← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 30167

الحافظ العراقي وأثره في السنة

أحمد بن معبد عبد الكريم

Полный текст (2 213 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

عبد البر، أو وهم فيه في «كتاب الاستيعاب» في الصحابة» (١)، وأبو عبد الله الربيع الجيزي في «حديث من دخل مصر من الصحابة» (٢)، وتمام الرازي في «جزء جمع فيه حديث أبي العشراء» (٣)، والرشيد العطار في «جزء من تخريجه» (٤)، وابن الجوزي في «موضوعاته»، النسخة الأولى، بخط الحافظ المنذري (٥)، والأخيرة بخط ولد ابن الجوزي (٦)، و محمد بن إسحاق في «سيرته» (٧)، وهي الآن في حكم المفقودة، وعبد الغني الأزدي في «جزء فيمن روى من التابعين عن عمرو بن شعيب» (٨)، والباوردي في «الصحابة» (٩)، وابن أبي حاتم في «الكنى» (١٠)، وأبو عمرو الكندي في «موالي أهل مصر» (١١)، والخرائطي في «مكارم الأخلاق» (١٢)، و «مشارق الأنوار في شرح الموطأ» للقاضي عياض (١٣)، والخطيب البغدادي في «تالي

стр. 947

التلخيص» في علم الرجال (١)، وفي «رواية ستة من التابعين بعضهم عن بعض» في جزء (٢)، والدارقطني في «المدبج». وكان العراقي يمتلك نسخة صحيحة منه، ولخصه في «النكت» (٣)، وأبو الحسن بن الأثير في «أسد الغابة في معرفة الصحابة» (٤)، وابن الدبيئي في «ذيل تاريخ بغداد» (٥)، وموسى بن عقبة في «مغازيه» (٦)، وأبو أحمد بن عدي فيمن أتفق الشيخان على إخراج حديثه (٧)، وحمزة الكناني في «أماليه» (٨). وأما كتب المتأخرين المتعلقة بالاعتراضات: فمنها: لشيخ العراقي علاء الدين التركماني اختصاره لكتاب ابن الصلاح (٩)، ولشيخ العراقي أيضًا الحافظ ابن كثير، اختصاره لكتاب ابن الصلاح (١٠). ومنها: لتاج الدين التبريزي المتوفى سنة ٧٤٦ هـ، كتاب «الكافي»،

стр. 948

مختصر كتاب ابن الصلاح أيضًا (١)، ولشيخ العراقي أيضًا علاء الدين مغلطاي كتاب «إصلاح ابن الصلاح». وقد قال العراقي في مقدمة «النكت»: إن شيخه مغلطاي أوقفه على هذا الكتاب، وقرأ له من لفظه موضعًا منه، وذكر أنه لم ير هذا الكتاب بعد ذلك (٢)، لكن بعض الاعتراضات التي نقلها للرد عليها خلال الكتاب، نسبها تلميذه ابن حجر، والسيوطي بعده، للحافظ مغلطاي (٣)، فلعل العراقي رأى الكتاب مرة ثانية واطلع عليه، بعد كتابة مقدمة النكت؛ لأنه كتب المقدمة قبل الفراغ من تأليف النكت، ولذلك يقول في آخرها: «والله أسأل، وأستعين، أن يوفق لإكماله ويعين (٤)». ثم إن العراقي أشار غير مرة، إلى رأيه في الرجوع إلى المصادر، فقد قال ابن الصلاح: «ذكر الخطيب البغدادي في أجوبة مسائل سئل عنها: «إن المجهول عند أصحاب الحديث: هو كل من لم تعرفه العلماء، ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راو واحد … إلخ»» (٥)، فعلق العراقي على ذلك بقوله: «إن المصنف (أي ابن الصلاح) عزى ما ذكره عن الخطيب، إلى أجوبة سئل عنها، والخطيب ذكر ذلك بجملته مع زيادة، فيه في كتاب «الكفاية»، والمصنف

стр. 949

كثير النقل منه، فأبعد النجعة في عزوه ذلك إلى مسائل سئل عنها، ثم نقل كلام الخطيب السابق من «الكفاية» (١)، وهذا يفيد أن العراقي يرى أنه إذا ذكر الشخص مسألة في أكثر من كتاب له، فالأولى عزوها للكتاب المشهور المتداول منها، حتى يسهل على الباحث مراجعتها، فإذا عكس، فقد أبعد النجعة. لكني وجدتُ العراقي نفسه لم يلتزم بهذا، لا في النكت التي قرر فيها ذلك ولا في غيرها من مؤلفاته، فحديث المعازف الذي علقه البخاري في صحيحه عن هشام بن عمار (٢)، خَرَّجه العراقي في «النكت»، وفي «تكملة شرح الترمذي» موصولاً من عند الطبراني في كتاب له يعرف بـ «مسند الشاميين» (٣)، فذكر تلميذه ابن حجر: أن الطبراني أخرج الحديث في «معجمه الكبير»، من رواية. اثنين، عن هشام، ثم قال: «والمعجم الكبير، أشهر من «مسند الشاميين»، فعزوه إليه أولى» (٤). كذلك نقل العراقي عن المزي أنه حكى في كتابه «التهذيب» عن ابن عبد البر: أنه قد روى عن عمرو بن تغلب - غير الحسن البصري -، الحكم بن الأعرج. ثم تعقب المزي قائلا: «قلت: ولا حاجة لإبعاد النجعة في حكايته عن ابن

стр. 950

عبد البر، فقد حكاه ابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل»، وهو من أشهر ما صنف في أسماء الرجال (١). وهذا يفيد: أنه يرى، أن المسألة إذا كانت في أكثر من كتاب، فالأولى عزوها إلى المصدر المختص بموضوعها، مع تقدمه الزمني وشهرته، بدلا من المصدر العام مع تأخره، وذلك لأن ابن أبي حاتم متقدم عن ابن عبد البر، وكتابه مختص بعلم الرجال، بينما كتاب ابن عبد البر المشار إليه هو «جامع بيان العلم وفضله»، على ما يبدو، وهو غير مختص بتراجم الرجال. لكني وجدت العراقي أيضًا لا يلزم نفسه بهذا، ففي شرحه المتوسط للألفية، في مبحث «المبهمات» قال: «وفي الصحيح من حديث جابر، في قتل أبيه يوم أحد، فجعلت عمتي تبكيه» الحديث، ثم قال: اسم عمته: فاطمة بنت عمرو بن حرام، وبين مصدره في تحديد اسمها فقال: وقعت مُسمَّاةً في «مسند أبي داود الطيالسي، وسماها الواقدي هندا» (٢). بينما وجدتها أنا مسماة بفاطمة، كما في صدر كلامه، في نفس «صحيح مسلم» عقب ذكر الرواية المبهمة فيها مباشرة (٣)، وفي «صحيح البخاري» قبل الباب المذكورة فيه مبهمة بـ ٣١ بابا، من كتاب الجنائز (٤). وبالتالي فإن عزو العراقي لها إلى مسند الطيالسي، أو غيره، إبعاد كبير للنجعة،

стр. 951

على حد تعبيره السابق، ومخالفة منه لما قرره في الرجوع إلى المصادر، ونَقَدَ المزي على أساسه، ولكنه في الأكثر، يتبع ما قرره، وإن كان لم يلتزمه كما بينته والله الموفق. ط - تمثيل الكتاب لنضج العراقي العلمي، في بحوثه، وآرائه، وأثر ذلك: قدمت أن الفترة التي ألف العراقي فيها نكته، كانت متصلة بفترة تأليفه لشرح الألفية المتوسط، ولهذا فإني وجدتُ كثيرًا من مباحث الكتابين المشتركة، يكمل أحدها الآخر، بمعنى أن بعض ما توسع العراقي فيه، في النكت، وجدته قد أوجزه في الشرح (١)، وبالعكس (٢)، وبذلك تميز كل منهما عن الآخر في هذه الناحية، ثم إن الشرح قد تميز كما قدمت باشتماله على آراء العراقي في علم المصطلح، حتى وقت فراغه منه سنة ٧٧١ هـ، أما كتاب «النكت» فتميز بتمثيله المرحلة النضج العلمي للعراقي في بحوثه وآرائه في علوم السنة، ويتضح ذلك مما يأتي: فمن ذلك: إثباته لسعة اطلاعه، وبحثه، وإحاطته بأمهات كتب علوم السنة متنا وسندا، حيث ذكر ابن الصلاح أن الحافظ أبو طالب أحمد بن نصر قرر: أن الوليد بن مسلم، إذا أطلق الرواية عن سفيان، يكون مراده سفيان بن عيينة؛ لأن الوليد كان مليئًا به، وروى سفيان عن الثوري أحاديث معدودة،

стр. 952

وصوب ابن الصلاح ذلك (١)، فذكر العراقي في (النكت): أن ذلك فيه نظر، من حيث إنه لا يلزم من كونه مليا بابن عيينة - على تقدير تسليمه - أن يكون هذا من حديثه عنه إذا أطلق، بل يجوز أن يكون هذا من تلك الأحاديث المعدودة التي رواها الوليد عن سفيان الثوري، ثم بين بحثه الواقعي للموضوع في أمهات المصادر، بسعة وعمق، فقال: «وإذا عرف ذلك، فإني لم أر في شيء من كتب التواريخ، وأسماء الرجال، رواية الوليد بن مسلم عن سفيان ابن عيينة البتة، وإنما رأيت فيها ذكر روايته عن سفيان الثوري، ثم عدد بعض ما رأى ذكر روايته فيه» فقال: فممن ذكر ذلك البخاري في «التاريخ الكبير»، وابن عساكر في (تاريخ دمشق)، والمزي في «التهذيب»، ثم انتقل لكتب الحديث فقال: «وكذلك لم أر في شيء من كتب الحديث رواية الوليد عن ابن عيينة، لا في الكتب الستة، ولا غيرها»، ثم بين ما وجد فيه رواية الوليد عن الثوري فقال: «وروايته عن الثوري في «السنن الكبرى» للنسائي، فروى في «اليوم والليلة» حديثا عن الجارود بن معاذ الترمذي عن الوليد بن مسلم عن سفيان الثوري. والله أعلم» (٢)، ولا شك أن هذا المسح الشامل، والتتبع التفصيلي، لعامة كتب السنة، متنا وسندا، وإصدار الأحكام الفاصلة بشأن محتوياتها، نفيا وإثباتا، كل ذلك لا يتأتى إلا لعالم متمكن وباحث ضليع. وعندما نقارن هذا ونتتبع أثره، نجد في مجال المقارنة، أن البلقيني، وابن الملقن (٣) قد أقرا ابن الصلاح على ما صوّبه من رأي الحافظ أبي طالب،

стр. 953

رغم مجافاة ذلك للواقع في جمهرة مصادر السنة، كما بين العراقي، ولهذا ظهر أثره فيمن بعده. فقد تبعه السيوطي فيما ذكر، ونقل عنه خلاصة بحثه السابق (١). ومن ذلك أيضا: أن ابن الصلاح مثل للنوع الأول من «متشابه الرواة» بموسى بن علي - بفتح العين - وموسى بن علي - بضمها (٢)، فلما اختصر النووي كتاب ابن الصلاح في (الإرشاد)، ثم في «التقريب»، ذكر فيهما: أن المسمين بـ «موسى بن علي» بفتح العين، من الرواة كثيرون (٣)، فتعقبه العراقي في «النكت» بأن فيما قاله نظر، ودلل على ذلك ببحثه الشخصي الناضج والمتناهي السعة والحصر، فقال: «وليس في المتقدمين أحد يسمى هكذا، لا في رجال الكتب الستة، ولا في تاريخ البخاري، ولا في كتاب ابن أبي حاتم، ولا ثقات ابن حبان، ولا في كثير من التواريخ، أمهات تواريخ الإسلام، كتاريخ أبي بكر بن أبي خيثمة»، و «الطبقات» لمحمد بن سعد، و «تاريخ مصر» لابن يونس، و «الكامل» لابن عدي، و «تاريخ نيسابور» للحاكم، و (تاريخ أصبهان) لأبي نعيم، وفي «كتاب تاريخ بغداد» للخطيب، رجلان، وفي «تاريخ دمشق» رجل واحد. ثم بين قيمة تتبعه لهذا الاسم في هذه الموسوعات الأصلية، فقال: «وهذه الكتب العشرة، المذكورة بعد «تاريخ البخاري»، هي أمهات الكتب المصنفة

стр. 954

في هذا الفن، كما قال المزي في «التهذيب». وبهذا أشار إلى أن ما انتهى إليه من بحث هذه الأمهات، وقرره لم يبق وراءه غاية لباحث، ولا مصدراً أصيلاً يمكن أن يحصل منه على خلاف ما قرره، ثم لم يكتف بهذا، فقام برد إحصائي دقيق، لمن تسمى بهذا الاسم من الرواة، وأثبت ذلك، مبتدئاً بأقدمهم، فقال: (وقد رأيت ذكر من وقع ذكره في التواريخ، من القسم الأول، فالأول: موسى بن علي بن موسى أبو عيسى الختلي وهو أقدمهم روى عنه أبو بكر بن الأنباري النحوي وابن مقسم والصواف) وبين مصدره، وتوثيقه، فقال: «ذكره الخطيب في «التاريخ»، وكان ثقة»، ثم ذكر ستة آخرين على هذا النحو، فصار الجميع سبعة، ما بين مشرقي، ومغربي، معتمداً على خمسة مصادر، غير العشرة السابق ذكرها، وهي: «تلخيص المتشابه» للخطيب، و «الإكمال» لابن ماكولا، و «الميزان» للذهبي، و «التكملة» لابن الأبار، وهو من مصادر «تاريخ الأندلس»، ثم عقب على ذكر أولئك السبعة بقوله: «فهؤلاء المذكورون في تواريخ الإسلام من الشرق، والغرب، إلى زمن ابن الصلاح، لم يبلغوا حد الكثرة، فوصف الشيخ محيي الدين ﵀، لهم بأنهم كثيرون، فيه تجوز والله أعلم» (١). وعند المقارنة وتبيين الأثر لبحث العراقي هذا، نجد أن ابن الملقن قد نقل رأي النووي المذكور، وأقره (٢)، رغم مجافاته للحقيقة والواقع كما ترى، ولهذا نجد السيوطي قد اعتمد في شرح (تقريب النووي) رد العراقي عليه، ونقل

стр. 955

خلاصة بحثه السابق، دليلا على ذلك (١). ومن تتبعه وبحوثه الاستقصائية لأمهات كتب السنة، ومعارضته بنتائج ذلك، ما تتابع الحفاظ من قبله على إثباته، أنه ذكر عن صاحب كتاب «الكمال» في أسماء الرجال، وهو الحافظ عبد الغني المقدسي قوله: «إن الإمام مالكا روى عن ثور بن يزيد». ثم قال: «وتبعه المزي في «تهذيب الكمال»، وعقب على ذلك بنتيجة بحثه هو فقال: ولكني لم أر رواية مالك عنه، لا في «الموطأ» ولا في شيء من الكتب الستة، ولا في «غرائب مالك» للدارقطني، ولا في غير ذلك» (٢). وهناك موضوعات أخرى بين فيها خبرته ونتائج بحثه التفصيلي في كتب السنة وشروحها (٣)، والمصنفات في الرجال عموما (٤)، وفي الصحابة (٥)، وفي التابعين (٦)، وفي السير (٧)، وفي المؤتلف والمختلف (٨)، وفي الكنى (٩). ومن دلائل تقدمه في البحث، أنه اعترض في شرح الألفية، على ابن الصلاح في ذكره الزهري ضمن صغار التابعين الذين لم يلقوا إلا واحدا أو

стр. 956

اثنين من الصحابة، وعدَّد ١٢ صحابياً ممن لقيهم الزهري (١). ثم عاد في «النكت» فأثبت وقوفه على إجابة ابن الصلاح نفسه عن هذا الاعتراض، إذ قال: «إن قوله الواحد والاثنين، كالمثال، وإلا فالزهري قد قيل إنه رأى عشرة من الصحابة، وسمع منهم». وذكر العراقي خمسة منهم، ثم قال: «وهو مع ذلك، أكثر روايته عن التابعين، والله أعلم». كما أن هناك بعض الاصطلاحات، قرر ابن الصلاح أنه لم يجدها، فأثبت العراقي أنه هو قد وجدها، مثل قول ابن الصلاح عن الحديث المعلق: «ولم أجد لفظ التعليق مستعملاً في مثل قوله: يُروى عن فلان، ويُذكر عن فلان، وما أشبهه، مما ليس فيه جزم عمن ذكر ذلك عنه، بأنه قاله وذكره» (٢)، فعقب العراقي على ذلك بقوله: «قد سمَّى غير واحد من المتأخرين ما ليس بمجزوم تعليقاً، منهم الحافظ أبو الحجاج المزي: كقول البخاري في باب مس الحرير من غير لبس، ويروى عن الزبيدي عن الزهري عن أنس عن النبي ﷺ ، فذكره المزي في «الأطراف»، وعلم علامة التعليق للبخاري، وكذا فعل غير واحد من الحفاظ، «يقولون: ذكره البخاري تعليقا مجزوما، أو تعليقا غير مجزوم به»، ثم التمس لابن الصلاح في نفيه وجود ذلك بعض العذر، فقال: «إلا أنه يجوز أن هذا الاصطلاح متجدد، فلا لوم على المصنف في قوله: أنه لم يجده»» (٣).

стр. 957

وبالمقارنة نجد أن البلقيني (١)، وابن الملقن (٢)، قد اكتفيا بتقرير ابن الصلاح على ما ذكره، دون إضافة. وقد أخذ البقاعي بإضافة العراقي السابقة وأقرها (٣). وهناك أيضًا بعض المسائل التي تردد فيها ابن الصلاح، وتبعه العراقي على ذلك في شرح الألفية، ثم قطع فيها الرأي في «النكت»، بناء على بحثه الشخصي، فقد نقل ابن الصلاح عن القاضي عياض: أنه ليس في «الموطأ» و «الصحيحين» من نسبته «الأبلي» بالباء الموحدة المضمومة، فقال ابن الصلاح تعقيبًا عليه: «قلت: روى مسلم الكثير عن شيبان بن فروخ، وهو أبلي - بالباء الموحدة - لكن إذا لم يكن في شيء من ذلك منسوبا، لم يلحق عياضًا تخطئة، والله أعلم» (٤)، وبهذا توقف في الحكم، نظرًا لعدم قيامه بفحص كتاب «صحيح مسلم»، ومعرفة ذكر هذا الراوي فيه منسوبا أو لا، ونقل العراقي عن ابن الصلاح هذا التردد في شرح الألفية وسكت عليه (٥). أما في النكت، فعقب عليه قائلا: «قلت: وقد تتبعت كتاب مسلم، فلم أجد فيه «شيبان بن فروخ» منسوبًا، فلا تخطئة على القاضي عياض حينئذ فيما قاله» (٦).

стр. 958

فهذا يدل على أن العراقي حين كتب عن هذه المسألة في شرح الألفية، لم يكن قد قام بتتبعه المذكور لهذا الراوي، في جميع «صحيح مسلم»، ليقطع شك ابن الصلاح باليقين، أما حين تعليقه على هذا في النكت، فإنه كان قد قام بالتتبع والبحث، فأثبت رأيه القاطع بناء عليه، وبرأ القاضي عياضًا من الخطأ. وعند المقارنة نجد أن البلقيني (١)، وابن الملقن (٢)، تبعا ابن الصلاح في تردده، وكذا السخاوي من بعدهما (٣)، أما السيوطي فقد اعتمد ما، قطع به العراقي، ونقل خلاصة كلامه السابق (٤) وكذا من بعده (٥). ومن دلائل النضج التي تضمنها كتاب النكت أيضًا: أن هناك أوهاما علمية تداولها كبار حفاظ السنة، وأئمتها في مصنفاتهم المعتمدة، من قبل ابن الصلاح ومن بعده، حتى عصر العراقي، فتتبعها على طول تسلسلها وردها، مع التنبيه على أنه قصد بذلك أن لا يغتر من يقف على تلك الأوهام في مصادرها، بجلالة قائليها، فيتابعهم عليها. مثال ذلك: أن ابن الصلاح قرر: أن مرداسًا الأسلمي، الصحابي، لم يرو عنه غير قيس بن أبي حازم، وأن ربيعة بن كعب الأسلمي، الصحابي أيضًا، لم يرو عنه غير أبي سلمة بن عبد الرحمن (٦).

стр. 959

فقال العراقي في «النكت»: «إن النووي في مختصريه لكتاب ابن الصلاح وهما «الإرشاد» و «التقريب»، وفي «شرح مسلم» أيضًا، قد تابع المصنف، أي ابن الصلاح، على تفرد أبي سلمة عن ربيعة، وتفرد قيس عن مرداس»، ثم واصل تتبعه فقال: «وتبع المصنف في ذلك أبا عبد الله الحاكم، فإنه كذلك قال في «علوم الحديث»، وتبع الحاكم في ذلك مسلم بن الحجاج، فإنه كذا قال في كتاب «الوحدان» له». وعقب على هذا بقوله: «وليس ذلك بجيد بالنسبة إلى ربيعة فقد روى عنه أيضًا: نعيم بن المجمر، وحنظلة بن علي، وأبو عمران الجوني». ثم قال: «وذكر الحافظ أبو الحجاج المزي أنه روى عنه أيضًا: محمد بن عمرو بن عطاء، وليس بصحيح، إنما روى محمد بن عمرو عن نعيم بن المجمر عنه، كذا رواه أحمد في «مسنده»، والطبراني في «المعجم الكبير»، وبعد هذا التصحيح ودليله أورد احتمالا آخر فقال: «اللهم إلا أن يكون محمد بن عمرو، قد أرسل عنه، وأسقط نعيما، والله أعلم». ثم انتقل لمرداس الأسلمي فقال: «وأما مرداس فقد ذكر الحافظ أبو الحجاج المزي في «التهذيب» أنه روى عنه أيضًا زياد بن علاقة»، وتبعه عليه الذهبي في مختصره للتهذيب، ثم عقب بقوله: «وهو وهم منهما، من حيث إن الذي روى عنه زياد بن علاقة»، إنما هو مرداس بن عروة، صحابي آخر، والذي روى عنه قيس: مرداس بن مالك الأسلمي، وهذا، لا أعلم فيه خلافا»، وأيد ذلك بقوله: «وممن ذكره كذلك البخاري في «التاريخ الكبير»، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل»، وابن حبان في «الصحابة»، وأبو عبد الله بن:

стр. 960

منده في «معرفة الصحابة»، والطبراني في «المعجم الكبير»، وأبو عمر ابن عبد البر في «الاستيعاب»، وابن قانع في «معجم الصحابة»، وغيرهم»، ثم ختم العراقي بحثه بقوله: «وإنما نبهت على ذلك، وإن كان ما ذكره ابن الصلاح بالنسبة إلى مرداس صحيحا، لئلا يَغْتَر من يقف على كلام المزي، بذلك، لجلالته والله أعلم» (١). وعندما نقارن، لا نجد قريني العراقي قد تتبعا هذه الأوهام، ابتداء من الإمام مسلم، إلى الحافظ الذهبي، على نحو ما فعل العراقي، بل نجدهما يقران المزي على أن زياد بن علاقة قد روى عن مرداس الأسلمي (٢)، ولكن الحافظ ابن حجر قد أخذ بما قرره شيخه العراقي وصوّبه، مع بعض إضافات من جانبه (٣)، ونحوه فعل البقاعي (٤)، والسيوطي (٥). ومما تضمنه الكتاب من دلائل نضج آراء العراقي، أن الرأيين اللذين قرر أحدهما في الألفية، والآخر في شرحها، ثم تبين له خطؤهما، قد أثبت رجوعه عنهما، مع بيان الصواب فيهما، في كتاب النكت هذا، كما قدمت نقل ذلك عنه. هذا بالإضافة إلى أن بعض الآراء التي توقف فيها في شرحه السابق للألفية،

стр. 961

قد قطع برأيه فيها في هذا الكتاب، فقد قدمت أنه في شرح الألفية توقف عن القطع برأي في الإجازة العامة (١)، أما في «النكت» فأنه بعد عرض آراء المانعين والمجيزين، حتى عصره، قال: «وبالجملة ففي النفس من الرواية بها شيء، والإحتياط ترك الرواية بها، والله أعلم» (٢). وبهذا استقر رأيه على منعها، وسيأتي أن بعض مؤلفاته التي كان ألفها قبل كتاب «النكت» هذا، وروى فيها بالإجازة العامة، قام بعد تأليف النكت وتقرير المنع فيها، باستبعاد تلك المرويات من تأليفه السابق، طبقا لما استقر عليه رأيه من المنع. وعندما نتأمل ما استقر عليه رأي البلقيني، وابن الملقن، نجدهما مختلفين مع العراقي، حيث قررا جواز الرواية بالإجازة العامة، وصرح ابن الملقن بتحمله شخصيًا بها عن بعض شيوخه (٣)، لكن الذي استقر عليه عامة المحققين من العلماء بعد العراقي حتى الآن، هو الأخذ برأيه في منع الرواية بها، إلا لضرورة، كأن يؤدي ترك الرواية بها إلى رواية الحديث منقطعًا، فتكون روايته بالإجازة العامة أولى، وقد تناقلوا رأي العراقي المذكور، وأقروه في مؤلفاتهم، ومن هؤلاء الحافظ ابن حجر (٤)، والبقاعي (٥)، والسخاوي (٦)،

стр. 962

والسيوطي (١)، ومن المتأخرين: العلامة الشيخ محفوظ الترمسي الهندي (٢)، وهذا دليل وجاهة رأي العراقي، وامتداد تأثيره. ومن دلائل نضج آرائه أيضا: أن بعض ما أقره في مؤلفاته السابقة، قد نقده أو رجح خلافه، في هذا الكتاب، واستقر عليه. فمن ذلك: أن الإمام الغزالي ذكر في «الإحياء»: أن الرسول ﷺ مات عن ٢٠ ألفا من الصحابة، فرد عليه العراقي قبل تأليف «النكت»، وذلك في تخريجه لأحاديث الإحياء، المسمى بـ «المغني عن حمل الأسفار» كما سيأتي، فقال: «قلت: قوله مات عن ٢٠ ألفا، لعله أراد بالمدينة، وإلا فقد روينا عن أبي زرعة الرازي أنه قال: قبض رسول الله ﷺ عن مائة ألف، وأربعة عشر ألفا من الصحابة، ممن روى عنه وسمع منه (٣)، فأقر قول أبي زرعة، واحتج به كما ترى». فلما ذكر ابن الصلاح في مقدمته قول أبي زرعة هذا (٤)، تعقبه العراقي في تحديد هذا العدد قائلا: «وأما ما ذكره المصنف عن أبي زرعة: «فلم أقف له على إسناد، ولا هو في كتب التواريخ المشهورة، وقد ذكره أبو موسى المديني في «ذيله على كتاب الصحابة» لابن منده بغير إسناد»، ثم ذكر العراقي عن الشافعي بإسناد جيد، تحديده لعدد من توفي عنهم الرسول ﷺ من الصحابة، بأقل مما ذكر أبو زرعة بكثير»، حيث قال الشافعي ﵁: «قبض الله

стр. 963

الرسول ﷺ والمسلمون ستون ألفًا»، ثم عقب العراقي فقال: (ومع ذلك فجميع من صنف الصحابة، لم يبلغ مجموع ما في تصانيفهم عشرة آلاف، مع كونهم يذكرون من توفي في حياته ﷺ ، وفي المغازي وغيرها، ومن عاصره وهو مسلم، وإن لم يره، وجميع ما ذكره ابن منده في (الصحابة)، كما قال أبو موسى المديني، قريب من ثلاثة آلاف وثمانمائة ترجمة، يمن رآه، أو صحبه، أو سمع منه، أو ولد في عصره، أو أدرك زمانه، أو من ذكر فيهم، وإن لم يثبت له ذلك، ومن اختلف فيه) ثم قال: «ولا شك أنه لا يمكن حصرهم بعد نشر الإسلام»، وأضاف قائلا: «وقد ثبت في صحيح البخاري: أن كعب بن مالك قال في قصة تخلفه عن غزوة تبوك: «وأصحاب رسول الله ﷺ كثير، لا يجمعهم كتاب حافظ، يعني الديوان» الحديث»، وعقب بقوله: «هذا في غزوة خاصة، وهم مجتمعون، فكيف بجميع من رآه مسلما؟ والله أعلم» (١). وبهذا تدرج العراقي في الرأي، تبعا لتدرجه في البحث، والنضج العلمي، فعارض أولا تحديد الغزالي لعدد الصحابة عموما، بعشرين ألفا، ثم نقد في نكته - سندا ومعنى - ما سبق له إقراره في (التخريج)، من تحديد عدد الصحابة بأزيد من عشرين ألفًا، واستقر رأيه في «النكت» بعد بحثه وتمكنه العلمي كما ترى، إلى ترجيح عدم التحديد كلية. أما البلقيني (٢)، وابن الملقن (٣)، فاقتصرا على إيراد أقوال أبي زرعة.

стр. 964

والشافعي وغيرهما، دون نقد أو ترجيح، ولكن ما استقر العراقي على ترجيحه في «النكت»، هو الذي اعتمده العلماء (١) من بعده، ومع أن السيوطي أثبت وجود إسناد لقول أبي زرعة المتقدم، فإنه نقل عن العراقي خلاصة بحثه السابق وأقره (٢). ومما أقره في شرح الألفية، ثم توصل بالبحث إلى ما يخالفه، وقرر ذلك في «النكت»، أنه ذكر في الشرح حكاية ابن حبان لاتفاق أئمة الحديث على الاحتجاج برواية المبتدع غير الداعية لبدعته، متى كان صدوقا متقنا، وأقر ذلك (٣). أما في «النكت»، فتعقب ذلك بقوله: «وفيما حكاه ابن حبان من الاتفاق نظر، فإنه يُرْوَى عن مالك رد روايتهم مطلقا، كما قاله الخطيب في «الكفاية»» (٤)، وقد أقر العراقي على ذلك العلماء من بعده، وقال تلميذه ابن حجر: «أن ابن حبان أغرب في حكاية الاتفاق» (٥). ومن ذلك أنه من المتفق والمفترق من الرواة، حماد بن زيد، وحماد بن سلمة، فيستعين المحدثون على تمييز أحدهما عن الآخر، بمن روى عنه، فقال ابن الجوزي: «إن موسى بن إسماعيل التبوذكي، ليس يروي إلا عن حماد ابن سلمة خاصة»، وبمقتضاه، فأنه إذا روى عن «حماد»، ولم يميزه،

стр. 965

عرفنا أن مراده «حماد بن سلمة»، بدون إشكال، فذكر العراقي في الشرح قول ابن الجوزي السابق، وأقره عليه (١). أما في «النكت» فتعقبه، حيث قال: «إن ما ذكره ابن الجوزي غير مُسَلَّمٌ»، وذلك بقوله: فقد ذكر المزي في «تهذيب الكمال» أن التبوذكي روى عن حماد بن زيد أيضًا، ثم ذكر تفصيل كلام المزي، وانتهى من مجموعه إلى أن التبوذكي اشتهر بالرواية عن حماد بن زيد، دون الإنفراد عنه وبذلك أصبح إطلاقه الرواية عنه مشكلاً (٢). ومما يصور أهمية الرجوع لكتاب «النكت» لمعرفة أراء العراقي النهائية: أن العلماء من بعده كالسخاوي (٣)، والسيوطي (٤)، اقتصروا على ما ذكره عن ابن الجوزي وأقره في الشرح، مع أنه كما ترى قد خالفه في «النكت»، ودعم مخالفته بما انتهى إليه أخيرًا بالبحث والنظر. فليتنبه لذلك الباحثون من بعد، ويرجعوا إلى كتاب «النكت» هذا، بجانب «شرح الألفية»، حتى يحصلوا على بحوث العراقي المتكاملة وآرائه النهائية، التي استقر عليها في نكته. على أن ذلك لا يُفقد شرح الألفية اعتباره مرجعا علميا مستقلا، في المسائل والآراء التي لم يدخل العراقي عليها تغييرا في النكت، وهي أكثر الكتاب، بل

стр. 966

هناك مباحث في «النكت» كما هي في الشرح بالنص (١). بالإضافة إلى الأبواب التي لم يعلق عليها كلية في «النكت»، كما سيأتي، وقد تناولها جميعًا في «شرح الألفية». بعض ما توقف العراقي فيه: ومع ما تضمنه الكتاب كما ترى من دلائل ناصعة، على نضج آراء العراقي وعمق بحوثه في مسائل المصطلح، وإحاطته بأمهات مصادر السنة وعلومها، وتأثيره في ذلك، فإن بعض المسائل التي أثبت توقفه فيها في الشرح، أثبت أيضًا توقفه فيها في النكت، فقد ذكر ابن الصلاح في المتفق والمفترق من الرواة ممن تسمى «الخليل بن أحمد» ستة، وذكر الخامس منهم: الخليل بن أحمد، أبو سعيد البستي، القاضي، المهلبي، والسادس: الخليل بن أحمد بن عبد الله، بن أحمد أبو سعيد الفقيه الشافعي (٢)، فعقب العراقي على ذلك في الشرح بقوله: «وأخشى أيضًا أن يكون هذا هو الذي قبله، ولكن هكذا فرق بينهما ابن الصلاح» (٣)، ثم علّق عليهما في «النكت» كذلك قائلا: قلت: وأخشى أن يكون هذان واحدًا، فيحرر من فرق بينهما غير المؤلف، يعني ابن الصلاح (٤)، وبهذا لم يقطع برأي، أما البلقيني، وابن الملقن (٥)، فتابعا ابن

стр. 967

الصلاح دون توقف، ولعل مما يشهد بتبحر العراقي فعلا، أن من بعده نقلوا توقفه، دون أن يتمكنوا من الإدلاء برأي قاطع من جانبهم (١). وهناك أيضا ما أثبت في «النكت» توقفه فيه، حيث قال عن خالد بن سيرين: «إني لم أجد له رواية، ولم أقف له على ترجمة» (٢). ولقد بحثت من جانبي فلم أجد من استدرك عليه، بوجود رواية لهذا الشخص أو ترجمة، رغم عد الطبراني له ضمن المحدثين (٣)، وعموما فإن ما توقف فيه العراقي يعتبر نادرا، بجانب ما قطع فيه برأيه، قبولاً أو ردا، بعد بحث وتمكن، كما قدمت. ى - منهج العراقي في الكتاب، وآراؤه، وأثر ذلك تحليل نقدي مقارن بينت من قبل أن العراقي هدف من تأليف كتابه «النكت» إلى ثلاثة أهداف أساسية هي: تقييد ما يحتاج إلى تقييد مما أطلقه ابن الصلاح، وتوضيح ما رأى فيه غموضاً أو إشكالا، ورد الاعتراضات غير الصحيحة الموجهة إلى ابن الصلاح. وقد ظهر لي من البحث الكامل للكتاب: أن العراقي جعل تحقيق هذه الأهداف الثلاثة عناصر أساسية لمنهجه، وبين خلال ذلك آراءه وبحوثه، فيما تناوله من مسائل المصطلح، وما يتصل بها، كما وجدته تطرق من تلك

стр. 968

العناصر إلى جوانب أخرى متممة وممحصة لمحتوى كتاب ابن الصلاح أولًا، ولمصادره، وما تفرع عنه ثانيا، وألحق بذلك عدة بحوث مفردة، لها أهميتها وأثرها حتى اليوم، في علوم السنة ومتعلقاتها، وكثيرًا ما وجدته في كل ذلك يتبع منهج البحث التاريخي، فيبين المصدر السابق للموضوعات والآراء، ويتتبع انتقالها إلى اللاحق، ويبين موقف اللاحق، وموقفه هو كذلك منها، وهذا ما تعتمده مناهج البحث العلمي الأصيل حتى اليوم، وقد حقق العراقي باتباع هذا المنهج، تأصيل كثير من النصوص والآراء المشتمل عليها كتاب ابن الصلاح، كما كشف المصادر الأصلية لكثير من الحقائق والأوهام المتعلقة بعلوم السنة، وقد مرت بعض أمثلة لذلك في بيان نضجه العلمي، وسيأتي غيرها في تفصيل عناصر منهجه على النحو التالي: ١ - تقييد العراقي لما يحتاج إلى التقييد، مما أطلقه ابن الصلاح، وبالعكس: ذكر ابن الصلاح في مقدمته كثيرًا من المسائل والآراء بعبارة تفيد الإطلاق والتعميم، صراحة أو ضمنا، لكن العراقي رأى أن هذا الإطلاق غير مسلم لابن الصلاح، في مواضع عديدة، بل ينبغي تقييده وتخصيصه، خاصة وأن التقييد، والتعميم، في الاصطلاحات، له خطره، فتتبع هذه المواضع، وقام ببيان تقييدها، مع التوجيه والتدليل، محققا بذلك أحد أهدافه من تأليف الكتاب، وقد وجدته تارة يصرّح بأن ابن الصلاح أطلق كذا، ولابد من تقييده، أو والصواب تقييده بكذا، وتارة لا يعبر بذلك صراحة، اعتمادا على إفادة كلامه لهذا بوضوح، كما سيظهر من الأمثلة، ثم إني وجدته يعرض أيضا للعكس، حيث يعلق على بعض ما قيده ابن الصلاح، ببيان أنه ينبغي

стр. 969

إطلاقه، كما يضيف خلال هذا وذاك، تحقيقات مفيدة ومناقشات جيدة لغير ابن الصلاح من المتقدمين، والمتأخرين، وإن كان لم يشر لذلك في أهداف الكتاب كما تقدمت، وإليك الأمثلة التطبيقية لذلك: فمن ذلك أن ابن الصلاح ذكر مما تعرف به صحبة الصحابي: «قوله وإخباره عن نفسه، بعد ثبوت عدالته: بأنه صحابي» (١). فعلق العراقي على ذلك قائلا: «هكذا أطلق المصنف أنه صحابي، وتبع في ذلك الخطيب، فإنه قال في «الكفاية»، في آخر كلام رواه عن القاضي أبي بكر الباقلاني، ما صورته: «وقد يحكم بأنه صحابي إذا كان ثقة أمينا مقبول القول، إذا قال: صحبت النبي ﷺ ، وكثر لقائي له، فيحكم بأنه صحابي في الظاهر، لموضع عدالته وقبول خبره، وإن لم يقطع بذلك، كما يعمل بروايته»»، إهـ. ثم عقب بقوله: (والظاهر أن هذا الكلام بقية كلام القاضي أبي بكر، فإنه يَشترطُ في الصحابي كثرة الصحبة، واستمرار اللقاء، وأما الخطيب فلا يشترط ذلك على رأي المحدثين)، ثم عقب على هذا بقوله عن ابن الصلاح: «وعلى كل تقدير فلابد من تقييد ما أطلقه، بأن يكون ادعاؤه أي الصحابي لذلك، يقتضيه الظاهر، أما لو ادعاه بعد مائة سنة من وفاته ﷺ ، فإنه لا يقبل ذلك منه، كجماعة ادعوا الصحبة بعد ذلك، كأبي الدنيا الأشج ومكلبة بن ملكان، ورتن الهندي». فقد أجمع أهل الحديث على تكذيبهم، وذلك كما ثبت في الصحيحين من

стр. 970

حديث ابن عمر قال: «صلى بنا رسول الله ﷺ ذات ليلة صلاة العشاء في آخر حياته، فلما سلم قال: «أرأيتكم ليلتكم هذه؟ فإن على رأس مائة سنة منها، لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد» الحديث، وكان إخباره بذلك قبل موته بشهر»، كما ثبت في «صحيح مسلم» من حدث جابر قال سمعت النبي ﷺ يقول قبل أن يموت بشهر: «تسألونني عن الساعة؟ وإنما علمها عند الله، وأقسم بالله، ما على الأرض من نفس منفوسة يأتي عليها مائة سنة، وفي رواية له «ما من نفس منفوسة اليوم، يأتي عليها مائة سنة وهي حية يومئذ»»، ثم انتقل إلى الجمع بين هذه الرواية وغيرها، فقال: وهذه الرواية المقيدة باليوم، يحمل عليها قوله ﷺ في بعض طرق حديث جابر عند مسلم: «ما من نفس منفوسة تبلغ مائة سنة»، ثم تطرق من ذلك إلى تصويب فهم خاطئ لهذا الحديث، وجد بعض علماء عصره يصر عليه، فقال «فقد رأيت بعض أهل العلم استدل بهذه الرواية على أن أحدًا لا يعيش مائة سنة، ونازعته في ذلك فأصر عليه، مع أن في بقية الحديث عنده: فقال سالم يعني ابن أبي الجعد وهو الراوي له عن جابر: «تذاكرنا ذلك عنده، فقال: إنما هي كل نفس مخلوقة يومئذ»». وعند مسلم أيضًا من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم». وعقب العراقي على هذا قائلا: «والصواب، أن ذلك محمول على التقييد بالظرف، فقد جاوز جماعة من العلماء المائة، وحدثوا بعد المائة، وهم معروفو المولد» وذكر اثنين منهم، ثم قال: «وقد ورد في بعض طرق هذا الحديث أن المراد بالمائة، من الهجرة، لا من وفاته ﷺ ، رواه أبو يعلى

стр. 971

الموصلي في «مسنده» من رواية قيس بن وهب الهمداني عن أنس قال: حدثنا أصحاب النبي ﷺ أنه قال: «لا يأتي مائة سنة من الهجرة، ومنكم عين تطرف» ثم بين العراقي أهمية هذا الحديث في دفع بعض الآراء، فقال: «وهذا يرد قول من ادعى أنه تأخر بعد أبي الطفيل أحد من الصحابة» ثم قرر نتيجة بحثه واستدلاله قائلاً: «فعلى هذا، لا يُقبل قول أحد ادعى الصحبة بعد مائة سنة من الهجرة» وبعد تقرير رأي المحدثين بهذه الإستفاضة والتحقيق، ضم إلى ذلك خلاصة رأي الأصوليين، حتى تتكامل جوانب الموضوع، فقال: «وكلام الأصوليين أيضًا يقتضي ما ذكرناه، فإنهم اشترطوا في ثبوت ذلك، أي الصحبة، بادعائه، أن يكون قد عرفت معاصرته للنبي ﷺ … ». وذكر نص كلام الآمدي وابن الحاجب في هذا (١). وعند المقارنة نجد أن الإمام النووي (٢)، والبلقيني (٣)، قد تابعا ابن الصلاح على إطلاقه السابق، أما ابن الملقن فأشار إلى التقييد، لكن بعبارة موجزة لا تقارن بما تقدم عن العراقي من البحث والتحقيق المستفيضين، فقد علق على قول ابن الصلاح: «إن الصحبة تعرف بقول الشخص عن نفسه إذا كان عدلاً»، فقال: «قلت: وكان ممكنا، فإن كان العدل معاصرا للنبي ﷺ ، ففيه خلاف حكاه ابن الحاجب» (٤)، ولهذا فإن العلماء من بعدهم وفي مقدمتهم الحافظ ابن حجر (٥)، اعتمدوا على تفصيل العراقي السابق في البحث

стр. 972

والاستدلال. وقد يكون الإطلاق واردا عن المتقدمين، فيقيده ابن الصلاح من جانب، فيضيف العراقي تقييده من جانب آخر، مثال ذلك: أن ابن الصلاح نقل عن ابن المبارك، والإمام أحمد بن حنبل، والحميدي، وغيرهم: أن من غلط في حديث، وبين له غلطه فلم يرجع، وأصر على رواية ذلك الحديث، سقطت روايته، ولم يكتب عنه. ثم عقب على هذا بقوله: «وفي هذا نظر، وهو غير مستنكر، إذا ظهر أن ذلك منه على جهة العناد، أو نحو ذلك، والله أعلم» (١). فقال العراقي في «النكت»: وما ذكره المصنف بحثًا - أي رأيا من جانبه - قد نص عليه أبو حاتم ابن حبان، فقال: «إن من بين له خطؤه، وعلم فلم يرجع عنه، وتمادى في ذلك، كان كذابًا بعلم صحيح» قال العراقي: (فقيد ابن حبان ذلك بكونه علم خطأه، وإنما يكون عنادًا إذا علم الحق وخالفه)، ثم بعد تأصيله هذا الرأي ابن الصلاح، بإرجاعه إلى ابن حبان، أضاف تقيدًا آخر عن بعض المتأخرين، وأقره، فقال: «وقيد بعض المتأخرين ذلك بأن يكون الذي بين له غلطه عالمًا عند المبين له، أما إذا كان ليس بهذه المثابة عنده، فلا حرج إذن» (٢) وبالمقارنة نجد كلا من البلقيني (٣)، وابن الملقن (٤)، لا يتعرضان، لا لتأصيل تقييد ابن الصلاح، ولا لذكر التقييد الذي أضافه.

стр. 973

العراقي، أما المتأخرون عن العراقي فقد اعتمدوا تأصيله وتقييده (١). ومما بين العراقي فيه تقييد ما أطلقه ابن الصلاح دون تصريحه بعبارة الإطلاق والتقييد: أن ابن الصلاح ذكر أن مرسل أحداث الصحابة، أي صغارهم، في حكم المتصل المسند؛ لأن روايتهم عن الصحابة، والجهالة بالصحابي غير قادحة؛ لأن الصحابة كلهم عدول (٢). فقال العراقي في (النكت): (إن قول ابن الصلاح: (لأن روايتهم عن الصحابة)، ليس بجيد، بل الصواب أن يقال: لأن أكثر روايتهم عن الصحابة)، وأيد ذلك بقوله: (إذ قد سمع جماعة من الصحابة من بعض التابعين، وسيأتي في كلام المصنف في النوع الحادي والأربعين، أن ابن عباس وبقية العبادلة رووا عن كعب الأحبار، وهو من التابعين، وروى كعب أيضًا عن التابعين (٣)). وبهذا يتقرر تقييد ما أطلقه ابن الصلاح في عبارته. وأما عكس ما تقدم، وهو إطلاق العراقي لما قيده ابن الصلاح، فمن أمثلته: أن ابن الصلاح قال في نوع الحديث المدبج: «اعلم أن رواية القرين عن القرين، تنقسم: فمنها المدبج، وهو: أن يروي القرينان، كل واحد منهما عن الآخر» (٤). فقال العراقي في (النكت): «إن تقييد المصنف للمدبج بالقرينين، إذا

стр. 974

روى كل واحد منهما عن الآخر، تبع فيه الحاكم في «علوم الحديث (١)، وما قصره الحاكم، وتبعه ابن الصلاح، على أن المدبج رواية القرينين، ليس على ما ذكراه، وإنما المدبج: أن يروي كل من الراويين عن الآخر، سواء كانا قرينين أم كان أحدهما أكبر من الآخر، فيكون رواية أحدهما عن الآخر من رواية الأكابر عن الأصاغر»، ثم أرجع العراقي هذا إلى أصله الأول، يبحثه العملي، واستنتاجه، إذ يقول: «فإن الحاكم نقل هذه التسمية عن بعض شيوخه، من غير أن يسميه، والمراد به الدارقطني، فإنه أحد شيوخه، وهو أول من سماه أي المدبج بذلك فيما أعلم، وصنف فيه كتابا حافلا سماه «المدبج» ولم يتقيد في ذلك بكونهما قرينين، فإنه ذكر فيه رواية أبي بكر عن النبي ﷺ ، ورواية النبي ﷺ عن أبي بكر، ورواية عمر عن النبي ﷺ ، وروايته ﷺ عن عمر … » وسرد العراقي معظم ما أورده الدارقطني في هذا الكتاب من أمثلة، لأنه تملك نسخة صحيحة منه، ثم قال: «فهذا يدل على أن المدبج لا يختص بكون الراويين اللذين روى كل منهما عن الآخر قرينين، بل الحكم أعم من ذلك، والله أعلم» (٢). وبهذا أثبت العراقي، أن تقييد ابن الصلاح، والحاكم من قبله، لمفهوم الحديث المدبج، الصواب إطلاقه وتعميمه، سواء في المفهوم الاصطلاحي له، أو في تطبيقه الواقعي على كتب السنة. أما البلقيني (٣) وابن الملقن (٤).

стр. 975

وغيرهما (١) فتابعا ابن الصلاح على ما قرره، تبعا للحاكم، ولكن العلماء من بعد العراقي قد أخذوا برأيه (٢)، ونقل السيوطي ومن بعده عنه خلاصة ما تقدم (٣). نقد بعض تقييدات العراقي لما أطلقه ابن الصلاح: ورغم أن العراقي قد أصاب في غالب استدراكاته على ابن الصلاح بالتقييد والإطلاق، وتأثر العلماء به في ذلك كما أوضحت، إلا أن هناك بعض مسائل قليلة، لم يوفق العراقي في تقييد إطلاق ابن الصلاح لها، مثال ذلك: أن ابن الصلاح ذكر أن عدة أحاديث الصحيح للبخاري ٧٢٧٥ حديثا بالأحاديث المكررة، وقال: (وقد قيل إنها باسقاط المكرر ٤ آلاف حديث وقد يندرج في ذلك آثار الصحابة والتابعين، والحديث الواحد المروي بإسنادين) (٤). فقال العراقي في (النكت): «هكذا أطلق ابن الصلاح عدة أحاديثه، أي «صحيح البخاري» والمراد بهذا العدد، الرواية المشهورة، وهي رواية محمد ابن يوسف الفربري، فأما رواية حماد بن شاكر، يعني عن البخاري، فهي دونها بمائتي حديث، وأنقص الروايات، رواية إبراهيم بن معقل - يعني النسفي - فإنها تنقص عن رواية الفربري ثلاثمائة حديث» (٥). ومعنى ذلك، أن العراقي يرى أنه كان على ابن الصلاح تقييد ما ذكره من

стр. 976

عدد أحاديث البخاري، بالرواية المشهورة فقط، وهي رواية الفربري وقد تعقب الحافظ ابن حجر شيخه العراقي في هذا، فقال ما إجماله: «إن ظاهر كلام العراقي: أن النقص في هاتين الروايتين، وقع في أصل التصنيف وليس كذلك، بل كتاب «البخاري» في جميع الروايات الثلاث في العدد سواء، وإنما فات حمادًا وابن معقل «النسفي»، لما سمعا الصحيح على البخاري شيء من أواخر الكتاب، فروياه بالإجازة، فعدّ العلماء ما فات حمادًا فبلغ مائتي حديث، فقالوا روايته ناقصة عن رواية الفربري هذا القدر، وفات ابن معقل «النسفي» أكثر من حماد، فعدوه نقصا كما فعلوا في رواية حماد» قال: وفي ذلك نظر، فإن رواية الثلاثة متفقة في الكتابة، وإنما اختلفت في أن الفربري سمع الجميع، وإبراهيم «النسفي» وحماد، فاتهما سماع القدر المذكور من أواخر الكتاب فقط، فالنقص إنما حصل من طَرَيَانِ الفوت، لا من أصل «التصنيف» ثم أيد ابن حجر كلامه بمن سبقه، وببحثه بنفسه فقال: «وقد بين شيئًا من ذلك أبو علي الجياني وابن طاهر، ووقع لي أصل أصيل من نسخة النسفي من البخاري، متواليا، إلا أن في آخره نقصا من الأصل وقال: «إلى هنا انتهى سماع النسفي»، أما عدد أحاديث البخاري التي قرر العراقي أنها مطابقة للرواية المشهورة، وهي رواية الفربري، فقد تعقبه في ذلك ابن حجر أيضًا، فذكر أن العراقي وغيره، قد أقروا هذا العدد تقليدًا للحموي الذي كتب البخاري، ورواه عن الفربري، وعد كل باب منه، ثم جمع الجملة وقلّده كل من جاء بعده، نظرًا منهم إلى أنه راوي الكتاب، وله به العناية التامة» قال: ثم لما شرعت في «مقدمة شرح البخاري»، قلدته كما قلدوه، إلى كتاب «السلم»، فوجدته قال: «إن فيه ثلاثين حديثا، أو

стр. 977

نحوها، - الشك مني -» قال: «فاستكثرتها بالنسبة إلى الباب، فعددتها فوجدتها نقصت عما قال كثيرًا، فرجعت عن تقليده، وعددت محررًا بحسب طاقتي فبلغت أحاديثه بالمكرر - سوى المعلقات، والمتابعات - سبعة آلاف وثلاثمائة وسبعة وتسعين حديثا» إلخ (١). ونلاحظ هنا، أن ابن حجر أشبه شيخه العراقي في تقليد من يثق به من العلماء، ثم الرجوع عن ذلك متى ظهر له خطؤه، ولا شك أن ما أيد به ابن حجر نقده، كاف في رد ما قرره شيخه العراقي لتقييد كلام ابن الصلاح، وما قرره في عدد أحاديث البخاري، ولهذا تابع ابن حجر العلماء من بعده على هذا النقد والتحرير، وتناقلوه عنه. وإن اختلف نقلهم عنه، واختلف كلامه هو أيضا اختلافًا يسيرًا في العدد المحرر لأحاديث البخاري، إجمالًا وتفصيلا، عما تقدم ذكره (٢). إيضاح العراقي لما أُغلق وأشكل من كتاب ابن الصلاح: هذا هو الهدف الثاني الذي جعل العراقي تحقيقه عنصرًا أساسيًا من منهجه، وصرح به في تسمية الكتاب كما تقدم بـ «التقييد والإيضاح، لما أطلق وأغلق من كتاب ابن الصلاح» وهذا العنصر هو الذي جعل العلماء يعدون هذه النكت ضمن الشروح، وإن كانت كما أوضحت، تختلف عن الشرح المعتاد، حيث إنه لم يستوعب كل مشتملات الكتاب، وقد وجه عنايته لتوضيح

стр. 978

وشرح المسائل التي رأى فيها غموضا أو إشكالا، أكثر من عنايته بتوضيح الألفاظ والعبارات، كما أن أكثر ما عني به، لم ينل عناية غيره، من معاصريه الذين تناولوا كتاب ابن الصلاح، شرحا وتنكيتا كما مر بنا في مقارنات الأمثلة، وكما سيأتي أيضا، وإليك بعض النماذج لما تناوله بالإيضاح: أولا: الإيضاحات اللغوية: وقد عني العراقي فيها بما يتعلق بالمصطلحات الحديثية، بناء على أن المعنى اللغوي ينبغي مراعاته في المعنى الاصطلاحي (١)، فمن ذلك أن ابن الصلاح ذكر في النوع الثاني والأربعين من كتابه: (معرفة الحديث المدبج) كما سبق ذكري له في الفقرة السابقة، ولم يتعرض لبيان وجه تسمية هذا النوع بالمدبج ولا لوجه اشتقاقه، مع أنه تعرض لمثله، مما فيه غموض أو إشكال، كالمعلل، والمعضل، فقال العراقي في (النكت) متسائلا؟: ما المناسبة المقتضية لتسمية هذا النوع بالمدبج؟ ومن أي شيء اشتقاقه؟ وأجاب بقوله: (ولم أر من تعرض لذلك)، ثم تصدى هو للبيان، فقال: «والظاهر أنه سمي بذلك، لحسنه فإن المدبج لغة: هو المزين»، قال صاحب المحكم: «الدبج: النقش والتزيين، فارسي معرب»، قال: وديباجة الوجه حسن بشرته، ومنه تسمية ابن مسعود الحواميم: (ديباج القرآن)، قال العراقي: «وإذا كان هذا منه، فإن الإسناد الذي يجتمع فيه قرينان، أو أحدهما أكبر من الآخر، من رواية الأصاغر عن الأكابر، إنما يقع ذلك غالبا فيما إذا كانا عالمين أو حافظين، أو فيهما، أو في أحدهما، نوع من وجوه الترجيح، حتى عدل الراوي عن العلو

стр. 979

للمساواة، أو النزول، لأجل ذلك، فحصل للإسناد بذلك تحسين وتزيين، كرواية أحمد بن حنبل عن يحيى بن معين، ورواية ابن معين عن أحمد، وإنما تقع رواية الأقران غالبًا من أهل العلم المتميزين بالمعرفة». ثم ساق احتمالًا آخر، فقال: ويحتمل أن يقال: «إن القرينين الواقعين في المديح في طبقة واحدة بمنزلة واحدة، فشبها بالخدين»، فإن الخدين يقال لهما: الديباجتان كما قاله صاحبا «المحكم» و «الصحاح». وأردف قائلًا: «وهذا المعنى متجه على ما قاله الحاكم وابن الصلاح: أن المدبج مختص بالقرينين»، وذكر احتمالًا آخر، واستبعده حيث قال: «ويحتمل أنه سمي بذلك، لنزول الإسناد، فإنهما إن كانا قرينين، نزل كل منهما درجة، وإن كان من رواية الأكابر عن الأصاغر، نزل درجتين، وقد روينا عن يحيى بن معين قال: «الإسناد النازل قرحة في الوجه، وروينا عن علي بن المديني، وأبي عمرو المستملي، قالا: النزول شؤم»». قال العراقي: «فعلى هذا، لا يكون المديج مدحًا له - أي للحديث - ويكون ذلك من قولهم: رجل مدبج، قبيح الوجه والهامة، حكاه صاحب المحكم»، وعقب العراقي قائلًا: «وفيه بعد» ثم قال: «والظاهر أنه إنما هو مدح لهذا النوع، أو يكون من الاحتمال الثاني، يعني تشبيه القرينين فيه بالخدين، والله أعلم» (١). وبهذا بين الأصل اللغوي للكلمة، ورجح مناسبة تسمية هذا النوع من الحديث بها، لمعنيين ملائمين، واستبعد معنى ثالثًا، وهذا إيضاح أشار إلى عدم وقوفه على من سبقه إليه، كما أني لم أجد البلقيني (٢).

стр. 980

ولا ابن الملقن (١)، تعرضا لذلك، أما من بعد العراقي، فقد أخذوا بتوجيهه، كتلميذه ابن حجر في (توضيح النخبة)، حيث جزم بالمأخذ الثاني مما رجحهما شيخه (٢)، وكالسيوطي في (التدريب)، وقد أقر العراقي على عدم سبق غيره له في هذا البحث، والتوجيه، ونقل خلاصته عنه (٣)، وكذا من بعده إلى الآن (٤). ثانيا: تحديد المبهم: أبهم ابن الصلاح ذكر مصدره في كثير من الآراء والمسائل، حيث يقول: «قال بعض المتأخرين كذا» (٥)، أو قال بعض أئمتنا كذا (٦)، أو عزى بعضهم كذا (٧) أو بعض أهل الحديث (٨) بذلك أصبح الرجوع إلى مصدر هذه المسائل والآراء، خاصة المختلف فيه منها، صعب المسلك، مستغلقا على الباحث، وربما جمعت عبارة ابن الصلاح في الإحالة بين الإبهام والتضعيف للرأي، دون أن يكون التضعيف واردا في المصدر المنقول عنه، كقوله: «ويقال كذا» فتتبع العراقي كثيرا من تلك الإحالات المبهمة وحدد المراد بها، وقد ينقل نص ما

стр. 981

أحال عليه ابن الصلاح، ولا شك أنه عمل بالغ الأهمية، لا في الإيضاح للمبهمات فحسب، بل وفي توثيق كتاب ابن الصلاح، بتحديد مصادره، وتأصيل محتواه العلمي، كما أن له دلالة قوية على جهد العراقي المبذول في بحث نصوص الكتاب، وإرجاعها لمصادرها العديدة، كما هو المنهج العلمي المعتمد لتحقيق النصوص، حتى عصرنا هذا، ولذلك أيضًا دلالة قوية على سعة اطلاع العراقي، وتمكنه العلمي كما قدمت إيضاحه، وإليك بعض الأمثلة: فمن ذلك: أن ابن الصلاح قال عن الحديث الطويل الموضوع في فضائل القرآن سورة فسورة: «بحث باحث عن مَخْرَجِه حتى انتهى إلى من اعترف بأنه وجماعة وضعوه» (١). فقال العراقي في «النكت»: «أبهم المصنف ذكر هذا الباحث الذي بحث عن هذا الحديث، وهو مؤمل بن إسماعيل»، ثم نقل النص المثبت لذلك فقال: «فروينا عن مؤمل أنه قال: حدثني شيخ بهذا الحديث، فقلت للشيخ من حدثك؟ فقال: حدثني رجل بالمدائن وهو حي، فسرت إليه، فقلت: من حدثك؟ فقال: حدثني شيخ بواسط، وهو حي، فصرت إليه فقال: حدثني شيخ بالبصرة فصِرْتُ إليه، فقال: حدثني شيخ بعبادان فصرتُ إليه، فأخذ بيدي فأدخلني بيتا فإذا فيه قوم من المتصوفة، ومعهم شيخ، فقال: هذا الشيخ حدثني، فقلت: يا شيخ من حدثك؟ فقال: لم يحدثني أحد، ولكنا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن، فوضعنا لهم هذا الحديث، ليصرفوا قلوبهم إلى القرآن» (٢).

стр. 982

ولم يعلق ابن الملقن (١) ولا البلقيني (٢) على إبهام ابن الصلاح المذكور بشيء، وقد أقر العلماء من بعد العراقي ما ذكره (٣). وقال ابن الصلاح أيضًا: قال بعض أئمتنا: «المستور من يكون عدلا في الظاهر ولا تعرف عدالة باطنه» (٤). فقال العراقي: «وهذا الذي أبهمه المصنف بقوله: «بعض أئمتنا» هو أبو محمد البغوي، صاحب «التهذيب»، فهذا لفظه بحروفه فيه، ويوافقه كلام الرافعي في الصوم، فإنه قال فيه: «إن العدالة الباطنة هي التي يرجع فيها إلى أقوال المزكين»» (٥). وبذلك حدد مصدرين: أولهما بالنص، والثاني بالمعنى. وتحديده لمصدر النص بحروفه، كما قال، يدل على أنه رجع إليه، وقابله تفصيلا، بما ذكره ابن الصلاح، وقد شارك العراقي في بيان هذا المبهم ابن الملقن (٦). ومما جمع فيه العراقي بين تحديد المصدر، ورفع التضعيف: أن ابن الصلاح، ذكر من متشابه الرواة موسى بن علي بن رباح اللخمي المصري، وذكر أنه عرف بضم العين في اسم أبيه، قال: «وقد روينا عنه تجريحه ممن يقوله بالضم».

стр. 983

ثم قال: «ويقال: إن أهل مصر كانوا يقولونه بالفتح، لذلك، وأهل العراق كانوا يقولونه بالضم، وكان بعض الحفاظ يجعله بالفتح اسما له، وبالضم لقبا» (١). فقال العراقي في «النكت» تعليقا على قوله: «ويقال أن أهل مصر» إلخ أبهم المصنف قائل ذلك وأتى بصيغة التمريض، والذي قال ذلك: محمد بن سعد، قاله في «الطبقات»، بلفظ: «أهل مصر يفتحون، وأهل العراق يضمون» وبنقله لنص ابن سعد، أوضح أن تضعيف هذا الرأي، هو من جانب ابن الصلاح، وليس من المصدر الأصلي الذي اعتمد عليه، وقد ذكر السخاوي: أن القول بفتح العين مشهور، وفتحها هو الصحيح (٢). ثم علق العراقي على قول ابن الصلاح أيضا: «وكان بعض الحفاظ يجعله إسما له»، إلخ. فقال: «أبهم المصنف تسمية الحافظ القائل ذلك، وهو الدارقطني» (٣) ولم يتعرض لأي من ذلك البلقيني (٤) ولا ابن الملقن (٥)، وقد أيد السيوطي العراقي في تحديد ما أبهمه ابن الصلاح (٦). وربما حدّد العراقي ما أبهمه ابن الصلاح بطريق الاستنتاج، حسبما يظهر له.

стр. 984

مثال ذلك: أن ابن الصلاح قال عن سعيد بن المسيب: «وقد قال بعضهم: لا تصح له رواية عن أحد من العشرة (١)، إلا سعد بن أبي وقاص» (٢). فقال العراقي: «قلت: هكذا أبهم المصنف قائل ذلك، والظاهر أنه أخذ ذلك من قول قتادة، الذي رواه مسلم في مقدمة «صحيحه»، من رواية همام قال: دخل أبو داود الأعمى على قتادة، فلما قام قالوا: إن هذا يزعم أنه لقي ثمانية عشر بدريًا، فقال قتادة: هذا كان سائلا قبل الجارف، لا يعرض في شيء من هذا، ولا يتكلم فيه، فوالله ما حدثنا الحسن عن بدري مشافهة ولا حدثنا سعيد بن المسيب عن بدري مشافهة، إلا عن سعد بن مالك» (٣)، ولم يتعرض البلقيني (٤)، ولا ابن الملقن (٥)، لذلك، ولكن قد أقر العراقي من بعده على ما استظهره، في تحديد ما أبهمه ابن الصلاح (٦)، ونقله عنه السيوطي (٧). وقد ينبه على أنه لم يجد مصدرا لما قرره ابن الصلاح. مثال ذلك: أن ابن الصلاح ذكر ممن يكنى أبا عبد الله من الرواة: عمارة بن حزم (٨) فقال العراقي: «يُنْظَرُ فإني لم أر من كنّاه بذلك، ولم يذكروا له كنية

стр. 985

فيما وقفت عليه، كالبخاري في «التاريخ الكبير»، وابن أبي حاتم في «الجرح والتعديل»، والنسائي، وأبي أحمد الحاكم، وابن حبان، وابن منده، وابن عبد البر (١)، ولم يعلق البلقيني (٢)، ولا ابن الملقن (٣)، على ما ذكره ابن الصلاح بشيء، ولكن السيوطي تبع العراقي في التوقف في ذلك» (٤). ثالثا: توضيحه للمشكل، والمجمل: فمن المشكل أن ابن الصلاح ذكر عن الحافظ أبي نصر السجزي: أن قول الراوي: «بلغني» يسميه أصحاب الحديث «معضلا»، ومثل له بقول مالك: «بلغني عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: للمملوك طعامه وكسوته» الحديث (٥). فقال العراقي: «قد استشكل كون هذا الحديث معضلا، لجواز أن يكون الساقط بين مالك وأبي هريرة واحدا، فقد سمع مالك من جماعة من أصحاب أبي هريرة: كسعيد المقبري، ونعيم ابن المجمر، ومحمد بن المنكدر، فَلِمَ جعله معضلا؟»، ثم تصدى للجواب فقال: «والجواب: أن مالكًا قد وصل هذا الحديث خارج «الموطأ»، فرواه عن محمد بن عجلان، عن أبيه عن أبي هريرة» (٦). فقد عرفنا سقوط اثنين منه، فلذلك سموه معضلا والله أعلم (٧). وبالمقارنة
следующие страницы →