما ذكره المصنف» ثم بين دليل الصواب الذي تبين له قائلا: فقد وقع كذلك مكنى في (صحيح مسلم) في كتاب المغازي من رواية غيلان بن جرير عن أبي قيس بن رياح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، فمات، مات، ميتة جاهلية) الحديث (١)، ولم يقع مكنى بـ (أبي قيس) في موضع من الصحيح إلا هنا، عند مسلم، وله عند مسلم حديث آخر في (الفتن، وقع فيه مسمى غير مكنى، وهكذا كناه البخاري في (التاريخ الكبير)، وابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل)، ومسلم في (الكنى)، والنسائي في «الكنى»، وأبو أحمد الحاكم في (الكنى)، وابن حبان في (الثقات)، والدارقطني في «المؤتلف والمختلف»، والخطيب في كتاب «المتفق والمفترق»، وابن ماكولا في الأكمال)، و «صاحب المشارق»، وغيرهم. ثم انتقل إلى بيان المصدر الأساسي للخطأ الذي وقع فيه هو مع غيره، وحاول استنتاج مبعثه فقال: (وفي المؤتلف والمختلف) للدارقطني: أن جرير بن حازم كناه - يعني أبا رباح - كذلك، وبه جزم المزي في (الأطراف)، ولم أر أحدا من المتقدمين كناه أبا رباح، ولكن المزي تبع صاحب (الكمال) في ذلك، وكأن سبب وقوع الوهم في ذلك، أن لهم شيخا آخر يسمى زياد بن رياح أيضًا، وهو بصري كالأول، ولكنه متأخر الطبقة عن ذلك، رأى أنسًا وروى عن الحسن البصري، وكنية هذا أبو رياح، كما كناه البخاري في

стр. 912

«التاريخ الكبير»، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل»، والنسائي في «الكنى»، وابن حبان في «الثقات»، وأبو أحمد الحاكم في «الكنى»، والدارقطني، وابن ماكولا، في «المؤتلف والمختلف»، والخطيب في «المتفق والمفترق». ثم ختم العراقي بحثه هذا بقوله: «وإنما نبهت على ذلك، وإن كان الصواب ما قاله المصنف، لئلا يُغْتَر بكلام المزي في «التهذيب» وبتقليدي له في شرح الألفية» (١). ومن هذا يتجلى لنا عدة حقائق: أحدها: توسع العراقي في بحث المسألة للوقوف على الحقيقة، فتتبعها في ١٤ مرجعا، للمتقدمين والمتأخرين حتى عصره، وأغلبها من كتب الرجال الأصلية في الموضوع، كما قدم إحصاء دقيقا، بنفي وجود الكنية المختلف فيها في الصحيح، وهذا يدل على سعة اطلاعه، وإحاطته، وعمق خبرته بعلم الرجال، ومصادره. وثانيها: أنه يقرر مع هذا، أنه هو وغيره من العلماء، قد يقلدون غيرهم من ثقات العلماء، فيأخذون بآرائهم، وترجيحاتهم، دون بحثها، لكنه ينبه الباحث إلى أنه لا ينبغي أن يتخذ التقليد قاعدة، ولا يغتر بما يقرره أو يرجحه غيره، ولو كان العراقي نفسه، بل عليه أن يبحث بنفسه بعمق، وتوسع، ويعتمد على ما أسفر عنه بحثه، ولو خالف ما قرره غيره. ثالثها: أن العراقي طبق على نفسه وعلى غيره قاعدة استنباط الآراء السابق ذكرها، وهي أن ما يصدر به الباحث كلامه من الآراء، يعتبر راجحًا عنده،

стр. 913

إذا لم يصرح بخلافه. رابعها: تحلي العراقي بالأمانة العلمية، وبالثقة بالنفس، بحيث لم يستنكف عن تسجيل الإعتراف بخطئه، ورجوعه عنه، في أحد مؤلفاته المتداولة، ومارس بذلك نقده لذاته، وهو من أصعب الأمور على النفس، خاصة في عصره، الذي اشتد فيه تنافس العلماء، وقد مر في بحث آرائه في الألفية، مثال لذلك أيضًا، بل ومثال لقبوله للنقد من بعض تلاميذه، دون تبرم. خامسها: أن شرح العراقي للألفية، يمثل آراء العراقي العلمية حتى وقت تأليفه، وبالتالي ينبغي الرجوع لما ألفه في علم المصطلح بعد ذلك، لمعرفة آرائه النهائية، وإن كان هذا التغير في الآراء ليس كثيرًا عنده. وقد أخذ العلماء من بعد العراقي بما انتهى إليه أخيرًا في تصويب هذه الكنية، وتمييز صاحبها، وبرده للوهم المتتابع فيها من العلماء، وبيان مبعثه (١). مؤلفات العلماء عن شرح العراقي لألفيته، وأهميتها: بينت في المبحث السابق، النماذج المتعددة، الدالة على أن حفاظ السنة وعلماءها البارزين بعد العراقي، وحتى الآن، قد اعتمدوا نصا وروحا، في بحوثهم، ومؤلفاتهم، على الشرح المتوسط للعراقي على ألفيته، وتأثروا في كثير من آرائهم قبولاً وردا، بما أودعه في هذا الشرح من بحوثه وآرائه، وأضيف هنا: أن العلماء لم يقتصر ارتباطهم بالشرح ومؤلفه على ذلك، بل جعلوا الشرح نفسه موضوعا لبحوثهم ومؤلفاتهم، وعكف الأفذاذ فضلا عن سواهم، على ذلك، منذ عصر العراقي وحتى الآن، في شرق العالم

стр. 914

الإسلامي وغربه، وهذا من أوضح الأدلة على كثرة الإقبال المستمر في مختلف العصور، والأمصار على تدارس هذا الشرح، والاستفادة بمحتواه، من بحوث العراقي، وتحقيقاته وآرائه في مصطلح علوم السنة ومتعلقاته، وقد قرر السخاوي وغيره، أن هذا الشرح واكب الألفية في النفع والانتشار، في أكثر الأقطار (١). فكان ذلك محركًا لهمم العلماء، لينهضوا في مختلف الأمصار والأزمنة لتيسير الاستفادة بالشرح ككل، لمختلف المستويات العلمية. وقد أوصلني البحث المضني، والاطلاع التفصيلي، على ما وجدته من المؤلفات، إلى أن العلماء، منهم من اختصر هذا الشرح، لتسهيل الإحاطة بمضمونه، خاصة على المبتدئين، ومنهم من عمل عليه حاشية، أو نكتا، مع التعرض لألفاظ، وعبارات، الألفية أيضًا، بحكم وجودها في خلال الشرح. ومجمل ما تناولته هذه الحواشي، بحسب اطلاعي المفصل، على ما وجدته منها: هو توضيح ما أجمله العراقي في الشرح، بحكم منهجه المتوسط، وشرح ما أهمله من ألفاظ وعبارات الألفية؛ لوضوحه وعدم إشكاله في نظره، والدفاع عن الآراء التي وردت في الشرح وفي الألفية، سواء كانت للعراقي، أو لغيره، أو الانتقاد لها، كما أنهم يعتمدون على مؤلفات العراقي الأخرى، لاستكمال آرائه ومقارنتها ببعضها البعض، أو بغيرها، وبهذا أعطت تلك المؤلفات امتدادًا واتساعًا لأثر العراقي في علوم السنة. وتبين لي أيضًا وجود بعض أخطاء شائعة، عن تلك المؤلفات، بين

стр. 915

مؤرخّي التراث ومحققّيه. وسأتناول بالتعريف الموجز، ما توصلت إليه من تلك المؤلفات، خاصة وأنها ما بين مفقود حاليًا، أو مخطوط نادر، كما سأبين ما وفقت لتصويبه من الأخطاء الشائعة، وذلك على النحو التالي: ١ - مختصرات الشرح: أ - مختصر الشمس بن العماد المالكي (١): وهذا المختصر، ذكره السخاوي في آخر شرحه للألفية، حيث ذكر أن شرح العراقي - مع إيجازه - فقد اختصره الشمس بن العماد المالكي. ويبدو أنه أقدم المختصرات، حيث ذكر السخاوي، مع درايته بمصنفات علوم السنة حينئذ، أنه حين ألف شرحه الذي فرغ منه سنة ٨٨٢ هـ كما تقدم لم يعلم بوجود شرح آخر لغير المصنف إلا مختصر ابن العماد هذا، لشرح المصنف، لكنه لم يقدم عنه، ولا عن مؤلفه تفاصيل أخرى (٢) ولا وقفت أنا رغم البحث الكثير، على شيء من نسخه، أو نصوصه. ب - مختصر عبد الرحمن العيني، وما وجدته من نسخه الخطية: ذكر صاحب «كشف الظنون» من الشروح المشهورة للألفية: شرح زين الدين، أبي محمد عبد الرحمن بن أبي بكر العيني المتوفى سنة ٨٩٣ هـ (٣) وهو غير العيني شارح البخاري، وتلميذ العراقي كما تقدم.
следующие страницы →