← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 30167

الحافظ العراقي وأثره في السنة

أحمد بن معبد عبد الكريم

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

لذلك، فصدرت به كلامي في شرح الألفية، ثم تبين لي أنه وهم، أو خلاف مرجوح، وأن الصواب ما ذكره المصنف» ثم بين دليل الصواب الذي تبين له قائلا: فقد وقع كذلك مكنى في (صحيح مسلم) في كتاب المغازي من رواية غيلان بن جرير عن أبي قيس بن رياح عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (من خرج من الطاعة، وفارق الجماعة، فمات، مات، ميتة جاهلية) الحديث (١)، ولم يقع مكنى بـ (أبي قيس) في موضع من الصحيح إلا هنا، عند مسلم، وله عند مسلم حديث آخر في (الفتن، وقع فيه مسمى غير مكنى، وهكذا كناه البخاري في (التاريخ الكبير)، وابن أبي حاتم في (الجرح والتعديل)، ومسلم في (الكنى)، والنسائي في «الكنى»، وأبو أحمد الحاكم في (الكنى)، وابن حبان في (الثقات)، والدارقطني في «المؤتلف والمختلف»، والخطيب في كتاب «المتفق والمفترق»، وابن ماكولا في الأكمال)، و «صاحب المشارق»، وغيرهم. ثم انتقل إلى بيان المصدر الأساسي للخطأ الذي وقع فيه هو مع غيره، وحاول استنتاج مبعثه فقال: (وفي المؤتلف والمختلف) للدارقطني: أن جرير بن حازم كناه - يعني أبا رباح - كذلك، وبه جزم المزي في (الأطراف)، ولم أر أحدا من المتقدمين كناه أبا رباح، ولكن المزي تبع صاحب (الكمال) في ذلك، وكأن سبب وقوع الوهم في ذلك، أن لهم شيخا آخر يسمى زياد بن رياح أيضًا، وهو بصري كالأول، ولكنه متأخر الطبقة عن ذلك، رأى أنسًا وروى عن الحسن البصري، وكنية هذا أبو رياح، كما كناه البخاري في

стр. 912

«التاريخ الكبير»، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل»، والنسائي في «الكنى»، وابن حبان في «الثقات»، وأبو أحمد الحاكم في «الكنى»، والدارقطني، وابن ماكولا، في «المؤتلف والمختلف»، والخطيب في «المتفق والمفترق». ثم ختم العراقي بحثه هذا بقوله: «وإنما نبهت على ذلك، وإن كان الصواب ما قاله المصنف، لئلا يُغْتَر بكلام المزي في «التهذيب» وبتقليدي له في شرح الألفية» (١). ومن هذا يتجلى لنا عدة حقائق: أحدها: توسع العراقي في بحث المسألة للوقوف على الحقيقة، فتتبعها في ١٤ مرجعا، للمتقدمين والمتأخرين حتى عصره، وأغلبها من كتب الرجال الأصلية في الموضوع، كما قدم إحصاء دقيقا، بنفي وجود الكنية المختلف فيها في الصحيح، وهذا يدل على سعة اطلاعه، وإحاطته، وعمق خبرته بعلم الرجال، ومصادره. وثانيها: أنه يقرر مع هذا، أنه هو وغيره من العلماء، قد يقلدون غيرهم من ثقات العلماء، فيأخذون بآرائهم، وترجيحاتهم، دون بحثها، لكنه ينبه الباحث إلى أنه لا ينبغي أن يتخذ التقليد قاعدة، ولا يغتر بما يقرره أو يرجحه غيره، ولو كان العراقي نفسه، بل عليه أن يبحث بنفسه بعمق، وتوسع، ويعتمد على ما أسفر عنه بحثه، ولو خالف ما قرره غيره. ثالثها: أن العراقي طبق على نفسه وعلى غيره قاعدة استنباط الآراء السابق ذكرها، وهي أن ما يصدر به الباحث كلامه من الآراء، يعتبر راجحًا عنده،

стр. 913

إذا لم يصرح بخلافه. رابعها: تحلي العراقي بالأمانة العلمية، وبالثقة بالنفس، بحيث لم يستنكف عن تسجيل الإعتراف بخطئه، ورجوعه عنه، في أحد مؤلفاته المتداولة، ومارس بذلك نقده لذاته، وهو من أصعب الأمور على النفس، خاصة في عصره، الذي اشتد فيه تنافس العلماء، وقد مر في بحث آرائه في الألفية، مثال لذلك أيضًا، بل ومثال لقبوله للنقد من بعض تلاميذه، دون تبرم. خامسها: أن شرح العراقي للألفية، يمثل آراء العراقي العلمية حتى وقت تأليفه، وبالتالي ينبغي الرجوع لما ألفه في علم المصطلح بعد ذلك، لمعرفة آرائه النهائية، وإن كان هذا التغير في الآراء ليس كثيرًا عنده. وقد أخذ العلماء من بعد العراقي بما انتهى إليه أخيرًا في تصويب هذه الكنية، وتمييز صاحبها، وبرده للوهم المتتابع فيها من العلماء، وبيان مبعثه (١). مؤلفات العلماء عن شرح العراقي لألفيته، وأهميتها: بينت في المبحث السابق، النماذج المتعددة، الدالة على أن حفاظ السنة وعلماءها البارزين بعد العراقي، وحتى الآن، قد اعتمدوا نصا وروحا، في بحوثهم، ومؤلفاتهم، على الشرح المتوسط للعراقي على ألفيته، وتأثروا في كثير من آرائهم قبولاً وردا، بما أودعه في هذا الشرح من بحوثه وآرائه، وأضيف هنا: أن العلماء لم يقتصر ارتباطهم بالشرح ومؤلفه على ذلك، بل جعلوا الشرح نفسه موضوعا لبحوثهم ومؤلفاتهم، وعكف الأفذاذ فضلا عن سواهم، على ذلك، منذ عصر العراقي وحتى الآن، في شرق العالم

стр. 914

الإسلامي وغربه، وهذا من أوضح الأدلة على كثرة الإقبال المستمر في مختلف العصور، والأمصار على تدارس هذا الشرح، والاستفادة بمحتواه، من بحوث العراقي، وتحقيقاته وآرائه في مصطلح علوم السنة ومتعلقاته، وقد قرر السخاوي وغيره، أن هذا الشرح واكب الألفية في النفع والانتشار، في أكثر الأقطار (١). فكان ذلك محركًا لهمم العلماء، لينهضوا في مختلف الأمصار والأزمنة لتيسير الاستفادة بالشرح ككل، لمختلف المستويات العلمية. وقد أوصلني البحث المضني، والاطلاع التفصيلي، على ما وجدته من المؤلفات، إلى أن العلماء، منهم من اختصر هذا الشرح، لتسهيل الإحاطة بمضمونه، خاصة على المبتدئين، ومنهم من عمل عليه حاشية، أو نكتا، مع التعرض لألفاظ، وعبارات، الألفية أيضًا، بحكم وجودها في خلال الشرح. ومجمل ما تناولته هذه الحواشي، بحسب اطلاعي المفصل، على ما وجدته منها: هو توضيح ما أجمله العراقي في الشرح، بحكم منهجه المتوسط، وشرح ما أهمله من ألفاظ وعبارات الألفية؛ لوضوحه وعدم إشكاله في نظره، والدفاع عن الآراء التي وردت في الشرح وفي الألفية، سواء كانت للعراقي، أو لغيره، أو الانتقاد لها، كما أنهم يعتمدون على مؤلفات العراقي الأخرى، لاستكمال آرائه ومقارنتها ببعضها البعض، أو بغيرها، وبهذا أعطت تلك المؤلفات امتدادًا واتساعًا لأثر العراقي في علوم السنة. وتبين لي أيضًا وجود بعض أخطاء شائعة، عن تلك المؤلفات، بين

стр. 915

مؤرخّي التراث ومحققّيه. وسأتناول بالتعريف الموجز، ما توصلت إليه من تلك المؤلفات، خاصة وأنها ما بين مفقود حاليًا، أو مخطوط نادر، كما سأبين ما وفقت لتصويبه من الأخطاء الشائعة، وذلك على النحو التالي: ١ - مختصرات الشرح: أ - مختصر الشمس بن العماد المالكي (١): وهذا المختصر، ذكره السخاوي في آخر شرحه للألفية، حيث ذكر أن شرح العراقي - مع إيجازه - فقد اختصره الشمس بن العماد المالكي. ويبدو أنه أقدم المختصرات، حيث ذكر السخاوي، مع درايته بمصنفات علوم السنة حينئذ، أنه حين ألف شرحه الذي فرغ منه سنة ٨٨٢ هـ كما تقدم لم يعلم بوجود شرح آخر لغير المصنف إلا مختصر ابن العماد هذا، لشرح المصنف، لكنه لم يقدم عنه، ولا عن مؤلفه تفاصيل أخرى (٢) ولا وقفت أنا رغم البحث الكثير، على شيء من نسخه، أو نصوصه. ب - مختصر عبد الرحمن العيني، وما وجدته من نسخه الخطية: ذكر صاحب «كشف الظنون» من الشروح المشهورة للألفية: شرح زين الدين، أبي محمد عبد الرحمن بن أبي بكر العيني المتوفى سنة ٨٩٣ هـ (٣) وهو غير العيني شارح البخاري، وتلميذ العراقي كما تقدم.

стр. 916

وقد ذكر المفهرسون أيضا هذا المختصر باسم «الشرح» (١)، وقد وقفت على نسخة خطية وحيدة منه، بدار الكتب المصرية برقم (٤٠٢) مصطلح. وهي نسخة عادية، خطها رقعة، وعدد أوراقها ٥٧ ورقة من الحجم الصغير، وعدد سطور الصفحة ٢١ سطرا، وجاء في نهايتها قول المؤلف: «وكمل هذا التعليق في ١٣ جمادى الأولى سنة ٨٧٢ هـ بصالحية دمشق المحروسة، وهذا يحدد لنا زمان ومكان تأليف الكتاب، وقد عنونت النسخة بـ «شرح ألفية الحديث» للعيني، والمتن للعراقي رحمهما الله». وقد قال المؤلف في مقدمته: «قصدت أن ألخص من كلام الحافظ العلامة زين الدين العراقي تغمده الله برحمته، تعليقا لطيفا، على أرجوزته في علم الحديث، وأن أجعله ممزوجا (٢)، تسهيلا للنظم، وتقريبا للفهم». ومن هذا يظهر أنه مختصر لشرح العراقي، مع مخالفته في المنهج الشكلي، بجعله الشرح ممزوجا بالمتن، بينما شرح العراقي، غير ممزوج كما قدمت عنه، وقد تتبعت كثيرا من أبواب هذا المختصر، من أوله إلى آخره، وخاصة في الموضوعات المشكلة، والمختلف فيها، فلم أجد المؤلف خرج عما ذكره العراقي في شرحه، ولا أضاف من جانبه شيئا، كما يفعل بعض الملخصين لمؤلفات غيرهم، وعلى هذا، فإنه كان الأولى أن يعنون الكتاب بـ «مختصر شرح العراقي» ويذكر بهذا في الفهارس، وكان على صاحب «كشف الظنون» ذكره مع بعض ملخصات الشرح التي ذكرها (٣)، بدلا من عده ضمن الشروح.

стр. 917

كما أشرت؛ لأن من بعده قد تبعوه على عده شرحًا مستقلا، وهو مخالف لواقعه، كما بينتُ فَلْيَتَنَبَّه لذلك. ج - مختصر قاضي القضاة أحمد بن إبراهيم الحنبلي: مؤلف هذا المختصر هو: أحمد بن إبراهيم بن نصر الله، الحنبلي، الملقب بـ «قاضي القضاة» في زمنه، وأحد شيوخ السيوطي، الذي ترجمه، فذكر أنه ولد سنة ٨٠٠ هـ، وأن العراقي أجازه برواية الحديث، وذكر أنه درس بمدارس مصر العظيمة، وتوفي سنة ٨٧٦ هـ، وأن من مؤلفاته في المصطلح «مختصر شرح ألفية الحديث» للعراقي، ولكنه لم يذكر تفصيلات أخرى عن هذا المختصر، رغم أن مؤلفه هو أحد شيوخه (١)، ولم أقف أنا على شيء من نسخه، ولا على نصوص منه. د - ملخص أمير بادشاه، البخاري، المكي، وبعض نسخه الخطية: وقد ذكره صاحب «كشف الظنون» عقب ذكره لشرح العراقي فقال: وملخص هذا الشرح، للسيد الشريف: محمد أمين، الشهير بأسير بادشاه البخاري، نزيل مكة، وبيض لتاريخ وفاته، ولم يذكره، ويظهر أنه اطلع على هذا الملخص، حيث نقل عبارة من أوله فقال: «أوله: الحمد لله الذي أسند حديث الوجود … » إلخ، ثم حدد تاريخ ومكان الفراغ من تأليفه، فقال: فرغ عنه بمكة، في رمضان سنة ٩٧٢ هـ (٢). وقد وقفت على ذكر نسخة خطية منه في فهرس مكتبة «قاضي عسكر

стр. 918

محمد مراد» باستانبول، وذكرها المفهرس بعنوان (شرح ألفية العراقي) وذكر أنها في مجلد واحد، وخطه نسخ ورَقْمُه في المكتبة (٣٢٩) (١)، ولم يتح لي الاطلاع على تلك النسخة، كما لم أقف على غيرها بفهارس المكتبات المصرية، والعربية. ٢ - أهم الحواشي على الشرح: أ - حاشية إبراهيم الحلبي، المعروف بسبط ابن العجمي: ذكر صاحب (كشف الظنون) من شروح الألفية المشهورة، شرح الشيخ إبراهيم بن محمد الحلبي، المتوفى سنة ٩٥٥ هـ (٢)، ولم يذكر عنه تفصيلات أخرى. وقد وجدت السخاوي ترجم لإبراهيم بن محمد بن خليل المعروف بالبرهان الحلبي، وبسبط بن العجمي، وهو من أعيان تلاميذ العراقي كما قدمت، وذكر السخاوي من مؤلفات إبراهيم هذا، تعليقا يسيرًا على ألفية العراقي وشرحها، ولكنه ذكر وفاته في ٢٦ شوال سنة ٨٤١ هـ (٣)، فلعل صاحب الكشف قصد ذكر هذه الحاشية، وأخطأ في تاريخ وفاة المؤلف، كما هو معروف عنه في كثير من الوفيات، ولكن العلماء من بعده، والكاتبين عن التراث، تابعوه على ما ذكر، دون تمحيص (٤) فليتنبه لهذا.

стр. 919

وعموما فإن البحث الدائب لم يوقفني على شيء من تلك الحاشية ولا على تفصيلات أخرى عنها. ب - حاشية ابن حجر العسقلاني: هذه الحاشية ذكرها السيوطي ضمن مؤلفات ابن حجر فقال: ومما شرع فيه وكتب منه اليسير: «النكت على شرح ألفية العراقي» (١)، وهذا يفيد أنه لم يتمها ومع ذلك فقد وجدتُ الحافظ ابن حجر نفسه، أجاز بما كتبه منها بعض تلاميذه مع الألفية وشرح العراقي عليها، فقال: «قرأ علي جميع هذه المنظومة الألفية، من نظم شيخنا شيخ الإسلام أبي الفضل عبد الرحيم … العراقي، وأذنت له أن يروي عني، بقراءتي لجميعها على شيخي المذكور مع شرحها … وأذن لي في إقرائها، وقد أذنت للشيخ القارئ علي ذلك، أن يروي عني جميع ما يجوز عني روايته، ومن ذلك: ما كتبته حاشية على الشرح المذكور … وأجزت له أن يفيد ذلك لمن رآه أهلا لذلك، وقال: وكتبه أحمد بن علي بن حجر العسقلاني في سنة ٨٤٥ هـ (٢)، ونص هذه الإجازة يدل على تداول ودراسة ما أنجزه ابن حجر من حاشيته المذكورة، كما يشير إلى أنه أنجزه قبل تاريخ تلك الإجازة في سنة ٨٤٥ هـ، ويدل أيضًا على تداول الألفية، وشرح العراقي عليها، سواء بروايتهما بالسند المتصل عن العراقي، أو بدراستها والاستفادة بهما. وللأسف لم أقف على شيء من نسخ أو نصوص ذلك القدر من حاشية ابن حجر.

стр. 920

ج - حاشية الحافظ قاسم بن قطلوبغا الحنفي، وبعض نسخها الخطية: ذكر صاحب «كشف الظنون» هذه الحاشية وذكر وفاة مؤلفها سنة ٨٧٩ هـ (١) وقد وقفت على ذكر نسخة خطية منها موجودة بمكتبة «لاله لي» باستانبول برقم (٣٥٨). وجاء بفهرس المكتبة المخطوط: أن النسخة تقع في مجلد واحد في حجم الثمن، وخطها نسخ، ولكن لم يذكر اسم مؤلفها (٢)، وقد ذكر في الفهرس المطبوع أنه: محمد بن قاسم (٣)، وتبعه الشيخ طاهر الجزائري (٤). وهذا وهم، والصواب أنه قاسم، كما سيأتي تصريحه بذلك في مقدمتها، ويظهر أن النسخة المشار إليها كاملة، ولكني لم أتمكن من الاطلاع عليها، وإنما وقفت على قطعة وحيدة من تلك الحاشية، موجودة بدار الكتب المصرية برقم (٧٩٨) مجاميع طلعت، وهي الثانية في المجموعة من ٣٨ - ٦٩ وتقرب من ثلث الكتاب، لأن آخر الموجود منها مبحث «زيادة الثقات»، وقد كتب تحت عنوان تلك القطعة، أنها بخط المؤلف، لكني وجدت بهوامش صفحاتها، إثبات مقابلتها بواسطة الشيخ الإمام محب الدين بن هشام، ودعاء المؤلف قاسم الحنفي له، وهذا يدل على توثيق النسخة بمقابلتها مع المؤلف وبواسطة هذا العالم المعروف، لكنه يُبْعِدُ القول بأنها بخط المؤلف فليتنبه لذلك، ولا يُغْتَر بما كتب بأولها أنها بخط المؤلف، كما ذكرت، وقد قال المؤلف في

стр. 921

المقدمة: أما بعد فإن الفقير إلى رحمة ربه الغني، قاسم بن قطلوبغا الحنفي، يقول: «هذه حاشية علقتها على شرح ألفية الحافظ الزين العراقي حين قراءته علي» (١). وبهذا يرد على من عد هذه الحاشية ضمن شروح الألفية (٢) وعلى من سمى المؤلف محمد بن قاسم، كما أشرت من قبل. وقد اطلعت على تلك القطعة واستفدت منها، خاصة فيما امتازت به، من الاشتمال على بعض نصوص «الشرح الكبير» للعراقي، وبعض نصوص ما شرحه ولده أبو زرعة أيضًا من أبيات الألفية، وغير ذلك، كما يلاحظ من إحالاتي السابقة عليها، بحيث يكفيني ذلك عن ذكر نماذج أخرى منها، وقد لاحظت أيضًا أن الشيخ قاسم لم يعلق على كل مباحث الشرح، بل ترك بعض المباحث كلية دون تعليق، مثل: مباحث: «الحديث المرفوع» و «المتصل» و «الموصول» و «المقطوع». ولكن تعليقاته على باقي المباحث جيدة ومفيدة في جملتها، ومتممة المضامين شرح العراقي. د - حاشية البقاعي، وتسميتها، وإثبات إكماله لها، وبعض مميزاتها، ونسخها الخطية: هذه الحاشية ألفها الإمام برهان الدين إبراهيم بن عمر البقاعي المتوفى ٨٨٥ هـ، وهو من أبرز تلاميذ ابن حجر العسقلاني، وقال السيوطي: «إن من مؤلفات البقاعي الحسنة: «النكت الوفية على شرح الألفية» (٣).

стр. 922

أما البقاعي فصرح في مقدمته كما سيأتي بتسميتها بـ «النكت الوفية بما في شرح الألفية»، وقد ذكر صاحب «كشف الظنون»: أن البقاعي بلغ إلى نصفها فقط، ونقل عبارة من أولها، مما يدل على إطلاعه عليها (١)، وتبعه على هذا كثيرون حتى عصرنا الحاضر (٢)، وقد تبين لي أن هذا خطأ، رغم تداوله وشيوعه، والصواب: أن البقاعي أكمل هذه الحاشية، وأقرب الأدلة التي توفرت لي على ذلك وأطرفها أيضًا، أن صاحب «كشف الظنون» نفسه الذي قرر توقف البقاعي عند النصف، قد نقل في هامش كتاب «الكشف» نصوصًا، وعزاها إلى تلك الحاشية، وهي من المباحث الواقعة في النصف الثاني، ذلك: أن نصفها الأول كما في النسخة التي وقفت عليها منه، ينتهي بـ «مبحث كتابة التسميع»، والنصوص التي نقلها صاحب «الكشف» بعضها من مبحث «آداب طالب الحديث» (٣)، وهو المبحث الخامس عشر بعد مبحث «كتابة التسميع»، وبعضها من مبحث «غريب ألفاظ الحديث» (٤)، وهو المبحث الثامن عشر بعد مبحث «كتابة التسميع»، فلعله حين كتب عن هذه الحاشية، لم يكن وقف على هذا النصف الثاني، ولما وقف عليه لم يتيسر له تصحيح ما سبقت كتابته. وهذا التصويب لم أجد من سبقني إلى إثباته فلله الحمد على توفيقه، ثم إني وجدت الطوخي في حاشيته على شرح

стр. 923

الأنصاري للألفية كما قدمت، قد نقل عن تلك الحاشية في عدة مباحث من النصف الثاني منها، إلى آخر المبحث الثالث عشر منه (١). كما وجدت نقولا منه بهوامش بعض نسخ شرح العراقي الخطية، حتى آخر مبحث «الحديث المسلسل» وهو المبحث التاسع عشر منه (٢)، وسيأتي بعض الأدلة أيضًا، في التعريف بنسخة النصف الأول التي وقفت عليها، لكن يظهر أن البقاعي تراخى بين تأليف النصف الأول وتأليف النصف الثاني، بحيث تم تداول الناس النصف الأول وحده، والثاني وحده، وكان تداول الثاني أقل، بدليل أن النسخ التي وقفت على ذكرها هي للجزء الأول فقط، فقد ذُكِرَتْ نسخة بفهرس مكتبة فيض الله باستانبول برقم (٢٥٢)، وذكر المفهرس: أنه المجلد الأول فقط (٣)، ونسخة ثانية بمكتبة عاطف أفندي بالآستانة أيضًا برقم (٢٦٨)، وذكر المفهرس: أنه مجلد واحد (٤)، وكذا ذُكِرَتْ نسخة ثالثة المجلد واحد بمكتبة قاضي عسكر، باستانبول أيضًا برقم (٣٢٥) (٥)، ولم يتح لي الاطلاع على أي من تلك النسخ، أما النسخة التي وقفت عليها فهي موجودة بالمكتبة العامة للأوقاف ببغداد برقم (١٥٠٧) حديث وعلومه، ورقمها في فهرس المكتبة المطبوع (٤٩١) حديث، وقد حصلت على صورة

стр. 924

الباب الثالث: أثر العراقي والقلقيلي والوادآشي في مصطلح علوم السنة وعلو رجالها ميكروفيلمية لها بمعونة صادقة من بعض الزملاء الأفاضل وهو الأخ الدكتور: «عبد الستار القدسي» جزاه الله خيرا. ويبحثها من أولها إلى آخرها، تبين لي أنها نسخة من الجزء الأول فقط، كما سأفصله، كما أن بها خرما أزيد من ورقة من أثنائها، ولولاه لكانت في غاية الجودة، نظرًا لتوثيقاتها المتعددة، فهي مكتوبة في حياة المؤلف، وبخط بعض تلاميذه، بدليل قوله في عنوانها: تأليف شيخنا وسيدنا الإمام … . برهان الدين إبراهيم بن عمر بن حسن البقاعي … أدام الله النفع بعلومه، وأبقاه في عافية آمين. ثم أُثبت بهامشها بخط البقاعي، في مواضع متعددة، قراءة تلميذه، مالك النسخة شهاب الدين الحمصي لها عليه، قراءة بحث وتقرير، وكذا أثبت بهامشها مقابلتها على المؤلف، ثم كتب في نهايتها تاريخ الفراغ من نسخها، وهو: ٥ من شهر ذي الحجة سنة ٨٨٠ هـ، أي قبل وفاة البقاعي بخمس سنوات تقريبا وهذا وقت متأخر عن تأليف الحاشية، حيث صرح البقاعي كما سيأتي بتأليفها في حياة شيخه ابن حجر المتوفى سنة ٨٢٥ هـ. وآخر الموجود بهذا الجزء مبحث «كتابة التسميع»، وجاء في نهايته ما نصه: «آخر الجزء الأول، ويتلوه في الثاني إن شاء الله تعالى «صفة رواية الحديث وأدائه»». وهذا صريح في أن البقاعي لم يتوقف عند هذا الموضع المساوي للنصف الأول للحاشية تقريبا، بل واصل المسيرة من بعده حتى أتمها، كما قررت من قبل، وقد وجدتُ فعلا نقول الطوخي عنه كما قدمت، ومنها نقله في أول

стр. 925

مبحث (صفة رواية الحديث) هذا الذي قرر تلميذ المؤلف أنه أول الجزء الثاني من الحاشية، فكان أول كلام الطوخي على هذا المبحث منقولاً عن البقاعي في شرح عنوان المبحث، وهو «رواية الحديث وأدائه» حيث قال: «قال البقاعي: الظاهر أنه معناهما - أي الرواية والأداء - واحد، من حيث صدقهما على تبليغ الحديث إلى الغير … » الخ (١). ويقع هذا الجزء من الحاشية في ٣١١ ورقة، من الحجم العادي، وعدد سطور الصفحة ١٩ سطرًا، وخطها نسخ واضح، وبهامشها تصحيحات وتعليقات، وتمتاز حاشية البقاعي هذه، باشتمالها على أكبر قدر وقفت عليه من (الشرح الكبير) للعراقي على الألفية، وهو كما قدمت في حكم المفقود، فحفظ لنا البقاعي فيها قدرًا حسنًا من تراث العراقي وجهده العلمي، الذي لا نجده بذاته حاليا. كما أن بها نقولاً أخرى عديدة عن مؤلفات العراقي الأخرى. وتمتاز أيضا بتناول البقاعي فيها جميع أبواب الألفية بالتعليق، بخلاف ما فعله ابن قطلوبغا في حاشيته السابقة، من ترك التعليق على بعض الأبواب. ولهذا فإني اطلعت على هذا الجزء جميعه، واستفدت منه في هذا البحث كما يلاحظ ذلك من الإحالات عليه، وخير ما يعرفنا بتلك الحاشية هو مؤلفها حيث يقول في مقدمتها: «أما بعد فهذه فوائد، ونكت، وأبحاث، تتعلق بالألفية الحديثية وشرحها، كلاهما لشيخ الحفاظ، زين الدين … العراقي» في مصطلح أهل الحديث، قيدت فيها ما استفدته من تحقيق تلميذه.

стр. 926

شيخنا شيخ الإسلام حافظ العصر، أبي الفضل، ابن حجر الكناني العسقلاني … ، أيام سماعي لبحثها عليه، بارك الله في حياته … سميتها «النكت الوفية بما في شرح الألفية»، ثم قال: «واعلم أن ما كان فيها من بحثي صَدَّرْتُه في الغالب بـ (قلت)، وختمته بقولي: والله أعلم، وما نقلته عن شيخنا من بعض الكتب، عزوته إليه، وما عدا ذلك، وهو جل الأمر، فهو من كلام شيخنا، فإن كان مِنْ بَحْثِهِ، فإني عبّرت عنه بعد انفصالي عن مكان الدرس بحسب فهمي، وإن كان ناقلا له، فإني كتبت اسم المنقول عنه من لفظه في الحال، وعبرت عن مقوله، كما تقدم» (١). هـ - حاشية السخاوي، أو نكته: ذكر السخاوي هذا الكتاب مرة باسم الحاشية (٢)، وأخرى باسم النكت (٣)، وكلا الاسمين معتاد إطلاقهما على مسمى واحد، وهو التأليف الذي يتناول من كتاب بعض ألفاظه، وعباراته، وموضوعاته، بالتعليق، حسبما يظهر لمؤلفه وقد تناول فيه السخاوي الألفية أيضا، مع شرح العراقي لها، نظرا لأن الشرح مشتمل على كثير من عباراتها، بحكم التصدي لشرحها، ويظهر أنه ألفها قبل شرحه للألفية السابق التعريف به، لأنه ذكر في مقدمة الشرح المذكور: أنه لم يتوسع فيه، استغناء بهذا التصنيف المضبوط، الذي جعله كالنكت على الألفية، وعلى شرح المؤلف لها (٤) ثم أحال عليها خلال الشرح،

стр. 927

في عدة مواضع (١)، واعتبرها أصلاً لشرحه (٢)، لكن يبدو أنه يتض الشرح قبلها؛ حيث قال في الشرح: «فليراجع أصله بعد تحريره، إن شاء الله تعالى» (٣)، وتعتبر هذه الحاشية بحسب وصف المؤلف لها، أوسع ما علمته من المؤلفات على شرح العراقي، فقد قال السخاوي: إنه بيض نحو ربعها في مجلد (٤)، وذلك يفيد أن مبيضتها إذا كملت تقع في ٤ مجلدات، بينما شرح السخاوي - على اتساعه - يقع في مجلد مخطوط كما قدمنا، وعموما فإني لم أقف على شيء من نسخها في فهارس المكتبات المصرية والعالمية المتعددة التي اطلعت عليها وهي كثيرة. ومما يصور اتساعها، بعض إحالات السخاوي نفسه في شرحه عليها، حيث يقول: إنه ذكر فيها من الأقوال في أصح الأسانيد ما يزاحم عشرين قولا (٥)، وفي مبحث «المستخرجات» قال: إنه أورد من فوائدها في النكت نحو العشرين فائدة (٦)، والله أعلم. و - حواشي شيخنا الشيخ محمود ربيع ﵀ -: وهي التعليقات التي ذكرها ﵀ بهامش طبعة الشرح المصرية، وسماها: «الدراري الفاخرة» وقدمت التعريف بها مع الطبعة، ومع أن المؤلف ﵀

стр. 928

لم يكن له فيها من جهد إلا الجمع من هوامش النسخ الخطية لشرح العراقي، إلا أنها على أي حال تمثل امتداد الإهتمام بالتعليق العلمي على شرح العراقي هذا، حتى عصرنا الحاضر، وبالتالي امتداد أثره، وبالله التوفيق. ختام: ولعل من خير ما نختم به الكلام عن الألفية وشرحها، قول الحافظ ابن حجر عنهما في رثاء شيخه العراقي: «ونَظْمُ ابنِ الصَّلاحِ له صلاح … وهذا شرحه في الأفقِ راق» (١).

стр. 929

٤ - نكت العراقي على كتاب ابن الصلاح ومكانتها، وأثرها أ - مكانتها: أشرتُ من قبل إلى أن مقدمة ابن الصلاح كانت محور مؤلفات من بعده نظمًا ونثرا في علم المصطلح، وكما أسهم العراقي بألفيته في التصنيف المنظوم، كما قدمت، فقد أسهم بكتاب «النكت» هذا في المؤلفات المنثورة المتعلقة بمقدمة ابن الصلاح، وقد شاركه في هذا غير واحد من شيوخه ومعاصريه، فمن شيوخه علاء الدين مغلطاوي، في كتابه (إصلاح ابن الصلاح)، ومن معاصريه: بدر الدين الزركشي، في نكته، وسراج الدين بن الملقن في (المقنع)، والإمام البلقيني في «محاسن الاصطلاح وتضمين كتاب ابن الصلاح» (١)، ولكن نكت العراقي منذ تأليفها، نالت تقدير العلماء أكثر من غيرها، حتى قرر الأبناسي تلميذ العراقي وقرينه: أنه نظر فوجد أحسن شيء وضع على كتاب ابن الصلاح، كلام الحافظ زين الدين العراقي (٢)، وما تزال تلك النكت حتى الآن، هي أشهر التعليقات والشروح على كتاب ابن الصلاح، وأكثرها انتشارًا، وبالتالي كانت أوسعها وأعمقها تأثيرًا في علوم السنة، كما سنوضحه بعد. ولما كان البلقيني وابن الملقن هما أبرز أقران العراقي، فإني حرصت على الاطلاع على كتابيهما السابق ذكرهما، رغم ندرة نسخهما الخطية،

стр. 930

فوجدت تصريح البلقيني في مقدمة كتابه، بأنه جعله كالشرح لكتاب ابن الصلاح، مع التنبيه على بعض ما أغفله (١)، ثم قرر ابن حجر أن كل ما زاده البلقيني في محاسنه، على ابن الصلاح، قد استمده من «إصلاح ابن الصلاح» لمغلطاي (٢)، وبذلك فهو يمثل كتابين معا، على كتاب ابن الصلاح. أما ابن الملقن فصرح في مقدمة كتابه، بأنه عني فيه بتلخيص كتاب ابن الصلاح، وتقريبه وتنقيحه، مع زيادات مهمة، وفوائد جمة (٣). وبمقارنتي العامة، والتفصيلية، بين هذين الكتابين الجامعين، وبين نكت العراقي، تبين لي أنها أجمع محتوى، وأعمق وأشمل في تناول المسائل، وتمحيص الآراء كما سيتضح خلال بحثي المفصل لها فيما يأتي: ب - تسميتها: ذكر العراقي في مقدمة هذا الكتاب أنه أراد أن يجمع على كتاب علوم الحديث لابن الصلاح نكتا، تقيد مطلقه، وتفتح مغلقه (٤)، ثم قال: «وسميته التقييد والإيضاح، لما أطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح» (٥). وبذلك صار الكتاب يطلق عليه «نكت العراقي على كتاب ابن الصلاح» أو «التقييد والإيضاح»، ومن نسخه الخطية ما كتب عليه الاسمين معا (٦)،

стр. 931

لكن العراقي نفسه اعتاد أن يطلق عليه، اسم «النكت على كتاب ابن الصلاح»، سواء في الإحالة عليه، أو فيما كتبه بخطه، من إثبات قراءته أو سماعه عليه، أو الإجازة، كما ستأتي أمثلة ذلك أيضًا، ولهذا فإن أكثر المترجمين للعراقي، والمعددين لمؤلفاته، من لدن عصره حتى الآن، يذكرونه باسم «النكت على كتاب ابن الصلاح» (١)، جريا على المعتاد في استعمال المؤلف، ولكونه أخصر من الاسم التفصيلي، وهناك من راعى ذكره باسمه الأصلي، كابن فهد (٢)، وصاحب «هدية العارفين» (٣)، وخير الدين الزركلي (٤)، وكارل بروكلمان (٥)، وغيرهم، وذكره المناوي باسم «شرح مختصر ابن الصلاح» (٦). لكن الأكثر استعمالاً هو: «النكت على كتاب ابن الصلاح»، أو «النكت على ابن الصلاح»، على حذف المضاف، ويليه استعمال الاسم الأصلي، وخاصة في الفهارس، وطبعات الكتاب.

стр. 932

جـ - تحقيق زمن تأليفها، وتصحيح الخطأ فيه: ولم يحدد العراقي تاريخ شروعه في هذه النكت، ولا الفراغ منها، وإنما أحال عليها في شرح ألفيته المتوسط، مرتين في أوائله (١)، ومرتين في أواخره (٢)، ثم أحال في أواخر كتاب «النكت»، مرتين، على شرح الألفية (٣). وهذه الإحالات من كل منهما للآخر، تدل على أنه اشتغل بتأليفهما معا في فترة زمنية واحدة، بحيث كان ينجز من كل منهما ما تتوفر لديه مادته، ويتضح له، ولذلك نجد كلا منهما متمما للآخر، حتى في الموضوعات التي لم يحل فيها من أحدهما للآخر، كما سيأتي. ويظهر أن العراقي فرغ من شرح الألفية أولاً، ثم فرغ من النكت بعده؛ لأن الموضعين المحال فيهما من النكت على شرح الألفية، يقعان في أواخر الكتاب كما أشرنا، كما أنه فيهما يقرر رجوعه عن بعض ما قرره في الألفية وشرحها، في نفس الموضوع، وذكر في ثانية الإحالتين كما قدمت ذكره في بحث الشرح: أنه نبه على وهم ما أثبته في شرح الألفية، لئلا يغتر به من يقف على الشرح. فهذا يدل على فراغه منه من قبل هذا التنبيه، وتداوله بين من يخشى اغترارهم بما قرره فيه في هذا الموضوع، ولو أنه لم يكن فرغ منه، وتداوله الناس، لأمكنه إصلاح الأصل على حسب ما ظهر له، ولم يحتج للتصويب.

стр. 933

لما فيه، في الكتاب الآخر، وهو النكت، وقد تقدم أنه فرغ من شرح الألفية في ٢٩ رمضان سنة ٧٧١ هـ، فيكون فراغه من تأليف النكت متأخرا عن هذا التاريخ وقد جاء في آخر بعض النسخ الموثقة كما سيأتي ما نصه: «قال مؤلفه أمد الله تعالى مدته: وكان الفراغ من تبييض هذه النسخة، في يوم الأحد ٢١ ذي القعدة الحرام سنة ٧٨٢ هـ». وقد فهم بعض الباحثين أن هذا يعد تاريخ تبييض أصل الكتاب (١)، كما ذكر في بعض الفهارس: أن هذا تاريخ تأليف الكتاب (٢)، وعبارة المؤلف السابقة «وكان الفراغ من تبييض هذه النسخة» واضحة الدلالة على أن التاريخ المذكور، هو تاريخ تبييض هذه النسخة فقط، وليس تاريخ تبييض أصل الكتاب، فضلا عن تأليفه، فالتعبير بالتبييض، يفيد سبق وجود مسودة لأصل الكتاب كاملاً، وتقييد التبييض بكونه لهذه لنسخة، يمنع أن يكون هذا تبييضا لأصل الكتاب، ويفيد أيضًا تبييض غيرها من قبل، وعليه فما ذكر من أن التاريخ المذكور هو تاريخ تبييض أصل الكتاب أو تأليفه، وهم ممن قاله، نتيجة لعدم تأمل العبارة المذكورة، مع وضوحها في الدلالة على ما ذكرت. وأكثر وهما مما تقدم، قول صاحب «كشف الظنون»: (إن العراقي فرغ من تبييضه يوم الأحد ٢١ ذي القعدة سنة ٧٩٦ هـ) (٣)، لأنه سيأتي من نسخ الكتاب الموثقة، ما أُثْبِتَ فيها: أنها منسوخة سنة ٧٩٣ هـ، ومقابلة على نسخة المؤلف المبيضة سنة ٧٨٣ هـ كما تقدم، كراسة، كراسة، وذلك ابتداء

стр. 934

من آخر المحرم سنة ٧٩٦ هـ، وأثبت العراقي بخطه قراءتها وسماعها عليه في مجالس، أولها في ٢٤ جمادى الآخرة سنة ٧٩٦ هـ، وتلك كلها تواريخ سابقة على ما ذكره صاحب (كشف الظنون)، فيعد هذا وهما منه أيضًا، كما وهم سابقوه. وللأسف أنه تابعه عليه غيره من الباحثين بعده، مثل المباركفوري في (مقدمة شرحه للترمذي)، فصار خطأ متداولاً في المؤلفات في تاريخ تراث السنة (١)، فلينتبه له د - أهم النسخ الخطية في مكتبات العالم: ١ - نسخة بمكتبة «لاله لي» باستانبول برقم (٣٦٦) أصول الحديث، ومعها شرح الألفية، كلاهما في مجلد واحد، وذكرت في الفهرس بالاسم الأصلي للكتاب (٢)، وذكر أن تاريخ تأليفه سنة ٧٨٢ هـ (٣)، وقد بينت فيما تقدم عدم صحة ذلك، فلينتبه له من يطلع على الفهرس ٢ - نسخة بمكتبة عاطف أفندي باستانبول برقم (٣٨٠) أصول الحديث، وذكرت باسم: «نكت ابن الصلاح»، ونسبت لحسين العراقي، والصواب: عبد الرحيم بن الحسين، كما هو معروف، وتقع تلك النسخة في مجلد وخطها نسخ (٤).

стр. 935

٣ - نسخة بمكتبة جامعة (يايل) في نيوهافن، بأمريكا برقم (٨٦) وذكرت بالاسم الأصلي للكتاب (١). ٤ - نسخة بمكتبة برلين تحت رقم (٣٩٧٦)، ومذكورة بالاسم الأصلي للكتاب (٢). ٥ - نسخة بمكتبة بانكبور بالهند برقم (٤٤٢/¬٢/¬٥) ومذكورة باسم الكتاب الأصلي (٣). ٦ - نسخة بمكتبة حلب برقم (٣٧٠)، وعنوانها كالسابقة (٤)، ولعلها هي التي اعتمد عليها الشيخ محمد راغب الطباخ ﵀ في طبع الكتاب كما سيأتي. هـ - بعض النسخ الدالة على أثر العراقي في منهج تحقيق النصوص، وبه يرد زعم المستشرقين في السبق إلى ذلك: هذه النسخة هي إحدى نسخ دار الكتب المصرية، ورقمها (٣٦) مصطلح، وتعتبر أوثق وأكمل ما رأيته، وقد عنونت بالاسم الأصلي للكتاب، وفي نهايتها ما نصه: «قال مؤلفه أمد الله تعالى في مدته: وكان الفراغ من تبييض هذه النسخة، في يوم الأحد ٢١ من ذي القعدة الحرام سنة ٧٨٢ هـ» وعقب ذلك كتب: «كتبه بيده لنفسه … يعقوب بن أحمد بن عبد المنعم الأزهري.

стр. 936

الأطفيحي، وكان الفراغ من كتابته يوم الإثنين المبارك لثمان وعشرين ليلة خلت من شهر شعبان سنة ٧٩٣ هـ». ثم كتب تحت ذلك بخط العراقي … «قرأ عَلَيَّ الشيخ المحدث … شرف الدين يعقوب بن أحمد … ، كاتب هذه النسخة، جميع هذه النكت على كتاب ابن الصلاح، فسمع جميع ذلك الشيخ … ، المحدث جمال الدين يوسف بن إسماعيل بن يوسف الأنبايي، وآخرون … ، وذلك في مجالس، آخرها في يوم الثلاثاء ٢٩ ربيع الآخر سنة ٧٩٩ هـ، وأجزت لهم … ، قاله وكتبه: عبد الرحيم بن الحسين بن العراقي». وهذا الخط مشبه فعلا خط العراقي في غير هذه النسخة، وقد بلغ عدد مجالس قراءتها عليه ٥٤ مجلسًا وأثبت في نهاية المقروء في كل مجلس، بخط العراقي قراءة الإطفيحي عليه، وسماع ولده، والجماعة، وذلك فيما عدا المجلس الأول، وبعض مجالس بعده حيث أثبت أنها بقراءة الشيخ زين الدين القمني، وسماع الأطفيحي، والجماعة (١)، وقد أرّخ المجلس الأول في ٢٤ جمادى الآخرة سنة ٧٩٦ هـ (٢)، كما أُثبت بهامش النسخة، أيضًا مقابلتها على نسخة المؤلف، وهي أدق مقابلة رأيتها، حيث أُثبت بهوامش النسخة، آخر عبارة منها، ينتهي بها كل كراس من كراريس نسخة المؤلف. حتى آخر هذه النسخة، كما أُثبت بهامشها أيضًا: أن تلك المقابلة كان أغلبها أثناء قراءة النسخة على العراقي (٣).

стр. 937

ومقتضى هذا أن المقابلة على ذلك النحو الدقيق، قد تمت بإشرافه ومشاركته، وهي تعد أدق وأحدث مناهج توثيق النص وتحقيقه، التي جرى عليها الغربيون، وبعض الشرقيين مؤخرًا، عند تحقيق المخطوطات ونشرها، حيث يذكرون بهامش الكتاب المطبوع علامة أول الوجه والظهر لكل ورقة من النسخة الخطية المعتمد عليها في نشر الكتاب، توثيقًا للنص المطبوع، وتمكينًا للباحث من الرجوع للأصل الخطي في أي موضع من الكتاب، في يسر. بل أكثر من هذا دقة: أن صاحب النسخة المذكورة، أثبت بجانب تحديد القدر المقابل لما في نسخة العراقي، تاريخ مقابلته بها، مثل قوله: «فهكذا آخر الكراس السابع من نسخة المؤلف، بلغ في ٢٢ صفر سنة ٧٩٦ هـ (١)» ومثل ذلك أرخ بقية المقابلات (٢). كما أن هناك قدر صفحة ونصف، لم يقابله، فأثبت ذلك بالتحديد (٣). وبهذا كله تمثلت في تلك النسخة غاية الدقة في توثيق النص، ومقابلته وتحقيقه، ومن المعروف أن علم المصطلح الذي ألف العراقي فيه نكته هذه وغيرها، قد خصص مبحثًا لبيان كيفية مقابلة النسخ الحديثية بأصولها (٤)، وجعل أيضًا من مهمات المحدث، أن يقابل مع طلبته ما كتبوه عنه، أو عن غيره، لتصحيحه وتوثيقه، وقد نهض العراقي بتلك المهمة كما قدمت في وظائفه العلمية، وباشر عمليًا مع طلابه، المقابلة، وتحقيق النص، على هذا

стр. 938

المنهج الدقيق الباقي نموذجه بين أيدينا في النسخة المذكورة حتى الآن، وهي أنموذج كفيل بالرد العملي على بعض المستشرقين حيث يقول: «إن حنين بن إسحاق المتوفى سنة ٢٦٢ هـ، كان معنيًّا بفن المقابلة التطبيقية، في ترجمة الكتب ولم يكن للمقاييس التي استخدمها ما يناظرها أو يفوقها في الأدب العربي المتأخر» (١). ولو أنه اطلع على النسخة المشار إليها ما وسعه الجزم بمقولته هذه، حيث تمت مقابلتها بأدق المقاييس، كما رأينا، وبواسطة أحد المتأخرين، وهو الحافظ العراقي، مع تلاميذه. وتعد تلك النسخة أيضًا أكمل من النسخ المبيضة قبلها، وذلك لأنها تضمنت زيادات - وإن كانت يسيرة - أضافها المؤلف لنسخته المقابل بها، قبل تاريخ كتابة هذه النسخة بنحو شهرين (٢)، كما أن كاتب هذه النسخة عندما قرأها على العراقي، أضاف بعض ألفاظ شفاهة، فأثبتها القارئ بهامش النسخة، مبينا دخولها في الأصل، في الموضع الذي أضافها فيه العراقي (٣)، وقد خلت من هذه اللفظة، غير النسخة المذكورة مما هو مقروء على المؤلف، فضلا عن غيره (٤). وتمتاز هذه النسخة أيضًا بأنه يوجد بآخرها بنفس خطها، وتوثيقها، المجلس.

стр. 939

٨٢ من الأمالي الحديثية للعراقي، ويقع في صفحتين ولم ينبه عليه بفهرس دار الكتب (١). وعدد أوراق تلك النسخة ١٠٦ ورقات، بما فيها الورقتان المكتوب فيهما المجلس المذكور، وخطها نسخ جيد، والكلمات المشكلة الضبط، مشكولة بالحركات، وعدد سطور الصفحات مختلف، من ٢٤ إلى ٢٥ سطراً. و - طبعات الكتاب ونقدها: إذا كان العراقي وتلاميذه قد اعتنوا بنسخ هذا الكتاب، وتصحيحه، وانتشرت نسخه الخطية كما رأينا، في المراكز العلمية في العالم، فإنه قد نال أيضاً العناية بتحقيقه ونشره في عصر الطباعة، تقديراً لأهميته، ولم يعرف طبع تعليق على كتاب ابن الصلاح قبله، وقد طبع حتى الآن مرتان: الأولى: طبعة المطبعة الحلبية، بحلب سنة ١٣٥٠ هـ، والموافق سنة ١٩٣١ م، وهي طبعة محققة بواسطة الشيخ محمد راغب الطباخ ﵀، وقد كان من ذوي الخبرة والعناية بنشر التراث، وخاصة علوم السنة التي قام بتدربها ثلاث سنوات، قبل طبع هذا الكتاب (٢)، وتقع هذه الطبعة في مجلد عدد صفحاته ٤٣٢ صفحة من الحجم الكبير، وقد ذكر في أولها: الطبعة الأولى للكتاب، وطبع معه في أعلا الصحيفة كتاب (علوم الحديث لابن الصلاح)، ويليه نكت العراقي عليه، ويليهما تعليقات للمحقق وجعل عنوان الطبعة على نفس ترتيب محتواها فقال: (علوم الحديث)

стр. 940

المعروف بمقدمة ابن الصلاح، وشرحه «التقييد والإيضاح» وتعليقات عليه في الذيل، لناشر الكتابين سماها «المصباح على مقدمة ابن الصلاح». وقد جرى الشيخ الطباخ في إخراج هذه الطبعة على القواعد العلمية للتحقيق، في حدود المتعارف عليه حينئذ، بكل دقة وإتقان، وعمل مقدمة شافية بين فيها منهجه في التحقيق، وعرف بالنسخ الخطية التي اعتمد عليها في طبع الكتاب، وهي نسخ ثلاث موثقة، أولها: نسخة مكتبة التكية الإخلاصية بحلب، وهي بخط الحافظ ابن حجر العسقلاني، ولعلها هي النسخة السابق ذكر وجودها بمكتبة حلب. وقد تضمنت تعليقات الشيخ الطباخ، التعليق على ١٩ نوعا من كتاب ابن الصلاح لم يعلق العراقي عليها، كما سيأتي، وبذلك سد المحقق فراغا كبيرا، بالإضافة إلى تعليقات توضيحية على كتابي ابن الصلاح، ونكت العراقي، فأدى بذلك خدمة جليلة للكتابين على قدر وسعه. هذا وقد قمت بمقابلة نماذج عديدة، من تلك الطبعة، بنسخ دار الكتب المصرية، وخصوصا في المواضع التي لاحظت اختلاف النسخ فيها، فوجدت أن تلك الطبعة فيها اختلافات عن أوثق نسخ الدار السابق ذكرها وهي نسخة (٣٦) مصطلح، وتتمثل هذه الاختلافات في تحريف بعض الكلمات فيها، وسقوط بعض آخر، ووجود خلل في السياق، مع نقص مخل بالمعنى (١)، وهذا مع قلته، فعذر المحقق فيه: عدم توفر النسخة المشار إليها لديه، ولو أنها توفرت له، لما قصرت همته المشهورة عن مراجعة هذه النواقص وتلافيها.

стр. 941

فَلْيَتَنَبَّه لذلك غيره، من المحققين والباحثين. كذلك لاحظت على هذه الطبعة من حيث الشكل عدم الالتزام بوضع أوائل الأبواب، والفقرات، تحت مقابلها من كتاب ابن الصلاح كما هو المطلوب، في وضع الشرح مع المتن، منعًا لتشتت القارئ، وفيما عدا هاتين الملاحظتين، تعد تلك الطبعة أضبط وأتقن وأوفى من الطبعة التالية. الطبعة الثانية: ولما ندرت نسخ الطبعة السابقة، أعيد طبع الكتاب لأول مرة بالقاهرة سنة ١٣٨٩ هـ الموافق سنة ١٩٦٩ م، وتقع هذه الطبعة في ٤٩١ صفحة، من القطع العادي وناشرها هو محمد بن عبد المحسن الكتبي، صاحب المكتبة السلفية بالمدينة المنورة، أما المحقق فهو عبد الرحمن محمد عثمان، وقد طبع «التقييد والإيضاح» مع «مقدمة ابن الصلاح»، لكنه جعل عنوان الطبعة: «التقييد والإيضاح شرح «مقدمة ابن الصلاح»، واكتفى بالإشارة في المقدمة إلى أنه طبع مع الشرح مقدمة ابن الصلاح. وأقل ما توصف به هذه الطبعة: أنها مزورة، وساقطة الاعتبار، ذلك أن المحقق لم يبين الأصل الذي اعتمد عليه في طبع مقدمة ابن الصلاح، أما «التقييد والإيضاح» مقصوده الأصلي، فقد قرر في التقديم: أنه اعتمد فيه على نسخة دار الكتب المصرية رقم (٢٥٣٣٧) ب، وذكر أن على ظاهرها عبارة تملك، نصها «ملك صاحب النعم، الوزير الحاج إبراهيم باشا والي جدة، دام عزه ومجده إلخ» (١)، ثم وضع صورة صفحتين خطيتين، بأول الطبعة وثلاثة بآخرها، على أنهم نماذج

стр. 942

للمخطوطة المعتمد عليها، وكل هذا زور محض، فعبارة التملك التي ذكرها، والصفحات المصورة، كلاهما وجدته من النسخة الخطية رقم (٣٦) مصطلح، السابق التعريف بها، لا النسخة رقم (٢٥٣٣٧) ب كما ذكر، ثم إن النسخة ذات الرقم المذكور قد اطلعت أنا عليها، ووجدت بها من العيوب ما يمنع صلاحيتها للاعتماد عليها على أنها أصل لتحقيق الكتاب، والأدهى من هذا، أن في الطبعة سقوطا متعددة أقلها كلمة، وأكثرها ٣٥ سطرا، ومعظم الساقط موجود بالنسخة التي صرح بالاعتماد عليها في الطبع، فضلا عن غيرها (١). كما يوجد بالطبعة أيضًا بعض أخطاء واختلال في السياق، مع سلامة النسخة المصرح بالاعتماد عليها من ذلك (٢) هذا فضلا عن العيوب الشكلية، مثل عدم ترتيب الشرح مع المتن، كما ذكرت عن الطبعة الحلبية، ومثل الخطأ في تقسيم النص إلى فقرات، وفي وضع الفواصل الإملائية، مما يؤدي كثيرًا، لاختلاف المعنى وتفرقه. ولهذا فإن هذه الطبعة، لا يصلح الاعتماد عليها وحدها، بل ينبغي الإستعانة معها بالطبعة الحلبية، أو ببعض النسخ الخطية الموثقة، مثلما فعلت فيما اعتمدت فيه عليها. كذلك ينبغي العناية بإعادة طبع الكتاب طبعة علمية محققة، لتلافي أخطاء

стр. 943

الطبعتين السابقتين، ويعتمد فيها على أكبر قدر ممكن من نسخ الكتاب الموثقة، مثل نسخة دار الكتب المصرية (٣٦) مصطلح، ويجب أيضًا طبع مقدمة ابن الصلاح معه، نظرًا لأن العراقي لم يلتزم نقل نص كتاب ابن الصلاح الذي يعلق عليه، بل قد يذكر طرفًا منه، أو يذكر معنى كلام ابن الصلاح، وبهذا يحتاج الشخص إلى الوقوف على نص كتاب ابن الصلاح كاملًا، حتى يعرف كيفية تعليق العراقي عليه في نكته، بوضوح ويسر، والله الموفق. ز - الداعي لتأليف الكتاب والهدف منه: ذكر العراقي في مقدمة النكت: أن كتاب ابن الصلاح أحسن ما صنف أهل الحديث في معرفة الاصطلاح، ثم استدرك قائلًا: «إلا أن فيه غير موضع قد خولف فيه، وأماكن أخر تحتاج إلى تقييد وتنبيه، فأردت أن أجمع عليه نكتا تقيد مطلقه، وتفتح مغلقه، وقد أورد عليه غير واحد من المتأخرين إيرادات ليست بصحيحة، فرأيت أن أذكرها وأبين صواب كلام الشيخ وترجيحه، لئلا يتعلق بها من لا يعرف مصطلحات القوم، وينفق من مزجي البضاعات ما لا يصلح للسوم» (١). ومن ذلك نفهم، أن حسن كتاب ابن الصلاح في موضوعه، وهو علم المصطلح، لم يمنع من وجود ثغرات فيه، تتمثل عند العراقي، في بعض المسائل، والآراء، التي قررها ابن الصلاح، وخالفه فيها غيره، أو وجه إليه اعتراض بشأنها، أو أطلقها وهي محتاجة إلى التقييد، أو لم يتضح المراد منها لمن بعده، فاحتاجت إلى توضيح وتنبيه، فكان ذلك مما دعى العراقي لتأليف هذه النكت.

стр. 944

وهدف فيها إلى ثلاثة أمور أساسية، هي: تقييد ما يحتاج إلى التقييد مما أطلقه ابن الصلاح، وإيضاح ما هو غامض أو مشكل، والجواب عن الاعتراضات غير الصحيحة التي وجهت إلى ابن الصلاح من المتأخرين عنه، ومن هذا يتضح لنا أن العراقي لم يقصد إلى عمل شرح كالمعتاد، لعامة الأبواب، والموضوعات، والألفاظ، والعبارات التي اشتمل عليها كتاب ابن الصلاح، وإنما قصد تناول مواضع وقضايا معينة، رآها تحتاج أكثر من غيرها إلى الشرح والتمحيص، وإحقاق الحق، ولهذا ترك عددا من الأبواب لم يعلق عليه كلية، كما سنوضحه، وقد تبين لي من البحث الكامل للكتاب، أن العراقي وفى فيه بتلك الأهداف التي قصدها وحددها، بل وزاد عليها زيادات لها قيمتها وتأثيرها، في مصطلح علوم السنة، كما سيأتي تفصيله. ح - مصادر العراقي في النكت، ورأيه في الرجوع إلى المصادر ونقده: لما كانت الموضوعات الأساسية في مقدمة ابن الصلاح هي نفس موضوعات ألفية العراقي وشرحه لها السابق ذكره، فإني وجدت أن معظم المصادر التي اعتمد عليها في الألفية وشرحها، قد اعتمد عليها أيضًا، في هذه النكت، غير أنه لما كان من هدفه في النكت كما قدمت، أن يجيب عن الاعتراضات الموجهة إلى ابن الصلاح ممن جاء بعده، فإنه احتاج إلى الرجوع إلى المصادر التي اشتملت على تلك الاعتراضات لنقلها، تمهيدا لمناقشتها والجواب عنها، كما أن اختلاف منهجه في النكت، وتقدمه العلمي كما سنفصله، جعلاه يرجع إلى مصادر أخرى لم يسبق إشارته في الألفية وشرحها للاعتماد عليها. وأهم المصادر التي وجدته أشار إلى الاعتماد عليها، زيادة على ما قدمته في.

стр. 945

مصادره في الألفية وشرحها، ما يأتي: «ابن الصلاح في القطعة التي شرحها من صحيح مسلم (١)، وفوائد رحلة ابن الصلاح أيضًا بخطه (٢)، وفتاواه (٣)، وكلهم الآن قليل الوجود» (٤)، والأزهري في «تهذيب اللغة» (٥)، وابن عساكر في «أطراف الكتب الستة» (٦) وفي «أماليه» (٧) وفي «كتاب الأوائل» (٨)، وابن دقيق العيد في «الإمام شرح كتاب الإلمام في أحاديث الأحكام» (٩)، وقد كان الموجود من هذا الشرح نادرًا حتى في عصر العراقي، وابن الأشعث في «سننه» (١٠)، والطبري صاحب «التاريخ، والتفسير، والصحابة» (١١)، وأبو بكر الجياني في «الأربعين العلوية» (١٢)، و «مسند الشهاب» (١٣)، للقضاعي، وابن فتحون في «التنبيه على ما أوهمه ابن

стр. 946

عبد البر، أو وهم فيه في «كتاب الاستيعاب» في الصحابة» (١)، وأبو عبد الله الربيع الجيزي في «حديث من دخل مصر من الصحابة» (٢)، وتمام الرازي في «جزء جمع فيه حديث أبي العشراء» (٣)، والرشيد العطار في «جزء من تخريجه» (٤)، وابن الجوزي في «موضوعاته»، النسخة الأولى، بخط الحافظ المنذري (٥)، والأخيرة بخط ولد ابن الجوزي (٦)، و محمد بن إسحاق في «سيرته» (٧)، وهي الآن في حكم المفقودة، وعبد الغني الأزدي في «جزء فيمن روى من التابعين عن عمرو بن شعيب» (٨)، والباوردي في «الصحابة» (٩)، وابن أبي حاتم في «الكنى» (١٠)، وأبو عمرو الكندي في «موالي أهل مصر» (١١)، والخرائطي في «مكارم الأخلاق» (١٢)، و «مشارق الأنوار في شرح الموطأ» للقاضي عياض (١٣)، والخطيب البغدادي في «تالي

стр. 947

التلخيص» في علم الرجال (١)، وفي «رواية ستة من التابعين بعضهم عن بعض» في جزء (٢)، والدارقطني في «المدبج». وكان العراقي يمتلك نسخة صحيحة منه، ولخصه في «النكت» (٣)، وأبو الحسن بن الأثير في «أسد الغابة في معرفة الصحابة» (٤)، وابن الدبيئي في «ذيل تاريخ بغداد» (٥)، وموسى بن عقبة في «مغازيه» (٦)، وأبو أحمد بن عدي فيمن أتفق الشيخان على إخراج حديثه (٧)، وحمزة الكناني في «أماليه» (٨). وأما كتب المتأخرين المتعلقة بالاعتراضات: فمنها: لشيخ العراقي علاء الدين التركماني اختصاره لكتاب ابن الصلاح (٩)، ولشيخ العراقي أيضًا الحافظ ابن كثير، اختصاره لكتاب ابن الصلاح (١٠). ومنها: لتاج الدين التبريزي المتوفى سنة ٧٤٦ هـ، كتاب «الكافي»،

стр. 948

مختصر كتاب ابن الصلاح أيضًا (١)، ولشيخ العراقي أيضًا علاء الدين مغلطاي كتاب «إصلاح ابن الصلاح». وقد قال العراقي في مقدمة «النكت»: إن شيخه مغلطاي أوقفه على هذا الكتاب، وقرأ له من لفظه موضعًا منه، وذكر أنه لم ير هذا الكتاب بعد ذلك (٢)، لكن بعض الاعتراضات التي نقلها للرد عليها خلال الكتاب، نسبها تلميذه ابن حجر، والسيوطي بعده، للحافظ مغلطاي (٣)، فلعل العراقي رأى الكتاب مرة ثانية واطلع عليه، بعد كتابة مقدمة النكت؛ لأنه كتب المقدمة قبل الفراغ من تأليف النكت، ولذلك يقول في آخرها: «والله أسأل، وأستعين، أن يوفق لإكماله ويعين (٤)». ثم إن العراقي أشار غير مرة، إلى رأيه في الرجوع إلى المصادر، فقد قال ابن الصلاح: «ذكر الخطيب البغدادي في أجوبة مسائل سئل عنها: «إن المجهول عند أصحاب الحديث: هو كل من لم تعرفه العلماء، ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد … إلخ»» (٥)، فعلق العراقي على ذلك بقوله: «إن المصنف (أي ابن الصلاح) عزى ما ذكره عن الخطيب، إلى أجوبة سئل عنها، والخطيب ذكر ذلك بجملته مع زيادة، فيه في كتاب «الكفاية»، والمصنف

стр. 949

كثير النقل منه، فأبعد النجعة في عزوه ذلك إلى مسائل سئل عنها، ثم نقل كلام الخطيب السابق من «الكفاية» (١)، وهذا يفيد أن العراقي يرى أنه إذا ذكر الشخص مسألة في أكثر من كتاب له، فالأولى عزوها للكتاب المشهور المتداول منها، حتى يسهل على الباحث مراجعتها، فإذا عكس، فقد أبعد النجعة. لكني وجدتُ العراقي نفسه لم يلتزم بهذا، لا في النكت التي قرر فيها ذلك ولا في غيرها من مؤلفاته، فحديث المعازف الذي علقه البخاري في صحيحه عن هشام بن عمار (٢)، خَرَّجه العراقي في «النكت»، وفي «تكملة شرح الترمذي» موصولاً من عند الطبراني في كتاب له يعرف بـ «مسند الشاميين» (٣)، فذكر تلميذه ابن حجر: أن الطبراني أخرج الحديث في «معجمه الكبير»، من رواية. اثنين، عن هشام، ثم قال: «والمعجم الكبير، أشهر من «مسند الشاميين»، فعزوه إليه أولى» (٤). كذلك نقل العراقي عن المزي أنه حكى في كتابه «التهذيب» عن ابن عبد البر: أنه قد روى عن عمرو بن تغلب - غير الحسن البصري -، الحكم بن الأعرج. ثم تعقب المزي قائلا: «قلت: ولا حاجة لإبعاد النجعة في حكايته عن ابن

стр. 950

عبد البر، فقد حكاه ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل»، وهو من أشهر ما صنف في أسماء الرجال (١). وهذا يفيد: أنه يرى، أن المسألة إذا كانت في أكثر من كتاب، فالأولى عزوها إلى المصدر المختص بموضوعها، مع تقدمه الزمني وشهرته، بدلا من المصدر العام مع تأخره، وذلك لأن ابن أبي حاتم متقدم عن ابن عبد البر، وكتابه مختص بعلم الرجال، بينما كتاب ابن عبد البر المشار إليه هو «جامع بيان العلم وفضله»، على ما يبدو، وهو غير مختص بتراجم الرجال. لكني وجدت العراقي أيضًا لا يلزم نفسه بهذا، ففي شرحه المتوسط للألفية، في مبحث «المبهمات» قال: «وفي الصحيح من حديث جابر، في قتل أبيه يوم أحد، فجعلت عمتي تبكيه» الحديث، ثم قال: اسم عمته: فاطمة بنت عمرو بن حرام، وبين مصدره في تحديد اسمها فقال: وقعت مُسمَّاةً في «مسند أبي داود الطيالسي، وسماها الواقدي هندا» (٢). بينما وجدتها أنا مسماة بفاطمة، كما في صدر كلامه، في نفس «صحيح مسلم» عقب ذكر الرواية المبهمة فيها مباشرة (٣)، وفي «صحيح البخاري» قبل الباب المذكورة فيه مبهمة بـ ٣١ بابا، من كتاب الجنائز (٤). وبالتالي فإن عزو العراقي لها إلى مسند الطيالسي، أو غيره، إبعاد كبير للنجعة،
следующие страницы →